Полный текст (1 014 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.
стр. 876
والثاني: تتأدى، لأنها صلاة مشروعة، ويمكن بناؤها على ما لو نذر أن يصلي مطلقًا، هل يخرج بها عن موجب نذره؟
فعلى قولين:
ووجه الشبه أنه بدخول المسجد التزم سنة التحية، كما بالنذر التزم فعل المنذور، وإذا سجد للشكر أو للتلاوة، يترتب على صلاة الجنازة إن قلنا: لا تتأدى بها تحية المسجد، فها هنا أولى، وإلا فعلى وجهين.
والفرق أن ذاك يسمى صلاة في الشرع، بخلاف سجدة الشكر والتلاوة.
وإذا دخل المسجد، وجلس قال ﵁، لا تقول يقي تحية المسجد، لأنه كان يفعلها بسبب، وهو احترام المسجد، وقد فات السبب، ووجد التضييع كما نقول في صلاة الخسوف والكسوف، لا تقضي بعد فوات السبب باخلا بها، والله أعلم بالصواب.
قال القاضي حسين: إن أراد به صلاة شهر رمضان، فصلاة المنفرد أحب إن عبر بالقيام عن الصلاة، وقد يعبر به عها.
قال الله تعالى: قم الليل إلا قليلا.
وقوله تعالى: إن ربك يعلم أنك تقوم أدني أي: تصلي.
وقال ﵇: من صام رمضان وقامه إيمانًا ....
الخبر والأصل في التراويح إجماعًا الصحابة ﵃، في زمن عمر
стр. 877
ابن الخطاب ﵁ ولم تكن صلاة التراويح معهودة على عهد النبي ﷺ .
عن عائشة ﵂، أنها قالت: كان لرسول الله ﷺ حظيرة من الحظائر يصلي فيها، وكان يبدو ورأسه منها، فدخل فيها أول ليلة من رمضان وصلى واقتدى به جماعة، ولم ينقل أنه كم صلى؟ فلما كان من الغد تحدث الناس بفعل النبي ﷺ فاجتمع خلق كثير في الليلة الثانية، فصلى النبي ﷺ في تلك الحظيرة، واقتدوا به، فلما كان في الليلة الثالثة اجتمع خلق كثير وازدحموا بحيث ضاق المسجد، وعجز عنهم، فلم يخرج النبي ﷺ ، فلما كان من الغد خرج لصلاة الصبح فقال: لم يخف على صنيعكم البارحة، لكني خشيت أن يفرض عليكم، ولو فرض عليكم لم تطيقوه، عليكم من الأعمال بما تطيقونه، فإن الله تعالى لا يمل حتى تملوا.
قيل: معناه لا يأخذ الملال، لأنه وصفه بالملال محال، لكنكم تملون فعليكم من الطاعات بما لا يأخذكم الملال فيها، لأنكم إذا أكثرتم من فعل الطاعة فتملون فيمنعكم ذلك من الخشوع والخضوع، كقول القائل لصديق إذا دخل عليه زائرا، أنا لا أمل من زيارتك حتى تمل، أي: لا تكثر من الزيارة، فإنك ربما تمل إذتا أكثرت منها.
ثم لم يصلها رسول الله ﷺ في بقية عمره، ولا صلاها أبو بكر فيزمن خلافته، وكذلك عمر في صدر خلافته، ثم خرج في ليلة من رمضان فرأى الناس فرقًا في المسجد، فمن واحد يصلي، ومن اثنين يصليان، ومن ثلاثة يصلون، فقال ﵁: لو جمعتم على إمام واحد فيجمعهم على إمام واحد، ووظف علهيم عشرين ركعة، وأمم عليهم أبي بن كعب، وأجمع
стр. 878
الصحابة على ذلك، وكانت الصحابة إذ ذاك متوافرين، ولم يوجد من جهة واحد منهم نكير.
وروى عن علي بن أبي طالب، ﵁ أنه قال: نور الله قبر عمر كما نور مساجدنا.
واختلف أصحابنا في معنى قول الشافعي ﵁: والمنفرد أحب إلى منه، فمنهم من قال: صلاة الوتر وركعتي الفجر، وإن كانت تؤديان منفردتين أحب إلي من صلاة التراويح، وإن كانت تؤدي جماعة، لكثرة الأخبار الواردة في تأكيدهما.
ومنهم من قال: أراد به أن صلاة التراويح مفردًا في البيت أحب إلي منها جماعة في المسجد، وقد قال الشافعي ﵀، في موضع آخر، إن كان يحسن القرآن، ولا يخاف الكسل، فأحب أن يصلي منفردًا في البيت.
قال أصحابنا: وشرط ثالث، وهو الا تختل الجماعة بتخلفه عنها، فحصل من هذا أنه إذا فقد إحدى الشرائط الثلاث، والمستحب أن يصلي بالجماعة، وإذا اجتمعت الشرائط الثلاث فوجهان:
أحدهما: المستحب أن يصليها بالجماعة، وهو اختياره ﵁، لإجماع الصحابة على فعلها بالجماعة.
والثاني: فعلها مفردًا أولى من فعلها بالجماعة.
روى أن النبي ﷺ قال: أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة.
وروى أن النبي ﷺ قال: فضل صلاة النفل في البيت على فعلها في المسجد كفضل صلاة الفريضة في المسجد على فعلها في البيت.
стр. 879
وروي أن النبي ﷺ قال: صلاة في مسجدي هذا أفضل من الف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة صلاة في مسجدي هذا، وأفضل من هذا كله ركعتان يصليهما المرء في جوف بته لا يطلع عليهما إلا الله عزوجل.
قال الشافعي: ﵀: رأيتهم بـ المدينة يقومون بتسع وثلاثين.
قال القاضي حسين، أهل المدينة يصلون التراويح بتسع وثلاثين إلا أنه كانت الوظيفة عليهم ذلك، فإن الوظيفة عليهم عشرون كما على غيرهم، غير أن أهل المدينة مع أهل مكة كانوا يتنافسون في الخيرات بفضل الطاعات، وأهل مكة كانوا يطوفون بعد سنة العشاء وبعد كل ترويحتين من العشرين، فكان يحصل لهم أربعة أسباع من الطواف مع كل سبع ركعتيه.
قال: أهل المدينة هم أهل حرم الله، ونحن أهل حرم رسول الله ولهم بيت يطوفون حوله، وليس لنا ذلك، فاتفقوا على زيادة ستة عشر ركعة ثمان ركعات بدلا عن أربعة أسباع الطواف، عن كل سبع ركعتين، وثماني ركعات لصلاتهم تبعًا للطواف، لكل سبع ركعتان.
стр. 880
وكانوا يوترون بثلاث لا أنهم كانوا يعتقدون الوتر، ثلاثًا، لكن كان بـ (المدينة) أهل المذاهب المختلفة، فاصطلحوا على الثلاث، لأن من رأي الوتر بالواحدة رآه بالثلاث، ومن رآه بالثلاث منع الواحدة.
قوله: ولا يقنت إلا في رمضان في النصف إلى الآخر.
قال القاضي حسين: وهو كما قال، واحتج فيه بأثر عمر ومعاذ، وهو مسند له إلى قادة قبيلة له من العرب.
وقال أبو حنيفة: يقنت في الوتر في جميع السنة، وكان القفال يقول: وددت أن أجد قولا للسلف في القنوت في الوتر في جميع السنة، لكني تفحصت عنه، فما وجدت أحدًا قال به.
