← Фикх шафии

Фикх шафии · id 17812

التعليقة للقاضي حسين

القاضي الحسين

Полный текст (1 014 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

كما لو حمل طائرا أو صبيا صغيرًا في الصلاة، تصح صلاته، وهو حامل للنجاسة يقينًا. والفرق بين المسألتين ظاهر، وذاك أن النجاسة في جوف الطائر والصبي الصغير خلقة طبيعية حصلت باستحماله، بخلاف نجاسة الآخر، فإنها مودعة فيه. قال: والنار لا تطهر شيئًا، هكذا نص ها هنا. ونص في الجديد والاستنجاء، فقال: لا يسمح بحجر قد مسح به مرة إلا أن يكون قد طهر بالماء. وقال في القديم: ولو بيل في أرض، فشرقت عليها الشمس، ومضى عليها أزمان، جاز أن يصلي عليها، ولا يتيمم بترابها. وقال في الإملاء/ ولو استنجى بحجر وألقاه في مضحاة حتى جف، وتناثرت منه النجاسة، جاز أن يستنجي به ثانيًا، فحصل في غير الماء، هل يطهر؟ قولان: فإن قلنا: يطهر، هل يطهر ظاهره، أو ظاهره، وباطنه؟ فعلى قولين: والنار مرتبة على غيرها إن قلنا: ما عدا النار يطهر، فالنار به أولى، وإلا فوجهان؛ لأن النار أقوى، وعلى هذين الوجهين السماد وعظام الموتى، هل يحكم بطهارة رمادها، فقولان: أحدهما: يحكم، وهو مذهب أبي حنيفة. والصحيح: أنه لا يحكم، لأن عين النجاسة قائمة، وإنما تفرقت أجزاؤها، فأما لو تصور أن يتخلخل الماء في باطن الأجزاء المطبوخ، ويصل إلى جميع أجزائه، فإنه يطهر ظاهره وباطنه كغير المطبوخ.

стр. 842

قال المزني: والبساط كالأرض إن صلى في موضع منه طاهر، والباقي نجس، ولم تسقط عليه ثيابه - أجزأه. قال القاضي حسين: وهو كمال قال؛ لأن البساط العريض إذا كان على طرف منه نجاسة، فصلى على الطرف الآخر أجزأه، تحرك المكان أو لم يتحرك، كالأرض إذا صلى على موضع طاهر منها، وبجنبه نجاسة صحت صلاته، سواء كانت النجاسة تتحرك بحركته، أو لا تتحرك. وقال أبو حنيفة: الاعتبار بحركة النجاسة وثباتها، إن كانت تتحرك بحركة المصلى لم تصح صلاته، لأنه مصل عليها، وإن كانت لا تتحرك بحركته صحت صلاته، وإذا صلى على سرير، قوائمه على النجاسة صحت الصلاة عندنا. وإذا تعمم بطرف عمامه، وطرفها الآخر نجس، ملقاة على الأرض لا تصيب جزءا من بدنه وثيابه، لم تصح صلاته. ومذهب أبي حنيفة على ما بينا إن تحركت بحركة المصلى لا تصح صلاته وإلا فتصح صلاته، ولو كان طرف العمامة بيده فوجهان. وإذا صلى على ثوب شف تحته، نجاسة تظهر من تحته، ولا يلاقيها بدنه وثوبه، ففي صحة الصلاة وجهان. وإذا كان على مصلاه نجاسة لا تلاقي جزءا من بدنه وثيابه، لكنها تحاذيه مثل أن تكون حذاء صدره عند السجود أو بطنه، ففي صحة الصلاة وجهان: أحدهما: هي صحيحة؛ لأنه غير ماس للنجاسة. والثاني: لا؛ لأن النجاسة ظاهرة على المصلى بحذاء المصلي.

стр. 843

فرع إذا أخذ في الصلاة بطرف حبل، وطرفه الآخر متصل بنجاسة، أو عنق كلب فأوجه: أحدها: أن صلاته باطلة، لأنه حامل للنجاسة. والثاني: هي صحيحة لأنها ليست تلاقيه ولا ثيابه، بل هي بائنة عنه. والثالث: إن كان الطرف الآخر متصلا بعين النجاسة، لم تصح صلاته مثل أن يكون في عنق كلب أو خنزير، من غير حائل بين الحبل والعنق. أو كان متصلا بحمل نجس على حمار، وإن كان الطرف الآخر متصلا بطاهر، وذلك الطاهر متصل بنجس، مثل أن يكون في عنق الكلب، وبين الحبل وعنقه حائل من ساجور أو غيره، أو كان متصلا بحمار، وعلى الحمار حمل نجس من سرقين، أو غيره صحت صلاته، فلو جعل طرف حبل تحت قدمه، وطرفه الاخر متصل بنجاسة صحت صلاته مذهبًا واحدًا؛ لأنه غير حامل للنجاسة، كالبساط يصلي على موضع طاهر منه لا تضره نجاسة باقي البساط بعد أن كان لا يصيبه جزء من بدنه أو ثيابه. وعند أبي حنيفة: إنما يعتبر في طهارة المكان طهارة موضع القدمين دون باقيه، بناء على أنه لا يجب وضع الجبهة على الأرض، وإنما يجب وضع الأنف إذا سجد وساحة الأنف أقل من قدر درهم، والدرهم من النجاسة معفو في الصلاة، فلا تضر نجاسة المسجد، ولا يجب عنده، وضع اليدين في السجود على الأرض، وربما يقولون، إنما يعتبر طهارة إحدى القدمين دون الأخرى، لأن القيام على قدم واحد في الصلاة جائز. فرع إذا صلى على الجنازة، وجعل مداسه تحت قدميه، جاز، ولو نزع أصابع

стр. 844

الرحلين عنها ينظر فيه، فإن كان شيء من رجله بحذاء، ظهر المداس، فإنه لا يجوز إذا كان المداس نجسًا؛ لأنه يصير حاملاً له، وإلا فيجوز. قال المزني: ولا بأس أن يمر الجنب في المسجد مارًا، ولا يقيم فيه، وتأول قول الله جل ذكره، ولا جنبا إلا عابري سبيل. قال: وذلك عندي موضع الصلاة. قال: وأكره ممر الحائض فيه. قال: ولا بأس أن يبيت المشرك في كل مسجد، إلا المسجد الحرام لقول الله جل وعز، فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا. قال المزني: فإذا بات فيه المشرك، فالمسلم الجنب أولى أن يجلس فيه ويبيت، وأحب إعظام المسجد عن أن يبيت فيه المشرك، أو يقعد فيه. قال القاضي حسين: للجنب العبور في المسجد عندنا لغرض صحيح، مثل أن يكون الماء في المسجد يريد أن يدخله، ويأخذ منه. فأما إذا أراد أن يغتسل في المسجد بأن كان فيه نهر جار ليس له ذلك، لأنه يحتاج إلى المكث فيه، ولو كان فيه رجل يريد أن يناديه او كان طريقه إلى الدار في المسجد، فإنه يجوز له المرور فيه. وقال أبو حنيفة: العبور فيه معصية كالمكث. ودليلنا ظاهر الاية، ولا جنبا إلا عابري سبيل. منع الجنب من قربان المسجد، لأن المراد في الصلاة في صدر الاية مكان الصلاة. قال الله تعالى: لهدمت صوامع وبيع وصلوات والمراد بها مكانها، واستثنى العبور.

