سلسلة: من القرآن إلى العمران (٢)
بلاغ الرسالة القرآنية
من أجل إبصار لآيات الطريق
تأليف
فريد الأنصاري
دار السلام
للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة
стр. 2
كافة حقوق الطبع والنشر والترجمة محفوظة
للناشر
دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة
لصاحبها
عبد القادر محمود البكار
الطبعة الأولى
١٤٣٠ هـ - ٢٠٠٩ م
الإهداء
إلى القلوب الضارعة إلى الله؛ المكابدة ظلماتِ الحيرة وتباريحَ الأحزان، بحثاً عن نافذة للإبصار - أهدي هذه البلاغات.
محبكم: فريد الأنصاري
стр. 5
مقدمة
إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين.
أما بعد؛ فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد؛ فإني أحمد الله مرة أخرى أن أرشدني اليوم إلى تقديم هذه الرسالة الصغيرة: (بلاغ الرسالة القرآنية؛ من أجل إبصار لآيات الطريق)؛ لكل باحث عن معرفة الطريق السالكة إلى الله أولاً، ثم لكل المهتمين بالمشروع الإصلاحي.
стр. 6
وقد كانت هذه الرسالة -أول الأمر- عبارة عن دروس، ألقيتها بمجالس بعض أصحابنا المحبين، وإخواننا الصالحين -نحسبهم كذلك إن شاء الله، ولا نزكي على الله أحداً- مجالس قرآنية مباركة إن شاء الله، شهدتها مدينة مكناسة الزيتون حرسها الله، وأصلح أحوالها، تدارسنا خلالها ما تيسر من بلاغات القرآن العظيم، وهي ثمرة لما استقر عليه النظر -بفضل الله وتوفيقه- من خلال بحث سابق في: (البيان الدعوي)، بعد تجربة متواضعة، عملية ووجدانية، في مجال الدعوة إلى الله، إذ صار بعدها لهذا الموضوع في قلبي حضور خاص، جعلني أقلب النظر فيما بين يدي من أعمال، باحثاً فيما أرى وأسمع، من تجارب ومبادرات، جاهداً في تلمس طريق تقربني إلى الله، على نهج رسول الله ﷺ ، في سيرته ودعوته، عسى أن أهتدي في الشأن التعبدي والإصلاحي إلى التي هي أقوم.
هذا، وقد كانت رحلتي لأداء فريضة الحج لعام: (١٤٢٠ هـ/٢٠٠٠ م)، فرصة لأعيد النظر والمراجعة، فيما تحصل لدي من رؤى وفهوم، في المجال الدعوي والإصلاحي، فشرعت -منذ ذلك التاريخ- في ترتيب النظر، وأنا أرقب واقع العمل الإسلامي، في ظل ما يجتاح العالم الإسلامي اليوم من فتن كقطع الليل المظلم، لا يكاد قطر من أقطاره ينجو منها، ومن فجور سياسي داهم، يحرق
стр. 7
الأخضر واليابس، تهب به عواصف ما سمي بـ (العولمة)، أو (حركة تهويد العالم)، هذه الريح الاستعمارية الغازية الشديدة، الجديدة في أساليبها؛ القديمة في غاياتها ومقاصدها.
ثم إني رأيت الساحة الإسلامية تعج بالأفكار، من نظريات شتى، وتنظيمات شتى، وسياسات شتى، منها ما يتناقض ويتآكل، ومنها ما يتكامل، وكل يتخذ موقعه فيها حسب استعداداته الفطرية، ومؤهلاته الكسبية، وهي -على رغم ما تزخر به من خير كثير- لا تخلو من ثغرات وثلمات، لم تجد بعد من يسدها، ويقف مرابطاً على حراستها، بل إن بعض الأصول والمنطلقات بقيت مكشوفة الظهر، عارية الثغر، رغم تدبيجها في الورقات، لا تجد من يقف على فجها؛ لانصراف الناس إلى اقتطاف بعض الثمرات، مما نحسبه خدعة واستدراجاً.
وقصة نزول الرماة عن جبل الرماة، في غزوة أحد، لم يزل نذيرها يملأ آذان التاريخ! ولكن ﴿لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق:٣٧]!
ولقد تبين -لمن يتبين- في غبار أحداث العالم الكبرى، التي تندلع عن تواتر الانهيارات الكبرى، منذ مطلع الألفية الميلادية الثالثة؛ أن مواقع المسلمين عامة، ومواقع أهل الشأن الدعوي منهم خاصة؛ قد تراجعت إلى خط الدفاع الأخير! ولعل في ذلك خيراً للإسلام والمسلمين، عَلِمه من
стр. 8
علمه، وجهِله من جهله، فذلك -إن أُحسِنَ استيعابه وتوظيفه- مما سيقدح انطلاق دورة جديدة؛ لحركة تجديد الدين في العالم بحول الله، بمستوى أعلى، وبأداء أرفع.
ثم تبين أيضاً أن المضي بالدعوة في مسارها المشاهد اليوم في كثير من البلاد؛ مضيّاً لا يراعي الظروف الجديدة؛ إنما هو مقامرة بمصير الأمة! ذلك أن هذا المسار يغلب فيه الاستعراض على الاستنهاض، ويطغى فيه النداء على البناء! والحاجة اليوم اختلفت عما كانت عليه قبل سنوات، ولقد نطق شرق الغرب -من قبل- بحكمة مشهورة، تنص على أن النهوض قد يقع بإنجاز (خطوة إلى الوراء من أجل خطوتين إلى الأمام)، وتلك مقولة لها أصل أصيل في صناعة القتال عند المسلمين، مفادها أن: (من لا يحسن الفر لا يحسن الكر)!
