Полный текст (419 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
السيف المسلول على من سب الرسول ﷺ
للإمام /
تقي الدين علي بن عبد الكافي السبكي الشافعي
ت: ٧٥٦ هـ
تحقيق/
إياد أحمد الغوج
دار الفتح
عمان - الأردن
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قال الشيخ الإمام العلامة المجتهد المطلق، شيخ الإسلام، إمام الأئمة، لسان الأمة، حجة الله على أهل زمانه، والداعي إليه في سره وإعلانه، بقلمه ولسانه، قامع المبتدعين، بقية المجتهدين، خصم المناظرين، أحد أولياء الله الصالحين: تقي الدين أبو الحسن علي بن عبد الكافي السُبكي تغمده الله برحمته:
الحمد لله المنتصر لأوليائه، المنتقم من أعدائه، المعبود في أرضه وسمائه، المقدس بصفاته وأسمائه، المنفرد بعظمته وكبريائه، القاهر بجبروته وعلائه، الواحد الأحد الذي لا أول لأزليته ولا آخر لبقائه، الرب الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يشركه أحد في قضائه، الحي وقد حكم على كل أحد بفنائه، العالم فلا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء في حالتي ظهوره وخفائه، القادر فكل الممكنات تحت طوعه مسخرة لأمره ودعائه، الحكيم الذي أتقن ما صنع فسبحانه من إله تحار العقول في بحار آلائه.
أحمده على ما أسبغ من نعمائه، وأسبل من عطائه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة أدخرها وأستودعه إياها ليوم لقائه.
стр. 3
وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله خاتم أنبيائه، وصفوة رسله وأمنائه، نبي الرحمة، وشفيع الأمة، وكاشف الكرب والغمة، المخرج بإذن الله إلى النور من الظلمة، المبتعث بالهدى والحكمة، والمؤيد بما بشر به من الكفاية والعصمة.
شرف الله قدره على سائر الخلائق، وأخذ من الأنبياء على نصرته العهود والمواثق.
حبيب الله وخليله، وأمينه على وحيه ورسوله، أكرم الخلق على ربه، والموعود النصر لحزبه، لولاه ما خلقت شمس ولا قمر، ولا كان للدنيا عين ولا أثر.
الدعي إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، والواجب تعظيمه والصلاة عليه على جميع الألسنة، من وجبت نبوته وآدم بين الروح
стр. 4
والجسد، وكان اسمه مكتوبًا على العرش مع الفرد الصمد، ورفع الله ذكره/ فلا يذكر إلا ذكر معه، وجعل شريعته ناسخة لجميع الشرائع، فلو كان موسى وعيسى حيين لاقتدى به كل منهما وتبعه.
المنصور بالرعب مسيرة شهر، والباقي كتابه بقاء الدهر، المخصوص بالدعوة العامة وكان النبي يبعث إلى قومه، وصاحب الشفاعة العظمى حين يذهل كل أحد عن والده ووالده وأمه.
стр. 5
بيده لواء الحمد، وآدم ومن دونه تحت لوائه، وأول من تنشق عنه الأرض إذا بعث الأموات، وإمام الأنبياء وخطيبهم إذا خشعت للرحمن الأصوات.
صاحب الصدر المشروح، والإمداد بالملائكة والروح، والمعجزات الباهرة، والآيات الظاهرة، المطهر من كل دنس وعيب، والمبجل عن كل شك وريب، لم يزل نورًا يتنقل في الأصلاب والجباه، من لدن آدم إلى أبيه عبد الله، فنسبه أطهر الأنساب وأعظمها، وأرفعها عند الله والخلق وأكرمها، مبرأ من أنكحة الجاهلية الفاسدة والسفاح، محفوظًا بكلاءة الله في عقودها الصحاح، حتى طلع بدرًا منيرًا تنكست الأصنام لطلعته،
стр. 6
وأفل داعي الشرك لبعثته. وأتى كمال دائرة الوجود وقطبه، وصفوة العالم ولبه، من أنفس القبائل وهو أنفسها، وأرأس الشعوب وهو أرأسها، كاملاً في ذاته وصفاته، محفوظًا في حركاته وسكناته، معصومًا في جلواته وخلواته، مدعوًا عند قومه بالأمين، مقبلاً بقلبه وقالبه على عبادة رب العالمين.
يسلم عليه قبل مبعثه الحجر ويظلله الغمام، ويتوسم فيه كل من له علم أنه رسول الملك العلام.