стр. 845

فأما إذا لم يكن له في العبور غرض ما فيكره، وإن فعل فآثم لظاهر القرآن ثم النص من الشافعي ﵁ ولو كان له طريقان: أحدهما أقرب، والآخر أبعد، وهو جنب في المسجد فاختار الأبعد من غير غرض فعل يكره، يحتمل وجهين بناء على أنه إذا سلك الطريق الأبعد هل يبلغ مسافة القصر؟ وترك الأقرب الناقص عنها من غير غرض، هل يترخض برخص المسافرين؟ وفيه قولان: وأما الحائض لا يجوز لها العبور في المسجد إن لم تعصب فرجها، وإن عصبت فوجهان: أحدهما: يجوز كما للجنب. والثاني: لا؛ لأنها لا تأمن من انحلال عصابتها، وسيلان الدم منها، فتلوث المسجد، ولأن حكم الحيض أغلظ من حكم الجنابة، يدل على أنه يؤثر في تحريم الوطء، واسقاط الصلاة، وفعل الصوم بخلاف الجناية، فأما بعد انقطاع الدم، وقبل الاغتسال حكمها حكم الجنب. ولو وقعت لها خصومة، أو أرادت أن تشهد، فليس لها الدخول في المسجد، إذا كان الحاكم يقعد في المسجد في مجلس الحكم في المسجد، بل الحاكم يخرج من المسجد إليها، ويسمع منها شهادتها، وكذا الجنب إذا أراد أن يشهد عند الحاكم في المسجد، ما حكمه؟ لو أمكنه ان يشهد عنده في العبور، بحيث لا يمكث فيه شيئا له ذلك، وإلا فلا يجوز له المكث فيه على ما بينا. ولو كان رجل في المسجد، فاحتلم، وكان ذلك ليلا مظلمًا يخاف على نفسه وماله، جاز له المكث فيه، لكنه يتيمم إن وجد في المسجد ترابًا غير ترابه، بأن كانت الرياح هبت، فأتت به في المسجد. وإن لم يجد إلا تراب المسجد فيها وجهان.

стр. 846

وأما المشرك لا يجوز له البيتوتة، والمكث، والعبور في المسجد الحرام لظاهر قوله: إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام، وله فيما عدا المسجد الحرام أن يمكث، ويبيت بإذن مسلم، ودون إذن مسلم فيه وجهان. وإذا تصدر حاكم في المسجد للحكم، وفصل القضايا، جاز للمشرك الدخول فيه، لأن جلوسه في المسجد إذن منه للمشركين في دخوله، لأنه يفصل الخصومات بينهم، كما بين المسلمين وجوبا في قول، وجوازًا في آخر. وقال المزني: إذا جاز للمشرك أن يبيت في المسجد فالمسلم الجنب به أولى. وقال بعض أصحابنا، إذا صورة المسألة المشرك إذا لم يكن جنبًا، فإن علمت جنابته منع من البيتوتة فيه كالمسلم. ومن أصحابنا من قال: للمشرك البيتوتة في المسجد جنبًا كان أو لم يكن، والفرق بينه وبين المسلم، أن المسلم يعتقد إعظام المسجد، ووجوب احترامه، فيمنع من أن يقدم على فعل يتضمن ترك الاحترام، وخلاف التعظيم بخلاف المشرك. فَرْعٌ لا يجوز للرجل أن يغرس في المسجد غرسًا، ولا أن يحفر فيه بئرًا أو حوضًا، ولا أن يبني فيه منارة، ولا أن يضع فيه اللبنات ويضعها في زواية منه، أو يجمع الحشيش في موضع منه، لأن هذه الأشياء مما تشغل موضع الصلاة. وقيل: إن حكم اتخاذ المنارة أخف، لأنه يمكن الصلاة على رأس المنارة، بخلاف حفر البئر ونحوه، وهكذا لا يجوز الاستطراق في المساجد من غير غرض صحيح له فيه، ولو اتخذ سردابًا تحت المسجد يتنفس فيه من حر الشمس، جاز، لأنه يمكن الصلاة فيه.

стр. 847

قال المزني: قال الشافعي: والنهي عن الصلاة في أعطان الإبل اختيار؛ لقول النبي ﷺ : فإنها جن من جن خلقت. وكما قال: حين ناموا عن الصلاة: اخرجوا بنا من هذا الوادي، فإن به شيطانا. فكره قربه، لا لنجاسة الإبل، ولا موضعًا فيه شيطان، وقد مر بالنبي ﷺ شيطان فخنقه، ولم تفسد عليه صلاته، ومراح الغنم الذي تجوز فيه الصلاة الذي لا بول فيه، ولا بعر، والعطن موضع قرب البئر الذي يتنحى إليه الإبل؛ ليرد غيرها الماء، لا المراح الذي تبيت فيه. قوله: والنهي عن الصلاة في أعطان الإبل اختيار. قال القاضي حسين: هو كما قال، وليس بنهي تحريم، حتى لو بسط ثوبًا عليها إن كانت نجسة، وصلى صحت صلاته ويكره. وفي مرايض الغنم: لا يكره فيها الصلاة، بعد أن بسط ثوبًا فيها إن كات نجسة. وقال أحمد: الصلاة في معاطن الإبل غير جائزة، ولو بسط ثوبًا فيها، وتجوز في مرابض الغنم، وإن لم يبسط ثوبًا فيها، سواء كان فيها بولها أو بعرها، أو لم يكن. وروى أنه ﵇ قال: لا تصلوا في معاط الإبل، وصلوا في مرابض الغنم. وعندنا: هو محمول على نهي التنزيه دون التحريم، وإنما منع من الصلاة فيها، لأن لها نفارًا، فيمنع الصلاة من الخشوع والخضوع، يدل عليه أنه - عليه

стр. 848

السلام - علل فقال: إنها جن من جن خلقت، ألا تراها إذا نفرت كيف تشمخ بآنافها. وقال في الغنم: إنها من دواب الجنة خلقت من السكينة والوقار. والصلاة في مكان الجن تنعقد، وعلى هذا وادي المعرس. قال ﵇ لما ايقظهم حر الشمس، أخرجوا من هذا الوادي فإن به شيطانا، ولم يصل فيه لا لنجاسته، ولو صحت فيه صحت صلاته، لأن الجن والشياطين طاهرة. وروى أن النبي ﷺ قال: انفلت لي البارحة عفريت فهم أن يفسد على صلاتي فمكنني الله منه؟ فخنقته حتى وجدت برد لسانه على أنامله، فأردت أن أربطه بسارية المسجد، لتلعب به صبيان المدينة، فتذكرت قول أخي سليمان: هب لي ملكًا لا ينبغي لأحد من بعدي فأرسلته. ولم يستأنف الصلاة بملاقاته الشيطان، ثم فسر الشافعي ﵀ العطن، فقال: في موضع قرب البئر تنحي الإبل إليه ليرد غيرها الماء، وليس بالمراح الذي تبيت فيه.

стр. 849

وقال في الكبير: المراح، ما استعلت أرضه، وطابت تربته، واستدار عن مهب الشمال موضعه. مسألة نص الشافعي ﵀ على أنه لو اضطرب سن من أسنانه، فأثبتها بذهب أو فضة، لم تصح صلاته، لأنها صارت ميتة. قال رضي الله تعالى عنه، وهذا من كلام الشافعي دليل على أن ميتة الآدمي نجس. ومن قال بالطريقة الثانية، وهو أن ميتة الآدمي طاهرة، أجاب بأن الشافعي، إنما لم يحكم بصحة الصلاة معها، لأنها ألصقها بالدم بالجاري وهو نجس. فرع لو استنجي بالماء، فالمستحب أن يدلك يده بالأرض، ويغسلها بالماء، هكذا فعله النبي ﷺ والله أعلم بالصواب.

