← Акыда

Акыда · id 17816

السيف المسلول على من سب الرسول

تقي الدين السبكي

Полный текст (419 стр.). Показаны 386–419 · переход к 391.

стр. 386

قال: فرجعت إلى ربي فقلت: يا رب خفف عن أمتي، فحط عني خمسًا، فرجعت إلى موسى فقلت: حط عني خمسًا، قال: إن أمتك لا يطيقون ذلك، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، قال: فلم أزل ارجع بين ربي تعالى وموسى حتى قال: يا محمد، هن خمس صلوات في كل يوم وليلة، بكل صلاة عشر، فتلك خمسون صلاة، ومن هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشرًا، ومن هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب شيئًا، فإن عملها كتبت سيئة واحدة. قال: فنزلت حتى انتهيت إلى موسى فأخبرته فقال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فقال رسول الله ﷺ : فقلت: قد رجعت حتى استحييت منه". هذا حديث صحيح متفق عليه، وفي رواية فيه قول كل نبي: مرحبًا بالنبي الصالح والأخ الصالح، إلا آدم وإبراهيم فقالا: الابن الصالح. وفي رواية ابن عباس: "ثم عرج بي حتى ظهرت لمستوى أسمع فيه صريف الأقلام". وفي رواية أبي هريرة: "وقد رأيتني في جماعة من الأنبياء، فجاءت الصلاة فأممتهم، فقال قائل: يا محمد، هذا مالك خازن النار فسلم عليه، فالتفت فبدأني بالسلام".

стр. 387

وفي بداءة مالك له بالسلام مع بدائه هو كغيره لطيفة وإشارة إلى سلامته وسلامة أمته من النار. واختلف السلف في رؤيته ﷺ / لربه في تلك الليلة بعين رأسه، فذهب إلى ذلك ابن عباس وجماعة من الصحابة ومن بعدهم، وأبو الحسن الأشعري، وأحمد بن حنبل، وممن حكي ذلك عنه ابن مسعود، وأبو هريرة، وأبو ذر، والحسن، وقال سعيد بن جبير: لا أقول رآه ولا لم يره، وعند أحمد بن حنبل أنه قال: رآه بقلبه، وجبن عن القول برؤيته في الدنيا بالأبصار. وتابع هؤلاء على التوقف في ذلك طائفة، قال القاضي عياض: "والحق الذي لا امتراء فيه أن رؤيته تعالى في الدنيا جائزة عقلا، ولكن وقوعها من الغيب الذي لا يعلمه إلا من علمه الله، ووجوبه لنبينا والقول بأنه رآه بعينه ليس فيه قاطع ولا نص، إذ المعول فيه على آيتي النجم، والتنازع فيهما مأثور، والاحتمال لهما ممكن، ولا أثر قاطع متواتر عن النبي ﷺ بذلك، فإن ورد حديث نص بين في الباب اعتقد ووجب المصير إليه". قلت: وليس من شرطه أن يكون قاطعًا أو متواترًا، بل متى كان حديث صحيح ولو ظاهرًا وهو من رواية الآحاد جاز أن يعتمد عليه في

стр. 388

ذلك، لأن ذلك ليس من مسائل الاعتقاد التي يشترط فيها القطع، على أنا لسنا مكلفين بذلك والجزم فيه بأحد الطرفين لا علمًا ولا ظنًا. وأما المناجاة وقوله تعالى: "فأوحى إلى عبده ما أوحى (٤٠)) [النجم: ١٠] فقال القاضي عياض: "أكثر المفسرين على أن الموحي الله إلى جبريل، وجبريل إلى محمد، إلا شذوذًا منهم، فذكر عن جعفر الصادق قال: أوحى إليه بلا واسطة، ونحوه عن الواسطي، وإلى هذا ذهب بعض

стр. 389

المتكلمين أن محمدًا كلم ربه في الإسراء، وحكي عن الأشعري، وحكوه عن ابن مسعود وابن عباس، وأنكره آخرون". قلت: وهذا الإنكار غير متجه ولا دليل يعضده، والمختار إنه كلمه بلا واسطة كما حكي عن الأشعري وغيره، فإن ذلك ظاهر المراجعة التي جرت بينه وبين موسى، وغير ذلك مما تضمنه الإسراء. نعم، لا بد أن يكون من وراء حجاب، إما على القول بعدم الرؤية، وإما على القول بالرؤية في غير وقتها، أو في وقتها كما يشاء الله تعالى مع المحافظة على قوله تعالى: (*وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من ورأي حجاب أو يرسل رسولاً فيوحى بإذنه ما يشاء) [الشورى: ٥١]. وأما الدنو والتدلي فعبارة عن نهاية القرب، ولطف المحل، وإيضاح المعرفة، ويستحيل الدنو والتدلي حسًا من الله تعالى.

