تبصرة: القرآن روح:
من أعجب الأوصاف وألطفها، ومن أغرب الأسماء وأروعها؛ التي سمَّى الله بها كتابه الحكيم، هي: أنه روح! وذلك قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ. صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأمُورُ﴾ [الشورى:٥٢،٥٣].
والروح له في القرآن خصائص. نذكر منها اثنتين.
الأولى: أن جوهره ممتنع الإدراك، وإنما الشأن فيه أن نقول: (إنه من أمر الله)، قال ﷻ : ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ [الإسراء:٨٥]. وسمَّى القرآنَ هنا أيضاً: ﴿رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى:٨٥].
والثانية: أنه سبب الحياة، وباعثها -بإذن الله- في سائر الأحياء، فبملابسته تحيا الأجساد، وبمفارقته تموت. كما هو منطوق كثير من الأحاديث النبوية. وذلك نحو قوله ﷺ : «إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله إليه ملكاً، ويؤمر بأربع كلمات، ويقال له: اكتب عمله ورزقه وأجله وشقي أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح ... الحديث» (١). وقال ﷺ
стр. 37
في وصف الموت: «إن الروح إذا قبض تبعه البصر» (١) وفي الصحيح أنه ﷺ : (نهى أن يتخذ شيء فيه الروح غرضاً) (٢)، فقوله: (شيء فيه الروح) يعنى من الطير وسائر الدواب، فلا يجوز اتخاذه غرضاً للرمي بالنبل، أو الرصاص، قصد الاستمتاع واللهو لا لمنفعة الصيد؛ لما فيه من الاعتداء على الروح، وتخريب خلق الله بلا هدف مشروع.
والشاهد عندنا أن الروح هو سبب الحياة، فهي توجد بوجوده، وتنعدم بانعدامه.
وإنما كان القرآن روحاً؛ لأنه سبب حياة هذه الأمة، من حيث هي (أمة)، وسبب حياة القلوب، فلا يموت قلب خالطت نبضَه آياتُ القرآن الكريم، ولا حياة لقلب خلي منها.
فاقرأ الآية مرة أخرى، وتدبر، ثم حاول الإبصار: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ. صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأمُورُ﴾ [الشورى:٥٢،٥٣]. ذلك محمد بن عبد الله، عليه صلاة الله وسلامه، كان يحاول أن يخرج من ظلمات الجاهلية، إذ لم
стр. 38
يقتنع بأفكارها، وضلالاتها؛ فاعتزلها، لكنه لم يجد تفسيراً للغز الذي يغلف هذا الوجود؛ حتى نزل عليه الروح بالروح، أي حتى نزل عليه جبريل بالقرآن من أمر الله؛ فأحياه الله به بعد موات، وأنار بصيرته به؛ فصار من المبصرين، يهدي إلى صراط مستقيم، بمعالم فصلها هذا الكتاب، الذي يصف ما بين السماوات والأرض، ويخبر عن أسرارهما، من بدء الخلق إلى يوم البعث، ويرسم الطريق للإنسان خلال ذلك كله؛ كي يسلك إلى ربه ويتعرف عليه، فأنى لك يا صاح أن تجد مثله؟
ومن هنا وجب أن تكون خطوتك الأولى، في طريق المعرفة الربانية؛ أن تتعرف على القرآن، بل أن تكتشفه؛ ولذلك جاء الخطاب القرآني يحمل أمر القراءة للقرآن؛ تلاوةً وترتيلاً، وأمر التعلم للقرآن مدارسةً وتدبراً.
والتدبر هو غاية كل ذلك ونتيجته؛ ولذلك قال : ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ﴾ [سورة ص:٢٩]، فجعل غاية الإنزال للقرآن التدبر والتذكر، ولولا التدبر لما حصل التذكر الذي هو يقظة القلب، وعمران الوجدان بالإيمان، فالتدبر هو المنهج القرآني المأمور به لقراءة القرآن العظيم؛ ومن هنا زجره تعالى للناس الذين لا يتدبرونه. قال سبحانه: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤]، ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا﴾ [النساء:٨٢].
стр. 39
تبصرة: فما التدبر إذن؟
تَدَبَّرَ الشيء -في اللغة- يَتَدبَّرُه: تتبع دبره، أي نظر إلى أواخره وعواقبه ومآلاته، كيف هو إذا صار إليها؟ وكيف يكون؟ جاء في لسان العرب: (ودَبَّرَ الأَمْرَ وتَدَبَّره: نظر في عاقبته، واسْتَدْبَرَه: رأَى في عاقبته ما لم ير في صدره؛ وعَرَفَ الأَمْرَ تَدَبُّراً؛ أَي بأَخَرَةٍ (...) والتَّدْبِيرُ في الأَمر: أَن تنظر إِلى ما تَؤُول إِليه عاقبته. والتَّدَبُّر: التفكر فيه) (١).
فتدبر القرآن وآيات القرآن: هو النظر إلى مآلاتها وعواقبها في النفس وفي المجتمع. وذلك بأن تقرأ الآية من كتاب الله، فتنظر -إن كانت متعلقة بالنفس- إلى موقعها من نفسك، وآثارها على قلبك وعملك، تنظر ما مرتبتك منها؟ وما موقعك من تطبيقها أو مخالفتها؟ وما آثار ذلك كله على نفسك، وما تعانيه من قلق واضطراب في الحياة الخاصة والعامة؟ تحاول بذلك كله أن تقرأ سيرتك في ضوئها، باعتبارها مقياساً لوزن نفسك وتقويمها، وتعالج أدواءك بدوائها، وتستشفي بوصفاتها.
وأما إن كانت تتعلق بالمجتمع؛ فتنظر في سنن الله فيه كيف وقعت؟ وكيف تراها اليوم تقع؟ وكيف ترى سيرورة المجتمع وصيرورته في ضوئها؟ عند المخالفة وعند الموافقة .. ثم تنظر ما علاقة ذلك كله بالكون والحياة والمصير؟
стр. 40
وهنا تلج إلى باب آخر من أبواب القرآن رديف للتدبر، بل هو منه، ذلك هو: التفكر، إن التفكر غالباً ما يرد مذكوراً في القرآن في سياق النظر في خلق الله، والتأمل في بديع صنعه، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ. الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ. رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبْرَارِ. رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [آل عمران:١٩٠،١٩٤]، فكل هذه الأدعية العابدة، الحارة، الخاشعة، الباكية؛ إنما هي نابعة عن الإحساس الحاصل للعبد بُعَيد التفكر في خلق الله، فاقرأ الآيات وتدبر .. تجد أن المؤمن لما يسيح في جنبات الكون الفسيح، يشعر بعظمة الله الواحد القهار، وتأخذه الرهبة من جلال ملكه وعظمة سلطانه؛ فيسرع هارباً إلى مساكن رحمته، وجمال غفرانه.
وبما أن القرآن كتاب يحيل المتدبر له على امتدادات الكون، ويرجع به إلى كشف كثير من أسرار الوجود، وغرائب الخلق؛ فإن (التدبر) الذي هو المنهج الرباني لقراءة القرآن؛ يحيل الإنسان على (التفكر) الذي هو المنهج الرباني لقراءة
стр. 41
الكون. فيكون كل متدبر للقرآن متفكراً في الكون. فتقرأ -بقراءة القرآن- كلَّ آيات الله المنظورة والمقروءة سواء.