ولهذا نظرت بعد ذلك في كتاب الله، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فهو أصل الدين كله، منه ينطلق وإليه يعود؛ فتبين لي أولاً أنه لا ينفع الإنسان في هذا كله؛ إلا ما بقي له مدخراً في قبره، عسى أن ينفعه يوم لقاء ربه، فكان أن فتح الله بصيرتي على تولية الوجهة إلى النظر في القرآن؛ تعلماً وتعليماً، ومدارسة وتدبراً؛ عسى أن أهتدي في المسألة الدعوية إلى التي هي أقوم؛ فكان أن اكتشفت أنني كنت أمر على كثير من الآيات دون أن
стр. 9
أبصرها! وذلك كان سبباً في كثير من البلاء والارتباك الحاصل في السير، هنالك كانت الثغرات التي دخل منها المرض إلى الجسم، ويُجْمِعُ الأطباء على أن أخطر مراحل التطبيب هو تشخيص الداء، قبل وصف الدواء.
ثم إنه لابد -بين يدي هذه الورقات- أن أعلن ما سبق لي إعلانه في كتاب: (البيان الدعوي) من أنني أنطلق في عملي هذا من (مبدأ تأميم الدعوة إلى الله)، كما سلف بيانه مفصلاً في محله، بأدلته وشواهده، والمقصود بـ (تأميم الدعوة): تحريرها من كل انتماء (حركي) ضيق، بالمعنى السياسي للكلمة.
لقد كان مما ضيق الاستيعاب الدعوي بالمغرب وغيره؛ أن الكلمة الطيبة عرضت على الناس باسم التنظيمات والحركات! حتى قاس كثير من الشباب الدخول إلى (الجماعة) على وزان الدخول إلى الإسلام، والخروج عنها كالخروج عنه! لقد آن الأوان لتختص الحركات الإسلامية الحزبية بالاشتغال المؤسسي، والتدافع السياسي، كما هو حالها في الواقع اليوم، وهو أمر لا نقلل من شأنه وأهميته، ولكن على أساس أن يتحرر الشأن الدعوي العام من قبضتها، فالتجربة أثبتت أنها ما زادته -في المرحلة الأخيرة- إلا ضعفاً وتقويضاً!
إن (الحركة) مشروع اجتهادي قد تتباين وجهات النظر فيه من التوافق إلى الاختلاف، حتى التناقض والتنافي أحياناً!
стр. 10
بينما الدعوة أو (الصحوة)؛ هي في الأغلب الأعم اشتغال بالمعلوم من الدين بالضرورة، فقلما يميل الشأن فيها حتى إلى مجرد الاختلاف، بلْهَ التنافي والتناقض! فقل لي بربك لو أنك استدعيت محاضراً، أو عالماً من كل حركة، ممن يُعلم اختلافهم الحاد في مواقفهم السياسية، وبرامجهم التغييرية، ثم أوكلت لكل منهم أن يتحدث للناس في موضوع: (الإنسان في القرآن) مثلاً، أو موضوع: (المقاصد التعبدية في الإسلام)، أو: (خطر الفساد الأخلاقي)، بشرط التجرد عن الهوى التنظيمي؛ أفلا يكون الكلام منهم جميعاً واحداً في الجوهر؟ لا تنافي فيه ولا اختلاف؛ إلا كما تختلف العبارات والأساليب في عرض الأفكار؟ فلِمَ إذن نرهن الدعوة بما لم يرهنها الله به؟ ألا نكون قد حجرنا واسعاً؟ بلى والله! وتلك هي آفة الدعوة والدعاة في زماننا هذا، وذلك ما قصدنا التخلص منه بـ (مبدأ تأميم الدعوة).
نقدم رسالتنا هذه إذن؛ ورقةَ عمل لنموذج تطبيقي -تتلوه نماذج أخرى بحول الله، على خطوات ومراحل- من بعد أن أصّلنا النظر في كتابنا: (البيان الدعوي)، فما بقي بعد القول إلا العمل، والقاعدة أن (كل علم ليس تحته عمل فهو باطل).
ولقد ظن بنا بعض إخواننا (من هنا وهناك) -وبعض الظن إثم- أننا بدَّلنا وغيَّرنا، وركنَّا إلى الذين ظلموا! فإلى
стр. 11
هؤلاء وأولئك نقول لهم كلمة واحدة: ﴿اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [الشورى:١٥].
لقد اكتشفنا أن المنهج المعتمد لدى بعض إخواننا، في الدعوة والحركة؛ منهج مقلوب، ينطلقون فيه (من العمران إلى القرآن)، على طريقة قياس الشبه -وهو أضعف أنواع الأقيسة في علم الأصول- ينظرون إلى ما عند (الآخر) من بناء، فيقيسون عليه -تشبيهاً وتخييلاً- ما يرون أنه يجب أن يكون عندنا، وينطلقون في البناء؛ بل في التقليد! مع مراعاة (إسلامية) الشكل الخارجي! ويبقى الجوهر بعد ذلك يرشح بجاهليته! ﴿أَفَمَنْ اُسِّسَ بُنْيَانُهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ اُسِّسَ بُنْيَانُهُ عَلَىَ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [التوبة:١٠٩].
بينما هذا القرآن العظيم يقدم نموذجه العمراني كاملاً.
إننا قررنا أن ننطلق (من القرآن إلى العمران) على منهج رسول الله ﷺ في سيرته ودعوته، هذا هو الطريق إن شاء الله! فلن نصدر كتبنا الدعوية بعد اليوم، ولا تجاربنا العملية -إن شاء الله- إلا بهذا المنهج وعلى أساسه، تصوراً وتطبيقاً.
стр. 12
لا نبني بناءً، ولا نعمر تعميراً؛ إلا على أساس من كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، إن القرآن العظيم تصميم رباني راقٍ؛ لبناء فخم، ما كُلِّف الإنسان إلا بإنجازه، على شموليته وامتداده، بدءاً بعمران الإنسان، حتى عمران السلطان.
فأما عمران الإنسان: فهو البناء الكفيل بإخراج (الإنسان القرآني)، المشار إليه في قوله جل وعلا: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَن يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [التوبة:١٨].
