Полный текст (419 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
من علل بالطعن في الدين قال: لا يسقط، ومن علل بحق الآدمي قال: يسقط، ومن علل بالزندقة قال: يسقط في الكافر دون المسلم، ومن علل بأن طبع الكافر يدعو إليه قال: يسقط، لأن سب الله لا يدعو إليه طبع أحد.
هذا كله عند من يرى بالقتل بعد الإسلام، وأما نحن فلم نجسر على قتل مسلم بدون الثلاثة المذكورة في الحديث، ونصبر عليه إلى أن يلقى الله تعالى العالم بسريرته فيفعل به ما شاء.
هذا فيمن حسنت حالة ودلت قرائن الأحوال على صدق سريرته وأن الذي صدر منه كان فلتة، وأما من دلت قرائن حاله على خلاف ذلك من سوء عقيدة وتقاة بكلمة الشهادة فلا أتكلم فيه بشيء إن شاء الله، وأرى أن أتوقف فيه، فإن تقلده حاكم كان حسابه عليه أو أجره له، وأنا أرضى بالسلامة ولا ألقى الله تعالى بدم مسلم ولا بإسقاط حق لله ولرسوله، إلا أن يتبين لي علم بعد ذلك يقتضي الجزم بقتله أو بعدم قتله، فإني كل وقت أترقب زيادة علم، وإنما كان مقصودي بهذا التصنيف قتله ما لم يسلم كافرًا كان أو مسلمًا وإبطال القول بإبقائه إذا كان كافرًا.
ومما ينبه عليه أيضًا أن القتل بالسب ـ وإن قلنا هو حد لله تعالى ـ ينبغي أن يجري في سقوطه بالإسلام ما جرى في حد الزنا، وقد حكي عن
стр. 282
الشافعي أنه قال إذ كان بالعراق: إن الذمي إذا زنا ثم أسلم سقط الحد عنه، وقال أبو ثور: لا يسقط، فينبغي أن يجيء في سقوط القتل بالسب عن الذمي إذا أسلم هذا الخلاف وإن قلنا إنه حد الله تعالى، فإن قلنا هو حق آدمي فالقتل أظهر، أما إذا قلنا يقتل كفرًا فيظهر السقوط بالإسلام.
وقد وقفت على تصنيف لأبي العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية سماه "الصارم المسلول على شاتم الرسول"، استدل على تعين قتله بسبع وعشرين طريقة أطال فيها وأجاد ووسع القول في الاستدلال والآثار وطرق النظر والاستنباط، ومجموع الكتاب مجلد، ولكني لم ينشرح صدري لموافقته على القول بالقتل بعد الإسلام، ولكنه من محال الاجتهاد،/ فإن انشرحت له نفس عالم فلا حرج عليه، ومبنى الاجتهاد والتقليد على انشراح الصدر.
стр. 283
ولقد استحسنت فتيا من الشيخ أبي الفتح محمد بن علي بن وهب القشيري المعروف بابن دقيق العيد رأيتها بخطه، سئل عن تقليد المذاهب هل يجوز وما ضابطه؟ فكتب:
"الضابط عندي شيئان:
أحدهما: أن لا يكون في المسألة التي يريد أن يقلد فيها حديث صحيح يقتضي خلاف مذهب من يقلده.
والثاني: أن ينشرح صدره لذلك ولا يعتقد أنه متساهل في دينه، وإنما اعتبرت هذا لقوله ﷺ : "الإثم ما حاك في نفسك"، فإذالم يكن في المسألة نص وكان الشخص ـ كما ذكرنا ـ منشرح الصدر جاز التقليد لمن شاء، والله أعلم". نقلته من خطه.
وقوله: "أن لا يكون في المسألة نص" يريد به: أو نحوه.
وتحريره: أن لا يكون في المسألة ما ينقض به قضاء القاضي من نص أو إجماع أو قياس جلي، وقد نبه أبو محمد ابن عبد السلام على أن كل ما ينقض قضاء القاضي فيه لا يجوز التقليد فيه، وكذلك غيره، فإنا إذا كنا ننقضه بعد الحكم فقبل الحكم أولى.
стр. 284
وانشراح الصدر لا بد منه ليكون معتقدًا فيعمل بما يعتقده، أما من أقدم على فعل وهو يعلم اختلاف العلماء فيه ولم يعتقد جوازه لا اجتهادًا ولا تقليدًا بل مجرد علمه أن بعض الناس قال بتحريمه وبعضهم قال بتحليله: فالذي أراه أنه آثم، لكونه أقدم مع الشك في حكم الله تعالى، وإن كان قد وقع في كلام الغزالي وغيره ما يقتضي عدم الإثم في ذلك وأنه يصير كالمخير، وإنما يتجه جعله كالمخير ـ على قول ـ إذا انسد عليه باب الترجيح لا بالاجتهاد ولا بالتقليد، فحينئذ قال بعض العلماء بتخييره، أما قبل ذلك وهو يمكنه أن يسأل ليظهر له الراجح فلا، وإذا سأل ودل على الراجح ولكن لم يترجح في نفسه فهذا هو الذي قصدته أولاً وحكيت كلام ابن دقيق العيد فيه.