وبذلك كله يتم لك شيء آخر، هو: الإبصار.
إن التدبر والتفكر كليهما، يعتبران بمثابة الضوء، أو الشعاع المسلط على الأشياء، تماماً كما تسلط الشمس أشعتها المشرقة -في اليوم الصحو- على الموجودات، فتبصرها الأعين الناظرة، فكذلك التدبر يكشف حقائق الآيات القرآنية، والتفكر يكشف حقائق الآيات الكونية، حتى إذا استنارت هذه وتلك؛ أبصرها المتدبرون والمتفكرون، وكانت لهم فيها مشاهدات، لا تكون لغيرهم، ولذلك قال : ﴿قَدْ جَاءكُم بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ﴾ [الأنعام:١٠٤]، وقال سبحانه: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر:٢].
هكذا وجب أن تقرأ القرآن آيةً آيةً؛ اقرأ وتدبر ثم أبصر! عسى أن ترى ما لم تر، وتدرك من حقائقه ما لم تدرك من قبل؛ فتكون له متدبراً .. فتدبر!
تبصرة: ما القرآن ؟
ولنسأل الآن: ما القرآن؟ ما هذا الكتاب الذي هز العالم كله؛ بل الكون كله؟
أجمع العلماء في تعريفهم للقرآن على أنه (كلام الله)،
стр. 42
واختلفوا بعد ذلك في خصائص التعريف ولوازمه، ولا نقول في ذلك إلا بما قال به أهل الحق من السلف الصالح، وإنما المهم عندنا الآن هاهنا بيان هذا الأصل المجمع عليه بين المسلمين: (القرآن كلام الله)، هذه حقيقة عظمى، ولكن لو تدبرت قليلاً ..
الله ﷻ خالق الكون كله .. هل تستطيع أن تستوعب بخيالك امتداد هذا الكون في الآفاق؟ طبعاً لا أحد له القدرة على ذلك إلا خالق الكون ، فالامتداد الذي ينتشر عبر الكون مجهول الحدود، مستحيل الحصر على العقل البشري المحدود، هذه الأرض وأسرارها، وتلك الفضاءات وطبقاتها، وتلك النجوم والكواكب وأفلاكها، وتلك السماء وأبراجها، ثم تلك السماوات السبع وأطباقها ... إنه لضرب في غيب رهيب لا تحصره ولا ملايين السنوات الضوئية، أين أنت الآن؟ اسأل نفسك .. أنت هنا في ذرة صغيرة جدّاً، تائهة في فضاء السماء الدنيا –الأرض- وربك الذي خلقك، وخلق كل شيء؛ هو محيط بكل شيء قدرة وعلماً .. هذا الرب الجليل العظيم، قدَّر برحمته أن يكلمك أنت، أيها الإنسان؛ فكلمك بالقرآن .. كلام الله رب العالمين، أوَ تدري ما تسمع؟ الله ذو الجلال رب الكون يكلمك ﴿فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾ [طه:١٣] أي وجدان، وأي قلب؛ يتدبر هذه الحقيقة العظمى فلا يخر ساجداً لله الواحد القهار رغباً ورهباً؟
стр. 43
اللهم إلا إذا كان صخراً أو حجراً، كيف؛ وها الصخر والحجر من أخشع الخلق لله؟ ﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر:٢١]، وهي أمثال حقيقة لا مجاز، ألم تقرأ قول الله تعالى في حق داود ﵇: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ. وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص:١٨،١٩]، وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف:١٤٣].
كلام الله هو كلام رب الكون، وإذا تكلم سبحانه تكلم من عَلُ: أي من فوق؛ لأنه العلي العظيم ، فوق كل شيء، محيط بكل شيء؛ علماً وقدرة، إنه رب الكون .. فتدبر: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَاء رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطٌ﴾ [فصلت:٥٤]، ومن هنا جاء القرآن محيطاً بالكون كله، متحدثاً عن كثير من عجائبه، قال تعالى في سياق الكلام عن عظمة القرآن: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ. وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ. إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ. فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ. لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ. تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ. أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنتُم مُّدْهِنُونَ. وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة:٧٥ - ٨٢]، سبحانك ربنا ولا بأي من آياتك نكذب.
ذلك هو القرآن .. كلام من أحاط بمواقع النجوم؛ خلقاً
стр. 44
وأمراً، وعلماً، وقدرة، وإبداعاً، فجاء كتابه بثقل ذلك كله، أنزله على محمد ﷺ ، من بعد ما هيأه لذلك، وصنعه على عينه سبحانه جل وعلا، فقال له: ﴿إنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً﴾ [الجن:٥]. ومن هنا لما كذب الكفار بالقرآن، نعى الله عليهم ضآلة تفكيرهم، وقصور إدراكهم، وضعف بصرهم، عن أن يستوعبوا بعده الكوني الضارب في بحار الغيب، فقال تعالى: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً. قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [الفرقان:٥،٦].
وإنه لرد عميق جدّاً، ومن هنا جاء متحدثاً عن كثير من السر في السماوات والأرض، قال : ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً﴾ [الكهف:٥٤]، وقال: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ. أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَاء رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطٌ﴾ [فصلت:٥٣،٥٤].
فليس عجباً أن يكون تالي القرآن متصلاً ببحر الغيب، ومأجوراً بميزان الغيب، بكل حرف حسنة والحسنة بعشر أمثالها، والحرف إنما هو وحدة صوتية لا معنى لها في اللغة، نعم في اللغة، أما في القرآن فالحرف له معنى، ليس بالمعنى الباطني المنحرف، ولكن بالمعنى الرباني المستقيم، أوَ ليس هذا الحرف القرآني قد تكلم به الله؟ إذن؛ يكفيه ذلك دلالة
стр. 45
وأي دلالة، ويكفيه ذلك عظمة وأي عظمة، فعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رَسُول الله ﷺ : «من قرأ حرفاً من كتاب الله فله حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول (ألم) حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف) (١).
ولذلك كان لقارئ القرآن ما وعده الله إياه، من رفيع المنازل في الجنان العالية، وما أسبغ عليه من حلل الجمال. قال رسول الله ﷺ : «يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارق ورتل كما كنت ترتل في دار الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية كنت تقرؤها» (٢). وقال أيضاً: «يجيء القرآن يوم القيامة فيقول: يا رب حَلِّه؛ فيلبس تاج الكرامة، ثم يقول: يا رب زده؛ فيلبس حلة الكرامة، ثم يقول: يا رب ارض عنه؛ فيرضى عنه. فيقول: اقرأ وارقَ ويزاد بكل آية حسنة» (٣). ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الجمعة:٤].
إنه تعالى تكلم، وهو متكلم، سميع، بصير، عليم، خبير، له الأسماء الحسنى والصفات العلى، نثبتها كما أثبتها السلف، بلا تأويل ولا تعطيل ولا تشبيه، لقد تكلم ،
стр. 46
وكان القرآن من كلامه الذي خص به هذه الأمة المشرفة، أمة محمد ﵊.
فكان صلة بين العباد وربهم، صلة متينة، مثل الحبل الممدود من السماء إلى الأرض، طرفه الأعلى بيد الله، وطرفه الأدنى بيد من أخذ به من الصالحين.
