Полный текст (666 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
علينا حسابهم﴾ [الغاشية: ٢٥ - ٢٦].
(فصل) ويعتقد أهل السنة أن لله تعالى ميزانًا يزن فيه الحسنات والسيئات يوم القيامة، له كفتان ولسان.
وقد أنكرت المعتزلة مع المرجئة والخوارج ذلك، فقال: إن معنى الميزان: العدل دون موازنة الأعمال، وفي كتاب الله وسنة رسوله تكذيبهم، قال الله تعالى: ﴿ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئًا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين﴾ [الأنبياء: ٤٧]، وقال تعالى: ﴿فأما من ثقلت موازينه * فهو في عيشة راضية * وأما من خفت موازينه * فأمه هاوية﴾ [القارعة: ٦ - ٩].
والعدل لا يوصف بالخفة والثقل، وإنما هو بيد الرحمن ﷻ ؛ لأنه هو الذي يتولى حسابهم، لما روى النواس بن سمعان الكلابي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الميزان بيد الرحمن ، يرفع أقوامًا ويضع آخرين يوم القيامة».
وقيل إنه بيد جبرائيل ﵇ لما روى عن حذيفة بن اليمان ﵄ قال: إن جبرائيل ﵇ صاحب الميزان، فيقول له ربه زن يا جبريل بينهم فيرجح بعضهم على بعض.
وروى عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «يوضع الميزان يوم القيامة، فيؤتى بالرجل فيوضع في كفة الميزان، ويوضع ما أحصى من عمله في كفة، فيميل به الميزان، فيبعث الله به إلى النار فإذا أدبر به إذا صائح يصيح من عند الرحمن: لا تعجلوا لا تعجلوا، فإنه قد بقى له، فيؤتى بشيء فيه لا إله إلا الله فيوضع مع الرجل في كفة حسناته حتى يميل به الميزان، فيؤمر به إلى الجنة».
وفي حديث آخر عن النبي ﷺ أنه قال: إنه يؤتى بالرجل يوم القيامة إلى الميزان ثم يؤتى بتسعة وتسعين سجلًا كل سجل مد البصر فيها كلها سيئاته وخطيئاته فترجح سيئاته على حسناته فيؤمر به إلى النار، فإذا أدبر به إذا صائح يصيح من عند الرحمن لا تعجلوا لا تعجلوا فقد بقى له، فيؤتى بمثل رأس الإبهام، وأمسك على النصف منها،
стр. 142
فيه شهادة أن لا إله إلا الله وأنى رسول الله، فيوضع في كفة حسناته فتثقل حسناته على سيئاته، فيؤمر به إلى الجنة.
وفي لفظ آخر: فيخرج له بقرطاس مثل هذا -وأمسك على إبهامه- فيه: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ... إلى آخر الحديث.
وقيل إن الصنج يؤمئذ مثاقيل الذر والخردل تكون الحسنات في صورة حسنة تطرح في كفة النور فيثقل بها الميزان برحمة الله وتكون السيئات في صورة سيئة تطرح في كفة الظلمة فيخف بها الميزان بعدل الله تعالى.
وعلامة تثقيل الميزان ارتفاعها، وعلامة خفتها انحطاطها بخلاف موازين الدنيا، وقد قيل مثل موازين الدنيا.
وسبب تثقيلها الإيمان وقول الشهادتين، وسبب خفتها الشرك بالله ، فإذا ارتفعت أدخل صاحبها الجنة لأنها عالية، وإذا خفت أدخل صاحبها النار الهاوية، لأنها في التخوم أسفل السافلين.
كما قال الله : ﴿فأما من ثقلت موازينه * فهو في عيشة راضية﴾ [القارعة: ٦ - ٧] أي في جنة عالية. ﴿وأما من خفت موازينه * فأمه هاوية﴾ [القارعة: ٨ - ٩] أي أصله ومأواه ومرجعه نار حامية، وهي هاوية.
