Полный текст (666 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
وقد روى هذه الفضيلة والاستحباب في ذلك يوم الخميس بعد العصر ومعنى المخالفة: أن يبدأ بالخنصر من اليمنى ثم بالوسطى ثم بالإبهام ثم بالبنصر ثم بالسبابة. ومن اليسرى أن يبدأ بالإبهام ثم الوسطى ثم الخنصر ثم السبابة ثم البنصر، هكذا فسره عبد الله بن بطة عن أصحابنا ﵀.
وروى وكيع عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: قال رسول الله ﷺ : «يا عائشة إذا أنت قلمت أظافرك فابدئي بالوسطى ثم الخنصر ثم الإبهام ثم البنصر ثم السبابة، فإن ذلك يورث الغنى».
وينبغي أن يكون التقليم بالمقص أو السكين، ويكره ذلك بالأسنان، وإذا قلم أظفاره يستحب له غسل البراجم ودفن الأظفار في التراب، وكذلك الشعور من الرأس والبدن، والدم من الحجامة والفصد لما روي عن النبي ﷺ أنه أمر بدفن الدم والشعر والظفر.
(فصل)
وأما حلق الرأس في غير الحج والعمرة والضرورة فمكروه في إحدى الروايتين عن الإمام أحمد ﵁، لما روي في حديث أبي موسى وعبد الله بن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: «ليس منا من حلق».
وروي الدارقطني في الأفراد عن جابر بن عبد الله ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: «لا توضع النواصي إلا في الحج أو عمرة»، ولأن النبي ﷺ ذم الخوارج وجعل سيماهم حلق الرؤوس، ولأن عمر ﵁ قال لصبيغ: «لو وجدتك محلوقًا لضربت الذي فيه عيناك».
стр. 37
وعن ابن عباس ﵄ أنه قال: الذي يحلق في المصر خليق بالشيطان، ولأن في ذلك تشبهًا بالأعاجم، وقد قال رسول الله ﷺ : «من تشبه بقوم فهو منهم».
وإذا ثبت كراهية ما ذكرنا جعل مكانة أخذ الشعر بالجلم وهو المقص، كما كان يفعل أحمد بن حنبل ﵁، وإن شاء استقص في ذلك فيقصه من أصله، وإن شاء أخذ أطراف الشعر، والرواية الأخرى، لا يكره ذلك لما روى أبو داود بإسناده عن عبد الله بن جعفر ﵄ قال: «إن النبي ﷺ أمهل آل جعفر ثلاثًا أن يأتيهم ثم أتاهم فقالوا: لا تبكوا على أخي بعد اليوم، ثم قال ﷺ : ادعوا لي بني أخي، فجيء بنا كأنا أفرخ، فقال ﷺ : ادعوا لي الحلاق، فأمره فحلق رؤوسنا.
وقد روي أن النبي ﷺ حلق رأسه في آخر عمره بعد أن كان شعره يضرب منكبيه.
وفي حديث علي ﵁: كان شعر رسول الله ﷺ إلى شحمتي أذنيه.
ولأن الناس عصرًا بعد عصر يحلقون ولم يظهر عليهم نكير، ولأن في ذلك مشقة وحرجًا فعفى عنه كما عفى عن سؤر الهرة وحشرات الأرض.
(فصل: ويكره القزع)
وهو أن يحلق بعض الشعر ويترك بعضه، لماروي عن النبي ﷺ : أنه نهى عن القزع.
وأما حلق القفا فمكروه إلا في الحجامة خاصة، لأن النبي ﷺ نهى عن حلق القفا إلا في الحجامة، لأنه من فعل المجوس، وكان أبو عبد الله أحمد يحلقه في الحجامة،
стр. 38
ولأن ذلك في حال الضرورة.
وأما اتخاذ الجمة وفرق الشعر فسنة مأثورة، روي أن النبي ﷺ فرق، وأمر أصحابه ﵃ بالفرق، وقد روى ذلك عن بضعة عشر من أصحاب النبي ﷺ منهم أبو عبيدة وعمار وابن مسعود ﵃.
(فصل: ويكره التحذيف للرجال)
وهو إرسال الشعر الذي بين العذار والنزعتين الذي هو عادة العلويين، ولا يكره ذلك للنساء، لما روى أبو بكر الخلال من أصحابنا بإسناده عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه كرهه.
وعن الوليد بن مسلم أنه قال: أدركت الناس وما هو من زيهم.
وأما أخذ الشعر من الوجه بالمنقاش فمكروه للرجال والنساء، لأن النبي ﷺ لعن المتنمصات. وهو أخذ الشعر من الوجه بالمنقاش، ذكره أبو عبيد.
وأما المرأة فيكره لها حف جبينها -بالزجاج والموسى- والشعر الخارج عن وجهها لما تقدم من النهي عن ذلك.
وقيل: يجوز لها ذلك لزوجها خاصة إذا طلب منها ذلك، وخافت إن لم تفعله أعرض عنها وتزوج بغيرها، فأدى إلى الفساد والمضرة بها، فيجوز لها ذلك لما فيه من المصلحة، كما جوز لها التزيين بألوان الثياب والتطيب بأنواع الطيب والتزوق له والملاعبة والممازحة معه.
فعلى هذا لعن النبي ﷺ المتنمصات على اللواتي أردن بذلك غير أزواجهن للفجور بهن والميل إليهن وترويج أنفسهن للزنا، والله أعلم.
стр. 39
(فصل: ويكره الخضاب بالسواد)
لما روى الحسن ﵁ أن النبي ﷺ قال في قوم يغيرون البياض بالسواد: «يسود الله تعالى وجوههم يوم القيامة».
وفي حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أن النبي ﷺ قال فيهم: «لا يريحون رائحة الجنة».
وأما الاخبار التي رويت في الرخصة في الخضاب بالسواد من أن النبي ﷺ قال: «اختضبوا بالسواد فإنه آنس للزوجة ومكيدة للعدو» فمحمول لأجل الحرب، وذكر الزوجة فيه تبعًا لا قصدًا.
(فصل)
فإذا ثبت كراهية السواد فالمستحب أن يخضب الرأس بالحناء والكتم، وقد خضب الإمام أحمد ﵀ رأسه وله ثلاث وثلاثون سنة، فقال له: عجلت، فقال له: هذه سنة رسول الله ﷺ .
وروى عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه أنه قال: خير ما غير به الشيب الحناء والكتم.
وأما خضاب رسول الله ﷺ فاختلف الناس في ذلك، فروي عن أنس رضي الله تعالى عنه أنه قال: إن النبي ﷺ لم يكن شاب إلى يسيرًا، ولكن أبا بكر وعمر ﵄ خضبا بعده بالحناء والكتم.
وروي أن أم سلمة رضي الله تعالى عنها: أخرجت للناس شعر رسول الله ﷺ مخضوبًا بالحناء والكتم، فدل حديثها على إثبات خضابه ﷺ بذلك.
وأما الخضاب بالورس والزعفران، فظاهر كلام الإمام أحمد رضي الله تعالى عنه فيه
стр. 40
الجواز، لما روي عن أبي مالك الأشجعي عن أبيه ﵁ أنه قال: «كان خضابنا لرسول الله ﷺ بالورس والزعفران».
فإذا ثبت هذا في شعر الرأس فمثله في اللحية، لعموم قوله ﷺ : «غيروا الشيب ولا تشبهوا باليهود».
وقوله ﷺ في حديث أبي ذر ﵁: «خير ما غير به الشيب الحناء والكتم». وهو عام في شعر الرأس واللحية.
وأيضًا ما روي أن أبا بكر الصديق ﵁ جاء بأبيه أبي قحافة ﵁ يوم فتح مكة إلى النبي ﷺ فقال النبي ﷺ لأبي بكر: لو أقررت الشيخ في بيته لأتيناه تكرمة لأبي بكر، فأسلم ورأسه ولحيته كالثغامة البيضاء، فقال رسول الله ﷺ : «غيروهما وجنبوه عن السواد». وهذا نص في كون اللحية كالرأس وفي المنع عن السواد.
وقال أبو عبيد: الثغامة نبت أبيض الزهر والثمر يشبه بياض الشيب به. وقال ابن الأعرابي: هي شجرة تبيض كأنها الثلج.
(فصل: ويستحب أن يكتحل وترًا)
لما روى أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ : «أنه كان يكتحل وترًا».
واختلف الناس في صفة الوتر في ذلك، فروي في حديث أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ كان يكتحل ثلاثًا في اليمنى وميلين في اليسرى، وروي في حديث ابن عباس ﵄: في كل عين ثلاثًا.
(فصل: ويدهن غبًا)
وهو أن يفعل ذلك يومًا ويترك يومًا، لما روى أبو هريرة ﵁ أن النبي:
стр. 41
- ﷺ «نهى أن يترجل الرجل إلا غبًا».
والفضيلة في ذلك ان يكون بدهن البنفسج على سائر الأدهان، لما روى أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «إن فضل دهن البنفسج على سائر الأدهان كفضلي على سائر الناس».
(فصل)
ويستحب ألا يخلو الإنسان سفرًا وحضرًا عن سبعة أشياء بعد تقوى الله تعالى والثقة به وهي:
التنظيف والتزيين، والمكحلة، والمشط، والسواك، والمقص، والمدراء: وهي خشبة مدورة الرأس أوفى من شبر يتخذها العرب والصوفية يدرؤون بها عن أنفسهم الأذى كالقمل وغيرها، ويحكون بها الجسد، ويقتلون الدبيب حتى يباشروا كل شيء بأيديهم، والسابع: قارورة الدهن، لأنه روي في حديث عائشة ﵂: أن النبي ﷺ ما كان يفوته ذلك حضرًا ولا سفرًا.
(فصل: فيما يكره من الخصال)
يكره الصفير والتصفيق، وفرقعة الأصابع في الصلاة.
ويكره تخريق الثياب في حق المتواجد عند السماع، ولا يعارض في ذلك الواجد.
ويكره الأكل على الطريق.
ومد الرجل بين جلسائه، والإتكاء الذي يخرج به عن مستوى الجلوس لأنه تجبر وهوان بالجلساء إلا من العذر.
ويكره إطالة الثياب.
ويكره مضغ العلك لأنه دناءة.
