Полный текст (1 014 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 631
إحداهما: يقرأ آية طويلة، أو ثلاث آيات قصار.
والثانية: يكفيه أن يقرأ آية واحدة، وإن قصرت كقوله: ثم نظر، وقوله مدهامتان، وقال أبو حنيفة: السنة أن يقرأ الفاتحة، حتى لو تركها يلزمه سجود السهو.
دليلنا ما روى أن النبي ﷺ ، قال، كل صلاة لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج.
ولأنه ركن في الصلاة، فوجب أن يتعين قياسًا على سائر أركانها، وقد قالوا: لو نسي الفاتحة، وقرأ ثلاث آيات ثم ركع فتذكر في الركوع أنه نسي الفاتحة عليه أن يعود إلى القيام، ويقرأ الفاتحة، وهذا من أقوى الأدلة لنا عليهم.
стр. 632
قال المزني: ويبتدئها بـ (بسم الله الرحمن الرحيم)، لأن النبي ﷺ قرأ بأم القرآن وعدها آية.
قال القاضي حسين: التسمية عندنا آية من الفاتحة وهل هي آية من كل سورة من سائر السور؟ فعلى قولين.
ومن أصحابنا: من قال: القولان في أنها أثبت في رأس كل سورة للفصل، أو لكونها قرآنا، فأحد القولين، أنها للفصل.
والثاني: تكون قرآنا في رأس كل سورة.
وعند أبي حنيفة هي ليست من القرآن إلا في سورة النمل، فإنها تكون نصف آية منها، ولا خلاف في أنه لا يكفر جاحدها، لأن التكفير نتيجة الإجماع، ولا يظهر الخلاف مع أبي حنيفة في وجوب قراءتها في الصلاة، لأن عند أبي حنيفة قراءة الفاتحة لا تجب في الصلاة، وإنما يظهر الخلاف معه في الجهر، فعندنا يجهر بالتسمية، لأنها من الفاتحة، وعند أبي حنيفة لا يجهر بها بل يسر، وظهر الخلاف مع مالك في وجوب القراءة، فإنه يقول: قراءة الفاتحة واجبة، والتسمية ليست من الفاتحة، ثم إثبات التسمية طريقة طريق القطع، أو طريق الحكم؟ فعلى وجهين:
أحدهما: طريقه طريق القطع،، فعلى هذا لا يجوز إثباته بأخبار الآحاد، بل بإجماع الصحابة على كتابتها بين السورتين بعلم القرآن وخبره وخطه في مواضع كثيرة، ولو لم تكن من القرآن لما أثبت فيه، ولكانوا يعترضون على مثبتيه فيه، لأنهم كانوا أحوط في دين الله من أن يثبتوا غير القرآن في القرآن على نسق واحد.
والثاني: طريقه طريق الحكم، فعلى هذا يثبت بأخبار الآحاد، وفيه أخبار
стр. 633
منها ما روى العلاء بن عبد الرحمن عبد أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: فاتحة الكتاب سبع آيات إحداهن، بسم الله الرحمن الرحيم. وروت أم سلمة أن النبي ﷺ قرأ فاتحة الكتاب، فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم، وعدها آية، ووافقنا أبو حنيفة في أن الفاتحة سبع آيات إلا أنه يجعل الآية السابعة من قوله، (غير المغضوب) إلى آخرها، وعندها من قوله: (صراط الذين) إلى آخرها، وما قاله غير صحيح؛ لأنه قوله: (غير) كلمة استنثاء، ولا يبتديء بها الآية، إلا أن توجد كلمة الاستثناء في أول الآية كقوله تعالى: (إلا آل لوط)، وغيره موجود في القرآن.
فإن قيل: لو كان هذا من القرآن لكفر جاحده، قلنا: لو لم يكن من القرآن لكان يكفر مثبتها، وحكى القفال عن أبي نصر المؤذن أنه قال: اتفق قراء الكوفة على أن التسمية آية من الفاتحة، واتفق قراء المدينة على أنها ليست بآية من الفاتحة، واتفق قراء (المدينة) على أنها ليست بآية من الفاتحة، واتفق فقهاء المدينة على أنها آية من الفاتحة.
فصل:
الترتيب في آي الفاتحة يشترط فلو ترك بسم الله الرحمن الرحيم حتى قرأ الفاتحة أو بعضها لم يحسب له ما قرأ حتى يرجع إلى التسمية فيقرؤها، ويستأنف الفاتحة،
وجملة ما يلزمه فيها سبعة أشياء:
أحدها: أن يعتقد فيها الفرضية، وكون التسمية فيها، والترتيب في آيها،
стр. 634
ومراعاة النظم حتى لو أتي بها بلسان آخر لا يجوز، ويأتي بالموالاة، حتى لو سكت سكوتًا طويلاً لا يعتد به، فيأتي فيها أربعة عشرة تشديدة، وألا يدخل في خلالها ما ليس منها، ولو كرر آية واحدة منها لا يضره، وحد القراءة أن يتلفظ بالحروف ويسمع نفسه، فإن لم يسمع نفسه ففكره، وليست بقراءة فلا يجزيء.
فأما إسماع الغير ليس بشرط في موضع الإسرار بل هو مكروه.
حكى عن أبي إسحاق المروزي أنه قال: ما ناظرت عاميًا إلا وقد غلبني إلا في هذه المسألة، فإنه قال أعرابي بـ (بغداد)، أنت تقول: يقرأ بحيث يسمع نفسه، وأنت تقرأ في الصلاة ولا أسمع قراءتك، فقلت له، أنا قد قلت: يقرأ ويسمع نفسه، ونفسك ليست بنفسي فسكت.
فأما إذا قرأ شيئًا آخر من القرآن في خلال الفاتحة.
قال الشافعي: إن كان متعمدًا انقطع النظم، وعليه أن يستأنف الفاتحة، وإن كان ساهيًا بني ورجع إلى الموضع الذي قطع، هذا إذا قطع ولم يتلفظ بحرفين، فإن تلفظ بحرفين بعد الذكر انقطع النظم، وعليه الاستئناف، ولو سكت في خلال الفاتحة إن كانت سكتة يسيرة للاستراحة لم يضره، وإن طال ذلك انقطع النظم، هذا إذا سكت متعمدًا.
فأما إذا سكت ناسيًا نص الشافعي على أنه إن طال سكوته بني على القراءة، ولو نوي القطع إن جرى مع هذه النية على سرد قراءته لغت نيته، وإن سكت انقطع النظم ويستأنف، لأنه اتصل قطع القراءة بنية القطع فانقطع النظم، نظيره إذا جلس في الركعة الأولى على تقدير أنه في الثانية ليتشهد، ثم تذكر أنه لم يزد على جلسة الاستراحة، ولم يكن أخذ في قراءة التشهد لا يلزمه سجود السهو، وإن كان قد أخذ في قراءة التشهد سجد للسهو، لأنه اتصل به القراءة، فمنعت حملها على جلسة الاستراحة.
ونظيره المودع ينوي استعمال الوديعة والتعدي فيها، فلا يضمن بمجرد النية، فإن نقلها إلى مكان آخر مع النية دخلت في ضمانه قبل الاستعمال؛ لأن فعله
стр. 635
انضم إلى نيته، ولو كا مقتديًا بالإمام، فقرأ إمامه الفاتحة وهو في خلالها، فأمن أو أرتجت القراءة على إمامه، ففتح عليه، ولقنه، أو سجد للتلاوة، فتابعه في السجود، أو قرأ أمامه بآية رحمة فسألها، او آية عذاب فاستعاذ، لم ينقطع به نظم الفاتحة.