والناس في موازنة الأعمال على ثلاثة أضرب: منهم من ترجح حسناته على سيئاته، فيؤمر به إلى الجنة، ومنهم من ترجح سيئاته على حسناته، فيؤمر به إلى النار. ومنهم من لا ترجح إحداهما على الأخرى، فهم أصحاب الأعراف، ثم ينالهم الله برحمته إذا شاء فيدخلهم الجنة. فهو قوله : ﴿وعلى الأعراف رجال﴾ [الأعراف: ٤٦].
والذي يوزن صحائف أعمالهم على ما ذكرنا من تسعة وتسعين سجلًا وطريق ذلك النقل والسمع.
وأما المقربون فيدخلون الجنة بغير حساب، كما جاء في الحديث: «أنه يدخل الجنة سبعون ألفًا بغير حساب، ومع كل واحد منهم سبعون ألفًا» على نص الحديث المشهور.
وأما الكافرون فيدخلون النار بغير حساب، ومن المؤمنين من يحاسب حسابًا يسيرًا ثم يؤمر به إلى الجنة على ما تقدم.
стр. 143
ومنهم من يناقش ثم أمره إلى الله إن شاء أمر به إلى الجنة أو إلى النار. قال الله : ﴿فأما من أوتي كتابه بيمينه * فسوف يحاسب حسابًا يسرًا * وينقلب إلى أهله مسرورًا﴾ [الانشقاق: ٧ - ٩] الآية، وقال جل وعلا: ﴿وكل إنسان ألزمانه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابًا يلقاه منشورًا * اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبًا﴾ [الإسراء: ١٣ - ١٤].
وقال النبي ﷺ في حديث علي ﵁: «إن الله يحاسب كل الخلق إلا من أشرك بالله، فإنه لا يحاسب ويؤمر به إلى النار».
(فصل) ويعتقد أهل السنة أن الجنة والنار مخلوقتان، وهما الداران أعدهما الله تعالى.
إحداهما للنعيم والثواب لأهل الطاعة والإيمان، والأخرى للعقاب والنكال لأهل المعاصي والطغيان، وهما منذ خلقهما الله تعالى باقيتان لا تفنيان أبدًا، وهي الجنة التي كان فيها آدم وحواء ﵉ وإبليس اللعين، ثم أخرجا منها، القصة المشهورة.
وقد أنكرت المعتزلة ذلك، فأما الجنة فلا يدخلونها، وأما النار فلعمري هم فيها خالدون مخلدون لإنكارهم ولحكمهم بذلك للمؤمن الموحد المطيع لله سبعين سنة بكبيرة واحدة، وفي كتاب الله العزيز وسنة رسول الله ﷺ تكذيبهم. قال الله : ﴿وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين﴾ [آل عمران: ١٣٣].
وقال : ﴿واتقوا النار التي أعدت للكافرين﴾ [آل عمران: ١٣١] وما كان معدًا كان موجودًا يعلمه كل عاقل فعلم أنهما مخلوقتان.
وقال رسول الله ﷺ في حديث أنس بن مالك ﵁: «دخلت الجنة فإذا أنا بنهري يجري؟ حافتاه خيام اللؤلؤ، فضربت بيدي إلى ماء يجري إذ مسك أذفر، قلت: يا جبريل ما هذا، قال: هذا الكوثر الذي أعطاك الله تعالى».
وقال ﷺ في حديث أبي هريرة ﵁: حين قيل له يا رسول الله أخبرنا عن الجنة ما بناؤها؟ قال ﵊: لبنة من فضة ولبنة من ذهب، وبلاطها المسك الأذفر، وحصاها الياقوت واللؤلؤ، وترابها الورس والزعفران، من دخلها يخلد
стр. 144
ولا يموت وينعم ولا يبأس، ولا يخلق ثيابهم ولا يبلى شبابهم».
فهذا دليل على كونهما مخلوقتين، وأن نعيم الجنة دائم لا يفنى، كما قال الله تعالى: ﴿أكلها دائم وظلها﴾ [الرعد: ٣٥]، وقال : ﴿لا مقطوعة ولا ممنوعة﴾ [الواقعة: ٣٣].