ويكره التشدق بالضحك، والقهقهة ورفع الصوت في غير حاجة وينبغي أن يكون
стр. 42
مشيه معتدلًا، لا يسارع إلى حد يصدم الماشي، ويتعب نفسه، ولا يخطر بحيث يورثه العجب.
ويكره في البكاء النحيب والتعداد إلا أن يكون من خوف الله تعالى أو الندم على ما فات من أوقات ببطالاته، أو انكسار قلبه عند عدم بلوغه إلى درجة لحظها فيبكي حسرة عليها.
ويكره إزالة درنه بحضرة الناس.
ويكره الكلام في المواضع المستقذرة كالحمام والخلاء وما أشبه ذلك، وكذلك لا يسلم ولا يرد على مسلم.
ويكره كشف رأسه بين الناس، وما ليس بعورة مما جرت العادة بستره.
ويحرم كشف العورة.
ويكره أن يقسم بأبيه أو بغير الله في الجملة، فإن حلف حلف بالله أو فليصمت، كذلك جاء في الأثر عن النبي ﷺ .
(فصل: في الاستئذان)
ينبغي له إذا قصد باب إنسان أن يسلم فيقول: السلام عليكم، أأدخل؟ لما روي «أن رجلًا من بني عامر استأذن على رسول الله ﷺ وهو في بيت، فقال: أألج؟ فقال النبي ﷺ لخادمه: أخرج إلى هذا وعلمه الاستئذان، فقال له: قل السلام عليكم، أأدخل؟ فسمعه الرجل فقال: السلام عليكم، أأدخل؟ فأذن له فدخل».
ويدير ظهره إلى الباب ولا يبعد، لأنه يمنعه من سماع الجواب، يفعل كذلك ثلاثًا، فإن أجيب فيها وإلا انصرف، إلا أن يغلب على ظنه أنه لم يسمع نداءه لما بينهما من بعد أو شغل، كان له أن يزيد على الثلاث والأصل في ذلك ما روى أبو سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «الاستئذان ثلاث، فإن أذن لك فأدخل وإلا فارجع».
стр. 43
وسواء في ذلك الأجانب والأقارب المحرمات كالأم وما شاكلها لأن النبي ﷺ سأله رجل هل علي أن أستأذن على أمي؟ قال: نعم، قال: إني معها في البيت، قال ﷺ استأذن عليها، قال: إني خادمها، قال: استأذن عليها، أتحب أن تراها عريانة؟.
فأما زوجته وأمته فالجائز له وطؤها فليس عليه الاستئذان في حقهما، لأن أكثر ما في ذلك أن تصادف منكشفة أو منبسطة، وقد أبيح له النظر إلى أبدانهن، ولكن يستحب له أن يحرك نعله أولًا إذا دخل المنزل ليعلم دخوله، نص على ذلك الإمام أحمد في رواية مهنى عنه.
ثم إذا دخل يسلم على أهله ليكثر خير بيته، كما جاء في الأثر. وسنستوفي ذلك في باب دخول المنزل إن شاء الله تعالى.
ولا يطرق أهله ليلًا لنهى النبي ﷺ أن يطرق الرجل أهله ليلًا، وقد فعل ذلك رجلان فوجدا عند أهلهما ما يكرهان.
فإذا أذن له في دار غيره فدخل جلس حيث يأذن له صاحب الدار، وإن كان من أهل الذمة.
وإن فاجأ قومًا وهم على طعامهم فلا يأكل إلا أن يكون صاحب الطعام ممن جرت عادته بالسماحة وطيب القلب بذلك.
(فصل: فيما يستحب فعله بيمينه وما يستحب فعله بشماله)
يستحب له تناول الأشياء بيمينه، والأكل والشرب والمصافحة والبداءة بها في الوضوء والانتعال ولبس الثياب، وكذلك يبدأ في الدخول إلى المواضع المباركة كالمساجد والمشاهد والمنازل والدور برجله اليمنى.
وأما الشمال فلفعل الأشياء المستقذرة وإزالة الدرن كالاستنثار والاستنجاء وتنقية الأنف وغسل النجاسات كلها إلا أن يشق عليه ذلك أو يتعذر كالمشلول والمقطوع يساره
стр. 44
فيفعلها بيمينه، ولا يمشي في نعل واحد إلا أن يكون ذلك يسيرًا بمقدار ما يصلح الأخرى إذا انقطع شسعها.
وإذا أراد أن يناول إنسانًا توقيعًا أو كتابًا فليقبضه بيمينه.
وإذا مشى مع من هو أعلى منه في المنزلة والفضل فليمش عن يمينه يجعله كإمامه في الصلاة، وإن كان دونه في المنزلة يجعله عن يمينه ويمشي عن يساره وقد قيل: المستحب المشي على اليمين في الجملة لتخلي اليسار للبزاق وغيره.
* * *
(فصل: في آداب الأكل والشرب)
ويستحب للآكل أن يسمي الله تعالى عند أكله ويحمده عند فراغه، وكذلك عند الشرب، لأن ذلك أبرك لطعامه وأبعد لشيطانه، لما روي أن أصحاب النبي ﷺ قالوا: «يا رسول الله إنا نأكل ولا نشبع، قال رسول الله ﷺ : فلعلكم تفترقون؟ قالوا: نعم، قال ﷺ : فاجتمعوا على طعامكم واذكروا اسم الله تعالى يبارك لكم فيه».
وعن جابر بن عبد الله ﵄ أنه سمع النبي ﷺ يقول: «إذا دخل الرجل بيته فذكر الله تعالى عند دخوله وعند طعامه قال الشيطان لأولاده لا مبيت لكم ولا عشاء، وإذا دخل فلم يذكر اسم الله عند دخوله قال الشيطان: أدركتم المبيت، فإذا لم يذكر اسم الله عند طعامه قال: أدركتم المبيت والعشاء».
وعن حذيفة ﵁ أنه قال: كنا إذا حضرنا مع رسول الله ﷺ طعامًا لم يضع أحدنا يده حتى يبدأ رسول الله ﷺ ، وإنا حضرنا معه طعامًا فجاء أعرابي كأنما يدفع، فذهب يده في الطعام، فأخذ رسول الله ﷺ بيده، ثم جاءت جارية كأنما تدفع، فذهبت لتضع يدها في الطعام فأخذ رسول الله ﷺ بيدها، وقال: إن الشيطان
стр. 45
يستحل الطعام الذي لم يذكر اسم الله عليه، وإنه جاء بهذا الأعرابي يستحل به فأخذت بيده، وجاء بهذه الجارية يستحل بها فأخذت بيدها، فوالذي نفسي بيده إن يده في يدي مع أيديهما».
وإن نسى أن يذكر اسم الله تعالى عند أوله فليقل: بسم الله أوله وآخره، هكذا روي في حديث عائشة ﵂ عن النبي ﷺ .
ويستحب أن يبدأ بالملح ويختم به.
ويتناول اللقمة بيمينه ويصغرها ويجيد مضغها ويطيل بلعها.
ويأكل مما يليه إذا كان نوعًا واحدًا، وإن كان أنواعًا فلا بأس أن يجيل يده في القصعة، وكذلك إذا كان ثمارًا أو فاكهة، ولا يأكل من ذروة الطعام ووسطه بل يأكل من جوانبه.
وإن كان ثريدًا أكل بثلاث أصابع ولعقها.
ولا ينفخ في الطعام ولا الشراب، ولا يتنفس في إنائه.
وإذا ضاق نفسه نحى القدح عن فيه، فإذا تنفس أعاده إليه.
ويكره الاتكاء في الأكل.
ويجوز الأكل والشرب قائمًا، وقيل: يكره، والجلوس أحب.
وإذا أراد دفع الإناء إلى أحد من جلسائه بدأ بمن عن يمينه.
لا يجوز الأكل والشرب في أواني الذهب والفضة ولا المضبب بهما إذا كان ذلك كثيرًا.
وإذا قدم بين يديه في شيء من ذلك طعام رفعه من الإناء إلى الخبز أو إناء غير ذلك الجنس ثم أكله.
والإنكار على من أحضره واجب.
وكذلك الحكم في البخور في مداخن الذهب والفضة.
стр. 46
وكذلك الحكم في ماء الورد من المراش المتخذة من ذلك، فيحرم عليه الحضور في تلك البقعة، ويتعين عليه الإنكار والقيام عن ذلك المجلس.
ويكون إنكاره برفق أن يقول: تمام سروركم أن تتجملوا بما أباحته الشريعة وجعلته حلالًا، لا بما حرمته وحظرته، ولا خير في لذة تؤول إلى معصية، اذكروا رحمكم الله قول النبي ﷺ : «من شرب في إناء ذهب أو فضة أو إناء فيه شيء من ذلك فإنما يجرجر في بطنه نار جهنم».
وإذا حصلت اللقمة في فيه فلا يخرجها منه إلا أن يضطر إلى ذلك لشرقة أو حرارة يتضرر بها.
وإذا عطس على طعامه خمر وجهه واحتاط بستره لأجل الطعام.
وإذا كان على رأسه إنسان قائم أذن له بالجلوس، فإن أبى عليه أو قام مملوكه أو غلامه لقضاء حاجته وسقيه الماء أخذ من أطايب الطعام فلقمه.
ويستحب مسح الإناء من فضلة الطعام ولقط الفتات من جوانب الإناء والطبق.
ويستحب أن يباسط الإخوان بالحديث الطيب، والحكايات التي تليق بالحال، إذا كانوا منقبضين.
وينبغي أن يأكل مع أبناء الدنيا بالأدب، ومع الفقراء بالإيثار، ومع الإخوان بالانبساط، ومع العلماء بالتعلم والإتباع.
وإذا أكل مع ضرير أعلمه بما بين يديه فربما فاته أطايب الطعام لعماه.
ويستحب الإجابة إلى وليمة العرس، فإن أحب أن يأكل أكل وإلا دعا وانصرف، لما روى جابر بن عبد الله ﵄ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : «من دعى فليجب فإن شاء طعم وإن شاء ترك».
وعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «من دعى فلم يجب فقد عصا الله تعالى ورسوله، ومن دخل على غيره دعوة دخل سارقًا وخرج مغيرًا».