قال القاضي ﵀: وقد اشتريت كتاب ابن المنذر في اختلاف العلماء لهذه المسألة خاصةن فتفحصت عنها فلم أجد أحدًا قال به إلا ملكا، فإنه قال بالصوت في الوتر في جميع شهر رمضان دون غيره من الشهور، والأصل فيه قصة عمر ﵁، وهو المقتدى في الباب وفيها أن أبي بن كعب كان يقنت ليلة السادس عشر من رمضان، وليلة الحادي والعشرين ينقل الوتر إلى البيت التماسًا لليلة القدر، فكانوا يقولون: أبق أبى، وقيل: هو تصحيف إنما كانوا يقولون: ابن أبي، ويستحب في قنوت الوتر سورة الحمد: اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونؤمن بك، ونتوكل عليك الخير، نشكرك ولا نكفرك، نخلع ونترك من يفجرك اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعي ونحمد نرجو رحمتك ونخشى عذابك إن عذابك بالكافرين ملحق.
وقال أبو حنيفة ﵀ يقنت في الوتر في جميع السنة.
стр. 881
والدليل ما روينا أن النبي ﷺ قنت شهرًا في الصلوات الخمس، ثم ترك القنوت إلا في صلاة الصبح.
قال المزني: قال الشافعي ﵀ والتطوع وجهان: أحدهما: صلاة جماعة مؤكدة، فلا أجيز تركها لمن قدر عليها، وهي صلاة العيدين، وكسوف الشمس والقمر، والاستسقاء، وصلاة منفرد وبعضها أوكد من بعض، فأوكد ذلك الوتر، ويشبه أن يكون صلاة التهجد، ثم ركعتا الفجر، ولا أرخص لمسلم في ترك واحدة منهما، ولا أوجبهما، ومن ترك واحدة منهما أسوأ حالا ممن ترك جميع النوافل.
قال: وإن فاته الوتر حتى يصلي الصبح لم يقض
قال ابن مسعود: الوتر فيما بين العشاء والفجر [قال] فإن فاتته ركعتا الفجر، حتى تقام الظهر، لم يقض لأن أبا هريرة ﵁، قال: إذا أقيمت الصلاة، فلا صلاة إلا المكتوبة، وروى عن ابن عمر ﵃: أن رسول الله ﷺ قال: صلاة الليل مثنى مثنى، وفي ذلك دلالتان: أحدهما: أن النوافل مثنى مثنى بسلام مقطوعة، والمكتوبة موصولة، والأخرى أن الوتر واحدة فيصلي النافلة مثنى مثنى قائمًا وقاعدًا، إذا كان مقيمًا، وإن كان مسافرًا، فحيث توجهت به دابته، كان رسول الله ﷺ يصلي الوتر على راحلته أينما توجهت به، قال: فأما قيام شهر رمضان، فصلاة المنفرد أحب إلي منه، ورأيتهم بالمدينة يقومو بتسع وثلاثين وأحب إلى عشرون لأنه روى عن عمر، وكذلك يقومون بمكة ويوترون بثلاث.
قال: ولا يقنت في رمضان إلى في النصف الأخير، وكذلك كان يفعل ابن عمر، ومعاذ القاريء، قال: وآخر الليل أحب إلي من أوله، فإن جزأ الليل أثلاثًا فالأوسط أحب إلي أن يقومه
стр. 882
قال المزني: قلت أنا في كتاب اختلاف مالك، قلت الشافعي، أيجوز أن يوتر بواحدة، ليس قبلها شيء قال: نعم والذي أختاره ما فعل رسول الله ﷺ كان يصلي إحدي عشر ركعة يوتر بواحدة، والحجة في الوتر بواحدة، السنة والأثار.
روى عن رسول الله ﷺ انه قال: صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشى أحدكم الصبح، صلى ركعة توتر له، ما قد صلى، وعن عائشة ﵂، أن رسول الله ﷺ كان يصلي إحدى عشرة ركعة يوتر منها بواحدة، [وأن ابن عمر كان يسلم بين الركعة والركعتين، من الوتر، حتى يأمر ببعض حاجته] وأن عثمان كان يحيى الليل بركعة، وهي وتره، وعن سعد بن أبي وقاص، أنه كان يوتر بواحدة، وأن معاوية أوتر بواحدة، فقال ابن عباس: أصاب.
قال المزني: قلت أنا: فهذا به أولى من قوله، يوتر بثلاث، وقد أنكر على مالك قوله: لا يحب أن يوتر بأقل من ثلاث، ويسلم بين الركعة، والركعتين من الوتر، واحتج بأن من سلم من اثنتين، فقد فصلهما مما بعدهما، وأنكر على الكوفي: يوتر بثلاث ـ، كالمغرب
قال المزني: قلت أنا، فالوتر بواحدة أولى به.
قال المزني: ولا أعلم الشافعي ذكر موضع القنوت من الوتر، ويشبه قوله بعد الركوع، كما قال في قنوت الصبح، ولما كان من رفع رأسه بعد الركوع يقول: سمع الله لمن حمده، وهو دعاء كان هذا الموضع بالقنوت الذي هو دعاء أشبه، ولأن من قال: يقنت قبل الركوع، يأمره أن يكبر قائما، ثم يدعو، وإنما حكم من كبر بعد القيام إنما هو للركوع فهذه تكبيرة زائدة في الصلاة لم تثبت بأصل، ولا قياس.
стр. 883
قال القاضي حسين: إذا أراد أن يصلي بالليل، فالأفضل أن يصلي في آخر الليل حد السحر، قال الله تعالى: والمستغفرين بالأسحار.
فمدحهم عليه.
وقوله تعالى: (وبالأسحار هم يستغفرون).
وقال تعالى: نجيناهم بسحر.
وروى ان النبي ﷺ سئل: أي الليل أخوف؟
وفي رواية: أجوب؟
وفي رواية أسمع؟
وفي رواية: ارجي؟
فقال: جوف الليل البهيم.
وروى أنه ﵇ سئل: عن جوف الللي، فقال: تلك الساعة الأوابين.
فإن أجزاء الليل ثلاثة أجزاء، فالمستحب أن يقوم أوسطها لما روينا، ولما روى أن النبي ﷺ كان يجزيء الليل ثلاثة أجزاء: فكان ينام في النصف الأول، ويقوم في الثلث وينام وينام في السدس الباقي، فكان يستريح في الطرفين.
стр. 884
وروي عن عائشة ﵂ أنها قالت: كان رسول الله ﷺ من أراد أن يراه قائمًا رآه قائمًا، وأن من أراد أن يراه نائمًا يراه نائمًا، ومن أراد أن يراه صائمًا رأه صائمًا، ومن أراد أن يراه مفعطرًا يراه مفطرًا، وعنها أيضا قالت كان النبي ﷺ يقوم حتى يقال: إنه لا ينام، وينام حتى يقال: إنه لا يقوم، ويصوم حتى يقال، إنه لا يفطر، ويفطر حتى يقال: إنه لا يصوم.
وروى أنه ﵇ قال: أما إني أقوم وأنام، وأصوم وأفطر، وأنكح، فمن رغب عن سنتي فليس مني.
ورورى أنه ﵇ دخل عبد الله بن عمرو بن العاص ليزوره، فلم يصادفه في البيت فرأى امرأته في ثياب المهنة والبذلة، فقال لها النبي ﵇، ألا تتزيتي، فإن لك زوجًا.
فقالت له: إن أخاك عبد الله لا حاجة له في النساء، إنه يقوم ولا ينام، ويصوم ولا يفطر، فبنيا هو فيه إذ دخل عبد الله بن عمرو، وألقى الوسادة لرسول الله ﷺ فلم يجلس عليها، وجلعها بنه وبينه، وقال ألم أخبرك بصنيعك يا عبد الله؟ تقوم ولا تنام وتصوم ولا تفطر، لا تفعل كذلك، فإنك إن فعلته غارت عيناك ونقمت نفسك، قم ونم وصم وأفطر، فإن لنفسك عليك حقًا، وإن لأهلك عليك حقا، وإن لزوجك عليك حقا، فأد كل ذي حق حقه، فقال: كمع أصوم في الشهر يا رسول الله؟ فقال: ثلاثة أيام، فقال: إني أقوم من ذلك يا رسول الله، فقال ﵇:
стр. 885
عشرة أيام، فقال: إني أقوم من ذلك، فلم يزل يستزيد ويزيد له إلى أن قال له ﵇: صوم يومًا وأفطر يومًا، ولا أفضل من ذلك، فإنه صوم أخي داود كان يصوم يومًا ويفطر يومًا، ولا يضر إذا لاقى يعني العدو، فقال: كم أختم القرآن في الشهر يا رسول الله؟ فقال: مرة واحدة، فقال: إني أقوم من ذلك، فقال: في كل أسبوع مرة، فقال: إني أقوم من ذلك، فقال: في كل ثلاث مرة، ولا أفضل من ذلك.