وحينما نقول: (الإنسان) فهو الفرد والمؤسسة، وهو الوجدان الذاتي والجماعي، وهو الأسرة الواحدة والنسيج الاجتماعي، وهو العامة والخاصة، وهو المجتمع والدولة .. إلى غير ذلك من الثنائيات التي يستوعبها مصطلح (الإنسان).
ورسالتنا هذه (بلاغ الرسالة القرآنية) هي من هذا المعنى الأول.
وأما عمران السلطان: فهو البناء الكفيل بإخراج السلطان القرآني، وليس المقصود بالسلطان عنصره البشري، ومرجعه الإنساني، كلا! فذلك هو المعنى الأول وقد سبق، وإنما
стр. 13
المقصود به طبيعته العمرانية، وعمقه النظامي، وهو المشار إليه في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج:٤١]، وليس هذا إلا نتيجة للأول، ومَن عَكَسهما فقد قلب المنهج، ولقد بينَّا في كتاب (البيان الدعوي) من ذلك؛ احتجاجاً واستدلالاً؛ ما يكفي إن شاء الله، فلا داعي للإطالة.
والذي يجمع الأول والثاني؛ ليتم كمال (العمران)، هو: (عمران الاستخلاف)، الذي يشمل كل النشاط البشري، ويستوعب كل أبعاده الكونية، وهو المعبر عنه في القرآن الكريم بقوله تعالى: ﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ﴾ [هود:٦١].
وقوله : ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة:٣٠].
وقوله سبحانه: ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [سورة ص:٢٦]. فقوله تعالى: ﴿فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ [سورة ص:٢٦] هو جزء من كلي خلافته، وليس هو إياها، وقد سبق لنا في هذه المسألة تدليل وتأصيل، في كتابنا المذكور، لمن شاء التفصيل.
стр. 14
العمل إذن هو: (من القرآن إلى العمران)، إن معنى ذلك أننا ننخرط في حركة (البعثة الجديدة) التي نراها تنطلق اليوم؛ تصديقاً لوعد القرآن العظيم؛ ولبشارة الرسول الكريم ﷺ .
وقولنا (حركة): ليس بالمعنى السياسي للكلمة، حيث يضيق اللفظ ويتقزم؛ لينحصر في الدلالة على دائرة تنظيمية محدودة، كلَّا!.
وإنما (الحركة) هنا بمعناها العمراني الكبير، حركة يديرها رب الكون، الحي القيوم سبحانه، مجالها في الأرض، وتقديرها في السماء، تصميمها القرآن، ومنفِّذها الإنسان، ولنا في هذا الموضوع تأصيل آخر، في خطوة تأليفية تتلو هذه بحول الله.
فما عليك يا صاح الآن إلا أن تتناول التصميم القرآني لهندسة العمران، فتنشره بين يديك نشراً، تتبين معالمه، وتتبصر موازينه، وتشرع في التنفيذ؛ بناءً وتعميراً، وكل كلام دون ذلك مضيعة للأعمار في غير طائل، ويكفي الأمة ما أهدرت -ولا تزال- من الطاقة في الجدل والكلام. ومن الحِكَم المأثورة، أنه (إذا أراد الله بقوم سوءاً سلط عليهم الجدل ومنعهم العمل!)
***
стр. 15
وقبل الخلوص من هذا التقديم أعلن لكل من يرغب في السير إلى الله أن هذه الورقة المتواضعة؛ هدية له مني، هدية من قلب أخلص المحبة للمحبين، فمن وجد فيها ما ينفع فهي له، ومن لم يجد من ذلك شيئاً فليدفع عنه ما يكره، والله الهادي إلى الخير والمعين عليه.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
وكتبه عبد ربه راجي عفوه وغفرانه، الفقير إلى رحمته ورضوانه:
فريد بن الحسن الأنصاري
الخزرجي السجلماسي، غفر الله له ولوالديه وللمؤمنين.
وقد وافق تمام تبييضه وتصحيحه -بمكناسة الزيتون، من حواضر المغرب الأقصى فجر يوم الأربعاء ٩ ربيع الثاني: ١٤٢٣ هـ - ١٩/ ٦ /٢٠٠٢ م
***
стр. 16
تبصرة في المنهج
إن عودتي إلى القرآن؛ مدارسة وتدبراً؛ كشفت لي أنني كنت أمر على كثير من الآيات دون أن أبصرها!
نعم! لقد قادني التدبر للقرآن العظيم إلى أن أكتشف أن النظر لا يغني عن الإبصار! (١).
стр. 17
فالمرض إذن؛ نظر بلا إبصار! قال : ﴿وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف:١٩٨]، وقال سبحانه: ﴿وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾ [يوسف:١٠٥]، والقرآن العظيم مجموع كلي من الآيات الدالة على الطريق، آيات هي في حاجة فقط إلى من يبصرها؛ ومن هنا وصف الله القرآن كله بأنه (بصائر)، قال سبحانه: ﴿هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمِ يُوقِنُونَ﴾ [الجاثية:٢٠].
والبصائر: جمع بصيرة، وهي الآية التي تُبَصِّرُ الناس حقائق الوجود، وتدلهم على الطريق السالكة إلى الله، عند
стр. 18
تعدد الطرق السالكة إلى غيره، وتسمى (بصيرة) من حيث هي مشعة بالنور، الذي يكون سبباً في تبصير الأعين الواقعة عليها، ولذلك وصف الله الآيات في سياق آخر بأنها (مُبْصِرَة) على صيغة اسم الفاعل، فنسب الإبصار إليها من حيث هي سبب فيه، كما في قوله تعالى: ﴿وجَعَلْنَا آيةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء:١٢]، أي: مضيئة للأشياء، ومسببة بذلك للأعين في الإبصار.
إلا أن الموضوع المقصود عندنا هاهنا هو: الإبصار النفسي، أو الإبصار القلبي، لا إبصار الجوارح، فالنفس الإنسانية (جسم) روحاني سوي، له جوارحه النفسانية، المفارقة للبدن. وإنما البدن لباسها الخارجي، قال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾ [الشمس:٧]، فإبصار النفس، أو إبصار القلب هو الذي يصاب بالعمى عن الغفلة، ويعالج بالتذكر، قال : ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ﴾ [الأعراف:٢٠١]، وقال سبحانه: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج:٤٦].
