← Общие книги

Общие книги · id 17814

بلاغ الرسالة القرآنية

فريد الأنصاري

Полный текст (174 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وحده في ذلك، الذي خلقك، ومن هنالك جاء قوله بعد في السورة مباشرة: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [الإنسان:٢]، وعلى هذا الوزان من الاعتراف بهذا الحق، والشكر له أو عدمه، كانت الجنة والنار، وتفرقت أصناف الخلق بينهما أبراراً وكفاراً، كما هو في تتمة الآيات من سورة الإنسان، وغيرها من آي القرآن كثير. تبصرة: حق الخالقية إذن هو مفتاح المعرفة بالله: إن هذا الحق بقدر ما هو متعلق بذمة الإنسان، لربه الذي خلقه، فإنه يستفيد منه معنى عظيماً لوجوده، إن إحساسه بوجوب هذا الحق عليه يخرجه من التيه الوجودي، الذي ضاعت فيه أفكار الكفار من العالمين، أو بعبارة قرآنية: يخرجه ﴿مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة:٢٥٧]. وأي ظلام أشد من التصور العبثي للحياة! أو كما قالوا: (إن هي إلا أرحام تدفع وأرض تبلع!) فبأي نفسية يعيش الإنسان هذه الحياة، وهو يرى أنما غايتها إلى العدم المطلق والفناء الرهيب، الذي ما بعده من حياة؟ فأي لذة يجدها في متعها وهو يعتقد أنها إلى زوال قريب؟ ذلك ما يقوده غالباً إلى الشره المتوحش في تناولها، أو إلى العزوف القَلِق ثم الانتحار! ألا ما أشد وحشة الكفر والضلال! فالحمد لله الذي عافانا مما ابتلى به آخرين. إن معرفة الله من هاهنا تبدأ: الشعور بالفرح به تعالى ربّاً خالقاً، والأنس بجماله إلهاً رحيماً؛ فيمتلئ القلب شوقاً

стр. 72

إليه تعالى، ثم تنشط الجوارح للسير إلى بابه الكريم، والعروج إلى رضاه، عبر مدارج السالكين، ومنازل السائرين، فيجد الإنسان الأنس كل الأنس كلما ازداد معرفة بالله ﷻ . وإنما مدارج المعرفة به تعالى أن ينطلق المسلم من توحيد الربوبية، الذي ينفتح بابه على العبد أول ما ينفتح من الشعور بحق الخالقية كما قررناه، ذلك أن الرب إنما هو رب من حيث هو مالك للمربوب، ذلك معناه العام في اللغة وفي الشرع، قال ابن منظور: (الرَّبُّ: هو الله ، هو رَبُّ كلِّ شيءٍ: أَي مالكُه، وله الرُّبوبيَّة على جميع الخَلْق، لا شريك له، وهو رَبُّ الأَرْبابِ، ومالِكُ المُلوكِ والأَمْلاكِ. ولا يقال الربُّ في غَير الله، إِلا بالإِضافة (...) ورَبَّهُ يَرُبُّهُ رَبّاً: مَلَكَه) (١). فرب الدار: مالكها، وربة البيت: سيدته، ورب السيارة: صاحب السيادة عليها. إلا أن (المالكية) الحقة، إنما تقع في الواقع على من يملك أصل الاختراع والإبداع، إنشاءً وتطويراً. ذلك هو المالك الحقيقي للشيء، وذلك هو الله في ربوبيته للكون والخلق أجمعين. إنه مالك كل شيء خلقاً وإبداعاً، وزيادة ونقصاً، وإحياءً وإماتةً، وبدءاً وإعادةً، وبعثاً ونشوراً. وما كان ذلك كله ليكون لولا أنه هو الذي خلق. ومن هنا كان أول وصف لذاته تعالى، نزل على محمد ﷺ ،

стр. 73

في بدء تعريفه بالله ربّاً: ﴿اقْرَا بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق:١]، فهو الرب إذن، وأول ما وصف به نفسه تعالى أنه ﴿الَّذِي خَلَقَ﴾؛ لأن الربوبية إنما ترجع في حقيقتها إلى هذا المعنى كما بيناه آنفاً. ومن هنا اطراد هذا المبدأ في القرآن الكريم، حتى لا تكاد تخلو سورة منه، بدءاً بالفاتحة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾؛ حتى سورة الناس: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾. فالقرآن كله إذن قائم على ترسيخ مفهوم الرب في قلوب المربوبين، عسى أن تستجيب فطرهم لأداء حق الربوبية، بتوحيد الألوهية عبادةً لله رب العالمين. وخلاصة الأمر أن الخالق مالك، وأن المالك رب، ذلك أنه تعالى خلق فملك، وملك فرَبَّ. فهذه معان بعضها يحيل على بعض، حتى كان لفظ (الرب) جماعها؛ فجمع بذلك كل أوصاف الكمال والجمال والجلال، من الأسماء الحسنى والصفات العلى. - ولننصت الآن في ذلك إلى القرآن العظيم، حيث يقول الله معرفاً بذاته سبحانه: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى﴾ [الحشر:٢٤]، فقوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ﴾ جملة اسمية من مبتدأ وخبر، فيها معنى الجواب عن سؤال تقديره: سؤال السائل عن الرب (من هو؟)، فقال: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾ [الحشر:٢٤]؛ أي (الرب هو الله)؛ لأن الضمير (هو) لابد أن يعود على معاد سابق، كما قال الله حكاية لحوار فرعون مع موسى وهارون: ﴿قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا

стр. 74

يَا مُوسَى. قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه:٤٩،٥٠]. وكما في قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١]. ثم كانت الإحالة -في نهاية الأمر- في تعريف الرب على (الأسماء الحسنى)، بعدما ذكر بعضها، فقد جاءت الآية المذكورة من سورة الحشر في سياق التعريف بالله من خلال بعض أسمائه، وذلك قوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ. هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُو الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ. هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [لحشر:٢٢ - ٢٤]. تبصرة: فالأسماء الحسنى هي مدخل التعريف بالله ربّاً، وهو توحيد الربوبية، كما في هذه الآيات، وهي كذلك مدخل التعريف به إلهاً، وهو توحيد الألوهية، كما في قوله من سورة الأعراف: ﴿وَلِلّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائه سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف:١٨٠]. ومن هنا قال رسول الله ﷺ في أسماء الله الحسنى: «إن لله تسعة وتسعين اسماً -أعطى مائة إلا واحداً- من أحصاها دخل الجنة. إنه وتر يحب الوتر» (١). وفي رواية: «من حفظها دخل