قال ﵊ في خصوص هذا المعنى، من حديث لطيف، تشد إليه الرحال: «كتاب الله هو حبل الله الممدود من السماء إلى الأرض» (١)، وقال في مثل ذلك أيضاً: «أبشروا .. فإن هذا القرآن طرفه بيد الله وطرفه بأيديكم، فتمسكوا به، فإنكم لن تهلكوا، ولن تضلوا بعده أبداً» (٢). وروي بصيغة أخرى صحيحة أيضاً فيها زيادة ألطف، قال ﷺ : «أبشروا .. أبشروا .. أليس تشهدون أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟ قالوا: بلى، قال: فإن هذا القرآن سبب، طرفه بيد الله وطرفه بأيديكم، فتمسكوا به، فإنكم لن تضلوا، ولن تهلكوا بعده أبداً» (٣)
стр. 47
ذلك أن القرآن جاء -وهو من رب العالمين- بلاغاً إلى الناس أجمعين، يحمل رسالة ذات مضامين من النبأ الرباني العظيم، نبأ الخلق، ونبأ الكون، ونبأ الغيب، ونبأ الشهادة، ونبأ الحياة، ونبأ الموت، ونبأ البعث القريب .. ونبأ الأمر الإلهي الحكيم في ذلك كله. وكلف رسوله ببلاغه جميعاً إلى الناس، فقال له : ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة:٦٧]، وقال أيضاً: ﴿قُلْ إِنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا. إِلَّا بَلَاغًا مِّنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن:٢٢،٢٣]، وقال سبحانه: ﴿هَذَا بَلاَغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَاب﴾ [إبراهيم:٥٢]، وقال: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ [الرعد:٤٠]، ومن أشد المعارض القرآنية لهذا المعنى وقعاً على النفس؛ قوله تعالى للمؤمنين من هذه الأمة -بعد آية تحريم الخمر مباشرة-: ﴿وَأَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاَغُ الْمُبِينُ﴾ [المائدة:٩٢]، ونحو ذلك كثير في القرآن الكريم؛ مما ينطق عن طبيعته (البلاغية) بالمعنى الرسالي للكلمة، وما ينتج عن ذلك من إعذار وإنذار، ومن ثقل الأمانة الملقاة على عاتق كل مسلم، بل كل إنسان بلغته الرسالة.
ومن هنا فما كان رسول الله ﷺ يدعو إلى الله إلا بهذا القرآن، استجابة لقوله تعالى: ﴿فَلاَ تُطِعِ الكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ
стр. 48
جِهَاداً كَبِيراً﴾ [الفرقان:٥٢] وكذلك كان صحابته الكرام على هديه ﵊، فما أسلم أغلب من أسلم من الصحابة إلا بعد سماع القرآن، وهذا أمر متواتر في كتب السنن، وكتب السير والمغازي، لمن استقرأه وتتبعه. ومن أشهر الأمثلة على ذلك قصة مفاوضة قريش للنبي ﷺ ، إذ بعثت إليه ممثلها الوليد بن عتبة، فكلمه في أن يكف عن تسفيه أحلامهم، حتى إذا فرغ من مقالته قال له الرسول ﷺ : أفرغت؟ قال: نعم، قال: فقال رسول الله ﷺ : ﴿حم. تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ... حتى بلغ: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ [فصلت:١ - ١٢] (١).
وكذلك كانت سفارة النبي ﷺ في البلاد، إذ يرسل صحابته إلى الأقاليم والأمصار، فإنما كانوا يدعون الناس بالقرآن، كما هو الشأن في بعث أصحابه إلى المدينة، فعن البراء بن عازب ﵁ قال: (أول من قدم علينا من أصحاب النبي ﷺ : مصعب بن عمير، وابن أم مكتوم، فجعلا يقرئاننا القرآن) (٢).
هي الرسالة وصلت من رب العالمين إليك أيها الإنسان،
стр. 49
فاحذر أن تظنك غير معني بها في خاصة نفسك، أو أنك واحد من ملايير البشر، لا يُدْرَى لك موقع من بينهم، كلا! كلا! إنه خطاب رب الكون، فيه كل خصائص الكلام الرباني، من كمال وجلال، أعني أن الله يخاطب به الكل والجزء في وقت واحد، ويحصي شعور الفرد والجماعة في وقت واحد، ﴿قُلْ إِن تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران:٢٩].
سبحانه ﷻ ، لا يشغله هذا عن ذاك، وإلا فما معنى الربوبية وكمالها؟ تماماً كما أنه قدير على إجابة كل داع، وكل مستغيث، من جميع أصناف الخلق، فوق الأرض وتحت الأرض، وفي لجج البحر، وتحت طبقاته، وفي مدارات السماء ... إلخ، كل ذلك في وقت واحد -وهو تعالى فوق الزمان والمكان- لا يشغله شيء عن شيء، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، فبذلك المنطق نفسه أنت إذ تقرأ القرآن تجد أنه يخاطبك أنت بالذات، وكأنه لا يخاطب أحداً سواك، احذر أن تخطئ هذا المعنى .. تذكر أنه كلام الله، وتدبر .. ثم أبصر!
قال ﷻ : ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤]، ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا﴾ [النساء:٨٢] .. فتدبر!
ذلك هو القرآن: الكتاب الكوني العظيم، اقرأه وتدبر،
стр. 50
فوراء كل كلمة منه حكمة بالغة، وسر من أسرار السماوات والأرض، وحقيقة من حقائق الحياة والمصير، ومفتاح من مفاتيح نفسك السائرة كرها نحو نهايتها. فتدبر .. إن فيه كل ما تريد، ألست تريد أن تكون من أهل الله؟ إذن؛ عليك بالقرآن، اجعله صاحبك ورفيقك طول حياتك؛ تكن من (أهل الله) كما في التعبير النبوي الصحيح، قال ﵊: (إن لله تعالى أهلين من الناس: أهل القرآن هم أهل الله، وخاصته) (١).
وأخيراً؛ فإن في كتاب الله آية عجيبة، تدلك على الطريق: كيف يبدأ، وكيف ينتهي؛ تدبر قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾ [الأعراف:١٧٠]. تمسيك بالكتاب أولاً: وهو الأخذ ببلاغاته بقوة، وإقامة للصلاة ثانيا: وهو إحسان أدائها والسير إلى الله عبر مواقيتها، ثم انطلاق إلى الإصلاح والدعوة إلى الخير. ﴿إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾ [الأعراف:١٧٠]، تلك إذن المدارج الأولى للسالكين، كما سترى بحول الله .
هذا غاية ما عندي يا صاح عن القرآن، فلا تغتر بما عندي؛ إنه لا يحدثك عن القرآن إلا القرآن؛ فتدبر .. اقرأه آية فآية، وتدبر .. ثم أبصر!
стр. 51
أبصر لنفسك! فإن الإبصار لا نيابة فيه لأحد عن أحد، وإنما الذي يمكن أن أساعدك به هو التبصير بمنهج الإبصار لآيات الطريق، حتى إذا أبصرت؛ ربما رأيت فيها ما لم أر، وأبصرت منها ما لم أبصر!
تبصرة:
القرآن إذن؛ هو متن رسالة الله .. يمنحك أول مقاصده الإرسالية: معرفة الله، مرسل الرسالة إلى الخلق، تلك حقيقته الأولى، وهي أول ما يرفع بصيرتك إليه؛ عسى أن تبصر جمال الخالق ﷻ ؛ فتكون من العابدين.