والذي يتجه فيه أنه لا يقدم عليه أيضًا حتى يترجح في نفسه وينشرح صدره له، للحديث الذي ذكره: "الإثم ما حاك في نفسك .. "./
стр. 285
تذييل ملحق
في شوال المبارك سنة إحدى وخمسين وسبعمئة حين وقع نصراني حصل منه قذف بشع فظيع، وحيل بني المسلمين وبينه فلم يقتلوه، ثم بعد ثلاث عشرة سنة وقع وأخذوه فتلفظ بالشهادتين المعظمتين، فلم ينشرح صدري للحكم بحقن دمه ورأيت قتله، لأن هذه الواقعة ما أظن وقع مثلها، ولا شك أن درجات الشتم والسب والقذف متفاوتة، ودرجات من يصدر منه ذلك في: السهو وسبق اللسان، والغلط الناشئ عن حدة في بعض الأوقات من متحفظ في غالبها، والتعمد الناشئ عن خبث باطن، والجرأة والقحة، وقصد الأذى: متفاوتة، وليس من اللازم إذا حصل اختلاف من العلماء في أدنى الدرجات أو أوسطها أن يحصل في أعلاها، فإذا حصل مثل هذا القذف البشع ممن عرفت جرأته واستهزاؤه يبعد القول بقبول توبته وأنها تسقط ما وجب، لا سيما وحد القذف لا يسقط إلا بالإسقاط، ومن يسقط هذا الحد الناشئ عن لفظ لا يحتمل المسلمون سماعه ولا التفوه بحكايته؟! والحد في مثل هذا إنما هو بالقتل لا بجلد ثمانين.
стр. 286
فرأيت أن آخذ في هذا بما حكاه الفارسي من الإجماع ووافقه القفال واستحسنه إمام الحرمين ـ وناهيك بهم ـ غيره للنبي ﷺ وصيانة لمنصبه العلي:
لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى ... حتى يراق على جوانبه الدم
وإن كان كرم الله ورحمة رسول الله ورأفته تقتضي قبول إسلام هذا الكلب فينفعه في الآخرة، ونحمي حوزة الشرف الرفيع عن بقاء لسان تفوه في حقه بذلك، وقلب خطر ذلك عليه. فقوي عندي أني أحكم بقتله تقربا إلى الله وإلى رسوله، وخفت من جاهل أو ذي ضغن يعترض علي ويقول: المشهور من مذهب الشافعي خلافه، والأستاذ أبو إسحاق يقول بسقوط القتل وغيره، والصيدلاني يقول بسقوط القتل ولكن يجب جلد ثمانين، وعلمي محيط بذلك، ولكني أقول:
إن الأستاذ والصيدلاني قد يكونان لم يطلعا على الإجماع الذي نقله الفارسي، لا سيما والفارسي متقدم، فإن وفاته في سنة خمس وثلاثمئة، ووفاة الأستاذ سنة ثماني عشرة وأربعمئة، والصيدلاني إما في وقت الأستاذ وإما بعده، فنقل الإجماع من الفارسي قبلهما بأكثر من مئة سنة، فلا يسمع خلافهما حتى يبينا خلافًا متقدمًا.
ولو فرضنا أنه لا إجماع وأنها من محال النظر فالنظر يقتضي القتل، لأن حد القذف لا يسقط بالإسلام والتوبة، ولا يسقط إلا بإبراء صاحبه أو وراثه، وإبراء صاحبه هنا متعذر.
стр. 287
ونحن أيها المسلمون وإن قمنا مقام علمائه فلا نرى إسقاط حق نبينا من ذلك، والإرث متعذر لأن الأنبياء إنما ورثوا العلم، ولو فرضنا أن هذا الحق يورث عنهم فبنو عمه منتشرون غير منحصرين، ولا يعرف الأقرب منهم الذي يصح الإبراء منه.
وحد القذف في هذا إنما هو القتل، بدليل الإجماع على أنه الواجب قبل الإسلام، وإعلاء لقدر النبي ﷺ أن يكون التجري عليه كالتجري على غيره.
وهذا الذي رأيته في هذه الواقعة الخاصة لا أطرده في كل صورة، لما أشرت إليه هنا من تفاوت الدرجات.
وقد أشرت في أثناء الفصل المتقدم إلى هذا التفصيل، وذكرت ما يدل على عدم اعتماده هناك، ولكني هنا أبديت ما يدل على اعتماده، وهو الأولى، ولا شك أن النوع الواحد قد تختلف أحكام أفراده باختلاف مراتبها، فالفقيه الحاذق يعطي كل فرد حقه من النظر إذا لم يكن ضابط من الشارع يسوي بين أفراد ذلك النوع./
وقد حصل النظر مرات في أنه إذا كان في مسالة قولان في المذهب وأحدهما هو المشهور الراجح هل للحاكم الذي ليس من أهل الاجتهاد أن يحكم بخلافه؟ أو للحاكم الذي من أهل الاجتهاد أن يحكم بخلافه إذا ظهر له مصلحة في الحكم به وإن لم يترجح دليله عنده؟
والذي أراه في الحالة الأولى أنه لا يجوز، وعندي في الحالة الثانية توقف.
стр. 288
وقد روي أن ابن عبد الرحمن بن القاسم حنث في غير اللجاج فأتاه أبوه بكفارة يمين وقال: أفتيتك بقول الليث، وإن عدت أفتيتك بقول مالك!.
