Полный текст (419 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
جميعا، خافض الطرف، نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء، جل نظره الملاحظة.
ليس بالطويل البائن ولا بالقصير، وإذا مشى مع طويل طاله، ظاهر الوضاءة، أبلج الوجه، حسن الخلق، لم تبعه ثجلة، ولم تزر به صعلة، وسيم قسيم، في صوته صحل، شديد سواد الشعر، إن صمت فعليه الوقار، وإن تكلم سما وعلاه البهاء، أجمل الناس وأبهاه من بعيد، وأحسنه وأحلاه من قريب، حلو المنطق، فصل لا نزر ولا هذر، كأنه منطقه خرازات نظم [يتحدرن]، لا تشنؤه من طول، ولا تقتحمه عين من قصر، غصن بين غصنين، فهو أنضر الثلاثة
стр. 352
منظرًا، وأحسنهم قدرًا، له رفقاء يحفون به، إذا قال استمعوا لقوله، وإن أمر ابتدروا أمره، محفود محشود، لا عابس ولا مفند.
يسوق أصحابه، يبدر من لقي بالسلام، متواصل الأحزان، دائم الفكر، ليست له راحة، لا يتكلم في غير حاجة، طويل السكت، يفتتح الكلام ويختمه بأشداقه، ويتكلم بجوامع الكلم.
ليس بالجافي ولا المهين، لا يضحك إلا تبسمًا، بين كتفيه خاتم النبوة، وهو خاتم النبيين.
أجود الناس كفًا، وأجرأ الناس صدرًا، وأصدق الناس لهجة، وأوفى الناس بذمة، وألينهم عريكة، وأكرمهم عشرة، من رآه بديهة هابه، ومن خالطه معرفة أحبه.
стр. 353
لم يكن فاحشًا ولا متفحشًا، ولا صخابًا في الأسواق، يعظم/ النعمة وإن دقت، لا يذم منها شيئا، لا يذم ذواقا ولا يمدحه، إن اشتهاه أكله، وإلا تركه، لا تغضبه الدنيا وما كان لها، فإذا تعوطي الحق لم يعرفه أحد، ولم يقم لغضبه شيء حتى ينتصر، لا يغضب لنفسه ولا ينتصر لها، وإنما ينتصر لله.
إذا أشار أشار بكفه كلها، وإذا تعجب قلبها، وإذا تحدث فصل بها، يضرب براحته اليمنى باطن إبهامه اليسرى، وإذا غضب أعرض وأشاح، وإذا فرح غضن طرفه، يفتر عن مثل حب الغمام.
إذا أوى إلى منزله جزأ دخوله ثلاثة أجزاء: جزءاً لله، وجزءًا لأهله، وجزءًا لنسه، ثم جزأ جزءه بينه وبين الناس، فيرد ذلك على العامة بالخاصة، ولا يدخر عنهم شيئًا، فكان من سيرته في جزء الأمة إيثار أهل الفضل بإذنه، وقسمه على قدر فضلهم في الدين، فمنهم ذو الحاجة وذو الحاجتين وذو الحوائج، فيتشاغل بهم ويشغلهم فيما أصلحهم والأمة من مسألته عنهم، وإخبارهم بالذي ينبغي لهم، ويقول: "يبلغ الشاهد
стр. 354
الغائب"، و"أبلغوني حاجة من لا يستطيع إبلاغي حاجته، فإنه من أبلغ سلطانًا حاجة من لا يستطيع إبلاغها إياه ثبت الله قدميه يوم القيامة"، لا يذكر عنده إلا ذلك، ولا يقبل من أحد غيره، يدخلون روادا، ولا يفترقون إلا عن ذواق، ويخرجون أدلة، يخزن لسانه إلا مما يعنيهم، ويؤلفهم، ولا يفرقهم، ولا ينفرهم، يكرم كريم كل قوم ويوليه عليهم، ويحذر الناس ويحترس منهم من غير أن يطوي عن أحد بشره ولا خلقه، يتفقد أصحابه، يسأل