ومن أصحابا من قال: انقطع به نظم القراءة، فأما إذا أرتج على غير إمامه فلقنه، أو عطس هو أو غيره فشمته، أو سلم عليه، فقال: وعليه السلام، أو أجاب المؤذن فإنه تبطل قراءته، والفرق أن هذه ليست من مصلحة صلاته بخلاف ما قبله، فإن ذلك من مصلحة صلاته، وهذا ما لو قال: بعتك داري هذه بألف، وارتهنت عبدك هذا منك، فقال: اشتريت ورهنت يجوز، وإن وجد أحد مصراعي عقد الرهن قبل وجوب الثمن؛ لأنه مصلحة العقد، وبمثله لو قال لعبده: كاتبتك على ألف منجم بنجمين، وبعتك عبدي هذا، فقال العبد: قبلت الكتابة والبيع، لم يجز، لأن بيع العبد ليس من مصلحة الكتابة، ولو لحن في الفاتحة إن [كان] لحنًا يحيل المعنى إن تعمده بطلت صلاته، لأنه كلام عمد، وإن كا ساهيًا سجد للسهو، وينقطع به نظم الفاتحة، وإن كان غير قادر على الصواب، فهو الأمي الذي تصح صلاته قبل إمكان التعليم، وإذا مضى زمان إمكان التعليم، ولم يتعلم يعيد ما صلى بعده، ولو كان لحنًا لا يغير المعنى، مثل أن يقول: الهمد لله بدل الحمد، أو خفض مرفوعًا أو منصوبًا مثل أن يقول: اهدنا الصراط المستقيم بالخفض، أو رفع مخفوضًا مثل أن يقول: الرحمن الرحيم لم تبطل صلاته.
فرع
لو شك في القيام أنه قرأ الفاتحة أم لا؟ فصبر ساعة وسكت حتى تذكر أنه هل قرأ أم لا؟ جاز، ومثله في الركوع شك أنه هل قرأ الفاتحة أم لا؟ لزمه في الحال أن يعود إلى القيام، وكذا في السجود لو شك أنه هل ركع أم لا؟ عليه
стр. 636
أن يعتدل قائمًا ثم يركع، لأنه هوية إلى السجود كان غلطًا، ولو صبر في السجود ساعة كي يتذكر تبطل صلاته.
والفرق بين القيام والركوع والسجود أن في أحد محتمليه أنه ليس عليه الركوع ولا السجود، وهناك في كل محتمليه، فالقيام عليه واجب، وهو في القيام الواجب يعد حتى لو عاد إلى القيام من السجود، ثم يفكر ساعة لا يضر.
فرع
إمام نسي السجدة الأخيرة فقام، والمأموم يسجد ولم يعد، فعلى المأموم في الحال أن يخرج نفسه من متابعته، ويشتغل بالسجود حتى لو سجد، ولم يخرج نفسه من متابعته بطلت صلاته، ولو صبر كي يعود إليه الإمام أيضا تبطل صلاته، لأن الجلسة بين السجدتين ركن مقصود لا يحتمل التطويل.
قال المزني: فإذا قال: ولا الضالين، قال: آمين، فيرفع بها صوته، ليقتدى به من خلفه، لقول النبي ﷺ : إذا أمن الإمام، فأمنوا، وبالدلالة عن رسول الله صلىى الله عليه وسلم، أنه جهر بها، وأمر الإمام بالجهر بها.
قال الشافعي: ﵀ وليسمع من خلفه أنفسهم.
قال القاضي حسين: قوله: آمين لا يصله بالقراءة، بل يفصله عنها بقدر يسير، لأنه ليس من القرآن، وإنما هو دعاء، ومعناه: اللهم اسمع واستحب وهو مخفف، ويجوز ممدودًا ومقصورًا، ولا يجوز بالتشديد، وهو أول لحن سمع من الحسين بن فضل البلخي لما دخل خراسان.
стр. 637
ثم الإمام يجهر بالتأمين على الصحيح من المذهب لما روى أن رسول الله ﷺ كان إذا قال: ولا الضالين، يقول: آمين يرفع بها صوته، وفي المأموم قولان:
أحدهما: وهو قوله الجديد أنه يجهر بها.
والثاني: وهو قوله القديم يسر بها، وعند أبي حنيفة يسر بالتأمين الإمام والمأموم، وربما يقولون الإمام لا يؤمن، وإنما يؤمن المأموم ويسر به.
دليلنا: ما روى أن النبي ﷺ قال: إذا أمن الإمام أمنت الملائكة، فأمنوا فمن وافق تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه.
وروى أنه ﵇ كان إذا قال: ولا الضالين، أمن وأمن الناس، حتى إن للمسجد لضجة أو لرجة أو للجة، وأما المنفرد فيسر به كما بالفاتحة،
стр. 638
قال المزني: ثم يقرأ بعد أم القرآن بسورة.
قال القاضي حسين: فالسنة إذا فرغ من قراءة الفاتحة أن يقرأ سورة، لما روى أن النبي ﷺ قال: لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب وشيء معها.
فلو قرأ السورة قبل الفاتحة لم يحسب.
وقال الشافعي نصًا، أستحب له أن يعيد السورة بعد الفاتحة هذا في الركعتين الأوليين وفي الأخيريين قولان:
أحدهما: قرؤها كما في الأوليين.
والثاني: لا؛ لأن مبناهما على التخفيف بخلاف الأوليين هذا كله في المنفرد والإمام، فأما المأموم ما حكم قراءته؟ سنذكره فيما بعد إن شاء الله .
стр. 639
فرع
فلو قام على إحدى قدميه، قال ﵁: ينبغي أن يجوز لوجود القيام، ولو طأطأ رأسه قليلا لم يضر؛ لأنه من الخشوع والخضوع، ولو حنى ظهره بحيث بلغ هيئة الراكعين، أو قربًا منها لم يجزه، لأنه ليس بقائم في هذه الحالة.
قال المزني: فإذا فرغ منها، وأراد أن يركع، ابتدأ التكبير قائمًا، فكان فيه، وهو يهوي راكعًا، ويرفع يديه حذو منكبيه، حين يبتديء التكبير، ويضع راحتيه على ركبتيه، ويفرق بين أصابعه، ويمد ظهره وعنقه، ولا يختفض عنقه عن ظهره، ولا يهوي راكعًا، ويرفع يديه حذو منكبيه، حي يبتديء التكبير، ويضع راحتيه على ركبتيه، ويفرق بين أصابعه، ويمد ظهره وعنقه، ولا يخفض عنقه عن ظهره، ولا يرفعه ويكون مستويًا ويجافي مرفقيه عن جنبيه، ويقول إذا ركع: سبحان ربي العظيم ثلاثًا، وذلك أدنى الكمال.
قال القاضي حسين: الركوع ركن في الصلاة،، وإذا ركع فالسنة أن يكبر وكذلك في كل انتقال من ركن إلى ركن، وروى أن النبي ﷺ ، كان يكبر في كل خفض ورفع، ثم السنة أن يمد التكبير إلى أن يهوي إلى الركوع أو يجزمها جزمًا فعلى قولين:
стр. 640
أحدهما: وهو قوله الحديث، وهو الأظهر يمده إلى أن يهوي إلى الركوع حتى لا يخلو جزء من أجزاء الصلاة عن الذكر.