стр. 390

ومن تفضيله ﷺ في القيامة ما دل عليه قوله: "أنا أول الناس خروجا إذا بعثوا، وخطيبهم إذا وفدوا، ومبشرهم إذا أيسوا، لواء الحمد بيدي، وأنا أكرم لد آدم على ربي ولا فخر". وفي رواية: "وقائدهم إذا وفدوا، وخطيبهم إذا أنصتوا، وشفيعهم إذا حبسوا، ومبشرهم إذا أبلسوا، لواء الكرم بيدي". وفي حديث آخر: "أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وبيدي لواء الحمد ولا فخر، وما من نبي يومئذٍ آدم فمن سواه إلا تحت لوائي، وأنا أول من تنشق عنه الأرض"، "وأول شافع وأول مشفع، وأنا أول من يحرك حلق

стр. 391

الجنة فيفتح لي". هو ﷺ سيدهم في الدنيا والآخرة، وإنما قال: "يوم القيامة" إشارة إلى تفرده بالسؤدد وظهور ذلك الفضل العظيم والمقام المحمود وأنه لا يدنو للشفاعة غيره، كقوله تعالى: (لمن الملك اليوم) [غافر: ١٦]، وحديث الشفاعة مشهور لا يحتاج إلى ذكره، وفيه لطيفه نبه عليها القاضي عياض في عصمة الأنبياء، فإنهم اعتذروا بأشياء وعدوها ذنوبا، وليس منها إلا ما له مخرج، فلو كان شيء غيرها لذكروه، ونحن نوافق القاضي عياض على اختيار أن الأنبياء معصومون من الكبائر والصغائر عمدًا وسهوًا. ومما أكرمه الله به: المحبة والخلة، أما الخلة فقوله: "ولكن صاحبكم خليل الله"، وأما المحبة فمن رواية ابن عباس: "ألا وأنا حبيب الله".

стр. 392

ومما أكرمه الله به: الوسيلة والدرجة الرفيعة، وهي أعلى درجة في الجنة، لا تنبغي لغيره، والكوثر، وهو نهر من الجنة يسيل في حوضه ﷺ . وقد أورد القاضي عياض هنا أنه إذا تقرر من دليل القرآن وصحيح الأثر وإجماع الأمة كونه أكرم البشر وأفضل الأنبياء؛ فما معنى الأحاديث/ الواردة بنهيه عن التفضيل، كقوله: "ما ينبغي لعبد أن يقول أنا خير من يونس بن متى"، وقوله: "لا تفضلوا بين الأنبياء"، وقوله: "لا تخيروني على موسى"، وقوله: "ولا أقول إن أحدًا أفضل من يونس بن متى"، وقوله: "من قال أنا خير من يونس بن متى فقد كذب"، ولما قيل له: يا خير البرية قال: "ذاك إبراهيم". وأجاب بأن للعلماء فيها تأويلات: أحدها: أن نهيه عن التفضيل كان قبل أن يعلم أنه سيد ولد آدم.

стр. 393

قلت: وهذا ضعيف، لأن النهي من رواية أبي هريرة، وهو متأخر، والنبي ﷺ علم فضله على غيره قبل ذلك، ألا ترى إلى حديث الإسراء، فإن فيه جملة تدل على ذلك. الثاني: أنه على طريق التواضع، قال: وهذا لا يسلم عن الاعتراض. الثالث: لا يفضل بينهم تفضيلاً يؤدي إلى تنقيص بعضهم. الرابع: منع التفضيل في حق النبوة والرسالة، فإن الأنبياء فيها على حد واحد، إذ هي شيء واحد لا يتفاضل، وإنما التفاضل في زيادة الأحوال والخصوص والكرامات والرتب والألطاف، أما النبوة نفسها فلا تفاضل فيها، وإنما التفاضل بأمور أخرى، ولذلك منهم أولو العزم، ومنهم من رفع مكانًا عليًا، ومن أوتي الحكم صبيا، ومنهم من كلم الله، ورفع بعضهم درجات.