وإنما قاله، لأن التنزيل مأمور به في نص التنزيل، ولا يمكنه ذلك في أقل من ثلاث، ثم روى أن عبد الله بن عمر بعد وفاة رسول الله ﷺ كبر فكل بصره، وكان يقول: ليتني قبلت وصية رسول الله ﷺ ، إنما أخبرنا حر السحر وجوف الليل أواخرها، لأنه وقت غفلة الناس، والطاعة في وقت الغفلة أكثر استحبابًا وأرجى ثوابًا.
قال رسول الله ﷺ : من دخل السوق فقال: لا إله لا إله الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير، وهو على كل شيء قدير، كتب له بكل فصيح وأعجم، أي: أجر بعدد كل صامت وناطق، وإنما ذاك؛ لأن الناس في الأسواق ظاهر حالهم الاشتغال بالمعاملات في أمور الدنيا، والمستحب إخفاء الطاعات بكل حال، قال الله تعالى: وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم.
стр. 886
وقال ﵇: سبعة يظلهم الله تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله ...
قال المزني: قلت للشافعي ﵀: فيجوز أن يوتر بواحدة، وليس قبلها شيء؟
قال: نعم الفصل في الوتر.
وردت أخبار منها: ما روى عن عائشة ﵂ أنها قالت كان رسول الله ﷺ يوتر بثلاث لا يجلس إلا في آخرهن، وبخمس لا يجلس إلا في آخرهن، وبسبع لا يجلس إلا في آخرهن.
وعنها أيضا: أنها قالت: كان رسول الله ﷺ يوتر بخمس لا يجلس إلا في الرابعة والخامسة، وكان يوتر بسبع لا يجلس إلا في السادسة والسابعة، وكان يوتر بتسع لا يجلس إلا في الثامنة والتاسعة.
وعن عائشة: أن النبي ﷺ كان يصلي إحدى عشرة ركعة يوتر منها بركعة.
стр. 887
وأقصى ما ورد في الوتر ثلاث عشرة ركعة.
واختلف العلماء في عدد الوتر وكيفيته، فمذهب أبي حنيفة أنه ثلاث بتشهدين وتسليمة واحدة، كالمغرب غير أن الوتر مخصوص بالقنوت.
ومذهب مالك: أنه ثلاث بتشهدين، وتسليمتين، غير أنه لو تكلم بعدما سلم عن الركعتين بطلت صلاته.
واختلف أصحابنا فيه، فالأكثرون منهم على أن الوتر بالواحدة أفضل، لأنه اجتمع فيه قول النبي ﷺ وفعله، فالفعل ما رويناه كان النبي ﷺ يصلي إحدى عشرة ركعة يوتر منها بواحدة.
والقول ما روى ابن عمر أن النبي ﷺ قال: صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشى أحدكم الصبح صلى ركعة توتر له ما صلى.
ومن أصحابنا من قال: الثلاث أفضل، وهو اختيار الشيخ أبي زيد، وعلى هذا أهل مسجده إلى الان، وهذا القائل يحتج بفعل أهل المدينة، فإنهم كانوا يوترون بثلاث كما روينا، ولأن من جوز الوتر بالواحدة جوز بالثلاث، ومن جوز بالثلاث لم يجوز بالواحدة، فالاحتياط بالثلاث، هذا كما قال الشافعي ﵀ عليه، في القصر: أما أنا فلا أقصر فيما دون ثلاثة أيام احتياطًا على نفسي، فاحتياط في ألا يقصر أقل من الثلاث، وهو يجوز عنده في مرحلتين، إلا أن الأفضل هو الإتيان بأحد المعنيين:
стр. 888
أحدهما: ما ذكرنا أنه اجتمع فيه قول الشافعي: النبي ﵇ وفعله.
والثاني: الأخذ بالاحتياط، ولي على أصل الشافعي، ﵀ إذا لم يكن ارتكاب محظور أو مكروه، وإذا أراد الإتيان، بثلاث يحتاج إلى ترك التشهد في الركعة الأولى وعلى هذا لو اقتصد أو احتجم، يستحب له تجديد الوضوء إذا كان قد صلى الفريضة أو النافلة بذلك الوضوء.
فأما إذا لم يؤد صلاة ما، فلا يستحب له الوضوء احتياطًا، وخروجًا من الخلاف؛ لأنه يؤدي إلى الزيادة على الثلاث، وقد نهي عنه.
وحكي عن ابن سريج ﵀ أنه كان إذا اقتصد مس ذكره، ثم توضأ.
قال القاضي ﵀ وكان القفال، ﵀، يقول أنا لا أقول: الواحدة أفضل من الثلاث، لأن الركعة الواحدة يبعد أن تفضل على الثلاث، لكني أقول: الأقل أن يصلي ثلاثا بتشهدين وبتسليمتين، فتكون الأوليان نفلا والثالثة وترًا، وهذا أولى من أن يصليهما بتشهد واحد، وبتسليمة واحدة، لأنه يجوز أن صلاها فضيلة زيادة تحريمة وتسليمة.
ومن أصحابنا من ذهب إلى أن الوتر ثلاث نقول: يصليهما بتشهد واحد، خلاف ما قاله ابو حنيفة.
وكان القفال ﵀، يقول: لو تعمد في الثانية إن كان متعمدًا بطلت صلاته، وإن كان ساهيًا فعليه سجود السهو، لقوله ﵇: لا توتروا بثلاث فتشبهوه بالمغرب.
قال الشافعي: ﵀ الحجة في أن الوتر واحدة الأخبار والأثار، فمنها ما روى فيها من الأخبار ما رويناه عن عائشة ﵂، أنها قالت: كان النبي ﷺ يصلي إحدى عشر ركعة، يوتر منها بواحدة.
стр. 889
وما روى ابن عمر عن أنه ﵇ قال: «صلاة الليل مثنى مثنى ...»
وروي أن ابن عمر سئل عن الوتر؟ فقال: «إنها واحدة».
فقيل له: إنهم يقولون: إنها البتيراء، فقال: إن كنت تسألني عن سنة رسول الله ﷺ فهذا سنته.
وروي أن عثمان كان يحيي الليل بركعة هي وتره.
ورُوي أن امرأته قالت يوم الدار: قتلتموه أو لم تقتلوه، فإنه كان يصلي الصبح بوضوء العشاء منذ عشرين سنة.
وعن أبي أيوب عن النبي ﷺ أنه قال: «من أحَبَّ أن يوتر بواحدة فليوتر بواحدة، ومن أحب أن يوتر بثلاث فليوتر بثلاث، ومن أحب أن يوتر بخمس فليوتر بخمس».
وفيه عنه ﵇، أنه قال: «الوتر ركعة من آخر الليل».
стр. 890
ومن الآثار عن سعد بن أبي وقاص أنه كان يوتر بواحدةٍ.
وعن ابن عمر أنه كان يسلِّم بين الركعتين، والثالثة في الوتر حتى كان يأمر ببعض حاجاته.
روي أن ابن عباس بلغه أن معاوية أوتر بواحدة، فقال: «أصاب إنه الفقيه».
