Полный текст (666 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[مقدمة المؤلف]
قال الشيخ الإمام العلامة العالم الزاهد الأوحد الورع العارف المؤيد محيي الدين قطب الإسلام معز الأنام ناصر السنة قامع البدعة صدر الأئمة أبو محمد عبد القادر بن أبي صالح بن عبد الله الجيلي، تغمده الله برحمته وأعاد علينا وعلى المسلمين من بركته، وحشرنا في زمرته آمين:
الحمد لله الذي بتحميده يستفتح كل كتاب، وبذكره يصدر كل خطاب وبحمده يتنعم أهل النعيم في دار الجزاء والثواب، وباسمه يشفى كل داء، وبه يكشف كل غمة وبلاء، إليه ترفع الأيدي بالتضرع والدعاء، في الشدة والرخاء، والسراء والضراء، وهو سامع لجميع الأصوات، بفنون الخطاب على اختلاف اللغات، والمجيب للمضطر الدعاء، فله الحمد على ما أولى وأسدى، وله الشكر على ما أنعم وأعطى، وأوضح المحجة وهدى، وصلواته على صفيه ورسوله الذي به من الضلالة هدى، محمد وآله وأصحابه وإخوانه المرسلين والملائكة المقربين، وسلم تسليما.
أما بعد:
فقد ألح علي بعض أصحابي، وشدد في الخطاب في تصنيف هذا الكتاب لحسن ظنه في الإصابة والصواب، والله تعالى هو العاصم في الأقوال والأفعال والمطلع على الضمائر والنيات، والمنعم المتفضل بتسهيل ما أراد، وإليه الالتجاء لتطهير القلوب من الرياء والنفاق، وإبدال السيئات بالحسنات، إنه غافر الذنوب والخطيئات، وقابل التوب من العباد.
فلما رأيت صدق رغبته في معرفة الآداب الشرعية من الفرائض والأركان والسنن والهيئات، ومعرفة الصانع بالآيات والعلامات، ثم الاتعاظ بمواعظ القرآن والألفاظ النبوية في مجالس نذكرها، ومعرفة أخلاق الصالحين نشير لها في أثناء
стр. 2
الكتاب، ليكون عونا له على سلوك طريق الله ، وامتثال أوامره، وانتهاء نواهيه، ووجدتُ له نية صادقة صدرت من فتوح الغيب في إجابته إلى ذلك، فسارعتُ مشمرا مبتغيا محتسبا للثواب، راجيا للنجاة في يوم الحساب، إلى جمع هذا الكتاب بتوفيق رب الأرباب الملهم للصواب، وقد سميته:
(الغنية لطالبي طريق الحق )
стр. 3
القسم الأول
في
الفقه
стр. 4
باب
نبدأ فنقول:
الذي يجب على من يريد الدخول في دين الإسلام
أولًا: أن يتلفظ بالشهادتين: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، ويتبرأ من كل دين غير دين الإسلام، ويعتقد بقلبه وحدانية الله تعالى، على ما سنبينه إن شاء الله تعالى.
إذا كان الإسلام هو الدين عند الله تعالى، قال الله : ﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾ [آل عمران: ١٩].
وقال تعالى: ﴿ومن يبتغ غير الإسلام دينًا فلن يقبل منه﴾ [آل عمران: ٨٥].
فإذا أتى بذلك دخل في الإسلام، وحرم قتله وسبي ذراريه واستغنام أمواله، ويغفر له ما تقدم من التفريط في حق الله ، لقوله تعالى: ﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾ [الأنفال: ٣٨].
وقول النبي ﷺ : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله».
ولقوله ﷺ : «الإسلام يجب ما قبله».
ثم يجب عليه الغسل للإسلام، لما روي أن النبي ﷺ أمر ثمامة بن أثال وقيس بن
стр. 5
عاصم، لما أسلما بالغسل.
وفي رواية: «ألق عنك شعر الكفر واغتسل».
ثم تجب عليه الصلاة، لأن الإيمان قول وعمل، لأن القول دعوى والعمل هو البينة، والقول صورة والعمل روحها.
وللصلاة شرائط تتقدمها وهي:
الطهارة بالماء الطهور، والتيمم عند عدمه، والستارة بثوب طاهر، والوقوف على بقعة طاهرة، واستقبال القبلة، والنية، ودخول الوقت.
أما الطهارة فلها فرائض وسنن:
والفرائض في ظاهر المذهب عشرة:
النية أولًا: وهو أن ينوي بطهارته رفع الحدث، وإن كان تيممًا فاستباحة الصلاة، لأن التيمم لا يرفع الحدث، ومحلها القلب، فإن ذكر ذلك بلسانه مع اعتقاده بقلبه كان قد أتى بالأفضل، وإن اقتصر على الاعتقاد بالقلب أجزأ.
ثم التسمية: وهو أن يذكر الله تعالى عند إرادته أخذ الماء.
стр. 6
ثم المضمضة: وهو دوران الماء في الفم ومجه وإخراجه منه.
ثم الاستنشاق: وهو إدخال الماء في خرمي الأنف.
ثم غسل الوجه: وحده من منابت شعر الرأس إلى ما انحدر من اللحيين والذقن طولًا، ومن وتد الأذن إلى وتد الأذن عرضًا.
ثم غسل اليدين إلى المرفقين.
ثم مسح الرأس: وصفته: أن يغمس يديه في الماء ثم يرفعهما فارغتين فيضعهما على ما مقدم رأسه ويجرهما إلى قفاه، ويعيدهما إلى الموضع الذي بدأ منه، ويكون الإبهامان في صماخي الأذنين، فيمسح بهما الجلدتين القائمتين مع الصماخين.
ثم غسل الرجلين مع الكعبين: وهما العظمان الناتئان في مفصل القدم وكل ذلك مرة واحدة.
وأما التاسع: فهو ترتيب الأعضاء كلها كما نطق به القرآن في قوله :
﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين﴾ [المائدة: ٦].
والعاشر: الموالاة، وهي إتباع العضو الثاني الأول قبل أن ينشف ماء الأول.
стр. 7
وأما سننها فعشر أيضًا:
غسل الكفين قبل إدخالهما الإناء، والسواك، والمبالغة في المضمضة والاستنشاق إلا أن يكون صائمًا، وتخليل اللحية الكثة على اختلاف الروايتين، وغسل داخل العينين، والبداءة باليمين، وأخذ ماء جديد للأذنين، ومسح العنق، وتخليل ما بين الأصابع، والغسلة الثانية والثالثة.
وأما التيمم:
فأن يضرب يديه على تراب طاهر له غبار يعلق باليد، ناويًا لاستباحة صلاة مفروضة، مسميًا ضربة واحدة يفرج بين أصابعه، فيمسح وجهه بباطن أصابع يديه، وظهر كفيه بباطن راحتيه.
وأما الطهارة الكبرى: فنذكرها في باب آداب الخلاء إن شاء الله تعالى.
وأما الستارة: فأن تكون ثوبًا طاهرًا يستر عورته ومنكبيه من سائر أنواع الثياب إلا الحرير، فإن الصلاة فيه باطلة وإن كان طاهرًا، وكذلك المغصوب.
وأما البقعة: فأن تكون طاهرة من جميع الأنجاس، فإن كانت النجاسة التي عليها قد نشفتها الرياح أو الشمس فبسط عليها بساطًا طاهرًا فصلى عليه صحت صلاته على
стр. 8
إحدى الروايتين. وكذلك إن كانت مغصوبة على رواية ضعيفة.
وأما استقبال القبلة:
فأن يتوجه إلى عين الكعبة إن كان بمكة وما قاربها من البقاع وإلى جهتها إن كان على بعد منها بالاجتهاد وبذل الطاقة بالاستدلال بالشواهد والدلالات بالنجوم والشمس والرياح وغير ذلك.
وأما النية:
فمحلها القلب وهو أن يعتقد أداء ما افترض الله تعالى عليه من فعل الصلاة بعينها وامتثال أمره الواجب من غير رياء وسمعة، ثم يحضر قلبه إلى أن يفرغ منها، وقد جاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال لعائشة ﵂: (ليس لك من صلاتك إلا ما حضر قلبك).