فاسأل نفسك: هذه هي الرسالة: القرآن، ولكن؛ هذا المرسِل .. من يكون؟ ومن هو؟
هذا أول المعرفة الربانية. وهو في مقاصد الخطاب القرآني، البلاغ الأول، ذلك من حيث الرتبة لمقاصد الإرسال، وهو هاهنا من حيث ترتيب السير المنهجي في التعرف على معالم الطريق، ومنازل السير يحتل الرتبة الثانية منهجيّاً لا مقاصديّاً؛ إذ لا يعرف الله إلا بمعرفة القرآن، كما أنه لا يمكن أن يعبد الله -عمليّاً- إلا باتباع رسول الله، وإن شئت فقل: معرفة الله وتوحيده هو غاية الغايات، ومنتهى الخطوات، ولكن أولاها قطعاً وإنجازاً هي معرفة القرآن، فإذا أنت عرفت ما القرآن؟ وبدأت تغرف من مأدبة الله؛ وجدت الله جل وعلا أول المقاصد التي يدعوك القرآن لتعرفها.
стр. 52
فلا ضير إذن أن يكون هذا البلاغ: (التعرف على الله) من حيث هو مرسل الرسالة قد جاء (ثانياً) بهذا الترتيب التعليمي، بعد (الأول) الذي هو معرفة الرسالة نفسها، وتحقيق التوصل بها، وإلا فلا صراط ولا سير ولا هدى، وقد بينت لك أن معرفة الله تعالى -من حيث الترتيب المقاصدي- هي أصل الأصول ومنتهى الوصول، فليكن إذن.
***
стр. 53
البلاغ الثاني
في التعرف إلى الله والتعريف به
اسأل نفسك: هل تعرف المرسِل؟ أو بعبارة أخرى: هل تعرف الله؟
هذه خطوة أولى، لا بد منها لقراءة الرسالة الربانية؛ ذلك أن أول مقاصد القرآن هو تعريف الناس بالله، المتكلم بالقرآن؛ ولذلك جاء تعريف الله لذاته سبحانه؛ بأسمائه الحسنى؛ مباشرة بعد التنبيه على عظمة هذا القرآن، كأنه قال لك: اعرف القرآن أولاً لتعرف الله، أوَ ليس هو تعالى المتكلم بالقرآن؟ قال ﷻ يصف ذاته: ﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ. هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ. هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ
стр. 54
اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ. هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الحشر:٢١ - ٢٤]، اقرأ وتدبر .. ثم أبصر!
من أنت؟ .. نعم أنت هذا الإنسان الذي وجد نفسه -فجأة- في هذا الكون الفسيح، الممتد عرضه إلى حدود الغيب المجهول ..
كون عجيب وغريب. لم يستطع الإنسان المعاصر رغم ما اكتسب في مجال العلوم الكونية والفلكية والطبيعية، من معارف؛ أن يسبر أغواره الرهيبة، بل ها هو ذا ما يزال واقفاً على شاطئ الكون ينظر في حيرة: أين ترسو حدود الضفة الأخرى؟
فما المجرات والنجوم والكواكب وأفلاكها وفضاءاتها جميعاً -مما نرى وما لا نرى- إلا بطن السماء السفلى، الممتدة من تحت سبع سماوات! كما قال الله في القرآن: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ﴾ [الصافات:٦]، وما الأرض من ذلك إلا كحلقة في فلاة! وأما باقي السماوات فذلك ما لا سبيل إلى إدراكه إلا بالإيمان!
وتنبعث الحياة في الإنسان .. ليسعى في الأرض وينظر إلى السماء، يتأمل ويتفكر، ليدرك في نهاية المطاف ألا حل لهذا اللغز الذي يطوق وجوده إلا برسالة تجئ من عالم الغيب،
стр. 55
تخبره بسر وجوده، وسر الوجود كله من حوله، أرأيت أن لو لم تأت أي رسالة؟ كيف يكون مخرجه من هذه الظلمات؟ سل نفسك هذا السؤال، وتأمل!
ثم تأتي الرسالة من رب الكون إلى هذا الإنسان .. وكان أولى به أن ينظر -أول ما ينظر- إلى مرسلها، ويسأل -أول ما يسأل- عن مصدرها؛ حتى يتحقق منه يقيناً. ذلك أن الإنسان عندما يتوصل عادة بأي رسالة أرضية بشرية، فإنه ينظر بادئ النظر إلى اسم المرسِل من هو؟ حتى إذا استقر في ذهنه اسمه قرأ الرسالة حينئذ؛ لأنه على قدر المرسِل عند المرسَل إليه تكون قيمة الرسالة، ولقد علمنا أن الإنسان إذ تصله رسالة من محبوب أو مرهوب، يقرأ خطابه بروية وإمعان، حتى إن الأم الأمية التي تتلقى رسالة من ولدها، المسافر في أرض الغربة النائية بعيداً، تكلف من يقرأ لها الكلمات، فتستمع لها استماعاً وتنصت إنصاتاً، وتراها -وهي المرأة الأمية- تصيخ السمع للكلمات الفصيحة، تتلقاها تخيلاً بالوجدان، وإن لم تفهم معناها الدقيق على التحقيق، فتحرك رأسها بالقبول لكل ما قال الحبيب!
وتأتي الرسالة من رب الكون، ولكن قلما نوليها ما تستحق من اهتمام، مع أنها تجيبنا عن لغز الحياة من حولنا، ولغز وجودنا فيها، فلا نحتفي بالقرآن رسالة الله إلى العالمين. عجباً، عجباً!
стр. 56
وإذن؛ دعني أبدأ لك بالدعوى فأقول: إننا -مع الأسف- لا نعرف الله!
نعم، إن وضع المسلمين اليوم يؤكد هذه الحقيقة المؤسفة، تقول كيف؟ إليك البيان:
أما المعرفة بالله فدرجات ومراتب، وما أحسب هذا الشرود الرهيب عن باب الله في هذا الزمان؛ إلا دليلاً قاطعاً على الجهل العظيم، الذي يكبل الناس أن يبحثوا عن ربهم الذي خلقهم؛ مما يصنفنا دون أدنى مراتب المعرفة بالله، تَرَاخَيْنَا عن سلوك طريق المعرفة به في الرخاء، فبقينا هملاً، أو لقى في مزبلة التاريخ! وبقيت وصية رسول الله ﷺ فينا دون وفاء، فكان لها مفهومها المخالف في واقعنا: (تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة) (١).
لو كان الناس يعرفون الله حقّاً؛ لرأيت الحال غير الحال؛ ولرأيتهم يسابقون في أداء حق الخالقية، وبيان ذلك بالمثال التالي، ولا مشاحة في الأمثال:
إذا قدر الله أن يكون إنسان ما جاهلاً بوالديه -لسبب من الأسباب- كليهما أو أحدهما، لكنه نشأ محتضناً بحضن بعض المحسنين، حتى شب وكبر ثم اكتشف الحقيقة: وهي
стр. 57
أن هذا الذي رباه ليس أباه، وأن هذه التي أرضعته ليست أمه التي ولدته؛ فإنه حينئذ يدخل في غربة شديدة، قد تذهب بعقله كله، أو بعضه، إلا أن يعتصم بالله، والسبب في ذلك أنه فقد المعرفة بمن كان له سبباً في الخروج من عالم العدم إلى عالم الوجود، ودخل في جهل عظيم بنسبه وأصله، وانقطعت بين يديه سلسلة سنده التي تربطه إلى شجرة المجتمع الإنساني الذي يعيش فيه، وهنا -صورة تلقائية لا إرادية- يدخل في سلسلة من البحث والأسئلة في كل مكان، وحيثما اتفق، يسأل سؤالاً واحداً: من أبي؟ أو من أمي؟ سؤالان يؤولان إلى معنى واحد: هو من أنا؟
إن البحث عن الذات فطرة في الإنسان، ولن تعرف الذات إلا بمعرفة سبب وجودها، إذ المعلولات مرتبطة بالعلل وجوداً وعدماً، ومن ثم جهلاً ومعرفة. وهنا يذكر حديث النبي ﷺ ، في قصة غضبه من كثرة أسئلتهم المعنتة.
