Полный текст (666 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
وأكثر ما يكون مذهبهم بالمشرق ونواحي خراسان.
* * *
* (فصل) في ذكر مقالة المعتزلة والقدرية:
وإنما سموا المعتزلة لاعتزالهم الحق، وقيل لاعتزالهم أقاويل المسلمين، لأن الناس كانوا مختلفين في مرتكب الكبيرة.
فقال بعضهم: هم مؤمنون بما معهم من الإيمان، وقال بعضهم: هم كافرون، فأحدث واصل بن عطاء قولًا ثالثًا وفارق المسلمين واعتزل المؤمنين فقال: ما هم بمؤمنين ولا كافرين فسموا بذلك المعتزلة.
وقيل: إنما سموا بذلك، لاعتزالهم مجلس الحسن البصري ﵀، فمر الحسن بهم وقال: هؤلاء معتزلة فلقبوا بذلك.
وهم يقتدون بعمرو بن عبيد، ولما غضب الحسن البصري على عمرو بن عبيد عوتب في ذلك، فقال: أتعاتبونني في رجل رأيته يسجد للشمس من دون الله في المقام؟
وسموا أيضًا قدرية لردهم قضاء الله وقدره في معاصي العباد، وإتيانهم بها بأنفسهم.
ومذهب المعتزلة والجهمية والقدرية في نفي الصفات واحد، وقد ذكرنا بعض مذاهبهم في الاعتقاد.
ومؤلفوا كتبهم: أبو الهذيل، وجعفر بن حرب، الخياط، الكعبي، أبو هاشم، أبو عبد الله البصري، عبد الله الجبار بن أحمد الهمداني.
وأكثر ما يكون مذهبهم بالعسكر والأهواز وجهرم.
وهم ست فرق: الهذلية، النظامية، المعمرية، الجبائية، الكعبية، والبهشمية.
والذي اجتمعت عليه فرق المعتزلة نفي الصفات جميعها.
فنفت أن يكون له علم وقدرة وحياة وسمع وبصر.
وكذلك نفي الصفات المثبتة بالسمع، من الاستواء والنزول وغير ذلك.
واجتمعت أيضًا على أن كلام الله محدث، وإرادته محدثة، وأنه تعالى تكلم بكلام خلقه في غيره، ويريد بإرادة محدثة، لا في محل، وأنه تعالى يريد خلاف معلومه، ويريد من عباده ما لا يكون، ويكون ما لا يريد، وأنه تعالى لا يقدر على مقدورات غيره، بل يستحيل ذلك.
стр. 177
وأنه لم يخلق أفعال عبيده، بل هم الخالقون لها دون ربهم.
وإن كثر ما يتغذاه الإنسان لم يرزقه الله إذا كان حرامًا، وإنما الذي يرزق الله الحلال دون الحرام، وأن الإنسان قد يقتل دون أجله، والقاتل يقطع أجله قبل حينه.
وأن من ارتكب كبيرة من الموحدين وإن لم يكن كفرًا فإنه يخرج بها من إيمانه، ويخلد في النار أبد الآبدين، وتبطل جميع حسناته.
وأبطلوا شفاعة النبي ﷺ لأهل الكبائر، وأكثرهم نفوا عذاب القبر والميزان، ورأوا الخروج على السلطان وترك طاعته.
وأنكروا انتفاع الميت بدعاء الحي له والصدقة عنه ووصول ثوابها إليه.
وزعمت أيضًا أن الله سبحانه لم يكلم آدم ونوحًا وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمدًا -صلوات الله عليهم أجمعين-، ولا جبريل ولا ميكائيل ولا إسرافيل ولا حملة العرش ولا ينظر إليهم مثل ما لا يكلم إبليس واليهود والنصارى.
وأما الذي انفردت به كل فرقة منها:
- أما الهذيلية: فقد انفرد شيخهم أبو الهذيل بأن لله علمًا وقدرة وسمعًا وبصرًا، وأن كلام الله بعضه مخلوق وبعضه غير مخلوق، وهو قوله تعالى: ﴿كن﴾ [البقرة: ١١٧، آل عمران، ٤٧، ٥٩، الأنعام: ٧٣، النحل: ٤٠، مريم: ٣٥، يس: ٨٢، غافر: ٦٨].
وقال: إن الله تعالى ليس بخلاف خلقه، وأن مقدور الله متناه فيبقى أهل الجنة لا حركة لهم، والله تعالى لا يقدر على تحريكهم ولا هم يقدرون على ذلك.
ويجوز أن يكون الميت والمعدوم والعاجز يفعل الأفعال، وأبى أن يكون الله تعالى لم يزل سميعًا.
- وأما النظامية: فكان شيخهم النظام يقول: إن الجمادات تفعل بإيجاب الخلقة.
وكان ينفيى الأعراض إلا الحركة الاعتمادية، ويقول: إن الإنسان هو الروح، وإن أحدًا لم ير النبي ﷺ ، وإنما رأى ظرفه يعني جسمه.
وخرق الإجماع فقال: من ترك الصلاة عامدًا ذاكرًا فلا إعادة عليه.
وكان ينفي إجماع الأمة، ويجوز اجتماعها على باطل، ويقول: إن الإيمان مثل الكفر، والطاعة كالمعصية وفعل النبي ﷺ كفعل إبليس اللعين وأن سيرة عمر وعلي ﵄ كسيرة الحجاج.
وإنما التزم ذلك وركبه لأنه كان يقول إن الحيوان كله جنس واحد.
стр. 178
وزعم أن القرآن ليس بمعجز في نظمه، وأن الله تعالى ليس بقادر على تحريق الطفل ولو كان على شفير جهنم، ولا على طرحه فيها.
وهو أول من قال بالكفر من أهل القبلة، وكان يقول: إن الجسم يتجزأ إلى ما لا غاية له.
وكان يقول: إن الحيات والعقارب والخنافس في الجنة، وكذلك الكلاب والخنازير في الجنة.
- أما المعمرية: فكان شيخهم معمر يقول بقول أهل الطبائع ويتجاوز ويزعم أن الله تعالى لم يخلق لونًا ولا طعمًا ولا رائحة ولا موتًا ولا حياة، ولأن ذلك كله فعل الجسم بطبعه.
وكان يقول إن القرآن فعل الأجسام، وليس هو بفعل الله تعالى.
وأنكر أن يكون الله تعالى قديمًا -تبًا له وأبعده الله تعالى مع هذه المقالة-.
- أما الجبائية: فكان شيخهم الجبائي، خرق الإجماع وشذ عنه في أشياء منها:
أنه كان يقول: إن العباد خالقون لأفعالهم ولم يسبقه إلى هذه المقالة أحد.
وكان يقول: إن الله تعالى أحبل نساء العالمين بخلقه الحبل فيهن.
وكان يقول: إن الله مطيع لعباده إذا فعل ما أراده.
وقال من حلف أن يعطي غريمه حقه غدًا واستثنى في ذلك بقول إن شاء الله لم ينفعه الاستثناء، فإذا لم يعط حنث.
وكان يقول من سرق خمسة دراهم كان فاسقًا، وإن نقصت منه حبة لم يفسق.
- وأما البهشمية: فمنسوبة إلى أبي هاشم بن الجبائي.
وكان أبو هاشم يجوِّز أن يكون المكلف قادرًا، وهو لا يكون فاعلًا ولا تاركًا، فيعاقبه الله تعالى على فعله.
وكان يقول: من تاب من سائر الذنوب إلا ذنبًا واحدًا لم تصح توبته فيما تاب منه.
- وأما الكعبية: فمنسوبة إلى أبي القاسم الكعبي وكان بغدادي المذهب.
فأنكر أن يكون الله سميعًا بصيرًا، وأن يكون مريدًا بالحقيقة، وأن إرادة الله تعالى من فعل عباده هي الأمر به، وإرادته من فعل نفسه فعله، وزعم أن العالم كله ملأ، وأن المتحرك إنما هو الصفحة الأولى من الأجسام، وأن الإنسان لو تدهن بدهن ومشى لم يكن المتحرك، وإنما الدهن هو المتحرك.
стр. 179
وكان يقول: إن القرآن محدث ولا يقول مخلوق.
* * *
(فصل) في ذكر مقالة المشبهة، فهم ثلاث فرق: الهشامية، المقاتلية، الواسمية .
والذي اتفقت عليه الفرق الثلاث إن الله جسم، وأنه لا يجوز أن يعقل الموجود إلا جسمًا، والذي غلب عليهم التشبيه فرق الروافض والكرامية.
والذي ألف كبتهم: هشام بن الحكم، وله كتاب في إثبات الجسم.
- أما الهشامية: فمنسوبة إلى هشام بن الحكم زعم أن الله تعالى جسم طويل عريض عميق نور ساطع له قدر من الأقدار كالسبيكة الصافية يتحرك ويسكن ويقوم ويقعد.
وحكى عنه أنه قال: أحسن الأقدار أن يكون سبعة أشبار، وقيل له: ربك أعظم أم أحد؟ فقال ربي أعظم.
- وأما المقاتلية: فمنسوبة إلى مقاتل بن سليمان حكى عنه أنه قال: إن الله تعالى جسم، وإنه جثة على صورة الإنسان لحم ودم وله جوارح وأعضاء من رأس ولسان وعنق.
وإنه في جميع ذلك لا يشبه الأشياء، والأشياء لا تشبهه.
* * *
(فصل) في ذكر مقالة الجهمية:
تفرد جهم بن صفوان بأن الإنسان إنما ينسب إليه ما يظهر منه على المجاز لا على الحقيقة، كما يقال: طالت النخلة وأدركت الثمرة.
وكان يأبى أن يقول: (إن الله شيء ويقول يحدث علم الله ويمتنع أن يقول)، إن الله كان عالمًا بالأشياء قبل كونها، ويقول: إن الجنة والنار تفنيان وينفي الصفات.
وكان مذهب جهم بترمذ وهو بلد، وقيل بمرو، وله تآليف في نفي الصفات، قتله مسلم بن أحور المازني.
* * *
- وأما الضرارية: فمنسوبة إلى ضرار بن عمرو، وكان يقول ضرار إن الأجسام أعراض مجتمعة، وجوز أن تنقلب الأعراض أجسامًا، وأن الاستطاعة بعض المستطيع وهي قبل الفعل ومع الفعل، وأنكر قراءة ابن مسعود وأبي بن كعب ﵁.
* * *
стр. 180
- وأما النجارية: فهي منسوبة إلى الحسين بن محمد النجار كان يثبت فعل الفاعلين بالحقيقة لله وللعبد.
وكان يقول بنفي الصفات، وقال بقول المعتزلة في نفي الصفات، إلا في نفي الإرادة، فإنه أثبت أن القديم مريد لنفسه.
وكان يقول بخلق القرآن، ويقول إن الله مريد على معنى أنه ليس بمقهور ولا مغلوب، وإن الله متكلم بمعنى أنه ليس بعاجز عن الكلام، وأنه لم يزل جوادًا بمعنى نفي البخل عنه.
ومذهبه موافق لمذهب ابن عون وابن يوسف الرازي، وأكثر ما يكون مذهبه بقاشان.
* * *
- وأما الكلابية: فمنسوبة إلى عبد الله بن كلاب، وكان يقول صفات الله ليست بقديمة ولا محدثة، وكان يقول: لا أقول صفاه هي هو، ولا هي غيره، وإن معنى الاستواء نفي الاعوجاج في قوله تعالى: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ [طه: ٥] وإن الله لم يزل على ما كان عليه من قبل وأن لا مكان له، ونفى أن يكون القرآن حروفًا.
(فصل) في ذكر مقالة السالمية: وهي منسوبة إلى ابن سال م.
من قولهم إن الله سبحانه يرى يوم القيامة في صورة آدمي محمدي، وإنه يتجلى لسائر الخلق يوم القيامة من الجن والإنس والملائكة والحيوان أجمع لكل واحد في معناه، وفي كتاب الله تكذيبهم، وهو في قوله : ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ [الشورى: ١١].
ومن قولهم إن لله تعالى سرًا لو أظهره لبطل التدبير، وللأنبياء سرًا لو أظهروه لبطلت النبوة، وللعلماء سرًا لو أظهروه لبطل العلم.
وهذا فاسد، لأن الله تعالى حكيم وتدبيره محكم لا يتطرق نحوه البطلان والفساد، وما ذكروه يؤدي إلى إبطال حكمته تعالى وهذا كفر.
ومن قولهم إن الكفار يرون الله تعالى في الآخرة ويحاسبهم.
ومن قولهم إن إبليس سجد لآدم في الثانية، وفي القرآن تكذيبهم، وهو قول الله : ﴿إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين﴾ [البقرة: ٣٤]، وقوله تعالى: ﴿إلا إبليس لم يكن من الساجدين﴾ [الأعراف: ١١].