الناس عما في الناس، يحسن الحسن ويقويه، ويقبح القبيح ويوهيه، معتدل الأمر غير مختلف، لا يغفل مخافة أن يغفلوا، لكل حال عنده عتاد، لا يقصر عن الحق ولا يجوزه، الذين يلونه من الناس خيارهم، أفضلهم عنده أعمهم نصيحة، وأعظمهم عنده منزلة أحسنهم مواساة ومؤازرة، لا يجلس ولا يقوم إلا على ذكر، لا يوطن الأماكن، وينهى عن/ إيطانها، وإذا انتهى إلى قوم جلس حيث ينتهي به المجلس، ويأمر بذلك، يعطي كل جلسائه نصيبه، ولا يحسب جليسه أن أحدًا أكرم عليه منه، من جالسه أو قاومه في حاجة صابره حتى يكون هو المنصرف،
стр. 355
ومن سأله حاجة لم يرده إلا بها أو بميسور من القول، قد وسع الناس بسطه وخلقه فصار لهم أبًا، وصاروا عنده في الحق سواء، مجلسه مجلس حلم وحياء وصبر وأمانة، لا ترفع فيه الأصوات، ولا تؤبن فيه الحرم، ولا تنثى فلتاته، متعادلين، يتفاضلون فيه بالتقوى، متواضعين، يوقرون فيه الكبير، ويرحمون فيه الصغير، ويؤثرون ذا الحاجة، ويحفظون الغريب.
وكان ﷺ دائم البشر، سهل الخلق، لين الجانب، ليس بفظ ولا غليظ، ولا صخاب ولا فخاش، ولا عابس، ولا عياب ولا مداح، يتغافل عما لا يشتهي، ولا يؤيس منه [راجيه]، ولا يجيب فيه، قد ترك نفسه من ثلاث: المراء، والإكثار، ومما لا يعنيه، وترك الناس من ثلاث: لا يذم أحدًا ولا يعيره، ولا يطلب عورته، ولا يتكلم إلا فيما رجا ثوابه.
إذا تكلم أطرق جلساؤه كأنما على رؤوسهم الطير، وإذا سكت تكلموا، لا يتنازعون عنده الحديث، من تكلم أنصتوا له حتى يفرغ، حديثهم عنده حديث أولهم، يضحك مما يضحكون منه، ويعجب مما
стр. 356
يتعجبون منه، ويصبر للغريب على الجفوة في منطقه ومسألته، حتى إن كان أصحابه ليستجلبونهم، ويقول: "إذا رأيتم طالب حاجة يطلبها فأرفدوه"، ولا يقبل الثناء إلا من مكافئ، ولا يقطع على أحد حديثه حتى يكون هو الذي يقطع بانتهاء أو قيام.
وكان سكوته ﷺ على أربع: على الحلم، والحذر، والتدبر، والتفكر، فأما تدبره ففي تسوية النظر، والاستماع من الناس، وأما تفكره: ففيما يبقى ويفنى، وجمع له الحلم في الصبر، فكان لا يغضبه شيء ولا يستفزه، وجمع له الحذر في أربع: أخذه الحسن ليقتدي به، وتركه القبيح/ لينتهي عنه، واجتهاده الرأي فيما أصلح أمته، والقيام فيما جمع لهم من أمر الدنيا والآخرة.
لا يأخذ أحدًا بقول أحد، ولا يصدق أحدًا على أحد، وكان أوقر الناس في مجلسه، لا يكاد يخرج شيئًا من أطرافه، وكان أكثر جلوسه
стр. 357
محتبيا، وربما تربع، وربما جلس القرفصاء.
لا يتكلم في غير حاجة، ويعرض عمن تكلم بغير جميل، في كلامه ترسل أو ترسيل، يقول ناعته: لم أر قبله ولا بعده مثله ﷺ .
والأحاديث في بسط صفته مشهورة كثيرة، فلا نطول بذكرها.
وقد اتفق الحكماء على أن الصفات التي نقلت في خلقته ﷺ تقتضي أن يكون أعدل الناس مزاجًا، وأكملهم اعتدالاً.