стр. 7
إلى أن كمل الأربعين، فأتاه الروح الأمين، بالكتاب المبين، الذي هو أعظم المعجزات، بله تسبيح الحصا، ونبع الماء، وانشقاق القمر، ورد العين بعد العور، وتكثير القليل/ وإجابة الدعاء، والمعراج والإسراء، وكمال محاسنه في الخُلُقِ والخَلْق، ورأفته ورحمته بكافة الخلق، والصلاة بالأنبياء، وسيادة ولد آدم، ورد الشمس بمشاهدة العالم، وقلب الأعيان، وإبراء الأكمة في العيان، وغير ذلك من المعجزات، والآيات البينات، التي لا تعد ولا تحد، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وذريته، وسلم تسليمًا كثيرًا ما دار فلك، وسبح ملك، وذر شارق وغرب، وغرد حمام وأطرب، وما دامت الدنيا والأخرة، وألبسه من تعظيمه حلله الفاخرة، وآتاه الوسيلة والفضيلة، والدرجة الرفيعة، وبعه مقامًا محمودًا، وأهدى إليه منا كل وقت سلامًا جديدًا.
стр. 8
أما بعد:
فإنه لا منة علينا لأحد بعد الله كما لهذا النبي الكريم، ولا فضل لبشر سواه علينا كفضله العميم، إذ به هدانا الله إلى الصراط المستقيم، ووقانا من حر نار الجحيم.
قال تعالى: (لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم (١٢٨)) [التوبة: ١٢٨].
به حصلت لنا مصالح الدنيا والأخرة، وأسبغ الله علينا نعمه باطنة وظاهرة، وبصرنا بعد العمى، وهدانا بعد الضلال، وعلمنا بعد الجهل، وبه ـ إن شاء الله ـ نرجو الأمن بعد الخوف.
اختبأ لنا دعوته شفاعة لنا يوم القيامة، وسأل الله لنا ما لا تبلغه أمنيتنا من أنواع الكرامة، فكيف نقوم بشكره؟! أو نقوم من واجب حقه بمعشار عشره!
فلذلك ـ ولما له عند الله من المرتبة العلية ـ أوجب علينا تعظيمه وتوقيره ونصرته ومحبته والأدب معه، فقال تعالى: (إنا أرسلناك شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا (٨) لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه) [الفتح: ٨ - ٩].
وقال تعالى: (إلا تنصروه فقد نصره الله) [التوبة: ٤٠].
وقال تعالى:/ (النبي أولى بالمؤمنين من أنسهم) [الأحزاب: ٦].
وقال تعالى: (يا أيها الذين أمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون (٢) إن الذين
стр. 9
يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى لهم مغفرة وأجر عظيم (٣)) [الحجرات: ٢ - ٣].
وقال تعالى: (إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين أمنوا صلوا عليه وسلموا تسليمًا (٥٦)) [الأحزاب: ٥٦]
وقال تعالى: (وإن تظاهروا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهيرا (٤)) [التحريم: ٤].
وقال تعالى: (لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم) [آل عمران: ١٦٤].
ومن تأمل القرآن كله وجده طافحًا بتعظيم عظيم لقدر النبي ﷺ .
وإن الله تعالى كما أخذ علينا لنفسه ـ مع التصديق به وبوحدانيته ـ واجبات:
في قلوبنا: من التعظيم والإجلال والمهابة والخوف والرضى والتوكل والشكر.
وفي ألسنتنا: مِنَ الثناء والذكر والحمد والقراءة.
وفي جوارحنا: من الصلاة وغيرها من الواجبات. كذلك أوجب لنبيه ـ مع التصديق به وبرسالته ـ واجبات:
في قلوبنا: من التوقير والعظيم والمحبة،
وفي ألسنتنا: من الصلاة والشهادة في الأذان والصلاة والخطبة،
وفي جوارحنا: بأن نقدمه على أنفسنا ونبذل مهجنا بين يديه، إلى غير ذلك مما أوجبه الله له، هذا زيادة على ما يجب بتبليغه من جهة الرسالة،
стр. 10
فإن ذلك عام في كل رسول من حيث الرسالة، وهذا قدر زائد تعظيمًا لخصوصه زيادة على التبليغ.
وقال ﷺ : "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين".
وقال عمر: يا رسول الله، أنت أحب إلي من كل أحد إلا نفسي، قال: "لا يا عمر، حتى أكون أحب إليك من نفسك"، قال: أنت أحب إلي من نفسي، قال: "فالآن".
وكذلك حرم الله علينا أمورًا لتعظيم/ النبي فقال تعالى: (وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدًا إن ذالكم كان عند الله عظيما (٥٣)) [الأحزاب: ٥٣].
وقال تعالى: (إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والأخرة وأعد لهم عذابًا مهينا (٥٧) والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانًا وإثمًا مبينًا (٥٨)) [الأحزاب: ٥٧ - ٥٨].
فانظر كيف غاير في الجزاء بين أذى الرسول وأذى غيره من المؤمنين، وحرم أزواجه بعده، ولم تحرم أزواج غيره من المؤمنين بعده.