стр. 181
ومن قولهم: إن إبليس ما دخل الجنة، وفي القرآن تكذيبهم، وهو قوله تعالى: ﴿فاخرج منها فإنك رجيم﴾ [الحجر: ٢٤، وص: ٧٧].
ومن قولهم: إن جبريل كان يجيء إلى النبي ﷺ ولا يبرح من مكانه.
ومن قولهم إن الله تعالى لما كلم موسى ﵇ أعجب موسى بنفسه، فأوحى الله إليه يا موسى أتعجبك نفسك، مد عينيك، فمد موسى عينيه فنظر فإذا مائة طور، على كل طور موسى.
وهذا منكر عند أهل النقل وأصحاب الحديث، وقد أوعد النبي ﷺ من كذب عليه فقال: «من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار».
ومن قولهم إن الله تعالى يريد من العباد الطاعات ولا يريد منهم المعاصي، وإنه أرادها بهم لا منهم.
وهذا باطل منهم، لأن الله تعالى قال: ﴿ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئًا﴾ [المائدة: ٤١] يعني كفره، وقال الله تعالى: ﴿ولو شاء ربك ما فعلوه﴾ [الأنعام: ١١٢]، ﴿ولو شاء الله ما فعلوه﴾ [الأنعام: ١٣٧]، وقال تعالى: ﴿ولو شاء الله ما اقتتلوا﴾ [البقرة: ٢٥٣].
ومن قولهم إن النبي ﷺ كان يحفظ القرآن قبل النبوة وقبل أن يأتيه جبريل ﵇.
وفي القرآن تكذيبهم، وهو قوله تعالى: ﴿ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان﴾ [الشورى: ٥٢]، وقوله تعالى: ﴿وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك﴾ [العنكبوت: ٤٨].
ومن قولهم: إن الله تعالى يقرأ على لسان كل قارئ، وإنهم إذا سمعوا القرآن من قارئ فإنما يسمعونه من الله.
وهذا القول يفضي إلى الحلول، نعوذ بالله من ذلك، ويؤدي إلى أن الله تعالى يلحن ويغلط، وهذا كفر.
ومن قولهم: إن الله تعالى في كل مكان، ولا فرق بين العرش وغيره من الأمكنة.
стр. 182
القسم الثالث في المجالس
стр. 183
باب وأما الاتعاظ بمواعظ القرآن والألفاظ النبوية ففي مجالس نسوقها
الأول من ذلك:
مجلس في قوله : ﴿فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم﴾ [ النحل: ٩٨]
اعلم أن هذه الآية في سورة النحل وهي مكية، إلا ثلاث آيات من آخرها أنزلت بالمدينة، وعدد آياتها مائة وعشرون آية وثمان آيات، وعدد كلماتها ألف وثمانمائة وإحدى وأربعون كلمة، وحروفها سبعة آلاف وسبعمائة وتسعة أحرف.
قال أهل التفسير: كان سبب نزول هذه الآية: «أن النبي ﷺ قرأ سورة النجم وقرأ والليل إذا يغشى ...﴾ [الليل: ١] في صلاة الفجر بمكة أعلنهما فلما بلغ إلى قوله: ﴿أفرأيتم اللات والعزى * ومناة الثالثة الأخرى﴾ [النجم: ١٩ - ٢٠] نعس النبي ﷺ فألقى الشيطان على لسانه «الغرانيق العلا عندها الشفاعة ترتجى» يعني الأصنام.
قال: ففرح المشركون بذلك، لأنهم اثبتوا لها الشفاعة، ويقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله، كما قال الله : ﴿ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى﴾ [الزمر: ٣].
وكانوا يقولون إنها أجسام طاهرة ليس لها ذنوب، فهي أولى بالعبادة لها من غيرها من الملوك والملائكة، لأن لهم ذنوبًا وهم ذوو أرواح، فشبهوا الأصنام بالغرانيق، وهي الذكور من الطيور، وإحداها: غرنوق وغرنيق، لكونها تعلو وترتفع في السماء.
وقيل: هو طائر أبيض من طير الماء.
وقيل: هو الكركي.
ويسمى أيضًا الشاب الناعم غرنوقًا. ومنه حديث علي ﵁: فكأني انظر إلى غرنوق من قريش يتشحط في دمه: أي شاب.
وقال مقاتل: يعني الملائكة رجوا أن تكون للملائكة شفاعة، لأن طائفة من الكفار
стр. 184
كانت تعبد الملائكة، فلما بلغ الرسول ﷺ خاتمة النجم سجد وسجد كل من حضر من مسلم ومشرك، غير أن الوليد بن المغيرة كان رجلًا شيخًا كبيرًا، فرفع ملء كفه من التراب إلى جبهته فسجد عليه، فقال: نحني كما تحني أم أيمن وصواحباتها، وكان أيمن خادم النبي ﷺ فقتل يوم حنين.
فوقعت هاتان الكلمتان في قلب كل مشرك، وهما من سجع الشيطان وفتنته ألقاهما على لسان النبي ﷺ عند آخر ذكر الطواغيت والأصنام.
فعجب الفريقان كلاهما من سجودهم أجمعين، واتباعهم للنبي ﷺ في ذلك.
فأما المسلمون فعجبوا من سجود المشركين على غير إيمان ولا يقين، وأما المشركون فطابت أنفسهم إلى النبي ﷺ وأصحابه، لما سمعوا منه ما ألقى الشيطان في أمنيته واستبشروا وقالوا: إن محمدًا قد رجع إلى دينه الأول ودين قومه، فسجدوا تعظيمًا لآلهتهم، ففشت الكلمتان في الناس بإظهار الشيطان حتى بلغتنا الحبشة، فكبر ذلك على النبي ﷺ فلما أمسى أتاه جبريل ﵇ وقال: معاذ الله من هاتين الكلمتين ما أنزلهما ربي ولا أمرني بهما ربك، فلما رأى ذلك رسول الله ﷺ شق عليه وقال: أطعت الشيطان وتكلمت بكلامه، وأشركته في أمر الله ، فنسخ الله ما ألقى الشيطان وأنزل عليه: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته﴾ [الحج: ٥٢] يعني في تلاوته وقراءته ﴿فينسخ الله ما يلقي الشطيان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم﴾ [الحج: ٥٢].
فلما برأ الله نبيه ﷺ من سجع الشيطان وفتنته انقلب المشركون بضلالتهم وعداوتهم، ثم أمر النبي ﷺ بالاستعاذة فأنزل الله ﴿فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم﴾ [النجل: ٩٨].
قال عبد الله بن عباس ﵄: معناه إذا أردت أن تقرأ القرآن فقل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، يعني احترز بالله من الشيطان الرجيم: أي إبليس اللعين، يعني المرجوم باللعنة، يقال: ليس شيء قط أغيظ على إبليس اللعين من التعوذ بالله منه ﴿إنه ليس له سلطان﴾ [النحل: ٩٩] يعني ملكًا ﴿على الذين آمنوا﴾ [النحل: ٩٩] في علم الله في الشرك فيضلهم عن الهدى ﴿وعلى ربهم يتوكلون﴾ [النحل: ٩٩] يعني بالله يثقون ﴿إنما سلطانه﴾ [النحل: ١٠٠] يعني ملكه ﴿على الذين يتولونه﴾ [النحل: ١٠٠] يعني إبليس
стр. 185
اللعين، يعني يتبعونه على أمره فيضلهم عن دينهم الإسلام ﴿والذين هم به﴾ [النحل: ١٠٠] يعني بالله ﴿مشركون﴾ [النحل: ١٠٠] أي من أجله مشركون.
(فصل) ومعنى أعوذ: الاستعاذة والاستجارة والالتجاء والمعاذ والملتجأ، يقال: عاذ به يعوذ عياذًا وأعوذ عوذًا، ومعنى معاذ الله: أي ألجأ إليه وأعوذ به. يقال: هذا عوذ لي مما أخاف، أي مجيري والدافع عني، فكان العبد يعوذ بالله ليقيه شر الشيطان، والتعوذ بالقرآن هو التشفي به.
وقيل: معنى الاستعاذة: الاحتراز بالله ، قال الله تعالى حاكيًا عن أم مريم حنة: ﴿وإني أعيذها بك وذريتها﴾ [آل عمران: ٣٦] يعني مريم وعيسى ﴿من الشيطان الرجيم﴾ [آل عمران: ٣٦] يعني احترز بالله في حقهما من الشيطان الرجيم.
واشتقاق الشيطان مأخوذ من الشطن وهو الحبل الطويل المضطرب، والشطن: البعد، فكأنه تباعد من الخير وطال في الشر واضطرب فيه، ثم قيل للإنسان شيطان: أي كالشيطان في فعله، وكل شيء مستقبح فهو مشبه بالشيطان، فيقال كأن وجهه وجه الشيطان، وكأن رأسه رأس الشيطان، ومنه قوله : ﴿طلعها كأنه رؤوس الشياطين﴾ [الصافات: ٦٥] فهو رأس الشيطان المعروف، وقد قيل هي حيات لها رؤوس منكرة وأعراف، وقيل رؤوس الشياطين ثبت معروف.
وأما الرجيم: فهو المرجوم باللعن، أي رماه باللعن وأبعده من الحضرة بعصيانه في ترك السجود لآدم ﵇، ورجمته الملائكة بالرماح وطردته بها حينئذ من السماء إلى الأرض، ثم جعلت له الكواكب رجومًا، فيرجم هو وذريته إلى أن تقوم الساعة بالكواكب، وباللعن. كما قال الله : ﴿وجعلناها رجومًا للشياطين﴾ [الملك: ٥].
(فصل) الشيطان بعيد من الله ، وبعيد من كل خير، وبعيد من الجنة، وقريب إلى النار.
فأمر النبي ﷺ وأمته الكرام بالتعوذ من الشيطان الرجيم، المبعد من الرحمن ليبعدوا من النيران، ويقربوا إلى الجنان، وينظروا إلى وجه المنان.
فكان الله يقول: يا عبدي، الشيطان مني بعيد، وأنت مني قريب، فأحسن الأدب في حفظ الحال حتى لا يكون للشيطان عليك سبيل لسبب من الأسباب، وحسن الأدب في أداء الأمر وانتهاء النهي والرضا بجريان المقدور في النفس والمال والأهل والولد والخلائق أجمعين.
стр. 186
فإذا دام العبد على ذلك ولازمه وواظب عليه وعانقه، كانت له النجاة من فتن الشيطان ووساوسه، وهواجس النفس وغوائلها، وعذاب القبر وضغطته، وهول القيامة وشدتها، وألم النار وزفرتها، وكان في جوار الله في جنة المأوى، مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا، متقلبًا في نعم الله في كل حال، دائمًا أبدًا، قال الله : ﴿إن عبادي ليس لك عليهم سلطان﴾ [الحجر: ٤٢].
فإذا كان على العبد سمة العبودية للملك الأعلى، لم يكن للشيطان الضعيف الخسيس الأدنى عليه تسلط وابتلاء ولا في الجلوة ولا إذا خلا، لا على القلب بالمعصية إذا نوى، ولا على الجوارح إذا كادت بها أن تهوى وتردى.
حينئذ يسمع النداء هكذا فعلنا بمن ترك الهوى، واتبع الحق وبه اهتدى، وفيه يختصم الملأ الأعلى، وبالعظيم يدعى في الملكوت الأعلى، وبه يباهى الملك الأعلى على العرش إذ هو عليه استوى، بكلامه القديم، المصون من سجع الشيطان والباطل عند قراءة القارئ إذا قرأ: ﴿كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين﴾ [يوسف: ٢٤] إذ هو السر والعلانية اتقى، فالفرار من الشيطان الرجيم ودعائه أحرى وأولى، إذ الحذر من العلي الأعلى حيث قال: ﴿إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوًا إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير﴾ [فاطر: ٦﴾، وقال تعالى: ﴿ولقد أضل منكم جبلًا كثيرًا أفلم تكونوا تعقلون﴾ [يس: ٦٢].
فاتباع الشيطان أصل كل شقاوة وعناء وفي المخالفة سعادة ونعماء وراحة وهدى، والخلود في دار البقاء.
(فصل) ويستفيد العبد بالاستعاذة خمسة أشياء:
أحدها: الثبات على الدين والبقاء.
والثاني: السلامة من شر اللعين والعناء.
والثالث: الدخول في الحصن الحصين والزلفى.
والرابع: الوصول إلى اللقاء الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.
والخامس: نيل معونة رب الأرض والسماء.
كما ذكر في بعض الكتب المتقدمة لما قال إبليس اللعين في مخاطبته لله : ﴿لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم﴾ [الأعراف: ١٧].