وقال وهب بن منبه: قرآن في أحد وسبعين كتابًا أن النبي ﷺ أرجح الناس عقلاً، وأفضلهم رأيًا. وفي رواية أخرى: فوجدت في جميعها أن
стр. 358
الله تعالى لم يعط جميع الناس من بدء الدنيا إلى انقضائها من العقل في جنب عقله إلا كحبة رمل من بين رمال الدنيا. انتهى.
وهذه نبذة ذكرناها يستدل بها على كمال خلقته صورة ومعنى، وأن بشريته زائدة على من سواه من البشر، مع ما زاده الله على ذلك من خواص النبوة والرسالة، والمعارف الربانية، والأنوار الإلهية.
ومما خصه الله به قوة حواسه، حتى قيل إنه كان يرى في الثريا أحد عشر نجما.
واختلف في ولادته مختونًا، فمن الناس من أنكره، ومنهم من قال: ولد مختونًا مقطوع السرة.
стр. 359
وكانت رائحته وعرقه أطيب من المسك، يضع يد على رأس الصبي فيعرف من بين الصبيان بريحها، ولم يمر في طريق فيتبعه أحد إلا عرف أنه سلكه من طيبه.
وكان إذا أراد أن يتغوط انشقت الأرض فابتلعت غائطه وبوله، وفاحت لذلك رائحة طيبة، وهذا يؤيد قول أبي جعفر الترمذي ـ من
стр. 360
أصحابنا ـ بطهارة فضلاته ﷺ ، وورد حديث مرفوع أن الأرض تبلع ما يخرج من الأنبياء فلا يرى منه شيء، وأنا أختار في هذه المسألة قول أبي جعفر الترمذي بالطهارة وإن كان المشهور عند أصحابنا خلافه،
стр. 361
لحديث التي شربت بوله، وهو صحيح ألزم الدارقطني الشيخين
стр. 362
إخراجه، ولم يأمرها بغسل فمها، فدل على طهارته.
وكان تنام عيناه ولا ينام قلبه، فلا ينتقض وضوؤه بالنوم،
стр. 363
وكذلك الأنبياء، وقيل إنه كان يرى في الظلمة كما يرى في الضوء.
стр. 364
وكان بالمحل الأقصى/ في فصاحة اللسان، وجزالة القول، وصحة المعاني، وقلة التكلف، مخصوصًا ببدائع الحكم، وعلم ألسنة العرب، يخاطب كل أمة بلسانها، قال له أصحابه: ما رأينا أفصح منك، قال: "ما يمنعني وأنزل القرآن بلساني؟ "، وفي رواية: "بيد أني من قريش، ونشأت في بني سعد"، فجمع له بذلك قوة عارضة البادية وجزالتها،
стр. 365
ونصاعة ألفاظ الحاضرة ورونق كلامها، وهذه إحدى الحكم والفوائد في رضاعته ﷺ في البادية.
ومن فوائدها أيضًا تفحيل المولود وتقويته، وقد كان ﷺ أوتي قوة أربعين رجلاً، صارع ركانة فصرعة النبي ﷺ ثلاث مرات في وقت واحد، وكان ركانة من أشد الناس قوة.
ولأجل قوته ﷺ طاف على نسائه في ليلة واحدة، وجمع رسول الله ﷺ بين تسع نسوة مات عنهن، واللاتي دخل بهن غيرهن، واللاتي عقد عليهن ولم يدخل بهن أكثر من ذلك، وفي كثرة تزوجه حكم وفوائد، منها:
стр. 366
- معرفة كماله في طور البشرية كما هو كامل في خصائص الرسالة.