стр. 850

باب الساعات التي يكره فيها صلاة التطوع ويجوز فيها القضاء، والجنازة والفريضة . قال المزني: قال الشافعي: أخبرنا مالك، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن الأعرج، عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، ولا صلاة بعد الصبح، حتى تطلع الشمس، وعن أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ مثل ذلك: وقال النبي ﷺ : إلا بمكة إلا بمكة إلا بمكة. وعن الصنابحي، أن رسول الله ﷺ قال: إن الشمس تطلع، ومعها قرن الشيطان، فإذا ارتفعت فارقها، فإذا استوت قارنها، فإذا زالت فارقها، فإذا دنت للغروب، قارنها فإذا غربت فارقها. ونهي رسول الله ﷺ عن الصلاة في تلك الساعات، وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ نهي عن الصلاة نصف النهار، حتى تزول الشمس، إلا يوم الجمعة. وعن جبير بن مطعم، أن رسول الله ﷺ قال: يا بني عبد مناف، من ولي منكم من أمر الناس شيئًا، فلا يمنعن أحدًا طاف بهذا البيت أو صلى آية ساعة شاء من ليل أو نهار. قال الشافعي: وبهذا أقول، والنهي عن الصلاة في هذه الأوقات عن التطوع إلا يوم الجمعة للتهجير، حتى يخرج الإمام. فأما صلاة فرض، أو جنازة أو مأمور بها مؤكدة، وإن لم تكن فرضًا أو كان

стр. 851

يصليها، فأغفلها، فلتصل في هذه الأوقات، بالدلالة عن رسول الله ﷺ في قوله: من نسي الصلاة أو نام عنها، فليصلها إذا ذكرها. وبأنه ﵇ رأى قيسًا يصلي بعد الصبح، فقال: ما هاتان الركعتان، قال: ركعتا الفجر، فلم ينكره، وبأنه عليه السلا صلى ركعتين بعد العصر، فسألته عنهما أم سلمة، فقال هما ركعتان كنت أصليهما بعد الظهر فشغلني عنهما الوفد، وثبت عنه ﵇ أنه قال أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل، فأحب فضل الدوام، قال: ويصلي الناس على جنائزهم بعد العصر، وبعد الصبح، فلا يجوز أن يكون نهيه عن الصلاة في الساعات التي نهي فيها عنها إلا على ما وصفت، والنهي فيما سوى ذلك ثابت إلا بمكة، وليس من هذه الأحاديث شيء مختلف. قال المزني: قلت أنا: هذا خلاف قوله، فيمن نسي ركعتي الفجر، حتى صلى الظهر، والوتر، حتى صلى الصبح، أنه لا يعيد، والذي قبل هذا اولى بقوله وأشبه عندي بأصله. قال الشافعي: ﵀ ومن ذكر صلاة، وهو في أخرى، أتمها، ثم قضى، وإن ذكر خارج الصلاة، بدأ بها، فإن خاف فوت وقت التي حضرت بدأ بها ثم قضى. قال القاضي حسين: خمسة أوقات نهي عن الصلاة فيها: اثنان من جهة الفعل، وثلاثة من جهة الوقت. فأما اللذان من جهة الفعل. أحدهما: بعد فعل الصبح إلى أن تطلع الشمس. والثاني: بعد العصر إلى أن تغرب الشمس. وأما الثلاثة من جهة الوقت:

стр. 852

أحدها: عند طلوع الشمس إلى الارتفاع. والثاني: عند الاستواء إلى الزوال. والثالث: عند دنو الشمس إلى الغروب إلى أن تغرب. روى عن عقبة بن عامر أنه قال: خمسة اوقات نهانا رسول الله ﷺ من أن نصلي فيها، وأن نقبر فيها موتانا. وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ نهي عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، وتصبح حتى تطلع الشمس. وروى أبو ذر أن رسول الله ﷺ قال: لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، ولا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس إلا بمكة، ذكره ثلاثا وقد أخل المزني في نقل هذين الحديثين، فنقل متن حديث أبي ذر عن أبي هريرة، فنزل متن حديث أبي هريرة. وروى الصنابجي أن النبي ﷺ قال: إن الشمس تطلع ومعها

стр. 853

قرن الشيطان، فإذا ارتفعت فارقها، فإذا استوت قارنها، فإذا زالت فارقها، فإذا آذنت للغروب قارنها، فإذا غربت فارقها. وفي بعض الروايات: إن الشمس تطلع بين قرني الشيطان، فإذا ارتفعت فارقها، فإذا استوت فارنها، فإذا زالت فارقها، فإذا استوت. وفي بعض الروايات: إن الشمس ... ، فمنهم من حمل القرن على الحزب، أي: معها حزب الشيطان، وهم الذين يعبدون الشمس ويسجدون لها. ومنهم من قال: المراد بالقرن: قرن الرأس، أراد به أن الشيطان يضم قرنه إلى الشمس، ويلصق ناصيته بها في هذه الأوقات، وحتي إن من عبد الشمس وسجد لها كان عابدا للشيطان ساجدًا له. روى أبو سعيد الخدري أن النبي ﷺ نهي عن الصلاة نصف النهار حتى تزول الشمس إلا يوم الجمعة، وهذه الأخبار محمولة عندنا على الصلوات التي لا سبب لها، وهي ما ينشئها الإنسان في هذه الأوقات. فأما التي لها سبب من الصلوات، كصلاة الجنازة والخسوف والكسوف، وقضاء السنن والفرائض، والوظائف التي فاتته، وسجود الشكر والتلاوة، وتحية المسجد لا يكره فعلها في هذه الأوقات الخمسة، وتكره صلاة الاستخارة والاستسقاء لأن الدعاء في هذه الصلوات بعد الفراغ عنها فالسبب يتأخر. وفي تحية المسجد وجه آخر: أنه يكره في هذه الأوقات. وقال أبو حنيفة: لا يجوز أن يصلي بعد العصر حتى تغرب الشمس، ولا بعد الصبح، حتى تطلع إلا الفرائض، ولا يجوز أن يصلي في الأوقات التي نهي عن الصلاة فيها لعين الوقت، إلا العصر عند دنو الشمس بالغروب، ولا يجوز الصبح عند طلوع الشمس، لأن طلوع الشمس يبطل صلاته، إذا كان هو فيها، واحتج بالأخبار الذي رويناها.

стр. 854

وعندنا هي محمولة على الصلوات التي لا سبب لها، بدليل ما روى أن النبي ﷺ قال من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها، فإن ذلك وقتها لا وقت لها غيره. وفي رواية يقول الله تعالى: وأقم الصلاة للذكرى. وروى أنه ﵇ رأى قيس بن قهد يصلي بعد الصبح ركعتين، فقال: ما هاتان الركعتان، فقال: ركعتا الفجر، ولم ينكر عليه. وروى أنه ﵇ دخل بيت أم سلمة بعد صلاة العصر، وافتتح الصلاة، فقالت أم سلمة ﵂ لجارية لها، قومي إلى رسول الله ﷺ وقولي له: ألست نهيتنا عن الصلاة في هذا الوقت، فإن أشار

стр. 855

إليك، فاستأخري، فقالت الجارية ذلك لرسول الله ﷺ فأشار إليها، فاستخرت، فلما سلم النبي ﷺ دعاها، وقال: يا هنتاه ركعتان كنت أصليهما فشغلني عنهما الوفد. فإن قيل: قد روى أن أم سلمة قالت لرسول الله ﷺ ، أفنقضيهما نحن إذا فاتتنا، فقال: لا. قلنا: لأنه ﵇، كان مخصوصًا بوجوب القضاء عليه من بين أمته، وروى أنه ﵇ ما دخل بيت أم سلمة في ذلك الوقت إلا وكان يصلي ركعتين وكان ﵇ يواظب على طاعة فعلها مرة، وكانت المواظبة على فعل الخيرات في حقه أكبر استحبابًا منه في حق غيره. قال ﵇: أحب الأعمال إلى الله تعالى، أدومها وإن قل. وروى عن عائشة ﵂ أنها كانت إذا سئلت عن الصلاة في هذا الوقت تقول: سلوا أم سلمة، وعائشة إنما كانت تحيل عليها، لأن هذه القضية وقعت في دارها. واحتج الشافعي بفعل الناس صلاة الجنازة بعد العصر والصبح، وأراد بالناس أهل الحرمين، فلو عقد الصلاة التي نهى عنها في هذه الأوقات، ففي انعقادها مع الكراهة وجهان:

стр. 856

أحدهما: ألا ينعقد، لأنه منهي بعينه، إذن النهي وقع ليطلب ضده، وهو ترك الصلاة، كما لو صام يوم العيد. والثاني: ينعقد لأن هذه الأوقات قابلة للصلاة بخلاف يوم العيد، ونظير الوجهين، الوجهان فيما لو صام يوم الشك هل ينعقد صومه مع الكراهة؟ فوجهان: أحدهما: لا للنهي. والثاني: بلى لصلاح الوقت له، ولو نذر أن يصلي في هذه الأوثات، ففي انعقاد نذره وجهان، بناء على الوجهين فيما لو عقد صلاة في هذه الأوقات، لا سبب لها هل تنعقد أم لا؟ فيه وجهان كما بينا. فإن قلنا: ينعقد نذره للصلاة في هذه الأوقات، جاز فعلها فيها، وصار سببا لذلك النذر، فأباح عقدها في هذه الأوقات. وسئل عما لو صلى في هذه الأوقات صلاة لا سبب لها، وحكمنا بالانعقاد مع الكراهية، هل يصير ذلك سببا يبيح فعلها فيما بعد ذلك؟ فقال: لا، لأن الأولى معصية وفعل المعصية لا يجلب طاعة، ولو قضى وظيفة فاتته في هذه الأوقات، فغير مكروه كما بينا، وهل يصير سببًا حتى يجوز فعلها بعد ذلك؟ فيها وجهان: أحدهما: بلى، لأنه فعلها مرة من غير كراهة، ولما روينا أن النبي ﷺ ما دخل لأم سلمة بعد العصر إلا وكان يصلي الركعتين اللتين صلاهما قضاء. والثاني: لا؛ لأن الأول كان بسبب وهو القضاء. والثانية: لا سبب لها ورسول الله ﷺ كان مخصوصًا بوجوب القضاء

стр. 857

عليه، وتأكد استحباب المواظبة على الطاعات دون غيره، ولو قصد أن يدخل مسجدًا ليصلي ركعتين تحية المسجد فوجهان: أحدهما لا يجوز لأنه قصد جلب المعصية والثاني: يجوز كما لو وقع دخول المسجد اتفاقا، ولأن دخول المسجد مباح، وسنة التحية تترتب عليه، فقد فعل المباح. فأما بـ (مكة) فقد استثناها النبي ﷺ في خبر أبي ذر، فمنهم من قال: هذا الاستثناء راجع إلى ركعتي الطواف، فعلى هذا لا يظهر الاستثناء تخصيصًا لأنها من الصلاة التي لا سبب، والدليل عليه ما روى عن النبي ﷺ أنه قال: يا بني عبد مناف، من ولي منكم من أمر الناس شيئًا، فلا يمنعن أحدا طاف بهذا البيت وصلي في أي ساعة شاء من ليل أو نهار. خص الطواف وصلاته بالذكر فدل أن ما عداها يستوي فيه الحل والحرم. ومنهم من قال: الاستثناء لفضيلة البقعة، لأن مكة، يأتيها الناس في كل فج عميق، وتلحقهم المشقة إن لو كلفوا المقام بها، ويتمنون إكثار فعل الصلاة فيها ابتغاء للمثوبة الوافرة، فجوز لهم فعل الصلاة في جميع الأوقات. وأما يوم الجمعة فقد استثناه في حديث أبي سعيد الخدري كما رويناه.

стр. 858

فمنهم من قال: الاستثناء لفضيلة الوقت، فعلى هذا يستوي جواز الصلاة فيها عند الاستواء، قبل الزوال في هذا الوقت من اراد حضور الجمعة، ومن لم يرد ومن كان في الجامع ومن كان في البيت. ومنهم من قال: الاستثناء خاص بمن كان في الجامع خص به دفعا له للتهجير فإن الغالب أنه يغلبه النعاس، ويشق عليه إعادة الوضوء، فجوز الاستغاال، بالصلاة فيه لدفع النوم، فخرج من هذا أن من كان في الجامع له أن يصلي يوم الجمعة في هذا الوقت، ومن كان في البيت فعلى وجهين: وروى أنه قال ﵇: قيلوا فإن الشياطين لا تقيل. قيل: معناه: قيلوا حتى لا يأخذكم النوم في الصلاة.

стр. 859

فصل قال المزني: هذا خلاف قوله فيمن نسي ركعتي الفجر حتى صلى الظهر والوتر حتى صلى الصبح: أنه لا يعيد. قد ذكرنا أن الصلوات التي لها سبب يجوز فعلها في الأوقات الخمسة، وقد ذكر الشافعي ﵀ قضاء الوظائف والأوراد المتطوع بها إذا فاتته من الصلوات التي لها سبب، وذكر أنه يقضيها في الأوقات الخمسة، فتعلق به المزني فقال: هذا الذي ذكره من أنه يقضي الوظائف الفائتة ها ها خلاف ما قال في موضع آخر إذا فاتته ركعتا الفجر حتى صلى الصبح لا يعيدهما. وإذا فاتته ركعتا الوتر حتى صلى الصبح لا يعيدها، فاختلف أصحابنا في الجواب. فمنهم: من أنكر النص الذي ادعاه في موضع آخر على أنه لا يقضي ركعتي الفجر بعد الظهر، والوتر بعد الصبح، وقال: مذهب الشافعي ﵀ قضاؤها أبدًا. ونسب المزني إلى الإخلال في النقل. ومنهم من سلم له النص الذي ادعاه، واعتذر بأن ركعتي الفجر يؤديان تبعًا للصبح، فلو أمرناه بالقضاء بعد الظهر يصير تبعًا لصلاة أخرى، والوتر يؤدي تبعًا للعشاء، فلو أمرناه بقضائها بعد الصبح لصيرناها تبعًا لصلاة أخرى بخلاف الوظائف، فإنها ليست باتباع لغيرها، فأمرنا بقضائها في كل حال، وبالجملة إذا حضرنا المذهب في قضاء السنن والرواتب أن نعلم أن للشافعي ﵀ في قضاء السنن قولين: أظهرهما: وهو قوله الجديد يقضيهما كالفرائض.