وعليه يحمل معنى قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ [النمل:١٣]، وقوله : ﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء:٥٩]، فالآيات مُبْصِرَةٌ بمعنى مُبَصِّرَة، فهي لذلك بصيرة، والبصيرة: هي الثقب الذي يجعل في
стр. 19
باب الدار من أجل معرفة الطارق، وهي اليوم العدسات المجهرية التي تُثبت على أبواب المنازل، فمن خلالها يطلع الإنسان على الحقيقة ويكتشف طبيعتها.
ومن هنا كانت آيات القرآن مُبْصِرَةً، أو بصائر.
فإذ نصب المولى الكريم الآيات بصائر للناس، فإنهم إن لم يبصروا؛ لا لوم آنئذ إلا على أنفسهم، وهو قوله تعالى الوارد على أشد ما تكون النذارة: ﴿قَدْ جَاءكُم بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ﴾ [الأنعام:١٠٤]، إن هذه الآية أُمٌّ من أمهات الكتاب. فأعد قراءتها وتدبر ثم أبصر!
تدبر ثم أبصر! لأن الإبصار نتيجة طبيعية للتدبر، ولذا كانت الآيات صارمة في وجوب التدبر على ما سيأتي تفصيله وبيانه بحول الله.
- ومن أجل هذا كله خاطب الله ﷻ الناس ذوي الأبصار، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُوْلِي الْأَبْصَارِ﴾ [النور:٤٤]، وقوله أيضاً: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر:٢].
إن القرآن العظيم نسق كلي من الآيات، والآيات والآي جمع آية: وهي العلامة المنصوبة للدلالة على معلومة يُسْتَرْشَدُ بها في أمر ما، ومن هنا كانت الآية بمعنى: الحجة والبرهان.
стр. 20
والحياة الدنيا -بلا دين- ظلمات متضاربة كأمواج البحر البهيم. والناس راحلون إلى ربهم من خلال ما حد لهم من أعمار، إنها رحلة شاقة مضنية. قال : ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ [الإنشقاق:٦]، وهو لذلك في حاجة ماسة إلى الآيات؛ عسى أن يسهل عليه أمر العبور، وتتضح له معالم الطريق، ويسلك له سبيلها، تماماً كما لا تسلك الطريق لسائق السيارة؛ إلا بنصب علامات على كل مراحلها، وإنما العلامات: الآيات، كما في كل معاجم اللغة، هذا شيء مهم جدّاً، لكن ما فائدة الآيات بدون إبصار؟
ودعني أقصص عليك ها هنا قصة التاجر والأجير:
تبصرة:
خرج يوماً أحد التجار الأغنياء، ممن يحسبون من أهل الدين والصلاح، يقصد عالمِ المدينة، فسأله في ضائقة نزلت به، يريد من خلالها التوسل إلى الاقتراض الربوي من الأبناك؛ بناء على ما ظهر له فيها من الضرورة، مما لم يره العالم له، على ما يعرفه منه، ومن حاله، إذ كان يمكنه بيع شيء من ممتلكاته -وعنده منها ما يزيد على حاجته الحقيقية- لكن العالم لاحظ من خلال إلحاحه، وإعادة عرض مشكلته؛ أن عينيه تتشوقان إلى الحصول على رخصة!
стр. 21
ثم حدث أن جاء إلى العالم نفسه -بعد ذلك- رجل فقير، يشتغل أجيراً، مقابل ما لا يسد حاجته، فشكا -فوق ذلك- ضائقة شديدة ألمت به، فأنزلت به وبأهله ضرراً في الأموال والأبدان! فكان نظر العالم -على ما يعرفه منه ومن حاله، بعد استنفاد كل أبواب الحلال- أن رأى له رخصة المضطر حقيقة، بجواز ارتكاب أخف الضررين اتقاءً لأشدهما؛ وذلك بالاقتراض الربوي، في حدوده المقدرة بقدرها، من بعدما انسدت السبل كلها في وجهه. ثم غاب عنه أياماً؛ حتى ظن أنه قد أتم أمره، ثم لقيه بعد ذلك، فوجده ما يزال يعاني من مشكلته تلك، والخناق لا يزداد إلا اشتداداً عليه، فسأله عما فعل في مسألة الاقتراض، فزفر زفرة كادت تمزق قلبه! فقال: إني ما تجرأت على الاقتراب منه! إني لم أستطع! إني أسأل الله أن يجعل لي مخرجاً غيره!
وعجب العالم من الفرق بين صاحبيه: الأول وهو التاجر، الذي كان يعيش حياة أقرب إلى الترف منها إلى الاعتدال، يمنعه من الربا لكنه يطمع، والثاني: الأجير الذي كان يعيش وأسرته -في كثير من أحواله- على ما لا يسد الحاجة، يفتيه بالرخصة فيمتنع!
قلت: إن الفرق بينهما -لو تدبرت- هو الفرق بين الأعمى والبصير! وبيان ذلك كما يلي:
стр. 22
فأما الأجير فقد أبصر الآيات: ﴿الَّذِينَ يَاكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ. ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا. وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا. فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ إلى قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَاذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٥ - ٢٧٩].
لقد رأى الأجير المال الحرام، فأبصره جمراً مشتعلاً! وأبصر أكلته صرعى يتخبطون في نار جهنم! الآخذين والمعطين فيه سواء، أبصرهم يتداولون نقوداً مشتعلة، كأن معدنها قد سك من مارج نار! وأبصر لهيبها يتطاول إلى دار الدنيا؛ فيحرق عشه، ويخرب بيته، ويهلك بدنه وماله، ويلتهم من حياته ما ظن أنه يعمره، لقد أبصر حقّاً! أبصر ذلك كله فانكمشت يده خوفاً مما رأى!
وأما التاجر فإنما سمع، وليس من رأى كمن سمع!