ومنها:
- أنه ﷺ شديد التعلق بجانب الربوبية والملكوت الأعلى، وكل وقت يترقى في ذلك، ومخاطبته للبشر تقتضي ـ لأجل المناسبة ـ التفاتًا إليهم، وفي معاشرة النساء جذب إلى ذلك. ومنها:
- أنه ﷺ كامل في ظاهره وباطنه وجلوته وخلوته، والرجال علموا ذلك ونقلوه في أوقات الجلوة الظاهرة، فأريد كثرة نسائه ليعلمن وينقلن كماله وأحواله في الخلوة الباطنة، وما يحصل فيها من الأحكام. ومنها:
- أن في النسوة من قتل أباها أو أخاها وعادي أهلها، والطباع البشرية تقتضي ميل المرأة إلى أهلها وإطلاعهم على أحوال زوجها، ومع ذلك كانت الواحدة منهن لا تعدل برسول الله أحدًا، حتى طوت أم حبيبة فراش رسول الله لا يجلس عليه أبوها، وهذا إنما يصدر عن اطلاع على كمال عظيم لا يقدر قدره، فسبحان من كمله ظاهرًا وباطنًا ﷺ ./
ومما خصه الله تعالى به شرف نسبه، فلم يزل يتقلب من آدم إلى عبد الله إلى بطن أمه في نكاح صحيح كنكاح الإسلام لم يشبه شيء من سفاح ولا من أنكحة الجاهلية، بل منتقلا الكريمة إلى الأرحام الطاهرة.
стр. 367
وهو أشرف الخلق، فإنه خيار بني هاشم، وبنو هاشم خيار قريش، وقريش خيار كنانة، وكنانة خيار العرب، والعرب خيار بني آدم، وجميع الأنبياء كاملون في أنسابهم وصفاتهم، وإنما بعث الله نبيًا في ذروة قومه.
وأما زهده ﷺ ، واجتهاده في العبادة، وخشيته من الله تعالى وتوكله عليه؛ وصبره ورضاه وشفقته على الخلق، وسائر صفاته القلبية التي ما اطلع الناس إلا على بعضها، وحسن شمائله، وبدائع سيره، وحكم حديثه، وعلمه بما في التوراة والإنجيل والكتب المنزلة وحكم الحكماء وسير الأمم الخالية وأيامها وضرب الأمثال وسياسات الأنام، وتقرير الشرائع، وتأصيل الآداب النفيسة والشيم الحميدة، وفنون العلوم التي اتخذ أهلها كلامه ﵇ قدوة، وإشاراته حجة، كالعبارة والطب
стр. 368
والحساب والفرائض والنسب وغير ذلك: فذلك قد ملأ الدواوين والدفاتر، واستفرغ الأقلام والمحابر، ولم يبلغ الناس منه معشار عشره، على كثرة ما اغترفوه من در بحره، هذا مع كونه ﷺ قبل النبوة ما طالع كتابًا ولا جالس عالمًا، بل نبي أمي لم يعرف بشيء من ذلك حتى شرح الله صدره بالقرآن، وآتاه الوحي والنبوة بقاطع البرهان، وهذا بحر لا ساحل له، فلنقتصر منه على هذا القدر اليسير.
стр. 369
الفصل الثالث: فيما ورد في الأحاديث من تعظيم الله تعالى
وثنائه عليه والآيات والمعجزات الظاهرة على يديه
روى الحاكم في "المستدرك" والبيهقي في "دلائل النبوة" أن آدم ﵇ قال: يا رب أسألك بحق محمد لما غرت لي، فقال الله يا آدم وكيف عرفت محمدًا ولم أخلقه؟ قال: يا رب لأنك لما خلقتني بيدك ونفخت في من روحك رفعت رأسي فرأيت على قوائم العرش مكتوبًا: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، فعلمت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك، فقال الله : صدقت يا آدم، إنه لأحب الخلق إلى، وإذ سألتني بحقه فقد غفرت لك، ولولا محمد ما خلقتك.
قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد: وهو أول حديث ذكرته لعبد الرحمن بن زيد بن أسلم في هذا الكتاب.
стр. 370
.................................
стр. 371
..........................
стр. 372
............................
стр. 373
وفي "المستدرك" أيضًا عن ابن عباس قال: أوحى الله إلى عيسى ﵇: يا عيسى آمن بمحمد ومر من أدركه من أمتك أن يؤمنوا به، فلولا محمد ما خلقت آدم، ولولا محمد ما خلقت الجنة والنار، ولقد خلقت العرش على الماء فاضطرب، فكتبت عليه: لا إله إلا الله [محمد رسول الله] فسكن.
قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
стр. 374
والآثار التي وردت في فضل التسمية بمحمد أكثر من أن تحصى.
وعن النبي ﷺ أنه قيل له: متى وجبت لك النبوة؟ قال: "وآدم بين الروح والجسد" رواه الترمذي في المناقب من حديث أبي سلمة عن أبي هريرة، وقال: حسن غريب.
стр. 375
وعنه ﷺ قال: "أنا أكرم ولد آدم على ربي ولا فخر"، و"أنا أكرم الأولين والآخرين ولا فخر"، و"أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر".
وعنه ﷺ قال: "أتاني جبريل فقال: قلبت مشارق الأرض ومغاربها فلم أر رجلاً أفضل من محمد، ولم أر بني أب أفضل من بني هاشم".
ولما أتي النبي ﷺ بالبراق ليلة أسرى به فاستصعب عليه، فقال له جبريل: بمحمد تفعل هذا؟! فما ركبك أحد أكرم على الله منه، فارفض عرقًا.
وعنه ﷺ قال: قال الله تعالى: "سل يا محمد"، فقلت: "ما أسأل يا رب! اتخذت إبراهيم خليلا، وكلمت موسى تكليما، واصطفيت نوحا، وأعطيت سليمان ملكًا لا ينبغي لأحد من بعده"، فقال الله تعالى:
стр. 376
"أعطيتك خيرًا من ذلك، أعطيتك الكوثر، وجعلت اسمك مع اسمي ينادي به في جوف السماء، وجعلت الأرض طهورًا لك ولأمتك، وغفرت/ لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فأنت تمشي في الناس مغفورًا لك، ولم أصنع ذلك لأحد قبلك، وجعلت قلوب أمتك مصافحها، وخبأت لك شفاعتك ولم أخبئها لنبي غيرك".
وفي حديث آخر: "بشرني ـ يعني ربه ـ أن أول من يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفًا مع كل ألف سبعون ألفًا ليس عليهم حساب، وأعطاني أن لا تجوع أمتي ولا تغلب، وأعطاني النصر والعزة، الرعب يسعى بين يدي أمتي شهرًا، وطيب لي ولأمتي الغنائم، وأحل لنا كثيرًا مما شدد على من كان قبلنا، ولم يجعل علينا في الدين من حرج".
وعنه ﷺ : "ما من نبي من الأنبياء إلا وقد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيت وحيًا أوحى الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة"، معناه: بقاء معجزته ما بقيت الدنيا، ومعجزات الأنبياء ذهبت، ومعجزة القرآن باقية يقف عليها كل من يأتي قرنًا بعد قرن عيانًا لا خيرًا إلى يوم القيامة.
стр. 377
وعنه ﷺ : "إني عبد الله وخاتم النبيين وإن آدم لمنجدل في طينته، ودعوة أبي إبراهيم، وبشارة عيسى ابن مريم".
وعن ابن عباس: "إن الله فضل محمدًا ﷺ على أهل السماء وعلى الأنبياء صلوات الله عليهم".
وعنه ﷺ : "أنا دعوة أبي إبراهيم ـ يعني قوله: (ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم) [البقرة: ١٢٩]ـ وبشر بي عيسى، ورأت أمي حين حملت بي أنه خرج منها نور أضاء له قصور بصرى من أرض الشام، واسترضعت في بني سعد، فبينا أنا مع أخ لي إذ جاءني رجلان عليهما ثياب بيض ـ وفي
стр. 378
حديث آخر: ثلاثة رجال ـ بطست من ذهب مملوءة ثلجًا، فأخذاني فشقا بطني من نحري إلى مراق بطني، ثم استخرجا منه قلبي فشقاه، فاستخرجا منه علقة سوداء فطرحاها، ثم غسلا بطني وقلبي بذلك الثلج حتى أنقياه".