ومن نعيمها الحور العين خلقهن الله تعالى في الجنة للبقاء، لا يفنين ولا يمتن كما قال الله : ﴿فيهن قاصرات الطرف لم يطمثهن أنس قبلهم ولا جان﴾ [الرحمن: ٥٦]، وقوله ﵎: ﴿حور مقصورات في الخيام﴾ [الرحمن: ٧٢].
وروت أم سلمة زوج النبي ﷺ قال: قلت: يا رسول الله، أخبرني عن قول الله : ﴿كأمثال اللؤلؤ المكنون﴾ [الواقعة: ٢٣].
قال: صفاؤهن كصفاء الدر في الأصداف ... إلى أن قال: يقلن نحن الخالدات فلا نموت أبدًا، ونحن الناعمات فلا نبأس أبدًا، ونحن المقيمات فلا نظعن أبدًا، ونحن الراضيات فلا نسخط أبدًا، وهن في دار حق ولا يقلن إلا حقًا، والنبي ﷺ صادق لا يقول إلا حقًا فقد أخبر أنهن خالدات لا يمتن أبدًا.
وروى معاذ بن جبل ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «لا تؤذي امرأة زوجها في الدنيا إلا قالت زوجته من الحور العين: لا تؤذيه قاتلك الله، فإنما هو عندك دخيل يوشك إن يفارقك إلينا».
فإذا ثبت أنهما لا يفنيان وما فيهما أبدًا فلا يخرج الله تعالى من الجنة أحدًا، ولا يسلط على أهلها الموت فيها، ولا يزول عنهم نعيمها فهم في كل يوم في مزيد نعيم أبد الآباد.
وتمام نعيمهم أن الله يأمر بالموت فيذبح على صورة كبش أملح بين الجنة والنار، وينادي المنادي: يا أهل الجنة خلود ولا موت، ويا أهل النار خلود ولا موت، على ما ورد به الخبر الصحيح عن النبي ﷺ .
стр. 145
(فصل) ويعتقد أهل الإسلام قاطبة أن محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم رسول الله، وسيد المرسلين وخاتم النبيين ﵈، وأنه مبعوث إلى الناس كافة وإلى الجن عامة.
كما قال الله : ﴿وما أرسلناك إلا كافة للناس﴾ [سبأ: ٢٨]، وقال تعالى: ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾ [الأنبياء: ١٠٧].
وقال النبي ﷺ في حديث أبي أمامة ﵁: «إن الله فضلني على الأنبياء بأربع: أرسلني إلى الناس كافة ...» وذكر الحديث.
وأنه ﷺ أعطى من المعجزات ما أعطى غيره من الأنبياء وزيادة، وقد عدها بعض أهل العلم ألف معجزة.
منها القرآن المنظوم على وجه مخصوص مفارق لجميع أوزان كلام العرب ونظمه وترتيبه وبلاغته وفصاحته على وجه جاوز فصاحة كل فصيح، وبلاغة كل بليغ، وعجزت العرب أن تأتي بمثله، ولا بسورة منه كما قال الله تعالى: ﴿فأتوا بعشر سور مثله مفتريات﴾ [هود: ١٣] فلم يأتوا، ثم قال تعالى: ﴿فأتوا بسورة من مثله﴾ [البقرة: ٢٣] فعجزوا عن ذلك مع براعتهم وفصاحتهم على أهل زمانهم، وانقطعوا فظهر فضله عليهم، فلذلك صار القرآن معجزة له ﷺ ، كالعصا في حق موسى ﵇ لأن موسى بعث في زمن السحرة الحذاق في صنعتهم، فتلقفت عصا موسى ﵇ ما سحروا به أعين الناس وخيلوه إليهم: ﴿فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين * وألقي السحرة ساجدين﴾ [الأعراف: ١١٩ - ١٢٠].
وكإحياء عيسى ﵇ الموتى، وإبراءه الأكمه والأبرص لأنه ﵇ بعث في زمن الناس فيه أطباء حذاق، يوقفون الأعلال والأسقام التي لا تبرأ ببراعتهم في حذق الصنعة، فانقادوا إليه وأمنوا به لمجاوزته في الصنعة عليهم وبراعته في المعجزة فيما تعاطوه منه.