وهذا فيه عندي توقف، وهو في الفتيا أسهل منه في الحكم، وعلى كل حال ليس هو مثل مسألتنا، لأنه هو في أمر واحد لا يتصور اختلاف الحكم فيه، وإنما هو اعتماد المصلحة في آحاد الوقائع مع استواء حكم الشرع في جميعها، أما مسألتنا هذه فأنا أمنع استواء الحكم، وأقول: إنه يختلف باختلاف مراتب تلك الآحاد لاختلافها، فجاز أن يكون لكل منها حكم يخصه، ففي بعضها يقوي القتل، وفي بعضها لا يقوي، وفي بعضها يحتمل إجراء الخلاف، وفي بعضها لا يحتمل.
وأما كون المشهور في مذهب الشافعي عدم القتل فهو بحسب ما اشتهر عند المتأخرين، ولم أر من كلام الشافعي تصريحًا بذلك، ونصه على قتل الذمي الساب مطلق لم يستبن فيه إذا أسلم، بخلاف نص مالك وأحمد، فإنهما قالا: إلا إذا أسلم.
стр. 289
ولكني الذي أقوله في المسلم ما قدمته من التفصيل، وأرى للقاضي جواز اجتهاده في آحاد الصور.
هذا رأيي الآن وإن كان فيه مخالفة لما قدمته في أثناء الفصل المتقدم، ولكن على الحاكم التيقظ لتقوى الله تعالى لئلا يداخله هوى أو حظ نفس، فيحترز في شيئين:
أحدهما: المدارك الفقهية والاجتهاد فيما يقتضيه حكم الشرع في تلك الواقعة بخصوصها.
والثاني: تفقد خواطره ونفسه ودسائسها، وتجريد الخواطر الربانية عن الخواطر النفسانية، ويسال الله العصمة والتوفيق.
فلما رأيت ذلك في هذه الواقعة وخفت ـ كما قلت ـ من جاهل أو ذي ضغن: فوضت الأمر إلى حنبلي فيما بيني وبين الله، وهو عند الناس مستقل، فحكم بإراقة دمه، ونفذه المالكي، ثم
стр. 290
الحنفي نفذ حكم المالكي، ثم نفذت أنا تنفيذ الحنفي، ثم قتل الشخص المذكور في يوم الإثنين خامس شوال سنة إحدى وخمسين وسبعمئة.
وسألني سائل: أيما أعظم: هذا أو الشرك بالله؟ قلت: الشرك بالله عظيم، ولكن المشرك يتدين به ويعتقده دينًا، وأما هذا ففيه من الجرأة والقحة على الله ورسوله وأذاه ما ليس في الشرك، فلذلك يجب الإسلام الشرك ولا يجب هذا.
стр. 291
خاتمة
لما حضرنا عند قتل هذا الشخص ورأيت اجتماع الناس حوله وما هو فيه: خفت أن يكون ذلك سببًا لارتداده عن الإسلام، فحصل عندي من ذلك شيء، ثم ارتأيت واستقر رأيي بعد أيام على أني لا ألقى الله بدم مسلم أبدًا، وأن كل من أسلم عصم دمه ويقبل ذلك منه في الظاهر، وأمره في الباطن إلى الله، وذلك لأن النبي ﷺ بالمؤمنين رؤوف رحيم، فإذا ثبت الإيمان لشخص ولو تقدم منه ما عسى أن يتقدم فالنبي ﷺ به رؤوف رحيم بالنص القاطع، ومن رأفته به ورحمته محافظتنا على بقاء إيمانه، وعدم تعريضه للفتن.
ولا شك أن هذا الشخص وأمثاله حديث عهد بالإسلام، فإذا رأى نفسه وقد أسلم إسلامًا صحيحًا قد أحيط به ولم ينجه ذلك: ربما ـ والعياذ بالله ـ جمع في نفسه بغضًا لهذا الدين أو لأهله فيكفر! ولأن يهدي الله بنا رجلاً واحدًا خير لنا من حمر النعم، ونحن نتحقق من النبي ﷺ رغبته في الهداية لجميع الخلق، وأنه لم يكن يجزي بالسيئة السيئة، بل يعفو ويصفح.
стр. 292
ولا سبيل إلى أن نقول: إن إسلام هذا ما صح، فإذا صح وجب دخوله في الرأفة والرحمة، وإن احتمل عدم صحة إسلامه: فإذا دار الأمر بين شفقتنا عليه حتى يهتدي وبين تعريضنا له للكفر وأيها أولى لا شك أن الهداية أولى، فلذلك استقر رأيي وفهمت من نفس الشريعة عدم قتله.
قال لي قائل: يكون شهيدًا؟ قلت: لو وثقنا بطمأنينة قلبه كان جيدًا، ولكن من هو الذي يصبر في ذلك؟! ومن هو الذي ما يسول له الشيطان ويزلزله ويحمله على إساءة الظن فيكفر؟! وأين القوي؟ فالشفقة على خلق الله والرأفة بهم والرحمة تقتضي إبقاء هذا وحمله على الاهتداء وعدم قتله، والله أعلم.