وقال تعالى: (ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن قل أذن خير لكم يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين ورحمة للذين أمنوا منكم والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم (٦١)) [التوبة: ٦١].
стр. 11
وقال تعالى: (إن ذالكم كان يؤذي النبي فيستحي منكم والله لا يستحي من الحق) [الأحزاب: ٥٣].
وحرم التقدم بين يدي الله ورسوله، فلا يحل لأحد أن يتقدم بقوله على النبي صلى الله عليه.
وحرم التخلف عنه، فقال: (ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه) [التوبة: ١٢٠].
وحرم نداءه من وراء الحجرات، ونسب من يفعل ذلك إلى عدم العقل.
ولا سبيل إلى أن نستوعب هاهنا الآيات الدالة على ذلك وما فيها من التصريح والإشارة إلى علو قدر النبي ﷺ ومرتبته، ووجوب المبالغة في حفظ الأدب معه، وكذلك الآيات التي فيها ثناء الله تعالى عليه وقسمه بحياته، ونداؤه بالرسول والنبي ولم يناده باسمه بخلاف غيره من الأنبياء ناداهم بأسمائهم، إلى غير ذلك مما يشير إلى إنافة قدرة العلي عنده، وأنه لا مجد يساوي مجده.
فكان تعظيمنا له وبذلنا النفوس والمهج بين يديه، وتوقيرنا إياه ونصرتنا له: عبادة واجبة علينا لامتثال/ أمر الله تعالى ونفوسنا منقادة إليه لما له علينا من الإحسان، والقلوب مجبولة على حب من أحسن إليها، والمحبة بالقلب، والنصرة باليد واللسان، فإذا عجزت اليد فلا أقل من اللسان.
стр. 12
وهذا تصنيف سميته:
السيف المسلول على من سب الرسول
وكان الداعي إليه أن فتيا رفعت إلي في نصراني سب ولم يُسلم، فكتبت عليها: يقتل النصراني المذكور كما قتل النبي ﷺ كعب بن الأشرف، ويطهر الجناب الرفيع من ولغ هذا الكلب:
لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى ... حتى يراق على جوانبه الدم
وكتب معي جماعة من الشافعية والمالكية، فأنكر ذلك بعض الناس محتجًا بقول الرافعي وغيره من الأصحاب: إن في انتقاض عهده بذلك خلافًا، وظن أنه إذا لم ينتقض عهده لا يُقتل، وتعجب من استدلالي بقصة كعب بن الأشرف، وقال: هذه واقعة عين لا يستدل بها لاحتمال أنه قتله بغير السب، وربما زعم بعض المجادلين في ذلك أن كعب بن الأشرف كان حربيًا.
وإني لأتعجب من المجادلة في ذلك ممن له أدنى إلمام بالسير أو أنس بالفقه! وأتعجب من شافعي عجبًا آخر وإمامه قد قال ما قلته واحتج
стр. 13
بما احتججت به من خبر كعب بن الأشرف، وكذلك الأكابر من أصحاب مذهبه، ولم يصرح أحد منهم بخلاف ذلك، وقال الغزالي: إن المذهب أنه لا تقبل توبته، فلا وجه لإنكار ذلك إلا المجادلة بالباطل.
وحق علي وعلى غيري من أهل العلم القيام في ذلك وتبيين الحق فيه، فإن فيه نصره للنبي ﷺ ، والله تعالى يقول: (وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز (٢٥)) [الحديد: ٢٥].
وليس لي قدرة أن أنتقم بيدي من هذا الساب المعلون، والله يعلم أن قلبي كاره/ منكر، ولكن لا يكفي الإنكار بالقلب هاهنا، فأجاهد بما أقدر عليه من اللسان والقلم، وأسأل الله عدم المؤاخذة بما تقصر يدي عنه، وأن ينجيني كما أنجي الذي ينهون عن السوء، إنه عفو غفور.
стр. 14
ورتبت هذا الكتاب على أبواب أربعة:
الأول: في حكم الساب من المسلمين.
الثاني: في حكم الساب من أهل الذمة وسائر الكفار.
الثالث: في بيان ما هو سب.
الرابع: في شيء من شرف المصطفى ﷺ نختم به الكتاب؛ ليكون خاتمه مسكا.
والله تعالى أسأل أن ينفع به وأن يجعله خالصًا لوجهه، وأن يسدد أقوالنا وأفعالنا ونياتنا، ويجمع لنا ولآبائنا وأمهاتنا وأولادنا وأهلينا خير الدنيا وخير الآخرة، ويصرف عنا شر الدنيا وشر الآخرة، ويحشرنا في زمرة هذا النبي الكريم، بفضله ومنه الجسيم؛ إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 15
الباب الأول: في حكم الساب من المسلمين
وفيه فصلان:
أحدهما: في وجوب قتله إذا لم يتب.