قال ﵁: كان الشيخ أبو زيد يدرس في هذه المسألة بـ (مكة)، فروى هذا الأثر، فهموا بإخراجه، وكان مدرسًا بها ثلاث عشرة سنة، وهم يرون أنه ﵇ نهى عن البتيراء.
قلنا: إن البتيراء غير معلوم المعنى، ففسروه لنا نتكلم عليه على أنه موقوف على ابن مسعود.
وروي أنه ﵇، قال: «ما أجزأت ركعة قط»
والصحيح أنه موقوف على ابن مسعود، وإنما قصد بها للرد على ابن عباس، حيث رَدَّ الصلاة إلى ركعة بالخوف والسفر، ثم إن المزني لما روى هذه الأحاديث والآثار قال: وهذا أولى.
وقوله: «يوترون بثلاث».
أشار إلى أن للشافعي قولا آخر في المسألة: أن الوتر ثلاث ركعات، إما كمذهب مالك، أو كمذهب أبي حنيفة، ثم ذكر المزني ﵀ موقع القنوت في الوتر، وقال: لا أعلم الشافعي ذكره، وسنته أن يكون بعد الركوع وهو كما قال.
وقد حكينا عن أبي حنيفة انه قال: قبل الركوع، وما قلنا أولى لما أشار إليه
стр. 891
قال المزني: لأنه إذا قنت قبل الركوع لاحتاج إلى زيادة تكبير في الصلاة لم تثبت بخبرٍ ولا بقياس ولأن ما بعد الركوع محل الدعاء، لأنه شرع فيه.
قوله: سمع الله لمن حمده، وغيره، من الأدعية والقنوت دعاءٌ، وما بل الركوع دعاءـ، وما قبل الركوع محل القراءة، والإتيان بالذكر في محله أولى منه في غير محله.
стр. 892
فصل
روي عن النبي ﷺ أنه قال: أول ما يحاسب الله تعالى العبد على الفرائض فإن كملت فما بعدها أكمل، وإن نقصت يقول الله ، انظروا هل تجدون لعبدي من نافلة؟ فإن وجدوا أكملوا بها الفرائض، وإلا فيؤمر به إلى النار.
روى أن النبي ﷺ قال لأبي بكر ﵁: كيف تصلي بالليل يا أبا بكر، فال: أصلي العشاء، ثم أصلى ركعتي العشاء، ثم أصلى ما شاء الله أن أصلي، ثم أوتر فقال لعمر: كيف تصلي بالليل يا عمر؟ فقال: أصلي ركعتي العشاء، ثم أصلي ما شاء الله أن أصلي، ثم أنام، ثم اقوم، ثم أصلي ما شاء الله أن أصلي، ثم أوتر، فال: أما أنت يا أبا بكر أخذت بالاحتياط والحزم، وأما آنت يا عمر أخذت بالقوة والعزم.
وعندنا المختار ما فعله الصديق، ﵁ لأنه أبعدُ من الآفة والمخاطرة وأحوط لأمر العبادة.
وروى عن أبي ذر ﵁ أنه قال: أوصاني خليلى ﷺ بسبع لا أدعهن ومن ذلك لا أنام قبل الوتر.
стр. 893
وروي أن ابن عمر كان يوتر قبل النوم، وإذا قام للصلاة من نومه كان يوتر، ثم يصلي ما شاء الله أن يصلي، ثم يوتر، والوتر الأول العلماء نفض الوتر، والشافعي، ﵀ لم يذكره والمستحب أن يفعل هكذا.
فرع
رجل يصلي صلاة الفرض، وابتدأ بسورة البقرة، وقصد أن يتمها، فعرض له عارض، فعجز عن القيام.
قال ﵁: جاز له القعود ويتم القراءة، ولا يقول مهما عجز عن القيام فعليه أن يركع، وهذا كما لو أصبح صائمًا ثم سافر، فأنهكه الجوع يباح له الفطر ولا يقال لو لم يسافر كأن لا تلحقه المشقة، ولا يشتد به العطش. فلا يباح له الفطر.
مسألة
العاجز عن القيام إذا امكنه القيام بالعكازة، وأن يعتمد على شيء لا يلزمه ذلك.
إذا صلى صلاة الجنازة، ثم أنه كان محدثًا، أو على ثوبه نجاسة لا يجب عليه القضاء، فإن صلى كانت صلاة مبتدأة.
فرع
المتطهر بالماء حمل مستنجيًا في الصلاة، لم تصح صلاته، لأن محل الاستنجاء نجس، إلا أنه معفو عنه، بدليل أنه لو عرق، واستنقع في ماء قليل تجس ذلك الماء، إلا أنه عفي عنه في حقه رخصة له، فلا تتعداه تلك الرخصة، وكذا من حمل في الصلاة من على ثوبه دم البراغيث لم تصح
стр. 894
صلاته، ولو لبس ثوبًا زائدًا على عام لبوس بدنه، وعليه دم البراغيث لم تصح صلاته، لأنه غير مضطر إليه، ولو اقتدى بمستنج تصح صلاته كالمتوضي إذا اقتدى بمتيمم، لأن شرط الاقتداء أن يصلي صلتاه بمن له صلاة صحيحة، والله أعلم بالصواب.
стр. 895
باب فضل الجماعة والعذر بتركها
قال المزني: قال الشافعي: أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر ﵄، أن رسول الله ﷺ قال، صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة.
قال الشافعي ولا أرخص لمن قدر على صلاة الجماعة في ترك إتيانها إلا من عذر، وإن جمع في بيته أو في مسجد، وإن صغر أجزأ عنه، والمسجد الأعظم، وحيث كثرت الجماعات أحب إلي
وروى ان النبي ﷺ كان يأمر مناديه في الليلة المطيرة، والليلة ذات الريح: أن يقول: ألا صلوا في رحالكم، وأنه ﷺ قالأ: إذا وجد أحدكم الغائط، فليبدأ به قبل الصلاة.
قال فيه: أقول: لأن الغائط يشغله عن الخشوع.
قال: فإذا حضر فطره أو طعام فطره، وبه إليه حاجة، وكانت نفسه شديدة التوقان إليه، أرخصت له في ترك إتيان الجماعة.
قال المزني: قلت أنا: وقد احتج في موضع آخر، أن النبي ﷺ قال: إذا وضع العشاء فأقيمت الصلاة فابدءوا بالعشاء.
قال المزني: فتأوله على المعنى، لئلا يشغله منازعة نفسه عما يلزمه من فرض الصلاة.
قال القاضي حسين: الصلاة قسمان: صلاة لا تتأدى إلا بالجماعة وهي الجمعة، فتجب لها الجماعة على كل حال إذا اجتمع الشرائط التي نذكرها إن شاء الله
стр. 896
وصلاة تتأدى بغير الجماعة وهي ما عدا من الجمعة من الصلاة، فهل تفرض لها الجماعة
اختلفوا فيه، فخرج أبو سليمان الخطابي قولا للشافعي، ﵀ أنها تفترض فرض العين من كلام له في الكبير، وذلك أنه تلا آيتين:
إحداهما: قوله تعالى: وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا.
وقوله تعالى: وإذا رأوا تجارة أو لهوًا ...
ثم قال: يحتمل أن الله تعالى قصد به الرد على المنافقين، وزجرهم عما هم عليه، ويحتمل أنه قصد به التحذير لمن ترك الجماعة، والصحيح وجهان آخران:
أحدهما: هي سنة مؤكدة، إذ ليس فيها إلا اكتساب الفضيلة.
والثاني: فرض على الكفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين، ولو قعد عنه أهل بلد أو قرية يقاتلون.
وقال أحمد وإسحاق وابن خزيمة: الجماعة فرض عين على كل أحد يعصي بتركها إلا إذا كان معذورًا.
لنا قوله ﵇: صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة، فدل على أن الجماعة أثرها في الفضيلة لا غير.