стр. 641
والثاني: وهو قوله القديم يجزم التكبير جزمًا لقوله ﵇: التكبير جزم، والتسليم جزم.
ويرفع يديه مع التكبير، وقال أبو حنيفة: لا يسن رفع اليدين في الصلاة إلا عند الافتتاح، لنا ما روى ابن عمر أن النبي ﷺ كان يرفع يديه في ثلاثة مواضع: إذا كبر، وإذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع، ويهوي بحيث لو أراد أن يضع يديه على ركبتيه لنالت يداه ركبتيه، هذا هو الواجب، ولا يجب وضع اليدين على الركبتين، بل هي سنة، ويفرق بين أصابعه ويجافي مرفقيه عن جنبيه، روى أن النبي ﷺ كان إذا ركع يجافي مرفقيه عن جنبيه، بحيث لو لم يكن عليه ثوب ترى عفرة إبطيه، ويسوى بين ظهره وعنقه، لا يخفض عنقه ورأسه عن ظهره، ولا يرفعها.
روت عائشة أن النبي ﷺ كان إذا ركع يسوى ظهره وعنقه، وبحيث لو وضع قدح ماء على ظهره ما انصب، أو قال: لم ينصب.
والطمأنينة ركن في الركوع، وذلك أن يبقى لحظة بعد هويه إلى حال، تنال يداه ركبتيه، خلافاً لأبي حنيفة لنا حديث الأعرابي الذي أساء الصلاة، روى أن أعرابيًا دخل مسجد النبي ﷺ فصلى وأساء الصلاة، ثم جاء وسلم على رسول الله ﷺ فرد الجواب، ثم قال: ارجع فصل فإنك لم تصل، فرجع فصلى ثم عاد وسلم عليه، فرد عليه الجواب، ثم قال: ارجع فصل فإنك لم تصل، فقال الأعرابي: لا أحسن غير هذا، فعلمني ما يجزيني، فقال ﵇: توضأ كما أمرك الله، ثم استقبل القبلة، ثم قل: الله أكبر،
стр. 642
ثم اقرأ ما معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، ثم ارفع رأسك حتى تعتدل جالسًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم افعل كذلك في كل ركعة.
فالشافعي ﵀ جعل حديث الأعرابي، وحديث أبي حميد الساعدي حين وصف صلاة النبي ﷺ لبعض أصحابه إمامًا في الصلاة، ثم السنة أن يسبح الله تعالى في الركوع، ويقول: سبحان ربي العظيم.
وروى أنه لما نزل قوله تعالى: (فسبح باسم ربك العظيم) قال ﵇: (اجعلوها في ركوعهم)، ولما نزل قوله تعالى/ (سبح اسم ربك الأعلى)، قال ﵇: (اجعلوها في سجودكم).
وروى أنه قال ﵇: (أما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فأكثروا فيه من الدعاء فإنه قمن أن يستجاب لكم)، ثم السنة أن يسبح ثلاثًا.
قال الشافعي: ويقول: سبحان ربي العظيم ثلاثًا، وذلك أدني الكمال، ولم يرد به أنه لا يجزئ أقل من الثلاث، لأنه لو سبح مرة أو مرتين، كان آتيا بسنة التسبيح، وإنما أراد أن أول الكمال هو الثلاث.
стр. 643
قال ﵇: (إذا ركع أحدكم فليقل: سبحان ربي العظيم ثلاثًا، وذلك أدناه، وإذا سجد فليقل، سبحان ربي الأعلى ثلاثًا وذلك أدناه)، أراد به أدنى الكمال، وأول الكمال، ولو سبح خمسًا أو سبعًا أو تسعًا أو أحد عشر كان أفضل وأكمل، غير انه إذا كان إماما فالسنة ألا يزيد على الثلاث مراعاة لمن خلفه، وقد ورد في الخبر ان النبي ﷺ قال في ركوعه اللهم لك ركعت وبك آمنت ولك أسلمت، أنت ربي، خشع سمعي وبصري وعظامي وعصبي وشعري وبشري، وما استقلت به قدمي لله رب العالمين.
ويستحب أن يجمع بينهما للمنفرد دون الإمام، ولو أراد الاختصار اقتصر على الأول، ولو قال: سبحان ربي العظيم وبحمده فحسن، ويروى ذلك في الأخبار ومعناه الحمد لله على ما وفقني للتسبيح أو معناه أحمده مع تسبيحي له، وتسبيحات الركوع والسجود غير واجبة عندنا، والأخبار محمولة على بيان الكمال، والمستحب عن أحمد بن حنبل ﵀ هي واجبة، واحتج بأنه ركن في الصلاة، فوجب أن يكون فيه ذكر مشروع كالقيام.
دليلنا: حديث الأعرابي الذي أساء الصلاة، فعلمه ﵇ ما يجزيه،
стр. 644
ولم يأمره بالتسبيحات، وليس كالقيام، لأنه ينقسم إلى العادة والعبادة، فاحتاج فيه إلى ذكر لامتياز العادة عن العبادة، بخلاف الركوع، والسجود، فإنه عبادة محضة، ولا تشترك فيه العادة، لأنه لا يجوز السجود للمخلوقين.
روى أن النبي ﷺ قال: (لو جاز لمخلوق أن يسجد لمخلوق، لجاز للمرأة أن تسجد لزوجها).
وروى أن أعرابيًا، أتي النبي ﷺ وقال: إني آمنت بك فأرني علامة أزداد بها إيمانا، فقال له النبي ﵇: اذهب إلى تلك الشجرة، وقل لها: إن النبي ﷺ يدعوك. فذهب إليها وأدى الرسالة، فجعلت الشجرة تتحرك يمنة ويسرة حتى انقلعت من الأرض، وجعلت تجر الأرض حتى أتت النبي ﷺ ثم قال: ﵇ للاعرابي، قل لها: ارجعي إلى مكانك، فقال: فرجعت إلى مكانها، وثبتت كما كانت، قال: فجاء الأعرابي، وقال ائذن لي رحمك الله حتى أقبل رأسك فإذن له: فقبل رأسه، ثم قال: ائذن لي حتى أقبل يدك فأذن له، فقبل يده، ثم قال: ائذن لي حتى أسجد لك، فقال ﵇: لو أذنت لمخلوق أن يسجد لمخلوق، لأذنت للمرأة أن تسجد لزوجها.
стр. 645
فرع
لو نسي تسبيحات الركوع والسجود حتى اعتدل قائمًا لم يجز له أن يعود إلى الركوع لأجلها، لأنه فرض، والتسبيحات سنة، ولا يجوز قطع الفرض بسبب السنة، كما لو قرأ آية السجدة فهوى ليسجد، فلما بلغ حد الركوع، توقف راكعًا لا يقع ذلك عن الركوع، لأن هويه كان نفلا والركوع فرض، فلو عاد إن كان عالمًا بطلت صلاته، لأنه زاد ركوعا، ولو كان ناسيًا لم تبطل، وعليه سجود السهو، ولو أدركه مسبوق في هذه الحالة لا يصير مدركًا للركعة، لأن هذا الركوع غير محسوب له، ولو ادرك الركعة الخامسة التي قام الإمام ساهيًا إليها، فصلاها معه حسب له ركعة.