стр. 47
هذا الذي ذكرناه إذا كان ذلك خاليًا عن المنكر، فإن حضره منكر كالطبل والمزمار والعود والناي والشيز والشبابة والرباب والمغاني والطنابير والجعران التي يلعب بها الترك لا يجلس هناك، لأن جميع ذلك محرم.
وأما الدف فيجوز استعماله في النكاح.
وسماع القول بالقصب، والرقص مكروه، لما فسر بعض المفسرين قوله : ﴿ومن الناس من يشتري لهو الحديث﴾ [لقمان: ٦] فقال هو الغناء والشعر.
وجاء في بعض الأحاديث عن رسول الله ﷺ أنه قال: «الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت السيل البقل».
وسئل الشبلي ﵀ عن الغناء فقال: أحق هو؟ قيل: لا، قال: ﴿فماذا بعد الحق إلا الضلال﴾ [يونس: ٣٢].
ثم يكفى في كراهته، ما في ذلك من ثوران الطبع وهيجان الشهوة والميل إلى النساء، وأباطيل النفوس ورعوناتها والطرب والسخف والدناءة، والاشتغال بذكر الله تعالى أطيب وأسلم لمن آمن بالله واليوم الآخر.
ودعوة الختان ليست مستحبة، ولا على من دعى إليها أن يجيب.
ويكره التقاط النثار لأنه يشبه النهبة، وقد سخف ودناءة.
ويكره حضور طعام الولائم ما عدا العرس إذا كان على الصفة التي وصفها رسول الله ﷺ يمنع منه المحتاج ويحضره المستغنى عنه.
ويكره لأهل الفضل والعلم في الجملة التسرع إلى إجابة الطعام والتسامح بذلك لما فيه من الذلة والدناءة والشره، لاسيما إذا كان حاكمًا، وقيل: ما وضع أحد يده في قصعة أحد إلا ذل.
ويحرم التطفل على طعام الناس وهو دخوله مع المدعوين من غير أن يدعى، وهو ضرب من الوقاحة والغصب، ففيه إثمان:
أحدهما: الأكل لما لم يدع إليه.
стр. 48
والآخر: دخوله إلى منزل الغير بغير إذنه، والنظر إلى أسراره والتضييق على من حضره.
ومن الأدب أن لا يكثر النظر في وجوه الآكلين لأنه مما يحشمهم.
ولا يتكلم على الطعام بما يستقذره الناس من الكلام، ولا بما يضحكهم خوفًا عليهم من الشرق، ولا بما يحزنهم لئلا ينغص على الآكلين أكلهم.
ويستحب غسل اليد قبل الطعام وبعده، وقيل: يكره قبل الطعام ويستحب بعده.
ويكره أكل البقلة الخبيثة، وهي الثوم والبصل والكراث لكراهة ريحه، وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: «من أكل من هذه البقلة الخبيثة فلا يقربن مصلانا».
وكثرة الأكل بحيث يخاف من التخمة مكروهة، وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: «ما ملأ ابن آدم وعاء شرًا من بطنه».
ويكره لغير صاحب الطعام من الضيف أن يلقم من حضر معه على الطبق إلا بإذن صاحب الطعام، لأنه يأكل على ملك صاحبه على وجه الإباحة، وليس ذلك بتمليك، ولهذا اختلف الناس في الوقت الذي يحصل فيه الطعام ملكًا للأكل:
فقال قوم: إذا حصل في فيه واستهلك.
وقال آخرون: لا يملكه بل يأكله على ملك مالكه.
وإذا قدم الطعام فلا يحتاج بعد التقديم إلى إذن إذا كان قد جرت العادة في ذلك البلد للآكل كذلك، فيكون العرف إذنًا.
ويكره إخراج شيء من فيه ورده إلى القصعة.
ويكره التخلل على الطعام.
ولا يمسح يده بالخبز ولا يستبذله.
ولا يخلط طعامًا بطعام يعني ألوان الطبائخ، لأنه قد يكره ذلك طباع كثير من الناس، وإن كانت نفسه تميل إليه فيترك ذلك لأجلهم.
ولا يجوز له ذم الطعام، ولا لصاحب الطعام استحسانه ومدحه ولا تقويمه لأنه
стр. 49
دناءة، وقد روي أن النبي ﷺ ما مدح طعامًا ولا ذمه.
ولا يرفع يده حتى يرفعوا أيديهم، إلا أن يعلم منهم الانبساط إليه فلا يتكلف ذلك.
ويستحب أن يجعل ماء الأيدي في طست واحد، لما روى في الخبر «لا تبددوا يبدد الله شملكم».
وروي أن النبي ﷺ نهى أن يرفع الطست حتى يطف، يعني يمتلئ.
ولا يغسل يده بما يطعم من دقيق الباقلاء والعدس والهرطمان وغير ذلك، ويجوز بالنخالة.
ولا يقرن بين التمرتين لنهيه ﷺ عن ذلك، وقيل: لا يكره ذلك إن كان وحده أو كان هو صاحب الطعام.
ولا يتخير الأطعمة على صاحب الدار بل يقنع بما قدمه، لأن ذلك يحمله على التكلف، وقد قال ﷺ : «أنا وأتقياء أمتي براء من التكلف». فإن استدعى منه صاحب الدار التشهي عليه كان له أن يذكر شهوته.
ويكره له رد الهدية وإن قلت إذا كانت حلالًا طيبة، واجتهد في المكافأة أو الدعاء له.
ومن سقط في طعامه أو شرابه شيء فلا يخلو إما أن يكون له نفس سائلة ما عدا السمك فيكون الطعام نجسًا، ويحرم أكله إذا كان مائعًا، وإن كان جامدًا رفعه وما حوله.
وإن كان مما لا نفس له سائلة: فإن كان من ذوات السموم لم يأكله، ويحرم الطعام لأجل الضرر به لا لعينه كالحية والعقرب، وإن كان ذبابًا غمسه في الطعام حتى يغوص جناحاه ثم أخرجه، وإن مات فإن الطعام طاهر يأكله، لما روي أن النبي ﷺ قال: «إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه فيه، فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء وأنه يتقى بالذي فيه الداء».
стр. 50
ويستحب مص الشراب، ولا يكرعه كرعًا، ويقطعه ثلاث دفعات للنفس.
ولا يتنفس في الإناء.
ويسمي على أوله ويحمد الله في آخره.
والاختصار لهذه الجملة أن قول هي اثتنا عشرة خصلة:
أربع منها فريضة وأربع سنة وأربع آداب.
فأما الفريضة: فالمعرفة بما يأكله من أين هو، والتسمية، والرضا، والشكر.
وأما السنة: فالجلوس على الرجل اليسرى، والأكل بثلاث أصابع، ولعق الأصابع، والأكل مما يليه.
وأما الآداب: فالمضغ الشديد وتصغير اللقم، وقلة النظر إلى وجوه القوم، وألا يفرش المائدة بالخبز ويضع فوقه الأدم، وألا يأكل متكئًا ولا مضجعًا ولا منبطحًا على بطنه.
(فصل)
فإذا أفطر عند غيره قال:
أفطر عندكم الصائمون، وأكل طعامكم الأبرار، وتنزلت عليكم الرحمة، وصلت عليكم الملائكة، الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين، وهدانا من الضلالة وفضلنا على كثير من خلقه تفضيلًا، اللهم اشبع جياع أمة محمد ﷺ ، واكس عاريها، وعاف مرضاها، ورد غائبها، واجمع شمل أهل الدار، وأدر أرزاقهم، واجعل دخولنا بركة، وخروجنا مغفرة، وآتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار برحمتك يا أرحم الراحمين
* * *
стр. 51
(فصل: في آداب الحمام)
بناء الحمام وبيعه وشراؤه وكراؤه مكروه في الجملة، لما فيه من مشاهدة عورات الناس، وقد روي عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: بئس البيت الحمام ينزع من أهله الحياء ولا يقرأ فيه القرآن.
وأما دخوله فالأولى ألا يدخله إذا وجد من ذلك بدًا، لما ورد عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه كان يكره الحمام، ويعلل بأنه من رقيق العيش.
وعن الحسن وابن سيرين أنهما كان لا يدخلان الحمام.
وقال عبد الله بن الإمام أحمد رحمهما الله: ما رأيت أبي قد دخل الحمام.
وإن كان به حاجة إلى ذلك ودعته الضرورة جاز له دخوله مستترًا بمئزر غاضًا بصره عن عورات الناس.
وإن أمكنه إن يخلي الحمام له فيدخله بالليل أو وقتًا يقل زبونه بالنهار فلا بأس. وقد سئل الإمام أحمد ﵀ عن ذلك فقال: إن كنت تعلم أن كل من في الحمام عليه إزار فادخله وإلا فلا تدخله.
وقد روت عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: «بئس البيت الحمام بيت لا يستر وماؤه لا يطهر».
وقالت عائشة ﵂ أيضًا: «ما يسر عائشة أنها داخلته ولها مثل أحد ذهبًا»
وقال ﷺ في حديث جابر بن عبد الله ﵄: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدخل الحمام إلا بمئزر».
وأما النساء فإنما يجوز لهن دخول بالشرائط التي ذكرناها في حق الرجال، ووجود العذر والحاجة كالمرض والحيض والنفاس، لما روى ابن عمر ﵂ عن النبي
стр. 52
- ﷺ أنه قال: «ستفتح عليكم أرض العجم، وستجدون بيوتًا يقال لها الحمام، فلا يدخلها الرجال إلا بإزار، وامنعوا منها النساء إلا مريضة أو نفساء».
وإذا دخل الحمام فلا يسلم ولا يقرأ القرآن، لما تقدم من حديث علي ﵁.
(فصل: في النهي عن التعري في الجملة وفي حال الغسل)
روى أبو داود بإسناده عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: قلت يا رسول الله عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟ قال: احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك، قال: قلت: يا رسول الله إذا كان القوم بعضهم في بعض قال: إن استطعت ألا يرينها أحدٌ فلا يرينها، قال: قلت: يا رسول الله إذا كان أحدنا خاليًا؟ قال: الله أحق أن يستحيا منه من الناس».