стр. 75

الجنة»؛ يعني: إن لله تسعة وتسعين اسماً. وفي الحديث دلالة على عدم حصر أسمائه في هذا العدد، لقوله: (أعطى)، فهذا لفظ ظاهره دال على أن له تعالى غيرها مما لم يعط واستأثر به في علم الغيب عنده، كما هو معروف في السنة. فقد أعطى ما أعطى ومنع ما منع؛ لحكمة هو جل وعلا يعلمها. وزاد الترمذي والحاكم وغيرهما في الحديث تفصيلاً في عد هذه الأسماء، نذكرها جميعاً لبركتها ولحاجتنا إليها، فعن النبي ﷺ قال: «هو الله الذي لا إله إلا هو الرحمن، الرحيم، الملك، القدوس، السلام، المؤمن، المهيمن، العزيز، الجبار، المتكبر، الخالق، البارئ، المصور، الغفار، القهار، الوهاب، الرزاق، الفتاح، العليم، القابض، الباسط، الخافض، الرافع، المعز، المذل، السميع، البصير، الحَكَم، العدل، اللطيف، الخبير، الحليم، العظيم، الغفور، الشكور، العلي، الكبير، الحفيظ، المغيث، الحسيب، الجليل، الكريم، الرقيب، المجيب، الواسع، الحكيم، الودود، المجيد، الباعث، الشهيد، الحق، الوكيل، القوي، المتين، الولي، الحميد، المحصي، المبدئ، المعيد، المحيي، المميت، الحي، القيوم، الواجد، الماجد، الواحد، الصمد، القادر، المقتدر، المقدِّم، المؤخِّر، الأول، الآخر، الظاهر، الباطن، الوالي، المتعالي، البر، التواب، المنتقم، العفو، الرؤوف، مالك الملك، ذو الجلال والإكرام، المقسط، الجامع، الغني، المغني، المانع، الضار،

стр. 76

النافع، النور، الهادي، البديع، الباقي، الوارث، الرشيد، الصبور» (١). قلت: إن جماع توحيد الربوبية يؤول إلى إثبات الأسماء والصفات لله رب العالمين، إثبات إيمان وتسليم، لا ينحرف به تأويل، ولا يزيغ به تعطيل، ولا يخرمه تشبيه أو تجسيم. فهو تعالى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]. فلا ينسب شيء من الخلق والتدبير في الكون إلا له سبحانه، وحده دون سواه، ولا يعتقد شيء من النفع والضر والعطاء والمنع والحياة والموت؛ يصل الكائنات من غيره تعالى، فكل الأسماء الحسنى والصفات العلى دلت على تفرده سبحانه بمقتضياتها من الفعل والأمر، لا دخل لأحد من خلقه في ذلك إلا بإذنه تعالى، تدبر -ثم تدبر- قوله : ﴿اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَاخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة:٢٥٥]. ذلك هو توحيد الله في ربوبيته أي في مالكيته للكون وخالقيته له، وذلك هو المنطلق السليم، والأساس القويم لتوحيد الألوهية، كما ذكرنا، وبقدر تصفية ذلك يكون السير في طريق المعرفة الربانية، والرقي في مدارج الإيمان،

стр. 77

لأداء حق الخالقية، حيث إن توحيد العبودية، أو الألوهية كله لا يخرج عن معنى السير إلى الله رغباً ورهباً، من حيث إنه تعالى موصوف بصفات الكمال وأسماء الجمال، وبهذا السير تتحقق للعبد رتب المعرفة به تعالى، ويكتسب الجديد من منازل الإيمان، ومقامات الإحسان، سيراً في طريق عبادته تعالى على نهج السنة النبوية؛ استجابة لقوله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتى يَاتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩]. وهنا نعود إلى حديث الأسماء الحسنى، حيث يتبين أن قول النبي ﷺ : (من أحصاها -أو من حفظها- دخل الجنة) إنما المقصود بالإحصاء (الحفظ) عينه، كما هو في صحيح البخاري في (باب إن لله مائة اسم إلا واحداً)، وقد ذهب أغلب العلماء -كما سترى بحول الله- إلى أن (الحفظ) هنا هو بمعنى حفظ المقتضيات من الأفعال والتصرفات، لا حفظ العبارات، كما في قول النبي ﷺ : «احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده اتجاهك» (١). والمقصود بحفظ المقتضيات: توقيع كل أعمالك وتصرفاتك بما تقتضيه دلالاتها من حدود والتزامات. فمثلاً إذا انطلق العبد في طلب رزقه، واكتساب قوته فإنما يفعل ذلك باسمه تعالى: (الرزاق)، ومعناه أن يعتقد ألا رزق يصل إليه إلا ما كتب الله له، ثم ألا مانع له منه وقد

стр. 78

كتبه الله له، ويكون لهذا -إن صح اعتقاده فيه- أثره الإيماني، يجتهد كل يوم في تحصيله، فلا يساوم في دينه مقابل مال، عطاءً أو حرماناً، إذ وجد في معرفته باسم (الرزاق) أنه لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع. وهو قصد من مقاصد حفظ (الاسم) من أسمائه الحسنى: الثبات على ذلك أمام الفتن، لا تزحزحه المضايقات ولا المناوشات، ولا التهديدات، ولا تذهب به الوساوس كل مذهب، بل يسكن إلى عقيدته مطمئناً، آمناً من كل مكروه، إلا ما كان من قدر الله، موقناً أن الله لا يريد به إلا خيراً. فذلك أمر المؤمن الذي ليس إلا لمؤمن، والمؤمن أمره كله له خير كما في الحديث الصحيح؛ حيث قال ﵊: «عجباً لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن؛ إن أصابته سراء شكر؛ فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر؛ فكان خيراً له» (١). إنها عقيدة السلام والأنس الجميل بالله، وبقدر ما تسكن النفس إلى اسمه تعالى (الرزاق) يذوق العبد من معنى (الحفظ) جمالاً حميداً، وأنساً جديداً، فتعلو القدم بذلك في مراتب العبودية، وتوحيد الألوهية مقامات أخرى. والربانيون

стр. 79

في (حفظ) كل اسم من أسمائه الحسنى - بهذا المعنى - مراتب ومنازل. وبذلك يمتلئ القلب حبّاً لجمال أنواره وجلال إفضاله تعالى، فيزداد شوقاً إلى السير في طريق المعرفة الربانية، التي كلما ذاق منها العبد جديداً ازداد أنساً وشوقاً، فلا تكون العبادة -بالنسبة إليه حينئذ- إلا أنساً، وراحة، ولذة في طريق الله، إذ تنشط الجوارح للتقرب إليه تعالى بالأوقات والصلوات، والصيام والصدقات، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكرات، والدخول في سائر أعمال البر الصالحات. ولك في أسماء الله الحسنى -من كل ذلك- مسالك تقربك إلى الله سبحانه وتوصلك إليه. هذا هو الفهم الأليق بحديث الأسماء الحسنى، وهو ما ذهب إليه أغلب شراح الحديث عند تعرضهم لذلك؛ ومن هنا قال ابن حجر ﵀ في الفتح: (وقال الأصيلي: ليس المراد بالإحصاء عدها فقط؛ لأنه قد يعدها الفاجر، وإنما المراد العمل بها، وقال أبو نعيم الأصبهاني: الإحصاء المذكور في الحديث ليس هو التعداد، وإنما هو العمل، والتعقل بمعاني الأسماء والإيمان بها) (١). وقال أيضاً: (وهو أن يعلم معنى كلٍّ في الصيغة، ويستدل عليه بأثره الساري في الوجود، فلا تمر على موجود