وأما دخول الوقت:
فبعلمه يقينًا أو غلبة الظن في يوم الغيم وهيجان الرياح والموانع.
ثم يؤذن فيقول:
الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله.
ثم يقيم الصلاة فيقول:
الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله.
(فصل) فإذا كملت هذه الشروط دخل في الصلاة .
بقوله: (الله أكبر)، لا يجزئه غيره من ألفاظ التعظيم.
стр. 9
ولها أركان وواجبات ومسنونات وهيئات.
فأما الأركان فخمسة عشر:
القيام، وتكبير الإحرام، وقراءة الفاتحة، والركوع، والطمأنينة فيه، والاعتدال عنه، والطمأنينة فيه، والسجود، والطمأنينة فيه، والجلوس بين السجدتين، والطمأنينة فيه، والتشهد الأخير، والجلوس فيه، والصلاة على النبي ﷺ ، والتسليم.
وأما الواجبات فتسعة
التكبير غير تكبيرة الإحرام، والتسميع والتحميد عند الرفع من الركوع، والتسبيح في الركوع والسجود مرة مرة، وقول (رب اغفر لي) في الجلسة بين السجدتين مرة مرة، والتشهد الأول، والجلوس له، ونية الخروج من الصلاة في التسليم.
стр. 10
وأما المسنونات فأربع عشرة:
الاستفتاح، والتعوذ، وقراءة: «بسم الله الرحمن الرحيم»، وقول «آمين»، وقراءة سورة، وقول: «ملء السموات والأرض» بعد التحميد، وما زاد على التسبيحة الواحدة في الركوع والسجود، وقول: «رب اغفر لي»، والسجود على الأنف في إحدى الروايتين، وجلسة الاستراحة بعد انقضاء السجدتين، والتعوذ من أربعة أشياء بأن يقول: «أعوذ بالله من عذاب جهنم ومن عذاب القبر ومن فتنة المسيح الدجال ومن فتنة المحيا والممات»، والدعاء بما ذكر في الأخبار بعد أين يصلى على النبي ﷺ في التشهد الأخير، والقنوت في الوتر، والتسليمة الثانية على رواية ضعيفة.
وأما الهيئات فخمس وعشرون هيئة:
رفع اليدين عند الافتتاح والركوع، والرفع منه وهو أن تكون كفاه مع منكبيه وإبهاماه عند شحمتي أذنيه وأطراف أصابعه مع فروع أذنيه ثم إرسالهما بعد الرفع، ووضع اليمين على الشمال تحت السرة، والنظر إلى موضع السجود، والجهر بالقراءة وآمين، والإسرار بهما، ووضع اليدين على الركبتين في الركوع، ومد الظهر، ومجافاة عضديه عن جنبيه فيه، والبداءة بوضع الركبة ثم اليدين في السجود، ومجافاة البطن عن الفخذين والفخذين عن الساقين فيه، والتفريق بين الركبتين في السجود، ووضع اليدين حذاء منكبيه فيه، والافتراش في السجود بين السجدتين وفي التشهد الأول والتورك في الثاني، ووضع اليد اليمنى على الفخذ اليمنى مقبوضة مشيرًا بالسبابة محلقة بالإبهام مع الوسطى، ووضع اليسرى على الفخذ اليسرى مبسوطة.
стр. 11
فإن أخل بشرط من الشرائط التي ذكرناها أولًا بغير عذر لم تنعقد الصلاة.
وإن ترك ركنًا عامدًا أو ساهيًا بطلت.
وإن ترك واجبًا ساهيًا جبره بسجود السهو، وإن تركه عامدًا بطلت الصلاة.
وإن ترك سنة أو هيئة لم تبطل ولم يسجد.
* * *
كتاب الزكاة
وتجب عليه الزكاة إن كان له مال زكوي.
وهو أن يملك عشرين مثقالًا من الذهب، أو مائتي درهم من الورق، أو قيمة أحدهما من عروض التجارة، أو خمسًا من الإبل، أو ثلاثين من البقر، أو أربعين من الغنم سائمة حولًا كاملًا، إلا أن يكون عبدًا أو مكاتبًا فإنه لا تجب عليهما الزكاة.
فيخرج عن الذهب والفضة ربع العشر، فيكون عن كل عشرين دينارًا نصف دينار، لأن عشرها ديناران وربعها نصف دينار. وعن مائتي درهم خمسة دراهم، لأن عشرها عشرون وربعها خمسة.
وعن خمس من الإبل: شاة، وهي الجدع من الضأن قد تمت له ستة أشهر، والثني من المعز وهو ما له سنة.
وعن عشر: شاتان.
стр. 12
وعن خمسة عشر: ثلاث شياه.
وعن عشرين: أربع شياه.
وعن خمس وعشرين: ابنة مخاض، وهي ما لها سنة ودخلت في الثانية، فإن لم يقدر عليها فابن لبون ذكر، وهو ما له سنتان ودخل في الثالثة.
وعن ست وثلاثين: ابنة ليون، وهي في سن ابن ليون.
وعن ست وأربعين: حقة، وهي ما كمل لها ثلاث سنين.
وعن إحدى وستين: جذعة، وهي ما كمل لها أربع سنين.
وعن ست وسبعين: بنتًا لبون.
وعن إحدى وتسعين: حقتان إلى أن تبلغ مائة وعشرين.
فإن زادت واحدة كان في كل أربعين ابنة لبون، وفي كل خمسين حقة.
وأما البقر: فيخرج عن كل ثلاثين: تبيعًا أو تبيعة، وهي ما كمل لها سنة.
وعن أربعين: مسنة، وهي ما كمل لها سنتان.
وعن ستين: تبيعين.
فإذا بلغت سبعين كان فيها: تبيع ومسنة.
ثم على هذا الاعتبار يخرج عن كل ثلاثين تبيعًا، وعن كل أربعين مسنة.
وأما الغنم: ففي كل أربعين: شاة إلى أن تبلغ مائة وعشرين، فإن زادت واحدة ففيها شاتان إلى مائتين، فإذا زادت واحدة ففيها ثلاث شياه إلى ثلاثمائة، ثم في كل مائة شاة.
فيعطى المخرج عن جميع ذلك للثمانية الأصناف المذكورة في القرآن:
للفقراء الذين لا يملكون كفايتهم.
والمساكين وهم الذين لهم معظم الكفاية ولا يملكون تمامها.
والعاملين عليها وهم الجباة لها والحافظون لها إلى أن يؤدوها إلى الإمام.
стр. 13
والمؤلفة قلوبهم وهو قوم من الكفار يرجى إسلامهم إذا أعطوا المال أو يكفوا شرهم على المسلمين.
وفي الرقاب وهم المكاتبون، وإن اشترى بزكاته رقبة كاملة فأعتقها جار أيضًا على رواية.
والغارمين وهم المدينون الذين لا طاقة لهم على قضاء ديونهم.
وفي سبيل الله وهم الغزاة الذين لا جزاء لهم في ديوان الإمام وغيره من السلاطين وإن كانوا أغنياء.
وابن السبيل وهو المسافر المنقطع به دون الذي ينشئ السفر من بلده.
فإذا أدى ما عليه من زكاة الفرض يستحب له صدقة التطوع في سائر أوقاته ليلًا ونهارًا قليلًا وكثيرًا. لاسيما في الأشهر المباركة كشهر رجب وشعبان وشهر رمضان وأيام العيد وعاشوراء وأيام الجدب والضيق، ليحوز بذلك العافية في الجسم والمال والأهل والخلف السريع في الدنيا والثواب الجزيل في الآخرة.
(فصل) ويخرج زكاة الفطر إذا فضل عن قوته وقوت عياله يوم العيد وليلته عن نفسه وزوجته ورقيقه وولده وأمه وأبيه وأخوته وأخواته وأعمامه وبني أعمامه على الترتيب الأقرب فالأقرب، بشرط أن يكونوا في مؤنته ونفقته.