أخرج الشيخان عن أنس بن مالك ﵁، في حديث طويل، أن رسول الله ﷺ قام فيهم خطيباً، فكان مما قال: «من أحب أن يسأل عن شيء فليسأل عنه! فوالله لا تسألوني عن شيء إلا أخبرتكم به، ما دمت في مقامي هذا! قال أنس: فأكثر الناس البكاء، وأكثر رسول الله ﷺ أن يقول: سلوني! فقال أنس: فقام إليه رجل فقال: أين مدخلي يا رسول الله؟ قال: النار! فقام عبد الله بن حذافة فقال: من أبي يا رسول الله؟
стр. 58
قال أبوك حذافة! قال: ثم أكثر أن يقول: سلوني! سلوني! فبرك عمر على ركبتيه فقال: رضينا بالله ربّاً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد ﷺ رسولاً، قال: فسكت رسول الله ﷺ حين قال عمر ذلك، ثم قال رسول الله ﷺ : أولى والذي نفس محمد بيده! لقد عرضت علي الجنة والنار آنفاً، في عُرْض هذا الحائط، فلم أر كاليوم في الخير والشر!» (١).
فتأمل هذا المشهد: كيف لم يجرؤ أحد من الصحابة أن يسأل شيئاً؛ إذ رأوا أمارة الغضب عليه ﷺ ، إلا رجلين: أحدهما سأل عن مدخله، فأجابه: النار، والعياذ بالله! والآخر انتهز الفرصة -رغم هول الموقف- فقال: (من أبي؟) فأجابه النبي ﷺ : «أبوك حذافة»، إن الإحساس بانقطاع النسب عقدة اجتماعية، سببها الإحساس بالجهل بالذات اجتماعيّاً، لا وجوديّاً؛ ولذلك فقد جاء في رواية مسلم لهذا الحديث: (فأنشأ رجل من المسجد كان يُلاحَى فيدعى لغير أبيه فقال: يا نبي الله من أبي؟)؛ أي أنه كان إذا خاصمه أحد من الناس؛ سبه وعيره بنسبته إلى غير أبيه! فكان ذلك يحزنه ويعقده، فلم يستطع أن يكتم رغبته الجامحة في معرفة حقيقة نسبه، رغم ما شهد من رهبة اللحظة، وخوف الصحابة من غضب النبي ﷺ ! وكم شهدنا من الناس من أنفق ما أنفق من الأموال والأعمار؛ من أجل
стр. 59
اكتشاف والده، أو أي أحد من عشيرته، أو أي خيط -مهما بعد، أو ضعف- من خيوط نسبه، أو من له صلة بذلك من الناس، عساه أن يصله بحقيقة نفسه، ولو توهمّا!
تبصرة:
غريب أمر هذا الإنسان: كيف يجهد لمعرفة حقيقته الاجتماعية، ولا يجهد ذلك الجهد وأقصى؛ لمعرفة حقيقته الوجودية!
إن الذي ينصت إلى خطاب الفطرة في نفسه يسمع نداء عميقاً، يترجم الرغبة في معرفة من أسدى إليه نعمة الوجود، ألا ترى أن الإنسان مفطور على شكر من وصله بمعروف؟ بلى، إذن لم لا تسأل عمن خلقك؟ لا تسرع في الإجابة! لا تقل لي: إنني أعرف الله فأنا مسلم، فما هذا الذي نريد!
أنت مخلوق، هذه حقيقة وجودية، فلا أحد منا جاء إلى الوجود بإرادته وقراره، من هنا كان الواجب الأول عليك أن تبحث عن الله الخالق، بهذه الصفة، أعني صفة الخالقية؛ لأنها سبب مجيئك إلى الكون، وإلا كنت عدماً، ولذلك كان أول حق لله رب الناس على الناس، وجب عليهم أداؤه ابتداء: هو حق الخالقية، أليسوا مخلوقين؟ بلى، إذن تعلق بذمة كل مخلوق أن يشكر الخالق، من حيث هو خلقه.
стр. 60
و (الخلق) مفهوم من أغرب مفاهيم القرآن العظيم، ومن أكثرها استعصاء على الفهم والإدراك، فهو دال عموماً على: التكوين والإنشاء؛ إبداعاً واختراعاً؛ أي أنه خلق الخلق على غير مثال سابق، فتأمل هذه الحقيقة أولاً: (على غير مثال سابق) إنه تعالى فَطَرَ خلقه، وأنشأهم ولم يسبق له في ذلك نموذج يحتذى، فسبحانه وتعالى من خالق عظيم! فلقد كان تعالى ولم يكن قبله شيء، هو الأول بلا بداية، وهو الآخر بلا نهاية، جل شأنه وتعالى جده، ولا إله غيره. تأمل كيف كان خلق الكون؟ كيف كان العدم -وما العدم؟ - ثم كان الوجود بأمر ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ [البقرة:١١٧].
ثم تأمل كيف كان خلق آدم ﵇؟ كيف صنع الله من الطين المتعفن بشراً سويّاً؟ يفيض جمالاً وحيوية، عجباً، عجباً! كيف كانت كتل الطين في جسم آدم تتحول إلى شرايين، وشعيرات دموية، وعظاماً ولحماً طريّاً؟ عجباً، عجباً! كيف تحول الصلصال في محاجره ﵇ بصراً يبرق، ويشع بنور الحياة، ويرى الألوان والأشياء، ويسيل بالدموع فرحاً وحزناً؟ عجباً، عجباً! كيف تَخَلَّقَ الترابُ في جمجمته دماغاً مائعاً مارجاً؟ متكوناً من ملايين الخلايا اللطيفة الحساسة، تجري شعيراتها بالدم الدفاق، وتختزن ملايين المعلومات والذكريات، وتتأهب للتفكير في أدق الخطرات والنظرات؟ عجباً، عجباً!
ثم تأمل: كيف جعل من الطين والماء نباتاً جميلاً، فصارت
стр. 61
له أزهار تملأ الأنوف عبيراً أخاذاً، وثماراً تملأ القلوب بهجة وجمالاً؟ كيف خرج عنقود العنب الطري الندي، من عود خشن وماء وطين؟ ثم كيف خرج الوليد من بطن أمه، من بعد ما تَخَلَّقَ بأمر الله من ماء مهين، ماء نكرهه فطرةً، ونغتسل منه، ماء وسِخ، وما حوله وسِخ، وطرائقه وسِخة، فخرج منه طفلاً أو طفلة تشع بالجمال وتتدفق بالحياة؟ عجباً، عجباً! تماماً كما أخرج الله اللبن من بين فرث ودم؛ شراباً صافي البياض لذيذاً. تدبر قوله : ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا سَآئِغًا لِلشَّارِبِينَ. وَمِن ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [النحل:٦٦،٦٧] عجباً، عجباً! يا صاح، فتدبر ثم أبصر!