كتبته يوم التاسع والعشرين من شوال سنة إحدى وخمسين وسبعمئة./
стр. 293
الفصل السابع: في أنه هل يستتاب بالإسلام ويدعى إليه
أو يهجم على قتله ابتداء؟
إن قلنا لا يسقط القتل عنه بالإسلام فلا يستتاب، وإن قلنا يسقط فقد ذهب بعض العلماء أيضًا إلى أنه لا يستتاب، ويكون كالأسير الحربي يقتل قبل الاستتابة، فإن أسلم سقط عنه القتل، وهذا وجه في مذهب أحمد على الرواية بسقوط القتل بالإسلام، وقريب منه في مذهب مالك.
وأما أصحابنا فلم يصرحوا بذلك، وقد تقدم عنهم في المسلم أنه يُستتاب، وبحثنا فيه، وأما هنا فترك الاستتابة أقوى، لأن المسلم يظهر منه أنه لا يقدم على ذلك إلا عن شُبْهةٍ أو حَرَج، والكافرُ بخلافه، فالوجه القطع فيه بأنَّ الاستتابة لا تجب، أما استحبابها فلا يبعُدُ القولُ به.
стр. 294
الفصل الثامن: في أنه هل يصح حكم الحاكم بسقوط القتل عنه مع بقائه على الكفر ؟
والجواب: إن كان الحاكم شافعيًا أو مالكيًا أو حنبليًا لم يصح حكمه بذلك، لأنه خلاف مذهبه، وفي هذا الزمان الحكام مقلدون، والسلطان يوليهم على مذاهب معروفة، فكأنه بلسان الحال يقول للشافعي: أذنت لك أن تحكم بمذهب الشافعي، وللمالكي: احكم بمذهب مالك، وللحنفي: احكم بمذهب أبي حنيفة، وللحنبلي: احكم بمذهب أحمد، فلا يجوز لأحدٍ منهم أن يتجاوز مذهبه في الحكم.
ولو فرضنا أن واحدًا منهم ظهر له في مسألة بالدليل خلاف مذهبه، أو قلد غير إمامه فيها: لا يجوز له أن يحكم في تلك المسألة بما اعتقده من اجتهاد أو تقليد، لأنه غير مأذون له فيه، ولا بمذهبه لأنه لا يعتقده وإن كان مأذونًا له فيه.
فطريقه أن يراجع السلطان إن شاء حتى يأذن له أن يحكم بما يعتقده.
وفيه أيضًا خلاف في أن الشافعي هل له أن يولي غير شافعي؟ والتقيد بهذه المذاهب في هذا الزمان بحسب تولية السلطان لا بد منه،/ إلا أن يولي السلطان رجلاً مجتهدًا ويعلم منه ذلك، فيكون إذنًا له أن يحكم بما يراه، وبدون ذلك لا يجوز أن يخرج عن مذهبه.
стр. 295
فإن كان مقلدًا ـ كما هو الغالب في قضاة الزمان ـ فليس له أن يخرج عن مشهور مذهبه الذي عليه الفتوى في ذلك المذهب.
وإن كان مجتهدًا في المذهب فيجوز له أن يخالف ذلك إذا رأى غيره أولى بمذهب الشافعي واقتضت عنده قواعد الشافعي ترجيحه، وكان قاصدًا للحق والدليل لا للهوى، ويكون ذلك غير خارج عن مذهب الشافعي، ولا يفترق الحال عنده بين ذي الجاه وغيره، والسلطان والرعية، فإن حكم الله واحد في الجميع.
فأي حاكم حكم من حكام الزمان من غير الحنفية ببقاء هذا الكافر نقض حكمه وأبطل وحكم بخلافه.
стр. 296
ثم إن كان إقدام الحاكم على ذلك لجهل منه بأن اعتقد أنه مذهب إمامه فتبين له ذلك فيستغفر الله تعالى من تقصيره في السؤال ممن هو أعلم منه، وهو باقٍ على ولايته.
وإن كان إقدامه على ذلك مع علمه بأن مذهب إمامه خلافه وقلد فيه أبا حنيفة لاعتقاده قوة مذهبه فكذلك يبين له أنه لم يكن يجوز له أن يحكم بغير مذهب إمامه وإن اعتقده، ويستغفر الله تعالى من الحكم بذلك، وهو باق على ولايته.
وإن كان إقدامه على ذلك عالمًا بمخالفته لمذهب إمامه أو للمشهور منه، والحامل له على ذلك محاباة ذي جاه أو طمع في شيء من الأمور الدنيوية فقد خان الله تعالى ورسوله والمؤمنين، وانعزل من جميع ما بيده من المناصب الدينية، القضاء وغيره، وفسق ولم تحل ولايته بعد ذلك حتى يتوب إلى الله تعالى وينصلح حاله.
ويخشى عليه في دينه إن كان الحامل له على ذلك التهاون بهذا الحق العظيم، لكنا لا نظن بمسلم الوقوع في ذلك.
وأما إن كان الحاكم الذي حكم بسقوط القتل عنه حنيفًا وقد حكم بذلك مقلدًا لأبي حنيفة ﵁/ فيحتمل أن يقال بنقض حكمه بذلك، لأن الأدلة الدالة على وجوب قتله واضحة جلية، فهي مما ينقض قضاء القاضي بخلافها، ويحتمل أن يتوقف في ذلك لأن الحديث الوارد فيه ليس بذلك القوي، ولا إجماع.