والثاني: في توبته واستتابته.
стр. 16
الفصل الأول: في وجوب قتله
وذلك مجمع عليه، والكلام في مسألتين، إحداهما: في نقل كلام العلماء في ذلك ودليله، والثانية: في أنه: يُقتل كفرًا أو حدًا مع الكفر؟
المسألة الأولى: في نقل كلام العلماء ودليله
أما النقل: فقال القاضي عياض: "أجمعت الأمة على قتل متنقصه من المسلمين وسابه".
وقال أبو بكر بن المنذر: "أجمع عوام أهل العلم على أن على من سب النبي ﷺ القتل. وممن قال ذلك مالك بن/ أنس، والليث، وأحمد،
стр. 17
وإسحاق، وهو مذهب الشافعي".
قال عياض: "وبمثله قال أبو حنيفة وأصحابه، والثوري وأهل الكوفة، والأوزاعي، في المسلم".
وقال محمد بن سحنون: "أجمع العلماء أن شاتم النبي ﵇ المتنقص له كافر، والوعيد جار عليه بعذاب الله، وحكمه عند الأمة القتل، ومن شك في كفره وعذابه كفر".
стр. 18
وقال أبو سليمان الخطابي: "لا أعلم أحدًا من المسلمين اختلف في وجوب قتله إذا كان مسلمًا".
وعن إسحاق بن راهويه أحد الأئمة الأعلام قال: "أجمع المسلمون أن من سبَّ الله أو سبَّ رسوله ﷺ أو دفع شيئًا مما أنزل الله أو قتل نبيًا من أنبياء الله أنه كافر بذلك وإن كان مقرًا بكل ما أنزل الله".
وهذه نقول معتضدة بدليلها، وهو الإجماع، ولا عبرة بما أشار إليه ابن حزم الظاهري من الخلاف في تكفير المستخف به، فإنه شيء لا يعرف
стр. 19
لأحد من العلماء، ومن استقرأ سير الصحابة تحقق إجماعهم على ذلك، فإنه نقل عنهم في قضايا مختلفة منتشرة يستفيض مثلها، ولم ينكره أحد.
روى أبو داود والنسائي عن أبي برزة قال: كنت عند أبي بكر ﵁، فتغيظ على رجل ـ وفي رواية: من أصحابه ـ فاشتد عليه، فقلت: تأذن لي يا خليفة رسول الله أضرب عنقه؟ قال: فأذهبت كلمتي غضبه، فقام فدخل، فأرسل إلىَّ فقال: ما الذي قلت آنفًا؟ قلت: ائذن لي أضرب عنقه. [فقال:] أكنت فاعلاً لو أمرتك؟ قلت: نعم، قال: لا والله، ما كانت لبشرٍ بعد محمد ﷺ .
стр. 20
فهذا الكلام من أبي بكر ﵁ يدل على أن النبي ﷺ له أن يقتل من تغيظ عليه، بخلاف غيره من البشر، ولا شك أن سبه يغيظه.
وروى سيف وغيره أن المهاجر بن أبي أمية ـ وكان أميرًا على اليمامة أو نواحيها ـ رفعت إليه امرأتان غنت إحداهما باسم النبي ﷺ فقطع يدها ونزع ثناياها، وغنت الأخرى بهجاء المسلمين فقطع يدها ونزع ثنيتها/، فكتب إليه أبو بكر: بلغني الذي سرت به في المرأة التي تغنت وزمرت باسم النبي ﷺ ، فلولا ما قد سبقتني فيها لأمرتك بقلتها، لأن حد الأنبياء ليس يشبه الحدود، فمن تعاطى ذلك من مسلم فهو مرتد، أو معاهد فهو محارب غادر.
стр. 21
فإن قيل: لِمَ لا كتب إليه أبو بكر بقتلها؟ قلنا: لعلها أسلمت، أو لأن المهاجر حدها باجتهاده فلم ير أبو بكر أن يجمع بين حدين.
وعن عمر ﵁ أنه أتى برجل سب النبي ﷺ فقلته، ثم قال عمر: من سب الله أو سب أحدًا من الأنبياء فقاتلوه.
وعن ابن عباس قال: أيما مسلم سب الله أو سب أحدًا من الأنبياء فقد كذب برسول الله ﷺ ، وهي ردة، يستتاب فإن رجع وإلا قتل، وأيما معاهد عاند فسب الله أو سب أحدًا من الأنبياء أو جهر به فقد نقض العهد فاقتلوه.
وعن خليد أن رجلاً سب عمر بن عبد العزيز فكتب عمر: أنه لا يقتل إلا من سب رسول الله ﷺ .
стр. 22
والإكثار من ذلك لا حاجة إليه مع العلم بقيام الإجماع عليه.