وكذلك كان رسول الله يُبَصِّرُ أصحابَه صورةَ المال الحرام، ففي الصحيحين من حديث أم سلمة: عن رسول الله ﷺ أنه سمع خصومة بباب حجرته، فخرج إليهم، فقال: «إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إلي، فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض؛ فأقضي له على نحو ما
стр. 23
أسمع، فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار! فليأخذها أو ليتركها!» (١)
- وروي الحديث بطرق أخرى فيها زيادة، قال: «فإنما أقطع له قطعة من النار يأتي بها إسطاماً في عنقه يوم القيامة!» [والإسطام: الحديدة التي تسعر بها النار] فبكى الرجلان، وقال كل واحد منهما: حقي لأخي! فقال رسول الله ﷺ : «أما إذا قلتما، فاذهبا فاقتسما، ثم توخيا الحق، ثم استهما، ثم ليحلل كل واحد منكما صاحبه» (٢)
وعلى هذا المنهج التربوي يفهم حديث حنظلة الأسيدي ﵁، لما أبصر الآيات فقال: لقيني أبو بكر فقال: كيف أنت يا حنظلة؟ قال قلت: نافق حنظلة! قال: سبحان الله! ما تقول؟ قال: قلت: نكون عند رسول الله ﷺ ، يذكرنا بالنار والجنة؛ حتى كأنا رأي عين! فإذا خرجنا من عند رسول الله ﷺ ؛ عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات؛ فنسينا كثيراً. قال أبو بكر: فو الله إنا لنلقى مثل هذا! فانطلقت أنا وأبو بكر، حتى دخلنا على رسول الله ﷺ ، قلت: نافق حنظلة يا رسول الله! فقال رسول الله ﷺ : «وما
стр. 24
ذاك؟» قلت: يا رسول الله، نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة؛ حتى كأنا رأي عين، فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات، نسينا كثيراً! فقال رسول الله ﷺ : «والذي نفسي بيده، إن لو تدومون على ما تكونون عندي، وفي الذكر؛ لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم! ولكن يا حنظلة، ساعة وساعة! ثلاث مرات» ()
وكذلك كان منهج الصحابة -من بعده ﷺ في التبصير بالآيات، كلما ادلهمت المشكلات، ومن ذلك ما روته عائشة ﵂ من قصة موت النبي ﷺ ، حيث فزع عمر ﵁ للخبر، وكأنه لم يصدقه، فقام يقول: والله ما مات رسول الله! ﷺ قال عمر: والله ما كان يقع في نفسي إلا ذاك- وليبعثنه الله، فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم! فجاء أبو بكر فكشف عن رسول الله ﷺ ، فقبله، قال: بأبي أنت وأمي، طبت حيّاً وميتاً، والذي نفسي بيده لا يذيقك الله موتتين أبداً! ثم خرج فقال: أيها الحالف على رسلك! فلما تكلم أبو بكر جلس عمر، فحمد الله أبو بكر وأثنى عليه، وقال: ألا من كان يعبد محمداً ﷺ ؛ فإن محمداً قد مات! ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت! وقال: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر:٣٠]، وقال: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ
стр. 25
مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٤]، فنشج الناس يبكون (...)، قالت عائشة ﵂: لقد بصَّر أبو بكر الناس الهدى، وعرفهم الحق الذي عليهم، وخرجوا به، يتلون: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ إلى ﴿الشَّاكِرِينَ﴾ (رواه البخاري). وفي رواية أخرى عن ابن عباس ﵄ قال: «والله لكأن الناس لم يكونوا يعلمون أن الله أنزلها؛ حتى تلاها أبو بكر ﵁؛ فتلقاها منه الناس. فما يسمع بشر إلا يتلوها!» (١)
إن هذه النصوص تدل بشكل واضح على المنهج التبصيري، الذي كان يعتمده رسول الله ﷺ مع أصحابه، كما تدل على مدى الإبصار الذي كانوا يتمتعون به في تلقي الآيات عن رسول الله، ولهذا سماها الله ﷻ (بصائر)، كما في الآية التي اتخذناها شعاراً لهذا المعنى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾ [الأنعام:١٠٤].
تبصرة:
إن نجاح المشروع الدعوي ليس رهيناً بعدد المتَّبِعين؛ بقدر ما هو رهين بعدد المُبْصِرين، والمُبَصِّرين!
стр. 26
إن هذه الورقات محاولة لوضع أسس، لمشروع إصلاحي، يخاطب الوجدان الديني، الفردي والجماعي، التفت فيه إلى البدهيات الدينية، الاعتقادية والعملية، التي تبين لي أن كثيرا من البلاء المتسلط على البلاد والعباد؛ إنما مصدره ما وقع -من حيث ندري أو لا ندري- بسبب إهمال تلك البدهيات ونسيانها.
وإني لأعتقد جازماً أن ظهر الحركة الإسلامية اليوم، عار تماما من كل حماية، فهي تقف كذلك على خط المواجهة، غير محمية الظهر؛ فتصاب من خلفها كما تصاب من أمامها. وأحسب أن الرجوع إلى الأصول البدهيات في الدين؛ إنما هو رجوع إلى اعتلاء جبل الرماة، الذي كان إخلاؤه سبب هزيمة المسلمين في معركة أحد.
وإني لأرجو أن تكون هذه الورقات فاتحة خير إن شاء الله، لنفسي أولاً، ولمن شرح الله صدره لبلاغات القرآن؛ عسى أن نعود إلى التَّمْسِيكِ بالأصول، التي بها نكون صالحين لميراث محمد ﷺ ؛ أو لا نكون!
ذلك هو المنهج الرباني الذي عليه وقع البلاغ بصريح نص القرآن العظيم؛ فاقرأ قول الله ﷻ وتدبر: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ. إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِّقَوْمٍ
стр. 27
عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٥،١٠٦]؛ ﴿عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء:١٠٥]، وصف وشرط فيمن تجرد لطلب الإرث الرباني، فعبثا تحاول نفسك الثقيلة الوصول المشروط؛ دون تحقيق الشرط، ذلك حق يقين يعلنه الله على العالمين جزماً قاطعاً: ﴿إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٦]!