стр. 394

الخامس: أن يكون (أنا) راجعًا إلى القائل نفسه، أي: لا يظن أحد وإن بلغ من الذكاء والعصمة والطهارة ما بلغ أنه خير من يونس بن متى لأجل ما حكى الله عنه، فإن درجته أفضل وأعلى، وتلك الأشياء لم تحطه عنها حبة خردلة ولا أدنى. وأقول: في قوله: "لا تفضلوا بين الأنبياء" جواب سادس، وهو في ضمن كلام عياض، ولكني أبسطه وأقول: المعنى: لا تفضلوا أنتم وإن كان الله ورسله ـ العالمون بحقائق الأحوال ـ يفضلون، لا التفضيل يحتاج إلى توقيف، ومن فضل بلا علم فقد كذب أو زل، فالنهي للمخاطبين على سبيل التأديب، لما هو الغالب على حالهم من الجهل بمقدار الأنبياء،/ ولا يدخل في ذلك من فضل بعلم أو أخذ التفضيل من الكتاب والسنة. ومن فضائله ﷺ أسماؤه، وقد جاء في "الصحيح" أنه قال: "لي خمسة أسماء ... "، ولم يجعل العلماء ذلك للحصر، بل ذكروا غيرها، فمن أسمائه ﷺ التي ذكروها ـ وقد صنف فيها أبو الخطاب عمر بن حسن

стр. 395

ابن علي بن دحية مجلدين ـ فمنها:

стр. 396

...........................

стр. 397

محمد، وأحمد، والرسول، النبي، الأمي، الأول، الآخر، الأمين، الأتقى، الأعلم بالله، إمام النبيين، أكثر الأنبياء تابعًا، أرحم الناس بالعيال، أرجح الناس عقلاً، الآخذ بالحجزات، أحسن الناس، أجود الناس، أشجع الناس، الأبطحى، بينة من الله، البشير، برهان، بيان، باطن، بليغ، البرقليطس، التقي، التالي، التهامي، ثاني اثنين، الحق، المبين، الحاشر، حامل لواء الحمد، الحليم، حم، حكيم، حميد، حافظ، حجة، حريص، حنيف، حم عسق، حفيظ، حسيب، حمطايا،

стр. 398

حاتم، حامد، خاتم النبيين، الخاتم، الخبير، خليل الله، داعي الله، ذو الوسيلة، ذو المعجزات، الذكر، رؤوف، رحيم، الرسول، رحمة للعالمين، رحمة مهداة، راكب الجمل، الراضي، الرفيع الذكر، الزكي، زين من وافى القيامة، طه، اللسان، المكي، مرغمة، المدني، المقدس، المهيمن، المشفع، المرتل، محمود، المسلم، المرسل، المنير، المتوكل، المبشر، المزمل، المدثر، مشفح، بالشين المعجمة والفاء والحاء المهملة، الماحي، المقفي، مقيم السنة، مطهر، المص، المر، المنحمنا، المأمون، المذكر، المبين، المولى، محلل، محرم، مؤتمن، مهاجر، ماجد، مؤمن، معقب، المنصف،

стр. 399

المكرم، المهدي، المصطفى، المطاع، المنذر، المرفع الدرجات، المعزر، الموقر، المبلغ، النذير، نعمة الله، النور، النبي، نبي الرحمة، نبي الملحمة، النجم الثاقب، النبي الصالح، الصادق، المصدوق، الصفوح، صاحب القضيب، صاحب التاج، صاحب الكوثر، صاحب الهراوة، الصاحب، صاحب المنبر، صاحب الوسيلة، صاحب قولِ لا إلهَ إلا الله، الضحوك، عبد الله،/ العاقب، العظيم، العفو، العروة الوثقى، العفيف، العدل، العربي، العالم، الغالب، الغني، الغيث، الفارقليط، الفجر، الفاتح، الفرط، فضل الله، قثم، القتال، قدم صدق، قاسم، القائم، القرشي، السراج، سيف الله