وهكذا ورد عن الشافعي ﵁ أنه سئل عمن هزل بشيء من آيات الله تعالى، فقال: هو كافر، واستدل بقوله تعالى: (قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزءون (٦٥) لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم) [التوبة: ٥٦ ـ ٦٦].
ونقل القاضي عياض عن إبراهيم بن حسين بن خالد الفقيه أنه احتج بقتل خالد بن الوليد بن نويرة لقوله عن النبي ﷺ : صاحبكم.
стр. 23
قال: وقال ابن القاسم عن مالك ـ في "كتاب ابن سحنون"، و"المبسوط"، و"العتبية"، وحكاه مطرف عن مالك في كتاب ابن حبيب ـ: من سب النبي ﷺ قتل ولم يستتب. وقال ابن القاسم في
стр. 24
"العُتبية": أو شتمه أو عابه أو تنقصه فإنه يقتل، وحكمه عند الأمة القتل كالزنديق. وفي "المبسوط": عن عثمان بن كنانة: من شتم النبي ﷺ من المسلمين قتل أو صلب حيًا/ ولم يستتب، والإمام مخير في صلبه حيًا أو قتله. ومن رواية أبي مصعب وابن أبي أويس: سمعنا مالكًا يقول: منسب رسول الله ﷺ أو شتمه أو عابه أو تنقصه قتل مسلمًا كان أو كافرًا ولا يستتاب. وفي "كتاب محمد": أخبرنا أصحاب مالك أنه قال: من سب النبي ﷺ أو غيره من النبيين من مسلم أو كافر قتل ولم يستتب. وقال
стр. 25
أصبغ: يقتل على حال أسر ذلك أو أظهره، ولا يستتاب، لأن توبته لا تعرف. وقال عبد الله بن عبد الحكم: من سب النبي ﷺ من مسلم أو كافر قتل ولم يستتب. وحكى الطبري مثله عن أشهب عن مالك. وروى ابن وهب عن مالك: من قال: إن رداء النبي ﷺ ويروى: زر النبي ﷺ وسخ، أراد به عيبه، قتل.
قال القاضي عياض: وقال بعض علمائنا: أجمع العلماء على أن من دعا على نبي من الأنبياء بالويل أو بشيء من المكروه أنه يقتل بلا استتابة، وأفتى أبو الحسن القابسي فيمن قال في النبي ﷺ ، يتيم أبي طالب،
стр. 26
بالقتل. وأفتى فقهاء الأندلس بقتل [ابن] حاتم المتفقه الطليطلي وصلبه باستخفافه بحق النبي ﷺ وتسميته إياه أثناء مناظرته باليتيم، وزعمه أن زهده لم يكن قصدًا، ولو قدر على الطيبات أكلها.
وقال حبيب بن ربيع القروي: مذهب مالك وأصحابه أن من قال فيه ﵇ ما فيه نقص قتل دون استتابة.
وقال ابن عتاب: الكتاب والسنة موجبان أن من قصد النبي ﷺ بأذى أو نقص معرضًا أو مصرحًا وإن قل فقلته واجب.
قال القاضي عياض: وكذلك أقول حكم من غمصه أو عيره برعاية الغنم أو السهو أو النسيان أو السحر، أو ما أصابه من جرح أو أصاب
стр. 27
بعض جيوشه، أو شدة من زمنه أو عدوه، أو بالميل إلى نسائه، فحكم هذا كله لمن قصد به: القتل./
وقال أحمد بن حنبل في رواية عبد الله: من شتم النبي قُتل، وذلك أنه شتم فقد ارتد عن الإسلام، ولا يشتم مسلم النبي ﷺ .
وقال في رواية حنبل: كل من شتم النبي ﷺ أو تنقصه مسلمًا كان أو كافرًا فعليه القتل، وأرى أن يُقتل ولا يستتاب.
وقال في رواية أخرى: من شتم النبي ﷺ مسلمًا كان أو كافرًا يُقتل.
وقال عبد الله بن أحمد: سألت أبي عمن شتم النبي ﷺ : يُستتاب؟ قال: قد وجب عليه القتل ولا يستتاب؛ خالد بن الوليد قتل رجلاً شتم النبي ﷺ ولم يستتبه.
وهكذا قال أصحاب أحمد: إن من سب الله كفر سواء أكان مازحًا أم جادًا للآية التي استدل بها الشافعي.
стр. 28
وقال أبو يعلى من الحنابلة: من سب الله أو سب رسوله فإنه يكفر سواء استحل سبه أم لم يستحله، فإن قال: لم أستحل ذلك لم يقبل منه في ظاهر الحكم، رواية واحدة، وكان مرتدا. قال: وليس كالقاتل والشارب والسارق إذا قال: أنا غير مستحل، حيث يصدق، لأن له غرضا في فعل هذه الأشياء مع التحريم، وهو اللذة. قال: وإذا حكمنا بكفره فإنما نحكم به في الظاهر، فأما في الباطن فإن كان صادقًا فيما قال فهو مسلم كما في الزنديق.