فيا أيها الحليم الحيران، السالك مسالك الحياة الدنيا، تبحث -مثلي- عبر ليلها المظلم عن باب للخروج من الفتن .. هذا باب النور، فاقرأ وتدبر قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾ [الأعراف:١٧٠].
اقرأ وتدبر .. ثم أبصر!
***
стр. 28
تبصرة
في قصة بلاغ الرسالة القرآنية
سألني أحد المحبين يوماً، قال: كيف نجدد ديننا؟
قلت:
سؤالان كبيران، يرتبطان بوجود الإنسان في الكون، ويحددان مصيره فيه، لكن قلما نضعهما -نحن المسلمين- اليوم على أنفسنا؛ لأنا نزعم أننا نعرف الجواب بداهة. فهل حصل لك -يا صاح- أن جردت نفسك من نفسك وسألتها يوماً كأنها شخص آخر:
السؤال الأول: هل تعرفين الله؟
السؤال الثاني: هل تعرفين القرآن؟
المشكلة هي أننا عندما نكتفي بـ (نعم) نكف عن البحث، وننقطع عن السير في طريق المعرفة الربانية، واستكشاف هذا القرآن العظيم!
стр. 29
افرض إذن أنك -مثلي- لا تملك الحقيقة كاملة، ولنتابع البحث معاً:
ألسنا مسلمين؟ ألسنا نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله؟ بلى طبعاً، هذا شيء حسن، فدين الإسلام الذي هو باب النجاة يوم القيامة إنما ينبني بعد الإيمان بالله على شهادة أن محمداً رسول الله، هذا بدهي، ومعلوم من الدين بالضرورة، نعم، ولكن تأمل: عبارة (رسول الله) هذا الوصف للنبي محمد ﷺ ، هو مناط الدين، الذي قال عنه الله : ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]، ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:٨٥]، فكل الإسلام قائم على شهادة أن محمداً رسول الله، فنتج عن هذا الوصف (رسول) أن الدين كل الدين -أعني الإسلام- هو عبارة عن (رسالة)، وهذا شيء عظيم جدّاً، ندرك رسمه، وقلما نبصر حقيقته. وإليك البيان:
عندما نقول: (محمد رسول الله) فإن الحقيقة اللغوية والحقيقة الشرعية كلتيهما تقتضيان أن محمدا بن عبد الله قد جاء برسالة معينة، أي أنيطت به مهمة، يقوم بتبليغها، فكان بذلك (رسولاً)، ولولا ذلك لما كان له شأن في الكون ولا في التاريخ.
стр. 30
آه، ما زلتَ تحدثني عن البدهيات، والمعلومات البسيطة ..
عفواً، عفواً، اصبر علي قليلاً .. فلعل عدم تأملنا لهذا الذي نسميه (بدهيات)، أو معلومات من الدين بالضرورة، هو سبب شرودنا بعيداً عن حقائق الإسلام.
قلت لك يا صاح: الرسالة -أي رسالة، مهما كانت- لها أربعة أركان هي:
الأول: المرسِل؛ وهو من قام بإرسال الرسالة.
والثاني: المرسل إليه، وهو الطرف المعني بها والمخاطب بفحواها.
والثالث: الرسول، وهو حامل الرسالة المبلِّغ لها، بتكليف من المرسل.
ثم الرابع: وهو الخطاب المرسَل وهو مضمونها؛ أي متن الرسالة، ونصها اللغوي الحامل لمقاصد مرسلها.
وهذا كله لو تدبرت منطبق على الإسلام من حيث هو رسالة.
فالخلاصة إذن؛ هي أن الإسلام: رسالة، مضمنة في متنها؛ أي في خطابها الحامل لمضمونها الرسالي، وهو القرآن الكريم، الذي هو متن الرسالة، ثم السنة النبوية التي هي ملحقها الشارح؛ تلك هي أول مراتب ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦]، لو تدبرت قليلاً.
стр. 31
إنك لو قرأت القرآن بهذا المنطق لوجدت عجبّاً!
فسؤالك يا صاحبي يقوم على استيعاب هذا المعنى أولاً، أعني أن تجديد الدين يقوم أساساً على تبين ما ﴿الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾؟ ثم كيف الاستقامة عليه؟ وبغير ضبط (الحقيقة الرسالية) للقرآن فلا ضمان أن تكون محاولات التصحيح خارج ﴿الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾. وليس عبثاً أن يكون ذلك هو دعاء المسلم في كل صلاة، سبع عشرة مرة في اليوم والليلة على الأقل، اصبر عليّ يا صاح، واقرأها الآن مرة أخرى، اقرأها فأنت مأجور على كل حال إن شاء الله، اقرأها وتدبرها قليلاً؛ كلمةً كلمةً، ثم استأنف بعد ذلك قراءة هذا الكتيب: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ. صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٦،٧].
مهم جدّاً أن تستحضر في ذهنك ووجدانك؛ أن القرآن يخبرنا عن نفسه؛ أنه رسالة، جاءت تحمل (الهداية) للناس الحيارى -وكل الناس لولا الدين حيارى- ويرسم لهم معالم الصراط المستقيم، فتدبر قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ. صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأمُورُ﴾ [الشورى:٥٢،٥٣].
стр. 32
وهنا فقط ندخل إلى صلب الموضوع:
إن الشعور بالمعنى الرسالي للقرآن، إنما يتحقق لك على المستوى النفسي؛ إذا تصورت طبيعة الوجود البشري، ذلك أن الإنسان إذ جاء من عالم الغيب، قد أحاطت به حجب عالم الشهادة ففقد الاتصال بأصله الغيبي؛ إلا ما كان من نداء الفطرة الخفي في قلبه.