стр. 187
قال الله تعالى: «وعزتي وجلالي لآمرنهم بالاستعاذة فإذا استعاذوا بي حفظتهم عن اليمين بالهداية، وعن الشمال بالعناية، وعن الخلف بالعصمة، وعن القدام بالنصرة، حتى لا تضرهم وسوستك يا ملعون».
ورد في بعض الأحاديث عن رسول الله ﷺ أنه قال: «من استعاذ بالله مرة حفظه الله تعالى في يومه ذلك».
وقال أيضًا ﵊: «أغلقوا أبواب المعاصي بالاستعاذة وافتحوا أبواب الطاعة بالتسمية».
وقيل: إن إبليس يبعث كل يوم ثلاثمائة وستين عسكرًا لإضلال المؤمن، فإذا استعاذ المؤمن بالله نظر الله إلى قلبه ثلاثمائة وستين نظرة، ففي كل نظرة من نظراته يهلك عسكرًا من عساكره -لعنه الله-.
(فصل) والذي يخاف الشيطان منه ويحذره الاستعاذة، وشعاع نور معرفة قلوب العارفين، فإن لم تكن من العارفين فعليك باستعاذة المتقين إلى الله ترقى إلى درجة العارفين، فحينئذ شعاع نور قلبك يكسر شوكته، ويهزم جنده ويبيد حضراه، ويقلع شافته في خاصتك، وربما جعلت سجنه لإخوانك وأتباعك، كما ورد عن النبي ﷺ في حق عمر بن الخطاب ﵁: «إن الشيطان يفر من ظلك يا عمر».
وقوله ﷺ : «ما سلك عمر واديًا إلا والشيطان سلك غير ذلك الوادي».
وقيل: إن الشيطان كان يصرع إذا رأى عمر ﵁.
فإذا علم الشيطان من العبد الصدق في عداوته والمخالفة لدعوته أيس منه وتركه واشتغل بغيره.
وإنما يأتيه لمًا أحيانًا على وجه الاختفاء والتلصص، فليكن العبد أبدًا ملازمًا للصدق مستيقظًا مرتقبًا لمجيء الشيطان وكيده، فإن مثقبه دقيق، وعداوته قديمة أصلية، وإنه يجري في الجلود واللحوم كجري الدم في العروق.
وقد روي عن أبي هريرة ﵁ أنه كان يقول بعد كبره: اللهم إني أعوذ بك من أن أزني أو أقتل، فقيل له: أتخاف من ذلك؟ فقال كيف لا أخاف وإبليس حي.
стр. 188
(فصل) وأولى ما يستعان به على محاربة الشيطان ودفعه كلمة الإخلاص، وذكر المرء ربه .
كما قال النبي ﷺ حاكيًا عن ربه أنه قال: «لا إله إلا الله حصني، فمن دخل حصني أمن من عذابي».
وقوله ﵊: «من قال لا إله إلا لله مخلصًا دخل الجنة».
فالشيطان سبب العذاب، فإذا قال العبد الكلمة وتقمص بموجباتها من أداء الأوامر وترك النواهي، فرآه الشيطان متلبسًا بذلك، تباعد منه ولم يقدم عليه، فنجا العبد من فتنته كما ينجو بجنة القتال من سلاح عدوه.
وكذلك التسمية يكثر ذكرها، فإنه روي عن النبي ﷺ : «أنه سمع رجلًا يقول تعس الشيطان فقال له ﵊: لا قتل هكذا، فإنه يتعاظم الشيطان اللعين ويقول: بعزتي غلبتك، ولكن قل: بسم الله، فإنه يتصاغر الشيطان حتى يصير مثل الذرة».
وكذلك يستعان عليه بترك الطمع فيما سوى فضل الله من أبناء الدنيا وأموالهم وحمدهم وثنائهم وجمعهم والتكثر بهم وهداياهم، فإن الدنيا وأبناءها مال الشيطان وجنوده وحزبه، والمرء مع ماله والملك مع جنده.
فعلى العبد اليأس من ذلك كله، والاستغناء بالله والثقة به، والتوكل عليه والرجوع إليه في جميع أموره وأحواله واستعمال الورع من الحرام والشبهة وترك منة الخلق والتقلل من مباح الدنيا وحلالها، والأكل بشهوة وشره كحاطب الليل من غير مفتيش وتنقير، ومن لم يبال من أين مطعمه ومشربه لم يبال الله تعالى من أي أبواب النار يدخله.
فيلزم العبد ذلك حتى ييأس الشيطان منه، فيسلم برحمة الله وعونه، فإن لم يفعل ذلك فالشيطان قرينه في قلبه وصدره، قال الله : ﴿ومن يعش عن ذكر الرحمن
стр. 189
نقيض له شيطانًا فهو له قرين﴾ [الزخرف: ٣٦].
فتارة يوسوسه في الصلاة، وأخرى يمنيه الأماني الباطلة من شهوات النفس المحرمة منها والمباحة، ومرة يثبطه عن المسارعة في الخيرات، والإتيان بالسنن والواجبات، والعبادات والقربات، فيخسر الدنيا والآخرة، فيحشر معه، وربما سلب الإيمان في آخر عمره فيخلد معه في النار يوم القيامة، مع فرعون وهامان وقارون، نعوذ بالله من سلب الإيمان، ومتابعة الشيطان في السر والإعلان.
(فصل) روى مقاتل عن الزهري عن عروة عن عائشة ﵂ أنها قالت: راح أصحاب رسول الله ﷺ ذات عشية يريدون رسول الله ﷺ فيهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وسلمان وعمار بن ياسر ﵃ أجمعين-، فخرج رسول الله ﷺ وقد أخذته الرحضاء، يعني عرق الحمى، يتحدر منه مثل الجمان، يعني اللؤلؤ، ثم مسح جبهته وقال: لعن الله الملعون ثلاثًا، ثم أطرق، فقال له علي ﵁: بأبي أنت وأمي من لعنت آنفًا؟ فقال ﷺ : إبليس الخبيث، عدو الله دخل ذنبه في دبره، فباض سبع بيضات، فهم أولاده الموكلون ببني آدم:
أحدهم: اسمه المدهش وكل بالعلماء، يردهم إلى الأهواء المختلفة.
والثاني: اسمه حديث، وهو صاحب الصلاة، فينسيهم الذكر، ويعبثهم بالحصا، ويطرح عليهم التثاؤب والنعاس حتى ينام أحدهم فيقال له: قد نمت، فيقول: لم أنم، فيدخل في الصلاة بغير وضوء، والذي نفس محمد بيده ليخرجن أحدهم من صلاته ما له شطرها ولا ربعها ولا عشرها، ووزرها أكثر من أجرها.
والثالث: اسمه الزلبنون، وهو صاحب الأسواق، يأمرهم بالتطفيف والكذب في الشراء والبيع والتحلية لسلعه، والمدحة لها إذا باعها حتى ينفقها عن نفسه.
والرابع: اسمه بتر، وهو صاحب قد الجيوب وخمش الوجوه، والدعاء بالويل والثبور عند نزول المصيبة، حتى يحبط أجر صاحبها.
والخامس: اسمه منشوط، وهو صاحب أخبار الكذب والنميمة والهمز والفخر حتى يؤثم العباد.
стр. 190
والسادس: اسمه واسم، وهو صاحب الزنا الذي ينفخ في إحليل الرجل وعجز المرأة حتى يزني كل واحد منهما بصاحبه.
والسابع: اسمه الأعور، وهو صاحب السرقة، يقول للسارق: لتسد بها فاقتك، وتقضي بها دينك، وتستر بها عورتك ثم تتوب.
فينبغي لكل مؤمن ألا يغفل عن الشيطان في سائر أحواله، ولا يأمنه في جميع أموره.
وقد جاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: «إن للوضوء شيطانًا يقال له الولهان، فاستعيذوا بالله منه».
وجاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: «تراصوا في الصفوف لئلا يتخللكم الشياطين كأنها بنات حذف».
قالوا: وما بنات حذف؟ قال أبو حذيفة: قال أبو عبيدة هي هذه الغنم الصغار الحجازية، واحدتها: حذفة.
ويقال نقد أيضًا، ونقاد ليس لها أذناب ولا آذان يجاء بها من جرش، بلد باليمن.
وقد روي عن عثمان بن العاص ﵁ أنه قال: قلت يا رسول الله كيف حال الشيطان بيني وبين صلاتي وقراءتي؟ فقال ﷺ : ذاك شيطان يقال له خنزب إذا أحسسته فتعوذ بالله منه، واتفل عن يسارك ثلاثًا ففعلت ذلك، فأذهبه الله عني.
وقال النبي ﷺ في الحديث المشهور: «ما منكم من أحد إلا وله شيطان، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال ﷺ : ولا أنا إلا أن الله ﵎ قد أعانني عليه فأسلم».
وفي حديث آخر عنه ﷺ : «ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن، قيل: ولا أنت يا رسول الله؟ قال ﷺ : ولا أنا إلا أن الله قد أعانني عليه فأسلم فلا يأمرني إلا بخير».
стр. 191
وقيل: إن الله لما لعن إبليس، خلق منه زوجته الشيطانة من ضلعه الأيسر، كما خلقت حواء من آدم ﵇، فغشيها فحملت منه إحدى وثلاثين بيضة، فصارت أصلًا لذريته، فتفرعت الذرية عنها، فطبقت البر والبحر حتى قيل: فقصت كل بيضة عشرة آلاف ذكر وأنثى، يعني تفرعت منها، فسكنوا الجبال والجزائر والخرابات والفلوات والبحار والرمال والأدغال والآجام والعيون ومجامع الطرق والحمامات والكنف والمزابل والهواء ومعارك الحروب والنواقيس والقبور والدور والقصور وخيام الأعراب وجميع البقاع قال تعالى: ﴿أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلًا﴾ [الكهف: ٥٠].
فويل لمن استبدل بعبادة الله طاعة الشيطان وذريته، لا جرم أنه معهم في النار خالدًا فيها إن لم يتب ولم يتذكر فينتبه لنفسه ويسعى في فكاكها وخلاصها، فيفارق قرناء السوء والأعمال الخبيثة، ودعاة الضلال وجنود الشيطان، فيرجع إلى الله، ويلزم طاعته، ويجالس العلماء من عباده، والعارفين به العاملين له الداعين إليه الراغبين فيه، والراجين لفضله الخائفين لسطوته، الراهبين من أخذته الزاهدين في الدنيا، الراغبين في العقبى، القائمين في الليل، والصائمين في النهار، الباكين على ما فات من أيام البطالات، العازمين على الخيرات فيما يأتي من الساعات، التائبين من جميع الذنوب والخطيئات، المتوكلين على خالق الأرض والسموات، الواثقين برب الخليقة والبريات في اللحظات والساعات، القانتين في آناء الليل وأطراف النهار، أولئك آمنون من السلاسل والأغلال وآفات الدنيا وأهوال النيران، لأنهم خالفوا طاعة الشيطان، وأطاعوا الرحمن في السر والإعلان، فقابلهم الديان، وجازاهم المنان بما أخبر في قوله البيان: ﴿فوقاهم الله شر ذلك اليوم ولقاهم نضرة وسرورًا * وجزاهم بما صبروا جنة وحريرًا﴾ [الإنسان: ١١ - ١٢]، وقوله تعالى: ﴿إن المتقين في جنات ونهر * في مقعد صدق عن مليك مقتدر﴾ [القمر: ٥٤ - ٥٥]، وقال تعالى: ﴿ولمن خاف مقام ربه جنتان﴾ [الرحمن: ٤٦].
وقد ذكر الله في كتابه هذا العبد المفتون بعد تقواه بقوله تعالى: ﴿إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون﴾ [الأعراف: ٢٠١].
فأخبر أن جلاء القلوب بذكر الله وبه يزول عنها الغطاء والظلمة والرين والغفلة، وبه تنكشف الكروب، فالذكر مفتاح التقوى والورع، والتقوى باب الآخرة،
стр. 192
كما أن الهوى باب الدنيا، قال الله تعالى: ﴿واذكروا ما فيه لعلكم تتقون﴾ [البقرة: ٦٣] فأخبر ﵎ أن الإنسان بالذكر يتقى.
(فصل) وفي القلب لمتان: لمة من الملك، وهي إيعاد بالخير وتصديق بالحق، ولمة من العدو، وهي إيعاد بالشر، وتكذيب بالحق، ونهي عن الخير، وهو مروي عن عبد الله ابن مسعود ﵁.
وقال الحسن البصري ﵀: وإنما هما همان يجولان في القلب: هم من الله، وهم من العدو، فرحم الله عبدًا قف عند همه، فما كان من الله أمضاه، وما كان من عدوه جاهده.
وقال مجاهد ﵀ في قوله تعالى: ﴿من شر الوسواس الخناس﴾ [الناس: ٤] قال: هو ينبسط على قلب الإنسان، فإذا ذكر الله خنس وانقبض، وإذا غفل انبسط على قلبه.