وذكر أبو يعلي عن بعض الفقهاء: إن كان مستحيلاً كفر، وإن لم يكن مستحيلاً فسق ولم يكفر كساب الصحابة.
стр. 29
وهذا نظير ما يُحكى أن بعض الفقهاء من أهل العراق أفتى هارون الرشيد فيمن سب النبي ﷺ أن يجلدا، حتى أنكر ذلك مالك ﵁ ورد هذه الفتيا.
وهذا نظير ما حكاه ابن حزم، وقد ذكر القاضي عياض بعد أن رد هذه الحكاية عن بعض فقهاء العراق والخلاف الذي أشار إليه ابن حزم بما نقله من الإجماع عن غير واحد، وحمل الحكاية على أن أولئك لم يكونوا ممن شهر بالعلم، أو لم يكونوا ممن يوثق بفتواه لميل الهوى به، أو أن الفتيا كانت في كلمة اختلف/ في كونها سبًا أو كانت فيمن تاب.
وما حكي عن بعض الفقهاء من أنه إذا لم يستحل لا يكفر: زلة عظيمة وخطأ صريح لا يثبت عن أحد من العلماء المعتبرين، ولا يقوم عليه دليل صحيح.
стр. 30
وأما الدليل: فالكتاب والسنة والإجماع والقياس.
أما الكتاب: فقوله تعالى: (إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والأخرة وأعد لهم عذابًا مهينًا) [الأحزاب: ٥٧].
وقوله تعالى: (والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم) [التوبة: ٦١].
وقال تعالى: (ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا) [الأحزاب: ٦١].
فهذه الآيات كلها تدل على كفره وقتله.
والأذى هو: الشر الخفيف، فإن زاد كان ضررًا، كذا قال الخطابي وغيره، ويدل له قول الله تعالى فيما حكى عنه نبيه: "يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني" مع إثباته الأذى في هذه الآيات، وفي ذلك تعظيم لقدر النبي ﷺ أن نيله بشيء يسير من الشر كفر، والضرر في حق الله تعالى محال، والأذى في حقه وحق رسوله كفر، لأن العذاب المهين إنما يكون للكفار، وكذلك القطع بالعذاب في الدنيا والأخرة إنما يكون للكفار، وكذا العذاب الأليم.
وكذلك قوله بعد ذلك: (ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله ...) [التوبة: ٦٣]، الآية، فإنه مع الآية قبله يدل على أن الأذى محادة، وقد قال تعالى: (إن الذين يحادون الله ورسوله كبتوا) [المجادلة: ٥]، وقوله: (أولئك في
стр. 31
الأذلين (٢٠) كتب الله لأغلبن أنا ورسلي) [المجادلة: ٢٠ - ٢١]، وقوله: (ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا (٥٢)) [النساء: ٥٢].
وإذا علم هذا فنركب دليلاً، وهو: أن الساب مؤذٍ، والمؤذي محاد، والمحاد مكبوت أذل مغلوب، ومن كان كذلك لا يكون منصورًا، فلو لم يجز قتله لوجب على المسلمين نصرته، وقد ثبت بطلانه.
وأيضًا نقول: الساب مؤذ، والمؤذي كافر بالآيات الأول، وغير ذلك من وجوه تركيب الاستدلال.
وأما السنة: فقول النبي ﷺ في الحديث الثابت في "الصحيحين" لما خطب في قضية الإفك واستعذر من عبد الله بن أبي بن سلول فقال: "من يعذرني من رجل بلغني/ أذاه في أهلي"، فقال سعد بن معاذ سيد الأوس: أنا يا رسول الله أعذرك منه، إن كان من الأوس ضربت عنقه، وإن كان من إخواننا الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك.
فقول سعد بن معاذ هذا دليل على أن قتل مؤذيه كان معلوما عندهم، وأقره النبي ﷺ ولم ينكره ولا قال له إنه لا يجوز قتله، والمستعذر منه ابن أبي، وكان ظاهره الإسلام، ولم يكن قصد سعد قتله لنفاق، وإنما كان لأذاه لرسول الله ﷺ .
فإن قلت: قد كان من جملة من خاض في الإفك مسطح وجماعة من خيار المسلمين ممن يقطع بأنهم لا يحكم عليهم بكفر ولا قتل، ولو كان ما استدللت به على ظاهره لوجب إجراء ذلك عليهم، ولكان سب أزواج النبي ﷺ موجبًا للكفر أو للقتل.
стр. 32
قلت: الأذى على قسمين: أذى مقصود، وأذى غير مقصود، فمسطح وحمنة وحسان لم يكن مقصودهم أذى النبي ﷺ ، فلذلك لا يجري عليهم كفر ولا قتل، وأما ابن أبي فكان مقصوده بالأذى النبي ﷺ ، فلذلك يستحق القتل، ولكن الحق للنبي ﷺ ، فله تركه.