قال في حديث آخر: «ثم تناول أحدهما شيئًا فإذا بخاتم في يده من نور يحار الناظر دونه، فختم به قلبي فامتلأ إيمانًا وحكمة، ثم أعاده مكانَه، وأمر الآخر يده على مفرق صدري فالتأم».
وفي رواية أخرى أن جبريل قال: «قلب وكيع ـ أي: شديد ـ فيه عينان تبصران، وأذنان سميعتان».
стр. 379
"ثم قال أحدهما/ لصاحبه: زنه بعشرة من أمته، فوزنني فرجحتهم، ثم قال: زنه بمئة من أمته، فوزنني بهم فوزنتهم، ثم قال: زنه بألف من أمته، فوزنني بهم فوزنتهم، ثم قال: دعه عنك، فلو وزنته بأمته لوزنها".
قال في الحديث الآخر: «ثم ضموني إلى صدرهم وقبلوا رأسي وما بين عيني، ثم قالوا: يا حبيب لم ترع، إنك لو تدري ما يراد بك من الخير لقرت عيناك، ما أكرمك على الله، إن الله معك وملائكته. فما هو إلا وليا عني، فكأنما أرى الأمر معاينة".
стр. 380
قال علي السبكي غفر الله له: ينبغي للعاقل أن يتأمل هذه الخلقة الشريفة، ثم تطهير القلب، ثم إيداعه ذلك النور العظيم، كيف يكون صفاؤه ومعارفه وأحواله! والواحد منا ـ مع دنسه ـ إذا صفا له وقت يسير ينفتح لقلبه فيه بارقة: يرى الأكوان دونه! فكيف بهذا القلب النقي الممتلئ نورًا من غير دنس يعتريه في شيء من الأوقات!.
стр. 381
وقد جاء أن شق الصدر كان ليلة الإسراء، وذلك تخليط من شريك راوي الحديث، وإنما كان شق الصدر وهو صبي عند حليمة.
стр. 382
ومن معجزاته ﷺ وما أكرمه الله به: الإسراء، وقد نطق القرآن به،
стр. 383
وأجمع المسلمون على صحته ووقوعه، والحق الذي عليه جمهور المسلمين من السلف والخلف أنه إسراء بالجسد والروح في اليقظة، وهو قول ابن عباس، وجابر، وأنس، وحذيفة، وعمر، وأبي هريرة، ومالك بن صعصعة، وأبي حبة البدري، وابن مسعود، والضحاك، وسعيد بن جبير، وقتادة، وابن المسيب، وابن شهاب، وابن زيد، والحسن، وإبراهيم، ومسروق، ومجاهد، وعكرمة، وابن جريج، وهو دليل قول عائشة، وهو قول الطبري وابن حنبل وجماعة عظيمة، وهو قول أكثر الفقهاء والمحدثين والمتكلمين والمفسرين.
وعن معاوية أنه إسراء بالروح، وأنه رؤيا منام، ورؤيا الأنبياء حق، وأشار إلى هذا محمد بن إسحاق، ونقل عن الحسن، ولكن المشهور عنه خلافه.
وقالت طائفة ثالثة: كان الإسراء إلى بيت المقدس بالجسد، وإلى السماء بالروح، والصحيح المشهور: الأول، وأما الثاني فيقطع ببطلانه، لأنه لو كان/ كذلك لما أنكرته قريش، وعجب إن صح ذلك عن معاوية!
стр. 384
وكذا من قال: أسري بجسده نائمًا وقلبه حاضر: قول باطل لما ورد من صلاته بالأنبياء ونحو ذلك.