ففصاحة القرآن وإعجازه معجزة للنبي ﷺ كالعصا وإحياء الموتى في حق موسى وعيسى ﵉.
ومن معجزاته ﵊ نبع الماء من بين أصابعه وإطعام الزاد القليل
стр. 146
للخلق الكثير، وكلام الذراع المسموم، وقوله: لا تأكل مني فإني مسموم، وانشقاق القمر، وحنين الجذع، وكلام البعير، ومجيء الشجرة إليه، وغير ذلك مما يبلغ ألف معجزة على ما ذكروا.
وإنما لم يأت النبي ﷺ بمثل عصا موسى ويده البيضاء، وإحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص ومثل ناقة صالح، والمعجزات التي كانت للأنبياء لأمرين اثنين.
أحدهما: لئلا يكذب بها أمته فيهلكوا كما هلكت الأمم قبلهم، كما قال الله تعالى: ﴿وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون﴾ [الإسراء: ٥٩].
والثاني: لو جاء بمثل ما جاء به الأولون لقالوا له ما جئت بغريب وقد تعلمت من موسى وعيسى، فأنت من أتباعهم لا نؤمن لك حتى تأتينا بما لم يأت به الأولون. ولهذا لم يؤت الله سبحانه نبيًا من أنبيائه معجزة غيره، بل خص كل نبي بمعجزة غير معجزة من كان قبله.
(فصل) ويعتقد أهل السنة أن أمة نبينا محمد ﷺ خير الأمم أجمعين، وأفضلهم أهل القرن الذين شاهدوه وآمنوا به وصدقوه وبايعوه وتابعوه وقاتلوا بين يديه ومدوه بأنفسهم وأموالهم وعزروه ونصروه.
وأفضل أهل القرون أهل الحديبية الذين بايعوه بيعة الرضوان وهم ألف وأربعمائة رجل.
وأفضلهم أهل بدر وهم ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلًا عدد أصحاب طالوت.
وأفضلهم الأربعون أهل دار الخيزران الذين كملوا بعمر بن الخطاب.
وأفضلهم العشرة الذين شهد لهم النبي ﷺ بالجنة وهم: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد وسعيد وأبو عبيدة بن الجراح.
وأفضل هؤلاء العشرة الأبرار الخلفاء الراشدون الأربعة الأخيار.
стр. 147
وأفضل الأربعة أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي -رضي الله تعالى عنهم-.
ولهؤلاء الأربعة الخلافة بعد النبي ﷺ ثلاثون سنة ولي منها أبو بكر ﵁ سنتين وشيئًا، وعمر ﵁ عشرًا، وعثمان ﵁ اثنتي عشرة، وعلي ﵁ تسعًا، ثم وليها معاوية تسعة عشرة سنة، وكان قبل ذلك ولاه عمر الإمارة على أهل الشام عشرين سنة.
وخلافة الأئمة الأربعة كانت باختيار الصحابة واتفاقهم ورضاهم، ولفضل كل واحد منهم في عصره وزمانه على من سواه من الصحابة ولم تكن بالسيف والقهر والغلبة والأخذ ممن هو أفضل منه.
وأما خلافة أبي بكر الصديق ﵁ فباتفاق المهاجرين والأنصار كانت.
وذلك أنه لما توفى رسول الله ﷺ قامت خطباء الأنصار فقالوا: منا أمير ومنكم أمير، فقام عمر بن الخطاب ﵁ فقال: يا معشر الأنصار ألستم تعلمون أن النبي ﷺ أمر أبا بكر أن يؤم الناس؟ فقالوا: بلى، قال: فأيكم تطيب نفسه أن يتقدم أبا بكر؟ قالوا: معاذ الله أن نتقدم أبا بكر.
وفي لفظ آخر قال عمر رضي الله تعالى عنه: فأيكم تطيب نفسه أن يزيله عن مقام أقامه فيه رسول الله ﷺ ؟ فقالوا كلهم: كلنا لا تطيب أنفسنا، نستغفر الله، فاتفقوا مع المهاجرين فبايعوه بأجمعهم، وفيهم علي والزبير.