وقال مقاتل ﵀: هو الشيطان في صورة خنزير معلق في القلب في جسد ابن آدم، يجري منه مجرى الدم، سلطه الله على ذلك من الإنسان، فذلك قوله: ﴿الذي يوسوس في صدور الناس﴾ [الناس: ٥].
فإذا سها ابن آدم وسوس في قلبه حتى يبتلع قلبه الخناس، الذي إذا ذكر الله ابن آدم خنس عن قلبه، فذهب عنه وخرج من جسده.
وقال عكرمة ﵀: الوسواس محله من الرجل في فؤاده وعينيه، ومحله في المرأة في عينيها إذا أقبلت، وفي عجيزتها إذا أدبرت.
(فصل) وفي القلب خواطر ستة:
أحدها: خاطر النفس.
الثاني: خاطر الشيطان.
الثالث: خاطر الروح.
الرابع: خاطر الملك.
الخامس: خاطر العقل.
السادس: خاطر اليقين.
فخاطر النفس يأمر بتناول الشهوات ومتابعة الهوى المباح منه والجناح.
стр. 193
وخاطر الشيطان يأمر في الأصل بالكفر والشرك والشكوى والتهمة لله في وعده، وفي الفزع بالمعاصي والتسويف بالتوبة، وما فيه هلاك النفس في الدنيا والآخرة.
فالخاطران مذمومان محكوم لهما بالسوء، وهما لعموم المؤمنين.
وخاطر الروح، وخاطر الملك: يردان بالحق والطاعة لله ، وما يكون عاقبته سلامة الدنيا والآخرة، وما يوافق العلم.
فهما محمودان لا يعدمهما خصوص الناس.
وأما خاطر العقل، فتارة يأمر بما تأمر به النفس والشيطان، وآخرى بما يأمر به الروح والملك، وذلك حكمة من الله وإتقان لصنعه، ليدخل العبد في الخير والشر بوجود معقول، وصحة شهود وتميز، فيكون عاقبة ذلك من الجزاء والعقاب عائدًا له وعليه، لأن الله تعالى جعل الجسم مكانًا لجريان أحكامه، ومحلًا لنفاذ مشيئته في مباني حكمته، كذلك جعل العقل مطية الخير والشر، يجري معهما في خزانة الجسم إذا كان مكانًا للتكليف وموضعًا للتصريف، وسببًا للتعريف العائد إلى لذة النعيم أو عذاب أليم.
وأما خاطر اليقين، وهو روح الإيمان ومورد العلم، فيرد من الله تعالى، ويصدر عنه.
وهو مخصوص بخواص من الأولياء الموقنين الصديقين، والشهداء والأبدال، لا يرد إلا بحق، وإن خفي وروده ودق مجيئه، ولا ينقدح إلا بعلم لدني وأخبار والغيوب وأسرار الأمور، فهو للمحبوبين والمرادين والمختارين الفانين بالله فيه عنهم، الغائبين عن ظواهرهم، الذين انقلبت عبادتهم الظاهرة إلى الباطنة، ما خلا الفرائض والسنن المؤكدات، فهؤلاء أبدًا في مراقبة بواطنهم، والله تعالى يتولى تربية ظواهرهم، كما قال في كتابه العزيز: ﴿إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين﴾ [الأعراف: ١٩٦] تولاهم وكفاهم، وأشغل قلوبهم بمطالعة أسرار الغيوب، ونورها بالتجلي في كل قريب، فاصطفاهم لمحادثته، واختصهم بالأنس به، والسكون إليه، والطمأنينة لديه، فهم في كل يوم في مزيد علم ونمو ومعرفة، وتوفير نور، وقرب من محبوبهم ومعبودهم، وهم في نعيم لا نفاد له، وآلاء لا انقطاع لها، وسرور لا غاية له ولا
стр. 194
منتهى، فإذا بلغ الكتاب أجله، وانتهى ما قدر لهم من البقاء في دار الفناء، نقلهم منها بأحسن الانتقال، كما ينقل العروس من حجرة إلى دار، من الأدنى إلى الأعلى، فالدنيا في حقهم جنة، وفي الآخرة لأعينهم قرة، وهو النظر إلى وجهه الكريم من غير حجاب ولا باب ولا حاجب ولا بواب، ولا مانع ولا جداد، ولا من ولا امتنان، ولا ضيم ولا إضرار، ولا انقطاع ولا نفاد، كما قال عز من قائل: ﴿إن المتقين في جنات ونهر * في مقعد صدق عند مليك مقتدر﴾ [القمر: ٥٤ - ٥٥]، وكما قال: ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾ [يونس: ٢٦].
أحسنوا في الدنيا له بالطاعة، فجازاهم في العقبى بالجنة والكرامة، وأعطاهم النعمة والسلامة، وزادوا له بتطهير القلوب وترك العمل لما سواه، فجازاهم بالزيادة في دار البقاء والمنة، وهو دوام النظر إلى وجهه الكريم، كما أخبر في كتابه المبين لعباده أولى الألباب والعقول.
(فصل) وللنفس والروح مكانان لإلقاء الملك والشيطان، فالملك يلقى التقوى إلى القلب، والشيطان يلقي الفجور إلى النفس، فتطالب النفس القلب باستعمال الجوارح بالفجور.
وفي مكانين في البنية: العقل والهوى: يتصرفان بمشيئة حاكم، وهو التوفيق والإغواء.
وفي القلب نوران ساطعان: وهما العلم، والإيمان.
فجميع ذلك أدوات القلب وحواسه وآلاته، والقلب في وسط كالملك وهذه جنوده تؤدي إليه، أو كالمرأة المجلودة، وهذه الآلات حولها تظهر فيراها ويقدح فيها فيجدها.
(فصل) أعوذ برب العرش والكرسي من الشيطان الغوي، وخواطر السوء وهواجس النفس، ومن فتنة كل جني وإنسي، ومن رياء ونفاق وعجب وكبر وشرك وخلال السوء الناشئة في قلبي، ومن كل شهوة ولذاة مردية في المهالك نفسي، ومن البدع والضلال والأهوية المسلطة للنيران على جسمي، ومن كل قول وفعل وهمة تحجب عن القلوب العرشية قلبي، ومن اتباع الأهوية المضلة والطبائع النفسية والأخلاق الردية أعوذ بالملك الحميد المجيد من الشيطان الخبيث المريد، أعوذ بالرب الودود من نقمته إذا غفلت عن طاعته إذ هو أقرب إلي من حبل الوريد، أعوذ به من سطوته إذا غضب على أهل
стр. 195
معصيته، أعوذ به من هيبته عند شدة بطشه في يوم القيامة للطاغين من بريته، وأعوذ به من كشف الغطاء والستر والتيهان في معصيته في البر والبحر، ونسيان الأصل والفرع، والميل إلى الزيغ والرعونة والخيلاء والكبر، وترك الطاعة والقربة والبر والتعالي عليه، والأيمان الكاذبة، والحنث دون البر، وخاتمة السوء والإفلاس من كل خير، والموافاة عند حضور المنية بالشر.
(فصل) ومجاهدة الشيطان باطنة وهي بالقلب والجنان والإيمان، فإذا جاهدته كان مددك الرحمن، ومعتمدك الملك الديان، ورجاؤك رؤية وجه الجليل المنان.
وجهاد الكفار جهاد ظاهر بالسيوف والرماح، ومددك فيه الملك والأعوان، ورجاؤك فيه دخول الجنان.
فإذا قتلت في مجاهدة الكفار كان جزاؤك الخلود في دار البقاء، وإن قتلت في مجاهدة الشيطان ومخالفتك إياه بفناء أجلك واخترام منيتك كان جزاؤك رؤية وجه رب العالمين عند اللقاء، فإن قتلك الكافر كنت شهيدًا، وإن قتلك الشيطان بمتابعتك إياه، والانقياد لأمره كنت من قرب الملك الجبار طريدًا، فجهاد الكفار له نهاية وفناء، وجهاد الشيطان والنفس لا غاية له ولا منتهى.
قال الله جل وعلا: ﴿واعبد ربك حتى يأتيك اليقين﴾ [الحجر: ٩٩] يعني الموت واللقاء.
فالعبادة بمخالفة الشيطان والهوى، قال الله : ﴿فكبكوا فيها هم والغاوون * وجنود إبليس أجمعون﴾ [الشعراء: ٩٤ - ٩٥].
وقال النبي ﷺ حين رجع من غزوة تبوك: «رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر».
عني به ﷺ مجاهدة الشيطان والنفس والهوى لمداومتها وطول ممارستها وخطرها والخوف من سوء خاتمتها.
* * *
стр. 196
مجلس آخر: في قوله : ﴿إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم﴾ [ النمل: ٣]
اعلم أن هذه الآية الشريفة في سورة النمل، وهي مكية، وعدد آياتها ثلاث وتسعون آية، وكلماتها ألف ومائة وتسع وأربعون كلمة، وحروفها أربعة آلاف وسبعمائة وتسعة وتسعون حرفًا.
وذلك أن سليمان بن داود النبي الملك ﵇ وعلى نبينا المصطفى وعلى سائر الأنبياء والمرسلين وسائر عباد الله الصالحين وملائكته المقربين، لما خرج من وادي النمل في مسيره من بيت المقدس إلى اليمن، أخذ بالناس في مفازة فعطش الناس، فسألوه عن الماء، فتفقد الهدهد عند ذلك فسأل عنه، ودعا أمير الطيور، وهو الكركي، فسأل عنه، ولم يكن معه إلا هدهد واحد، فقال الكركي: لا أدري أين ذهب ولا استأمرني، وكان ﵇ يريد الهدهد ليضع منقاره في الأرض فيخبره كم بعد الماء وقربه، وكم بينه وبين الماء من قامة أو فرسخ، وكان الهدهد مخصصًا بذلك من دون بقية الطيور، وكان إذا أريد منه ذلك ارتفع في طيران إلى الجو فينظر ذلك ثم ينقض إلى طين تلك البقعة التي فيها الماء فيضع منقاره فيها فيعرف ذلك، فتبادر الشياطين فتحفر تلك البقعة فيخرج الماء، وتتخذ الأحواض والبرك والركايا، وتملأ الروايا والقرب والظروف، وتشرب الدواب والناس والجان، ثم يرتحلون.
فلما فقد الهدهد في تلك الساعة، غضب سليمان عند ذلك غضبًا شديدًا وأوعده فقال: ﴿لأعذبنه عذابًا شديدًا﴾ [النمل: ٢١] يعني لأنتفن ريشه فلا يطير مع الطيور حولًا كاملًا ﴿أو لأذبحنه﴾ [النمل: ٢١] ثم استثنى فقال: ﴿أو ليأتيني بسلطان مبين﴾ [النمل: ٢١] يقول: أو ليأتيني بعذر وحجة بينة، وكان أشد عذابه الذي يعذب به الطير لما يريد عذابه أن ينتف ريشه حتى يتركه أقرع ليس عليه ريش.
قال: ﴿فمكث غير بعيد﴾ [النمل: ٢٢] أي لبث غير طويل، ثم أقبل الهدهد فقيل له: إن سليمان قد أوعدك فقال: هل استثنى؟ قيل: نعم، قال: فأقبل حتى قام بين يديه وسجد، فقال: دام ملكك الدهر وعشت الأبد فجعل ينكث بمنقاره ويومئ برأسه إلى سليمان ﴿فقال﴾ [النمل: ٢٢] له: ﴿أحطت بما لم تحط به﴾ [النمل: ٢٢] يقول: أبلغت
стр. 197
وعلمت ما لم تبلغ وتعلم يقول: جئتك بأمر لم يخبرك به الجن، ولم ينصحوك فيه، ولم تعلم به الإنس ﴿وجئتك من سبأ﴾ [النمل: ٢٢] يقول: من قرية سبأ ﴿بنبأ يقين﴾ [النمل: ٢٢] يعني بخبر عجيب لاشك فيه، فقال له سليمان: ما هو؟ فقال: ﴿إني وجدت امرأة تملكهم﴾ [النمل: ٢٣] يقال لها بلقيس بنت أبي السرح الحميرية ﴿وأوتيت من كل شيء﴾ [النمل: ٢٣] يقول: وأعطيت من كل شيء في بلادها اليمن وما والاها يعني: العلم والسلطان والمال والجنود وأنواع الخيل ﴿ولها عرش عظيم﴾ [النمل: ٢٣] يقول: سرير حسن، وكان طول عرشها في السماء ثلاثين ذراعًا وقيل في السماء ثمانون ذراعًا، وفي العرض ثمانون في ثمانين، مكللًا بأنواع الجواهر والدرر واللؤلؤ ﴿وجدتها وقومها يسجدون للشمس﴾ [النمل: ٢٤] يقول: يصلون للشمس ﴿من دون الله﴾ [النمل: ٢٤] دين المجوسية ﴿وزين لهم الشيطان أعمالهم﴾ [النمل: ٢٤] يعني حسنها لهم ﴿فصدهم عن السبيل﴾ [النمل: ٢٤] يعني أن الشيطان صدها وجنودها عن طريق الإسلام والهدى ﴿فهم لا يهتدون﴾ [النمل: ٢٤] يقول: لا يعرفون الإسلام ﴿ألا يسجدوا لله﴾ [النمل: ٢٥] يعني هلا يسجدوا لله ﴿الذي يخرج الخبء﴾ [النمل: ٢٥] يعني الغيب والسر ﴿في السموات والأرض ويعلم ما تخفون وما تعلنون﴾ [النمل: ٢٥] بألسنتهم ﴿الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم﴾ [النمل: ٢٦] يعني بالعظيم العرش فـ ﴿قال﴾ [النمل: ٢٧] سليمان للهدهد: دلنا على الماء ﴿سننظر﴾ [النمل: ٢٧] فيما تقول: ﴿أصدقت﴾ [النمل: ٢٧] في مقالتك ﴿أم كنت من الكاذبين﴾ [النمل: ٢٧] فلما دلهم على الماء وشربوا واستكفوا دعا سليمان الهدهد وكتب معه كتابًا وختمه بخاتمه ودفعه إليه، ثم قال: ﴿اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم﴾ [النمل: ٢٨] يعني أهل سبأ ﴿ثم تول عنهم﴾ [النمل: ٢٨] يعني ارجع ﴿فانظر ماذا يرجعون﴾ [النمل: ٢٨] يعني ماذا يردون عليك من الجواب.