وقدرها صاع وزنه خمسة أرطال وثلث بالعراقي من التمر أو الزبيب أو البر أو الشعير أو دقيقهما أو سويقهما وكذلك الأقط على الصحيح من المذهب.
فإن عدم الأصناف جميعها فليخرج من قوت البلد من سائر أنواع الحب كالأرز والذرة والدخن وغيرها
* * *
стр. 14
كتاب الصيام
وإذا دخل شهر رمضان وجب عليه أن يصومه، لقوله تعالى: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ [البقرة: ١٨٥].
فإذا ثبت عنده دخول الشهر إما برؤيته نفسه الهلال، أو شهادة رجل واحد عدل بذلك، أو إكمال شعبان ثلاثين يومًا، أو حدوث غيم أو قتر في ليلة الثلاثين منه، نوى أي وقت من الليل من بعد غروب الشمس إلى قبل أن يطلع الفجر الثاني، أنه صائمٌ غدًا من شهر رمضان.
وهكذا كل ليلة إلى أن ينتهي الشهر.
وإن نوى في أول ليلة من الشهر أنه صائم الشهر جميعه كفاه ذلك في رواية ضعيفة، والصحيح الأول.
فإذا أصبح وجب عليه أن يمسك في جميع نهاره عن الأكل والشرب والجماع وجميع ما يصل إلى جوفه من أي موضع كان، وعن الحجامة لنفسه أو غيره، واستدعاء القيء والمني.
فإن خالف في جميع ذلك بطل صومه ووجب عليه الإمساك إلى غروب الشمس والقضاء، إلا الجماع فإنه يجب عليه مع ذلك كفارة وهي عتق رقبة مؤمنة سليمة من
стр. 15
العيوب المضرة في العمل، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينًا لكل واحد منهم مد من طعام وهو رطل وثلث بالعراقي، فيكون مائة وثلاثة وسبعين درهمًا وثلث درهم، أو نصف صاع من تمر أو شعير، فإن لم يجد ذلك فمن قوت بلده كما قلنا في الفطرة.
فإن لم يجد شيئًا سقطت عنه، واستغفر الله ، وتاب إليه، وأحسن العمل في الباقي.
ويجتنب في نهار رمضان:
الخلوة بامرأة شابة، والقبلة لها، وإن كانت ممن تحل له، أو ذات رحم.
ويجتنب السواك بعد الزوال، ومضغ العلك، وجمع ريقه ثم بلع، وذوق الطعام عند الطبخ وغيره، والغيبة، والنميمة، والكذب، والسب، وغير ذلك.
ويستحب له:
تعجيل الإفطار إلا في يوم الغيم فتأخيره أفضل، وتأخير السحور إلا أن يكون ممن يخفى عليه طلوع الفجر، والأولى له أن يفطر على التمر أو الماء، ويدعو وقت الإفطار، لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: (إذا صام أحدكم فقدم عشاؤه فليقل: بسم الله اللهم لك صمت، وعلى رزقك أفطرت، سبحانك وبحمدك، اللهم تقبل منا فإنك أنت السميع العليم).
* * *
стр. 16
كتاب الاعتكاف
ويستحب له الاعتكاف.
ولا يكون إلا في مسجد يصلي فيه بالجماعة، وأولى المساجد الجامع إذا كان اعتكافه أيامًا يتخللها جمعة.
ويصح بغير صوم والأولى أن يكون بالصوم، لأنه أجمع لهمه، وأعون على كسر نفسه، وأليق باشتقاق ما هو بصدده.
لأن الاعتكاف هو حبس النفس في مكان مخصوص، ولزوم الشيء والمداومة عليه، قال الله تعالى: ﴿ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون﴾ [الأنبياء: ٥٢].
وهو من السنن المأثورة عن النبي ﷺ وأصحابه، لأن النبي ﷺ اعتكف العشر الأواخر من شهر رمضان، ثم لم يزل على ذلك حتى توفاه الله تعالى، وندب الصحابة إليه فقال: (من أراد أن يعتكف فليعتكف العشر الأواخر).
فإذا اعتكف ينبغي له أن يتشاغل بفعل كل ما يقربه إلى الله تعالى من قراءة القرآن والتسبيح والتهليل والتكبير والتفكر ويجتنب كل ما لا يعنيه من القول والعمل.
ويلزم الصمت في غير ذكر الله تعالى.
ويجوز له التدريس وإقراء القرآن، لأن ذلك يتعدى نفعه إلى غيره، فهو أكثر ثوابًا من اشتغاله بخاصة نفسه.
ويجوز له الخروج من معتكفه لما لابد له منه، كالاغتسال من الجنابة، والأكل والشرب، وقضاء حاجة الإنسان من البول والغائط، وعند الخوف على نفسه من الفتنة والمرض الشديد وغير ذلك.
стр. 17
كتاب الحج
فإذا كملت في حقه شرائط الحج وجب عليه أداء الحج والعمرة على الفور، وهو أن يكون بعد إسلامه حرًا عاقلًا بالغًا مستطيعًا بالزاد والراحلة، وتخلية الطريق من عدو يمنعه، وإمكان المسير إليه وهو اتساع الوقت لأداء الحج، وصحة البدن للاستمساك على الراحلة.
والاستطاعة بالزاد والراحلة إنما تكون بعد تحصيل النفقة لعياله إلى أن يعود إليهم، والمسكن لهم، وقضاء الديون إن كانت عليه.
وأن يكون له كفاية بعد رجوعه من فضل ماله أو أجرة عقار أو بضاعة أو صناعة. فإن خالف وقصر بعياله وامتنع من قضاء دينه وخرج إلى الحج كان مأثومًا ظالمًا مسخوطًا عليه، لقول النبي ﷺ : (كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يقوته).
فإن سلم من المخالفة حتى فرغ من الحج والعمرة سقط عنه الحج.
(فصل) فإذا بلغ الميقات الشرعي وهو:
ذات عرق: إن كان من أهل المشرق.
والجحفة: إن كان من أهل المغرب.
وذو الحليفة: إن كان من أهل المدينة.
стр. 18
ويلملم: إن كان من أهل اليمن.
وقرن: إن كان من أهل نجد.
يغتسل ويتنظف أو يتيمم إن لم يجد الماء، ويتزر بإزار ويرتدي برداء، ويكونان أبيضين نظيفين، ويتطيب ويصلى ركعتين، ثم يحرم وينوى الإحرام بقلبه، ويلبي بالعمرة إن كان متمتعًا وهو الأفضل، أو بالحج المفرد، أو بالحج والعمرة جميعًا.
ويشترط أن يقول: اللهم إني أريد العمرة أو الحج أو إياهما جميعًا، فيسر ذلك لي وتقبل مني، وحلني حيث حبستني، ويلبي.
وصفة التلبية:
لبيك الله لبيك، لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك.
يرفع بذلك صوته، ويقول ذلك بعد الإحرام، وعقيب الصلوات الخمس، وفي إقبال الليل والنهار، والتقاء الرفاق، وإذا علا شرف أو هبط واديًا أو سمع ملبيًا، وفي مساجد الحرم وبقاعه، ويصلي على النبي ﷺ ، ويدعو لنفسه بما أحب إذا فرغ من التلبية.
(فصل) فإذا أحرم لا يغطي رأسه، ولا يلبس المخيط ولا الخفين، فإذا فعل ذلك لزمه ذبح شاة، إلا ألا يجد الإزار والنعلين.
ولا يتطيب في بدنه وثيابه من سائر أنواع الطيب، فإن فعل ذلك متعمدًا غسله
стр. 19
وذبح شاة.
ولا يقلم أظفاره ولا يحلق شعره، فإن قلم ثلاثة أظفار أو حلق ثلاث شعرات من رأسه أو بدنه فعليه ذبح شاة، فإن كان دون ذلك ففي كل ظفر أو شعرة مد من طعام.
ولا يعقد النكاح لنفسه ولا لغيره، ويجوز له الارتجاع.
ولا يباشر الزوجة والأمة في الفرج ولا دون الفرج، فإن فعل ذلك بطل حجه إذا كان ذلك قبل رمي جمرة العقبة.