وهذه القاعدة واعتبار القصد فيما يحصل به الأذى مما يجب التنبيه له، فإن الشخص قد يفعل فعلاً أو يقول قولاً فيحصل لآخر منه أذى لا يكون ذلك الفاعل أو القائل قصد أذاه ألبتة، وإنما قصد أمرًا آخر ولم يحضر عنده أن ذلك يستلزم الأذى لذلك الشخص ولا كان لزومه له بينا، فهذا لا يترتب عليه حكم الإيذاء.
وهذا قد وقع لجماعة من جفاة الأعراب ومن لم يتأمل مواقع الكلام، فلم يؤاخذهم النبي ﷺ ، وحال مسطح ورفقته يحتمل أن يكون من هذا الضرب، ويحتمل أنه قبل أن يتبين لهم أنها زوجته في الدنيا والأخرة وأن زوجات الأنبياء تجب براءتهن، وجوزوا أنه سيفارقها.
стр. 33
ومما يدلك على هذا قوله تعالى في شأن الذين قعدوا في وليمة زينب: (يا أيها الذين أمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا ولا مستأنسين لحديث إن ذالكم كان يؤذي النبي ..) [الأحزاب: ٥٣]، فهؤلاء من خيار الصحابة لم يقصدوا الأذى، فلذلك لم يترتب عليه حكمه، وأما/ عبد الله بن أبي فيما حمله على ذلك إلى نفاقه وبغضه للنبي ﷺ وقصده الإيذاء، فلذلك كان يستحق القتل، إلا أن النبي ﷺ حلم عليه.
ولهذا قال جماعة من المفسرين: إن قولك تعالى: (إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والأخرة) [النور: ٢٣] خاصة بأزواج النبي ﷺ خاصة، وليس فيها توبة لما في قذفهن من الطعن على رسول الله ﷺ ، بخلاف قذف غيرهن حيث استثنى منه الذين تابوا، وإن كان المختار خلاف هذا القول، وأن الآية التي في أول السورة لبيان الأحكام الدنيوية، وهذه لبيان الأحكام الأخروية، وكلاهما يسقط بالتوبة، وقد أطلنا في هذا الدليل.
ومن السنة أيضًا حديث عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وهو في
стр. 34
"سنن أبو داود" من حديث أسباط بن نصر عن السُدى عن مصعب بن سعد عن سعد قال: لما كان يوم فتح مكة أمن رسول الله ﷺ الناس إلا أربعة نفر وامرأتين، وسماهم وابن أبي سرح .. فذكر الحديث، قال: وأما ابن أبي سرح فإنه اختبأ عند عثمان بن عفان، فلما دعا رسول الله ﷺ الناس إلى البيعة جاء به حتى أوقفه على رسول الله ﷺ ، فقال: يا نبي الله بايع عبد الله، فرفع رأسه فنظر إليه ثلاثًا، كل ذلك يأبى، فبايعه بعد ثلاث، ثم أقبل على أصحابه فقال: "ما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حين رآني كففت يدي عن بيعته فيقتله؟ "، فقالوا: ما ندري يا رسول الله ما في نفسك، ألا أومأت إلينا بعينك؟ قال: "إنه لا ينبغي لنبي أن تكون خائنة الأعين".
стр. 35
وأخره النسائي أيضًا. وإسماعيل السدي وأسباط بن نصر روى لهما مسلم، وفيهما كلام، لكن الحديث مشهور جدًا عند أهل السير كلهم.
وكان ابن أبي سرح يكتب الوحي لرسول الله ﷺ / ثم ارتد مشركًا وصار إلى قريش بمكة فقال لهم: إني كنت أصرف محمدًا حيث أريد، كان يملي علي: (عزيز حكيم) فأقول: أو (عليم حكيم)، فيقول: نعم كل صواب. فلما كان يوم الفتح أمر رسول الله ﷺ بقلته وقتل عبد الله بن هلال بن خطل، ومقيس بن صبابة، وإن وجدوا تحت أستار الكعبة، وكذلك أمر بقتل الحويرث بن نقيد، وهبار بن الأسود، وابن الزبعري، وعكرمة بن أبي جهل، ووحشي، وقينتي ابن خطل، وهما فرتنا وأرنب، كان يقول الشعر يهجو رسول الله ﷺ ويأمرهما تغنيان به، وسارة
стр. 36
مولاة عمرو بن هاشم، مغنية نواحة بمكة، كانت يُلقى عليها هجاء النبي ﷺ فتغني به، وقتلوا إلا ابن أبي سراح وهبار بن الأسود وابن الزبعرى
стр. 37
وعكرمة ووحشي وفرتنا إحدى القينتين، فأسلموا.