والذي كتب في الكتاب ﴿إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم﴾ [النمل: ٣٠] إنه من سليمان بن داود ﴿ألا تعلوا علي﴾ [النمل: ٣١] يعني ألا تعظموا على طاعتي ﴿وائتوني مسلمين﴾ [النمل: ٣١] يعني مصالحين: فإن كنتم من الجن فقد عبدتم لي، وإن كنتم من الإنس فعليكم السمع والطاعة، قال: فانطلق الهدهد بالكتاب حتى انتهى إليها ظهيرة وهي قائلة في قصرها قد غلقت عليها الأبواب، فلا يصل إليها شيء والحرس حول قصرها، وكان لها من قومها اثنا عشر ألف مقاتل، كل واحد منهم أمير على مائة ألف مقاتل، سوى نسائهم وذراريهم، وكانت تخرج إلى قومها تقضي بينهم في أمورهم
стр. 198
وحوائجهم في كل جمعة يومًا، قد جعلت على عرشها أربع أعمدة من ذهب، ثم تجلس هي فيه وهي تراهم ولا يرونها فإذا أراد الرجل منها الحاجة والأمر سألها، فقام بين يديها فينكس ولا ينظر نحوها، ثم يسجد فلا يرفع رأسه، حتى تأذن له إعظامًا لها، فإذا قضت حوائجهم وأمرت بأمرها دخلت قصرها ولم يروها إلى مثل ذلك اليوم، ملكها ملك عظيم.
فلما أتى الهدهد بالكتاب وجد الأبواب قد غلقت دونها، والحرس حول القصر دائر حوله، فطلب السبيل إليها حتى وصل إليها من كوة في القصر، فدخل منها من بين إلى بيت حتى انتهى إلى أقصى سبعة أبيات علا عرشها في السماء ثلاثون ذراعًا، فرآها مستلقية على عرشها نائمة، ليس عليها إلى خرقة على عورتها، وكذلك كانت تصنع إذا نامت، قال: فوضع الكتاب إلى جنبها على السرير، ثم طار فوقف في كوة ينتظرها حتى تقرأه، فمكث طويلًا وهي لا تستيقظ، فلما أبطأ عليه ذلك انحط فنقرها فاستيقظت، فنظرت فإذا هي بالكتاب إلى جنبها على السرير، فأخذته وفركت عينيها فجعلت تنظر ما حال الكتاب وكيف وصل الكتاب إليها والأبواب مغلقة، فخرجت فإذا الحرس حول القصر، فقال: هل رأيتم أحدًا دخل علي وفتح بابًا؟ قالوا: لا، ما زالت الأبواب مغلقة كما هي ونحن حول القصر نحرس، ففتحت الكتاب وقرأته وكانت كاتبة وقارئة، فإذا فيه ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ فلما قرأته أرسلت إلى قومها فاجتمعوا إليها و ﴿قالت﴾ [النمل: ٢٩] لهم: ﴿يا أيها الملأ إني ألقي إلي كتاب كريم﴾ [النمل: ٢٩] يعني مختومًا وحسنًا ﴿إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم * ألا تعلوا علي وائتنوني مسلمين﴾ [النمل: ٣٠ - ٣١] يعني مصالحين و ﴿قالت يا أيها الملأ افتوني في أمري﴾ [النمل: ٣٢] يعني أخبروني بما أريد أن أصنع في أمري ﴿ما كنت قاطعة أمرًا﴾ [النمل: ٣٢] يعني عاملة ﴿حتى تشهدون﴾ [النمل: ٣٢] يعني تسمعون وتحضرون المشورة فـ ﴿قالوا نحن أولوا قوة﴾ [النمل: ٣٣] يعني منعة ﴿وأولوا بأس شديد﴾ [النمل: ٣٣] لم يغلبنا عدو قط بالقتال والمنعة والكثرة، ولم نعط أحدًا المقادة، وأنت أعلم بأمرك، فأمرينا بأمر نتبعه، فأبوا إلا تعظيمًا لحقها، فهو قوله : ﴿والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين﴾ [النمل: ٣٣] به نتبع أمرك، فنطقت بعلم وحكم و ﴿قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها﴾ [النمل: ٣٤] يعني خربوها ﴿وجعلوا أعزة أهلها أذلة﴾ [النمل: ٣٤] يعني منعة أهلها أذلة صغيرة ﴿وكذلك يفعلون﴾ [النمل: ٣٤] الملوك المحاربون، يأخذون
стр. 199
أموالهم ويقتلون مقاتلتهم ويسبون ذراريهم، ثم قالت: ﴿وإني مرسلة إليهم بهدية﴾ [النمل: ٣٥] يعني إلى سليمان ﴿فناظرة بم يرجع المرسلون﴾ [النمل: ٣٥] يعني فأنظر ماذا يردون على رسلي وماذا يخبروني عنه، قال: فأهدت إليه اثنى عشر غلامًا فيهم تأنيث، مخضبة أيديهم، قد مشطتهم وألبستهم لبس الجواري وتقدمت إليهم إذا كلموهم يردوا عليهم بكلام فيه تأنيث، وأهدت إليه اثنتي عشرة جارية فيهن غلظ، فاستأصلت رؤوسهن وأزرتهن وألبستهن النعال، وقالت لهن: إذا كلمكن سليمان فارددن له جوابًا صحيحًا، وأرسلت إليه بعود الحرج البخور وبالمسك والعنبر والحرير في الأطباق على أيدي الوصائف، وأرسلت باثنتي عشرة بختية تحلب كذا وكذا من اللبن، وأرسلت إليه بخرزتين إحداهما مثقوبة وثقبتها ملتوية، والثانية غير مثقوبة، وأرسلت بقدح ليس فيه شيء، وأرسلت إليه مع هديتها إلى سليمان امرأة، وأوصتها بأن تحفظ جميع ما يكون من أمر سليمان وكلامه حتى تخبرها به، وقالت لهم: قوموا بين يديه قيامًا ولا تجلسوا حتى يأمركم، فإنه إن كان جبارًا لم يأمركم بالجلوس فأرضيه بالمال فيسكت عنا، وإن كان حليمًا عليمًا عالمًا أمركم بالجلوس، وأمرت المرأة أن تقول له بأن يدخل في الخرزة المثقوبة خيطًا بغير علاج إنس ولا جان، وأمرتها أن تقول له أن يثقب الأخرى بغير حديد ولا علاج إنس ولا جان، وأن يميز بين الغلمان والجواري، وأمرتها أن تقول له أن يملأ القدح ماء مزيدًا رويًا، ليس من الأرض ولا من السماء، وكتبت إليه تسأله عن ألف باب من العلم.
فانطلق رسلها بهديتها حتى أتوا بها إلى سليمان، فوضعوا الهدية بين يديه وقاموا على أرجلهم ولم يجلسوا، فنظر إليهم سليمان لحظًا لم يحرك يدًا ولا رجلًا ولا تهشهش لها ولم يفرح ولم يعرف الرسل ذلك فيه ولا من مقالته، ثم رفع رأسه ونظر إلى رسلها وقال: إن الله رفع السماء، ووضع الأرض فمن شاء وقف ومن شاء جلس، فأذن لهم بالجلوس، قال فتقدمت المرسلة إلى سليمان وقدمت إليه الخرزتين وقالت له أن بلقيس تقول لك بأن تدخل في هذه الخرزة المثقوبة خيطًا ينفذ إلى الجانب الآخر من غير علاج إنس ولا جان وأن تثقب الخرزة الثانية ثقبًا إلى الجانب الآخر بغير حديد ولا علاج إنس ولا جان، ثم قربت إليه القدح وقالت له إنها تقول لك بأن تملأ هذا القدح ماء مزيدًا رويًا ليس من الأرض ولا من السماء، ثم قدمت الوصف والوصائف وقالت إن بلقيس تقول لك أن تميز بين الغلمان والجواري.
стр. 200
فعند ذلك جمع سليمان أهل مملكته، فاجتمعوا عليه، ثم أخرج الخرزتين فقال: من لي بهذه الخرزة يدخل فيها خيطًا يخرج من الجانب الآخر، فتكلمت دودة تكون في الفصفصة يعني في الأرض الرطبة وهي دودة حمراء وقالت: أيها الملك أنا لك بها على أن تجعل رزقي في الرطبة، فقال: نعم، فعلق في رأس الدودة خيطًا فدخلت في الخرزة تحكها حتى خرجت من الجانب الآخر، فجعل رزقها في الرطبة، ثم قرب الخرزة الثانية وقال: من لي يثقف هذه الخرزة بغير حديد فتكلمت دودة أخرى بين يديه وهي الأرضة، فقالت: أيها الملك أنا لك بهذه، على أن تجعل رزقي في الخشب، فقال: ذلك لك، فوقفت على الخرزة فثقبتها إلى الجانب الآخر، فجعل رزقها في الخشب، ثم قدم القدح وأمر بإحضار الخيل العراب فحضروا، فأجريت حتى إذا جهدت وسال عرقها فحينئذ ملأ القدح من العرق، وهو الماء المزيد الروي ليس هو من الأرض ولا من السماء، ثم أمر بماء فوضع بين يديه فقال للوصفاء: توضؤوا ليتميز الغلمان من الجواري.
قالت: فجعلت الجواري يصببن الماء على أكفهن فجعلت إحداهن تأخذ الماء بكفها اليسرى وتفرغه على ذراعها الأيسر، ثم تتبعها كفها اليمنى فتغسلها، فتعرف عند ذلك أنها جارية، فيعزلها حتى عزل اثنتي عشرة جارية وصيفة.
وأما الغلمان فجعل الوصيف يأخذ الماء بكفه اليمنى فيغسل به ذراعه اليمنى ثم يتبع بها كفه اليسرى فيعرف أنه غلام، حتى عزل اثنى عشرة غلامًا.
ثم نظر إلى المسائل فأجاب عنها بألف جواب مع رسولها، ثم رد عليها هديتها، و ﴿قال﴾ [النمل: ٣٦] لمرسلتها: ﴿أتمدونني بمال فما آتاني الله﴾ [النمل: ٣٦] من النبوة والملك ﴿خير مما آتاكم﴾ [النمل: ٣٦] من المال ﴿بل بهديتكم تفرحون﴾ [النمل: ٣٦] يعني تعجبون.
ثم كتب إليها كتابًا ودفعه إلى الهدهد وقال: ﴿ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها﴾ [النمل: ٣٧] يعني بجموع لا قبل لهم بها ﴿ولنخرجنهم منها أذلة﴾ [النمل: ٣٧] يعني من قرية سبأ أذلة صغيرة ﴿وهم صاغرون﴾ أذلاء.
فلما أتى الهدهد بالكتاب مرة أخرى فقرأته ورجعت رسلها عنده، فقصت عليها قصة سليمان وما فعل في جميع ما أرسلت به إليه وما رد إليها من الجواب، فقالت
стр. 201
لقومها: هذا أمر نزل علينا من السماء، لا ينبغي منابذته ولا نطيقه، ثم عمدت إلى عرشها فجعلته في آخر سبعة أبيات، ثم أقامت عليه الحرس، ثم أقبلت إلى سليمان.