وروى أبو داود بإسناده عن أبي سعيد الخدري ﵁ وعن النبي ﷺ قال: «لا ينظر الرجل إلى عرية الرجل، ولا تنظر المرأة إلى عرية المرأة، ولا يفضي الرجل إلى الرجل في ثوب، ولا تفضي المرأة إلى المرأة في ثوب».
وأما حالة الغسل في موضع خال لا يراه أحد، فيكره له أن يغتسل بلا مئزر، لما روى أبو داود بإسناده عن عطاء عن يعلى بن أمية أن رسول الله ﷺ رأى رجلًا يغتسل بالبزار بلا إزار، فصعد المنبر فحمد الله تعالى وأثنى عليه وقال: «إن الله حيي ستير يحب الستر والحياء فإذا اغتسل أحدكم فليستتر».
وأما إن دخل الماء للغسل أو لغيره فيكره أيضًا بلا مئزر، لأن للماء سكانًا لما روى جابر بن عبد الله ﵄ عن النبي ﷺ «أنه نهى أن يدخل الرجل الماء بلا مئزر».
стр. 53
وعن الحسن ﵀ أنه قال: «إن للماء سكانًا، وإن أحق من استتر من سكانه لنحن».
(فصل) وقد رخص الإمام أحمد ﵀ في ذلك في رواية أخرى وأنه لا يكره ذلك، لأنه سئل عن رجل كان عند نهر ليس يراه احد، قال: أرجو.
ومعنى ذلك أنه لا يكون به بأس.
والأولى والأصح: ما تقدم من النهي.
* * *
(فصل: في لبس الخواتم واتخاذه)
عن أبي داود ﵀ بإسناده عن أنس بن مالك ﵁ قال:
«أراد رسول الله ﷺ أن يكتب إلى بعض الأعاجم فقيل له: إنهم لا يقرؤون كتابًا إلا بخاتم، فاتخذ خاتمًا من فضة، ونقش فيه محمد رسول الله».
وعن أنس ﵁ أنه قال: «كان خاتم رسول الله ﷺ من فضة كله فصه منه».
وفي لفظ عن أنس ﵁ قال: «كان خاتم رسول الله ﷺ من ورق فصه حبشي».
وروى أبو داود بإسناده عن نافع عن ابن عمر ﵄ قال: «اتخذ رسول الله ﷺ خاتمًا من ذهب وجعل فصه مما يلي بطن كفه، ونقش فيه: محمد رسول الله، فاتخذ الناس خواتم الذهب فلما رآهم قد اتخذوها رمي به وقال: لا ألبسه أبدًا، ثم اتخذ خاتمًا من فضة نقش فيه محمد رسول الله، ثم لبس الخاتم بعده أبو بكر، ثم لبسه بعد أبي بكر عمر، ثم لبسه عثمان حتى وقع في بئر أريس».
стр. 54
(فصل) ويكره اتخاذه من الحديد والشبه، لما رواه أبو داود بإسناده عن عبد الله بن بريدة عن أبيه ﵁ قال: ((إن رجلًا جاء إلى رسول الله- ﷺ وعليه خاتم من شبه فقال له: ما لي أجد منك ريح الأصنام فطرحه، ثم جاء وعليه خاتم من حديد، فقال: ما لي أرى عليك حلية أهل النار فطرحه، فقال: يا رسل الله من أي شيء أتخذه؟ قال- ﷺ : اتخذه من ورق ولا تتمه مثقالًا".
(فصل) ويكره التختم في الوسطى والسبابة، لما روي أن النبي- ﷺ نهى عليًا ﵁ عن ذلك.
(فصل) والاختيار التختم في اليسرى وفي الخنصر، لما روى أبو داود ﵀ بإسناده عن نافع عن ابن عمر ﵄ أن النبي- ﷺ كان يتختم في يساره، وكان فصه في باطن كفه. وروى ذلك عن أكثر السلف الصالح، ولأن خلاف ذلك عادة وشعار المبتدعة، ولأن المستحب أن يكون تناول الأشياء باليمين، لتوضع بالشمال، وفي ذلك صيانة للخاتم وصيانة للمكتوب عليه من الأسماء والحروف.
وقد روى عن علي ﵁ أن النبي- ﷺ كان يتختم في يمينه فعلى هذا اليمين واليسار سواء، والاختيار الأول.
* * *
(فصل: في آداب الخلاء والاستنجاء)
إذا أراد دخول الخلاء نحى عنه ما كان فيه ذكر الله كالخاتم والتعويذ وغيرهما.
ويقدم رجله اليسرى ويؤخر اليمنى ويقول: بسم الله أعوذ بالله من الخبث والخبائث ومن الرجس النجس الشيطان الرجيم.
لما روى عن النبي- ﷺ أنه قال: ((إن هذه الحشوش محتضرة، فاستعيذوا بالله من
стр. 55
الشيطان، وليقل أحدكم أعوذ بالله من الرجس النجس الخبيث الشيطان الرجيم)).
ويكون مغطى الرأس مستترًا، ولا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض، ويكون اعتماده على رجله اليسرى؛ لأنه أسهل لخروج الخارج، ولا يتكلم ولا يرد على من يسلم عليه، ولا يجيب متكلمًا، ويحمد الله في قلبه عند العطاس، ولا يرفع رأسه إلى السماء، ولا يضحك مما يخرج منه ولا من غيره، ويبعد عن الناس، ويهيئ موضعًا مستقلًا رخوًا لبوله لئلا يترشش عليه، ولا يرى عورته أحدًا، فإن كان الموضع صلبًا أو مهب الريح ألصق رأس ذكره بالأرض، وإن كان في الصحراء لم يستقبل القبلة ولم يستدبرها بل يشرق أو يغرب كما جاء في الخبر. ولا يستقبل الشمس والقمر، ولا يبل في جحر، ولا تحت شجرة مثمرة، ولا غير مثمرة لأنه قد يستظل بها الناس فتتلوث ثيابهم، وقد يسقط من ثمرها فيتنجس، ولا في الطريق، ولا في مشرعة نهر، ولا في فناء حائط لأنه بذلك يستحق اللعنة كما ورد في الخبر.
ولا يذكر الله في موضعه بالقرآن ولا بغيره تنزيهًا لاسمه .
ولا يزيد على بسم الله، والتعوذ من الشيطان على ما ذكرنا.
فإذا فرغ قال: ((الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني، غفرانك)). ثم يقوم عن موضعه إلى موضع طاهر، ولا يستنجي هناك لئلا تتلوث يده بالنجاسة، أو يرش الماء على بدنه وثيابه، ثم ينظر فإن كان الخارج لم ينتشر عن المخرج إلا بمقدار ما جرت العادة به كان مخيرًا بين الاستجمار بجامد وبين الاستنجاء بالماء! فإن اختار الجامد فالاختيار الحجر، وعدده ثلاثة أحجار إن كان لم يستجمر بهن أحد من قبل، طاهرة فيأخذ حجرًا منها بيمينه، فيبدأ بالقبل بعد أن يمسح أصل ذكره إلى رأسه، وينثره ثلاثًا بيده اليسار متنحنحًا ليتحقق استفراغ البول بذلك فهو ال استبراء.
ويأخذ ذكره بشماله، ويمده على الحجر الذي في يمينه فيمسحه عليه، حتى يرى موضع المسح جافًا، يفعل كذلك بثلاثة أحجار، وإن لم يقدر على الأحجار فبثلاث
стр. 56
خرق أو خزف أو مدر أو ثلاث حيثات من تراب، أو يمسحه على الأرض أو الحائط عند عدم هذه الأشياء، حتى يرى الجفافة والنشافة عن أثر كل مسحة، فإذا فعل ذلك فقد سقط عنه حكم القبل.
وينبغي أن يحتزر عن مد الذكر في الاستبراء من موضع الحشفة؛ لأنه قد يبقى البول في قصبة الإحليل ثم يخرج بعد فراغه من الوضوء فيبطل وضوؤه، ولهذا شرع في حقه أن يخطو خطوات قبل الاستبراء والتنحنح خوفًا من بقاء شيء من البول في الإحليل.
وأما الدبر فيأخذ الحجر بشماله ويمسحه على المسربة من مقدمها إلى أن يبلغ مؤخرها، ثم يرمى به، ثم يأخذ الحجر الثاني ويبدأ به من مؤخرها فيمسحها إلى أن يبلغ مقدمها ثم يرمى به، ثم يأخذ الحجر الثالث فيديره حول المسربة فيرمي به، وقد حصل بذلك الإجزاء.
فإن لم ينق بذلك بأن رأى على الحجر الأخيرة نداوة زاد إلى خمسة، وإن لم ينق بذلك زاد إلى سبعة أو تسعة، ولا يقطعه إلا على وتر. وإن نقى بحجر واحد أو باثنين زاد إلى ثلاثة، لأن الشرع بذلك ورد.
وقد ذكر للاستجمار صفة أخرى، وهو أن يأخذ الحجر بشماله فيضعه على مقدم صفحته اليمنى، ثم يمره إلى مؤخرها، ثم يديره إلى اليسرى فيمره عليها إلى مؤخرها حتى يبلغ الموضع الذي بدأ منه، ويأخذ حجرًا آخر فيمره من مقدم صفحته اليسرى كذلك، ثم يأخذ حجرًا آخر فيمسح به الوسط. الكل جائز فقد جاء في الأثر أن رجلًا قال لبعض الصحابة من الأعراب وقد خاصمه: ((لا أحسبك أنك تحسن الخراءة، فقال: بلى وأبيك إني بها لحاذق. قال: فصفها لي، قال أبعد الأثر، وأعد المدر، واستقبل الشيخ، واستدبر الريح، واقعي إقعاء الظبي، واجفل إجفال النعام)).
أما الشيخ: فهو نبت طيب الريح يكون بالبادية، والإقعاء هاهنا: الاسييفاز على صدور قدميه، والإجفال: ارتفاع عجزه عن الأرض.
(فصل) والاستنجاء بالماء أن يمسك قضيبه بيده اليسرى، ويطرح الماء باليمنى فيغسله سبعًا بعد الاستبراء والتنحنح وفضل إزعاج على ما ذكرناه.
وقد شبه فقهاء المدينة ﵏ الذكر بالضرع، فلا يزال يخرج منه الشيء بعد الشيء ما دام الرجل يمده، فإذا وقع الماء على الذكر انقطع البول.