وقد تضمن الإسراء أنواعًا من الكرامات، والإسراء والمعراج كانا في ليلة واحدة، واختلف في تاريخه مع الإجماع على أنه كان في مكة، والذي كان يختاره شيخنا أبو محمد الدمياطي أنه قبل الهجرة بسنة، وهو في ربيع الأول، ولا احتفال بما تضمنته "التذكرة الحمدونية" أنه في رجب، وبإحياء المصريين ليلة السابع والعشرين منه لذلك، فإن ذلك بدعة منضمة إلى جهل. ولنذكر حديث الإسراء:
عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: "أتيت بالبراق، وهو دابة أبيض طويل فوق الحمار ودون البغل، يضع حافره عند منتهى طرفه. قال: فركبته حتى أتيت بيت المقدس، فربطته بالحلقة التي يربط بها الأنبياء، ثم دخلت المسجد فصليت فيه ركعتين، ثم خرجت، فجاءني جبريل بإناء من خمر وإناء من لبن، فاخترت اللبن، فقال جبريل: اخترت الفطرة. ثم عرج بي إلى السماء، فاستفتح جبريل، فقيل: من أنت؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا، فإذا بآدم ﷺ ، فرحب بي ودعا لي بخير. ثم عرج بنا إلى السماء الثانية،
стр. 385
فاستفتح جبريل، فقيل: من أنت؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: بُعث إليه، قال: مرحبًا به ونعم المجيء جاء، ففتح لنا فإذا أنا بابني الخالة: عيسى ابن مريم ويحيى بن زكريا صلى الله عليهما، فرحبا بي ودعوا لي بخير. ثم عرج بنا إلى السماء الثالثة، فذكر مثل الأول، ففتح لنا، فإذا أنا بيوسف ﵇، وإذا هو قد أعطى شطر الحسن، فرحب بين ودعا لي بخير. ثم عرج بي إلى الرابعة، وذكر مثله، فإذا أنا بإدريس، فرحب بي ودعا لي بخير، قال الله تعالى: (ورفعناه مكانًا عليا) [مريم: ٥٧]. ثم عرج بنا إلى السماء الخامسة، فذكر مثله، فإذا أنا بهارون، فرحب بي ودعا لي بخير. ثم عرج بنا إلى السماء السادسة، فذكر مثله، فإذا أنا بموسى،/ فرحب بي ودعا لي بخير. ثم عرج بنا إلى السماء السابعة، فذكر مثله، فإذا أنا بإبراهيم مسندًا ظهره إلى البيت المعمور، وإذا هو بدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه. ثم ذهب بي إلى سدرة المنتهى، فإذا ورقها كآذان الفيلة، وإذا ثمرها كالقلال، فلما غشيها من أمر الله ما غشيها تغيرت، فما أحد من خلق الله يستطيع أن ينعتها من حسنها، فأوحى الله إلي ما أوحى، ففرض علي خمسين صلاة في كل يوم وليلة، فنزلت إلى موسى، فقال: ما فرض ربك على أمتك؟ قلت: خمسين صلاة، قال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف فإن أمتك لا يطيقون ذلك، فإني بلوت بني إسرائيل وخبرتهم،
стр. 386
قال: فرجعت إلى ربي فقلت: يا رب خفف عن أمتي، فحط عني خمسًا، فرجعت إلى موسى فقلت: حط عني خمسًا، قال: إن أمتك لا يطيقون ذلك، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، قال: فلم أزل ارجع بين ربي تعالى وموسى حتى قال: يا محمد، هن خمس صلوات في كل يوم وليلة، بكل صلاة عشر، فتلك خمسون صلاة، ومن هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشرًا، ومن هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب شيئًا، فإن عملها كتبت سيئة واحدة. قال: فنزلت حتى انتهيت إلى موسى فأخبرته فقال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فقال رسول الله ﷺ : فقلت: قد رجعت حتى استحييت منه".
هذا حديث صحيح متفق عليه، وفي رواية فيه قول كل نبي: مرحبًا بالنبي الصالح والأخ الصالح، إلا آدم وإبراهيم فقالا: الابن الصالح.
وفي رواية ابن عباس: "ثم عرج بي حتى ظهرت لمستوى أسمع فيه صريف الأقلام".
وفي رواية أبي هريرة: "وقد رأيتني في جماعة من الأنبياء، فجاءت الصلاة فأممتهم، فقال قائل: يا محمد، هذا مالك خازن النار فسلم عليه، فالتفت فبدأني بالسلام".
стр. 387
وفي بداءة مالك له بالسلام مع بدائه هو كغيره لطيفة وإشارة إلى سلامته وسلامة أمته من النار.