قال: فرجع الهدهد إلى سليمان فأخبره أنها قد أقبلت إليه، فجمع أهل مملكته إليه ثم ﴿قال يا أيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها﴾ [النمل: ٣٨] يعني سريرها ﴿قبل أن يأتوني مسلمين﴾ [النمل: ٣٨] يعني مصالحين، فلا يحل لنا بعد الصلح أخذه ﴿قال﴾ له ﴿عفريت من الجن﴾ [النمل: ٣٩] يقال له عمرو وهو العفريت الشديد الغليظ من الجن ﴿أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك﴾ [النمل: ٣٩] يعني من مجلسك للقضاء وهو إلى نصف النهار ﴿وإني عليه لقوي﴾ [النمل: ٣٩] أي على حمله ﴿أمين﴾ [النمل: ٣٩] على ما فيه من اللؤلؤ والجواهر والزمرد والذهب والفضة، وكانت قوة العفريت أنه يضع قدامه حيث ينال طرفه يعني ينتهي بصره، فقال لسليمان: أنا أضع قدمي حيث يبلغ بصري فآتيك به، فقال سليمان: أريد أعجل من ذلك فـ ﴿قال الذي عنده علم من الكتاب﴾ [النمل: ٤٠] يعني اسم الله الأعظم وهو: يا حي يا قيوم ﴿أنا﴾ [النمل: ٤٠] أدعو ربي فأراجع همي وأنظر كتاب ربي و ﴿آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك﴾ [النمل: ٤٠] وهو آصف بن برخيا بن شعياء واسم أمه باطورا، وهو من بني إسرائيل، وكان يعلم اسم الله الأعظم: ﴿أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك﴾ يعني قبل أن يجيء إليك الشيء الذي يبلغه طرفك أي نظرك، فقال له سليمان: غلبت إن فعلت، وإن لم تفعل فضحتني بين الجن وأنا سيد الإنس والجن، وقام آصف بن برخيا فتوضأ ثم سجد لله يدعو الله باسمه الأعظم وهو يقول: يا حي يا قيوم.
وروي عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: هو الاسم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى، وهو: يا ذا الجلال والإكرام: قال فغاب عرشها تحت الأرض حتى نبغ عند كرسي سليمان.
وقيل: إنه نبغ تحت كرسي كان يضع سليمان قدميه عليه إذا جلس على كرسيه الكبير، فلما رأى العرش قد نبغ قالت الجن لسليمان: أيقدر آصف أن يجيء بالسرير ولا يجيء ببلقيس، فقال آصف لسليمان: أنا آتيك بها، قال: فأمر سليمان فبني له صرح أملس من قوارير، ثم أجري تحته الماء وألقي فيه المسك، يرى من فوق الصرح من صفائه، ثم أمر سليمان بكرسيه فوضع في وسط الصرح، وأمر بكراسي لأصحابه،
стр. 202
فوضعت فجلس عليه وجلس أصحابه، وكان الذين يلونه ﵇ من أهل الكراسي الإنس ثم الجن ثم الشياطين، وكان هذا دأبه ﵇ حتى إذا أراد أن يسير في البلاد يجلس هو على كرسيه وأولئك على كراسيهم، ثم يأمر الريح فتحملهم بين السماء والأرض، وإذا أراد أن يسير على الأرض أمر الريح فتسكن فيسير على وجه الأرض.
وكان لسليمان ﵇ مجلس كما هو للملوك اليوم، فلما استقر بهم المجلس أمر آصف فعاد وسجد ودعا الله باسمه الأعظم وهو: يا حي يا قيوم، فإذا ببلقيس مستقرة عنده.
وقيل: إن الذي عنده علم من الكتاب هو ضبة بن آد، وكان هو على خيل سليمان.
وقيل: إن الذي عنده علم من الكتاب هو الخضر ﵇، ﴿فلما رآه مستقرًا عنده قال هذا من فضل ربي ليبلوني﴾ [النمل: ٤٠] يعني ليختبرني ﴿أأشكر﴾ على ما أعطيت من الملك ﴿أم أكفر﴾ [النمل: ٤٠] بالنعمة إذا رأيت من هو دوني أفضل مني علمًا، فعزم لله على الشكر وقال: ﴿ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر﴾ [النمل: ٤٠] بنعمته ﴿فإن ربي غني كريم﴾ [النمل: ٤٠] لا يعجل بالعقوبة.
فلما سمعت الجن بذلك وقعوا في بلقيس عند سليمان ليكرهوها إليه، خافوا أن يتزوجها فتظهره على أمورهم وكانت تعلم بذلك، لأن أمها جنية، وكان اسمها عميرة بنت عمرو، وقيل: إن اسمها رواحة بنت السكن ملك الجن، فقالوا: أصلح الله الملك إن في عقلها شيئًا ورجلاها كحافر الحمار وكانت بلقيس هلباء شعراء، فلما قيل له ذلك أراد أن يروز عقلها ويرى قدميها، فمن ثمة أجرى الماء وجعل فيه الضفادع والسمك، وأمر بعرشها أن يغير فيزاد فيه، وينقص منه ليروز عقلها فذلك قوله تعالى: ﴿قال نكروا لها عرشها﴾ [النمل: ٤١] يعني غيروا لها سريرها ﴿ننظر أتهتدي﴾ [النمل: ٤١] يعني أتعرفه ﴿أم تكون من الذين لا يهتدون﴾ [النمل: ٤١] يعني الذين لا يعرفون، فأقبلت حتى انتهت إلى الصرح فـ ﴿قيل لها ادخلي الصرح﴾ [النمل: ٤٤] يعني القصر، وقيل الصرح: هو البيت بلغة حمير ﴿فلما رأته حسبته لجة﴾ [النمل: ٤٤] يعني ماء غمرًا، فقالت في نفسها إنما أراد أن يغرقني كان غير هذا أحسن من ذا؟ ﴿وكشفت عن ساقيها﴾ [النمل: ٤٤] فإذا ساقان شعراوان، وإنما هي من أحسن الناس وأبعد مما قيل له فيها، فقيل
стр. 203
لها: ﴿إنه صرح ممرد﴾ [النمل: ٤٤] يعني قصرًا أملس لا شعث فيه كالأمرد الذي لا شعر في وجهه، كان ملزق بعضه ببعض اتخذ بلاطه من القوارير، قال: فمضت نحو سليمان وقد أبصر قدميها وأبصر الشعر الذي على ساقها مهدبًا.
قال فأعجبه ما رأى عجبًا شديدًا ﴿فلما جاءت﴾ [النمل: ٤٢] إلى سليمان فـ ﴿قيل﴾ [النمل: ٤٢] لها ﴿أهكذا عرشك﴾ [النمل: ٤٢] فنظرت إليه فجعلت تعرف وتنكر فقالت في نفسها: من أين تخلص إلى ذلك السرير الذي هو داخل سبعة أبيات والحرس حوله، فلم تعرف ولم تنكر فـ ﴿قالت كأنه هو﴾ [النمل: ٤٢] فقال سليمان: ﴿وأوتينا العلم من قبلها﴾ [النمل: ٤٢] يعني من قبل بلقيس، وكانت مجوسية ﴿وكنا مسلمين﴾ [النمل: ٤٢] من قبلها فـ ﴿قالت﴾ حينئذ ﴿رب إني ظلمت نفسي﴾ [النمل: ٤٤] يعني في الظن الذي ظننت بسليمان أنه أراد أن يغرقني، وقيل: ظلمت نفسي يعني ضررت نفسي بعبادة الشمس ﴿وأسلمت مع سليمان﴾ [النمل: ٤٤] يعني وأطعت الله مع سليمان، ويقال: أخلصت مع سليمان ﴿لله رب العالمين﴾ [النمل: ٤٤] في العبادة فأسلمت ﴿وصدها﴾ [النمل: ٤٣] يعني أن سليمان صدها عن ﴿ما كانت تعبد من دون الله إنها كانت من قوم كافرين﴾ [النمل: ٤٣] فتزوج بها سليمان، فأمر بالنورة فاتخذت فتنور سليمان وبلقيس، وهو أول من اتخذ النورة، قال: فسألها سليمان عن أشياء وهي سألته، ودخل بها سليمان، فولدت له غلامًا فسماه داود، ومات في حياته، ثم مات سليمان وماتت بلقيس بعده بشهر.
وقيل: إن سليمان أعطاها قرية بالشام، فكانت تأخذ خراجها حتى ماتت.
وقيل: إن سليمان لما دخل بها سرحها في جنوده، وردها إلى ملكها وكان يأتيها في كل شهر مرة، فيركب من بيت المقدس إلى اليمن على ما تقدم ذكره.
(فصل) وإنما استوفيت هذه القصة في هذا المجلس لما فيها من العبرة لكل مؤمن عاقل ناظر في العواقب معتبر في سير السلف الصالح والطالح، وقدرة الله النافذة في الأمم الماضية الخالية، وكرامته لأهل الطاعة وتسخيره أهل معصيته لهم وإعطائه مقادتهم وإذلالهم وتمليكه الخلق لأهل ولايته ومحبته، لما أطاع سيلمان ربه كيف ملكه بلقيس وملكها، وقد كان في أهل مملكتها اثنا عشر ألف مقاتل، كل واحد منهم أمير على مائة ألف منهم، وجند سليمان يحتوي على أربعمائة ألف، مائتا
стр. 204
ألف من إنس ومائتا ألف من الجن، والتفاوت ما بين الجندين ظاهر.
فهذا ملك لطاعته، وهذه ملكت لكفرها ومعصيتها.
الإسلام يعلو ولا يعلى عليه ﴿ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلًا﴾ [النساء: ١٤١].
وكذلك أنت يا موفق إذا آمنت أمنت من أعدائك في الدنيا، ومن نار الله الموقدة التي في العقبى، تخدمك النار وتطرق بين يديك، وترشدك الطريق مكرمة لك ومعظمة وطائعة لأمر مولاها وممتثلة له، فتقول لك: جز يا مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي.
(عبارة لطيفة) أي أنك مكرم منور، خلعة الملك عليك، علامته الوقار عليك، فعلى الحواشي والعبيد تعظيمك وتوقيرك وخدمتك.
وأما الكافر والعاصي، فتتغيظ النار عليه وتنتقم منه انتقام الجبار من عدوه عند ظفره به، كما قال : ﴿إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظًا وزفيرًا﴾ [الفرقان: ١٢].
فإن أردت العزة في الدنيا والآخرة، فعليك بطاعة الله والصبر عن معصية الله، تجدها برحمة الله تعالى، قال الله : ﴿من كان يريد العزة فلله العزة جميعًا﴾ [فاطر: ١٠]، وقال تعالى: ﴿ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون﴾ [المنافقون: ٨].
فنفاقك يا مدعي الإيمان، وشركك يا مدعي الإخلاص حجباك عن رؤية عزة الجبار ونبيه المختار والمؤمنين الأخيار.
فلو كنت عاملًا بموجب الإيمان موقنًا بشرائط الإتقان، لأمنت في الدنيا من كل مؤذ وكل شيطان من الإنس والجان، وفي الآخرة من عذاب النيران، وكانت النصرة لك ولأعدائك الهوان، قال الله : ﴿إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم﴾ [محمد: ٧]، وقال تعالى: ﴿فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم﴾ [محمد: ٣٥] ولكن الغفلة قد تكاثفت على قلبك وتراكم الرين عليه، وترادف السواد والظلمة لديه، فيالها من حسرة وندامة ﴿يوم تبلى السرائر﴾ [الطارق: ٩] في يوم القيامة، يوم الحاقة، يوم الطامة الكبرى، يوم القارعة، يوم الصاخة ﴿يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية﴾ [الحاقة: ١٨]، ﴿يومئذ يصدر الناس أشتاتًا ليروا أعمالهم * فمن يعمل
стр. 205
مثقال ذرة خيرًا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرًا يره﴾ [الزلزلة: ٦ - ٨].
قيل: إن الذرة هي قشرة الهباء الذي يظهر في شعاع الشمس مثل رؤوس الإبر، وقيل: أربع ذرات مثقال خردلة، وقيل: هي النملة الحمراء الصغيرة التي لا تكاد ترى إذا دبت، وقيل: إن الذرة جزء من ألف جزء من شعيرة.
وقال عبد الله بن عباس ﵄: إذا وضعت كفك على التراب ثم رفعتها، فكل شيء يعلق بها من التراب فهو ذرة.
فأين أنت من يوم توزن فيه الأعمال بهذه الزنة تثقل وتخف بهذه الخفة، ويوم يقول الله تعالى فيه: ﴿يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدًا * ونسوق المجرمين إلى جهنم وردًا﴾ [مريم: ٨٥ - ٨٦] أي عطاشًا.