стр. 400

المسلول، الشاهد، الشهيد، الشفيع، الشافع، الشكور، الهادي، الواعظ، الولي، يس. وكنيته ﷺ المشهورة أبو القاسم، وقد كني أيضًا بأبي الأرامل، وقيل: كنيته أبو القاسم لأنه يقسم الجنة بين الخلق يوم القيامة. فإن قلت: أكثر هذه صفات لا أسماء! قلت: المراد بالأسماء ما يشتمل على النوعين، ألا ترى إلى الأسماء الحسنى وهي مشتملة على الصفات. فإن قلت: من هذه الأسماء ما هو من أسماء الله تعالى! قلت: من أسماء الله تعالى ما يسمى به الخالق والمخلوق، وذلك من باب الاشتراك اللفظي، وليس بينهما قدر مشترك، فكما أن ذاته تعالى لا تشبه الذوات كذلك صفاته لا تشبه الصفات. وتركنا شرح هذه الأسماء اختصارًا، ولأنها لا تخفى.

стр. 401

ومن المعلوم أن (محمدًا) مبالغة في كونه محمودًا واشتماله على صفات الخير، و (أحمد) مبالغة في كونه حامدًا لله تعالى، فلا أحمد لله تعالى منه. ومن معجزاته ﷺ القرآن، وهو أعظم المعجزات، وهو مشتمل على أكثر من سبعين ألف معجزة، لأن النبي ﷺ تحدى بسورة منه، وأقصر السور: (إنا أعطيناك الكوثر)، فكل آية أو آيات منه بعددها معجزة. ثم فيها نفسها معجزات من جهات حسن تأليفه والتئام كلمه، وفصاحته ووجوه إيجازه وبلاغته الخارقة عادة العرب الفصحاء، وصورة نظمه العجيب، والأسلوب الغريب الذي حارت فيه عقولهم، وتدلهت دونه أحلامهم، وما انطوى عليه من الإخبار بالمغيبات، وما أنبأ به من أخبار القرون السالفة، والشرائع القديمة، مما كان لا يعلم منه/ القصة الواحدة إلا الفذ من آحاد أهل الكتاب الذي قطع عمره في تعلم ذلك، فيورده النبي ﷺ على وجهه، ويأتي به على نصه. فهذه أربعة أنواع من الإعجاز في ذلك العدد الكبير، فلا يعلم قدر ما في القرآن من المعجزات إلا الله تعالى، مع بقائه على ممر الدهر يشاهده ويسمعه المتأخرون كما شاهده وسمعه الأولون، لا تنقضي عجائبه، ولا يخلق عن كثرة الرد، وهو متواتر مقطوع به في أقصى درجات التواتر، ما من بلد من البلاد إلا وفيها من شيوخها وكهولها وصبياتها من حملته عدد لا يعلمهم إلا الله، وما فيه مما تحدي به من الأمور الخاصة يعجز عنه المخاطبون، وما يحصل في قلوب سامعيه من الهيبة والروع والخشية، وتيسير حفظه، والأمن من تغييره، ولو شرحنا هذه المعاني كان مجلدات.

стр. 402

ومن معجزاته ﷺ : انشقاق القمر، طلب منه أهل مكة آية، فأراهم القمر فرقتين، فرقة فوق الجبل وفرقة تحته، وحراء بينهما. ومنها: أنه كان يوحى إليه ورأسه في حجر علي حتى غربت الشمس، فقال: أصليت يا علي؟ قال: لا، فقال رسول الله ﷺ : "اللهم إنه كان في طاعتك وطاعة رسولك فاردد عليه الشمس"، قالت أسماء بنت عميس: فرأيتها غربت ثم رأيتها طلعت بعد ما غربت، ووقعت على الجبال والأرض، وذلك بالصهباء في خيبر. رواه الطحاوي وقال القاضي عياض: إن رواته ثقات، وإن أحمد بن صالح المصري [قال]: لا ينبغي لمن سبيله العلم التخلف عن حفظ حديث أسماء، لأنه من علامات النبوة. وقال أبو الخطاب ابن دحية: إنه موضوع. وهو من رواية فضيل بن