وروى أنه قال ﵇: صلاتك مع الواحد أزكي من صلاتك وحدك،
стр. 897
وصلاتك مع الاثنين أزكي من صلاتك مع الواحد، وكلما كثرت الجماعة كان أفضل عند الله تعالى.
وروى عن عتبان بن مالك أنه قال: يا رسول الله إني رجل ضرير ولي دار واسعة، فأحضر داري فصل في موضع اتخذه مصلى، فحضر داره، وصلى في موضع فاتخذه مصلى، وأيضا أمر مناديه حتى نادى في الليلة المطيرة: ألا صلوا في رحالكم.
وقال أيضا: إذا ابتلت النعال، فالصلاة في الرحال.
стр. 898
واحتجوا بقوله ﵇: لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد.
وهذا محمول على نفي الفضيلة.
قال روى عن النبي ﷺ أنه قال: لقد هممت أن آمر فتيانا من قريش ليجمعوا حزمًا من الحطب، فاتخلف معهم على من تخلف عن الجماعة فأحرق عليه بيته، ولو علموا أنهم لو شهدوها لوجدوا عرقًا سمينًا أو مرماتين حسنتين لأتوهما ولو حبوا، وأراد بالمرماتين مائتين، قيل: سهمين، وقيل: عظيمين عليهما قليل لحم.
وروى أنه قال ﵇: ما من اثنين ولا ثلاثة في قرية ولا بادية لا يصلون بالجماعة إلا استحوذ عليهم الشيطان، عليكم بالجماعة، فإن الذئب يأكل الشاة القاصية الفاذة.
стр. 899
وروي عن عبد الله بن أم مكتون أنه قال: يا رسول الله إني رجل ضرير، وإن لي على الطريق نخيلا، وليس لي قائد يلائمني، فهل ترى لي رخصة في ترك الجماعة، فقال ﵇، هل تسمع النداء؟ فقال/ نعم، فقال: لا.
والأخبار كلها محمولة على الاستحباب، والتحريض على الجماعات، بدليل ما رويناه من الأخبار، هذا كله لمن لم يكن له عذر، فإن كان له عذر جاز أن يترك الجماعة، مثل أن يكون في الطريق وحل شديد، وكانت السماء تمطر أو كان البرد مفرطاـ أو الرياح تهب شديدًا أو كان يخاف على نفسه أو على ماله، ولا يجد من يحفظ أمتعته في بيته.
قال ﷺ : إذا ابتلت النعال فالصلاة في النعال، اختلفوا فيه، منهم من قال: هي جمع النعل، وهي وجه الأرض.
وروى أنه ﵇ كان يأمر مناديه في الليلة المطيرة، والليلة ذات الريح: ألا صلوا في رحالكم.
قيل: كان المؤذن يقولونها بعد الحيعلتين في محل التثويب.
وقيل: كان يقولها بعد الفراغ من الأذان، وكذلك إذا كان مدافعًا لأحد الأخبثين، فإن كان حازقا، وهو الذي أخذه الغائط، أو حاقنًا، وهو الذي أخذه الريح جاز له ترك الجماعة.
والمستحب لمن أخذه ما يشغله عن الخشوع والخضوع والصلاة أن يبدأ به إذا كان في الوقت سعة لما روى أنه ﵇ قال: إذا وجد أحد الغائط فليبدأ به قبل الصلاة.
стр. 900
وروي أنه قال ﵇: لا يصلين أحدكم وهو يدافع أحد مخبثيه.
وروى أنه ﵇ قال: لا يصلين أحدكم، وهو زناء
وعن عمر أنه قال: لا يصلين أحدكم وهو ضام وركيه، وكذلك إذا حضرت الصلاة وبه فرط الجوع، صائمًا كان أو غير صائم، فله أن يسكن جوعة بلقمتين أو ثلات، كي لا يمنعه ذلك من الخشوع والخضوع في الصلاة.
قال ﵇: إذا حضر العشاء وأقيمت الصلاة فابدءوا بالعشا.
ولا يرخص له في أن يجلس على المائدة، ويتضلع، بل يسكن الجوعة، ثم يبادر إلى الصلاة ليحوز فضيلة الجماعة. فأما إذا ضاق الوقت بحيث لو اشتغل بالطهارة أو بالأكل لذهب الوقت، تأمره بالصلاة، لأن إخراج الصلاة عن الوقت مع الإمكان بحال لا يجوز.
стр. 901
ومن قرب من عرفات وضاق الوقت بحيث لو اشتغل بصلاة العشاء لفاته الوقوف بـ (عرفة) هل له التأخير؟
يحتمل وجهين، ومن قدر على الوضوء بالماء، ولكن لو اشتغل به لفاته الوقت لا يباح له التيمم، ويترك الوضوء بالماء
стр. 902
فصل
قال الشافعي: ﵀: وإن أجمع في بيته أو في مسجد، وإن صغر أجزأ عنه في أي بقعة صلى بالجماعة يجزئه، سواء في البيت أو في المسجد، ولكن الأفضل حيث تكثر الجماعة، هذا إذا كانت الجماعة في مسجده لا تختل بتخلفه عنها، فإن الجماعة تختل فيه بتخلفه عنها، فالأفضل أن يصلي في مسجده وإن كان لا يحضر مسجده أحد، فالأفضل أن يؤذن ويقيم، ويصلي الفرض منفردًا، إن لم يحضره، من يصلي معه، ويخفف الصلاة ويخرج إلى مسجد يصلي فيه معهم بالجماعة.
стр. 903
فصل
إذا عقد الجماعة في مسجده مرة، فحضرت جماعة أخرى، إن كان المسجد على شارع يأتيه الناس ليس له إمام راتب ومؤذن راتب لم يجز على طريقة بعض أصحابنا
وقال العراقيون: يجوز.
وعند أبي حنيفة: لا يجوز لما فيه من شق العصا، ومخالفته القوم.
روى أن النبي ﷺ سلم من صلاة الصبح يومًا، فحضره واحد وشرع في الصلاة منفردًا، فقال ﵇، هل فيكم من يقوم فيتصدق عليه ويصلي معه
فقام واحد صلى معه، حين أذن في الجماعة.
ولم يصلوا معه قبل إذنه ﵇ والله أعلم.
стр. 904
باب صلاة الإمام قاعدًا بقيام أو قائمًا بقعود، أو بعلة ما تحدث وصلاة من بلغ أو أسلم .
قال المزني: قال الشافعي: وأحب للإمام إذا لم يستطع القيام في الصلاة أن يستخلف فإن صلى قاعدًا، وصلى الذين خلفه قيامًا، أجزأته وإياهم، وكذلك فعل رسول الله ﷺ في مرضه الذي توفي فيه، وفعله الآخر ناسخ لفعله الأول، وفرض الله تعالى على المريض، أن يصلي جالسًا، إذا لم يقدر قائمًا، وعلى الصحيح، أن يصلي قائمًا، فكل قد أدى فرضه، فإن صلى الامام لنفسه جالسًا ركعة، ثم قدر على القيام، قام فأتم صلاته، فإن ترك القيام، أفسد على نفسه، وتمت صلاتهم، إلا أن يعلموا بصحته وتركه القيام في الصلاة، فيتبعونه، وكذلك إن صلى قائمًا ركعة ثم ضعف عن القيام، أو أصابته علة مانعة، فله أن يقعد ويبني على صلاته، وإن صلت أمة ركعة مكشوفة الرأس، ثم أعتقت، فعليها أن تستترـ إن كان الثوب قريبًا منها، وتبني على صلاتها، فإن لم تفعل وكان الثوب بعيدًا منها، بطلت صلاتها.
قال المزني: قلت أنا، وكذلك المصلى عريانًا، لا يجد ثوبًا، ثم يجده، والمصلى خائفًا، ثم يأمن، والمصلي مريضًا، يوميء، ثم يصح، أو يصلي ولا يحسن أم القرآن، ثم يحسن أن ما مضى جائز على ما كلف، وما بقي على ما كلف، وهو معنى قول الشافعي ﵀.