وحينئذ ينكشف الغطاء ويظهر المخبأ، ويمتاز المؤمن من الكافر، والصديق من المنافق، والموحد من المشرك، والولي من العدو، والمحق من المدعي.
فاحذر يا مسكين من هول ذلك اليوم، وانظر من أي الحزبين تكون؟ فإن أنت عملت لله العظيم واتقيت في عملك الخبير وصفيته عما يسوء للناقد البصير، فأنت في حزب المتقين الوافدين على الرحمن في يوم النشور.
فلك الكرامة يا كريم، ولك السلامة والبشرى يا حكيم.
وإن كان غير ذلك فاعلم أنك بالحزب الآخر لاحق وهالك، مع من هو هالك في النار مع فرعون وهامان وقارون متلاحق، قال الله : ﴿فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملًا صالحًا ولا يشرك بعبادة ربه أحدًا﴾ [الكهف: ١١٠] فلا ينجيك في ذلك اليوم غير العمل الصالح.
(فصل) في فضل ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾
عن عطاء بن جابر بن عبد الله ﵄ قال: «لما نزلت ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ هرب الغيم إلى الشرق، وسكنت الرياح وهاج البحر، وأصغت البهائم بآذانها ورجمت الشياطين من السماء، وحلف الله بعزته لا يسمى اسمه على شيء إلا شفاه، ولا يسمى اسمه على شيء إلى بارك فيه، ومن قرأ ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ دخل الجنة».
стр. 206
وعن أبي وائل عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «من أراد أن ينجيه الله من الزبانية التسع عشرة فليقل: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ فإنها تسعة عشر حرفًا، ليجعل الله تعالى كل حرف منها جنة من واحد منهم».
وعن طاوس عن ابن عباس ﵄ أن عثمان بن عفان ﵁ «سأل النبي ﷺ عن ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ قال: فقال: هو اسم من أسماء الله وما بينه وبين اسم الله الأعظم إلا كما بين سواد العين وبياضها من القرب».
وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من رفع قرطاسًا من الأرض فيه ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ إجلالًا لله أن يداس، كتب عند الله من الصديقين، وخفف عن والديه وإن كانا مشركين». يعني العذاب.
وقيل: «لم يرن إبليس اللعين مثل ثلاث رنات قط: رنة حين لعن وأخرج من ملكوت السماء، ورنة حين ولد النبي ﷺ ، ورنة حين أنزلت فاتحة الكتاب لكون ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ فيها».
وعن سالم بن أبي الجعد أن عليًا ﵁ قال: «لما أنزلت ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ قال رسول الله ﷺ : أول ما أنزلت هذه الآية على آدم، فقال: أمن ذريتي من العذاب ما داموا على قراءتها، ثم رفعت فأنزلت على إبراهيم الخليل فتلاها وهو في كفة المنجنيق فجعل الله عليه النار بردًا وسلامًا، ثم رفعت بعده، فما أنزلت إلا على سليمان وعندها قالت له الملائكة: الآن تم والله ملكك، ثم رفعت فأنزلها الله علي، ثم تأتي أمتي يوم القيامة وهم يقولون: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾، فإذا وضعت أعمالهم في الميزان رجحت حسناتهم، قال رسول الله ﷺ : اكتبوها في كتبكم فإذا كتبتموها فتكلموا بها».
(فصل آخر): في فضل ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾
عن عكرمة ﵀ أنه قال: أول ما خلق الله اللوح والقلم، أمر الله القلم فجرى
стр. 207
على اللوح بما هو كائن إلى يوم القيامة، فأول ما كتب على اللوح: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾، فجعل الله هذه الآية أمانًا لخلقه ما داموا على قراءتها، وهي قراءة أهل سبع سموات، وأهل الصفح الأعلى وأهل سرادقات المجد والكروبيين، والصافين، والمسبحين، فأول ما أنزلت على آدم ﵇، فقال: قد أمن ذريتي من العذاب ما داموا على قراءتها، ثم رفعت بعده فأنزلت على إبراهيم الخليل ﵇ في سورة الحمد فتلاها وهو في كفة المنجنيق، فجعل الله النار عليه بردًا وسلامًا، ثم رفعت بعده فأنزلت على موسى ﵇ في الصحف، فبها قهر فرعون وسحرته وهامان وجنوده وقارون وأتباعه، ثم رفعت بعده فأنزلت على سليمان بن داود ﵉، فعندها قالت الملائكة: اليوم والله تم ملكك يا ابن داود، فلم يقرأها سليمان على شيء إلا خضع له، وأمره الله يوم أنزلها عليه أن ينادي في أسباط بني إسرائيل، ألا من أحب منكم أن يسمع آية أمان الله فليحضر إلى سليمان في محراب داود ﵇، فإنه يريد أن يقوم خطيبًا، فلم يبق محبوس نفسه في العبادة ولا سائح إلا هرول إليه، حتى اجتمعت الأحبار والعباد والزهاد والأسباط كلها عنده، فقام فرقى منبر الخليل إبراهيم وتلا عليهم آية الأمان: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ فلم يسمعها أحد إلا امتلأ فرحًا، وقالوا: نشهد أنك لرسول الله حقًا، فبها قهر سليمان ملوك الأرض، وبها افتتح لنبيه محمد ﷺ مكة، ثم رفعت بعد سليمان فأنزلت على المسيح عيسى ابن مريم ﵇، ففرح بها واستبشر بها الحواريون، فأوحى الله تعالى إليه: يا ابن العذراء البتول أتدري أي آية أنزلت عليك؟ إنها آية الأمان، قوله: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ فأكثر تلاوتها في قيامك وقعودك ومضجعك ومجيئك وذهابك وصعودك وهبوطك، فإنه من وافى بها يوم القيامة وفي صحيفته ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ ثمانمائة مرة وكان مؤمنًا بي وبربوبيتي أعتقته من النار، وأدخلته الجنة، فتلكن افتتاح قراءتك وصلاتك، فإن من جعلها في افتتاح قراءته وصلاته إذا مات على ذلك لم يرعه منكر ونكير، وهون عليه سكرات لموت وضغطة القبر، وكانت رحمتي عليه، وأفسح له في قبره، وأنور له في قبره، وأنور له فيه مد بصره، وأخرجه من قبره أبيض الجسم وأنور الوجه، يتلألأ نوره، وأحاسبه حسابًا يسيرًا، وأثقل موازينه، وأعطيه النور التام على الصراط حتى يدخل الجنة، وآمر المنادي أن ينادي به في عرصات القيامة بالسعادة والمغفرة.
قال عيسى ﵇: اللهم يارب فهذا لي خاصة؟ فقال: لك خاصة ولمن تبعك
стр. 208
وأخذ أخذك وقال بقولك، وهو لأحمد وأمته من بعدك.
وأخبر عيسى ﵇ بذلك أتباعه فقال: ﴿ومبشرًا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد﴾ [الصف: ٦] من صفته ونعته وفضله كيت وكيت، وأخذ ميثاقهم بالإيمان به، وجدد شأنه عندما رفعه الله تعالى إلى السماء لأصحابه، فلما انقرض الحواريون ومن اتبعه وجاء الآخرون، فضلوا وأضلوا، وبدلوا واستبدلوا بالدين دنياهم، فرفعت عندها آية الأمان من صدور النصارى، وبقيت في صدور مسلمي أهل الإنجيل مثل بحيرا الراهب وأمثاله، حتى بعث الله النبي ﷺ فأنزلت عليه في سورة الحمد بمكة، فأمر رسول الله ﷺ فكتبت تلك على رؤوس السور وصدور الرسائل والدفاتر، فكان نزول هذه الآية على رسول الله ﷺ فتحًا مبينًا، وحلف رب العزة بعزته ألا يسمي مؤمن موقن على شيء إلا باركت لفه فيه، ولا يقرؤه مؤمن إلا قالت الجنة له: لبيك وسعديك اللهم أدخل عبدك هذا في ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾، فإذا دعت الجنة لعبد فقد استوجب له دخولها.
وقد قال ﷺ : «لا يرد دعاء أوله ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾».
قال: «وإن أمتي يأتون يوم القيامة وهم يقولون ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾، فتثقل حسناتهم في الميزان، فتقول الأمم: ما أرجح موازين أمة محمد ﷺ فتقول الأنبياء لهم: لأن أمة محمد ﷺ مبتدأ كلامهم ثلاثة أسماء من أسماء الله تعالى الكرام، لو وضعت في كفة الميزان ووضعت سيئات الخلق جميعًا في الكفة الأخرى لرجحت حسناتهم».
قال: وجعل الله تعالى هذه الآية شفاء من كل داء، وعونًا لكل دواء، وغنى من كل فقر، وسترًا من النار، وأمانًا من الخسف والمسخ والقذف ما داموا على قراءتها».
(فصل) في تفسير قوله: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾
قوله : ﴿بسم الله﴾ روي عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن عيسى ﵇ أرسلته أمه ﵂ إلى الكتاب ليتعلم، فقال له المعلم: قل ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ فقال عيسى ﵇: وما بسم الله؟ قال: لا أدري، قال: الباء: بهاء الله، والسين: سناء الله، والميم: مملكته﴾.
стр. 209
وقال أبو بكر الوراق، بسم الله: روضة من رياض الجنة لكل حرف منها تفسير على حدة.
فالباء على ستة أوجه:
- بارئ خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه ﴿الخالق البارئ﴾ [الحشر: ٢٤].
- بصير بخلقه من العرش إلى الثرى، بيانه ﴿والله بصير بما تعلمون﴾ [الحجرات: ١٨].
- باسط رزق خلقه من العرض إلى الثرى، بيانه ﴿الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر﴾ [الرعد: ٢٦].
- باق بعد فناء خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه ﴿كل من عليها فان * ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام﴾ [الرحمن: ٢٦ - ٢٧].
- باعث الخلق بعد الموت من العرش إلى الثرى للثواب والعقاب، بيانه ﴿وأن الله يبعث من في القبور﴾ [الحج: ٧].
- بار بالمؤمنين من العرش إلى الثرى، بيانه ﴿هو البر الرحيم﴾ [الطور: ٢٨].
والسين على خمسة أوجه:
- سميع لأصوات خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه ﴿أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم﴾ [الزخرف: ٨٠].
- سيد قد انتهى سؤدده من العرش إلى الثرى، بيانه ﴿الله الصمد﴾ [الإخلاص: ٢].
- سريع الحساب مع خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه ﴿والله سريع الحساب﴾ [النور: ٣٩].
- سلام سلم خلقه من ظلمه من العرش إلى الثرى، بيانه ﴿السلام المؤمن﴾ [الحشر: ٢٣].
- ساتر ذنوب عباده من العرش إلى الثرى، بيانه ﴿غافر الذنب وقابل التوب﴾ [غافر: ٣].
والميم: على اثنى عشر وجهًا:
- ملك الخلق من العرش إلى الثرى، بيانه ﴿الملك القدوس﴾ [الحشر: ٢٣].
- مالك خلقه من العرش إلى الثرى بيانه ﴿قل اللهم مالك الملك﴾ [آل عمران: ٢٦].
стр. 210
- منان على خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه ﴿بل الله يمن عليكم﴾ [الحجرات: ١٧].
- مجيد على خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه ﴿ذو العرش المجيد﴾ [البروج: ١٥].
- مؤمن آمن خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه ﴿وآمنهم من خوف﴾ [قريش: ٤].
- مهيمن اطلع على خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه ﴿المؤمن المهيمن﴾ [الحشر: ٢٣].
- مقتدر على خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه ﴿في مقعد صدق عند مليك مقتدر﴾ [القمر: ٥٥].
- مقيت على خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه ﴿وكان الله على كل شيء مقيتًا﴾ [النساء: ٨٥].
- مكرم أولياءه من العرش إلى الثرى، بيانه ﴿ولقد كرمنا بني آدم﴾ [الإسراء: ٧٠].
- منعم على خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه ﴿وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة﴾ [لقمان: ٢٠].
- متفضل على خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه ﴿إن الله لذو فضل على الناس﴾ [البقرة: ٢٤٣].
- مصور خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه ﴿الخالق البارئ المصور﴾ [الحشر: ٢٤].
وقال أهل الحقائق: وإنما المعنى في ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾: التيمن والتبرك وحث الناس على الابتداء في أقوالهم وأفعالهم ببسم الله كما افتتح الله كتابه العزيز به.
(فصل) اعلم أن الناس اختلفوا في هذا الاسم:
فقال الخليل بن أحمد وجماعة من أهل العربية: أنه اسم موضوع لله لا يشاركه فيه أحد، قال الله تعالى: ﴿هل تعلم له سميًا﴾ [مريم: ٦٥].