стр. 80

إلا ويظهر لك فيه معنى من معاني الأسماء، وتعرف خواص بعضها (...) قال: وهذا أرفع مراتب الإحصاء. قال: وتمام ذلك أن يتوجه إلى الله تعالى من العمل الظاهر والباطن؛ بما يقتضيه كل اسم من الأسماء) (١). ذلك هو الشأن بالنسبة لسائر أسمائه الحسنى: الرحمن، الرحيم، الملك، القدوس، السلام، المؤمن المهيمن ... إلخ. فكلها (حسنى) بصيغة التفضيل المطلقة هذه؛ أي لا شيء أحسن منها، فهي تبث النور والسلام والجمال، في طريق السالكين إليه تعالى؛ بحفظها، وتملأ قلوبهم إيماناً وإحساناً. كما قال النبي ﷺ في الحديث: «إن لله تعالى آنية من أهل الأرض، وآنية ربكم قلوب عباده الصالحين، وأحبها إليه ألينها وأرقها» (٢). تبصرة: وهاهنا لنا لطيفة من لطائف الأسماء الحسنى، نذكرها بحول الله؛ رفعاً للغبش الذي قد يدور بخلد بعضهم، أو مما قد يلقيه الشيطان في خاطر العبد الذي لم يذق بعد جمال بعض الأسماء، من مثل أسمائه تعالى: (الجبار، والمتكبر، والقهار، والمنتقم)، إن أول شيء يجب التذكير به أن هذه الأسماء -كسائر أسمائه تعالى- قد وصفها الله في

стр. 81

القرآن بأنها (الحسنى)، على التفضيل، وفي هذا لطائف كثيرة. فبالنسبة إلى خصوص معاني التكبر والكبرياء والقهر والجبروت من أسمائه تعالى، فهي مما يشين الإنسان، ويلقي به في دركات الذم والنقص؛ لو اتصف بها، وتخلق بأحوالها، لكنها في ذات الله تعالى جلال وجمال، ونور وكمال، فهي (الحسنى)، نعم قد ورد الوعيد في حق من اتصف بها من الناس، كما في الحديث القدسي: «قال الله تعالى: الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحداً منهما قذفته في النار» (١). وبيانه أن الله قصر ذلك الوصف عليه تعالى، ولم يأذن لأحد من خلقه في اكتسابه، وهو وحده يليق به ذلك؛ لجلال قدره، وعظمة ملكه وسلطانه، فهو الملك الحق العدل، لا ينافي شيء من ذلك عدله ورحمته، بل إن وصف القهر والجبر والكبرياء في ذاته مصدر رحمة لعباده المؤمنين -وهذا من لطائف المسألة- حيث إن المؤمن حينما ينتسب إلى الله عبداً، فإنه يكتسب من نسبة العبودية عزة ومنعة؛ إذ هو محمي من الظلمة والفجار؛ باسم الله الجبار القهار. وأنت حينما ترى في الأرض عبداً جاهلاً متكبراً؛ تدرك بسرعة أنه ينتحل ما ليس له، كيف يصدق تجبره وكبرياؤه؟

стр. 82

وقد قال الله فيه: ﴿وَخُلِقَ الإنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء:٢٨]، فكبرياؤه ذاك إنما هو صورة من ورق! إنه مرض نفسي، فهو تعبير عن الشعور بالنقص إزاء كمال حاوله فلم يصله، من الناحية الاجتماعية، أو المالية، أو السلطانية، أو أي جهة أخرى، فقد يكون الإنسان غنيّاً ذا ثروة طائلة، فإذا تكبر دل ذلك على نقص من جهة أخرى، ربما ظن أن ماله يغنيه من كل وجه، فلما أدرك أنه لا يسد له حقيقة الكمال؛ استكبر فطغى وتجبر وظلم! إنك أيها العبد المنتسب -بخضوعك وعبوديتك- إلى كبرياء الله الحق، تشعر أن الكبرياء الذي ينتحله الخلق كذب وافتراء، بل مرض يستحق صاحبه الحسرة والإشفاق! تماما كما تشفق على من ألقى بيده إلى التهلكة بالكفر والضلال، على غرار قوله تعالى: ﴿يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ﴾ [يس:٣٠]، فأما الجاهل فقد يرى الجبار من الناس أسداً يزأر في وجوه الخلق، وأما عبد الله فإنما يراه أسداً من ورق، أو دمية (كرتونية) تحكي لعبة الأسد، والمتكبر من الخلق هو أول من يشعر -في نفسه- بضعفه، وعجزه، وفشله في أن يندمج في المجتمع، ويتواضع أمام الخلق، وما أصدق قول الشاعر في هذا: ملأى السنابل تنحني بتواضع ... والفارغات رؤوسهن شوامخ

стр. 83

وأنت إذ ترى ما لا يرى الجهلة تستريح .. فقد عرفت أنما الكبرياء والجبروت لله الواحد القهار؛ فكانت بذلك أسماؤه الحسنى: الجبار والمتكبر والقهار، ونحوها من أسماء الجلال، برداً وسلاماً على قلوب عباده الصالحين، تبعث النور والجمال .. ولا عجب، فهي من (الأسماء الحسنى) حقّاً وصدقاً. و ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٩٥] والله خير الصادقين. وإنك حينما تذوق من معرفة الله لمعات وأنواراً؛ يتعلق قلبك بحبه؛ لأنك إنما تجد الجمال الحق في تلك المعرفة. وقد قال الرسول ﷺ : «إن الله تعالى جميل يحب الجمال» (١)، فمن ذاق؛ عرف، ومن عرف اشتاق. وليس عبثاً أن يكون ضمن السبعة الذين يظلهم الله يوم القيامة، يوم لا ظل إلا ظله تعالى: (رجل قلبه معلق في المساجد) (٢). ولا يتعلق القلب إلا إذا أحب، ولا يحب إلا من شهد الجمال. وإنما ترى جمال الله ﷻ في شعورك القوي بجمال خالقيته تعالى، وكمال قيوميته، وحسن إجابته، وكرم رعايته، وقرب رحمته وأنسه، فاقرأ الجمال في كلمات الله إذ يقول: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة:١٨٦]. إن العبد الذي أيقن بمعرفة الله، يفيض قلبه بالمحبة، محبة

стр. 84

كل شيء، إذ يجد أخوة إيمانية في وجدانه مع كل شيء من الكائنات -عدا شياطين الجن والإنس- فالكل مستغرق في عبادة الله، سائر إليه عبر مسالك المحبة: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء:٤٤]، ولقد جعل الله لنبيه داود معجزة كَشْف لبعض ذلك، فكانت الجبال والطير تسبح بتسبيحه وتدعو بدعائه، في مجالس تفيض بالنور والجمال، تلتقي على موعد بالغدو والآصال، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ. وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص:١٨،١٩]. إن الكون كله في وجدان المسلم مثل طيور داود ﵇، مجالس أنس وذكر، تشعره بالأخوة الكبرى، في السير إلى الله عبر أفلاك العبودية: ﴿كُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [الأنبياء:٣٣]، وأنت أيضاً يا صاح تسبح عبر فلك العمر سيراً إلى الله ذي الجلال والجمال، تتعرف إليه من خلال هذا كله، إذ تجده سبحانه تجاهك، كلما ذكرت أو دعوت، منتسباً إليه تعالى بعبوديتك، وذلك أعظم معنى لوجودك في الحياة .. فتأمل! وتلك غاية الغايات من الخلق كما ذكرنا: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]. والمعرفة طريق لا تنفد تجلياتها، ولا تنتهي إشراقاتها إلا بلقاء الله، حيث ينكشف سر السير إلى الله: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ

стр. 85

حَتَّى يَاتِيَكَ اليَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩]، وترى هنالك بعين اليقين حقيقة الوجود الدنيوي، من خلال وجودك الأخروي: ﴿وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ. وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ. وَجَاءتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ. لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق:١٩ - ٢٢]. إن المعرفة بالله تملأ قلبك أنساً بالله، ثم أنساً بالحياة، وأنساً بالكون والكائنات، وأنساً بالموت، الذي لن ترى فيه -إذ تقف عليه- إلا موعداً جميلاً، للقاء جميل، مع رب جميل. فذلك ذوق الإحسان في قمة المشاهدات الإيمانية. وإنما (الإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك) (١). ألا يا حسرة على الناس إذ جهلوا بالله! حتى إذا وجدت ما وجدت، وعرفت من ربك ما عرفت، أبت عليك معرفتك، وما فاضت به عليك من جمال الأخوة الكونية؛ إلا أن تسعى بهذا الخير إلى الناس كل الناس .. داعياً إلى الله ومعرفاً به، لا يمكن لعارف بالله حقّاً إلا أن يكون داعية إليه، وهل يستطيع المحب أن يكتم من محبته شيئاً؟ إن الوجدان ليضيق عن كتمان جمال، تشرق أنواره على الكون كله! ولا يمكن للنور إلا أن ينير!

стр. 86

تبصرة: إن الدعوة إلى الله إنما هي تعريف بالله .. فتأمل! هؤلاء الناس الذين شغلتهم أموالهم الفانية، وأشغالهم الصبيانية، وأحزانهم الطفولية، وألهتهم عن التفكير في حقيقة أنفسهم وحقيقة الوجود من حولهم، إنما هم في هذا المقام كالأطفال، لا يدرون ما يضرهم مما ينفعهم، فهم أحوج ما يكونون إلى من يذيقهم لحظة من لحظات المحبة الربانية؛ عسى أن يجدوا شيئاً -ولو قليلاً- مما وجدت؛ فيتعلقوا بجمال الله كما تعلقت: (ورجل قلبه معلق في المساجد)، ويدركوا حينئذ أن للوجود معنى أعظم بملايين المرات مما عرفوا في وعيهم البهمي الساذج. وبالتعريف بالله تزداد -أنت أيضاً- معرفة جديدة به. فكأنك إذ تسعى إلى تعريف غيرك به؛ تكتشف أنك إنما تعرف نفسك به! فعملك ذاك خير الأعمال، وسعيك ذاك أحسن ما في منازل الإيمان من جمال! ﴿ومَن أَحْسَنُ قولاً مِمَّن دَعَا إِلَى الله﴾ [فصلت:٣٣]. التعرف إلى الله والتعريف به كلمة لا تشرحها العبارات، ولا تكشفها الإشارات، ومهما سودت لك من ورقات، أو صنفت من مصنفات؛ فإني سأبقى دون مداركها الشاملة على شاطئ الابتداء! وإنما الذي عليَّ أن أبلغك أنها الحلاوة

стр. 87

التي لا تدانيها حلاوة، وليس لي أبداً أن أصف لك المذاق؛ لأن الحلاوة لا تدرك إلا أن تذاق، فلتعرف ما هنالك ذق! وعذري في هذا كله أن أصف لك الطريق، فاسلك عسى أن تكون من الراشدين! التعرف إلى الله والتعريف به: ذلك هو رأس العلم، وتلك هي زبدة المعرفة، وعليها ينبني ما بعدها من كلمات، في بلاغ الرسالة القرآنية، فلا مبدأ من مبادئها، ولا ركن من أركانها؛ إلا وهو مضمن في المعرفة بالله. يمكن لك يا صاح -بالتدبر والإبصار- أن تجد كل ذلك عنده؛ لأن من وجد الله -كما في الحكمة المأثورة- وجد كل شيء، ومن فاته الله فاته كل شيء، كيف لا وقد قال الله في بلاغه الحكيم: ﴿فَذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾] يونس:٣٢]، ولذلك نوجز ما بقي من بلاغات الرسالة، مختصرين الكلام في المعاني المفتاحية، ولك في كتبنا المفصلة في هذا ما يغني إن شاء الله (١)، وإنما العبرة عندنا هاهنا إبلاغ البلاغ بأخف ما تدركه الأسماع. ...

стр. 88

البلاغ الثالث في اكتشاف الحياة الآخرة هل تعرف: ما الحياة؟ .. هذا المعنى اللطيف الغريب العجيب، الذي يوصف به كل كائن حي في هذا الوجود، ما دامت نسمتها الغريبة تسري بجسده، حتى إذا فارقته تلك النسمة؛ فارق الحياة، أو بالأحرى فارقته الحياة؛ فصار ميتاً، ولم يعد معدوداً من أحياء هذا الكون. مهم جدّاً أن تستحضر أن (الحياة) بكل ألوانها وتجلياتها مصدرها واحد: هو (الحي) سبحانه، فليس عبثاً أن يعلمنا الله بأن من أسمائه الحسنى هذين الاسمين العظيمين: (الحي) و (المحيي)، فهو الحي بذاته سبحانه، المحيي لغيره، ولا حياة لأحد سواه إلا بأمره. فسبحانه وتعالى من رب عظيم، وله الحمد في الأولى والآخرة. وقد وصف الله ﷻ (الحياة) في القرآن الكريم بصفتين

стр. 89

متقابلتين: الأولى: هي (الدنيا)، والثانية: هي (الآخرة)؛ وذلك نحو قوله تعالى: ﴿أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ﴾ [التوبة:٣٨]، وقوله سبحانه: ﴿وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ مَتَاعٌ﴾ [الرعد:٢٦]. فالحياة إذن طبقتان: الأولى: تنتمي إلى عالم الشهادة، وهي حياتنا هذه التي نحيى بها، والثانية: تنتمي إلى عالم الغيب، وهي الحياة الآخرة. وقد علمت أن الإيمان بالآخرة في الإسلام -من حيث هي (حياة) - ركن من أركان الإيمان الستة، التي وجب على كل مسلم أن يعلمها، ويؤمن بها. ولنبدأ الآن رحلة التدبر لهذا المعنى في الرسالة القرآنية. ذلك أنه ما قُرِن بالإيمان بالله شيء -في الكتاب والسنة- مثل الإيمان باليوم الآخر، فهو أصل من أصول الرسالة القرآنية، ومقصد من مقاصد البلاغ الإلهي، وما كان ذلك ليكون لولا أن فيه حكمة ما، وهو ما نحاول اكتشاف بعض أسراره في هذه الإشارات بحول الله. وأما الآيات فلنذكر منها أمثلة، تدل على ما سواها، فذلك في القرآن أكثر من أن يحصى لفظاً ومعنى، ونحوه قول الله تعالى في حق المؤمنين الصالحين من سائر الملل: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ

стр. 90

وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة:٦٢]، وقوله في حق المنافقين: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة:٨]، وقال في حق أهل الكتاب الذين عرفوا الحق فأسلموا: ﴿لَيْسُوا سَوَاء مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللهِ آنَاء اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ. يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [آل عمران:١١٣،١١٤)، وقال في سياق التشريع: ﴿ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِر﴾ [البقرة:٢٣٢]، وقال سبحانه في حق العابدين من عمار المساجد: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَن يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [التوبة:١٨]، وقال سبحانه في التنبيه على التأسي بسيد المرسلين ﷺ : ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب:٢١]، ومعلوم أن مثل هذا في القرآن كثير. وأما السُّنة فقد تواتر فيها هذا المعنى بهذه الضميمة: (الإيمان بالله واليوم الآخر)، تواتراً معنويّاً كليّاً، فمن ذلك قوله ﵇: «فمن أحب منكم أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة؛ فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر» (١)، وقوله: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن إلى جاره، ومن كان

стр. 91

يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليسكت» (١)، وقوله أيضاً: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يلبس حريراً ولا ذهباً» (٢). ونحوه في السنة الصحيحة كثير جدّاً. والغاية عندنا إنما هي بيان طبيعة هذه العقيدة في الإسلام، واكتشاف بعض أسرارها، إذ رغم أن المسلمين اليوم يؤمنون باليوم الآخر، إلا أن آثار ذلك في حياتهم قليل جدّاً؛ بسبب عدم الإحساس بحقيقته في وجدانهم، وضعف السير إليه، خلال آياته؛ لاكتشاف مشاهده الإيمانية، من خلال مشاهده القرآنية، فهو إذن عدم الإبصار، وهذا عمل إيماني وجب على كل مسلم أن يسعى لاكتسابه؛ حتى يجد ما وجد الصحابة من هذه الحقيقة القرآنية العظمى، ويلتقط واحداً من أعظم مضامين رسالة الله رب العالمين إلى الناس أجمعين. إن الله ﷻ يخبرك بخبر، ﴿فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾ [طه:١٣]! وافقه عن الله ما يقول، فإن الأمر يهم وجودك، ومصيرك أنت بالذات! اقرأ، وأنصت، وتدبر قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِه نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَاكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّى

стр. 92

إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ. وَالله يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلاَمِ وَيَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [يونس:٢٤،٢٥]. هاهنا لمفهوم (الحياة) حقيقتان: حقيقة الحياة الدنيا، وحقيقة الحياة الأخرى. فأما الحياة الدنيا فأهم خصائصها الجوهرية أنها فانية، فهي محكوم عليها بـ (الفناء)، وقد ضرب الله لها في الآية السالفة مثلاً: وهو دورة الحياة والموت في الطبيعة، إذ ينزل ماء الحياة في فصل الخريف وفصل الشتاء، غيثاً يبعث النبات من أعشاب وزروع، فتبتهج الأرض بالربيع الزاهر، وتحتفل بموسم الجمال، أشجاراً وأطياراً وأنهاراً، وزخرفة تعلو الروابي والبساتين والسهول؛ فتكون أشبه ما تكون بالحسناء، المتزينة بشتى التلاوين وفنون التقيين؛ حتى تكون في أسحر أحوال الإغواء والإغراء! ذلك أن الزخرفة الصارخة تلقي على قلب الإنسان شباكاً سحرية، فتستوعب كل وجدانه وتفكيره، فلا يرى شيئاً بعد ذلك إلا من خلالها! حتى إذا جاء المصيف، وأنضجت الزروع حبوبها؛ كان الحصاد مآلها، فلا ترى لها في الأرض أثراً إلا هشيماً من حصيد! تماماً كما تتناثر أوراق الأشجار عند الخريف، لقىً ذابلاً، تذروه الرياح بكل البطاح!

стр. 93

فتعوي ريح الفناء بالوديان والقيعان، لتكنس كل أثر للحياة، وكأن الأشجار المتحطمة الأغصان، ما أورقت قط ولا أزهرت، وكأن الأطيار الراحلة في الأفق البعيد ما عششت هاهنا ولا غردت! ﴿كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾! تبصرة: ولنا في هذا المثال الرباني الحق عبرتان كلتاهما ترجع إلى حقيقة كونية عظمى، الأولى: تتعلق بمفهوم المكان، أي طبيعة بناء الكون، والثانية: تتعلق بمفهوم الزمان؛ أي طبيعة حركة العمر. فأما الحقيقة الأولى: أي مفهوم المكان؛ فهو راجع إلى أن هذا البناء الكوني الممتد ما بين السماء والأرض؛ ليست له طبيعة خالدة؛ لأن تكوينه الابتدائي كان كذلك؛ أي أنه بني على هذا الوزان، وهو أن يحيا إلى حين، لا إلى الأبد، فكل المكان من حيث هو مكان قائم على مبدأ الفناء، فحركة أجرامه ومدارات فضاءاته، كلها سائرة إلى نهايتها، ومن هنا كانت حياة هذا الكون الحالي إنما هي (الحياة الدنيا)، فهي حياة، نعم، لكنها إلى حين، إنها (دنيا): أي قريبة الأجل، لا خالدة، ولا حتى ممتدة امتداداً طوليّاً حقيقيّاً، بالنسبة إلى امتداد (الحياة الأخرى).

стр. 94

وكم أخطأ الناس في هذا الزمان في فهم معنى (الدنيا)، إذ ظنوا أنها دالة على الجمال، والغنى والرفاه؛ حتى جعلوا من أسماء بناتهم (دنيا)، وما هذا التعبير بدال على المدح، بل له دلالة قدحية ناقصة، فالدنيا -بهذا السياق خاصة- من الدنو والدناءة، وهي معنى نازل لا علو له؛ ولذلك قيل لسيء الأخلاق: دنيء؛ أي له أخلاق منحطة قريبة من الأرض، فالدنيا: حياة قريبة من الفناء، لا لذة حقيقية فيها ولا متعة، ما دام كل شيء فيها إلى فناء. فهي دنيا. ومن هنا سمت العرب أبناءها -قبل الإسلام وبعده- (خالداً) و (خالدة)، إذ رغبوا قبله في الخلود الدنيوي، وهو محال؛ لأن الضدين لا يجتمعان، ثم رغبوا بعده في الخلود الأخروي السعيد، وهو ممكن بإذن الله. إن بناء الكون الدنيوي له ساعة ينهار فيها، ثم يفنى بإرادة الله، فلا يبقى شيء إلا الله الواحد الأحد، وهذه الساعة هي (الساعة) بتعبير القرآن، ذلك الحدث الكوني العظيم، سألتك بالله أن تتدبر قوله : ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لاَ تَاتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:١٨٧]، ذلك هو السؤال الأزلي: الساعة؟ فلم يزل الإنسان مذ كان يتوجس وقوعها، ويتحسس وقتها وحقيقتها، لكن الله ﷻ أنبأه أنها سر من أسرار قضائه الكوني:

стр. 95

﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ﴾ [الأعراف:١٨٧]، وقد ورد في التفاسير أن العرب واليهود كانوا كثيري السؤال لمحمد ﷺ عن الساعة، كانوا يسألونه ظانين أنه حفي عنها، أي كثير السؤال -مثلهم- لربه عنها، إذ لا يتصور في المرء إلا السؤال عن الغوامض الكونية. ولذلك قال قبل: ﴿ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الأعراف:١٨٧]، إنها حدث كوني عظيم، يمتد من السماء إلى الأرض. ليحدث ذلك التحول الرهيب في طبيعة الكون، تدميراً ثم تكويناً وإفناءً ثم خلقاً؛ لاستقبال الحياة الأخرى، وإن أمرها في ميزان الله لقريب. ومثله قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ. يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج:١،٢]. والساعة: هي القيامة، والواقعة، والقارعة، والصاخة ... إلخ من الأسماء، التي عبر فيها الرب العظيم عن لحظة نهاية الكون الدنيوي، فالكون الدنيوي إذن تكوين ابتدائي، والكون الأخروي تكوين استئنافي، قال ﷻ : ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَانَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٤]، وقال سبحانه: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ

стр. 96

يَسِيرٌ. قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [العنكبوت:١٩،٢٠]، ولذلك قال تعالى: ﴿ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الأعراف:١٨٧] كما أوردناه قبل. إن الساعة إذن؛ هدم وبناء: هدم لكون الدنيا، وبناء لكون الآخرة، إنها تحول كوني عجيب من طبيعة إلى أخرى، يحدث في لحظة واحدة، كاللمحة من البصر! كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [النحل:٧٧]. وقال: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [القمر:٥٠]. إن الكون الدنيوي خلق فان، ومعمار إلى زوال، هذه هي الحقيقة الأولى. أما الحقيقة الثانية: أي مفهوم الزمان؛ فهو مرتبط في دلالته بالمكان، بل إنما الزمان وليد حركة المكان، فالمكان الفاني لا ينتج عنه إلا زمان فان. كما أن المكان الخالد لا ينتج عنه إلا زمان خالد. ومن هنا كان العمر البشري -مهما توهمنا أنه طال- قصيراً جدّاً. ويكفينا في ذلك حقيقة واحدة: هي أن الشهوات الدنيوية كلها، لذتها تنتهي ببدايتها! كل شوق إلى المزينات الدنيوية يموت بمجرد الحصول عليها، فلذة الطعام الشهي الجميل إنما تشعر بها

стр. 97

قبل أن تأكله، وعند بداية الأكل، ثم يبدأ بعد ذلك خط التلذذ في الهبوط حتى درجة الشبع، فالتخمة، حتى يصير اللذيذ بعد ذلك ممجوجاً قبيحاً، وقد كان قبل قليل في غاية اللذة. وقس على ذلك كل المتع الدنيوية، مما زين للناس، من مثل الوارد في قوله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ [آل عمران:١٤]. إن طبيعة الشهوات الدنيا أنها فانية، لا تكاد تبتدئ حتى تنتهي! وإنما جمال المتعة هو الخلود فيها. هذا هو الجمال الحق، وتلك هي الحياة الحق؛ ولذلك قال بعد مباشرة، ناسخاً قبح الزوال بجمال الخلود: ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللهِ وَاللهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران:١٥]. قضية العمر أو الزمان راجعة إلى هذا المعنى، فالفرق فيه ما بين الوهم والحقيقة؛ هو بالضبط فرق ما بين الفناء والبقاء. وما أجمل قول الله الملك السلام، في آيتي (يونس) مما أوردنا قبل؛ للتدبر: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَارًا

стр. 98

فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ. وَالله يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلاَمِ وَيَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [يونس:٢٤،٢٥]. تدبر قوله في آخر الكلام: ﴿وَالله يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلاَمِ وَيَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [يونس:٢٥]. - إنه معنى جميل جدّاً، فقد جاء مقابلاً لما ذكر من أمر الحياة الدنيا وزخرفها الفاني، ومآلها الحصيد. إذ كل ذلك موحٍ بالخوف والخراب؛ لأن دار الدنيا هي دار الخراب، فكل نفس تعلقت بها إنما تعلقت بالوهم، وهذه حقيقة رهيبة، تملأ القلب هولاً وفزعاً، إذا كان لهذا الإنسان القارئ، أو المستمع للخطاب الرباني قلب فعلاً، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق:٣٧]، فمقابل ذلك الشعور بما صوره القرآن لك من مآل مأساوي للحياة الدنيا، مكاناً وزماناً؛ ينفح الله روحك بالبشرى: ﴿وَالله يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلاَمِ﴾ [يونس:٢٥] .. السلام الحق الجميل، الممتد بلا نهاية، يملأ عرض السماوات والأرض، ولكن -فقط- لمن آمن واهتدى؛ ولذلك قال: ﴿وَيَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [يونس:٢٥]. فلا جنة بلا هداية. عمر ممتد بلا نهاية، وزمان بلا حساب، يغرف من جمال الله خلوداً إلى الأبد، ذلك هو السلام، قال عز من قائل: ﴿إنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ. نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ

стр. 99

وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ. نُزُلًا مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ﴾ [فصلت:٣٠ - ٣٢]. إن الإنسان عندما يتدبر هذه الحقائق القرآنية العظيمة؛ يرى بأم عينيه أن العمر الدنيوي مجرد حلم، وأن مفهوم (الحياة) إنما يتجلى بصورة حقيقية في الآخرة، حتى لكأن ما دون الآخرة ليس بحياة! وتلك آيات القرآن العظيم ناطقة بهذا، قال : ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت:٦٤]؛ فلفظ (الحيوان) صيغة دالة في العربية على الامتلاء، كقولك (فيضان) بدل (فيض)؛ إذا كان قد بلغ السيل الزبى، والتقى الماء على أمر قد قدر، فجرف كل شيء، فيقال حينئذ: (فيضان). فلفظ (حيوان) هو بمعنى الامتلاء حياة، بل هو فيضان الحياة. تلك هي طبيعة الحياة الآخرة تفيض بالحيوية والحياة، وتمتد نعمها التي لا تنفد على عرض الكون، فلا يعرف لها نهاية، خلوداً مؤبداً، إلى ما شاء الله. ويبقى ما دون ذلك من (حياة) أشبه ما يكون بطعم الصياد، الذي يغري الفريسة، لتقع على المتعة الوهمية؛ فتكون من الهالكين. فهي ﴿مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران:١٨٥] حقّاً، كما قال في سياق آخر: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران:١٨٥].