قال الشافعي: وعلى الاباء، والامهات أن يؤدبوا أولادهم ويعلموهم، الطهارة
стр. 905
والصلاة، ويضربوهم على ذلك، إذا عقلوا، فمن احتلم، أو حاض، أو استكمل خمس عشرة سنة، لزمه الفرض.
قال القاضي حسين: المستحبُّ للإمام الراتب إذا عجز عن القيام أن يستخلف قادرًا على القيام ليصلي بالناس ليكمل حال الإمام، ويساوي القوم في وصفه الكمال، فإن لم يفعل، وصلى قاعدًا بهم وهم قيامٌ أجزأهم.
وقال أحمدُ ومحمدٌ: لا يجوز للقائم أن يُصَلِّي خلف القاعد.
وقال مالك: يقعدون خلفه، واحتجا بما روي أن النبي ﵇ قال: «لا يؤمن أحد بعدي جالسًا».
واحتج مالك وروى أن النبي ﷺ ركب فرسًا معروفًا لأبي طلحة، أو لآل أبي طلحة فسَقَط فجحش شقه الأيمن، فدخلوا عليه في بيته يصلي بهم قاعدًا وهم قيام خلفه، فأشار إليهم أن اقعُدُوا فقعدوا، فلما سلم، قال: «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه، فإذا ركع فاركعوا، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا قرأ فأنصتوا، وإذا صلى قاعدًا فصلوا قعودًا خلفه أجمعين».
دليلنا: ما روي عن عائشة ﵂، أنها قالت: لما مرض النبي ﷺ مرضه الذي توفي فيه كان يغشى عليه ويضيق، فأفاق، وقد دخل وقت الصلاة فقال: هل صلى الناس في المسجد؟ فقلنا: لا، بل هم قيام ينتظرونك فقال: ضعوا لي ماء في المخضب وهو شبه المركن، وهي إجانة كان يغتسل فيها ﵍ والرحمة، فوضعنا الماء في المخضب، فدخل فاغتسلَ، فلما ذهب
стр. 906
لينؤ أغشي عليه فأفاق، فلما أفاق قال: هل صلى الناس في المسجد فقلنا: لا إنهم قيام ينتظرونك، فقال في المرة الثالثة والرابعة: مُرُوا أبا بكر ليصلي بالناس، قالت عائشة ﵂: فقلت في نفسي، إن الناس يتشاءمون بأبي إذا رأوه واقفا في مقام النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله إن أبي رجل أسيف لا يملك نفسه من البكاء إذا وقف في مكانك، فلو أمرت غيره فقال ﵇: مروا أبا بكر ليصلي بالناس، فقلت لحفصة: قولي لرسول الله ﷺ يأمر أباك ليصلي بالناس، فقالت حفصة: يا رسول الله، لو أمرت غيره، فقال ﷺ إنكن صواحبات يوسف، أبي الله والمسلمون إلا أبا بكر، مروا أبا بكر ليصلي بالناس.
فقالت حفصة لعائشة: ما أتيتني بخير قط، فتقدم أبو بكر فوجد النبي ﷺ في نفسه خفه، فخرج يهادي بين رجلين أحدهما العباس، والآخر رجل من أهل بيته، فقال ابن عباس، وذلك الرجل الآخر على كرم الله وجهه إلا أنها لا تذكره بخير ما تستطيع فدخل المسجد، ووقف على يسار أبي بكر وإنما وقف على يساره، لأنه علم من حاله أنه يتأخر عن مقامه، ولا يتقدم عليه ليكون على يمينه، فوصل أبو بكر والناس صلاتهم بصلاة النبي ﷺ وافتتح الصلاة قاعدًا، فكان أبو بكر يصلي بصلاة النبي ﷺ والناس يصلون بصلاة أبي بكر، ﵁، وكان أبو بكر كالمترجم لهم.
قال الشافعي ﵀، وفعله الآخر ينسخ فعله الأول.
وما رويناه كان آخر الأمرين، فإن قيلأ: الأول لم يكن فعلا، بل كان قولا، فلم قال، فعله الآخر ينسخ فعله الأول؟
стр. 907
قلنا: معناه أن تقريره على الفعل الآخر ينسخ تقريره على الفعل الأول، لأنه في الابتداء أقرهم على الصلاة خلفه قعودًا، وفي الآخر أقرهم على الصلاة خلفه قيامًا، وكما يجوز عندنا للقاعد أن يصلي خلف القائم، وللقائم أن يصلي خلف القاعد، يجوز للقائم والقاعد أن يصلي خلف المومئ، وللمومئ أن يصلي خلفهما.
وقال أبو حنيفة: لا يجوز للموميء أن يصلي خلف القاعد والقائم، ولا لهما أن يصليا خلفه، لأن المومئ عجز عن الفعل الذي هو عماد الصلاة.
قلنا: كل صفة جاز له أن يصلي عليها للعجز جاز لمن هو أكمل منه حالا أن يصلي خلفه كالقعود.
قوله: فإن صلى الامام لنفسه جالسًا ركعة.
قال القاضي حسين: القائم إذا عجز في خلال الصلاة عن القيام قعد، وبني قائما على صلاته، وإذا عجز عن القعود اضطجع وبني، وكذلك المضطجع إذا عجز صلى بالإيماء وبنى، وكذلك الموميء إذا قدر على الاضطجاع، والمضطجع على القعود والقاعد على القيام، فإنه يضجع، ويقعد ويقوم، ويبني على صلاته، فخرج من هذا أنه يؤدي أربع ركعات كل ركعة على صفة أخرى إذا تبدلت به الأحوال، فيجوز عندنا.
جملته: أنه كلما يجوز له أن يبني من صلاته على صلاة إمامه جاز له أن يبني من صلاة نفسه على صلاته.
وقال أبو حنيفة:
لا ينبني الإيماء على القعود والقيام، ولا القيام والقعود على الإيماء بناء على أصله، وهو أنه لا يقتدي الموميء بالقائم، والقاعد بالقائم، والقاعد بالموميء وإذا قدر على القيام بعد القراءة، فعليه أن يرتفع إلى القيام، ثم يهوي إلى الركوع بعد أن اعتدل قائمًا نص عليه الشافعي، ﵀ ولا يجوز أن يرتفع منه من القعود إلى الركوع، ليكون الانتقال من الركن إلى الركن، وكذا لو قدر
стр. 908
على القيام بعد ما ركع، فإنه يقوم ثم يهوي ساجدًا كما ذكرنا في الركوع، فأما إذا قدر على القيام في خلال الفاتحة، فإنه يسكت إلى أيعتدل قائمًا، ثم يبني على القراءة، ولو قرأ في حال الارتفاع إلى القيام لم يجز، ومثله لو عجز عن القيام، في خلال الفاتحة، فقرأ في حالة الهوي إلى القعود جاز.
والفرق أن القادر على القيام فرضه القيام، وحالة الارتفاع إلى القيام أنقص من حالة القيام، فلم يحتسب بقراءته فيها.
والعاجز عن القيام فرضه القعود وحالة الهوي إلى القعود أكمل من حالة القعود، فيحسب قراءته فيها.
ولو قرأ في حالة الارتفاع إلى القيام من القعود قال ﵁:
إذا كان دون آية يبني على صلاته، ولا يستأنف الفاتحة، وإن كان لا يحسب له ذلك القدر من القراءة، بل يعيدها ويأتي بالباقي فإن قرأ آية أو أكثر هذا يبني على أنه إذا كرر الفاتحة في الصلاة عامدًا هل تبطل صلاته أم لا.
إن قلنا: تبطل صلاته فها هنا يستأنف القراءة، وإلا فلا
ولا نحكم ببطلان صلاته وإن تعمد فيها، ولو صلى قاعدًا فقدر على القيام فعليه أن يقوم فلو لم يقم نص على أن صلاته باطلة، وقد ذكرنا في نظائرهما قولا آخر أن الصلاة تنقلب نفلا، فيخرج فيها هذا القول أيضا.