ذلك هو (الخلق) الذي تحدى به ربُّ العالمين كلَّ العالمين، فقال: ﴿أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل:١٧]، وقال ﷻ : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ. مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج:٧٣،٧٤].
وهذه حقيقة قرآنية كبرى، تترتب عليها أمور كبيرة في حياة الإنسان، وجوداً وعدماً: ذلك أنه كلما نادى الله الناس في القرآن بالاستجابة لأمره التعبدي، ناداهم من حيث هو (خالقهم)، هكذا بهذه الصفة دائماً، وهو أمر مهم فيما نحن
стр. 62
فيه من طريق المعرفة بالله، أي أنه تعالى يسألهم أداء حق الخالقية، هذه الصفة العظيمة لذاته تعالى، التي بها كنا نحن الناس هنا في الأرض نتنفس الحياة.
تدبر قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ. الَّذِي جَعَلَ لَكُم الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُوا لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢١،٢٢].
وتدبر قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء﴾ [النساء:١].
هاتان آيتان كلِّيتان من القرآن العظيم، تعلق الأمر فيهما بالعبادة والتقوى، وما في معناهما من الانتظام في سلك العابدين، وفلك السائرين إلى الله رب العالمين، إثباتاً لحق الله من حيث هو خالق لشجرة البشر، ولا يفتأ القرآن يُذَكِّر بهذه الحقيقة، باعتبارها مبدأ كليّاً من مبادئ الدين والتدين، وأنها العلة الأولى منه، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]. فكثيراً ما يردد الناس هذه الآية، ولكن قليلاً جدّاً ما يتدبرونها. إنها آية كونية عظمى .. إنها مفتاح من مفاتيح فهم القرآن العظيم، وباب من أبواب معرفة الربوبية العليا، تأمل قوله تعالى: ﴿مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا. وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾ [نوح:١٤]، انظر كيف ربط حقه تعالى على عباده بمبدأ خلقهم أطواراً ..
стр. 63
فكلما ازداد الكفار تعنتاً ازداد القرآن إفحاماً، في بيان تفاصيل الخلق، فتلك حجة الله البالغة إجمالاً وتفصيلاً.
تدبر معي هذه الآيات واحدةً واحدةً .. قال في حق الكافر الذي أنكر البعث على محمد ﷺ ، فجاء بطحين عظام ميتة نخرة، ونفخ فيها فتطاير غبارها من يده، فاستهزأ متسائلاً بما حكاه عنه القرآن الكريم، قال: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ. قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ. الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ. أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ [يس: ٧٨ - ٨١].
وتأمل كيف أن تلك كانت هي حجة موسى الذي صنعه الله على عينه، في رده على فرعون؛ إذ تعنت في إنكاره، قال : ﴿قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَا مُوسَى. قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٤٩ - ٥٠]، إنه تعريف للربوبية ولحقوقها في عبارة من أوجز العبارات الربانية المسطورة في القرآن الكريم .. فتدبر .. ﴿الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه:٥٠] ..
وجاءت الحجة الربانية في بيان الأطوار الوجودية للإنسان أيضاً في قوله تعالى: ﴿قُتِلَ الْإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ. مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ. مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ. ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ. ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ. ثُمَّ إِذَا شَاء أَنشَرَهُ. كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾ [عبس:١٧ - ٢٣].
стр. 64
وقال في سياق التمهيد لقصص بعض الأنبياء، ودحض حجج المنكرين للبعث: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ. ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ. ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَانَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ. ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ. ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:١٢،١٦]، تأمل: ما بال هذا البيان والتفصيل لقضية الخلق؛ لولا أنها قضية كونية كبرى، ينبني عليها ما ينبني من مصير وجودي في حياة الإنسان، هذا المخاطب بها ابتداء؟
وانظر إلى هذا السؤال الإنكاري الرهيب، عن الوظيفة الوجودية للإنسان إذ تمتع بمنة الخلق، ثم غفل عنها وتناساها .. اقرأ، وتدبر جيداً، واقرأ وأعد القراءة مرة وأخرى؛ لعلك تبصر .. قال ﷻ : ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى. أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَى. ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى. فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى. أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [القيامة:٣٦ - ٤٠].
وكما كانت تلك هي حجة القرآن في الدعوة إلى العبادة، وإثبات حق الخالقية لله الواحد القهار؛ كانت هي عينها حجته في الدعوة إلى التوحيد ونفي الحق الوهمي للشركاء، وذلك كما في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُم مَّن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُم مِّن شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الروم:٤٠]، وقال: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا
стр. 65
لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [الأعراف:١٩١]، وقال: ﴿أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل:١٧] .. إنه قول ثقيل جدّاً، فتدبر .. ثم أبصر!
ومن أثقل الآيات القرآنية، وأعمقها دلالة على الموقع الوجودي للإنسان من الخلق؛ قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا. إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا. إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا. إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَا وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا. إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَاسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا﴾ [الانسان:١ - ٥]، ولنا مع هذه الآية وقفة تدبر آتية بحول الله .. إلا أن المهم الآن أن نثبت لك أولاً؛ أن (قضية الخلق) تمثل مفتاح فهم الربوبية، والمعنى الوجودي والوظيفي للإنسان، ولولا خشية الإطالة لبينت لك من خلال كل سور القرآن بدون استثناء؛ أنها المبدأ الكلي الذي على أساسه خاطب الله الإنسان بكل أمر ونهي، بل إنها تمثل البنية الأساس لخطابه، الذي عليه يتفرع كل شيء، مما قرره في العقيدة والشريعة على السواء.
- ولتبسيط الأمور؛ ننطلق عمليّاً من آيتين مما أوردنا من كتاب الله نجعلهما محور قضيتنا، ونفسر في ضوئهما كل الآيات الأخرى؛ نظراً لشمولية البيان فيهما، أو لغوصه إلى أعمق ما في مسألة الخلق من أبعاد كونية.
فأما الآية الأولى فقوله تعالى -مما سبق إيراده- من سورة
стр. 66
البقرة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ. الَّذِي جَعَلَ لَكُم الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُوا لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢١،٢٢]، أنت ترى أن الله ﷻ يأمر الناس بعبادته بصفته خالقاً لهم: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ [البقرة:٢٢]، ثم مكن لهم العيش في عالم هيئ أصالة لاستقبالهم: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُم الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ﴾ [البقرة:٢٢]، فإنشاء كل هذا إنما هو (لكم) لا لغيركم. فالمستفيد منه بالقصد الأول إنما هم الخلق، والإنسان خاصة، وهناك تعبير صريح في القرآن عن هذا، وذلك قوله تعالى بُعَيد آيات في السورة نفسها: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٩]، ثم قال بعد مباشرة: ﴿وَإذْ قَالَ ربُّكَ للمَلائِكَةِ إني جَاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة:٣٠].