стр. 100

والكافر لا يرى ذلك إلا بعد هلاكه، فما أعجب تعبير القرآن في هذا! إذ يقول الله ﵎: ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى. يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ [الفجر:٢٣،٢٤]، فحسرة الكافر وندمه إنما هو لكونه لم يقدم لحياته، ويقصد الحياة الآخرة، ولكنه لم يصفها بـ (الآخرة)؛ للدلالة على أنها هي وحدها حياته، إذ أدرك الآن عياناً أن ما سبق من حياته الدنيا ليس بحياة، فندم على تفريطه في حياته الحقيقية: الآخرة، ونتيجة الأمر أنه ما حيي إلا من حيي في الآخرة وللآخرة. وأما الدنيا فهي -بالنظر إلى هذا المعنى- ليست بحياة؛ إلا مجازاً. فإذن لا طول للحياة الدنيا ولا بقاء لها مكاناً وزماناً، بل هي مجرد خدعة للإنسان إن لم يستثمرها للحياة الحقيقية: الآخرة، إنها -لو تدبرت- عمر في أيام .. فلا طول، وإنما الطول مفهوم يدل على الحصر؛ إذ ما سمي طولاً إلا لقابليته للعد والقياس، وكل معدود محدود. ومن هنا وصف الله الجنة بالعرض دون الطول، وذلك بعدما قرر طبيعة الحياة الدنيا، فقال على سبيل الجزم والتحذير: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ. سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ

стр. 101

وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد:٢٠،٢١]. لقد ابتدأ الخطاب في الآية بهذا الأمر الجازم: (اعلموا ... !) والعلم إدراك الشيء على ما هو عليه في الواقع قطعاً ويقيناً، أي بلا تردد ولا شك، ولا ظن. (اعلموا ..) هكذا قطعاً، وجاء المثال القرآني العجيب مرة أخرى بصيغة أخرى: مثال الزرع إذ ينبهر الفلاح بخضرته وجماله وسنبله، فلا يلبث أن يصير حقله الجميل حطاماً، أو حصيداً كأن لم يغن بالأمس! فكذلك الدنيا كلها بزينتها وأموالها وأولادها، ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران:١٨٥]. وهنا جاء المقابل الأخروي هذه المرة في القرآن الكريم بصيغة فريدة .. لا مثيل لها، جاء طلب المسابقة إلى المغفرة والجنة، ووصف الجنة بما قال : ﴿عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الحديد:٢١]، فوصفها بالعرض دون الطول، ذلك هو الزمان الأخروي السعيد، والعمر الجميل المديد، تلك هي الحياة .. ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [النساء:٥٧]، إن (الطول) -كما ذكرنا- مفهوم محدود معدود، والجنة لا حد لها، ولا عد. إنها (الحيوان)، فلا يليق بوصفها من ألفاظ الامتدادات إلا (العرض)، إذ بالعرض تعيش اللحظة الواحدة أكثر من مرة، أما الطول فلا يتيح لك من اللحظة

стр. 102

الواحدة إلا خطوة واحدة، تخطوها إلى أمام؛ لتصبح بعد ذلك من (الماضي)، فلا يمكنك أن تسبح في النهر مرتين، كما قال الحكماء، وأما العرض فهو امتداد أفقي في الزمان الفسيح، إذ تتمتع بالمتعة الواحدة أبداً، وتعيش الشعور الواحد أبداً، وتغرف من اللحظة الواحدة معنى الخلود، صورته في الدنيا هي (بركة العمر)، حيث يبارك الله العمر القصير -ولا يكون العمر إلا قصيراً- ويزكيه؛ فينجز المؤمن فيه من الصالحات؛ ما يمكنه بإذن الله من الخلود في الجنة، وصورته في الآخرة: حياة سعيدة مطلقة في الزمان، سابحة في الجمال، تنعم بما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. - فما أبلد من يستنزف طول عمره على حساب عرضه! ولا يسابق إلى هذا إلا من عرف الله ابتداء، ثم اكتشف هذا المعنى اللطيف (للحياة)، وذاق جماله، فسابق إليه، وإنما ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد:٢١]، فكيف السبيل إلى ذلك، وكيف المسير؟ ذلك هو البلاغ الرابع من بلاغات الرسالة القرآنية، فيه بيان طريق العمل، ورسم معالم السلوك. ***

стр. 103

البلاغ الرابع في اكتشاف الصلوات وحفظ الأوقات لو أدرك المسلمون اليوم ما معنى (الصلاة)؟ ما تركها واحد منهم، إلا من أصر على ضلاله وعماه، أو كزّ على كفره وزندقته! تبصرة: أما أنت يا صاح فاعلم أن السير إلى الله من غير مسلك الصلاة ضرب في التيه! كل أعمالك في الجهاد، والدعوة إلى الله، وما تستكثره من حركات وسياسات؛ راجعة إلى مدى سلامة هذا الأصل عندك؛ قصداً، ووقتاً، وأداء، وإلا فعلى دينك السلام! ﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [النور:٣٩].

стр. 104

إنك لن تذوق ما الإيمان وما الإسلام؛ حتى ترحل إلى الصلاة: تكتشف أسرارها، الممتدة إلى بحر الغيب المطلق؛ فترى عجباً .. ذلك هو البلاغ الرابع من بلاغات الرسالة القرآنية، فهي نتيجة فعلية لكل من تلا القرآن حق تلاوته، إنها أول ما يبادر إليه المحب أول ما يتذوق معنى المحبة؛ إذ يتعرف على جمال الله من خلال القرآن الكريم؛ ومن هنا أمره بالصلاة؛ مباشرة بعد أمره تعالى بالتلاوة، على سبيل العطف المباشر، المشعر بالتساوي بين الفعلين، مما يوحي بانعدام الفرق الزمني بينهما؛ لما بين الاستجابتين من ارتباط وثيق، إن من تعرف على القرآن الكريم حقّاً لا يملك إلا أن يصلي، قال تعالى: ﴿اُتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت:٤٥]. ومن هنا كان أول عمل من العبادات قام به رسول الله ﷺ بعد الإيمان بالله وتوحيده- هو الصلاة، وهي أول عمل تعلمه من تطبيقات القرآن، وهذا أمر مهم جدّاً في معرفة ما يبتدأ به من أمر البلاغ. قال ﵊: «أتاني جبريل في أول ما أوحي إلي فعلمني الوضوء والصلاة، فلما فرغ من الوضوء أخذ غرفة من الماء فنضح بها فرجه» (١). ذلك أول العمل، كما هو ظاهر هذا الخطاب: (في أول ما أوحي إلي)،

стр. 105

الوضوء والصلاة، ولهذا دلالة كبرى في معرفة البدايات والأصول العمليات، ولم يزل ذلك مرافقاً لعمل الرسول ﷺ ، فلا يزداد مع الأيام إلا ترسخاً في الدين، وما تنزل القرآن بعده إلا بما يؤكد أنه أساس الغايات، ومنتهى العبادات. وتأمل كيف أن الله ﷻ أفرد (إقام الصلاة) بالذكر -في بناء المنهج الإصلاحي- بعد ذكر التمسيك بالكتاب، مع أن الصلاة فرع عن التمسيك بالكتاب، وداخلة في معناه، فلولا أنها أساس، وأم من أمهات البلاغ القرآني، ومنطلق من منطلقات الصلاح والإصلاح؛ لما كان لها ذلك التفريد الفريد، قال عز من قائل: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾ [الأعراف:١٧٠]. إن العلماء يجمعون على أن الوظيفة الوحيدة للإنسان في الكون هي عبادة الله، فكل حظوظه الدنيوية إنما هي منجرة بالتبع مع أصل العبادة، وإنما أتيح له أن ينال من حظه ما يعينه على وظيفته الأساس، وأصل ذلك ومستنده قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]. إن خلاصة دين الإسلام عقيدةً وشريعةً: هي إخلاص العبادة لله الواحد القهار، والصلاة منه هي مفتاح كل شعيرة من شعائره، وروحها، وغايتها؛ زكاةً، وصياماً، وحجاً، وجهاداً ... إلى آخر ما تفرع عن هذه وتلك من سائر أعمال