ولا يستمني، ولا يكرر النظر، فإن فعل فأمنى فعليه الكفارة وهي ذبح شاة.
ولا يقتل الصيد المأكول، وما تولد من مأكول وغير مأكول.
ولا يأكل ما صيد لأجله، أو أشار إليه، أو دل عليه، أو أعان على ذبحه، مثل أن يمسكه له أو يعيره سكينًا ونحو ذلك، فإن فعل ذلك فعليه الجزاء مثله من النعم:
فإن كان الصيد نعامة فعليه: بدنة.
وإن كان حمار وحش فعليه: بقرة.
وإن كان بقرة الوحش وأنواعها فعليه: بقرة.
وإن كان غزالًا أو ثعلبًا فعليه: عنز.
وإن كان ضبعًا: فكبش.
وإن كان أرنبًا: فعناق.
وإن كان يربوعًا: فجفرة.
وفي الضب: جدي.
وفي الكبير كبيرٌ، وفي الصغير صغيرٌ، على مثل ما قتل في جميع الصفات.
وإن كان ذلك حمامًا -وكل مطوق حمام -ففي كل واحد: شاة.
فإن لم يكن له مثل فقيمته، يرجع في معرفة ذلك إلى قول عدلين من المسلمين.
ويجوز له ذبح الحيوان الأنسي وأكله.
стр. 20
ويجوز له قتل كل ما فيه مضرة كالحية والعقرب والكلب العقور والسبع والنمر والذئب والفهد والفأرة والغراب الأبقع والحدأة والبزاة وأنواعها، والزنبور والبق والبراغيث والقراد والأوزاغ والذباب وجميع حشرات الأرض، ويجوز قتل النمل عند الأذية، وكذلك القمل والصبئان في إحدى الروايتين، والأخرى عليه أن يتصدق بما أمكن.
ولا يقتل صيد الحرم، فإن قتله كان حكمه كما ذكرنا في صيد الإحرام.
ولا يقطع أشجار الحرم ولا يقلعها، فإن فعل ذلك ضمن الشجرة الكبيرة ببقرة، والصغيرة بشاة.
وكذلك صيد المدينة وشجرها يحرم عليه، إلا أن جزاءهما سلب ما عليه من الثياب، ويكون ذلك حلالًا لمن أخذه.
(فصل)
فإن كان في الوقت سعة فأمكنه دخول مكة قبل يوم عرفة بأيام، فالمستحب له أن يغتسل غسلًا كاملًا ويدخلها من أعلاها.
فإذا بلغ المسجد الحرام دخل من باب بني شيبة، ويرفع يديه عند رؤية البيت ويقول: اللهم إنك أنت السلام ومنك السلام، حينًا ربنا بالسلام، اللهم زد هذا البيت تعظيمًا وتشريفًا وتكريمًا ومهابة وبرًا، وزد من شرفه وعظمه ممن حجه أو اعتمره تعظيمًا وتشريفًا وتكريمًا ومهابة وبرًا، الحمد لله رب العالمين، والحمد لله كثيرًا كما هو أهله، وكما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله، الحمد لله الذي بلغني بيته ورآني لذلك أهلًا، والحمد لله على كل حال، اللهم إنك دعوت إلى حج بيتك، وقد جئناك لذلك، اللهم تقبل مني واعف عني وأصلح لي شأني كله، لا إله إلا أنت.
يرفع بذلك صوته، ثم يطوف للقدوم ويضطبع بردائه، فيكشف كتفه الأيمن ويستر الأيسر، ثم يتقدم إلى الحج الأسود، فيستلمه بيده ويقبله إن أمكنه، وإلا استلمه وقبل يده، فإن زحم أشار بيده إليه ويقول:
(بسم الله والله أكبر، إيمانًا بك وتصديقًا بكتابك ووفاء بعهدك وإتباعًا لسنة نبيك محمد ﷺ ).
стр. 21
ثم يطوف على يمينه وهو أن يرجع إلى باب البيت، فيمضي إلى الحجر الذي فيه ميزاب البيت مسرعًا، وهو السعي الشديد مع تقارب الخطا، حتى إذا بلغ الركن اليماني استلمه ولم يقبله، فإذا بلغ الحجر الأسود عد ذلك شوطًا واحدًا.
ثم يطوف كذلك ثانيًا وثالثًا قائلًا في جميع ذلك: (اللهم أجعله حجًا مبرورًا وسعيًا مشكورًا وذنبًا مغفورًا).
ثم يخفف مشيه، ويقارب خطاه، فيمشي على هيئته في الأربعة الباقية ويقول فيها:
(رب اغفر وارحم واعف عما تعلم، وأنت الأعز الأكرم، اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار).
ويدعو بما أراد بما يجوز من خير الدنيا والآخرة.
وينبغي أن يكون ناويًا لذلك، طاهرًا من الأحداث والأنجاس وساتر العورة لأن النبي ﷺ -قال: (الطواف بالبيت صلاة، إلا أن الله تعالى أباحكم فيه النطق).
فإذا فرغ من ذلك صلى ركعتين خلف مقام إبراهيم خليل الرحمن ﵇، يقرأ في الأولى بعد الفاتحة ﴿قل يا أيها الكافرون ...﴾ [الكافرون: ١ - ٦]، وفي الثانية ﴿قل هو الله أحد ...﴾ [الإخلاص: ١ - ٤]، ثم يرجع إلى الحجر الأسود فيستمله، ثم يخرج إلى الصفا من بابه، ويرقى عليه إلى حيث يمكنه رؤية الكعبة، ثم يكبر ثلاثًا ويقول: (الحمد لله على ما هدانا، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، صدق وعده ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، مخلصين له الدين ولو كره الكافرون).
ثم ينزل ويلبي ويدعو ثانيًا وثالثًا، ثم ينزل ماشيًا حتى يكون بينه وبين الميل الأخضر المنتصب عند المسجد ما قدره ستة أذرع، ثم يسرع في المشي حتى يبلغ إلى الميلين الأخضرين، ثم يخفف مشيه إلى أن يبلغ المروة فيرقى عليه فيفعل كما فعل على الصفا، ثم ينزل ويمشي في موضع مشيه ويسعى في موضع سعيه إلا أن يصير إلى الصفا، ثم كذلك فيعد سبعًا يبدأ بالصفا ويختم بالمروة.
стр. 22
وينبغي أن يكون متطهرًا كما ذكرنا، في الطواف بالبيت، فإذا فرغ من ذلك حلق أو قصر وإن كان متمتعًا ولم يكن قد ساق هديًا وفعل ما يفعله الحلال.
فإذا كان يوم التروية وهو الثامن من ذي الحجة أحرم من مكة للحج، فيأتي منى فيصلي بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء ويبيت بها، ثم يصلي بها الصبح. فإذا طلعت الشمس دفع مع الناس إلى الموقف بعرفة فإذا زالت الشمس وخطب الإمام خطبة يعلم الناس فيها ما ينبغي أن يفعلوه من الوقوف وموضعه ووقته ودفعه من عرفات والصلاة بمزدلفة والمبيت بها وغير ذلك من رمي الجمار والنحر والحلق والطواف بالبيت، دنا من الإمام فيعي ما يقول، ثم يصلي معه الظهر والعصر يجمع بينهما بإقامة لكل صلاة، ثم يتقدم إلى جبل الرحمة والصخرات بقرب الإمام، يستقبل القبلة فيقف هناك ويجتهد في الدعاء والثناء على الله .
وينبغي أن يكون أكثر ذكره: لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير، اللهم أجعل في قلبي نورًا وفي بصري نورًا وفي سمعي نورًا ويسر لي أمري.