стр. 403

مرزوق عن إبراهيم بن الحسن عن فاطمة بنت حسين عن أسماء، وإبراهيم ابن الحسن هذا لا يُعرف، والتخليط من فضيل بن مرزوق. ومنها: نبع الماء من بين أصابعه، وذلك صحيح لا شك فيه. ومنها: تكثير/ القليل ببركته ﷺ ، وذلك في وقائع كثيرة، في عين تبوك، وفي بئر الحديبية، وفي الميضأة، وفي مزادتي المرأة والإداوة، ولما ضرب بقدمه الأرض فخرج الماء. وتكثير الطعام ببركته ودعائه في حديث جابر يوم الخندق، أطعم ألف رجل من أقراص شعير وعناق، وأطعم سبعين أو ثمانين من أقراص جاء

стр. 404

بها أنس تحت إبطه، وصنع أبو أيوب طعامًا يكفي النبي ﷺ وأبا بكر، فأطعم منه مئة وثمانين رجلاً، وأتى بقصعة فيها لحم فتعاقبوها من غدرة حتى الليل، ولما دعا ببقية الأزواد، وحديث أبي هريرة في شرب أهل الصفة، وقرص أم سليم، وغير ذلك من الوقائع الكثيرة المنتشرة. ومنها: كلام الشجر وشهادتها له بالنبوة، وإجابتها دعاءه لما طبها، وحنين الجذع، وتسبيح الحصى في ............................

стр. 405

كفه، وتسليم الأحجار عليه، وقولها له: أنت رسول الله، وتكليم الحيوانات له: الضب، والغزال، والذئب، والجمل، وتسخير الأسد لسفينة مولاه.

стр. 406

ومنها: إحياء الشاة الميتة المسمومة حتى كلمته، وقيل إن الكلام وجد منها من غير حياة، وهذان قولان للمتكلمين هل الحياة شرط لوجود الحروف والأصوات أو لا. ومنها: إبراء المرضى وذوي العاهات، ورد عين قتادة بعد أن وقعت على وجنته، فكانت أحسن ....................................

стр. 407

عينيه، والأعمى الذي توسل به فكشف الله عن بصره، والذي نفث في عينيه فأبصر، فكان يدخل الخيط في الإبرة وهو ابن ثمانين، ورمي كلثوم في نحره فبصق رسول الله ﷺ فيه فبرئ، وتفل على شيجة عبد الله ابن أنيس فلم تمد، وتفل في عيني علي يوم خيبر وكان

стр. 408

رمدًا فأصبح بارئًا، ونفث على ضربة بساق سلمة يوم خيبر فبرئت، ووقائع كثيرة غير هذه. ومنها: إجابة دعائه، وهذا باب واسع لا ينحصر، وكان إذا دعا لرجل أدركت الدعوة ولده وولد ولده. ومنها: انقلاب الأعيان له، وبركته فيما لمسه بيده أو غرسه/ أو ركبه.

стр. 409

ومنها: بركته في درور الشاة والحوائل باللبن الكثير، كشاة أم معبد، وغنم حليمة، وشاة أنس، وغيرها. ومنها: ما اطلع عليه من الغيوب، وهو باب واسع جدًا يحتمل مجلدات.

стр. 410

ومنها: عصمة الله له من الناس وكفايته من آذاه. ومنها: معارفه وعلومه الباهرة. ومنها: أخباره مع الملائكة والجن، وإمداد الله له بالملائكة، وطاعة الجن له. ومنها: إخبار الرهبان والكهان والأحبار وعلماء أهل الكتاب عن بعثه، وصفته، واسمه، وعلاماته، وذكر الخاتم الذي بين كتفيه، وتظليل الغمام له. ومنها: ما ظهر من الآيات عند مولده، وأخبار هواتف الجنان بمكة.

стр. 411

ومنها: حراسة السماء بالشهب، وقطع رصد الشياطين، ومنعهم استراق السمع، وما نشأ عليه من بغض الأصنام، والعفة عن أمور الجاهلية، وما خصه الله به من ذلك، وحماه واختاره في وفاته. واعلم أن معجزاته ﷺ صنف الناس فيها كتبًا مطولة كأبي نعيم والبيهقي وغيرهما، ولم يستوعبوا، ونحن هنا إنما قصدنا الإشارة إلى شيء منها مما يزيد المؤمن محبة واعتقادًا.