ولهذا في النقل الصحيح: «لما بويع أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه قام ثلاثًا يقبل على الناس يقول: يا أيها الناس أقلتكم بيعتي هل من كاره؟ فيقوم علي ﵁ في أوائل الناس فيقول: لا نقيلك ولا نستقيلك أبدًا، قدمك رسول الله ﷺ فمن يؤخرك».
وبلغنا عن الثقات أن عليًا ﵁ كان أشد الصحابة قولًا في إمامة أبي بكر ﵁.
وروي أن عبد الله بن الكراء دخل على علي بعد قتال الجمل وسأله: هل عهد إليك رسول الله ﷺ في هذا الأمر شيئًا؟ فقال: نظرنا في أمرنا فإذا الصلاة عضد الإسلام
стр. 148
فرضينا لدنيانا من رضى الله ورسوله لديننا، فولينا الأمر أبا بكر.
وذلك أن النبي ﷺ استخلف أبا بكر الصديق ﵁ في إمامة الصلاة المفروضة أيام مرضه، فكان يأتيه بلال وقت كل صلاة فيؤذنه بالصلاة، فيقول ﵊: «مروا أبا بكر فليصل بالناس».
وكان النبي ﷺ يتكلم في شأن أبي بكر ﵁ في حال حياته بما يتبين للصحابة أنه أحق الناس بالخلافة بعده.
وكذلك في حق عمر وعثمان وعلي ﵃ أن كل واحد منهم أحق بالأمر في عصره وزمانه.
من ذلك ما روي عن ابن بطة بإسناده عن علي ﵁ أنه قال: «قيل يا رسول الله من نؤمِّر بعدك؟ قال ﷺ : «إن تؤمروا أبا بكر تجدوه أمينًا زاهدًا في الدنيا راغبًا في الآخرة، وإن تؤمروا عمر تجدوه قويًا أمينًا لا يخاف في الله لومة لائم، وإن تؤمروا عثمان تجدوه قائمًا بالدليل والبرهان، وإن تولوا عليًا تجدوه هاديًا مهديًا، فلذلك أجمعوا على خلافة أبي بكر ﵁».
وقد روي عن إمامنا أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل ﵀ رواية أخرى: إن خلافة أبي بكر ﵁ ثبتت بالنص الخفي والإشارة، وهذا مذهب الحسن البصري وجماعة من أصحاب الحديث ﵏.
وجه هذه الرواية ما روي عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «لما عرج بي إلى السماء سألت ربي أن يجعل الخليفة من بعدي علي بن أبي طالب، فقالت الملائكة: يا محمد إن الله يفعل ما يشاء! الخليفة من بعدك أبو بكر».
وقال ﵊ في حديث ابن عمر ﵄: «الذي بعدي أبو بكر لا يلبث بعدي إلا قليلًا».
وعن مجاهد ﵀ قال: قال لي علي بن أبي طالب ﵄ خرج النبي ﷺ من دار الدنيا حتى عهد إلى أن أبا بكر يلي من بعدي، ثم عمر من بعده، ثم
стр. 149
عثمان من بعده ثم علي من بعده.
وأما خلافة عمر بن الخطاب ﵁، فإنها كانت باستخلاف أبي بكر له ﵁، فانقادت الصحابة إلى بيعته وسموه أمير المؤمنين، فقال عبد الله بن عباس ﵄: قالوا لأبي بكر ﵁: ما تقول لربك غدًا إذا لقيته وقد استخلفت علينا عمر وقد عرفت فظاظته؟ فقال: أقول استخلفت عليهم خير أهلك.
وأما خلافة عثمان بن عفان ﵁، فكانت أيضًا عن اتفاق الصحابة ﵃، وذلك أن عمر ﵁ أخرج أولاده عن الخلافة، وجعلها شورى بين ستة نفر، وهم طلحة، الزبير، سعد بن أبي وقاص، عثمان، علي، وعبد الرحمن ابن عوف، فأخرج طلحة، والزبير، وسعد أنفسهم منها، فبقيت بين علي، عثمان، وعبد الرحمن.