والفرق أن هناك يأتي بالركعة فحسب له فعله وفيما نحن فيه هذا فعل إمامه، وفعل الإمام غير محسوب للمأموم فلم يكن محسوبًا له.
نظيره أن لو أدرك الإمام في الركوع في الركعة الخامسة لا يصير به مدركًا للركعة، وإنما يدرك المسبوق الركعة إذا هوى في الكوع، واجتمع مع إمامه في الحالة التي لو أراد كل واحد منهما أن يضع يديه على ركبتيه لنالت يداه ركبتيه فإن كان هو في الهوى، والإمام في الارتفاع لم يصر مدركًا للركعة، لأنه لم يدركه في الركوع.
قال المزني: وإذا أراد ان يرفع، ابتدأ قوله مع الرفع: (سمع الله لمن حمده) ويرفع يديه حذو منكبيه، فإذا استوى قائمًا قال أيضًا: (ربنا لك الحمد، ملء السموات، وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد) ويقولها من خلفه، وروى هذا القول عن النبي ﷺ فإذا هوى ليسجد، ابتدأ التكبير قائمًا، ثم هوى مع ابتدائه، حتى يكون انقضاء تكبيره مع سجوده، فأول ما يقع منه على الأرض ركبتاه، ثم يداه، ثم جبهته وأنفه، ويكون على أصابع رجليه، ويقول في سجوده: سبحان ربي الأعلى: ثلاثًا، وذلك أدنى الكمال، ويجافي مرفقيه عن جنبيه،
стр. 646
حتى إن لم يكن عليه ما يستره، رئيت عفرة إبطيه، ويفرج بين رجليه، ويقل بطنه عن فخذيه، ويوجه أصابعه نحو القبلة.
قال القاضي حسين: إذا فرغ من الركوع واعتدل قائمًا وهما ركنان عندنا، وقال أبو حنيفة: الاعتدال ليس بركن، ثم اختلفوا فيه.
فمنهم من قال: يهوي من الركوع إلى السجود فيجوز.
ومنهم من قال: يرفع رأسه من الركوع، بحيث يكون أقرب إلى القيام منه إلى الركوع.
دليلنا: حيث الأعرابي الذي أساء الصلاة، وتبتدأ مع الرفع.
قوله: سمع الله لمن حمده، ويرفع يديه حذو منكبيه، وإذا استوى قائمًا يقول: ربنا لك الحمد، إمامًا كان أو مأمومًا أو منفردًا.
ومعنى قوله: سمع الله لمن حمده، أي: قبل الله حمد من حمده.
وقال أبو حنيفة: الإمام يقول: سمع الله لمن حمده، والمأموم يقول: ربنا لك الحمد، ويجمع المنفرد بينهما، واحتج بأنه دعاء وسؤال من الله تعالى قبول الحمد، فينوب فيه الإمام عن المأموم، ولو كان كما قال لوجب أن يبدأ المأموم بقوله: ربنا لك الحمد، ثم الإمام يقول: سمع الله لمن حمده.
دليلنا: ما روى أن النبي ﷺ قال: إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده، فقولوا: سمع الله لمن حمده وإذا قال: ربنا لك الحمد، فتلك بتلك.
وروى عن علي ﵁ أن النبي ﷺ كان إذا رفع رأسه من الركوع، قال: سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد، ملء السموات، وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد.
стр. 647
وفي بعض الروايات: ملء السموات والأرض وما بينهما.
وفي رواية: أهل الثناء والمجد أحق ما قال العبد.
وروى حق ما قال العبد، كلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد.
منهم من قال: لا يفع ذا النسب في الدنيا نسبه في الآخرة.
ومنهم من قال: معناه لا ينفع ذا الحظ في الدنيا، حظه في العقبي.
وقيل: الجد منك، الجد بالخفض، والأصح أنه بالنصب على التفسير الذي ذكرنا.
ويروى: أهل الثناء والمجد، على جهة النداء.
وروى أن النبي ﷺ سمع رجلا يقول: سمع الله لمن حمده حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، فقال ﵇: رأيت عدة من الملائكة يكتبون ما قلت.
وفي رواية يبتدرون بالثواب، يعني بكتب الثواب.
فرع
لو أن رجلا في الاعتدال، تذكر أنه ترك الركوع، أو شك، هل تركه؟
عاد إلى الركوع، فلو ثبت على حالته، ولم يعد لحظة، بطلت صلاته،
стр. 648
ولو أطال القيام في الاعتدال بطلت صلاته، لأنها قومة قصيرة، فلا يجوز أن يمدها.
قوله: فإذا هوي ليسجد ابتداء التكبير قائمًا.
الركن بعد الاعتدال قائمًا في الركوع، هو السجد فيهوي إلى السجود مكبرًا، وهل يمد التكبير إلى أن يهوي إلى السجود، أو يجزمه جزمًا
فعلى قولين كما ذكرنا، ولا يرفع اليدين، وأول ما يقع منه على الأرض ركبتاه ثم يداه ثم جبهته وأنفه.
وقال أبو حنيفة: أول ما يقع منه على الأرض ركبتاه ثم يداه، واحتج بأن النبي ﷺ قال: إذا صلى أحدكم فلا يبرك بروك البعير.
دليلنا: ما روى ابن عمر أنه قال: أمرنا رسول الله ﷺ ، بتقديم الركبتين على اليدين.
وعن مصعب بن سعد، أنه قال: كنا نقدم اليدين على الركبتين، فأمرنا بتقديم الركبتين على اليدين، ولأن الركبتين أول معاطف من الأرض، فوضعهما على الأرض أولا أحسن من أن يتهافت على الأرض.
وقوله ﵇: فلا يبرك بروك البعير، حجتنا، فإن البعير يبدأ بوضع اليدين، إلا أن ركبتيه في يديه، ويجب وضع الجبهة على الأرض عندنا.
وقال أبو حنيفة: لا يجب وضعها على الأرض، ولو وضع الأنف جاز.
وقال أبو يوسف: إن كان بجبهته علة، وضع الأنف على الأرض، وإلا وضعها على الأرض، وعندنا إذا كان بجبهته علة يدنيها من الأرض، ولا يجزيه وضع الأنف على الأرض.
стр. 649
دليلنا: ما روي أن النبي ﷺ قال لرباح مولى ابن عباس: مكن جبهتك من الأرض، ولو كان به صداع، لا يمكنه أن يضع جبهته على الأرض، ولكن لو وضع وسادة، يمكنه أن يضع جبهته عليه، ولا يخرج بوضع جبهته عليه من حد السجود يجب عليه وضع الوسادة، وهل يجب وضع اليدين على الأرض؟ فعلى قولين:
أحدهما: يجب كالجبهة، لما روى أن النبي ﷺ قال: أمرت أن أسجد على سبعة اعضاء، وفي رواية: على سبعة أعظم، وفي رواية: على سبعة آراب، اليدان، والركبتان، والقدمان، والجبهة، وأمرت ألا أكف شعرًا ولا ثوبًا، وفي رواية لا أكفت شعرا ولا ثوبًا.
ومعناه: لا يضم الرجل شعره في الصلاة ولا ثوبه.
والقول الثاني: لا يجب لأن النبي ﷺ في حديث رباح أمر بوضع الجبهة، وخص الجبهة بالذكر.