стр. 860

والثاني: إلا لصلاة الخسوفين. وعند أبي حنيفة لا يقضي إلا ركعتي الفجر إذا فاتتا مع الفرض. فإن قلنا: يقضي، قال: متى يقضي؟ فأوجه: أظهرها أبدًا كالفرائض. والثاني: ما حكاه المزني أن ركعتي الفجر تقضيان ما لم يصل الظهر، والوتر ما لم يصل الصبح لما بينا من المعنى. والثالث: يقضي ركعتا الفجر ما لم يدخل الليل، لأنهما تبعا لصلاة النهار، فلا تجعل تبعا لصلاة الليل، والوتر ما لم يدهل النهار، لأنها تبع لصلاة الليل. ثم إن المزني قال بعد حكاية النص في أن ركعتي الفجر لا تقضي بعد الظهر، والوتر بعد الصبح في موضع آخر. وحكاية النص الظاهر ها هنا في الوظائف، والأوراد تقضي إذا فاتت، بكل حال، الذي قبل هذا أولى بقوله، وأشبه عندي بأصله. ثم قال الشافعي ﵁: من ذكر صلاة وهو في أخرى أتمها ثم قضى. فاختلف أصحابنا في معنى قوله: الذي قبل هذا وما الأولى منهم من قال: إنما عني ما حكاه من أو الوظائف والأوراد إذا فاتت تقضي بكل حال. وقوله: ومن ذكر صلاة وهو في أخرى أتمها ثم قضى. مسألة: مبتدأة وهذا القائل يقرأ. قال الشافعي: من غير واو العطف، ومن ذكر صلاة. ومنهم من قال: عني بقوله الذي قال قبل هذه المسألة التي حكاها في

стр. 861

باب صفة الصلاة، وهي أن من ذكر صلاة، وهو في أخرى أتمها، ثم قضى، وإنما فرع إليه على هذا التأويل، لأنه عام في الفرائض والنوافل، وأطلق الشافعي ﵀ الأمر بقضائها، ولم يفصل بين حال وحال، وهذا القائل يقرأ. وقال الشافعي: ومن ذكر صلاة بواو العطف، فعلى هذا قصد المزني تأكيدها، قاله بإعادة هذه المسألة، وقد بسطنا الكلام فيمن ذكر صلاة، وهو في أخرى ثم إن المزني حكي عن أصحابنا عن الشافعي ﵀ أنه قال: التطوع وجهان: صلاة الجماعة، وصلاة انفراد، وذكر ما هو الأوكد من السنن والتطوعات، ونحن نؤخر شرحها إلى الباب الذي يليه، لأنه قصد به ذكر التطوعات وبيان أحكامها، والمقصود بهذا الباب بيان أوقات النهي عن الصلاة فيها، والصلوات التي يجوز فعلها، والتي لا يجوز، ثم رجع المزني إلى الاعتراض على النص الذي حكاه على سقوط إعادة ركعتي الفجر بعد فعل الظهر، وسقوط إعادة الوتر بعد الصبح، بعد أن ذكر عن أصحابنا عن الشافعي أنه يقضي النوافل والسنن الرواتب، إذا فاتت لقول النبي ﷺ / من نسي صلاة. .. الخبر. فقال: كيف يجوز أن يقال: يقضي سائر السنن والنوافل المتطوع بها، ولا يقضي الوتر، ووكعتي الفجر التي هي أوكد السنن، مع أن الحديث في الأمر بقاء ما ذكره من الصلوات التي نسبها عام في الكل، وقد سبق الانفصال وثبت أنها تقضي كغيرها من النوافل. ثم قال: إن كنتم تعتبرون القرب، فقولوا لانقضاء ركعتي الفجر نصف

стр. 862

النهار، ويقضي الوتر بعد فعل الصبح، لأنه إنما فات لطلوع الفجر، وما بين الطلوع وفعل الصبح أقل مما بين ما بعد الصبح إلى نصف النهار. قلنا: نحن لسنا نعتبر القرب والبعد، وإنما نعتبر التبعية، والوتر يخرج عن تبعية العشاء بفعل الصبح، وإن قرب الوقت، وركعتا الفجر لا يخرجان عن تبعية الصبح بانتصاف النهار، قبل فعل الظهر، والله أعلم بالصواب.

стр. 863

باب صلاة التطوع وقيام رمضان قال الشافعي: ﵀ والفرض خمسة في اليوم والليلة لقول النبي ﷺ وهو كما قال: وما عدا الفرض فليس بفرض ولا بواجب. وقال أبو حنيفة: ﵀: الوتر واجب، ولا يسمونه فريضة، الواجب عندهم أخف مرتبة من الفرض، وأعلى مرتبة من السنة. ودليلنا: حديث الأعرابي الذي سأله ﵇، عن شرائع الإسلام، قال الوتر حق مسنون فمن شاء أن يوتر بواحدة فليفعل، ومن شاء أن يوتر بثلاث فليفعل، ومن شاء أن يوتر بخمس فليفعل. وروى أنه ﵇ كان يوتر على البعير. قال المزني: قال أصحابنا: يقول الشافعي: التطوع وجهان: أحدهما صلاة جماعة مؤكدة لا أجيز تركها لمن قدر عليها، وهي صلاة العيدين، وكسوف الشمس والقمر، والاستسقاء وصلاة منفرد وصلاة بعضها أوكد من بعض فأوكد ذلك الوتر، ويشبه أن يكون صلاة التهجد، ثم ركعتا الفجر، ومن ترك

стр. 864

واحدة منها أسوأ حالا ممن ترك جميع النوافل: وقالوا: إن فاته الوتر، حتى تقام الصبح، لم يقص، وإن فاتته ركعتا الفجر، حتى تقام الظهر، لم يقض، ولا أرخص لمسلم في ترك واحدة منهما، وإن لم أوجبهما، قال: إن فاته الوتر، لم يقض، وإن فاتته ركعتا الفجر، [حتى تقام صلاة الظهر]، لم يقض، وقالوا فأما صلاة فريضة، أو جنازة، أو مأمور بها مؤكدة، وإن لم تكن فرضًا، أو كان يصليها فأغفلها، فليصل في الأوقات التي نهي رسول الله ﷺ بالدلالة عن رسول الله في قوله: من نسي صلاة أو نام عنها، فليصلها إذا ذكرها، وبانه ﵇ رأي قيسا يصلي بعد الصبح، فقال ما هاتان الركعتان، فقال: ركعتا الفجر فلم ينكره، وبأنه صلى ركعتي بعد العصر فسألته عنهما أم سلمة، فقال هما ركعتان كنت أصليهما فشغلني عنهما الوفد. وثبت عنه ﷺ أنه قال: أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل، وأحب فضل الدوام. قال المزني: يقال لهم: فإذا سويتم في القضاء بين التطوع الذي ليس بأوكد وبين الفرض لدوام التطوع الذي ليس بأوكد، فلم أبيتم قضاء الوتر، الذي هو أوكد، ثم ركعتي الفجر اللتين تليان في التأكيد هما أوكد؟ أفتقضون الذي ليس بأوكد، ولا تقضون الذي هو أوكد؟ وهذا من القول غير مشكل، وبالله التوفيق، ومن احتجاجكم قول رسول الله ﷺ في قضاء التطوع، من نسي صلاة أو نام عنها، فليصلها إذا ذكرها، فقد خالفتم ما احتججتم به في هذا، فإن قالوا: فيكون القضاء على القرب، لا على البعد قيل له: لو كان كذلك، لكان ينبغي على معنى ما قلتم: ألا يقضي ركعتي الفجر نصف النهار، لبعد قضائهما من طلوع الفجر، وأنتم تقولون يقضي ما لم يصل الظهر، وهذا متباعد، وكان

стр. 865

ينبغي أن تقولوا: إن صلى الصبح عند الفجر، آن له أن يقضي الوتر، لأن وقتها إلى الفجر أقرب، لقول رسول الله ﷺ صلاة الليل مثنى مثني، فإذا خشي أحدكم الصبح، فليوتر، فهذا قريب من الوقت، وأنتم لا تقولونه، وفي ذلك إبطال ما أعتللتم به. قال الشافعي رحمه الله تعالى الفرض خمس في اليوم والليلة: لقول النبي ﷺ لأعرابي حين قال: هل على غيرها؟ قال: لا، إلا أن تطوع. قال القاضي حسين: التطوع قسمان، فرائض، وغير الفرائض. فأما الفرائض: فقد مضى الكلام فيها. وأما غير الفراض على ثلاثة أقسام: السنة وهي التي واظب عليها النبي ﷺ . والمستحب: وهي التي فعلها النبي ﷺ مرة او مرتين والتطوع: وهي التي ينشئها الإنسان باختياره من الوظائف والأوراد. والشافعي ﵀ يطلق اسم التطوع على ما عدا الفرائض، وجملة الصلوات عدا الفرائض قسمان: صلاة جماعة، وصلاة انفراد. فصلاة الجماعة خمس صلوات: صلاة العيدين، وخسوف الشمس والقمر، والاستسقاء، ولا خلاف في أن الصلوات الخمس التي تؤدي بالجماعة آكد من التي تؤدي مفردة. قال الشافعي ﵀: لا أجيز تركها لمن قدر عليها، ثم الصلوات الخمس مرتبة في الوكادة، فأوكدها صلاة العيدين، لأن لها وقتًا معلوما كالفرائض، ثم بعدها صلاة الخسوفين، لأن وقتها معرض ميق للفوات، ثم الاستسقاء، لأن وقتها ممكن في كل وقت.