والأظهر قول البطلان، وعليه فرع الشافعي ﵁ فقال: من علم من المأمومين بقدرته على القيام، ولم يخرج نفسه عن صلاته بطلت صلاته أيضا، ومن لم يعلم بحاله لم تبطل صلاته، وإن استدام الاقتداء به.
قد ذكرنا أنه إذا قدر على القيام بعد ما فرغ من الركوع يلزمه القيام.
فأما إذا قدر على القيام بعد ما فرغ من الركوع، ومضى قدر إمكان الاعتدال، لا يلزمه أن يعتدل قائمًا، ثم يهوي إلى السجود، لأن الاعتدال ليس بركن ممتد، وإنما هو قدر الطمأنينة حتى لو زاد عامدًا فيه على قدر الطمأننية بطلت
стр. 909
صلاته حتى لو كان هذا في صلاة الصبح قدر الاعتدال بعد ما فرغ من الركوع عليه أن يقوم إذا أراد أن يقنت، ولو قنت جالسًا تبطل صلاته.
قوله: وإن صلت أمة ركعة مكشوفة الرأس، ثم أعتقت فعليها أن تستتر إن كان الثوب قريبًا منها، وتبني على صلاتها.
قال القاضي حسين: وهو كما قال: لأنها بالعتق استفادت الكمال وساوت الحرائر، وفرض الحرة ستر عورة الرأس في الصلاة، وإن كان الثوب بعيدًا منها، فمشيت إليه وسترت به الرأس، فالمذهب أن صلاتها تبطل.
وخرج فيها قول آخر: من سبق الحدث أنها لا تبطل، ولو صبرت إلى أن أتيت بالثواب، فمرتب على ما لو مشيت إليه إن قلنا هناك: لا تبطل صلاتها فها هنا أولى، وإن قلنا بظاهر المذهب: إن صلاتها تبطل فها هنا وجهان بناء على ما لو زاد انتظارين في صلاة الخوف، ففرق القوم أربع فرق، وفيه قولان.
وكذلك العاري إذا وجد الستر في خلال الصلاة يلزمه الستر، وحكمه كذلك حكم الأمة إذا اعتقت وقد بينا، وكذلك لو أعتقت، ولم تعلم بالعتق حتى مضي زمان بطلت صلاتها، كمن قع في ثوبه نجاسة ولم يعلم بها، أو انكشفت عورته في الصلاة بريج هبت، ومضى زمان تبطل صلاته.
وقد عطف المزني، ﵀ على مسألة الأمة في معناها من الذين يفتتحون الصلاة بالعذر، فيرتفع العذر، مثل الخائف يأمن في خلال الصلاة فعليه أن يستقبل القبلة كما ارتفع الخوف، والموميء يقدر على القعود والقيام فعليه ذلك كما قدر عليه، ومن لا يحسن الفاتحة فتعلمها في خلال الصلاة فالحكم فيه أنه إن تعلمها في خلال الصلاة بعد الركوع لم يلزمه فرض القراءة، وإن تعلمها في خلال القراءة، فعليه أن يقرأها في الظاهر من المذهب، وإن تعلمها بعد قراءة ما يحسنه من القراءة والذكر وجهان:
أحدهما: يلزمه قراءة الفاتحة: لأنه قدر على قراءتها في محلها، وهو القيام، كما لو تعلمها قبل أيأتي بما علم من الذكر.
стр. 910
والثاني لا يلزمه، لأنه قدر على الأصل بعد الإتيان بالبدل، كما لو وجد الرقبة بعد الصوم.
فإن قيل: ما الفرق بين القراءة قلتم: يلزمه بعد الإتيان بالبدل وهو القعود، قلتم لا يلزمه وجها واحدًا.
قلنا: القيام لا يعني لعينه، بل للقراءة، وقد أتي بالقراءة في القعود الذي جعل بدلا عن القيام بخلاف القراءة، فإنها المقصودة من القيام، ولم يأت بما هو الأصل من القراءة وقدر عليها في محلها فيلزمها ذلك ولو قدر على التعلم في خلال الصلاة لم يلزمه تعلمها، كما لو وجد الماء في خلال الصلاة لا يلزمه استعماله، لأنه أتي بما هو البدل هناك بالتيمم، وها هنا شيء آخر من الذكر، بخلاف ما لو وجد الستر يلزمه الستر، لأنه لم يأت ببدل عنه إذا العرى ليس ببدل عن الستر.
قد ذكرنا أن من لا يحسن الفاتحة تصح صلاته بذكر يأتي به، وعليه تعلم الفاتحة، فإذا مضى زمان إمكان التعلم ولم يتعلم، فعليه إعادة كل صلاة يصليها بعد مضى زمان إمكان التعلم، فلو اقتدى به في مثل هذه الحالة رجل لم تصح صلاته، لأن صلاته غير محسوبة له، وهكذا كل صلاة لا تكون محسوبة لفاعلها لا يجوز للغير أن يقتدي به فيها، مثل صلاة من لم يجد ماء ولا ترابًا أو المقيم إذا صلى بالتيمم، فلا يجوز أن يقتدى به فيها، فأما إذا اقتدى بمستحاضة أو بمن به سلس بول، فوجهان:
أحدهما: تصح صلاته، لأنه اقتدي بصلاة محسوبة للفاعل.
والثاني: لا؛ لأنها صلاة ضرورة، إذا النجاسة قائمة لها، ولا ضرورة للمقتدى وسيلان الدم به للضروة.
فاما المتوضيء يجوز له أن يقتدي بالمتيمم، والكاسي بالعاري، وكذا لا يجوز للقاريء أن يقتدي بالأمي في قوله والقديم، ولا يجوز في قوله الجديد.
стр. 911
قوله: وعلى الآباء والأمهات أن يؤدبوا أولادهم، ويعلموهم الطهارات والصلاة يضربوهم على ذلك إذا عقلوا.
روى أن النبي ﷺ قال: مروهم بالصلاة وهم أبناء سبع، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، وفرقوا بينهم في المضاجع.
وإنما أمرناهم بالصلاة على رأس السبع ليتمرنوا لها، ويعتادوا فعلها، ولم نأمر به قبل السبع، لأن الصبيان لا يعقلون قبل السبع غالبًا، وأمرنا بالضرب على رأس العشر لاحتمال البلوغ بالاحتلام، فلا نأمن أنه احتلم لكن يخفيه ولم يؤمر بالضرب قبل العشر، لأنه باستكمالها يصير محلا للشهوة.
قال القاضي ﵀: إنه لا يجوز للأب أن يختن ولده، ما لم يستكمل عشرًا، لأنه ﵇ جعل السنة التي يطيق فيها احتمال الألم السنة العاشرة، وألم الختان لا محالة أشد من ألم الضرب، وأما الهدايا يؤتي بها عند دعوة الختان هي ملك الصبي، والأب يقبل له، حتى يملك، وأما أجرة تعليم القرآن، وأجرة الختان إن كان للصبي مال في ماله، وإن لم يكن فيجب على الأب، وإن كان له عبد غير مختون يجب على مالكه أن يخلي بينه وبين كسبه زمان يحصل فيه أجرة الختان بالكسب، وإن لم يخله يجب عليه أن يختنه من ماله، وكذا أجرة تعليم الختان بالكسب، وإن لم يخله عليه أن يختنه من ماله، وكذا أجرة تعليم الفاتحة، وهل يجب على الأب أن يعلم الفاتحة لابنه الصغير؟ فيه وجهان:
стр. 912
أحدهما: بلى، لقوله ﵇: مروهم بالصلاة.
وأيضا قال الشافعي: ﵀ وعلى الآباء وعلى كلمة إيجاب.