стр. 650
فأما وضع الركبتين على الأرض، مرتب على وضع اليدين، وها هنا أولى بألا يجب، لأنه أبعد عن المسجد، وكذا وضع القدمين، مرتب على وضع الركبتين.
وإن قلنا: وضع هذه الأعضاء على الأرض، لا يجب، فلا كلام.
وإن قلنا: يجب، فهل يجب كشفها؟ أما الركبتان، فلا يجب كشفهما، ولا يجوز لقربهما من العورة، والقدمان كذلك، لاستتارهما غالبًا، وفي اليدين قولان:
أحدهما: لا يجب كشفهما لأنهما يكونان مستورتين في الغالب.
والثاني: يجب، روى عن خباب بن الأرت، أنه قال: شكوا إلى رسول الله ﷺ حر الرمضاء في جباهنا وأكفنا، فلم يشكنا، أي لم يزل شكوانا، ولم يرخص لنا فيه.
وعلى المذهب لا خلاف في أنه يجب كشفه الجبهة، وأن يمس مسجده بجبهته، ولو سجد على كور العمامة لا يجوز، وكذلك ما يرتفع بإرتفاعه وينخفض بانخفاضه، لا يجوز أن يسجد عليه، مثل أن يسجد على ذيله، أو ثوبه، أو على طرف عمامة طرفها الآخر في رأسه، سواء كان يتحرك أو لا يتحرك أو كان قد عصب رأسه بعصابة أو كان أغمر يستر الشعر جبهته، فلا يجزيه حتى يلصق الجبهة بالأرض، ويباشرها بها.
стр. 651
وقال أبو حنيفة: إذا سجد على كور العمامة أو كمه، أو ذيله جاز.
ودليلنا حديث خباب بن الأرت، ونقيس على ما لو سجد على كفه إلا أنهم يقولون: لو وضع الكف على الأرض وسجد عليها، جاز وإنما لا يجوز إذا رفعها وسجد عليها، هذا إذا لم يكن بعض جبهته مكشوفًا.
فأما إذا كان بعض جبهته مكشوفًا، بحيث إذا وضع ذلك القدر على الأرض كان من جملة الساجدين جاز، لأنه لا يجب وضع جميع الجبهة على الأرض، بل يجب وضع القدر الذي يدخل به في حد الساجدين، وإنما يدخل في حد الساجدين أن يتحامل على الأرض بثقل ظهره ورأسه، ووضع الجبهة عليها، فلو سجد على مكان رخو، مثل أن يسجد على القطن والحشيش إن تحامل عليه، بحيث يلاصقه، أجزأه وإلا فلا، لأنه ليس بوضع وإنما هو مس ولو سجد على ظهر إنسان، أو مكان آخر مرتفع، فإن كان الارتفاع قليلاـ، بحيث أنه يعرف ساجدًا لا يضره، وإلا فلا يجوز له والحد فيه ينبغي أن يكون أعالي بدنه
стр. 652
دون أسافل بدنه في حال السجود؛ لأن حد السجود أن يعتمد بجبهته على مسجده، متحاملا عليه بثقل عنقه ورأسه وأن يكون أسفل بدنه عاليا، ولو سجد على مكان رخو، ولم يتحامل عليه، أو سجد على كفاه لا يحتسب سجوده.
فلو رفع رأسه وأتى بسجدتين، نظر إن كان عالمًا بأنه لا يجوز ذلك، وفعله متعمدًا، قال: ينبغي أن تبطل صلاته، ولو كان جاهلا بذلك لا تبطل صلاته، ولو سجد على مكان خشن، بحيث يجرح جبهته، فرفع رأسه عنه ووضعه مكان آخر، تبطل صلاته، وإن تزحف من ذلك الموضع إلى موضع آخر، لا تبطل صلاته، ولو وضوع جبينه على الأرض، قال ﵁: لا يجوز، لأن الجبهة لا تنطلق عليه، وإنما هو أمر بوضع الجبهة على الأرض.
فرع
لو أنه رأى في خلال الصلاة ورقة ملتصقة بجبهته، وتيقن أنها لم تكن حال الشروع في الصلاة، يأخذ بأسوأ الأحوال، وهو أنها التصقت بجبهته في السجود الأول، فيجزيه السجود الأول، لأنه يسجد على ورقة على الأرض، وعليه إعادة ما بعده، لأنه لم يماس المسجد بالجبهة، بل سجد على متصل به.
قال القاضي ﵁: إذا شعر بها لا يخلو إما أن يكون بعد هو في الصلاة أو بعد السلام، فإن كان قد سلم عن الصلاة، فرأى في جبهته ورقة، إن لم يضع على الأرض بعد السلام، إن كان الفصل قريبًا، يبنى على صلاته، كما ذكرنا، وإن طال الفصل حكمه حكم ما لو شاء أنه ترك ركنًا من أركان الصلاة.
стр. 653
وفيه قولان:
في الجديد يستأنف الصلاة، كذا ها هنا يعيد الصلاة.
وفي القديم: الأمثل صحة الصلاة، كذا ها هنا لاحتمال أنه التصق بجبهته في السجدة الأخيرة، وبقيت صلاته على الصحة والسداد، وإن كان يسجد هو بعد الفراغ من الصلاة سجدة التلاوة، أو وضع جبهته على الأرض، لا شيء عليه كما لو صلى، ثم بعد الفراغ منه رأي على ثوبه نجاسة لا يؤمر بقضاء الصلاة، لاحتمال أن النجاسة أصابته بعد الفراغ من الصلاة، كذا ها هنا طال الفصل أو لم يطل.
فرع
ولو هوى من القيام، فخر على الأرض، وسقط على خده.
قال الشافعي ﵀: إن وضع الجبهة على الأرض بنية الاعتماد لم يحسب عن سجوده، والسنة أن يجافي مرفقيه عن جنبيه، بحيث لو لم تكن سترة، ترى عفرة إبطيه، روى ذلك عن النبي ﷺ .
وعفرة الإبطين، سوادهما، إلا إنه يكني عنه بالعفرة، كما يقال للحبشي، أبو البيضاء، ويقل بطنه عن فخذيه.
روى أنه ﵇ كان إذا سجد خوى.
والتخوية: إقلال البطن عن الفخذين، ويسجد على أصابع رجليه، فيتصبهما، ويفرج بين رجليه، بحيث لو أرادت شاة أن تنفذ بينهما لنفذت.
стр. 654
وقوله: ويوجه أصابعه نحو القبلة.
قال القاضي حسين: قيل: إنه من زيادات المزني، لأنه إذا وجهها نحو القبلة، لا يمكنه أن ينصبها، ويسجد عليها. ويسبح لله تعالى، في السجود، كما قلنا في الركوع، ويقول: سبحان ربي الأعلى ثلاثا، وذلك أدني الكمال.
وروى أنه ﵇ قال في سجوده، اللهم لك سجدت وبك آمنت ولك أسلمت، سجد وجهي للذي خلقه وصوره وشق سمعه وبصره، بحوله وقوته فتبارك الله أحسن الخالقين عملت سوءا، وظلمت نفسي، فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت.
فلو جمع بينهما، فحسن، ولو اقتصر على أحدهما، فعلى الأول اولى.