стр. 866

وأما الصلاةُ التي تؤدي منفردًا مرتبة أيضًا في الوِكادة، فأوكدها الوتر وركعتا الفجر. قال الشافعي ﵀: ولا أرخص لمسلم في ترك واحدة مهما، وإن لم أوجبها، ومن ترك واحدة منها كان أسوأ حالا ممن ترك جميع النوافل. وفي الأوكد منهما قولان: المنصوص منهما، ها هنا أن الوتر أوكد، لأنه مختلف في وجوبه لقوله ﵇: من لم يوتر فليس منا. وقوله ﵇: إن الله زادكم صلاة هي خير لكم من حمر النعم، ألا وهي الوتر فصلوها بين العشاء والفجر. والقول الثاني: ركعتا الفجر أوكد. روى أن النبي عليه وسلم، قال: ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها. روى أنه ﵇، ما تركهما في سفر ولا حضر.

стр. 867

وروي عن عائشة رضى الله عنها، أنها قالت، ما رأيت رسول الله ﷺ أسرع إلى شيء من النوافل منه إلى ركعتي الفجر، ولا إلى غنيمة ينتهرها، ونظير هذين القولين، القولان في أن غسل الجمعة مع الغسل من غسل الميت أيهما أوكد؟ وفيه قولان. ثم الأوكد بعد الوتر، وركعتي الفجر سائر السنن الرواتب، ثم بدعها صلاة الضحى. فاختلف أصحابنا في سنن الرواتب. فمنهم من قال: هي عشر ركعات، سواء الوتر ومع الوتر إحدى عشرة ركعة، ركعتان قبل الظهر وركعتان بعده، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء، وركعتان قبل الصبح. وروى عن عائشة، ﵂ أنها قالت كان النبي ﷺ يصلي ركعتين قبل الظهر وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب. ومنهم من قال: هي اثنتا عشرة ركعة، سواء الوتر، وثلاث عشر ركعة مع الوتر، أربع ركعات قبل الظهر، والباقي كما بينا.

стр. 868

روي أن النبي ﷺ ، قال: من ثابر على اثنتى عشرة ركعة في اليوم والليلة بني الله له بيتًا في الجنة. ثابر - أي: واظب عليها. قال القاضي ﵁: وكان القفال ﵁ يقول: لا سنة للعشاء، والركعتان بعدها من جملة صلاة الليل. فأما أربع ركعات قبل العصر، فليس بسنة عندنا، بل هي مستحبة صلاها رسول الله صلى الله علي وسلم مرتين أو ثلاثة. وعند أبي حنيفة: هي سنة. قال النبي ﷺ : من ضمن لي أربعًا قبل العصر أضمن له الجنة. أو لفظ هذا معناه، وسنة صلاة الجمعة عندنا مثل صلاة الظهر في سائر الأيام. وعند أبي حنيفة: السنة أن يصلي أربعا قبلها، وأربعًا بعدها. وقال الشافعي: ﵀ في الوتر: وشبهه أن يكون ذلك صلاة التهجد، ولعله يشير إلى أنه ﵇، كان مأمورا بالتهجد، كما هو بين في نص التنزيل في قوله تعالى: ومن الليل فتهجد به. لأن الوتر كان واجبًا عليه. فإن قيل: كيف تعد التهجد كانت واجبة.

стр. 869

وقد قال الله تعالى: ومن الليل فتهجد به نافلة لك. الجواب: نافلة لك، أي زيادة لك، أي صلاته كانت كاملة، ما كامنت تحتاج إلى الجبر. ليس المراد بهذا أن الوتر هي التهجد، لأن الوتر يؤتي بها قبل النوم، والتهجد يؤتى بها بعد النوم. يقال: هجد إذا نام، وتهجد إذا زال النوم لقوله تعالى: (ومن اللليل فتهجد به). لأن الوتر كان واجبًا عليه، وأراد بالتهجد صلاة الوتر. والتهجهد في اللغة: اسم لدفع النوم بالتكلف، والهجود، هو النوم. يقال: هجد إذا نام، وتهجد إذا ترك النوم كما يقال: خرج إذا أثم، وتخرج إذا تورع عن الآثام. وسميت صلاة الليل تهجدًا، لأنها تؤدي بعد الهجود، وهو النوم. قال المزني: وإن فاته الوتر حتى تقام الصبح لم يقض. قال القاضي حسين: وقد ذكرنا حكم هذه المسألة بتفاصيلها. وقد روى ها هنا عن ابن مسعود، أنه قال: الوتر ما بين العشاء والفجر وقد أخل في متن هذا الخبر، إنما هو الوتر ما بين صلاة العشاء وصلاة الفجر. وظاهر ما نقله يوهم أن الوتر لا يقضي بعد طلوع الفجر، وقد بينا أن الصحيح من المذهب أنها تضي قبل أن يصلي الصبح. قوله: وإن فاتت ركعتا الفجر حتى تقام الصلاة لم يقض.

стр. 870

قال القاضي حسين: لأن أبا هريرة قال: إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة. وقصد به الرد على أبي حنيفة؛ لأن عنده إذا علم أنه يدرك الإمام في الفرض اشتغل بالسنة. وأظهر منه: قالوا: ولو كان مسبوقًا ببعض الصلاة، وعلم أنه لو اشتغل بفعل السنة يدرك الإمام في الفرض يشتغل بفعلها. قوله: روى ابن عمر أن رسول الله ﷺ ، قال صلاة مثني مثني، فإذا خشى أحدكم الصبح فليصل ركعة توتر له ما قد صلى. قال وفيه دليلان: أحدهما: أن صلاة النفل مثنى مثنى. والثاني: أن الوتر غير واجب. وأورد صدر الحديث، ثم ادعى أن فيه دلالتين، وأن الثانية من الدلالتين، وهي أن الوتر غير واجب في آخر الحديث، ولم يروه. وصلاة الليل والنهار مثني مثني يصلي ركعتين ويسلم، فإن صلى ركعة واحدة، كره، وأجزأه. وإن زاد على ركعتين ترك الأفضل، ويجزئه سواء سلم عن ثلاث أو أربع أو خمس، غير أنا مستحب أنا زاد على ركعتين أن يسلم على الشفع دون الوتر. وقال أبو حنيفة ﵀: يصلي بالليل ركعتين ركعتين، وبالنهار أربعًا أربعًا.