стр. 57
وأما الدبر فيباشر المحل بيده اليسرى، ويصب الماء باليمنى فيتابع صبه ويسترخي قليلًا قليلًا، ويجود ذلك الموضع بيده حتى يتيقن نظافته وينقى.
ولا يلزمه غسل باطن المخرجين، لأن ذلك مما عفى عنه في الشرع. وعليه الاستنجاء من الريح.
والفضيلة في الجمع بين الاستجمار بالجامد وبين الاستنجاء بالماء، فإن اقتصر على الحجر أجزأه، لكن استعمال الماء أولى في الجملة، لأنه قيل: إذا لم يستنج بالماء اعتراه الوسواس، ولهذا قيل: إن قومًا من الشعراء لا يستنجون بالماء، لأن كلام الخنا والفحش يجيء بذلك، فهو سببه.
نعوذ بالله من كلام يثمره القذر والنتن.
(فصل) وأما إذا انتشرت النجاسة إلى معظم حشفته في القبل، والصفحتين في الدبر لم يجزه غير الماء، لأنها خرجت من محل الترخيص، فصارت النجاسة التي على بقية البدن من الفخذ والصدر وغيرهما، فلا تزول إلا بالماء.
(فصل) وصفة ما يجوز به الاستجمار أن يكون جامدًا طاهرًا منقيًا غير مطعون لا حرمه له وغير متصل بحيوان.
ولا يجوز بالروث والرمة، لأنهما من طعام الجن.
ولا بشيء لزج يلطخ، فلا ينقى كالحمة والزجاجة والحصاء الملساء.
(فصل) ويجب ما ذكرنا من الاستنجاء لجميع مع يخرج من السبيلين سوى الريح وذلك كالغائط والبول والدود والحصا والدم والمدة والشعر.
وأما الذكر فالخارج منه خمسة أشياء:
أحدها: البول.
والثاني: المذي وهو ماء أبيض رقيق يخرج عند اللذة وعند الملاعبة والتذكار، وحمه حكم البول وزيادة غسل الذكر والأنثيين، كما قال النبي- ﷺ في حديث علي ﵁: ((ذلك ماء الفحل، ولكل فحل ماء)). فليغسل ذكره وأنثييه وليتوضأ وضوءه للصلاة.
стр. 58
والثالث: الودي وهو ماء أبيض خائر بأثر البول فحكمه حكم البول فقط.
والرابع: المني وهو الماء الأبيض الدافق عند اللذة الكبرى بالجماع أو الاحتلام. وقد يكون أصفر عند قوة الرجل، وقد يكون أحمر عند كثرة الجماع، وقد يكون رقيقًا عند ضعف البنية والقوة. ويعلم بالرائحة كرائحة الطلع والعجين، وهو طاهر في أشهر الروايتين. وموجبه غسل جميع البدن. وماء المرأة رقيق أصفر.
والخامس: الريح يخرج من القبل نادرًا كما يخرج من الدبر.
(فصل: في كيفية الطهارة الكبرى)
وهي على ضربين: كاملة ومجزئة.
أما الكاملة فهي أن يأتي بالنية وهو اعتقاده رفع الحدث الأكبر أو الجنابة، فإن تلفظ به مع اعتقاده بقلبه كان أفضل. ويسمى عند أخذ الماء، ويغسل يديه ثلاثًا، ويغسل ما به من الأذى، ثم يتوضأ وضوءًا كاملًا.
ويؤخر غسيل قدميه، ويحثى على رأسه ثلاث حثيات من الماء، يروى بها أصول شعره، ويفيض الماء على سائر جسده ثلاثًا، ويدلك بدنه بيديه ويتتبع المغابن وغضون البدن، ويتحقق وصول الماء إليهما، لقوله- ﷺ : ((خللوا الشعر، وأنقوا البشرة، فإن كل شعرة جنابة)).
ويبدأ بشقه الأيمن، ثم ينتقل من موضع غسله فيغسل قدميه، فإن سلم في خلال ذلك من نواقض الطهارة الصغرى جاز له أن يصلي بهذه الطهارة، لأنا نحكم له برفع الحدثين معًا، وإلا أحدث للصلاة وضوءًا. والأصل في جميع ذلك ما روى عن عائشة ﵂ أنها قالت: ((كان رسول الله- ﷺ إذا أراد الغسل من الجنابة يغسل يديه ثلاثًا، ثم يأخذ بيمينه فيصب على شماله، ثم يتمضمض ويستنشق ثلاثًا، ويغسل وجه ثلاثًا، وذراعيه ثلاثًا، ثم يصب على رأسه الماء ثلاثًا، ثم يغتسل، فإذا خرج غسل قدميه)).
стр. 59
وأما المجزئ فهو أن يغسل فرجه، وينوي ويسمي يعم بدنه بالغسل مع المضمضة والاستنشاق، لأنهما واجبتان، وفي الصغرى روايتان أصحهما وجوبهما فيها أيضًا.
ولا يجوز له أن يصلي بهذا الغسل إلا أن ينوي به الغسل والوضوء، ويتداخل بقية أفعال الوضوء في الغسل للعذر بالنية.
وإذا عدمت النية لم يحصل له الوضوء، فلا تصح الصلاة، وقد قال النبي- ﷺ : ((لا صلاة لمن لا وضوء له)). بخلاف الأول فإنه قد أتى فيه بالوضوء الكامل.
والإسراف في استعمال الماء غير مستحب، والاقتصاد هو المحمود المندوب إليه، وقلة الماء مع أحكام الغسل والوضوء أولى من الإسراف. وقد روى أن النبي- ﷺ توضأ بمد وهو رطل وثلث، واغتسل بصاع وهو أربعة أمداد.
(فصل: في الأذكار المستحب ذكرها عند غسل الأعضاء)
يقول إذا فرغ من الاستطابة: اللهم نق قلبي من الشك والنفاق، وحصن فرجي من الفواحش.
ويقول عند التسمية: أعوذ بك من همزات الشياطين، وأعوذ بك رب أن يحضرون.
ويقول عند غسل يديه: اللهم إني أسألك اليمين والبركة، وأعوذ بك من الشؤم والهلكة.
ويقول عند المضمضة: اللهم أعني على تلاوة كتابك، وكثرة الذكر لك.
ويقول عند الاستنشاق: اللهم أوجدني رائحة الجنة، وأنت راض عني.
ويقول عند الاستنشار: اللهم إني أعوذ بك من روائح النار ومن وسوء الدار.
ويقول عند غسل وجهه: اللهم بيض وجهي يوم تبيض وجوه أوليائك، ولا تسود وجهي يوم تسود فيه وجوه أعدائك.
ويقول عند غسل ذراعه اليمنى: اللهم آتني كتابي بيميني، وحاسبني حسابًا يسيرًا.
وعند غسل ذراعه اليسرى: اللهم إني أعوذ بك أن تؤتيني كتابي بشمالي، أو من وراء ظهري.
ويقول عند مسح الرأس: اللهم غشني برحمتك، وأنزل علي من بركاتك، وأظلني
стр. 60
تحت ظل عرشك يوم لا ظل إلا ظلك.
ويقول عند مسح الأذنين: اللهم اجعلني من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، اللهم أسمعني منادي الجنة مع الأبرار.
ثم يمسح عنقه فيقول: اللهم فك رقبتي من النار، وأعوذ بك من السلاسل والأغلال.
ويقول عند غسل قدمه اليمنى: اللهم ثبت قدمي على الصراط مع أقدام المؤمنين.
ويقول عند غسل قدمه اليسرى: اللهم إني أعوذ بك أن تزل قدمي عن الصراط يوم تزل فيه أقدام المنافقين.
فإذا فرغ من وضوئه رفع رأسه إلى السماء، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحد لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، سبحانك وبحمدك لا إله إلا أنت، عملت سوءًا وظلمت نفسي، أستغفرك وأسألك التوبة فاغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الرحيم. اللهم اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين، واجعلني صبورًا شكورًا، واجعلني أذكرك كثيرًا، وأسبحك بكرة وأصيلًا.
* * *
(فصل: في آداب اللباس)
وهو على خمسة أضرب:
محرم على كل مكلف، ومحرم على شخص دون شخص، ومكروه، ومباح، متنزه عنه.
فأما المحرم على كل مكلف فالمغصوب.
وأما المحرم على شخص دون شخص فالحرير مباح للنساء حرام على بالغي الذكور.
وهل يباح أن يلبسوه الصغار أم لا؟ على روايتين.
وكذلك في إباحة لبسه للبالغين في قتال المشركين وجهادهم روايتين، فهذا هو الضرب المباح.
وأما المكروه فهو إطالة الثواب إلى حد يخرج إلى الخيلاء والكبر، وكذلك ما فيه الحرير والقطن ولا يعلم هل هما نصفان أو أحدهما أكثر.
стр. 61
وأما المتنزه عنه فهو كل لبسة يكون بها مشتهرًا بين الناس، كالخروج عن عادة أهل بلده وعشيرته فينبغي أن يلبس ما يلبسون ولا يباينهم فيها حتى لا يشار إليه بالأصابع ويغتاب فيكون ذلك سببًا إلى حملهم على غيبته، فيشاركهم في إثم الغيبة له.
(فصل) ولنا قسمان آخران في: اللباس:
أحدهما: واجب، والآخر: مندوب.
فأما الواجب فعلى ضربين:
أحدهما: يرجع إلى حق الله تعالى.
والثاني: إلى حق الإنسان خاصة.
فأما الذي لحق الله تعالى فهو سترة العورة عن أعين الناس على ما بيناه في فصل التعري.
وأما الذي لحق الإنسان فهو الذي يتوقى به من الحر والبرد وأنواع المضار. فيجب عليه ذلك، ولا يجوز تركه، لأن فيه عونًا على إتلاف نفسه وذلك حرام.
وأما المندوب فكذلك ينقسم إلى قسمين:
أحدهما: في حق الله تعالى، وهو الرداء إذا كان في جماعة ومجمع الناس فلا يعري منكبيه من شيء من الثياب الجميلة، كالأعياد والجمع وغير ذلك.
والقسم الثاني: في حق المخلوقين وهو ما يتجملون به بينهم من أنواع الثياب المباحة، ولا يزري بصاحبه، ولا ينقص مروءته بينهم.