وروت عائشة ﵁ أن النبي ﷺ قال في سجوده، في ليلة البراءة: سجد لك خيالي وسوادي، وآمن بك فؤادي، وهذه يداي التي جنيت بهما على نفسي يا عظيم يا رجاء كل عظيم، اغفر لي الذنب العظيم، فإنه لا يغفر الذنب العظيم إلا الرب الكريم ثم رفع رأسه وسجد ثانيًا، وقال فيه: (أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك، أقول ما قال أخي داود: أغفر وجهي في التراب لسيدي وحق لسيدي أن تعفر له الوجوه، فلو قال غيره في صلاته، هذا، أقول ما قال أخي داود بطلتـ، لأنه خطاب آدمي، والرسول ﵇ لعله لم يكن في الصلاة.
стр. 655
ولو شك في سجوده، هل ركع أم لا؟ عاد إلى الركوع فإن لم يعد بطلت صلاته.
قال المزني: ثم يرفع مكبرًا كذلك، حتى يعتدل جالسًا على رجله اليسرى، وينصب رجله اليمني، ويسجد سجدة أخرى كذلك، فإذا استوى قاعدًا، نهض معتمدًا على الأرض بيديه حتى يعتدل قائمًا، ولا يرفع يديه في السجود، ولا في القيام من السجود.
قال المزني: إذا فرغ من السجود الأول رفع رأسه من السجود، وجلس حتى يعتدل جالسًا، والجلسة بين السجدتين ركن عندنا.
стр. 656
وقال أبو حنيفة: ليست بركن، ثم اختلفوا.
فمنهم من قال: يرفع رأسه، بحيث يمر حد السيف بين جبهته، وبين الأرض.
ومنهم من قال: يرفع رأسه، بحيث يكون أقرب إلى الجلوس منه إلى السجود، ثم يفترش في هذه الجلسة عندنا.
والافتراض أن يبسط رجله اليسرى، ويجلس عليها، وينصب اليمني، ولو أطال هذه الجلسة بطلت صلاته؛ لأنها جلسة خفيفة، فلا يجوز مدها، فالشافعي لم يذكر دعاء الجلوس بين السجدتين، وقد روى على ﵁ أن النبي ﷺ كان يقول في جلوسه بين السجدتين، اللهم اغفر لي وعافني وارزقني واجبري.
وروى ابن عباس أن النبي ﷺ كان يقول: اللهم اغفر لي، وارحمني واهدني، وعافني وارزقني، ثم يسجد سجدة أخرى مثل الأولى، ثم يرفع رأسه ويجلس للاستراحة جلسة خفيفة، ثم يعتمد بيديه على الأرض حتى يستوي قائمًا، كذا نقل المزني.
وفيه قول آخر أنه لا تسن جلسة الاستراحة، وبه قال أبو حنيفة، والمذهب هو الأول رواه أبو حميد الساعدي.
стр. 657
وعن ابن عباس أنه قال: كان سجود النبي ﷺ وجلوسه بين السجدتين قريبًا من السواء، ويفترش أيضا في هذه الجلسة.
стр. 658
ومتى يبتديء تكبيرة الانتقال؟ فأوجه:
أحدها: يبتديه مع رفع الرأس من السجود، ويمتده إلى أن يقوم حتى لا يخلو جزء من الذكر.
والثاني: يبتديه من الرفع، ثم يقوم غير مكبر.
والثالث: يرفع غير مكبر، ثم يقوم مكبرًا، وللشافعي ﵀، ما يدل عليه في صلاة العيدين، لأنه قال: ويكبر في الركعة الأولى سبعًا سوى تكبيرة الافتتاح، وفي الركعة الثانية خمسًا سوى تكبيرة القيام من الجلوس، أضاف التكبير إلى القيام، ومن قال بالأولين أول نص الشافعي، وقال: إنما أضاف إلى القيام لقربه من الجلوس،، ولا خلاف في انه لا يكبر تكبيرتين: تكبيرة القيام، وتكبيرة للرفع، ولا تسن جلسة الاستراحة في سجود التلاوة، بخلاف سجود الأصل.
стр. 659
قال المزني: ثم يفعل في الركعة الثانية مثل ذلك، ويجلس في الثانية، على الرجل اليسرى، وينصب اليمني، ويبسط يده اليسرى، على فخذه اليسرى.
قال القاضي حسين: الركعة الثانية كالأولى، إلا أنه لا يجب فيها تجديد التحريمة والنية، وبل يشمل عليها النية الأولى، ولا يسن التعوذ على أحد الوجهين، وهذا النص يدل على أنه يسن التعوذ في الركعة الثانية، كما في الأولى، ولا يسن فيها دعاء الاستفتاح، ويقرأ فيها مثل قراءته في الأولى لا تغاير بينهما في قدر ما يقرأ، بل يسوى بينهما.
стр. 660
فصل
ويجلس في الثانية على رجله اليسرى.
إذا كانت الصلاة ذات أربعة أو ثلاثة كالمغرب، تشهد في الثانية، وهو سنة عندنا.
وقال أحمد: التشهد الأول وجب كالأخير، ووافقنا في أنه إن تركه ساهيًا، لا يمنع الاحتساب بالصلاة.
دليلنا: ما روى عن عبد الله بن بحينة، أنه قال: قام رسول الله ﷺ في إحدى صلاتي الظهر أو العصر: فسبحنا فلم يعد، فلما كان في آخر صلاته انتظرنا تسليمه فسجد سجدتين ثم سلم. ولأنه لو كان ركنًا، لكان تركه ساهيًا يمنع الاحتساب كسائر الأركان.
والصلاة على النبي ﷺ ، هل يسن في التشهد الأول، فعلى قولين، وهو الجديد: يسن، قال الله تعالى: ورفعنا لك ذكرك.
قيل: معناه: لا أذكر إلا وتذكر معي.
والثاني: وهو القديم، لا يسن، ولو ترك هذا التشهد إن كان ساهيًا سجد للسهو، وإن كان عامدًا فعلى وجهين:
стр. 661
أحدهما: لا يسجد، لأنه سجود مضاف إلى السهو، يلقب به، ولا سهو.
والثاني: يسجد؛ لأنه لما سجد للسهو، فلما تعمد أولى، وإذا ترك الصلاة على النبي ﷺ وقلنا: إنه يسن على قوله الجديد، فحكمه حكم التشهد في سجود السهو، والصلاة على آل النبي ﵇، على القول الذي يقول: تسن الصلاة على النبي ﷺ هل تسن أم لا؟
يحتمل وجهين بناء على وجهين الوجوب في التشهد الأخير في الصلاة على الآل، فلو قام إلى الثالثة، فترك التشهد الأول إن كان قد اعتدل قائمًا لم يعد وإن عاد عالمًا بطلت صلاته، لأن القيام فرض، والتشهد سنة فلا يجوز قطع الفرض بالسنة.
وقال أحمد بن حنبل ﵀: يعود، لأن عنده التشهد الأول واجب كالثاني وإن لم يعتدل قائمًا إن كان أقرب إلى الأرض بأن لم تنتصب ساقاه عاد، وليس عليه سجود السهو، وإن انتصب ساقاه يعود وسجد للسهو، ويفترش في هذه الجلسة عندنا، ولو أطال التشهد الأول يكره، روى ان ﵇ كان يقوم من التشهد الأول كأنه على الرضف.
قال ﵁: ويجب أن تبطل صلاته؛ لأنها جلسة خفيفة، كالجلسة بين السجدتين، ويحتمل ألا تبطل، لأنه محل الدعاء.