إن ميلاد كل شخص من بطن أمه، ونزوله إلى الدنيا؛ هو كنزول آدم ﵇، من الجنة في عالم الغيب؛ إلى الأرض في عالم الشهادة، حيث تبدأ حجب الحياة الدنيا تنسج على الإنسان غلائل النسيان وتغرقه في جزئياتها اليومية، فيضرب بعيداً عن استشراف السماء مرة أخرى. ومن هنا اقتضت رحمة الرب العظيم -وهو الرحمن الرحيم- أن يرسل الرسل إلى الناس: أنْ ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ. الَّذِي جَعَلَ لَكُم الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُوا لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢١،٢٢].
جاءت الرسالة من عالم الغيب لتربط الإنسان بأصله الحقيقي، ولتشعره بسعة الكون، وربوبية الخالق ، المحيطة بكل شيء، ثم لتعلمه بقصته كاملة من النشأة حتى المصير، وما له في ذلك كله وما عليه، فجاء القرآن لذلك في
стр. 33
صورة (بلاغ) رباني، هذا مصطلح مهم؛ للتعرف على طبيعة القرآن: إنه (بلاغ) فيه دلالة عميقة على (قصد التبليغ) لمضمون الرسالة؛ حتى يتم العلم بها على التمام عند من قُصِدوا بالتبليغ والإعلام. ذلك أن (البلاغ) في العربية يرد بمعنى (التبليغ والإبلاغ)، جاء في لسان العرب: (والبَلاغُ: الإِبْلاغُ. وفي التنزيل: ﴿إِلَّا بَلَاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ﴾ [الجن:٢٣]؛ أَي لا أَجِدُ مَنْجى إِلا أَن أُبَلِّغَ عن اللهِ ما أُرْسِلْتُ به، والإِبلاغُ: الإِيصالُ، وكذلك التبْلِيغُ، والاسم منه البَلاغُ) (١)، ومن هنا كان (البلاغ القرآني) جامعاً للمعنيين معاً: البيان والتبيين، فهو (بلاغ)؛ أي بيان إعلاني في نفسه، يوصل إلى الناس بنصه مجموعة من العقائد والمبادئ، وهو (بلاغ) أيضاً: أي تبيين رسالي من حيث هو حركة في المجتمع، يقوم بها الرسول ومن ينوب عنه من الدعاة، والعلماء المصلحين؛ لتبليغ مضامينه وإيصال نصه إلى الناس أجمعين؛ حتى تشمل الرسالة كل العالمين؛ ومن هنا قوله : ﴿هَذَا بَلاَغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَاب﴾ [(إبراهيم:٥٢].
- إنه بلاغ قادم من عالم الغيب، من فوق سبع سماوات، إلى عالم الشهادة، إلى الإنسان المتحرك فوق هذه الأرض،
стр. 34
وبين العالمين مسافة رهيبة، لا يستطيع العقل استيعابها، مهما أوتي من قدرة على الخيال. فجاء القرآن رسالة تعبر تلك المسافات كلها لتلقي على الإنسان خطابا ربانيا عظيما، يحمل قضايا محددة، قصد (إبلاغها) للإنسان، قضايا أو إن شئت فقل: (بلاغات) هي مناط مسؤوليته، ووظيفته في الأرض. يمكن أن نلخصها في سبعة بلاغات، أرجو أنها أصول لما سواها من مقاصد الإرسال الرباني.
ولقد كان أول هذه البلاغات هو القرآن نفسه، أعني أن أول ما جاء القرآن ليبلغه إلى الناس هو هذا المعنى الرسالي للقرآن؛ حتى لا يقرأه أحد أو يستمع إليه، بعيداً عن هذه الحقيقة الكونية الكبرى؛ فلا يستفيد من بلاغاته الربانية شيئاً.
إن أول ما يجب أن يعرفه الإنسان من القرآن هو طبيعة هذا القرآن، من حيث هو رسالة رب الكون، مرسلة إلى واحد من أهم سكان الكون: الإنسان أنت يا صاح، وأنا، وكل إنسان .. فكان ذلك هو البلاغ الأول للقرآن .. فتدبر! ثم أبصر!
***
стр. 35
البلاغ الأول
في اكتشاف القرآن تدبراً وتفكراً
لا سبيل إلى معرفة الحقيقة إلا عبر هذا القرآن أولاً، ولا يكون ما دونه من طرق المعرفة إلا توابع له وملاحق، فهو متن الرسالة، التي أرسلها رب العالمين إلى الخلق، وما سواه شروح وتفاسير؛ ويا لتعاسة من ضل عن هذا الأصل العلمي العظيم، إذن يضرب في التيه على غير هدى .. قال : ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا. وأَنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الإسراء:٩،١٠]، وقال مستدركاً بقوة على الذين حرفوا وبدلوا وغيروا: ﴿وَلَكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ [آل عمران:٧٩]. ذلك سبيل الربانية الأوحد، لا سبيل سواه؛ فتدبر .. ثم أبصر!
стр. 36
تبصرة: القرآن روح:
من أعجب الأوصاف وألطفها، ومن أغرب الأسماء وأروعها؛ التي سمَّى الله بها كتابه الحكيم، هي: أنه روح! وذلك قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ. صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأمُورُ﴾ [الشورى:٥٢،٥٣].
والروح له في القرآن خصائص. نذكر منها اثنتين.
الأولى: أن جوهره ممتنع الإدراك، وإنما الشأن فيه أن نقول: (إنه من أمر الله)، قال ﷻ : ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ [الإسراء:٨٥]. وسمَّى القرآنَ هنا أيضاً: ﴿رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى:٨٥].
والثانية: أنه سبب الحياة، وباعثها -بإذن الله- في سائر الأحياء، فبملابسته تحيا الأجساد، وبمفارقته تموت. كما هو منطوق كثير من الأحاديث النبوية. وذلك نحو قوله ﷺ : «إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله إليه ملكاً، ويؤمر بأربع كلمات، ويقال له: اكتب عمله ورزقه وأجله وشقي أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح ... الحديث» (١). وقال ﷺ
стр. 37
في وصف الموت: «إن الروح إذا قبض تبعه البصر» (١) وفي الصحيح أنه ﷺ : (نهى أن يتخذ شيء فيه الروح غرضاً) (٢)، فقوله: (شيء فيه الروح) يعنى من الطير وسائر الدواب، فلا يجوز اتخاذه غرضاً للرمي بالنبل، أو الرصاص، قصد الاستمتاع واللهو لا لمنفعة الصيد؛ لما فيه من الاعتداء على الروح، وتخريب خلق الله بلا هدف مشروع.