ويكره الاقتعاط وهو التعمم بغير الحنك.
ويستحب التلحي وهو إذا كان بالحنك.
ويكره كل ما خالف زي العرب وشابه زي الأعاجم.
وتطويل الذيل مكروه، لأنه ورد في الأثر عن النبي ﷺ أنه قال: ((إزرة المسلم إلى نصف الساق، ولا حرج أو لا جناح فيما بينه وبين الكعبين، ما كان أسفل من الكعبين فهو في النار، من جر إزره بطرًا لم ينظر الله إليه)) ذكره أبو داود بإسناد عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي- ﷺ .
стр. 62
واشتمال الصماء مكروه في الصلاة وهو أن يلتحف بثوب ويجعل طرفيه على جانب فلا يكون ليه موضع تخرج منه، ولذلك سمى الصماء.
وكذلك يكره السدل وهو أن يترك وسط ردائه على رأسه وباقيه مسدل على ظهره، وهي لبسة اليهود.
وكذلك يكره الاحتباء وهو أن يجلس ويضم ركبتيه إلى نحو صدره ويدير ثوبه من وراء ظهره إلى أن يبلغ ركبتيه ويشده، حتى يكون كالمعتمد عليه والمستند إليه، إذا لم يكن عليه ثوب، لأنه يؤدي إلى انكشاف عورته، ولا بأس بذلك، إذا كان تحت ثوب.
وكذلك يكره التلثم وتغطية الأنف في الصلاة.
ويكره التشبه بزي النساء للرجال.
وكذلك يكره للنساء التشبه بزي الرجال، لأن النبي- ﷺ لعن فاعله وتوعد عليه.
ويكره الإقعاء في الصلاة، وهو أن يمد ظهر قدميه، ويجلس على عقبيه، أو يجلس على إليته وينصب قدميه، قال النبي- ﷺ : ((إقعاء كإقعاء الكلب))، فنهى عنه.
ويكره لبس ما تشف منه الأبدان من الثياب، وإن شفت منه العورة كان فاسقًا كما لو كشفها إذا تعمد لبسه، ولا تصح صلاته فيها.
وقد مدح الشرع السراويل بقوله- ﷺ : ((السراويل نصف الكسوة)).
وهي في حق الرجال أوكد.
ويكره توسعة بوائكه، وتضييقها أولى وأحب، لأنه أستر للعورة، وقد روى أنه- ﷺ قال: (اللهم اغفر للمسرولات))، قال ذلك في حق امرأة مر بها علت بائكة فسقطت، فأدار وجهه عنها، فقيل له: إنها مسرولة.
وفي بعض الأحاديث عنه- ﷺ أنه كره السراويل المخرفجة، وهي الواسعة الطويلة التي تقع على ظهر القدمين، وأصله: السعة يقال: عيش مخرف إذا كان واسعًا.
وأفضل اللباس ما كان ساترًا.
стр. 63
وأفضل ألوان الثياب ما كان أبيض لقوله- ﷺ : ((خير ثيابكم البياض))، وفي لفظ آخر: ((عليكم بالبياض يلبسها أحياؤكم وكفنوا فيها موتاكم)).
وعن ابن عباس ﵄ أنه قال: قال رسول الله- ﷺ : ((ألبسوا من ثيابكم البياض فإنها من خير ثيابكم وكفنوا فيها موتاكم، وإن خير أكحالكم الأثمد يجلو البصر وينبت الشعر)).
* * *
(فصل: في آداب النوم)
يستحب لمن أراد أن ينام أن يوكئ سقاءه، ويطفئ سراجه، ويغلق بابه، ويغسل فاه إذا كان قد أكل ما له رائحة لئلا يقصده الدبيب، ويسمي باسم الله ، ويقول:
ما روى أبو داود بإسناده عن سعد بن عبيدة قال: حدثين البراء عن عازب قال: قال لي رسول الله: ((إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة ثم اضطجع على شقك الأيمن وقل: اللهم أسلمت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رهبة ورغبة إليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت، ونبيك الذي أرسلت. قال: فإن مت مت على الفطرة، واجعلهن آخر ما تقول. قال البراء فقلت استذكرهن فقلت وبرسلوك الذي أرسلت قال: لا، وبنبيك الذي أرسلت)).
ويكون نومه على ما ذكر في الخبر على جنبه الأيمن مستقبل القبلة كما يكون في اللحد، وإن نام على ظهره متفكرًا في ملكوت السماوات والأرض فلا بأس.
ويكره نومه على وجهه.
وإذا رأى في منامه ما يزعجه استعاذ بالله تعالى من شره، وتفل عن يساره ثلاثًا، وقال: اللهم ارزقني خير رؤياي، واكفني شرها. ويقرأ آية الكرسي وقل هو الله أحد والمعوذتين، إلا أن يكون جنبًا. ولا يفسر منامه إلا على من يحسن من عالم أو حكيم
стр. 64
ويكون محبًا. ولا يفسر ما رآه من الأحلام لأن الشيطان يتمثل له.
وقد روى عن أبي قتادة ﵁ أنه قال: سمعت رسول الله- ﷺ يقول: ((الرؤيا من الله، والحلم من الشيطان، فإذا رأى أحدكم شيئا يكرهه فلينفث عن يساره ثلاث مرات، ثم ليتعوذ من شرها فإنها لا تضره)).
وعن أبي هريرة ﵁ أنه قال: ((إن رسول الله- ﷺ كان إذا انصرف من صلاة الغداة يقول: هل رأى أحد منكم الليلة رؤيا؟ ويقول: إنه ليس يبقى بعدي من النبوة إلا الرؤيا الصالحة)).
وفي حديث عبادة بن الصامت عن النبي- ﷺ أنه قال: ((رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة)).
وإذا أراد الخروج من منزلة ذكر الكلمات التي وردت في حديث الشعبي عن أم سلمة ﵂ أنها قالت: ما خرج رسول الله- ﷺ من بيتي قط إلا رفع طرفه إلى السماء فقال: ((اللهم إني أعوذ بك أن أضل أو أضل، أو أزل أو أزل، أو أظلم أو أظلم، أو أجهل أو يجهل علي)) ويقرأ: قل هو الله أحد مع المعوذتين إذا أصبح وإذا أمسى، ويدعو مع ذلك بدعاء رسول الله- ﷺ : ((اللهم بك نصبح وبك نمسي، وبك نحيا وبك نموت، ويزيد في الصباح: وإليك النشور، وفي المساء: وإليك المصير)).
ويقول مع ذلك: اللهم اجعلني من أعظم عبادك عندك نصيبًا في كل خير تقسمه في هذا اليوم وفيما بعده من نور تهدي به أو رحمة تنشرها أو رزق تبسطه أو ضر تكشفه أو ذنب تغفره أو شدة تدفعها أو فتنة تصرفها أو معاناة تمن بها برحمتك إنك على كل شيء قدير.
стр. 65
وإذا أراد دخول المسجد فليقدم رجله اليمنى ويؤخر رجله اليسرى ويقول: بسم الله السلام على رسول الله- ﷺ ، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد واغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك.
وليسلم على من كان في المسجد. فإن لم يكن فيه أحد قال: السلام علينا من ربنا .
وإذا دخله لا يجلس حتى يأتي بركعتين، ثم إن شاء تنفل وإلا جلس مشتغلًا بذكر الله ، أو صامتًا لا يذكر شيئا من أمور الدنيا.
ولا يكثر كلامه إلا ما لابد منه.
فإن كان قد دخل وقت الصلاة صلى السنة والفرض في الجماعة.
فإذا فرغ وأراد الخروج فليقدم رجله اليسرى ويؤخر رجله اليمنى وليقل: بسم الله السلام على رسول الله- ﷺ ، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد واغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب فضلك.
ويستحب له في دبر كل صلاة أن يسبح الله ثلاثًا وثلاثين، ويحمده ثلاثًا وثلاثين، ويكبره ثلاثًا وثلاثين، ويختم المئة بلا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير.
ويستحب له المداومة على الطهور، فإنه روى عن النبي- ﷺ في حديث أنس بن مالك ﵁ أنه قال: ((دم على الطهور تزد في عمرك، وصل بالليل والنهار ما استطعت تحبك الحفظة، وصل صلاة الضحى فإنها صلاة الأوابين، وسلم على أهل بيتك إذا دخلت بيتك يكثر خير بيتك، ووقر كبير المسلمين، وارحم صغيرهم ترافقني في الجنة)). فقد جمع هذا الحديث آدابًا جمة.
* * *
стр. 66
(فصل: في دخول المنزل والكسب من الحلال والوحدة)
وإذا أراد دخول منزله:
فلا يدخل حتى يتنحنح، ويقول: السلام علينا من ربنا، فقد جاء من بعض الأخبار: أن المؤمن إذا خرج من منزله وكل الله تعالى ببابه ملكين يحفظان ماله وأهله، ويوكل إبليس سبعين شيطانًا مردة، فإذا دنا المؤمن من بابه قال الملكان: اللهم وفقه إن كان انقلب بكسب طيب، فإذا تنحنح دنا الملكان وتباعدت الشياطين، وإذا قال: السلام علينا من ربنا توارت الشياطين، وقام الملكان أحدهما عن اليمين، والآخر عن الشمال.
وإذا فتح الباب فقال: بسم الله، ذهبت الشياطين ودخل معه الملكان، وحسنا له كل شيء في منزله، وأطابا له معيشة يومه وليلته، فإذا جلس المؤمن قام الملكان على رأسه فإن أكل أكل طيبًا، وإن شرب شرب طيبًا ما دام في منزله يومه وليلته، وكان طيب النفس.
فإن لم يفعل من ذلك شيئًا ذهب عنه الملكان، ودخل معه الشياطين، وقبحوا كل ما في منزله في عينه، وأسمعه أهله ما يسوؤه حتى يكون بينه وبين أهله ما يفسد عليه دينه.
وإن كان أعزب ألقوا عليه النعاس والكسل، وإن نام نام جيفة، وإن جلس جلس في تمنى ما لا ينفعه، خبيث النفس، ويفسدون عليه طعامه وشرابه ونومه.