فإن فاته الوقوف مع الإمام نهارًا أدركه بعد خروج الإمام من الموقف قبل أن يطلع الفجر الثاني من ليلة النحر، ومن أدركه كذلك فقد أدرك الوقفة وإلا فقد فاته الحج، فإذا دفع مع الإمام إلى طريق مزدلفة يكون على التؤدة والسكون والوقار، فإذا وصل مزدلفة صلى مع الإمام بها المغرب والعشاء جماعة، أو منفردًا إن فاتته مع الإمام، ثم حط رحله فيبيت هناك، ويأخذ منها حصى الجمار أو من حيث تيسر له ذلك، وعدده سبعون حصاة، وقدره أن يكون أكبر من الحمص وأصغر من البندق، ويستحب أن يغسله، ثم يصلي الفجر إذا أصبح، ويجتهد أن يغلس بها، ثم يأتي المشعر الحرام فيقف عنده، فيكثر الحمد لله والثناء عليه والتهليل والتكبير والدعاء، والأولى أن يقول في دعائه:
اللهم كما أوقفتنا فيه وأريتنا إياه فوفقنا لذكرك كما هديتنا، واغفر لنا وارحمنا كما وعدتنا بقولك الحق ﴿فإذا أفضتم من عرفات ...﴾ إلى قوله تعالى: ﴿غفور رحيم﴾ [البقرة: ١٩٨ - ١٩٩].
فإذا أضاء النهار وأسفر دفع إلى منى وأسرع في وادي محسر، فإذا وصل إلى منى
стр. 23
رمى جمرة العقبة بسبع حصيات، مكبرًا في إثر كل حصاة، رافعًا يده حتى يرى بياض إبطيه، كما روي عن النبي ﷺ أنه رمى كذلك، وسكت عن التلبية عند أول حصاة يرميها، ويكون رميه هذا بعد طلوع الشمس وقبل الزوال وفيما بعد من أيام التشريق بعد الزوال، فإذا رمى نحر هديًا إن كان معه، وحلق جميع رأسه أو قصر، وإن كانت امرأة تقصر من شعرها قدر الأنملة.
ثم يمضي إلى مكة ويغتسل ويتوضأ، فيطوف طواف الزيارة ويعينه بالنية، ويصلي ركعتين خلف المقام، فإذا فرغ سعى بين الصفا والمرة إن أراد، لأن السعي قد سقط عنه بفعله في طواف القدوم، ثم قد حل له كل شيء من محظورات الإحرام، وصار حلالًا كما كان قبل الإحرام، ثم يتقدم إلى زمزم فيشرب من مائها فيقول عند شربه:
بسم الله اللهم اجعله لنا علمًا نافعًا ورزقًا واسعًا وريًا وشبعًا وشفاء من كل داء، واغسل به قلبي وأملأه من خشيتك.
ثم يرجع إلى منى فيبيت بها ثلاث ليال، فيرمي الجمرات الثلاث في أيام التشريق على ما ذكرنا كل يوم بإحدى وعشرين حصاة، كل جمرة سبع حصيات، فيبدأ بالجمرة الأولى وهي أبعد الجمرات من مكة مما يلي مسجد الخيف، يجعلها عن يساره ويستقبل القبلة فإذا رماها تقدم عنها يسيرًا لئلا يصيبه حصى غيره، فيقف هناك داعيًا الله بقدر قراءة سورة البقرة إن أمكنه، ثم يرمي الجمرة الوسطى فيجعلها عن يمينه، ويستقبل القبلة فيدعو كالأولى ثم يرمي الجمرة الأخيرة وهي جمرة العقبة ويجعلها عن يمينه، وينزل إلى الوادي، ويكون مستقبلًا إلى القبلة ولا يقف هناك، ثم يفعل في اليوم الثاني والثالث كذلك.
وإن أحب أن يتعجل ولا يرمي في اليوم الثالث دفن ما بقي معه من بقية الحصى هناك، ويخرج قاصدًا إلى مكة فيأتي الأبطح فيصلي هناك الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ثم ينام يسيرًا ثم يدخل مكة فيقيم بها أو غيرها من المواضع كالزاهر والأبطح، وإذا أراد أن يدخل البيت يكون حافيًا، ويصلي فيه نفلًا، ويشرب من ماء زمزم ويرتوي
стр. 24
منه. وينوي ما أحب من العلم والمغفرة والرضوان لقوله ﵊: «ماء زمزم لما شرب له».
ويكثر الاعتماد والنظر إلى الكعبة، لما روي في بعض الأخبار: إن النظر إليها عبادة.
ثم لا يخرج حتى يودع البيت فيطوف به سبعًا، ثم يقف بين الركن والباب ويدعو فيقول:
اللهم هذا بيتك وأنا عبدك وابن عبدك وابن أمتك حملتني على ما سخرت لي من خلقك وسيرتني في بلادك حتى بلغتني بنعمتك، وأعنتني على قضاء نسكي، فإن كنت رضيت عني فازدد عني رضا، وإلا فمن علي الآن قبل تباعدي عن بيتك، هذا أوان انصرافي إن أذنت لي غير مستبدل بك ولا ببيتك ولا راغب عنك ولا عن بيتك، اللهم فاصحبني العافية في بدني والصحة في جسمي والعصمة في ديني وأحسن منقلبي ومثواي، وارزقني طاعتك ما أبقيتني واجمع لي خير الدنيا والآخرة إنك على كل شيء قدير.
وما زاد على ذلك من الدعاء من خير الدنيا والآخرة كان حسنًا، ثم يصلي على النبي ﷺ ولم يقم بعد ذلك بمكة، فإن أقام أعاد الطواف وإلا ذبح شاة.
(فصل) فإن كان في الوقت ضيق وخاف فوت الوقفة بعرفات، فإن أحرم من الميقات بدأ بعرفات فوقف هناك، ثم دفع منها بعد غروب الشمس، فيفعل ما ذكرناه من البيتوتة بمزدلفة ثم الرمي بمنى، ثم إذا دخل مكة طاف طوافين، ينوى بالأول منهما القدوم وبالثاني الزيارة، ثم يسعى بين الصفا والمروة، ثم يحل له كل شيء، ثم يعود إلى منى للرمي في الأيام الثلاثة، ثم يتم الأفعال على ما تقدم ذكره.
стр. 25
(فصل)
وصفة العمرة: أن يحرم بها من الميقات الشرعي الذي تقدم ذكره، بعد أن يغتسل ويتطيب ويصلي ركعتين، فيطوف بالبيت سبعًا، ويسعى بين الصفا والمروة ويقصر أو يحلق، ثم يحل منها إن لم يكن ساق هديًا، وإن كان بمكة خرج إلى التنعيم فيحرم منه فيفعل كذلك.
(فصل)
ولا يبطل الحج إلا بالوطء في الفرج أو دون الفرج مع الإنزال.
و أركان الحج أربعة: الإحرام، والوقوف، وطواف الزيارة، والسعي.
وعن الشيخ ﵀: إنها ركنان أحدهما: الوقوف بعرفة، والثاني: الطواف بالبيت، والصحيح الأول.
فإذا ترك واحدًا من هذه الأركان كان حجه ناقصًا، وعليه الإتيان به، إما في سنته وأما في العام القابل، يأتي به محرمًا، ولا يجبره دم بحال.
وأما واجباته فخمسة وهي: المبيت بمزدلفة إلى ما بعد نصف الليل، والمبيت بمنى، والرمي، والحلاق، وطواف الوداع. فإن ترك واحدًا منها جبره بدم، وهو شاة كما قلنا في ترك الواجبات في الصلاة يجبره بسجود السهو.
وأما مسنوناته فخمسة عشر وهي:
[الأول]: الاغتسال للإحرام ولدخول مكة وللوقوف بعرفة وللمبيت بمزدلفة ولرمي الجمار أيام منى ولطواف الزيارة ولطواف الوداع.
والثاني: طواف القدوم.
والثالث: الرمل.
والرابع: الاضطباع في الطواف والسعي.
стр. 26
و [الخامس]: استلام الركنين.
و [السادس]: التقبيل.
و [السابع]: الارتقاء على الصفا والمروة.
و [الثامن]: المبيت بمنى ثلاثًا.
و [التاسع]: الوقوف على المشعر الحرام.
و [العاشر]: الوقوف عند الجمرات.
و [الحادي عشر]: الخطب.
و [الثاني عشر]: الأذكار.
و [الثالث عشر]: شدة السعي في مواضعه.