стр. 412

الفصل الرابع: فيما يجب على الأنام من حقوقه ﷺ فيجب الإيمان به، والاعتراف بنبوته ورسالته بالقلب واللسان، لا يصح إسلام ولا إيمان إلا بذلك، وأجمع العلماء على أن من وحد الله تعالى ولم يعترف بالرسل فهو كافر غير عارف بالله تعالى، فيجب تصديق النبي ﷺ في جميع ما جاء به بالقلب ونطق اللسان بذلك، واختلف العلماء فيمن لم يتمكن من النطق ولكن آمن بقلبه واخترمته المنية قبل اتساع وقت للشهادة بلسانه، فمنهم من قال: لا يتم الإيمان، ومنهم من قال: يتم ويستوجب الجنة، وهو الصحيح. أما القادر على النطق فلا بد منه، ونقل القاضي عياض خلافًا غريبًا في أنه كافر أو عاصٍ، وهذا غير المحل الذي/ نقلنا فيه الإجماع أولاً،

стр. 413

فإن ذاك فيمن وحد ولم يعترف بالرسل لا بقلبه ولا بلسانه وقد بلغته دعوتهم، فلا شك أنه كافر بالإجماع، وهذا فيمن اعترف بالله ورسله بقلبه ولم يترك التلفظ عن ريب ولا عناد ولكن إهمالاً، والصحيح أنه كافر. وتجب طاعته ﷺ في جميع ما جاء به، واتباعه وامتثال سننه، والاقتداء بهديه، والانقياد لحكمه، والتسليم ظاهرًا وباطنًا حتى لا يكون في القلب حرج من قضائه، وترك مخالفته في قول أو فعل، ومحبته ولزوم سنته، ولا يتجاوزها إلى بدعة، وأن يكون أحب إلينا من أنفسنا، والصادق في حبه من تظهر علامة ذلك عليه، وأولها الاقتداء به، واستعمال سنته، واتباع أقواله وأفعاله، وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، والتأديب بأدبه في عسره ويسره، ومنشطه ومكرهه، وإيثار ما شرعه وحض عليه على هوى نفسه وموافقة شهوته، وإسخاط العباد في رضى الله، فمن اتصف بهذه الصفة فو كامل المحبة، ومن خالفها في بعض هذه الأمور

стр. 414

فهو ناقص المحبة ولا يخرج عن اسمها، ودليله قوله ﵇ للذي حده في الخمر: "إنه يحب الله ورسوله". ومن علامات محبته كثرة ذكره وكثرة شوقه إلى لقائه، وتعظيمه وتوقيره عند ذكرى، وإظهار الخشوع والانكماش مع سماع اسمه، ومحبته لمن أحب، ولمن هو من آل بيته وصحابته من المهاجرين والأنصار، وعداوة من عاداهم، وبغض من أبغضهم وسبهم، فمن أحب شيئًا أحب من يحب: حبيب إلى قلبي حبيب حبيبي ومحبة القرآن الذي أتى به، ومحبة سنته، والوقوف عند حدودها، والزهد في الدنيا، وإيثار الفقر واتصافه به. وحقيقة المحبة: الميل إلى ما يوافق، إما لجمال صورة، وإما لحسن سيرة، وإما لوصول إحسان، والنبي ﷺ جامع لذلك كله، لما عرف من

стр. 415

جمال صورته، وحسن سيرته، ولا أعظم من إحسانه إلينا ومنته علينا لأحدٍ من الخلق. وتجب مناصحته ﷺ ، فالدين النصيحة لله/: بصحة الاعتقاد، والرغبة في محابه، والبعد من مساخطه، والإخلاص في عبادته، والنصيحة لكتابه: بالإيمان به، والعمل بما فيه، وتحسين تلاوته، والتخشع عنده، والتعظيم له، وتفهمه والتفقه فيه، والذب عنه من تأويل الغالين وطعن الملحدين. والنصيحة لرسوله: بالتصديق بنبوته، وبذل الطاعة له فيما أمر به ونهى عنه، ومؤازرته ونصرته وحمايته حيًا وميتًا، وإحيائه سنته بالطلب والذب عنها ونشرها، والتخلق بأخلاقه الكريمة، وآدابه الجميلة، والدعوة إلى