стр. 297
ومحل النظر: في كون مجموع ما ذكرناه من الأدلة واستقراء السير والأقيسة هل تتنزل منزلة الحديث الصحيح الصريح، وفي كون الأقيسة جلية أو لا، والأقرب عندي أنها كذلك حتى ينقض قضاء القاضي الحنفي بخلافها ما لم يقترن به حكم آخر بتنفيذه، فإذ ذاك يمتنع نقضه، لأن جواز نقضه ليس بينا عندنا؛ بل هو في محل الاجتهاد، فإذا قضى به قاض كان كالحكم بالمختلف فيه، فلا ينقض.
هذا كله في حكم الحنفي، أما الشافعي والمالكي والحنبلي فلا ريبة في نقض حكمهم بذلك.
стр. 298
الباب الثالث: في بيان ما هو سب من المسلمين والكفار
وفيه فصلان:
الفصل الأول: في المسلمين.
الفصل الثاني: فيما هو سب من الكافر.
стр. 299
الفصل الأول: في المسلمين
أجمعت الأمة على أن الاستخفاف بالنبي ﷺ أو بأي نبي كان من الأنبياء أو قتله أو قتاله: كفر، سواء أقال فاعل ذلك إنه استحله أم فعله معتقدًا تحريمه، ليس بين العلماء خلاف في ذلك، والذين نقلوا الإجماع فيه وفي تفاصيله أكثر من أن يحصوا.
وممن نقل الإجماع في القتل إسحاق بن راهويه، وممن نقل الإجماع في الاستخفاف ونحوه إما الحرمين وغيره.
وقال القاضي عياض:
اعلم أن جميع من سب النبي ﷺ أو عابه أو ألحق به نقصًا في نفسه أو نسبه أو دينه أو خصلة من خصاله أو عرض به أو شبهه بشيء على طريق السب له أو الإزراء عليه أو التصغير لشأنه أو الغض منه أو العيب له: فهو ساب له، والحكم فيه حكم الساب يقتل، ولا نستثني فصلاً من فصول هذا الباب على هذا المقصد، ولا نمتري فيه تصريحًا كان أو تلويحًا.
وكذلك/ من لعنه أو دعا عليه أو تمنى مضرة له، أو نسب إليه ما لا يليق بمنصبه على طريق الذم، أو عبث في جهته العزيزة بسخف من الكلام
стр. 300
وهجر ومنكر من القول وزور، أو عيرة بشيء مما جرى من البلاء والمحنة عليه، أو غمصه ببعض العوارض البشرية الجائزة والمعهودة لديه، وهذا كله إجماع من العلماء وأئمة الفتوى من لدن الصحابة ﵃ وإلى هلم جرا.
وروى ابن وهب عن مالك: من قال إن رداء النبي ﷺ ويروى: زر النبي ﷺ وسخ أراد بذلك عيبه، قتل.
قال عياض:
وقال بعض علمائنا: أجمع العلماء على أن من دعا على نبي من الأنبياء بالويل أو بشيء من المكروه أنه يقتل بلا استتابة.
وأفتى أبو الحسن القابسي فيمن قال في النبي ﷺ : الجمال يتيم أبي طالب، بالقتل.
وأفتى أبو محمد ابن أبي زيد بقتل رجل سمع قومًا يتذاكرون صفة النبي ﷺ إذ مر بهم رجل قبيح الوجه واللحية فقال: تريدون تعرفون
стр. 301
صفته؟ هي في صفة هذا المار في خلقه ولحيته. قال: يقتل ولا تُقبل توبته، وقد كذب لعنه الله، وليس يخرج من قلب سليم الإيمان.
وقال أحمد بن [أبي] سليمان صاحب سحنون: من قال إن النبي ﷺ كان أسود يقتل.
وقال في رجل قيل له: لا وحق رسول الله، فقال: فعل الله برسول الله كذا وكذا؛ كلامًا قبيحًا، فقيل له: ما تقول يا عدو الله؟! فقال أشد من كلامه الأول، ثم قال: إنما أردت برسول الله العقرب!، فقال ابن أبي سليمان للذي سأله: اشهد عليه وأنا شريكك في قتله وثواب ذلك.
قال حبيب بن الربيع: لأن ادعاءه التأويل في لفظ صراح لا يقبل، لأنه امتهان، وهو غير معزر لرسول الله ﷺ ولا موقر له، فوجب إباحة دمه.
وأفتى أبو عبد الله/ ابن عتاب في عشار قال لرجل: أد واشك إلى النبي، وقال: إن سألت أو جهلت فقد جهل وسأل النبي، [بالقتل].
стр. 302
وأفتى فقهاء الأندلس بقتل ابن حاتم المتفقه الطليطلي وصلبه بما شهد عليه به من استخفافه بحق النبي ﷺ وتسميته إياه أثناء مناظرته باليتيم وختن حيدرة، وزعه أنه زهده لم يكن قصدًا، ولو قدر على الطيبات أكلها، إلى أشباه هذا.
وأفتى فقهاء القيروان وأصحاب سحنون بقتل إبراهيم الفزاري، وكان شاعرًا مفننًا في كثير من العلوم، وكان ممن يحضر مجلس القاضي ابن طالب للمناظرة، فرفعت عليه أمور منكرة من هذا الباب، فأمر بقتله وصلبه، فطعن بالسكين، وصلب منكسًا، ثم أنزل وأحرق بالنار.