و [الرابع عشر]: المشي في مواضعه.
و [الخامس عشر]: ركعتا الطواف.
فإن ترك هذه الأشياء أو واحدًا منها كان تاركًا للأفضل ولا شيء عليه.
(فصل)
أما العمرة فأركانها ثلاثة:
الإحرام، والطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة.
وواجباتها: الحلاق فحسب.
وسننها: الغسل عند الإحرام، والأدعية، والأذكار المشروعة في الطواف والسعي.
وقد بينا الحكم في تركها في الحج.
(فصل)
فإذا من الله تعالى عليه بالعافية، وقدم المدينة، فالمستحب له أن يأتي مسجد النبي ﷺ ، وليقل عند دخول المسجد:
اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، وافتح لي أبواب رحمتك، وكف عني أبواب عذابك، الحمد لله رب العالمين.
стр. 27
ثم يأتي القبر، وليكن بحذائه بينه وبين القبلة، ويجعل جدار القبلة خلف ظهره والقبر أمامه تلقاء وجهه والمنبر عن يساره، وليقم مما يلي المنبر وليقل:
السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم آت سيدنا محمدًا الوسيلة والفضيلة والدرجة الرفيعة وابعثه المقام المحمود الذي وعدته، اللهم صل على روح محمد في الأرواح، وعلى جسده في الأجساد، كما بلغ رسالتك وتلا آياتك وصدع بأمرك وجاهد في سبيلك وأمر بطاعتك ونهي عن معصيتك، وعادى عدوك ووالى وليك وعبدك حتى أتاه اليقين.
اللهم إنك قلت في كتابك لنبيك: ﴿ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابًا رحيمًا﴾ [النساء: ٦٤]. وإني أتيت بيتك تائبًا من ذنوبي مستغفرًا، فأسألك أن توجب لي المغفرة كما أوجبتها لمن أتاه في حياته، فأقر عنده بذنبه فدعا له نبيه فغفرت له.
اللهم إني أتوجه إليك بنبيك عليه سلامك نبي الرحمة، يا رسول الله إني أتوجه بك إلى ربي ليغفر لي ذنوبي، اللهم إني أسألك بحقه أن تغفر لي وترحمني، اللهم أجعل محمدًا أول الشافعين وأنجح السائلين وأكرم الأولين والآخرين.
اللهم كما آمنا به ولم نره وصدقناه ولم نلقه فأدخلنا مدخله واحشرنا في زمرته، وأوردنا حوضه واسقنا بكأسه مشربًا رويًا صافيًا سائغًا هنيئًا لا نظمأ بعده أبدًا غير خزايًا ولا ناكثين ولا مارقين ولا جاحدين ولا مرتابين، ولا مغضوب علينا ولا ضالين، واجعلنا من أهل شفاعته.
ثم يتقدم عن يمينه ثم ليقل:
السلام عليكما يا صاحبي رسول الله ﷺ ورحمة الله وبركاته، السلام عليك يا أبا بكر الصديق، السلام عليك يا عمر الفاروق، اللهم أجزهما عن نبيهما وعن
стр. 28
الإسلام خيرًا واغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غلًا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم.
ثم يصلي ركعتين ويجلس.
ويستحب أن يصلي بين القبر والمنبر في الروضة.
وإن أحب أن يتمسح بالمنبر تبركًا به.
ويصلي بمسجد القباء.
وأن يأتي قبور الشهداء ويزورهم: فعل ذلك وأكثر الدعاء هناك.
ثم إذا أراد الخروج من المدينة أتى مسجد النبي ﷺ وتقدم إلى القبر وسلم على رسول الله ﷺ وفعل كما فعل أولًا، وودعه وسلم على صاحبيه كذلك ثم قال:
اللهم لا تجعل آخر العهد مني بزيارة قبر نبيك، وإذا توفيتني فتوفني على محبته وسنته آمين يا أرحم الراحمين. وخرج سالمًا إن شاء الله.
* * *
стр. 29
كتاب الآداب
(فصل) الابتداء ب السلام سنة، ورده آكد من ابتدائه.
وهو مخير في صفته:
إما أن يدخل الألف واللام فيقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أو يحذفهما فيقول: سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ولا يزيد على ذلك.
وقد روي في ذلك حديث وهو: ما روي عن عمران بن الحصين رضي الله تعالى عنهما أنه قال: «جاء رجل أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: السلام عليكم، فرد ﵇، ثم جلس، فقال النبي ﷺ : عشرًا.
ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله، فرد عليه فجلس، فقال النبي ﷺ : عشرون.
ثم جاء آخر: فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فرد عليه فجلس، فقال النبي ﷺ : ثلاثون»، يعني ثلاثين حسنة.
والسنة أن يسلم الماشي على الجالس، والراكب على الماشي والجالس.
وسلام الواحد من الجماعة على غيرهم يجزئ.
وكذلك رد الواحد من الجماعة يجزئ عنهم.
стр. 30
ولا يجوز البداءة بالسلام على المشرك بحال، فإن بدأه مشرك رد عليه بأن يقول: وعليك.
وأما رده على المسلم بأن يقول: وعليكم السلام كما قال، وإن زاد إلى قوله: وبركاته كان أولى.
وإن قال مسلم لمسلم: سلام لم يجبه، ويعرفه انه ليس بتحية السلام، لأنه ليس بكلام تام.
ويستحب للنساء السلام بعضهن على بعض.
وأما سلام الرجل على المرأة الشابة فمكروه، وإن كانت برزة فلا حرج.
وأما السلام على الصبيان فمستحب؛ لأن فيه تعليمهم الأدب، وتحبيب الخير إليهم.
وكذلك يستحب لمن قام من المجلس أن سلم على أهله، وكذلك يسلم عليهم إذا عاد إليهم، وكذلك إن حال بينه وبينهم حائل مثل الباب والحائط، وكذلك إذا سلم على رجل ثم لقيه ثانيًا سلم عليه.
ولا يسلم على المتلبسين بالمعاصي، كمن أجتاز على قوم يلعبون بالشطرنج والنرد، أو يشربون الخمر، أو يلعبون بالجوز والقمار، وإن سلموا عليه رد عليهم، إلا أن يغلب على ظنه انزعاجهم عن معاصيهم بتركه الرد عليهم فإنه لا يرده.
ولا يهجر المسلم أخاه فوق الثلاث، إلا أن يكون من أهل البدع والضلال
стр. 31
والمعاصي فمستحب استدامة الهجر لهم، وبالسلام يتخلص من إثم الهجر للمسلم.
ويستحب للمسلم المصافحة لأخيه، ولا ينزع يده حتى ينزع الآخر يده إن كان هو المبتدئ.
وإن تعانقا وقبل أحدهما رأس الآخر ويده على وجه التبرك والتدين جاز.
وأما تقبيل الفم فمكروه.
(فصل: ويتسحب القيام للإمام العادل
والوالدين وأهل الدين والورع وكرام الناس)
وأصل ذلك ما روي أن رسول الله ﷺ أرسل إلى سعد ﵁ في شأن أهل قريظة، فجاء على حمار أقمر، فقال رسول الله ﷺ : «قوموا إلى سيدكم».
وقد روت عائشة ﵂ أنها قالت: كان رسول الله ﷺ إذا دخل على فاطمة رضي الله تعالى عنها قامت إليه فأخذت بيده وقبلته وأجلسته في مجلسها، وإذا دخلت على النبي ﷺ قام إليها وأخذ بيدها وقبلها وأجلسها في موضعه.
وقد روي عنه ﷺ أنه قال: «إذا جاءكم كريم قوم فأكرموه».
ولأن ذك يغرس المحبة والود في القلوب فاستحب لأهل الخير والصلاح كالمهاداة لهم، ويكره لأهل المعاصي والفجور.
ومن الآداب:
أن يخمر العاطس وجهه ويخفض صوته ويحمد الله إلى قوله رب العالمين رافعًا صوته، لأنه روي في بعض الأخبار عن النبي ﷺ أنه قال: «إن العبد إذا
стр. 32
قال الحمد لله، قال الملك رب العالمين، فإذا قال رب العالمين بعد الحمد لله قال الملك يرحمك ربك».