والثاني: لا يجب، لأن القراءة إنما تجب عليه بعد البلوغ، وهذا محمول على جهة التأكيد، وإنما قلنا: يجب عليه ذلك، فإنه يعلمه بنفسه، أو بالأجرة، والأجرة تجب في مال الأب إذا كان موسرًا، فإن كان معسرًا، ففي مال الابن، وله له أن يعلمه سوى الفاتحة ويعطي الأجرة من مال الصبي.؟ فعلى وجهين:
أحدهما: له ذلك إذا كان له فيه مصلحة.
والثاني: لا، لأنه غير محتاج إليه، وهذا التأديب الذي ذكرنا واجب في الأصل والضرب عليه مباح بشرط السلامة.
فأما الصوم فإن كانت الأيام قصارًا، وكان قوي الخلقة يطيقه يؤمر به، وإن كانت الأيام طوالا في وقت الحرارة، أو كان نضو الخلقة لا يطيقه لا يجوز لا يؤمر به، ثم ذكر الشافعي ﵀ ما يحصل به البلوغ، ومحله كتاب الحجر على ما سيأتي، والله أعلم بالصواب.
стр. 913
باب اختلاف نية الإمام والمأموم، وغير ذلك .
قال المزني: قال الشافعي ﵀، وإذا صلى الإمام بقوم الظهر في وقت العصر، وجاء قوم فصلوا خلفه، ينوون العصر، أجزأتهم الصلاة جميعًا، وقد أدى كل فرضه، وقد أجاز رسول الله ﷺ لمعاذ بن جبل، ﵁، أن يصلي معه المكتوبة ثم يصلي بقومه، هي له نافلة، ولهم مكتوبة، وقد كان عطاء يصلي مع الامام القنوت، ثم يعتد بها من العتمة، فإذا سلم الإمام، قام، فبني ركعتين من العتمة.
قال المزني ﵀: قلت أنا: وإذا جاز أن يأتم المصليى نافلة خلف المصلى فريضة فكذلك المصلى فريضة خلف المصلى نافلة وفريضة، وبالله التوفيق.
قال الشافعي ﵀ وإذا أحس الإمام برجل، وهو راكع، لم ينتظره ولتكن صلاته خالصة لله.
قال المزني: قلت أنا: ورأيت في رواية بعضهم، عنه: أنه لا بأس بانتظاره والأولى عندي أولى بالصواب لتقديمها على من قصر في إتيانها.
قال الشافعي ﵀: ويؤتم بالأعمى وبالعبد.
قال القاضي حسين: إذا اختلفت نية الإمام والمأموم، فلا يخلو إما أن تتفق الصلاتان في أصل الأركان لو اختلفا في الأركان، فإن اتفقا في أصل الأركان صح الاقتداء، وإن اختلفت بينهما سواء اتفقت الصلاتان في عدد الأركان كالظهر والعصر والصبح والجمعة، أو اختلفتا في عدد الركعات كالصبح مع الظهر، والمغرب مع سائر الصلوات، فخرج من هذا أنه يجوز أن يصلي
стр. 914
المفترض خلف المتنقل، والمتنفل خلف المفترض، والقاضي خلف المؤدي، والمؤدي خلف القاضي، والسنة خلف سنة أخرى، والفرض خلف الفرض، والعشاء خلف التراويح، كما رويناه عن عطاء.
ثم ينظر إن كان صلاة الإمام أقل عددا من صلاته بأن يصلي الظهر خلف الصبح، أو المغرب يقوم إذا سلم الإمام، ويتم لنفسه الصلاة، وإن شاء يخرج نفسه عن صلاة الامام، إذا جلس الامام للتشهد الأخير، وإن كانت صلاة الامام أكثر عددا من صلاته، فهو بالخيار بين أن يسلم، وبين أن يصبر حتى يتم الامام صلاته، فيسلم معه، ولا يجوز أن يوافق الامام بعد أن أكمل صلاة نفسه في بقية الصلاة، وإذا صلى العشاء خلف التراويح فصلى ركعتين، فسلم الإمام، فعليه أن يصلي الآخريين منفردًا، ولا يقتدي فيهما بركعتي الإمام، فإن فعل واقتدى به بعد أن قام إلى الركعتين، فهذا رجل وصل صلاة الانفراد بصلاة الجماعة، وسيأتي حكمه إن شاء الله .
قال القاضي رضي الله، في كرة أخرى: الصلاتان إن اتفقتا في أصل الأركان، وعدد الركعات، مثل الظهر والعصر والعشاء لا خلاف بأنه يجوز، فأما إذا اختلفتا في الأفعال مثل الظهر خلف المغرب، والمغرب خلف العشاء ظاهر كلام الشافعي رحه الله في المختصر يدل على أنه لا يجوز، لأنه قال: الظهر في وقت العصر، فاعتبر استواءهما في الأعداد والأركان.
واصحابنا قالوا بأجمعهم: إنه يجوز.
وقال القفال ﵀: مقتضى تحريمه وتسليمه جاز إحداهما خلف الأخرى، حتى لو اقتدى المفترض بمن يصلي بالجنازة، أو كبر لسجود التلاوة أو الشكر يجوز، ولو صلي الصبح خلف الظهر، ففي الركعة الثانية إذا رفع الامام رأسه من الركوع، فهو بالخيار إن شاء أخرج نفسه من متابعته وقنت، وإن شاء تابعه ولا شيء عليه، ويحمل الامام عنه كسهوه.
وإذا صلى الصبح خلف الظهر، فإذا قنت إمامه، إن شاء خرج من متابعته، وإن شاء صبر ذلك القدر إن لم يطل، ولا يضره.
стр. 915
وفي صلاة الخسوف يتابعه على الصحيح من المذهب إلى أن يركع ركوع الأول، ثم لا يتابعه، وهكذا في صلاة الجنازة يتابعه على ظاهر المذهب، وكذا في سجود التلاوة والشكر، ولكن لا يتابعه في التكبيرات وغيرها.
ولو اقتدى في الجمعة خلف الصبي، والمتنفل، فجوابان:
أحدهما: يجوز قياسًا على سائر الصلوات.
والثاني: لا؛ والفرق أن الجمعة أكدت بشرائط لم تؤكد بها سائر الصلوات، فكذا هذا، ولو اقتدى في الجمعة خلف المصلي لصلاة الصبح، فيه وجهان يبنيان على المسألة الأولى.
إن قلنا هناك تصح فيها هنا أولى، وإلا فوجهان.
والفرق أن ها هنا استويا في الفريضة والعدد، بخلاف تلك المسألة، ولو اقتدى بالجمعة، ثم صلى الظهر، فمرتبة على المسألة الأولى، إن قلنا هاك: لا يصح فها هنا أولى، وإلا فوجهان.
والفرق أنهما اختلفا في العدد، بخلاف الصبح مع الجمعة، وإن اختلتف الصلاتان في أصل الأركان كالجنازة، والخسوفيين مع غيرهما من النوافل والفرايض.
قال أصحابنا: لا يجوز، لأن فائدة الاقتداء هو المتابعة، ومعلوم أن المفترض والمتنفل خلف صلاة الجنازة، والخسوفين لا يمكنه متابعة، وقال القفال ﵀: يقول: يجوز الاقتداء فيها ثم لا يتابعه إذا كبر في الجنازة الثانية، وإذا شرع في الركوع الثاني في الخسوفين واقتدى به.
وفائدة الاقتداء اكتساب فضيلة الجماعة، ولا خلاف على المذهب أنه إذا أدرك الإمام في صلاة الظهر في الركعة الثانية، واقتد به بنية المغرب، فإنه يجوز، لأنهما يتفقان في الأعداد والأركان في هذه الحالة.
وقال أبو حنيفة ﵀: كل صلاة تتأدى بمنطق النية، كالنوافل تصح خلف من يخافه في النية، فخرج من هذا أن عنده اختلاف النية تمنع صحة
следующие страницы →