وأما الكسب:
فقد روى أبو هريرة ﵁ عن رسول الله- ﷺ أنه قال: ((من طلب الدنيا حلالًا استعفافًا عن المسألة وسعيًا على أهله وتعطفًا على جاره بعثه الله تعالى يوم القيامة ووجهه كالقمة ليلة البدر، ومن طلب الدنيا حلالًا مكاثرًا مفاخرًا مرائيًا لقى الله يوم القيامة وهو عليه غضبان)).
وعن ثابت البناني ﵀ أنه قال: ((بلغني أن العافية في عشرة أشياء: تسعة منها في السكوت وواحدة في الفرار من الناس، والعبادة عشرة: تسعة منها في طلب المعيشة وواحدة في العبادة)).
وروى عن جابر بن عبد الله ﵄ عن رسول الله- ﷺ أنه قال: ((لا يفتح
стр. 67
الرجل على نفسه بابًا من المسألة إلا فتح الله عليه بابًا من الفقر، ومن يستعف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله، ولئن يأخذ أحدكم حبلًا ثم يعمد إلى هذا الوادي فيحتطب منه، ثم يأتي سوقكم فيبيعه بمد تمر خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه)).
وروى ((ما من رجل يفتح على نفسه بابًا من المسألة إلا فتح الله عليه سبعين بابًا من الفقر)).
وروى عن رسول الله- ﷺ أنه قال: ((إن الله يحب كل مؤمن محترف أبا العيال، ولا يحب الفارغ الصحيح لا في عمل الدنيا ولا في عمل الآخرة)).
وروى أن داود نبي الله سأل الله تعالى أن يجعل كسبه من يده، فألان له الحديد، فصار في يده كالعجين والشمع، يتخذ منه الدروع فيبيعها فيعيش هو وعياله بثمنها.
وقال ابنه سليمان ﵉: رب قد أعطيتني من الملك ما لم تعط أحدًا من قبلي، وسألتك أن لا تعطيه أحدًا من بعدي فأعطيتنيه، فإن قصرت في شكرك فدلني على عبد هو أشكر لك مني، فأوحى الله تعالى إليه: يا سليمان: إن عبدًا يكتسب بيده يد جوعه ويستر عورته ويعبدني هو أشكر لي منك. فقال: يا رب اجعل كسبي بيدي. فأتاه جبريل ﵇ فعلمه عمل الخوص، يتخذ منه القفاف، فأول من عمل الخوص سليمان ﵇.
وقيل عن بعض الحكماء إنه قال: لا يقوم الدين والدنيا إلا بأربعة: العلماء والأمراء والغزاة وأهل الكسب.
فالأمراء هم الرعاة يرعون الخلق.
والعلماء هم ورثة الأنبياء وهم يدلون الخلق على الآخرة، والناس يقتدون بهم.
والغزاة هم جند الله في الأرض، يقمع بهم الكفار.
وأما أهل الكسب فهم أمناء الله تعالى، بهم مصالح الخلق وعمارة الأرض.
стр. 68
فالرعاة إذا صاروا ذئابًا فمن يحفظ الغنم؟
والعلماء إذا تركوا العلم اشتغلوا بالدنيا فبمن يقتدي الخلق؟
والغزاة إذا ركبوا للفخر والخيلاء، وخرجوا للطمع فمتى يظفر بالعدو؟
وأهل الكسب إذا خانوا الناس فكيف يأمنهم الناس؟
وإذا لم يكن في التاجر ثلاث خصال افتقر في الدنيا والآخرة.
أولها: لسان نقي عن ثلاث: الكذب واللغو والحلف.
والثانية: قلب صاف من الغش والخيانة والحسد لجاره وقرينه.
والثالثة: نفس محافظة لثلاث خصال: الجمعة والجماعات، وطلب العلم في بعض ساعات الليل والنهار، وإيثار مرضاة تعالى على غيره.
وإياك والكسب الحرام فقد قيل: إذا كسب العبد خبيثًا وأراد أن يأكل منه، وقال: بسم الله، قال الشيطان: كل إني كنت معك حين كسبته فلا أفارقك، إنما أنا شريكك، فهو شريك كل كاسب حرام. قال الله : ﴿وشاركهم في الأموال والأولاد﴾ [الإسراء: ٦٤] فالأموال: الحرام، والأولاد: أولاد الزنا. كذا ذكر في التفسير.
وقد روى عن ابن مسعود ﵁ عن رسول الله- ﷺ أنه قال: ((لا يكتسب العبد مالًا من الحرام ويتصدق به فيؤجر عليه، ولا ينفق منه فيبارك له فيه، ولا يتركه خلف ظهره إلا كان زاده إلى النار)).
وبالجملة إنه لا يمتنع من الحرام إلا من هو مشفق على لحمه ودمه فدين المرء لحمه ودمه فليجتنب الحرام وأهله، ولا يجالسهم، ولا يأكل طعام من كسبه حرام، ولا يدل أحدًا على حرام، فيكون شريكه، فالورع هو ملاك الدين وقوام العبادة واستكمال أمر الآخرة.
وأما الوحدة والعزلة:
فقد جاء عن النبي- ﷺ أنه قال: ((عليكم بالعزلة فإنها عبادة)).
وقال النبي- ﷺ : ((المؤمن جليس بيته)).
стр. 69
وقال النبي- ﷺ : ((أفضل الناس رجل اعتزل يكفي الناس شره)).
وفي بعض الألفاظ عنه- ﷺ أنه قال: ((الغريب هو الذي يفر بدينه)).
وعن بعض السلف أنه قال: هذا زمان السكوت ولزوم البيوت- وهو بشر الحافي-.
وقيل لسعد بن أبي وقاص لما تفرد في قصره بالعقيق: تركت أسواق الناس ومجالس الإخوان وتخليت، فقال: رأيت أسواقهم لاغية ومجالسهم لاهية، فوجدت الاعتزال فيما هناك عافية.
وقال وهيب بن الورد ﵀: ((خالطت الناس خمسين سنة فما وجدت رجلًا غفر لي زلة، ولا ستر لي عورة، ولا أمنته إذا غضب، وما وجدت منهم إلا من يركب هواه)).
وعن الشعبي ﵀ أنه قال: ((تعاشر الناس بالدين زمنًا طويلًا حتى ذهب الدين، ثم تعاشروا بالمروءة حتى ذهبت المروءة، ثم تعاشروا بالحياء حتى ذهب الحياء، ثم تعاشروا بالرغبة والرهبة، وأظن أنه سيجيء بعد هذا ما هو أشد منه)).
وقال الحكيم: ((العبادة عشرة أجزاء تسعة في الصمت وواحدة في العزلة، فراودت نفسي على الصمت فلم أقدر عليه، فصرت إلى العزلة فجمعت لي التسعة)).
وكان يقول: ((لا شيء أوعظ من القبر، ولا آنس من الكتاب، ولا أسلم من الوحدة)).
وقال بشر بن الحارث ﵀: إنما يطلب العلم ليهرب به من الدنيا لا لتطلب به الدنيا.
وروى عن عائشة ﵂ أنها قالت: ((قيل: يا رسول الله: أي جلسائنا خير؟ قال- ﷺ : من ذكرتكم الله تعالى رؤيته، وزاد في عملكم منطقه، وذكركم الآخرة عمله)).
وكان عيسى ابن مريم ﵇ يقول: ((يا معشر الحواريين تحببوا إلى الله ببغض أهل المعاصر، وتقربوا إلى الله تعالى بالتباعد عنهم، والتمسوا رضاه بسخطهم)).
стр. 70
وإن كان لابد من المخالطة فلتكن للعلماء، فإن النبي- ﷺ قال: ((مجالسة العلماء عبادة)).
وقال- ﷺ : ((ألزم قلبك التفكر وجسدك التصبر وعينك البكاء، ولا تهتم لرزق غد فإن ذلك خطيئة تكتب عليك، والزم المساجد فإن عمار بيت الله تعالى هم أهل الله ).
وقال- ﷺ : ((من أكثر الاختلاف إلى المساجد أصاب أخًا مستفادًا ورحمة منتظرة وكلمة تدل على هدى وأخرى تصرف عن الردى وعلمًا مستطرفًا وترك الذنوب حياء وحشية)).
ولو اعتزل الإنسان الناس مهما اعتزل لم يكن له متسعًا في الشرع اعتزال الجمعة والجماعات، فلا يجوز له تركها في الجملة، لأنه يكفر بمداومته على ترك الجمعة لما روى عن النبي- ﷺ أنه قال: ((من ترك الجمعة ثلاثًا من غير عذر طبع الله تعالى على قلبه)).
وفي حديث جابر ﵁: ((واعلموا أن الله قد افترض عليكم الجمعة في مقامي هذا في شهري هذا في عامي هذا إلى يوم القيامة، من تركها وله إمام عادل أو جائر استخفافًا بها أو جحودًا لها فلا جمع الله له شمله ولا أتم له أمره ألا لا صلاة له، ألا لا زكاة له، ألا لا حج له، ألا لا صوم له، إلا أن يتوب، من تاب تبا الله عليه.
ولأن في تركها استهابة بمنادي الله وهو قول الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله﴾ [الجمعة: ٩]، ومن استهان بالله تعالى وبمناديه يكفر، فعليه التوبة وتجديد الإسلام، ويتوب الله على من تاب.
ولا يجوز له تركها إلا لعذر يبيحه الشرع كما قيل: ((خذ عن الناس جانبًا غير طاعن
стр. 71
عليهم ولا تارك لجماعتهم)).
فليجتهد المرء في الاعتزال عن الناس ما استطاع إلا ممن يكون عونًا له في أمر دينه، لأن الكذب إنما يجري بين اثنين، والفجور بين اثنين، وقتل النفس بين اثنين وقطع المال بين اثنين، والسلامة من ذلك في الاعتزال والانفراد.
* * *
(فصل: في آداب السفر والصحبة فيه)
وإذا أراد سفرًا أو حجًا أو غزوًا أو تحولًا من دار إلى دار أو طلب حاجة فليصل ركعتين، ثم يطلب حاجته، ويتحول.