ولا يلتفت يمينًا ولا شمالًا، فإذا قال ذلك استحب لمن سمعه أن يشمته بأن يقول له: يرحمك الله ويرد عليه فيقول: يهديكم الله ويصلح بالكم، وإن قال يغفر الله لكم جاز عن الأول، فإن زاد العاطس على ثلاث مرات سقط التشميت لأن ذلك ريح وزكام، كما جاء في الأثر وهو ما روي عن سلمة بن الأكوع رضي الله تعالى عنه أنه قال: قال النبي ﷺ :
«ويشمت العاطس ثلاثًا، فإن زاد على ذلك فهو مزكوم».
وإن تثاءب غطى فمه بيده أو بكمه، لأن النبي ﷺ قال: «إذا تثاءب أحدكم فليمسك على فيه، فإن الشيطان يدخل مع التثاؤب».
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
«إن الله تعالى يحب العطاس ويكره التثاؤب، فإذا تثاءب أحدكم فليرده ما استطاع، ولا يقول هاه هاه فإن ذلك من الشيطان يضحك منه».
ويجوز للرجل تشميت المرأة البرزة العجوز، ويكره للشابة الخفرة، فأما الصبي فتشميه أن يقال له: بورك فيك، أو جزاك الله تعالى، أو خيرك الله تعالى.
(فصل: في العشر الخصال التي في الفطرة)
خمس منها في الرأس، وخمس في الجسد:
فالتي في الرأس: المضمضة والاستنشاق والسواك وقص الشارب وإعفاء اللحية.
والتي في الجسد: حلق العانة ونتف الإبط وتقليم الأظفار والاستنجاء والختان.
والأصل في قص الشارب ما روى ابن عمر رضي الله تعالى عنهما عن النبي ﷺ أنه
стр. 33
قال: «احفوا الشارب واعفوا اللحى» وفي حديث أبي هريرة ﵁ «قصوا الشوارب واعفوا اللحى»، كلا اللفظين واحد، ومعناها: قصه من أصول الشعر بالمقراض واستئصاله به.
وأما حلقه بالموسى فمكروه لما لما روى عبد الله بن عمر ﵄ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : «ليس منا من حلق»، ولأن في ذلك مثلة، وذهابًا لماء الوجه وجماله وفي بقاء أصول الشعر زينة وجمال.
وقد روى عن الصحابة ﵃ أنهم كانوا يجزون شواربهم، وأما إعفاء اللحية فهو توفيرها وتكثيرها، ومنه قوله تعالى: ﴿حتى عفوا﴾ [الأعراف: ٩٥] أي كثروا، وقد روي أن أبا هريرة رضي الله تعالى عنه كان يقبض على لحيته فما فضل من قبضته جزه، وكان عمر رضي الله تعالى عنه يقول: خذ ما تحت القبضة.
(فصل)
والأصل في حلق العانة ونتف الإبط وتقليم الأظافر ما روي عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أنه قال: «وقت لنا رسول -الله ﷺ أربعين ليلة لا نتجاوزها في قص الشارب وقص الأظفار ونتف الإبط وحلق العانة».
قال بعض أصحابنا: هذا في حق المسافر، وأما المقيم فلا يستحب له أن يزيد في ذلك على عشرين يومًا.
واختلفت الرواية عن الإمام أحمد في تصحيح هذا الحديث، فروي عنه إنكاره وروي عنه الاحتجاج به في التوقين بهذا المقدار.
فإذا ثبت استحباب ذلك فهو مخير بين التنوير بالنورة وبين حلقه بالموسى، فقد روي عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى أنه كان يتنور، وكذلك روي منصور بن حبيب بن أبي
стр. 34
ثابت ﵁ عن النبي ﷺ أنه طلى له أبو بكر وتولى هو عانته بيده.
وروي عن أنس رضي الله تعالى عنه خلافه فقال: «لم يتنور رسول الله ﷺ قط، وكان إذا كثر عليه الشعر حلقه».
فإذا ثبت هذا فيجوز أن يتولى ذلك غيره إذا لم يحسن هو حلقه فيما سوى العانة من الفخذ والساق، فإذا بلغ العانة تولاها هو بنفسه.
والأصل في ذلك ما روي عن أم سلمة ﵂: «إن النبي ﷺ كان إذا بلغ عانته نورها بنفسه»، وفي بعض الألفاظ: «إذا بلغ مراقه». وأخذ أحمد بن حنبل ﵀ بهذا.
قال أبو العباس النسائي: نورنا أبا عبد الله فلما بلغ عانته نورها بنفسه.
فإذا ثبت هذا وأنه يجوز إزالة هذه الشعور من العانة والفخذين والساقين بالنورة، فيجوز أيضًا بالموسى، لأنه أحد ما يزال به الشعر من المواضع المندوب إزالته، فجاز أن يزال به كالنورة.
ويؤيد هذا القياس حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه: «لم يتنور رسول الله ﷺ قط، وكان إذا كثر عليه الشعر حلقه».
ولا يقال إن الحلق والتنوير إنما وردا في العانة خاصة لما تقدم من حديث أم سلمة رضي الله تعالى عنها قالت: «إن النبي ﷺ كان إذا بلغ عانته نورها بنفسه»
فدل على أنه كان يولي غير العانة في إزالة الشعر لغيره، وليس ذلك إلا الفخذ والساق، وإن ذكر في ذلك حديث في المنع من ذلك فهو محمول على من أراد بذلك التزيين لرغبة الرجال فيه من العلوق المتشبهين بالنساء من المخانيث وغيرهم والله تعالى أعلم بالصواب.
стр. 35
(فصل: ويكره نتف الشيب)
لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله تعالى عنهم قال: «إن النبي ﷺ نهى عن نتف الشيب، وقال: إنه نور الإسلام».
وفي لفظ آخر قال رسول الله ﷺ : «لا تنتفوا الشيب، ما من مسلم ألبس شيبة في الإسلام إلا كانت له نورًا يوم القيامة»، وفي حديث يحيى: «إلا كتب الله تعالى له بها حسنة وحط عنه بها خطيئة».
فقد روي في بعض التفاسير في قوله : ﴿وجاءكم النذير﴾ [فاطر: ٣٧] أنه هو الشيب، فكيف يجوز إزالة النذير بالموت، والمذكر به، والناهي عن الشهوات واللذات، والكاف عنها المحث على التأهب والتجهز، للآخرة، وعمارة دار البقاء؟ ومع ذلك يكون مقاومًا للقدر، كارهًا لفعل الله تعالى به، وغير راض بقضائه ، مؤثرًا للشباب والطراوة والبقاء على حداثة السن، زاهدًا في الوقار والحرمة والتقمص بنور الإسلام وخلقة إبراهيم خليل الرحمن، لأنه روي في بعض الكتب: «إن أول من شاب في الإسلام إبراهيم الخليل ﵇».
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الله يستحي من ذي الشيبة» يعني من عذابه.
(فصل: ويستحب تقليم الأظفار يوم الجمعة)
ويكون مخالفًا بينها في الترتيب، لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «من قص أظفاره مخالفًا لم ير في عينيه رمدًا».
وفي حديث حميد بن عبد الرحمن عن أبيه «من قص أظفاره يوم الجمعة دخل فيه شفاء وخرج منه داء».
стр. 36
وقد روى هذه الفضيلة والاستحباب في ذلك يوم الخميس بعد العصر ومعنى المخالفة: أن يبدأ بالخنصر من اليمنى ثم بالوسطى ثم بالإبهام ثم بالبنصر ثم بالسبابة. ومن اليسرى أن يبدأ بالإبهام ثم الوسطى ثم الخنصر ثم السبابة ثم البنصر، هكذا فسره عبد الله بن بطة عن أصحابنا ﵀.
وروى وكيع عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: قال رسول الله ﷺ : «يا عائشة إذا أنت قلمت أظافرك فابدئي بالوسطى ثم الخنصر ثم الإبهام ثم البنصر ثم السبابة، فإن ذلك يورث الغنى».