يعني أن كل اسم لله تعالى مشترك بينه وبين غيره، له على الحقيقة ولغيره على المجاز إلا هذا الاسم فإنه مختص به، فيه معنى الربوبية والمعاني كلها تحته، ألا ترى أنك إذا أسقطت منه الألف بقى لله، وإذا أسقطت من لله اللام الأولى بقى له، وإذا أسقطت من له اللام بقى هو.
واختلفوا في اشتقاقه:
فقال النضر بن شميل: هو من التأله، وهو التنسك والتعبد، يقال أله إلهة: أي
стр. 211
عبد عبادة.
وقال آخرون: هو من الإله، وهو الاعتماد، يقال: ألهت إلى فلان إلهًا: أي فزعت إليه واعتمدت عليه.
ومعناه: أن الخلق يفزعون ويتضرعون إليه في الحوادث والحوائج، فهو يألههم: أي يجبرهم، فسمى إلهًا -كما يقال: إمام للذي يؤتم به- فالعباد يؤلهون إليه: أي مضطرون إليه في المنافع والمضار، كالواله المضطر المغلوب.
وقال أبو عمرو بن العلاء: هو من ألهت في الشيء: إذا تحيرت فيه فلم تهتد إليه.
ومعناه: أن العقول تتحير في كنه صنعته وعظمته والإحاطة بكيفيته، فهو إله كما يقال: للمكتوب كتاب، وللمحسوب حساب، وقال المبرد: هو من قول العرب: ألهت إلا فلان: أي سكنت إليه، فكان الخلق يسكنون ويطمئنون بذكره. قال الله : ﴿ألا بذكر الله تطمئن القلوب﴾ [الرعد: ٢٨].
وقيل: أصله من الوله، وهو ذهاب العقل لفقدان من يعز عليه، فكأنه سمي بذلك لأن القلوب توله بمحبته وتطرب وتشتاق عند ذكره.
وقيل: معناه المحتجب لأن العرب إذا عرفت شيئًا ثم حجب عن أبصارها سمته لاهًا، يقال: لاهت العروس تلوه لوهًا: إذا احتجبت، فالله تعالى هو الظاهر بالربوبية بالدلائل والأعلام، والمحتجب من جهة الكيفية عن الأوهام.
وقيل: معناه المتعالي، يقال لاه: أي ارتفع، ومنه قيل للشمس إلاهة.
وقيل: معناه القدرة على الاختراع، وقيل: معناه السيد.
﴿الرحمن الرحيم﴾ قد قال قوم: هما بمعنى واحد، وهو ذو الرحمة، وهما من صفات الذات.
وقيل: هما بمعنى ترك عقوبة من يستحق العقوبة، وإسداء الخير إلى من لا يستحقه، وهما من صفات الفعل.
وفرق الآخرون بينهما فقالوا: الرحمن: للمبالغة، فمعناه: الذي وسعت رحمته كل شيء، والرحيم دون ذلك في الرتبة.
وقال بعضهم: الرحمن: العاطف على جميع خلقه مؤمنهم وكافرهم وبرهم وفاجرهم بأن خلقهم ورزقهم، قال الله تعالى: ﴿ورحمتي وسعت كل شيء﴾ [الأعراف: ١٥٦]،
стр. 212
والرحيم: بالمؤمنين خاصة بالهداية والتوفيق في الدنيا وبالجنة والرؤية في الآخرة، قال الله تعالى: ﴿وكان بالمؤمنين رحيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣].
فالرحمن خاص اللفظ عام المعنى، والرحيم عام اللفظ خاص المعنى، فالرحمن خاص من حيث أنه لا يجوز أن يسمى به أحد غير الله، عام من حيث أنه يشمل جميع الموجودات من طريق الخلق والرزق والنفع والدفع، والرحيم عام من حيث اشتراك المخلوقين في المسمى به خاص من طريق المعنى، لأنه يرجع إلى اللطف والتوفيق.
وقال ابن عباس ﵄: هما اسمان دقيقان أحدهما أدق من الآخر.
وقال مجاهد ﵀: الرحمن بأهل الدنيا الرحيم بأهل الآخرة.
وفي الدعاء: يا رحمن الدنيا يا رحيم الآخرة.
وقال الضحاك ﵀: الرحمن بأهل السماء حيث أسكنهم السموات وطوقهم الطاعات، وجنبهم الآفات، وقطع عنهم المطامع واللذات، والرحيم بأهل الأرض حيث أرسل إليهم الرسل، وأنزل عليهم الكتب.
وقال عكرمة ﵀: الرحمن برحمة واحدة، والرحيم بمائة رحمة.
وروى أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إن لله مائة رحمة، وأنه أنزل منها رحمة واحدة إلى الأرض فقسمها بين خلقه، فبها يتعاطفون وبها يتراحمون، وأخر تسعة وتسعين لنفسه يرحم بها عباده يوم القيامة».
وفي لفظ آخر: «وإن الله تعالى قابض هذه إلى تلك فيكملها مائة ويرحم بها عباده يوم القيامة».
الرحمن الذي إذا سئل أعطى، والرحيم الذي إذا لم يسأل غضب.
وقال النبي ﷺ في حديث أبي هريرة ﵁: «من لا يسأل الله يغضب عليه».
وقال الشاعر:
الله يغضب إن تركت سؤاله ... وبني آدم حين يسأل يغضب
стр. 213
الرحمن بالنعماء وهي ما أعطى وحبا، الرحيم بالآلام، وهي ما صرف وزوى.
الرحمن بالإنقاذ من النيران كما قال جل من قائل: ﴿وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها﴾ [آل عمران: ١٠٣]، والرحيم بإدخال الجنان كما قال: ﴿ادخلوها بسلام آمنين﴾ [الحجر: ٤٦].
الرحمن برحمة النفوس، والرحيم برحمة القلوب.
الرحمن بكشف الكروب، والرحيم بغفران الذنوب.
الرحمن بتبيين الطريق، والرحيم بالعصمة والتوفيق.
الرحمن بغفران السيئات، وإن كن عظيمات، والرحيم بقبول الطاعات، وإن كن غير صافيات.
الرحمن بمصالح معاشهم، الرحيم بمصالح معادهم.
الرحمن الذي يرحم ويقدر على كشف الضر ودفع الشر، الرحيم يرزق ويطعم ولا يطعم ﴿إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين﴾ [الذاريات: ٥٨].
الرحمن بمن جحده، الرحيم بمن وحده.
الرحمن بمن كفره، والرحيم بمن شكره.
الرحمن بمن قال ند، والرحيم بمن قال فرد.
(فصل) قل بسم الله تجد عفو ال له، هذا سماعك من القارئ، فكيف سماعك من البارئ، فهذا سماعك والغم باق، فكيف سماعك والرب ساق، هذا سماعك بواسطة، فكيف سماعك بلا واسطة، هذا سماعك في دار الغرور، فكيف سماعك في دار السرور، هذا سماعك في جوار الشيطان، فكيف سماعك في جوار الرحمن، هذا سماعك من عبد ذليل، فكيف سماعك من الملك الجليل، هذه لذة الخبر، فكيف لذة النظر، هذه لذة المجاهدة، فكيف لذة المشاهدة، هذه لذة البيان، فكيف لذة العيان، هذه لذة المغايبة، فكيف لذة المعاينة.
(فصل) قل بسم الله الذي تعالى عن الأضداد ، بسم الله الذي تنزه عن الأنداد، بسم الله الذي تقدس عن اتخاذ الأولاد، بسم الله الذي نور الأنوار، بسم الله الذي أكرم الأبرار، بسم الله الذي قدر الأقدار، ونور القلوب والأبصار، بسم الله الذي تجلى لقلوب الأبرار في أوقات الأسحار، بسم الله الذي علم الأحباب الأسرار، فغمرها
стр. 214
بالأنوار واستودعها الأسرار، وأزاح عنها الأخطار، وحفظها من رق الأغيار، وحط عنها الأثقال والأغلال والآصال والأوزار، إذ كان موصوفًا في الأزل بالإحسان والإفصال وغفران الذنوب لأهل الاستغفار.
قل بسم الله، اسم الذي أجرى الأنهار وأنبت الأشجار، اسم من عمر البلاد بأهل الطاعة من العباد، فجعلهم لها أوتادًا كالجبال فصارت الأرض بهم لمن عليها كالمهاد، فهم الأربعون الأخيار من الأبدال، المنزهون الرب عن الشركاء والأنداد وملوك في الدنيا وشفعاء الأنام يوم التناد، إذ خلقهم ربي مصلحة للعالم ورحمة للعباد.
(فصل) بسم الله للذاكرين ذخر وللأقوياء عز وللضعفاء حرز وللمحبين نور وللمشتاقين سرور، بسم الله راحة الأرواح، بسم الله نجاة الأشباح، بسم الله نور الصدور، بسم الله نظام الأمور، بسم الله تاج الواثقين، بسم الله سراج الواصلين، بسم الله مغني العاشقين، بسم الله اسم من أعز عبادًا وأذل عبادًا، بسم الله اسم من جعل النار لأعدائه مرصادًا، وجعل الرؤية لأحبائه ميعادًا، بسم الله اسم الواحد بلا عدد، بسم الله اسم الباقي بلا أحد، بسم الله اسم القائم بلا عمد، بسم الله افتتاح كل سورة، اسم من طابت به الخلوات، اسم من به تمت الصلوات، اسم من به حسنت الظنون، اسم من سهرت له العيون، اسم من إذا قال للشيء كن فيكون، اسم من تنزه عن المساس، اسم من استغنى عن الإيناس، اسم من جل عن القياس.
قل بسم الله حرفًا حرفًا، تأخذ الأجر ألفًا ألفًا، وتحط عنك الأوزار جرفًا جرفًا، من قالها بلسانه شهد الدنيا، ومن قالها بقلبه شهد العقبى، ومن قالها بسره شهد المولى.
بسم الله كلمة طاب بها الفم، بسم الله كلمة لا يبقى معها الغم، كلمة تمت بها النعمة، كلمة كشفت بها النقمة، كلمة خصت بها هذه الأمة، كلمة جمعت بين جلال وجمال، فقوله بسم الله جلال في جلال، وقوله الرحمن الرحيم جمال في جمال، فمن شهد جلاله طاش، ومن شهد جماله عاش، كلمة جمعت بين قدرة ورحمة، فالقدرة جمعت طاعات المطيعين، والرحمة محقت ذنوب المذنبين.
(فصل) قل بسم الله، فكأنه يقول بي وصل من وصل إلى الطاعات، ثم بنور الطاعات وصل إلى العيان، ثم استغنى بالعيان عن البيان، فصار قلبه وعاء للأسرار وعلم الأديان، ومن وصل إلى الحبيب نجا من النحيب، ومن وصل إلى النظر استغنى
стр. 215
عن الخبر، ومن وصل إلى الصمد نجا من الكمد، ومن وصل إلى الرفاق نجا من الفراق، ومن وصل إلى ذي المجد سلم من الوجد، ومن وصل إلى اللقاء أمن من الشقاء.
(فصل) قل بسم الله ، فالباء: بارئ البرايا، والسين: ستار الخطايا، والميم: المنان بالعطايا.
وقيل: إن الباء برئ من الأولاد، والسين: سميع الأصوات، والميم، مجيب الدعوات.
وقيل: اطعموا فإني مطعمكم، واسقوا فإني ساقيكم، وانظروا إلي فإني باقيكم.
وقيل: الباء: بكاء التائبين، والسين: سجود العابدين، والميم: معذرة المذنبين.
وقيل: الله كاشف البلايا، الرحمن معطي العطايا، الرحيم غافر الخطايا، الله للعارفين، الرحمن للعابدين، الرحيم للمذنبين، الله الذي خلقكم وهو أحسن الخالقين، الرحمن الذي رزقكم وهو خير الرازقين، الرحيم الذي يغفر لكم وهو خير الغافرين.
وقيل: الله بإسباغ النعم، الرحمن الرحيم بالجود والكرم، الله بإخراجنا من البطون، الرحمن بإخراجنا من القبور، الرحيم بإخراجنا من الظلمات إلى النور.
(فصل) رحم الله من خالف الشيطان ، وجانب العصيان، واتقى النيران، وأكثر الإحسان، وأدام ذكر الرحمن، فقال: بسم الله.
رحم الله من اعتصم بالله، وأناب إلى الله، وتوكل على الله، واشتغل بذكر الله، فقال: بسم الله.
رحم الله من زهد في الدنيا، ورغب في العقبى، وصبر على العطبى وشكر على النعمى، واشتغل بذكر المولى، فقال: بسم الله.
طوبي لعبد اجتنب الطاغوت، وقنع من الدنيا بالقوت، واشتغل بذكر الحي الذي لا يموت، فيقول: بسم الله.
* * *
следующие страницы →