стр. 106

البر، ولذلك كانت الصلوات الخمس -بعد الشهادتين- هي العنوان الجامع المانع لكل أعمال الإسلام. إذ كل ما سواها داخل في معناها. وليس عبثاً أن يعتبرها الرسول خير أعمال المسلم، قال ﷺ : «سددوا وقاربوا» وفي رواية: «استقيموا ولن تحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن» (١). ولقد فصلنا هذا في غير هذا المكان من كتبنا (٢)، لكنا نقتصر هاهنا على ما يفيد السياق. لقد جعل الله الصلاة هي آية المسلم، والعلامة الجميلة التي تميزه في مسيرة التاريخ النبوي، فهي الفصل الذي لا يعرف إلا به، والنور الذي لا يمشي إلا به، قال : ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح:٢٩]، وإنما اكتسبوا صِفَتَيْهم الأوليين: الجهادية: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾، والخلقية: ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾؛ من كونهم رهباناً بالليل، أي قوله: ﴿تَرَاهُمْ رُكَّعًا

стр. 107

سُجَّدًا﴾ [الفتح:٢٩] الآية؛ لأن ذلك هو المعين الصافي الذي يتزود منه المسلم الصادق المجاهد الداعية إلى الله؛ بصدق التوجه والسير، من حيث إن قوله تعالى: ﴿تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا﴾ [الفتح:٢٩]، فيه إشارة إلى أن ذلك هو دأبهم وحالهم المستمر في حركتهم التعبدية؛ إذ التعبير باسم الفاعل جمعاً: ﴿رُكَّعًا سُجَّدًا﴾، في سياق الفعل المضارع: ﴿تَرَاهُمْ﴾؛ يوحي بصورة حية لقافلة المؤمنين، وهم منخرطون في حركة الصلاة المتواترة، من غير فتور أو انقطاع، سيراً مستمراً حتى كان ذلك صفة ثابتة لهم، حيثما تراهم، ﴿تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا﴾. ولذلك كان تشبيه النبي ﷺ الصلاةَ في حياة المسلم التعبدية بالنهر الجاري، قال: «أرأيتم لو أن نهراً بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات، هل يبقى من دَرَنِه شيء؟ قالوا: لا يبقى من دَرَنِه شيء. قال: فذلك مثل الصلوات الخمس؛ يمحو الله بهن الخطايا» (١). إن الإسلام في نهاية المطاف هو الصلاة، بالمعنى الذي سبق بيانه؛ وعلى هذا الوزان تُقَوّم أعماله كلها يوم القيامة، وعلى ذلك يتحدد مصيره الأخير .. ! قال ﵊ في الحديث الحاكم الحاسم: «إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة من عمله الصلاة! فإن صلحت فقد أفلح

стр. 108

وأنجح، وإن فسدت فقد خاب وخسر! وإن انتقص من فريضة قال الرب: انظروا هل لعبدي من تطوع؟ فيكمل بها ما انتقص من الفريضة؟ ثم يكون سائر عمله على ذلك» (١). وأوضح من هذا دلالة على ما نحن فيه قوله ﷺ : «أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة، فإن صلحت صلح له سائر عمله، وإن فسدت فسد سائر عمله» (٢)، فليس عبثاً إذن أن قدم النبي ﷺ الصلاة في مراتب أعمال ابن آدم، على سبيل ترتيب الأولويات: (أحب الأعمال إلى الله الصلاة لوقتها، ثم بر الوالدين، ثم الجهاد في سبيل الله) (٣)، إن الأمر جد، فتدبر! ثم أبصر! وما بقي لمسلم تَرَك الصلاةَ من إيمانه إلا ما لا يخلده في النار، لا ما ينقذه منها بإطلاق، قال ﷺ : «بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة» (٤)، وقال أيضاً: «بين الكفر والإيمان ترك الصلاة» (٥)، ومثله قوله ﷺ : «ليس بين العبد والشرك إلا ترك الصلاة فإذا تركها فقد أشرك» (٦)، وهذه

стр. 109

الأحاديث وما في معناها تقتضي أن المسلم التارك لصلاته قد شابه الكفار في صفاتهم، فكفر عملاً وإن سلم عقيدة؛ لأن المسلم إنما يتميز بصفة الصلاة التي هي عنوان إسلامه -كما بيناه قبل- فمن فَقَدَ عنوانه فَقَدَ هويته. ولنعد إلى جمال القرآن الكريم، ذلك أن الله تعالى إذ يصف فلاح المؤمنين؛ يذكر الصلاة باعتبارها أول وسام نوري -بعد الإيمان- يشع من قلوبهم، وهو أمر يكاد يكون مطرداً في كل آي القرآن العظيم، يقول المولى الكريم في أول سورة البقرة: ﴿الم. ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ. الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [البقرة:١ - ٣]، ومن أجمل ما ورد في ذلك فاتحة سورة (المؤمنون)، إذ جعل الله أول صفاتهم الخشوع في الصلاة، وآخرها المحافظة على الصلاة، وكل أعمال الصلاح من فعل الخيرات وترك المنكرات؛ جعلها فيما بينهما، فاقرأ وتدبر .. واحفظها واحدة واحدة: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ. الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ. وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ. وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ. وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ. إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ. فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ. وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ. وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ. أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ. الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون:١ - ١١].

стр. 110

فالخير كله فاتحته الصلاة، والخير كله خاتمته الصلاة، والخير كله غايته الصلاة، والخير كله وسيلته الصلاة. تبصرة: والصلاة تَرْكٌ كما هي فِعْلٌ: إن كنت تصلي حقّاً؛ فأنت تارك لكل منكر من الكبائر والموبقات! من مثل الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات، وكذا تناول المحرمات من المطعومات والمشروبات، كأكل الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وما أهل به لغير الله، وشرب الخمر أم الفواحش، وسائر المسكرات والمخدرات، والسقوط في المحرمات من المعاملات والملبوسات، كالكبر، والظلم، والغصب، وشهادة الزور، وأكل أموال الناس بالباطل، والقمار، وسائر المنكرات! فتدبر كيف أن الله ﷻ ذكر في سياق صفات الفلاح -مما أوردناه قبل من فواتح سورة (المؤمنون) - عدداً من الأفعال والتروك، كان جانب الترك فيها أكثر حضوراً، باللفظ أو بالمعنى، كما في (الإعراض عن اللغو)، و (حفظ الفروج) الذي هو في معنى النهي عن الزنى، والنهي عن كل مسالكه وأسبابه، و (رعي الأمانات والعهود)، الذي هو في معنى النهي عن الخيانات بشتى أنواعها، وهذا شيء مهم جدّاً، ذلك أن الصلاة كما ذكرنا ترك من التروك.
следующие страницы →