وينبغي أن يكون التقليم بالمقص أو السكين، ويكره ذلك بالأسنان، وإذا قلم أظفاره يستحب له غسل البراجم ودفن الأظفار في التراب، وكذلك الشعور من الرأس والبدن، والدم من الحجامة والفصد لما روي عن النبي ﷺ أنه أمر بدفن الدم والشعر والظفر.
(فصل)
وأما حلق الرأس في غير الحج والعمرة والضرورة فمكروه في إحدى الروايتين عن الإمام أحمد ﵁، لما روي في حديث أبي موسى وعبد الله بن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: «ليس منا من حلق».
وروي الدارقطني في الأفراد عن جابر بن عبد الله ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: «لا توضع النواصي إلا في الحج أو عمرة»، ولأن النبي ﷺ ذم الخوارج وجعل سيماهم حلق الرؤوس، ولأن عمر ﵁ قال لصبيغ: «لو وجدتك محلوقًا لضربت الذي فيه عيناك».
стр. 37
وعن ابن عباس ﵄ أنه قال: الذي يحلق في المصر خليق بالشيطان، ولأن في ذلك تشبهًا بالأعاجم، وقد قال رسول الله ﷺ : «من تشبه بقوم فهو منهم».
وإذا ثبت كراهية ما ذكرنا جعل مكانة أخذ الشعر بالجلم وهو المقص، كما كان يفعل أحمد بن حنبل ﵁، وإن شاء استقص في ذلك فيقصه من أصله، وإن شاء أخذ أطراف الشعر، والرواية الأخرى، لا يكره ذلك لما روى أبو داود بإسناده عن عبد الله بن جعفر ﵄ قال: «إن النبي ﷺ أمهل آل جعفر ثلاثًا أن يأتيهم ثم أتاهم فقالوا: لا تبكوا على أخي بعد اليوم، ثم قال ﷺ : ادعوا لي بني أخي، فجيء بنا كأنا أفرخ، فقال ﷺ : ادعوا لي الحلاق، فأمره فحلق رؤوسنا.
وقد روي أن النبي ﷺ حلق رأسه في آخر عمره بعد أن كان شعره يضرب منكبيه.
وفي حديث علي ﵁: كان شعر رسول الله ﷺ إلى شحمتي أذنيه.
ولأن الناس عصرًا بعد عصر يحلقون ولم يظهر عليهم نكير، ولأن في ذلك مشقة وحرجًا فعفى عنه كما عفى عن سؤر الهرة وحشرات الأرض.
(فصل: ويكره القزع)
وهو أن يحلق بعض الشعر ويترك بعضه، لماروي عن النبي ﷺ : أنه نهى عن القزع.
وأما حلق القفا فمكروه إلا في الحجامة خاصة، لأن النبي ﷺ نهى عن حلق القفا إلا في الحجامة، لأنه من فعل المجوس، وكان أبو عبد الله أحمد يحلقه في الحجامة،
стр. 38
ولأن ذلك في حال الضرورة.
وأما اتخاذ الجمة وفرق الشعر فسنة مأثورة، روي أن النبي ﷺ فرق، وأمر أصحابه ﵃ بالفرق، وقد روى ذلك عن بضعة عشر من أصحاب النبي ﷺ منهم أبو عبيدة وعمار وابن مسعود ﵃.
(فصل: ويكره التحذيف للرجال)
وهو إرسال الشعر الذي بين العذار والنزعتين الذي هو عادة العلويين، ولا يكره ذلك للنساء، لما روى أبو بكر الخلال من أصحابنا بإسناده عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه كرهه.
وعن الوليد بن مسلم أنه قال: أدركت الناس وما هو من زيهم.
وأما أخذ الشعر من الوجه بالمنقاش فمكروه للرجال والنساء، لأن النبي ﷺ لعن المتنمصات. وهو أخذ الشعر من الوجه بالمنقاش، ذكره أبو عبيد.
وأما المرأة فيكره لها حف جبينها -بالزجاج والموسى- والشعر الخارج عن وجهها لما تقدم من النهي عن ذلك.
وقيل: يجوز لها ذلك لزوجها خاصة إذا طلب منها ذلك، وخافت إن لم تفعله أعرض عنها وتزوج بغيرها، فأدى إلى الفساد والمضرة بها، فيجوز لها ذلك لما فيه من المصلحة، كما جوز لها التزيين بألوان الثياب والتطيب بأنواع الطيب والتزوق له والملاعبة والممازحة معه.
فعلى هذا لعن النبي ﷺ المتنمصات على اللواتي أردن بذلك غير أزواجهن للفجور بهن والميل إليهن وترويج أنفسهن للزنا، والله أعلم.
стр. 39
(فصل: ويكره الخضاب بالسواد)
لما روى الحسن ﵁ أن النبي ﷺ قال في قوم يغيرون البياض بالسواد: «يسود الله تعالى وجوههم يوم القيامة».
وفي حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أن النبي ﷺ قال فيهم: «لا يريحون رائحة الجنة».
وأما الاخبار التي رويت في الرخصة في الخضاب بالسواد من أن النبي ﷺ قال: «اختضبوا بالسواد فإنه آنس للزوجة ومكيدة للعدو» فمحمول لأجل الحرب، وذكر الزوجة فيه تبعًا لا قصدًا.
(فصل)
فإذا ثبت كراهية السواد فالمستحب أن يخضب الرأس بالحناء والكتم، وقد خضب الإمام أحمد ﵀ رأسه وله ثلاث وثلاثون سنة، فقال له: عجلت، فقال له: هذه سنة رسول الله ﷺ .
وروى عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه أنه قال: خير ما غير به الشيب الحناء والكتم.
وأما خضاب رسول الله ﷺ فاختلف الناس في ذلك، فروي عن أنس رضي الله تعالى عنه أنه قال: إن النبي ﷺ لم يكن شاب إلى يسيرًا، ولكن أبا بكر وعمر ﵄ خضبا بعده بالحناء والكتم.
وروي أن أم سلمة رضي الله تعالى عنها: أخرجت للناس شعر رسول الله ﷺ مخضوبًا بالحناء والكتم، فدل حديثها على إثبات خضابه ﷺ بذلك.
وأما الخضاب بالورس والزعفران، فظاهر كلام الإمام أحمد رضي الله تعالى عنه فيه
стр. 40
الجواز، لما روي عن أبي مالك الأشجعي عن أبيه ﵁ أنه قال: «كان خضابنا لرسول الله ﷺ بالورس والزعفران».
فإذا ثبت هذا في شعر الرأس فمثله في اللحية، لعموم قوله ﷺ : «غيروا الشيب ولا تشبهوا باليهود».
وقوله ﷺ في حديث أبي ذر ﵁: «خير ما غير به الشيب الحناء والكتم». وهو عام في شعر الرأس واللحية.
وأيضًا ما روي أن أبا بكر الصديق ﵁ جاء بأبيه أبي قحافة ﵁ يوم فتح مكة إلى النبي ﷺ فقال النبي ﷺ لأبي بكر: لو أقررت الشيخ في بيته لأتيناه تكرمة لأبي بكر، فأسلم ورأسه ولحيته كالثغامة البيضاء، فقال رسول الله ﷺ : «غيروهما وجنبوه عن السواد». وهذا نص في كون اللحية كالرأس وفي المنع عن السواد.
وقال أبو عبيد: الثغامة نبت أبيض الزهر والثمر يشبه بياض الشيب به. وقال ابن الأعرابي: هي شجرة تبيض كأنها الثلج.
(فصل: ويستحب أن يكتحل وترًا)
لما روى أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ : «أنه كان يكتحل وترًا».
واختلف الناس في صفة الوتر في ذلك، فروي في حديث أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ كان يكتحل ثلاثًا في اليمنى وميلين في اليسرى، وروي في حديث ابن عباس ﵄: في كل عين ثلاثًا.
(فصل: ويدهن غبًا)
وهو أن يفعل ذلك يومًا ويترك يومًا، لما روى أبو هريرة ﵁ أن النبي:
следующие страницы →