стр. 871

واحتج بما روي أنه ﵇ قال: صلاة الليل مثني مثني. دليلنا: أن النهار أحد الحدييدين، فالمستحب للمتنفل فيه أن يصلي ركعتين كالليل، ولأن في التسليم من الركعتين الأمن من وقوع الغلط والنسيان، وحيازة فضيلة التحريمة والتسليمة، وما رواه مقابل بما روى في رواية أخرى أنه قال: صلاة الليل والنهار مثني مثني. ثم هو استدلال بالسكت، إذ ليس فيه حكم صلاة بالنهار، ثم إذا شرع في صلاة النفل لا يخلو، إما أن يطلق النية أو يقدرها بعدد، فإن أطلقها سلم عن أي عدد شاء من الواحد والاثنين والثلاث والعشرة والعشرين، وأكثر وإن قيد بعدد لم تجز الزيادة ولا النقصان إلا بتعيين النية، فإن زاد أو نقص قيل: إن غير النية بطلت صلاته، مثل أن ينوي أربع ركعات، فيسلم عن ركعتين، وإن أحدث نية الاقتصار على الركعتين، ورفض الأخرى جاز، وحصلت له ركعتان، وإن كان على نية الأولى فسلم عن ركعتين بطلت صلاته، ولو نوي ركعتين، فقام إلى الثالثة، وأتمها أربعًا، إن أحدث نية زيادة الركعتين، فأكملها أربعًا جاز، وحصلت له أربع ركعات، وإن كان على نية الأولى بطلت صلاته ولو نوي أربع ركعات فسلم ساهيًا عن ركعتين ثم نوي الاقتصار إلى ركعتين احتاج إلى أن يسلم ثانيًا، لأن تسليمته الأولى غير محسوبة، ولو نوي ركعتين، فقام إلى الثالثة ساهيًا وصلاها، ثم ذكر ونوي ضم ركعتين اخريين إلى الأوليين لم تحسب له الثالثة؛ لأنه فعلها ناسيًا، فلم تقع عن الصلاتين،

стр. 872

ولو نوى أربع ركعات، وتشهد فيها مرة واحدة في الرابعة، يسن له أن يقرأ السورة في كل ركعة، لأن كل قومة شرعت فيها الفاتحة لا يتقدمها جلوس تشهد يسن فيها السورة. ولو نوي ست ركعات بتشهد واحد يقرأ السورة مع الفاتحة في الركعات كها لما بيناه، ولا يجوز أن يزيد على تشهدين، لأن النوافل معدلة بالفرائض، ولا فريضة يزيد التشهد فيها على اثنتين، ثم يتشهد في الرابعة والسادسة، لأن التشهد الأخير لا يجوز أن يسبقه أكثر من ركعتين، فلو تشهد في الركعة الثانية بطلت صلاته، لأن التشهد الأول يعقبه أربع ركعات، ولا نظير له في الفرائض النوافل معدلة بالفرائض، وإذا سها في صلاة النفل سجد للسهو، كما في الفرض، لأنها صلاة مشروعة شرع السجود في أصلها، فشرع سجود الجبر فيها، بخلاف صلاة الجنازة، فإنه إذا سها فيها لا يسجد للسهو، لأن صلاة الجنازة لم يشرع في أصلها السجود، فلم يشرع فيها سجود الجبر. قال المزني: فيصلي النافلة مثني قائمًا وقاعدًا .... قال القاضي حسين: صلاة الفل يجوز قاعدًا مع القدرة على القيام، لأن حكم النفل أخف من حكم الفرض، غير أنه إذا صلى قائمًا كان له من الثواب ضعف ما للقاعد. قال النبي ﷺ : صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم. وهل تجوز صلاة النفل مضطجعًا على الجنب مع القدرة على القعود والقيام فوجهان: أحدهما: لا يجوز لأن فيه ترك الأفعال كلها، وعماد الصلاة الفعل، فلا يجوز تركها مع القدرة.

стр. 873

والثاني: يجوز؛ لأن كل هيئة جاز الفرض عليها للعجز عما هو أكمل منها، جاز النفل عليها مع القدرة على الأكمل كالقعود. قال: ولو نذر أن يصلي النفل قائمًا. قال القاضي حسين: قال أصحابنا، لا ينعقد نذره، لأن جواز القعود في النفل رخصة، ولا يحل التزام ترك الرخصة، لأن الترخص بالرخصة من جملة القرب. قال ﵇: إن الله يحب أن تؤتي رخصة، كما يحب أن تؤتي عزائمه. وقال في القصر: إن هذه صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته وهذا كما لو ذر الصوم في السفر لا ينعقد، لأن الفطر رخصة. قال القاضي ﵀: والذي عندي أن ينعقد هذا النذر، لأن القيام في النفل زيادة طاعة، وإن رخص في تركه مع القدرة، كما لو نذر أن يقرأ سورة البقرة في صلاة الفرض ينعقد نذره، لما في إطالة القراءة من القرية، وإن رخص في التخفيف، ولو نذر أن يصلي قاعدًا، فصلي قائمًا يخرج عن موجب النذر، لأنه أتى بالمنذور وزيادة. ولو نذر أن يصلي مطلقًا، هل يخرج من موجب نذره بركعة واحدة، فقولان بناء على أن مطلق النذر يحمل على أقل إيجاب الله تعالى أو على أقل ما يتقرب به إلى الله تعالى من ذلك الجنس وفيه قولان:

стр. 874

إن قلنا بالأول لم يخرج عن موجب نذره بأقل من ركعتين، ولا يجوز له ترك القيام مع القدرة عليه. وإن قلنا: بالمعنى الثاني خرج مه بركعة واحدة، وجاز له ترك القيام مع القدرة عليه، وهذا بناء على أن هذا الأصل إذا نذر أن يعتق رقبة، هل يخرج عنه بمعيبه؟ فعلى قولين: وإذا نذر أن يهدي هديًا، هل يخرج منه بأقل من شاة؟ فعلى قولين: أحدهما: لا. والثاني: حتى ببيضة أو بدرهم. ولو نذر أن يصلي وقت الضحوة، ولم يعين يومًا، فعليه أن يصلي في ضحوة يوم من الأيام، ولا يتعين يوم دون يوم، ولا يصلي بعد ذهاب ما يسمى ضحوة من النهار، فضحوات الأيام كلها في حقه بمنزلة آخر الوقت في صلاة الوقت، ولو عين يومًا. فأداؤه أن يؤديه في ضحوة ذلك اليوم، فلو فات صار قضاء في الذمة يقضيه في أي وقت شاء.

стр. 875

فصل السنة لمن دخل مسجدًا ألا يخرج على شيء حتى يصلي ركعتين، ولا يقعد قبل فعلهما. قال النبي ﷺ إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين. فلو صلى سنة راتبة أو فريضة تأدت بها تحية المسجد؛ لأن المقصود ألا يخرج على شيء بعد دخول المسجد إلا على الصلاة، وهذا نظير ما لو اغتسل للجناية يوم الجمعة يتأدى به غسل سنة الجمعة، فلو سجد للشكر والتلاوة، أو صلى على الجنازة، هل يتأدي به تحية المسجد في صلاة الجنازة يحتمل وجهين: أحدهما: بلى؛ لأنه من جنس الصلاة أو بعض منها. والثاني: لا؛ لأنه ليس بصلاة، بل هو ركن من اركانها كقراءة القرآن، وإذا صلى ركعة واحدة، قال القاضي رحمه الهل، ترتب هذه على صلاة الجنازة إن قلنا: تتأدى به تحية المسجد، فالركعة أولى، وإلا تخرج على الوجهين: أحدهما: لا تتأدي لأن ظاهر الحديث يقتضي فعل ركعتين.