وأما في السفر فليقل على إثر الركعتين: ((اللهم بلغ بلاغًا مبلغ خير ومغفرة منك ورضوانًا بيدك الخير وأنت على كل شيء قدير، اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل والمال والولد، اللهم هو علينا السفر واطو لنا البعيد، اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر وكآبة المنقلب وسوء المنظر في الأهل والولد والمال)).
ويتحرى أن يكون ذلك بكرة خميس أو سبت أو اثنين.
وإذا استوى على راحلته قال: ﴿سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين * وإنا إلى ربنا لمنقلبون﴾ [الزخرف: ١٣ - ١٤].
وإذا رجع من السفر صلى ركعتين وقال: ((آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون))، لأنه روى عن النبي- ﷺ أنه كان يفعله.
وإذا خرج فلا يكن قائدًا للناس إذا وجد من يقودهم، ولا يشير عليهم بمنازل ينزلونها إذا وجد من يكفيه ذلك.
وعليه بالصمت وحسن الصحبة وكثرة المنفعة لإخوانه، وإياه والقيل والقال.
ولا ينزل على الطريق ولا على ماء، فإن مأوى الحيات والسباع بل يتنحى عنه،
ولا يعرس على الطريق فإنه مكروه.
وينبغي أن يكون سفره على لسان المعرفة.
стр. 72
ويخرج من أوصافه المذمومة إلى صفاته المحمودة، فيخرج من هواه إلى طلب رضا مولاه بتصحيح تقواه.
فأول ما يجب عليه إذا أراد أن يسافر من بلده أن يرضي خصومه ويرضي والديه أو من هو في حكمهما من الأجداد والخالات.
ويخلف لعياله ما يمونهم في مدة سفره، أو يستصحبهم ويحملهم معه.
وينبغي أن يكون سفره لطاعة من الطاعات كالحج أو زيارة النبي- ﷺ أو زيارة شيخ أو موضع من المواضع الشريفة.
أو لمباح كالتجارة والعلم بعد أحكام علوم العبادات الخمس، لأن علمها فريضة وما وراءها مباح وفيه فضل، وقيل فرض على الكفاية.
وينبغي أن يعاشر أصحابه في سفره بحسن الخلق وجميل المداراة، وترك المخالفة واللجاج في جميع الأشياء.
ويشتغل بخدمة أصحابه في السفر ولا يستخدم أحدًا إلا عند الضرورة، ويجتهد أبدًا أن يكون في سفره على الطهارة.
ومن آداب الصحبة أن يقف مع صاحبه إذا عيي، ويسقيه الماء إذا عطش، ويرفق به إذا ضجر، ويداريه إذا غضب، ويحفظه ورحله إذا نام، ويؤثره إذا قل الزاد، ويواسيه بما يفتح له، ولا ينفرد به دونه، ولا يكتمه سرًا، ولا يفشى له سرًا، ولا يستظهره إلا بجميل، ويرد غيبته، ويحسن ذكره عند الرفقة، ولا يعيبه عندهم، ولا يشكو منه إليهم، ويتحمل أذاه، وينصحه إذا شاوره، ويسأله عن اسمه وبلده ونسبه وإن كان أرفع منه منزلة.
ويظهر للرفقة أنه تابع له وإن كان هو المتبوع، وأوضح لتابعه عيوب نفسه على طريق النصح له لا على طريق التوبيخ والتعنيف.
وينبغي أن يتعوذ من كل شيء يخافه عندما يحل بموضع أو ينزل بمنزل أو يجلس في مكان، أو ينام فيه بأن يقول:
((أعوذ بالله وبكلماته التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر، وبأسماء الله الحسنى كلها ما علمت منها وما لم أعلم من شر ما خلق وذرأ وبرأ، ومن شر ما ينزل من السماء وما يعرج فيها، ومن شر ما ذرأ في الأرض ومن شر ما يخرج منها، ومن فتن
стр. 73
الليل والنهار، ومن طارق الليل والنهار إلا طارقًا يطرق منك بخير، يا أرحم الراحمين، ومن كل دابة ربي آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم)).
ولا يتخذ في الركاب الأجراس، لأن النبي- ﷺ قال: ((إنه مع كل جرس شيطان)).
وقال- ﷺ : ((إن الملائكة لا تصحب رفقة فيها جرس)).
ويستحب أن يصحب في سفره عصا، ويجتهد ألا يخلو منها، لما روى ميمون بن مهران عن ابن عباس ﵄ قال: ((إمساك العصا سنة الأنبياء وعلامة المؤمنين)).
وقال الحسن البصري ﵀: ((في العكازة ست خصال: سنة الأنبياء، وزي الصالحين، وسلاح على الأعداء- يعني الحية والكلب وغير ذلك-، وعون الضعفاء، وغم المنافقين، وزيادة في الحسنات)).
ويقال: إذا كان مع المؤمنين العصا هرب الشيطان منه، وخشع منه المنافق والفاجر، وتكون قبلته إذا صلى، وقوته إذا أعيي، وفيها منافع كثيرة كما قال الله في قصة موسى ﵇: ﴿هي عصاي أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى﴾ [طه: ١٨].
(فصل: ولا يجوز خصاء شيء من الحيوان والعبيد)
نص عليه الإمام أحمد في رواية حرب وأبي طالب.
وكذلك السمة في الوجه على ما نقل أبو طالب عنه.
لأن النبي- ﷺ نهى أن يخصى كل ذي نسل من البهائم، في حديث أبي هريرة ﵁، وفي حديث أنس بن مالك ﵁ أنه ﷺ ((نهى عن الوسم في الوجه ورخص فيه في الأذن)).
وإن كان لابد من الوسم لأجل العلامة ليعرفوا البهائم حين الاختلاط جاز في غير الوجه كالأفخاذ والأسنمة.
стр. 74
(فصل: ولا يجوز فعل شيء من المستقذرات في المساجد)
ويكره العمل فيها كالخياطة والخرازة والبيع والشراء وما أشبه ذلك.
ويكره رفع الأصوات إلا بذكر الله تعالى.
والنخامة في المسجد خطيئة، وكفارتها دفنها.
ويكره زخرفة المساجد بالتزاويق والخلوق، ولا بأس بتجصيصها وتطيينها.
ويكره اتخاذها بيتًا ومقامًا إلا للغريب أو المعتكف، لأن النبي ﷺ أنزل وفد بني عبد قيس، وروى: ثقيف في المسجد.
ولا بأس بإنشاء الشعر والقصائد فيها الخالية من السخف والهجاء المسلمين، والأولى صيانتها إلا أن تكون من الزهديات المرققات المشوقات المبكيات، فيجوز الإكثار منها. والأولى من ذلك القرآن والتسبيح، لأن المساجد وضعت لذكر الله تعالى والصلاة، فينبغي أن تجل عما سوى ذلك.
ويكره نقل تراب المسجد. وأما ما حصل فيه من المزابل والكناسة فيستحب إخراج ذلك وفيه فضل كثير. وقد روى عن النبي ﷺ أن ذلك مهور الحور العين.
ويكره تمكين الصبيان والمجانين من دخوله.
ولا بأس بعبور الجنب فيه.
وتمنع الحائض، لأنه لا يؤمن من تلويث المسجد.
وإذا دعت الضرورة للجنب جاز له أن يتوضأ ويلبث في المسجد إلى حين يقدر على الغسل، والأولى أن يتميمم للجنابة مع ذلك أيضًا، وكذلك إذا لم يجد الماء إلا في بئر المسجد تيمم لجوازه إلى البئر، ثم يغتسل إذا وصل إليها.
* * *
(فصل: في الأصوات)
فما كان منها من إنشاد الأشعار المتعرية من الملاهي على ضربين: مباح ومحظور.
فالمباح: ما لا سخف فيه.
والمحظور: ما كان فيه سخف.
стр. 75
فأما ما ينضم إلى الملاهي فمحظور، سواء خلا عن السخف أو قارن السخف، إلا أنه إذا قارنه سخف حصل الحظر لعلتين.
وتكره قراءة القرآن بالألحان المشبهة بأصوات الأغاني المطربة إعظامًا له وتنزيهًا.
لأن الغالب من ذلك إخراج الكلام عن سننه، وإسقاط الإطالة والهمز في موضعه، وإطالة المقصور وقصر الممدود وإدغام الحروف.
ولأن ثمرة القراءة خشية الله ، وتجديد التوبة عند سماع مواعظه والاعتبار ببراهينه وقصصه وأمثاله والتشوق إلى وعده، وذلك يزول بطيب سماعه، قال الله : ﴿إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانًا وعلى ربهم يتوكلون﴾ [الأنفال: ٢]، وقال تعالى: ﴿أفلا يتدبرون القرآن﴾ [النساء: ٨٢، ومحمد: ٢٤]، وقوله جل وعلا: ﴿ليدبروا آياته﴾ [ص: ٢٩]، وقوله تعالى: ﴿وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق﴾ [المائدة: ٨٣].
والألحان المطربة تحول بين ذلك، فكره لأجل ذلك.
ولا يسافر بالمصحف إلى أهل الحرب، حتى لا ينالوا منه، ويستخفوا بحرمته.
ولا يستمع إلى أصوات الأجنبيات من شواب النساء، لأن النبي ﷺ قال: ((التسبيح للرجال والتصفيق للنساء))، هذا إذا ناب المصلى نائب في صلاته فكيف بالشعر والغناء والغزل والأمور المهيجة لطباع الناس من ذكر صفات العشاق والمعشوقين ودقائق صفات المحبة والميل وصفات المشتهاة التي تتوق النفس إلى سماعها، فتهيج دواعي السامع وتثير طبعه إلى المحارم، فلا يجوز لأحد سماع ذلك.
وإن قال قائل إني أسمعها على معان أسلم فيها عند الله تعالى، كذبناه؛ لأن الشرع لم يفرق بين ذلك، ولو جاز لأحد لجاز للأنبياء ﵈، ولو كان ذلك عذرًا لأجزنا سماع القيان لمن يدعي أنه لا يطربه، وشرب المسكر لمن يدعي أنه لا يسكره.
فلو قال: عادتي أني متى شربت الخمر انكففت عن الحرام، لم نبحه له.
ولو قال: عادتي أني شهدت المردان والأجنبيات وخلوت بهن اعتبرت في حسنهم، لم نجز له ذلك.
следующие страницы →