стр. 416

الله وإلى كتابه وإلى رسوله، والعمل بها، وبذلك النفوس والأموال دونه، ومجانبة من رغب عن سنته وبغضه والتحذير منه، والشفقة على أمته، والبحث عن تعرف أخلاقه وسيره وآدابه، والصبر على ذلك. ومما يجب له ﷺ : توقيره وبره، وأن لا يتقدم بين يديه، ولا ترفع الأصوات فوق صوته، وبغض الصوت عنده، ولا نجعل دعاءه كدعاء بعضنا بعضا، وتعزيزه بالمبالغة في تعظيمه ونصرته وإعانته، وعاده الصحابة في ذلك المبالغة، ولو استقصينا ما ورد عنهم في ذلك لطال، وهم وإن بالغوا في ذلك فلم يبلغوا ما هو حقه ﷺ ، وما أحد من البشر يطيق القيام بحقه على التمام، لكن بحسب طاقته. وحرمته ﷺ بعد موته وتوقيره وتعظيمه لازم كما كان في حياته، وذلك عند ذكره وذكر حديثه وسنته، وسماع اسمه وسيرته، ومعاملة آله وعترته. فواجب على كل مؤمن متى ذاكره أو ذكر عنده أن يخضع ويخشع ويتوقر ويسكن من حركته، ويأخذ في هيبته وإجلاله بما كان يأخذ به نفسه لو كان بين يديه، ويتأدب بما أدبنا الله به، وهذه كانت سيرة السلف الصالح والأئمة الماضين ﵃.

стр. 417

وكان صفوان بن سليم إذا ذكر النبي ﷺ بكى، فلا يزال يبكي حتى يقوم الناس عنه ويتركوه. وكان مالك بن أنس لا يحدث بحديث رسول الله ﷺ / إلا وهو على وضوء لإجلاله. وروي أنه كان يغتسل ويتطيب ويلبس ثيابًا جددًا وساجه، ويتعمم ويضع على رأسه رداءه، وتلقى له منصة فيخرج فيجلس عليها وعليه الخشوع، ولا يزال يبخر بالعود حتى يفرغ من حديث رسول الله ﷺ ، ولم يكن يجلس على تلك المنصة إلا إذا حدث عن رسول الله ﷺ . ومن توقيره ﷺ توقير أصحابه والإمساك عما شجر بينهم، وتوقير مشاهده من مكة والمدينة، ومعاهده وما لمسه أو عرف به، وأفتى مالك فيمن قال: "تربة المدينة رديئة" بضرب ثلاثين درة، وأمر بحبسه ـ وكان له قدر ـ وقال: ما أحوجه إلى ضرب عنقه، تربة دفن فيها النبي ﷺ يزعم أنها غير طيبة!

стр. 418

ومما يجب له ﷺ : الصلاة عليه ﷺ ، نقل القاضي عياض الإجماع على وجوبها، واختلفوا: هل تكفي في العمر مرة أو كلما ذكر أو في كل صلاة؟ على ما عرف بين العلماء، وقول الطبري إن محمل الآية على الندب بالإجماع محمول على ما زاد على ذلك، وقد جمعنا ألفاظ الصلاة في كتابنا المسمى: "شفاء السقام في زيارة خير الأنام". ومن حقه ﷺ : زيارة قبره، وقد جمعنا في ذلك الكتاب ما يتعلق بالزيارة وبلوغ السلام للنبي ﷺ وسماعه.

стр. 419

واعلم أن حقوق النبي ﷺ لا تنتهي، وليس هذا الباب مصنفًا لذلك حتى يستوعب كثيرًا منها، وإنما ذكرنا هذه الفصول فيها: نبذ يسيرة من شرفه وحقه، ليكون خاتمة هذا الكتاب ختم الله لنا بخير، فلنقتصر على ذلك، ويكون هذا آخر كلامنا في هذا الكتاب. والله أسال أن ينفع من كتبه أو سمعه أو نظر فيه بمنه وكرمه. فرغت من تصنيفه في يوم الخميس سلخ شعبان المكرم، سنة أربع وثلاثين وسبعمئة، بمنزلي بدرب الطفل من القاهرة. كتبه مصنفه علي بن عبد الكافي بن علي بن تمام بن يوسف بن موسى بن تمام بن حامد بن يحيى السبكي، غفر الله لهم. والحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. حسبنا الله ونعم الوكيل.