واختلف السلف في رؤيته ﷺ / لربه في تلك الليلة بعين رأسه، فذهب إلى ذلك ابن عباس وجماعة من الصحابة ومن بعدهم، وأبو الحسن الأشعري، وأحمد بن حنبل، وممن حكي ذلك عنه ابن مسعود، وأبو هريرة، وأبو ذر، والحسن، وقال سعيد بن جبير: لا أقول رآه ولا لم يره، وعند أحمد بن حنبل أنه قال: رآه بقلبه، وجبن عن القول برؤيته في الدنيا بالأبصار.
وتابع هؤلاء على التوقف في ذلك طائفة، قال القاضي عياض: "والحق الذي لا امتراء فيه أن رؤيته تعالى في الدنيا جائزة عقلا، ولكن وقوعها من الغيب الذي لا يعلمه إلا من علمه الله، ووجوبه لنبينا والقول بأنه رآه بعينه ليس فيه قاطع ولا نص، إذ المعول فيه على آيتي النجم، والتنازع فيهما مأثور، والاحتمال لهما ممكن، ولا أثر قاطع متواتر عن النبي ﷺ بذلك، فإن ورد حديث نص بين في الباب اعتقد ووجب المصير إليه".
قلت: وليس من شرطه أن يكون قاطعًا أو متواترًا، بل متى كان حديث صحيح ولو ظاهرًا وهو من رواية الآحاد جاز أن يعتمد عليه في
стр. 388
ذلك، لأن ذلك ليس من مسائل الاعتقاد التي يشترط فيها القطع، على أنا لسنا مكلفين بذلك والجزم فيه بأحد الطرفين لا علمًا ولا ظنًا.
وأما المناجاة وقوله تعالى: "فأوحى إلى عبده ما أوحى (٤٠)) [النجم: ١٠] فقال القاضي عياض: "أكثر المفسرين على أن الموحي الله إلى جبريل، وجبريل إلى محمد، إلا شذوذًا منهم، فذكر عن جعفر الصادق قال: أوحى إليه بلا واسطة، ونحوه عن الواسطي، وإلى هذا ذهب بعض
стр. 389
المتكلمين أن محمدًا كلم ربه في الإسراء، وحكي عن الأشعري، وحكوه عن ابن مسعود وابن عباس، وأنكره آخرون".
قلت: وهذا الإنكار غير متجه ولا دليل يعضده، والمختار إنه كلمه بلا واسطة كما حكي عن الأشعري وغيره، فإن ذلك ظاهر المراجعة التي جرت بينه وبين موسى، وغير ذلك مما تضمنه الإسراء.
نعم، لا بد أن يكون من وراء حجاب، إما على القول بعدم الرؤية، وإما على القول بالرؤية في غير وقتها، أو في وقتها كما يشاء الله تعالى مع المحافظة على قوله تعالى: (*وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من ورأي حجاب أو يرسل رسولاً فيوحى بإذنه ما يشاء) [الشورى: ٥١].
وأما الدنو والتدلي فعبارة عن نهاية القرب، ولطف المحل، وإيضاح المعرفة، ويستحيل الدنو والتدلي حسًا من الله تعالى.
стр. 390
ومن تفضيله ﷺ في القيامة ما دل عليه قوله: "أنا أول الناس خروجا إذا بعثوا، وخطيبهم إذا وفدوا، ومبشرهم إذا أيسوا، لواء الحمد بيدي، وأنا أكرم لد آدم على ربي ولا فخر".
وفي رواية: "وقائدهم إذا وفدوا، وخطيبهم إذا أنصتوا، وشفيعهم إذا حبسوا، ومبشرهم إذا أبلسوا، لواء الكرم بيدي".
وفي حديث آخر: "أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وبيدي لواء الحمد ولا فخر، وما من نبي يومئذٍ آدم فمن سواه إلا تحت لوائي، وأنا أول من تنشق عنه الأرض"، "وأول شافع وأول مشفع، وأنا أول من يحرك حلق
следующие страницы →