فخَلْقُ ما في الأرض جميعاً كان من أجل الإنسان بصريح عبارة القرآن، ثم كان خلق السماوات بناء فوق الأرض سقفاً لها، ﴿سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ [الأنبياء:٣٢]، وكان بعد ذلك خَلْقُ الإنسان، ثم سخر كل ما بينهما لخدمته: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ [لقمان:٢٠]، وقد مهدت له كل أسباب الحياة والعمران، إنه تدبير رحيم، وتكريم عظيم، لهذا الإنسان، من حيث هو إنسان، كما قال
стр. 67
سبحانه: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾ [الإسراء:٧٠]، فالأمر الوارد إذن في سورة البقرة: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة:٢١] جاء في سياق قصة الخلق الأول والاستخلاف الرباني للإنسان في الأرض. وهذا منطلق مهم لفهم حقيقة الإنسان، وطبيعة العبادة المطلوبة منه لله رب العالمين.
فالغلاف الكوني كله في خدمة الإنسان خلقاً وتسخيراً.
ومن هنا كان الشرك ظلماً عظيماً؛ لأن الله هو وحده الذي خلق، وبهذا المنطق وجب أن يكون هو وحده الذي يعبد، وأي إخلال بهذا الميزان يكون ظلماً كبيراً، وهو قول الله : ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣]، وبهذا المنطق أيضاً نقم الله على المشركين، كما سبق من آيات من مثل قوله تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [الأعراف:١٩١]، وقوله سبحانه: ﴿أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل:١٧].
تبصرة:
إن جماع الأمر في هذه النصوص كلها أنه تعالى: خَلَقَنا وخَلَقَ لنا، هذا مبدأ قرآني كوني عظيم وجب تدبره .. وهو ما سميناه بـ: (حق الخالقية)؛ فتأمل!
وأما الآية الثانية فهي قوله تعالى -مما سبق ذكره أيضا- من سورة الإنسان: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن
стр. 68
شَيْئًا مَّذْكُورًا. إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [الإنسان:١،٢]. وإنها لمن أعظم الآيات القرآنية الباهرة! آية تملأ القلب هلعاً ووجلاً، تدبر معي كيف أن الإنسان دأب على التذكر والتفكير في الزمان، من عمره الفردي والاجتماعي، سواء تعلق ذلك بالماضي أو الحاضر أو المستقبل، ولا شيء بعد ذلك.
والمقصود بالعمر الفردي، وحدة العمر المعروفة بالنسبة لكل فرد من الناس في نفسه، فالإنسان في هذه الحال يفكر بطبعه في الماضي، وهو التذكر والذكريات، ويفكر في الحاضر وهو هم المعاش والحياة اليومية والأعمال الحالية، ويفكر في المستقبل وهو التخطيط والتدبير لمقبل الأيام، وهو ما يحدوه من حياته طول الأمل والطموح، وهو على هذا حتى يموت، هذا هو الإنسان من الناحية الزمانية.
وأما العمر الاجتماعي فالمقصود به التفكير الجماعي في الماضي، وهو علم التاريخ الذي قد يدرس فيه الإنسان مرحلة ما قبل ماضيه الشخصي، لكنه ماضي الإنسان الاجتماعي على كل حال، كما أنه قد يفكر في زمانه الحاضر والمستقبل، وهو شأن مؤسسات الدولة والمجتمع في التخطيط والتدبير السياسي والاقتصادي والاجتماعي العام.
والإنسان في جميع الأحوال المذكورة إنما يفكر في شيء واحد هو (أنا)، بمعناها الفردي والاجتماعي. والعجيب
стр. 69
في الآية المذكورة أنها أرشدته، بل أيقظته بأسلوب التنبيه إلى التفكير في مرحلة ما قبل العمر .. وهو مجال يندر جدّاً أن يطرق بال الفكر البشري، على المستويين الفردي والجماعي على السواء.
هل سألت نفسك مرة: أين كنت أنت بالذات: (فلان بن فلان، أو فلانة)، قبل أن يتزوج أبوك بأمك؟ سل نفسك إذن؟ أو أين كان الإنسان -بالمعنى الجماعي- قبل أن يخلق الله آدم ﵇؟ وللتبسيط ابق في السؤال مع نفسك فقط، وتفكر!
تذكر تاريخ ميلادك؟ قبل ذلك بسنة، أين كنت؟ وماذا كنت؟
تلك مرحلة ما قبل العمر .. فكيف تفسرها؟ وكيف تتصورها؟ ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الإنسان:١]؟ إنك لن تستطيع تصور شيء ولا تخيله؛ لأنه عدم، والعدم لا يمكن تخيله، إذ لو أمكن تصوره -حتى ولو بمجرد الخيال- لكان من الممكنات. وعلم ذلك غير ممكن إلا لله العليم الخبير، ، فهو وحده ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٩].
- المهم هاهنا عندنا أن تدرك أنك لم تكن ثم كنت. وهذا فضل عليك من الله الذي قال لك: كن! فكنت! أي خلقك
стр. 70
ولم تكن شيئاً مذكوراً .. لا شيء أنت حينئذ، لا ذكر لك. واللاشيء لا اسم له ولا مفهوم ليذكر، لا في الممكنات الشيئية، ولا في المدركات الذهنية.
ألم يكن ممكناً ألا تكون؟ بلى، لأن الله خلقك بإرادته، وبمشيئته تعالى، وكما يشاء للشيء أن يكون فقد يشاء للشيء ألا يكون، فهو سبحانه يتصرف في أمره وكونه كما يشاء ويختار. وما ينقص من كون الله العظيم لو أنك أنت -يا فلان بن فلان- لم تكن فيه؟ طبعاً لا شيء، لا شيء. هذا البشر ممتد نسله، طولاً وعرضاً، يملأ الآفاق الأرضية في كل مكان.
ثم كنتَ يا صاح برحمة الله وفضله، كنت بعد ذلك شيئاً مذكوراً، فتفكر، وتدبر: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الإنسان:١]، إن هذه الآية العظيمة لهي من أثقل الآي القرآني حملاً على الإنسان! والقرآن العظيم -لو تدبرت- ثقيل كله، قال : ﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر:٢١]، وقال سبحانه: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل:٥]، وثقل آية الإنسان الذي لم يكن فكان، راجع -فيما هو راجع إليه- إلى ما يترتب على الوعي بهذه الحقيقة من أعباء الحق الإلهي العظيم، حق الخالقية، أليس لم تكن ثم كنت؟ بلى، إذن تعلق بذمتك حق الذي كان له الفضل
стр. 71
وحده في ذلك، الذي خلقك، ومن هنالك جاء قوله بعد في السورة مباشرة: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [الإنسان:٢]، وعلى هذا الوزان من الاعتراف بهذا الحق، والشكر له أو عدمه، كانت الجنة والنار، وتفرقت أصناف الخلق بينهما أبراراً وكفاراً، كما هو في تتمة الآيات من سورة الإنسان، وغيرها من آي القرآن كثير.