стр. 303
وقال القاضي أبو عبد الله ابن المرابط: من قال إن النبي ﷺ هزم يستتاب، فإن تاب وإلا قتل.
وقال حبيب بن ربيع القروي: مذهب مالك وأصحابه أن من قال فيه ﵇ ما فيه نقص قتل دون استتابة.
وقال ابن عتاب: الكتاب والسنة موجبان أن من قصد النبي ﷺ بأذي أو نقص معرضًا أو مصرحًا وإن قل فقتله واجب.
فهذا الباب كله مما عده العلماء سبًا وتنقصًا يجب قتل قائله، لم يختلف في ذلك متقدمهم ولا متأخرهم وإن اختلفوا في حكم قتله كما أشرنا إليه، وكذلك أقول: من غمضه أو عيره برعاية الغنم أو السهو أو
стр. 304
النسيان أو السحر أو ما أصابه من جرح أو هزيمةٍ لبعض جيوشه أو أذى من عدوه أو شدة من زمنه أو بالميل إلى نسائه: فحكم هذا كله ـ لمن قصد به [نقصه]ـ القتل.
هذا كلام القاضي عياض ﵀، وقد تقدم كثير منه، ولكنا أحببنا نجمعه في هذا الباب، فإنه محله. ونصوص الشافعية والحنفية والحنابلة متفقة موافقة على أن ذلك سب وردة موجب للقتل وإن اختلفوا في قبول التوبة منه.
فإن قلت: لا إشكال في هذا إذا كان عن سوءِ عقيدة، أما إذا صدر من مصدق بالله/ ورسله فكيف يستقيم جعله كفرًا؟ ولا سيما عند من يقول: الإيمان: التصديق أو المعرفة، والكفر: الجحود أو الجهل، وهو المشهور، وإنما يستقيم ذلك عند من يجعل الأعمال جزءًا من مسمى الإيمان وبزوالها يزول.
قلت: أورد إمام الحرمين في "الشامل" هذا السؤال من جهة الخوارج، فقال:
"ومما كثر تشغيب الخوارج به أن قالوا: لو كان الإيمان تصديقًا على زعمكم لوجب الحكم بإيمان من يقتل نبيًا أو يستخف به أو يسجد بين يدي وثن! فإن هذه الأعمال لا تضاد المعرفة والعقيدة، فلما أجمعنا على
стр. 305
الحكم بتكفير من صدرت منه هذه الأفعال دل على أن الإيمان لا يرجع إلى تصديق القلب".
قال: "والجواب عن ذلك أن نقول: لسنا ننكر في قضية العقل مجامعة هذه الفواحش للمعرفة على ما قلتم، فإن أفعال الجوارح لا تناقض عقد القلوب، ولكن أجمع المسلمون على أن من بدر منه شيء من ذلك فهو كافر، فعلمنا بالإجماع أن الله تعالى لا يقضي على شيء بشيء مما وصفناه إلا وقد قضى بانتزاع المعرفة منه، والدليل على ذلك أن من قارف معصية فالخوارج لا يسلبونه اسم العارف وإن لم ينعتوه بكونه مؤمنًا، ومن قتل نبيًا أو استخف به فالأمة مجمعة على أنه لا يوصف بكونه عارفًا بالله تعالى، وهذا كإجماعهم على أن من جحد نبوة محمد ﵇ فهو غير عارف بالله، وليس ذلك لمضادة الجهل بالنبوة للمعرفة بالله تعالى، ولكن الله تعالى قضى بانتزاع معرفة من جحد نبوة الأنبياء ولم يؤمن بهم". انتهى كلام الإمام هنا.
وذهب النجار إلى أن الإيمان هو المعرفة بالقلب والإقرار باللسان وإلزام الأركان الخضوع لله تعالى وترك الاستكبار، وزعم أن إبليس ـ لعنه الله ـ إنما كفر باستكباره، وإلا فقد كان عارفًا بقلبه مقرًا بلسانه.
стр. 306
ومذهب الأشعري وأكثر أصحابه أن الإيمان هو التصديق، واختلف/ جوابه في معنى التصديق: هل هو المعرفة أو هو قول النفس على تحقيق ومن ضرورته المعرفة؛ وهو الذي ارتضاه القاضي ابن الباقلاني؟.
ومذهب السلف أن الإيمان معرفة بالجنان، وإقرار باللسان، وعمل بالأركان، وأنه يزيد وينقص، وأنه لا ينتفي بانتفاء الأعمال، ومذهب السلف في هذا هو الحق، ولتقريره مكان غير هذا.
стр. 307
............................
стр. 308
وما ذكره الإمام في جواب السؤال من القضاء بانتفاء المعرفة قد يتوقف فيه! فإنا إذا فرضنا المعرفة موجودة حسًا كيف نقضي بانتفائها؟ فإن قال: "المراد انتفاؤها شرعًا" عاد إلى تفسير الإيمان بمعنى شرعي، ويحتاج إلى بيانه.