قال المزني: ويضع (أصابع يده) اليمنى على فخذه اليمني، إلا المسبحة، يشير بها متشهدًا.
قال المزني: ينوي بالمسبحة الإخلاص لله .
قال القاضي حسين: إذا جلس للتشهد يبسط أصابع يده اليسرى على فخذه
стр. 662
اليسرى، ويضع يده اليمني على فخذه اليمني، وماذا يفعل بالأصابع؟ فيه أقوال:
أحدهما: يقبض الحنصر والبنصر والوسطى، ويرسل السبابة، وماذا يفعل بالإيهام؟
على هذا القول فوجهان:
أحدهما: يضجعها على وسطاه.
والثاني: على بطن الكف بجنب الأصابع الثلاثة.
وقيل: إنه يقبضه، كأنه عاد ثلاثة وعشرين في وجه، وفي وجه: كأنه عاد ثلاثة وخمسين.
والقول الثاني: يقبض الخنصر والبنصر، ويرسل السبابة، ويحلق الإبهام والوسطى، وإذا بلغ قوله: (إلا الله)، في الشهادة بالوحدانية يشير بالسبابة، وينوي الإخلاص لله تعالى.
وهل يحرك المسبحة؟ فوجهان: ولا يشير بإصبعين، لما روى أن النبي ﷺ رأى رجلا في الصلاة يشير بأصبعين فقال: إلهين اثنين، أحد أحد.
أي: أشر بإصبع واحدة، وإما يشير إذا بلغ قول: لا إله دون قوله: لا إله.
قال المزني: فإذا فرغ من التشهد، قام مكبرًا معتمدًا على الأرض بيديه؛ حتى يعتدل قائمًا، ثم يصلي الركعتين الأخريين (مثل ذلك)، يقرأ فيهما بأم القرآن، سرًا.
قال القاضي حسين: إذا أتى بالتشهد الأول في صلاة ذات تشهدين، قام إلى الركعة الثالثة، معتمدا بيديه على الأرض، حتى يعتدل قائمًا، ويصلي الركعتين الآخريين، مثل الأوليين، يقرأ فيهما بأم القرآن.
وقال أبو حنيفة: لا تجب القراءة في الأخريين
стр. 663
وحقيقة مذهبه أنه يوجب القراءة في الركعتين من الأربعة، إما في الأولين، أو في الآخريين.
لنا أن نقول: قيام واجب، فكانت القراءة فيه واجبة، كالأوليين، ويتصور على أصله أربع ركعات، لم تكن فيها قراءة مسبوق بركعتين، والإمام قد قرأ في الأوليين، وما قرأ في الآخريين عنده جاز.
ثم المسبوق إذا قام، وقضى ما فاته، من الركعتين، وما قرأ فيهما؟
قال: جاز؛ لأنه وصل صلاته بصلاة قد وجد فيها قراءة.
وقال سفيا ﵀: يسبح في الأخريين، ولا يقرأ ولا يجهر بالقراءة في الأخريين؛ لأن مبني الأخريين على التخفيف.
وفي قراءة السورة قولان: وعند أبي حنيفة، لا يقرأ السورة السورة بناء على أصله.
قال المزني: فإذا قعد في الرابعة، أماط رجليه جميعًا، وأخرجهما جميعًا عن وركه اليمني، وأفضى بمقعده إلى الأرض، وأضجع اليسرى، ونصب اليمني، ووجه أصابعها إلى القبلة، وبسط كفه اليسرى على فخذه اليسرى، ووضع كفه اليمني على فخذه اليمني، وقبض أصابعها إلا المسبحة، وأشار بها متشهدًا.
قال القاضي حسين: إذا فرغ من الركعتين الأخريين قعد للتشهد، والقعود للتشهد ركن، وقراءة التشهد ركن.
стр. 664
وقال أبو حنيفة: قراءة التشهد ليس بركن، وإنما هو مسنون.
دليلنا ما روى عن ابن عباس أنه قال: كان رسول الله ﷺ يعلمنا التشهد كما كان يعلمنا السورة من القرآن، التحيات المباركات.
وأراد بالسورة فاتحة الكتاب، كذا فسروه.
وعن ابن عباس أنه قال: كنا نقول قبل أن يفرض علينا التشهد، السلام علي الله، السلام على جبريل وميكائيل، فقال لنا النبي ﷺ : قولوا التحيات المباركات، ... إلى آخره.
دل على أنه واجب، ولأنه ركن تشترك فيه العادة والعبادة، وفوجب أن يكون فيه ذكر شروط، كالقيام وليس كالتشهد الأول، لأن القعود، فيه ليس بركن. ويتروك في التشهد الأخير، وصورته: أن يميط رجليه ويخرجهما عن وركه اليمني، ويفضي بمقعدته إلى الأرض، ويضع اليسرى وينصب اليمني، ويوجه أصابعهما إلى القبلة.
قال أصحابنا: والجلسان في الصلاة أربع: يفترش في ثلاث منها، وهي الجلسة بين السجدتين، وجلسة الاستراحة، وفي التشهد الأول ويتورك في الرابعة، وهي الجلسة في التشهد الأخير.
وكان الشيخ، ﵀، يقول وهو الصحيح: كل جلسة لا يسلم عنها يفترض فيها، وكل جلسة يسلم عنها يتورك فيها إلا في مسألة واحدة، وهو إذا
стр. 665
كان مسبوقًا، ويكون خليفة للإمام، فيتورك في التشهد الأخير، ولو كان على المستخلف سهو يسجد سجدتين حينئذ، والقوم يخرجون أنفسهم من صلاته، ويسلمون، ويقوم هو، ويصلي بقية صلاته.
وعند القفال: خليفة الإمام يراعي نظم صلاة الإمام، ألا ترى أنه يقنت في صلاة الصبح إذا كان مسبوقًا بركعة، وفي صلاة العشاء إذا كان مسبوقًا بركعتين يترك الجهر ويسر؟
وعنده- ﵁ يجلس مفترشًا، لأنه يريد أن يقوم، والقنوت والجهر خلاف ظاهر وهذا خفي.
وأما المسبوق بركعة إذا جلس متابعة للإمام في تشهده الأخير يفترش فيها، وإذا كان عليه سجود يفترش في التشهد الأخير، لأنه يريد السجود، وألا يسلم عنه.
وعند أبي حنيفة: يفترش في التشهدين.
وعند مالك: يتورك فيهما.
وما قلناه أولى؛ لأنه إذا غاير بين الجلستين أمن الخطأ والنسيان، ويستدل المسبوق بها على بقية الصلاة في التشهد الأول يريد القيام، ولأن الافتراش أقرب إلى القيام فيتفرش ليكون القيام أسهل عليه.
قال المزني: ثم يصلي على النبي ﷺ ، ويذكر الله، ويمجده، ويدعو قدرًا أقل من التشهد، والصلاة على النبي ﷺ ويخفف على من خلفه.
قال القاضي حسين: الصلاة على النبي ﷺ واجبة.
وقال أبو حنيفة: لا تجب، دليلنا ما روى أنه قال ﵇، من صلى
стр. 666
ركعة، ولم يصل على فيها فلا صلاة له، ولأن ما شرع فيه ذكر الله تعالى فرضًا، شرع فيه ذكر الرسول ﵇، كالإيمان والأذان، فأما الصلاة على الآل، فعلى وجهين:
أحدهما: تجب كالصلاة على النبي.