تبصرة: حق الخالقية إذن هو مفتاح المعرفة بالله:
إن هذا الحق بقدر ما هو متعلق بذمة الإنسان، لربه الذي خلقه، فإنه يستفيد منه معنى عظيماً لوجوده، إن إحساسه بوجوب هذا الحق عليه يخرجه من التيه الوجودي، الذي ضاعت فيه أفكار الكفار من العالمين، أو بعبارة قرآنية: يخرجه ﴿مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة:٢٥٧]. وأي ظلام أشد من التصور العبثي للحياة! أو كما قالوا: (إن هي إلا أرحام تدفع وأرض تبلع!) فبأي نفسية يعيش الإنسان هذه الحياة، وهو يرى أنما غايتها إلى العدم المطلق والفناء الرهيب، الذي ما بعده من حياة؟ فأي لذة يجدها في متعها وهو يعتقد أنها إلى زوال قريب؟ ذلك ما يقوده غالباً إلى الشره المتوحش في تناولها، أو إلى العزوف القَلِق ثم الانتحار! ألا ما أشد وحشة الكفر والضلال! فالحمد لله الذي عافانا مما ابتلى به آخرين.
إن معرفة الله من هاهنا تبدأ: الشعور بالفرح به تعالى ربّاً خالقاً، والأنس بجماله إلهاً رحيماً؛ فيمتلئ القلب شوقاً
стр. 72
إليه تعالى، ثم تنشط الجوارح للسير إلى بابه الكريم، والعروج إلى رضاه، عبر مدارج السالكين، ومنازل السائرين، فيجد الإنسان الأنس كل الأنس كلما ازداد معرفة بالله ﷻ .
وإنما مدارج المعرفة به تعالى أن ينطلق المسلم من توحيد الربوبية، الذي ينفتح بابه على العبد أول ما ينفتح من الشعور بحق الخالقية كما قررناه، ذلك أن الرب إنما هو رب من حيث هو مالك للمربوب، ذلك معناه العام في اللغة وفي الشرع، قال ابن منظور: (الرَّبُّ: هو الله ، هو رَبُّ كلِّ شيءٍ: أَي مالكُه، وله الرُّبوبيَّة على جميع الخَلْق، لا شريك له، وهو رَبُّ الأَرْبابِ، ومالِكُ المُلوكِ والأَمْلاكِ. ولا يقال الربُّ في غَير الله، إِلا بالإِضافة (...) ورَبَّهُ يَرُبُّهُ رَبّاً: مَلَكَه) (١).
فرب الدار: مالكها، وربة البيت: سيدته، ورب السيارة: صاحب السيادة عليها. إلا أن (المالكية) الحقة، إنما تقع في الواقع على من يملك أصل الاختراع والإبداع، إنشاءً وتطويراً. ذلك هو المالك الحقيقي للشيء، وذلك هو الله في ربوبيته للكون والخلق أجمعين. إنه مالك كل شيء خلقاً وإبداعاً، وزيادة ونقصاً، وإحياءً وإماتةً، وبدءاً وإعادةً، وبعثاً ونشوراً. وما كان ذلك كله ليكون لولا أنه هو الذي خلق.
ومن هنا كان أول وصف لذاته تعالى، نزل على محمد ﷺ ،
стр. 73
في بدء تعريفه بالله ربّاً: ﴿اقْرَا بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق:١]، فهو الرب إذن، وأول ما وصف به نفسه تعالى أنه ﴿الَّذِي خَلَقَ﴾؛ لأن الربوبية إنما ترجع في حقيقتها إلى هذا المعنى كما بيناه آنفاً. ومن هنا اطراد هذا المبدأ في القرآن الكريم، حتى لا تكاد تخلو سورة منه، بدءاً بالفاتحة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾؛ حتى سورة الناس: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾. فالقرآن كله إذن قائم على ترسيخ مفهوم الرب في قلوب المربوبين، عسى أن تستجيب فطرهم لأداء حق الربوبية، بتوحيد الألوهية عبادةً لله رب العالمين.
وخلاصة الأمر أن الخالق مالك، وأن المالك رب، ذلك أنه تعالى خلق فملك، وملك فرَبَّ. فهذه معان بعضها يحيل على بعض، حتى كان لفظ (الرب) جماعها؛ فجمع بذلك كل أوصاف الكمال والجمال والجلال، من الأسماء الحسنى والصفات العلى.
- ولننصت الآن في ذلك إلى القرآن العظيم، حيث يقول الله معرفاً بذاته سبحانه: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى﴾ [الحشر:٢٤]، فقوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ﴾ جملة اسمية من مبتدأ وخبر، فيها معنى الجواب عن سؤال تقديره: سؤال السائل عن الرب (من هو؟)، فقال: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾ [الحشر:٢٤]؛ أي (الرب هو الله)؛ لأن الضمير (هو) لابد أن يعود على معاد سابق، كما قال الله حكاية لحوار فرعون مع موسى وهارون: ﴿قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا
стр. 74
يَا مُوسَى. قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه:٤٩،٥٠]. وكما في قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١].
ثم كانت الإحالة -في نهاية الأمر- في تعريف الرب على (الأسماء الحسنى)، بعدما ذكر بعضها، فقد جاءت الآية المذكورة من سورة الحشر في سياق التعريف بالله من خلال بعض أسمائه، وذلك قوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ. هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُو الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ. هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [لحشر:٢٢ - ٢٤].
تبصرة:
فالأسماء الحسنى هي مدخل التعريف بالله ربّاً، وهو توحيد الربوبية، كما في هذه الآيات، وهي كذلك مدخل التعريف به إلهاً، وهو توحيد الألوهية، كما في قوله من سورة الأعراف: ﴿وَلِلّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائه سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف:١٨٠].
ومن هنا قال رسول الله ﷺ في أسماء الله الحسنى: «إن لله تسعة وتسعين اسماً -أعطى مائة إلا واحداً- من أحصاها دخل الجنة. إنه وتر يحب الوتر» (١). وفي رواية: «من حفظها دخل
стр. 75
الجنة»؛ يعني: إن لله تسعة وتسعين اسماً. وفي الحديث دلالة على عدم حصر أسمائه في هذا العدد، لقوله: (أعطى)، فهذا لفظ ظاهره دال على أن له تعالى غيرها مما لم يعط واستأثر به في علم الغيب عنده، كما هو معروف في السنة. فقد أعطى ما أعطى ومنع ما منع؛ لحكمة هو جل وعلا يعلمها.
وزاد الترمذي والحاكم وغيرهما في الحديث تفصيلاً في عد هذه الأسماء، نذكرها جميعاً لبركتها ولحاجتنا إليها، فعن النبي ﷺ قال: «هو الله الذي لا إله إلا هو الرحمن، الرحيم، الملك، القدوس، السلام، المؤمن، المهيمن، العزيز، الجبار، المتكبر، الخالق، البارئ، المصور، الغفار، القهار، الوهاب، الرزاق، الفتاح، العليم، القابض، الباسط، الخافض، الرافع، المعز، المذل، السميع، البصير، الحَكَم، العدل، اللطيف، الخبير، الحليم، العظيم، الغفور، الشكور، العلي، الكبير، الحفيظ، المغيث، الحسيب، الجليل، الكريم، الرقيب، المجيب، الواسع، الحكيم، الودود، المجيد، الباعث، الشهيد، الحق، الوكيل، القوي، المتين، الولي، الحميد، المحصي، المبدئ، المعيد، المحيي، المميت، الحي، القيوم، الواجد، الماجد، الواحد، الصمد، القادر، المقتدر، المقدِّم، المؤخِّر، الأول، الآخر، الظاهر، الباطن، الوالي، المتعالي، البر، التواب، المنتقم، العفو، الرؤوف، مالك الملك، ذو الجلال والإكرام، المقسط، الجامع، الغني، المغني، المانع، الضار،