والحاصل أن التصديق لا بد أن يقترب به أمر آخر حال في القلب وعمل له، وهو: تعظيم الرسول وإجلاله وتوقيره ومحبته والطمأنينة لقبول الأوامر والنواهي والانقياد بالقلب لذلك، فمن استكبر أو استخف أو استهان فقد ضاد ذلك، فانتفى التصديق لوجود ضد أثره وإن كانت صورة التصديق موجودة، لكن لما لم يترتب عليها أثرها ووجد المعارض لعملها صارت كالمعدومة.
فالكفر كفران: كفر للجهل والجحود، وكفر مع المعرفة والتصديق ووجود ما يعارضهما ويضادهما، مثل كفر اليهود وإبليس، وإذا نفينا المعرفة والتصديق في مثل هذا فالمراد: المعتد به من ذلك.
وكفر الساب الذي يزعم أنه مصدق عارف من هذا القبيل، فلا شك في كفره واستحل أو لم يستحل، جهل أو عرف، ومن توقف من الفقهاء
стр. 309
فيما إذا لم يستحل فقد خفي عليه مأخذ التكفير وأن الاستخفاف يضاد التوقير الذي هو شرط الإيمان.
ولذلك ضرب عمر ﵁ رقبة الذي لم يرض بحكم رسول الله ﷺ ، وإنما لم يقتل النبي ﷺ الذي قال له: "أن كان ابن عمتك" وأضرابه من الأعراب لما قدمناه من المعاني التي ترك لأجلها قتل المنافقين.
وما روي من أن الذي قال: "أن كان ابن عمتك" كان من البدريين إن صح فيحمل أنه كان بعد ذلك وأن/ الواقعة كانت قبل بدر، فإن من
стр. 310
شهد بدرًا مغفور لهم، ومثل هذا كفر لا يغفر، اللهم إلا أن يقال: معنى المغفرة له أن يختم له بالإسلام فيغفر له.
واعلم أن الألفاظ الموجبة للكفر منها ما هو سب يختلف العلماء في قبول التوبة منه، ومنها ما هو ردة محضة ليس بسب، تقبل التوبة منه ما لم يكن زنديقًا يستر به، فيختلفون في قبول توبته أيضًا، والمرجع فيما يسمى سبًا وما لا يسمى سبًا إلى العرف. وما دل عليه كلام العلماء الذي حكيناه يستدل به على ما يشبهه.
فرع: [في سب أم النبي ﷺ ]:
من قذف أم النبي ﷺ فهو ساب، لأنه طاعن في نسبه، نص الحنابله على ذلك واتفقوا عليه، وغيرهم لا يخالفهم فيه، ولو سبها بغير القذف فقد أطلق بعض الحنابلة أن من سب أم النبي ﷺ يقتل مسلمًا كان أو كافرًا. قال ابن تيمية: وينبغي أن يكون مرادهم بالسب هنا القذف، كما
стр. 311
صرح به الجمهور، لما فيه من سب النبي ﷺ .
فرع: [في سب عائشة ﵂]:
قال مالك: من سب عائشة قُتل. قيل له: لم؟ قال: من رماها فقد خالف القرآن. وقال ابن شعبان عنه: لأن الله تعالى يقول: (يعظم الله أن تعودوا لمثله أبدًا إن كنتم مؤمنين) [النور: ١٧]، فمن عاد لمثله فقد كفر.
وحكى أبو الحسن الصقلي أن أبا بكر ابن الطيب قال: إن الله تعالى إذا ذكر في القرآن ما نسبه إليه المشركون سبح نفسه، كقوله: (وقالوا اتخذ الله ولدًا سبحانه) [البقرة: ١١٦]، وذكر تعالى ما نسبه المنافقون إلى عائشة فقال: (ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانه) [النور: ١٦]، سبح نفسه في تنزيهها من السوء. وهذا يشهد لقول مالك، ومعنى هذا أن الله لما عظم سبها وكان سبها سبا لنبيه، وقرن سب نبيه وأذاه بأذاه تعالى، وكان حكم مؤذيه تعالى القتل؛ كان مؤذي نبيه كذلك.
стр. 312
وذكر أبو يعلى من الحنابلة، وقال ابن تيمية إنه حكى الإجماع فيه غير واحد.
فرع: [في سب أزواج النبي ﷺ غير عائشة]:
أما غير عائشة من أزواج النبي ﷺ فحكى القاضي عياض فيمن سبها قولين، أحدهما: يقتل، لأنه سب النبي ﷺ بسب حليلته، والآخر: أنها كسائر الصحابة يجلد حد المفتري. قال: وبالقول الأول أقول.
وقيل إنه ورد معنى ذلك عن ابن عباس، لأن فيه عارًا وغضاضة على النبي ﷺ .
وقال أبو بكر ابن زياد النيسابوري: سمعت القاسم بن محمد يقول لإسماعيل بن إسحاق وأتي المأمون .....................
стр. 313
بالرقة برجلين شتم أحدهما فاطمة والآخر عائشة، فأمر بقتل الذي شتم فاطمة وترك الآخر الذي شتم عائشة، فقال إسماعيل: ما حكمهما إلا أن يقتلا، الذي شتم عائشة رد القرآن. وعلى هذا مضت سيرة أهل الفقه والعلم من أهل البيت وغيرهم.