والثاني: لا تجب، وإنما تخص هو بالصلاة لعظم حرمته.
стр. 667
ثم يذكر الله ويمجده، ويدعو بما شاء من أمر دينه ودنياه، ولا يختص الدعاء بما ورد به الشرع، حتى لو قال: اللهم ارزقني دارًا قوراء، وجارية حوراءـ وسأل ما شاء أن يسأل جاز، لكنه لا يجوز بالفارسية.
وقال أبو حنيفة: إنما يدعو دعاء ورد به الشرع، فأما لم يرد به الشرع من الأدعية لا يجوز في الصلاة الفريضة، وما يجوز من الدعاء سنده بالعربية يجوز بالفارسية.
ثم إذا كان إمامًا السنة أن يقتصر على الدعاء تخفيفًا على من خلفه، ولا يزيد على قدر أقل التشهد، والصلاة على النبي ﵇.
قال المزني: ويفعلون مثل فعله إلا أنه إذا أسر، قرأ من خلفه، وإذا جهر، لم يقرأ من خلفه.
قال المزني، ﵀، قد روى أصحابنا عن الشافعي أنه قال: يقرأ من خلفه وإن جهر بأم القرآن.
قال: محمد بن عاصم، وإبراهيم يقولان: سمعنا الربيع، يقول:
قال الشافعي: يقرأ خلف الإمام، جهر أو لم يجهر، بأم القرآن.
قال محمد: وسمعت الربيع، يقول: قال الشافعي: ومن أحسن، أقل من سبع آيات من القرآن، فأم أو صلى منفردًا، ردد بعض الآي، حتى يقرأ به سبع آيات فإن لم يفعل لم أر عليه، يعني إعادة.
قال الشافعي: وإن كان وحده، لم أكره أن يطيل ذكر الله، وتمجيده، والدعاء، رجاء الإجابة.
стр. 668
قال القاضي حسين: قد ذكرنا حكم المنفرد في الصلاة فأما المصلي بالجماعة لا خلاف في أنه يجب عليه الإتيان بأركان الصلاة كما كان على المنفرد إلا القراءة، فإنه إن كانت صلاة جهر يتحملها الإمام عنه فيما روى المزني في ثلاثة مواضع:
ها هنا، وفي صلاة الجمعة، وفي العيدين أن المأموم لا يقرأ إذا كان الإمام يجهر بالقراءة.
وهذا كله منقول عن القديم وهو مذهب مالك.
فأما مذهبه الجديد: أنه يجب عليه القراءة، كما روى أصحابنا عن الشافعي ﵀ قال القاضي ﵁: يمكن حمل هذه النصوص علي مذهبه الجديد، ويجعل في الجديد في وجوب القراءة على المأموم قولين.
وروى أصحابنا عن الشافعي: أنها تجب عليه في الجهر والسر، وحيث قال: لا تجب في صلاة الجهر حكى مذهب مالك.
وعند أبي حنيفة: لا تجب القراءة خلف الإمام، وربما قالوا: تكره قراءته، وربما قالوا: لو قرأ يخرج عن فضيلة الجماعة.
والغلاة منهم يقولون: تبطل صلاته.
لنا: ما روى عن عبادة بن الصامت أنه قال: صلينا العشاء خلف رسول الله ﷺ فقرأ واحد منها سورة والشمس، فلما سلم رسول الله ﷺ قال إني لأقول: مالي أنازع القرآ، إذا كنتم خلفي، فلا تقرءوا إلا بأم القرآن، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأها.
стр. 669
وإليه ذهب معظم الصحابة.
أوردها أبو زيد المروزي عن نيف وعشرين، منهم: عمر، وعثمان وعلي ومعاذ بن جبل، وعبادة بن الصامت، وعمران بن حصين، وجابر بن عبد الله، وحذيفة وأبو سعيد الخدري والعبادلة ابن عمر، وابن مسعود، وابن عباس، وابن الزبير، وابن عمرو بن العاص، وابن المغفل، وابو الدرداء، وأبو هريرة، وزيد بن ثابت وعائشة، وبي بن كعب.
والمعنى فيه أنه ركن في الصلاة، فلا تسقط عنه بمتابعة الإمام، كسائر الأركان، دليل كونه ركنًا أنه لا يسقط عنه بالسهو حتى لو تركه ساهيًا لم يحتسب بصلاته، ولأنه لا يخلو إما أن تسقط عنه القراءة للاقتداء، أو لتحمل الإمام عنه بطل أن يقال: إنه سقط بالاقتداء، لأن الاقتداء إنما يؤثر اكتساب الفضيلة، دون إسقاط الفرائض، وإلى هذا أشار صاحب الشرع ﵇، حيث قال: صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة.
فلم يجعل للجماعة أثرًا، إلا في اكتساب الفضيلة بها، وبطل أن يقال يحملها الإمام عنه؛ لأن أصل الصلاة لا تجزي فيها التحمل، فكذا أركانها، ولأن سائر الأركان لا يجزي فيها التحمل، فكذلك هذا الركن الواحد.
стр. 670
وأيضا للإمام يجب عليه القراءة، فلو كان يتحملها عن المأموم لم يجز له الاقتصار على القراءة مرة واحدة، لأن الشيء الواحد لا يتأدى به حقان، كما لو ضمن ألفا عن إنسان لواحد، وله عليه ألف أخرى، فبالألف الواحد لا يتأدى الألفان، ألف الأصل وألف الضمان.
قالوا: الإمام يتحمل عنه بدليل المسبوق.
قلنا: كيف يتحمل عنه قراءة لم تلزمه تلك القراءة ونستسلمهم.
فنقول: هل تسلمون لنا أن القيام واجب عليه؟
فإن سلموا مكنوا من ثغرة النحر، لأن القيام لا يغني لعينه، وإنما يغني للقراءة بدليل أنه يتعذر بالقراءة، فلولا أن وجوبه لمكان القراءة لما تقدر بها.
فنقول: من وجب عليه قيام القراءة وجبت عليه القراءة كالمنفرد.
فإن قيل: أليس أن القيام واجب على المأموم بقدر قراءة السورة التي يقرؤها الإمام، ثم السورة غير واجبة عليه، ولا يستدل بوجوب القيام على وجوب القراءة؟
قلنا: لا يلزم، ولأنا قلنا: من لزمه القيام بقدر القراءة لزمه القراءة، وثم يكون لأجل المتابعة، لا لأجل القراءة.
وإن منعوا وقالوا: لا تجب القراءة، فمحال؛ إذ لو لم تجب لجاز القعود، وإن ارتكنوا وقالوا: يجوز القعود.
فنقول: القادر على القيام لا يجوز له القعود في صلاة الفرض، كالمنفرد غير أنهم يقولون: القيام ساقط عنه، وإنما وجب الإتيان به متابعة لإمامه، كما يلزمه متابعته في سجود السهو، وسجود التلاوة، وإن لم يجب واحد منهما عليه.
وهم يقولون: القراءة مما تسقط عن المأموم بإمامه، كما في المسبوق.
قلنا: هناك القيام ساقط عن المسبوق، فتسقط القراءة، بخلاف ما نحن فيه، وما يجب عليه من القيام ذاك قيام التكبير دون القراءة.
следующие страницы →