стр. 876

والثاني: تتأدى، لأنها صلاة مشروعة، ويمكن بناؤها على ما لو نذر أن يصلي مطلقًا، هل يخرج بها عن موجب نذره؟ فعلى قولين: ووجه الشبه أنه بدخول المسجد التزم سنة التحية، كما بالنذر التزم فعل المنذور، وإذا سجد للشكر أو للتلاوة، يترتب على صلاة الجنازة إن قلنا: لا تتأدى بها تحية المسجد، فها هنا أولى، وإلا فعلى وجهين. والفرق أن ذاك يسمى صلاة في الشرع، بخلاف سجدة الشكر والتلاوة. وإذا دخل المسجد، وجلس قال ﵁، لا تقول يقي تحية المسجد، لأنه كان يفعلها بسبب، وهو احترام المسجد، وقد فات السبب، ووجد التضييع كما نقول في صلاة الخسوف والكسوف، لا تقضي بعد فوات السبب باخلا بها، والله أعلم بالصواب. قال القاضي حسين: إن أراد به صلاة شهر رمضان، فصلاة المنفرد أحب إن عبر بالقيام عن الصلاة، وقد يعبر به عها. قال الله تعالى: قم الليل إلا قليلا. وقوله تعالى: إن ربك يعلم أنك تقوم أدني أي: تصلي. وقال ﵇: من صام رمضان وقامه إيمانًا .... الخبر والأصل في التراويح إجماعًا الصحابة ﵃، في زمن عمر

стр. 877

ابن الخطاب ﵁ ولم تكن صلاة التراويح معهودة على عهد النبي ﷺ . عن عائشة ﵂، أنها قالت: كان لرسول الله ﷺ حظيرة من الحظائر يصلي فيها، وكان يبدو ورأسه منها، فدخل فيها أول ليلة من رمضان وصلى واقتدى به جماعة، ولم ينقل أنه كم صلى؟ فلما كان من الغد تحدث الناس بفعل النبي ﷺ فاجتمع خلق كثير في الليلة الثانية، فصلى النبي ﷺ في تلك الحظيرة، واقتدوا به، فلما كان في الليلة الثالثة اجتمع خلق كثير وازدحموا بحيث ضاق المسجد، وعجز عنهم، فلم يخرج النبي ﷺ ، فلما كان من الغد خرج لصلاة الصبح فقال: لم يخف على صنيعكم البارحة، لكني خشيت أن يفرض عليكم، ولو فرض عليكم لم تطيقوه، عليكم من الأعمال بما تطيقونه، فإن الله تعالى لا يمل حتى تملوا. قيل: معناه لا يأخذ الملال، لأنه وصفه بالملال محال، لكنكم تملون فعليكم من الطاعات بما لا يأخذكم الملال فيها، لأنكم إذا أكثرتم من فعل الطاعة فتملون فيمنعكم ذلك من الخشوع والخضوع، كقول القائل لصديق إذا دخل عليه زائرا، أنا لا أمل من زيارتك حتى تمل، أي: لا تكثر من الزيارة، فإنك ربما تمل إذتا أكثرت منها. ثم لم يصلها رسول الله ﷺ في بقية عمره، ولا صلاها أبو بكر فيزمن خلافته، وكذلك عمر في صدر خلافته، ثم خرج في ليلة من رمضان فرأى الناس فرقًا في المسجد، فمن واحد يصلي، ومن اثنين يصليان، ومن ثلاثة يصلون، فقال ﵁: لو جمعتم على إمام واحد فيجمعهم على إمام واحد، ووظف علهيم عشرين ركعة، وأمم عليهم أبي بن كعب، وأجمع

стр. 878

الصحابة على ذلك، وكانت الصحابة إذ ذاك متوافرين، ولم يوجد من جهة واحد منهم نكير. وروى عن علي بن أبي طالب، ﵁ أنه قال: نور الله قبر عمر كما نور مساجدنا. واختلف أصحابنا في معنى قول الشافعي ﵁: والمنفرد أحب إلى منه، فمنهم من قال: صلاة الوتر وركعتي الفجر، وإن كانت تؤديان منفردتين أحب إلي من صلاة التراويح، وإن كانت تؤدي جماعة، لكثرة الأخبار الواردة في تأكيدهما. ومنهم من قال: أراد به أن صلاة التراويح مفردًا في البيت أحب إلي منها جماعة في المسجد، وقد قال الشافعي ﵀، في موضع آخر، إن كان يحسن القرآن، ولا يخاف الكسل، فأحب أن يصلي منفردًا في البيت. قال أصحابنا: وشرط ثالث، وهو الا تختل الجماعة بتخلفه عنها، فحصل من هذا أنه إذا فقد إحدى الشرائط الثلاث، والمستحب أن يصلي بالجماعة، وإذا اجتمعت الشرائط الثلاث فوجهان: أحدهما: المستحب أن يصليها بالجماعة، وهو اختياره ﵁، لإجماع الصحابة على فعلها بالجماعة. والثاني: فعلها مفردًا أولى من فعلها بالجماعة. روى أن النبي ﷺ قال: أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة. وروى أن النبي ﷺ قال: فضل صلاة النفل في البيت على فعلها في المسجد كفضل صلاة الفريضة في المسجد على فعلها في البيت.

стр. 879

وروي أن النبي ﷺ قال: صلاة في مسجدي هذا أفضل من الف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة صلاة في مسجدي هذا، وأفضل من هذا كله ركعتان يصليهما المرء في جوف بته لا يطلع عليهما إلا الله عزوجل. قال الشافعي: ﵀: رأيتهم بـ المدينة يقومون بتسع وثلاثين. قال القاضي حسين، أهل المدينة يصلون التراويح بتسع وثلاثين إلا أنه كانت الوظيفة عليهم ذلك، فإن الوظيفة عليهم عشرون كما على غيرهم، غير أن أهل المدينة مع أهل مكة كانوا يتنافسون في الخيرات بفضل الطاعات، وأهل مكة كانوا يطوفون بعد سنة العشاء وبعد كل ترويحتين من العشرين، فكان يحصل لهم أربعة أسباع من الطواف مع كل سبع ركعتيه. قال: أهل المدينة هم أهل حرم الله، ونحن أهل حرم رسول الله ولهم بيت يطوفون حوله، وليس لنا ذلك، فاتفقوا على زيادة ستة عشر ركعة ثمان ركعات بدلا عن أربعة أسباع الطواف، عن كل سبع ركعتين، وثماني ركعات لصلاتهم تبعًا للطواف، لكل سبع ركعتان.

стр. 880

وكانوا يوترون بثلاث لا أنهم كانوا يعتقدون الوتر، ثلاثًا، لكن كان بـ (المدينة) أهل المذاهب المختلفة، فاصطلحوا على الثلاث، لأن من رأي الوتر بالواحدة رآه بالثلاث، ومن رآه بالثلاث منع الواحدة. قوله: ولا يقنت إلا في رمضان في النصف إلى الآخر. قال القاضي حسين: وهو كما قال، واحتج فيه بأثر عمر ومعاذ، وهو مسند له إلى قادة قبيلة له من العرب. وقال أبو حنيفة: يقنت في الوتر في جميع السنة، وكان القفال يقول: وددت أن أجد قولا للسلف في القنوت في الوتر في جميع السنة، لكني تفحصت عنه، فما وجدت أحدًا قال به. قال القاضي ﵀: وقد اشتريت كتاب ابن المنذر في اختلاف العلماء لهذه المسألة خاصةن فتفحصت عنها فلم أجد أحدًا قال به إلا ملكا، فإنه قال بالصوت في الوتر في جميع شهر رمضان دون غيره من الشهور، والأصل فيه قصة عمر ﵁، وهو المقتدى في الباب وفيها أن أبي بن كعب كان يقنت ليلة السادس عشر من رمضان، وليلة الحادي والعشرين ينقل الوتر إلى البيت التماسًا لليلة القدر، فكانوا يقولون: أبق أبى، وقيل: هو تصحيف إنما كانوا يقولون: ابن أبي، ويستحب في قنوت الوتر سورة الحمد: اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونؤمن بك، ونتوكل عليك الخير، نشكرك ولا نكفرك، نخلع ونترك من يفجرك اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعي ونحمد نرجو رحمتك ونخشى عذابك إن عذابك بالكافرين ملحق. وقال أبو حنيفة ﵀ يقنت في الوتر في جميع السنة.
следующие страницы →