وقال أبو السائب: كنت يومًا بحضرة الحسن بن زيد الداعي بطبرستان، وكان يلبس الصوف, ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويوجه في كل سنة بعشرين ألف دينار إلى مدينة السلام تفرق على أولاد
стр. 314
الصحابة، فكان بحضرته رجل ذكر عائشة بقبيح من الفاحشة، فقال: يا غلام! اضرب عنقه، فقال له العلويون: هذا رجل من شعيتنا! فقال: معاذ الله! هذا رجل طعن على النبي ﷺ ، قال الله تعالى: (الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات أولئك مبرءون مما يقولون) [النور: ٢٦]، فإن كانت عائشة خبيثة فالنبي ﷺ خبيث! هو كافر فاضربوا عنقه. فضربوا عنقه وأنا حاضر. رواه اللالكائي.
وعن محمد بن زيد أخي الحسن بن زيد أنه قدم عليه رجل من العراق، فذكر عائشة بسوء، فقام إليه بعمود فضرب به دماغه فقتله.
فرع: [في سب سائر الصحابة ﵃]:
أما سائر الصحابة فمن سبهم جلد باتفاق العلماء.
стр. 315
قال أحمد: القتل/ أجبن عنه، ولكن أضربه ضربًا نكالاً.
ولأصحاب الشافعي خلاف في تكفير الرافضة الذين يسبون أبا بكر وعمر.
وروى أبو مصعب عن مالك أنه من سب من انتسب إلى بيت النبي ﷺ يضرب ضربًا وجيعًا ويشهر ويحبس طويلاً حتى تظهر توبته، لأنه استخفاف بحق الرسول.
وأفتى أبو المطرف الشعبي فقيه مالقة في رجل أنكر تحليف امرأة بالليل وقال: لو كانت بنت أبي بكر الصديق ما حلفت إلا بالنهار. وصوب قوله بعض المتسمين بالفقه، فقال أبو المطرف: ذكر هذا لابنة أبي بكر في مثل هذا يوجب عليه الضرب الشديد والسجن الطويل، والفقيه الذي صوب
стр. 316
قوله هو أخص باسم الفسق من اسم الفقه، فيتقدم إليه في ذلك ويزجر ولا تقبل فتواه ولا شهادته، وهي جرحة ثابتة فيه، ويبغض في الله.
ولا يجوز للسلطان أن يعفو عن أحد وقع في أحد من الصحابة، بل يعاقبه ويستتيبه، فإن تاب قبل منه، وإن لم يتب أعاد عليه العقوبة وخلد عليه الحبس حتى يموت أو يرجع.
وأتى عمر بن عبد العزيز برجل سب عثمان، فقال: ما حملك على أن سببته؟ قال: أبغضه، قال: وإن أبغضت رجلاً سببته؟!، فأمر به فجلد ثلاثين سوطًا. وضرب إنسانًا شتم معاوية أسواطًا.
وقال ابن المنذر: لا أعلم أحدًا يوجب القتل عن سب من بعد النبي ﷺ .
وهذا الإطلاق في كلام ابن المنذر يشمل عائشة وغيرها، فلينظر فيه، فإن كان الكلامان صحيحين فالجواب أن ذلك لأجل النبي ﷺ .
وقال أبو يعلي الحنبلي: الذي عليه الفقهاء في سب الصحابة إن كان مستحلا لذلك كفر، وإن لم يكن مستحلا فسق ولم يكفر. قال: وقد قطع
стр. 317
طائفة من الفقهاء من أهل الكوفة وغيرهم بقتل من سب الصحابة وكفر الرافضة.
وقال محمد بن يوسف الفريابي وسئل عمن شتم أبا بكر قال: كافر. قيل: تصلي عليه؟ قال: لا.
وممن كفر الرافضة أحمد بن/ يونس، وأبو بكر ابن هانئ، وقالا: لا تؤكل ذبائحهم لأنهم مرتدون.
وكذا قال عبد الله بن إدريس أحد أئمة الكوفة: ليس لرافضي شفعة، لأنه لا شفعة إلا لمسلم.
стр. 318
وقال أحمد في رواية أبي طالب: شتم عثمان زندقة.
وأجمع القائلون بعدم تكفير الذين يسبون الصحابة أنهم فساق.
ومن محاسن مالك ﵀ أنه استنبط أنه لا حق لهم في الفيء من قوله تعالى: (والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذي سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين أمنوا ربنا إنك رءوف رحيم) [الحشر: ١٠].
стр. 319
وممن قال بوجوب القتل على من سب أبا بكر وعمر: عبد الرحمن بن أبزي الصحابي.
وروي أن عبيد الله بن عمر وقع بينه وبين المقداد كلام، فشتم عبيد الله المقداد، فقال عمر: علي بالجلاد، أقطع لسانه لا يجترئ أحد بعده يشتم أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ ، فهم عمر بقطع لسانه، فكلمه فيه أصحاب محمد ﷺ فقال: ذروني أقطع لسان ابني حتى لا يجترئ أحد من بعدي يسب أحدًا من أصحاب محمد ﷺ . ولعله إنما ترك ذلك لأجل شفاعة الصحابة، ولعل المقداد عفا.
стр. 320
أما من ادعى في علي الإلهية ونحوه فلا شك في كفره.
فرع: من كذب على النبي ﷺ :
اختلف العلماء في كفره ووجوب قتله وقبول توبته، وليس هذا موضع بسط القول في ذلك.
следующие страницы →