وقيل إن ابن خطل كان قتل أنصاريًا كان رفيقه، وذكر الواقدي أن ابن أبي سرح لما جاء مع عثمان جاء تائبًا، وظاهر حاله يقتضي ذلك.
وهؤلاء الذين أهدر النبي ﷺ دمهم منهم من كان مسلمًا فارتد كابن أبي سرح، وانضاف إلى ردته ما حصل منه في حق النبي ﷺ ، فلذلك أهدر النبي ﷺ دمه، حتى جاء به عثمان واستحيا النبي ﷺ فبايعه، وهو بلا شك دليل على قتل الساب قبل التوبة، أما بعد التوبة فسنتكلم عليه، ونتكلم أيضًا هناك ـ إن شاء الله ـ على قول النبي ﷺ : "أما كان منكم رجل رشيد يقول إلى هذا فيقتله".
ومنهم مقيس بن صبابة، ارتد وقتل نفسًا، ومنهم ابن خطل أيضا،
стр. 38
ارتد وقتل نفسًا، فقتلهما الله، ومنهم عكرمة بن أبي جهل انضاف إلى كفره الأصلي شدة عداوته للنبي ﷺ ، ولا أعلم هل صدر منه سب أو لا، وصار بعد ذلك من سادات المسلمين.
ومنهم من كان كافرًا أصليًا ولكن ما كان إهدار دمه لكفره ولا لشدة عداوة بل بما صدر منه من السب، ألا ترى أن النساء لا يقتلن بالكفر! فلم يكن الأمر بقتلهن إلا للوقيعة، ولم يقتل النبي ﷺ يوم الفتح أحدًا لمجرد الكفر، لكن قيل: إنه أذن لخزاعة أن تنتقم من بني بكر الذين أغاروا عليهم، فقتلوا منهم، ثم حرم النبي ﷺ كله بعد ذلك.
وقيل: إن الأنصار قاتلوا، وللكلام في تحقيق ذلك محل غير هذا، وأما إذنه لخزاعة فروى أبو عبيد في كتاب "الأموال": ثنا عبد الوهاب
стр. 39
- يعني: ابن عطاء ـ عن حسين المعلم: عن عمرو بن شعيب: عن أبيه: عن جده قال: لما فتحت مكة على رسول الله ﷺ قال: "كفوا السلاح إلا خزاعة عن بني بكر فإن لهم حقا"، حتى صلى العصر، ثم قال: "كفوا السلاح"، فلقي رجل من خزاعة رجلاً من بني بكر بالمزدلفة فقتله، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ، فلما كان من الغد قام خطيبا مسنداً ظهره إلى الكعبة، فقال: "إن أعتى الناس على الله من عدا في الحرم، ومن قتل غير قاتله، ومن قتل بذحل الجاهلية".
وأبو عبيد يرى أن مكة فتحت عنوة، والشافعي ﵀ مع قوله: "فتحت صلحا" قال: إن الذين قاتلوا بها بنو نفاثة فأذن في قتلهم، ولا مال لهم ولا سبي لهم بها فيؤخذ، إنما هم قوم من غير أهلها لجؤوا إليها،
стр. 40
ذكر ذلك في "الأم" جوابًا عن قول أبي يوسف: إن السبي لا يجري على أهل مكة، في الجزء السابع عشر من "الأم".
والاستدلال بحديث ابن أبي سرح هذا قوي عند من يرى أن/ استتاببة المرتد واجبة، فإن قتله لو كان للردة لاستتابه على قول هؤلاء، ولم يقع ذلك، وليس بكافر أصلي حتى يقول إن الإمام مخير فيه قبل الإسلام، فلا محمل لقتله إلا السب، وأن الساب يقتل بغير استتابة، أعني: لا نعرض عليه التوبة، أما إذا أنذر فأسلم فسيأتي حكمه.
ومن لا يرى الاستتابة واجبة يقول: إنها سنة، فتترك النبي ﷺ إياها يدل على أن هذا القتل عن السب، وأنه أعظم من قتل الردة، إذ يستتاب في ذلك وجوبًا أو استحبابًا ولا يستتاب في هذا.
ومما يدل على أن جُرْمَ الساب أعظم من جُرْمِ المرتد ما روى البخاري عن أنس قال: كان رجل نصرانيا فأسلم، وكان يكتب للنبي ﷺ ، فعاد نصرانيًا، فكان يقول: ما يدري محمد إلا ما كتبت له، فأماته الله، فدفنوه، فأصبح وقد لفظته الأرض، فقالوا: هذا فِعْلُ محمدٍ وأصحابه نبشوا عن صاحبنا فألقوه، فحفروا له وأعمقوا، فأصبحوا وقد لفظته الأرض، فعملوا أنه ليس من الناس فألقوه.
следующие страницы →