والشاهد عندنا أن الروح هو سبب الحياة، فهي توجد بوجوده، وتنعدم بانعدامه.
وإنما كان القرآن روحاً؛ لأنه سبب حياة هذه الأمة، من حيث هي (أمة)، وسبب حياة القلوب، فلا يموت قلب خالطت نبضَه آياتُ القرآن الكريم، ولا حياة لقلب خلي منها.
فاقرأ الآية مرة أخرى، وتدبر، ثم حاول الإبصار: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ. صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأمُورُ﴾ [الشورى:٥٢،٥٣]. ذلك محمد بن عبد الله، عليه صلاة الله وسلامه، كان يحاول أن يخرج من ظلمات الجاهلية، إذ لم
стр. 38
يقتنع بأفكارها، وضلالاتها؛ فاعتزلها، لكنه لم يجد تفسيراً للغز الذي يغلف هذا الوجود؛ حتى نزل عليه الروح بالروح، أي حتى نزل عليه جبريل بالقرآن من أمر الله؛ فأحياه الله به بعد موات، وأنار بصيرته به؛ فصار من المبصرين، يهدي إلى صراط مستقيم، بمعالم فصلها هذا الكتاب، الذي يصف ما بين السماوات والأرض، ويخبر عن أسرارهما، من بدء الخلق إلى يوم البعث، ويرسم الطريق للإنسان خلال ذلك كله؛ كي يسلك إلى ربه ويتعرف عليه، فأنى لك يا صاح أن تجد مثله؟
ومن هنا وجب أن تكون خطوتك الأولى، في طريق المعرفة الربانية؛ أن تتعرف على القرآن، بل أن تكتشفه؛ ولذلك جاء الخطاب القرآني يحمل أمر القراءة للقرآن؛ تلاوةً وترتيلاً، وأمر التعلم للقرآن مدارسةً وتدبراً.
والتدبر هو غاية كل ذلك ونتيجته؛ ولذلك قال : ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ﴾ [سورة ص:٢٩]، فجعل غاية الإنزال للقرآن التدبر والتذكر، ولولا التدبر لما حصل التذكر الذي هو يقظة القلب، وعمران الوجدان بالإيمان، فالتدبر هو المنهج القرآني المأمور به لقراءة القرآن العظيم؛ ومن هنا زجره تعالى للناس الذين لا يتدبرونه. قال سبحانه: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤]، ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا﴾ [النساء:٨٢].
стр. 39
تبصرة: فما التدبر إذن؟
تَدَبَّرَ الشيء -في اللغة- يَتَدبَّرُه: تتبع دبره، أي نظر إلى أواخره وعواقبه ومآلاته، كيف هو إذا صار إليها؟ وكيف يكون؟ جاء في لسان العرب: (ودَبَّرَ الأَمْرَ وتَدَبَّره: نظر في عاقبته، واسْتَدْبَرَه: رأَى في عاقبته ما لم ير في صدره؛ وعَرَفَ الأَمْرَ تَدَبُّراً؛ أَي بأَخَرَةٍ (...) والتَّدْبِيرُ في الأَمر: أَن تنظر إِلى ما تَؤُول إِليه عاقبته. والتَّدَبُّر: التفكر فيه) (١).
فتدبر القرآن وآيات القرآن: هو النظر إلى مآلاتها وعواقبها في النفس وفي المجتمع. وذلك بأن تقرأ الآية من كتاب الله، فتنظر -إن كانت متعلقة بالنفس- إلى موقعها من نفسك، وآثارها على قلبك وعملك، تنظر ما مرتبتك منها؟ وما موقعك من تطبيقها أو مخالفتها؟ وما آثار ذلك كله على نفسك، وما تعانيه من قلق واضطراب في الحياة الخاصة والعامة؟ تحاول بذلك كله أن تقرأ سيرتك في ضوئها، باعتبارها مقياساً لوزن نفسك وتقويمها، وتعالج أدواءك بدوائها، وتستشفي بوصفاتها.
وأما إن كانت تتعلق بالمجتمع؛ فتنظر في سنن الله فيه كيف وقعت؟ وكيف تراها اليوم تقع؟ وكيف ترى سيرورة المجتمع وصيرورته في ضوئها؟ عند المخالفة وعند الموافقة .. ثم تنظر ما علاقة ذلك كله بالكون والحياة والمصير؟
стр. 40
وهنا تلج إلى باب آخر من أبواب القرآن رديف للتدبر، بل هو منه، ذلك هو: التفكر، إن التفكر غالباً ما يرد مذكوراً في القرآن في سياق النظر في خلق الله، والتأمل في بديع صنعه، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ. الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ. رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبْرَارِ. رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [آل عمران:١٩٠،١٩٤]، فكل هذه الأدعية العابدة، الحارة، الخاشعة، الباكية؛ إنما هي نابعة عن الإحساس الحاصل للعبد بُعَيد التفكر في خلق الله، فاقرأ الآيات وتدبر .. تجد أن المؤمن لما يسيح في جنبات الكون الفسيح، يشعر بعظمة الله الواحد القهار، وتأخذه الرهبة من جلال ملكه وعظمة سلطانه؛ فيسرع هارباً إلى مساكن رحمته، وجمال غفرانه.
وبما أن القرآن كتاب يحيل المتدبر له على امتدادات الكون، ويرجع به إلى كشف كثير من أسرار الوجود، وغرائب الخلق؛ فإن (التدبر) الذي هو المنهج الرباني لقراءة القرآن؛ يحيل الإنسان على (التفكر) الذي هو المنهج الرباني لقراءة