فقال عبد الرحمن لعلي وعثمان: أنا أختار أحدكما لله ورسوله وللمؤمنين، فأخذ بيد علي ﵁ فقال: عليك عهد الله وميثاقه وذمته وذمة رسوله إن أنا بايعتك لتنصحن لله ولرسوله وللمؤمنين، ولتسيرن بسيرة رسول الله وأبي بكر وعمر، فخاف علي ألا يقوى على ما قووا عليه فلم يجبه.
ثم أخذ بيد عثمان فقال له مثل ما قال لعلي، فأجابه عثمان على ذلك، فمسح يد عثمان فبايعه، وبايع علي ﵁ معه، ثم بايع الناس أجمع.
فصار عثمان بن عفان خليفة من بين الستة باتفاق الكل.
فكان إمامًا حقًا إلى أن مات، ولم يوجد فيه أمر يوجب الطعن فيه ولا فسقه ولا قتله، خلاف ما قالت الروافض تبًا لهم.
وأما خلافة علي ﵁ بعد عثمان فكانت عن اتفاق الجماعة وإجماع الصحابة، لما روي عن عبد الله بن بطة عن محمد بن الحنفية قال: كنت مع علي بن أبي طالب وعثمان بن عفان محصورًا، فأتاه رجل فقال: إن أمير المؤمنين مقتول الساعة.
قال فقام علي ﵁ فأخذت بوسطه تخوفًا عليه.
فقال: خل لا أم لك، قال فأتى على الدار وقد قتل عثمان ﵁ فأتى داره فدخلها وأغلق بابه.
стр. 150
فأتاه الناس فضربوا عليه الباب فدخلوا عليه فقالوا: إن عثمان قد قتل ولابد للناس من خليفة، ولا نعلم أحدًا أحق بها منك.
فقال لهم علي: لا تريدوني فإني لكم وزير خير من أمير، قالوا: والله لا نعلم أحدًا أحق بها منك، قال ﵁: فإن أبيتم علي فإن بيعتي لا تكون سرًا، ولكن أخرج إلى المسجد، فمن شاء أن يبايعني بايعني.
قال: فخرج ﵁ إلى المسجد فبايعه الناس، فكان إمامًا حقًا إلى أن قتل ﵁، خلاف ما قالت الخوارج إنه لم يكن إمامًا قط. تبًا لهم إلى آخر الدهر.
وأما قتاله ﵁ لطلحة والزبير وعائشة ومعاوية ﵃ فقد نص الإمام أحمد ﵀ على الإمساك عن ذلك، وجميع ما شجر بينهم من منازعة ومنافرة وخصومة.
لأن الله تعالى يزيل ذلك من بينهم يوم القيامة، كما قال : ﴿ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانًا على سرر متقابلين﴾ [الحجر: ٤٧].
ولأن عليًا ﵁ كان على الحق في قتالهم.
لأنه كان يعتقد صحة إمامته على ما بينا من اتفاق أهل الحل والعقد من الصحابة على إمامته وخلافته، فمن خرج عن ذلك بعد وناصبه حربًا كان باغيًا خارجًا على الإمام فجاز قتاله، ومن قاتله من معاوية وطلحة والزبير طلبوا ثأر عثمان بن عفان خليفة الحق المقتول ظلمًا، والذين قتلوه كانوا في عسكر علي ﵁، فكل ذهب إلى تأويل صحيح، فأحسن أحوالنا الإمساك في ذلك، وردهم إلى الله وهو أحكم الحاكمين وخير الفاصلين، والاشتغال بعيوب أنفسنا وتطهير قلوبنا من أمهات الذنوب وظواهرنا من موبقات الأمور.
وأما خلافة معاوية بن أبي سفيان ﵁ فثابتة صحيحة بعد موت علي ﵁ وبعد خلع الحسن بن علي ﵄ نفسه من الخلافة وتسليمها إلى معاوية لرأي رآه الحسن ومصلحة عامة تحققت له، وهي حقن دماء المسلمين وتحقيق قول النبي ﷺ في الحسن ﵁: «إن ابني هذا سيد يصلح الله تعالى به بين فئتين عظيمتين».
стр. 151
فوجبت إمامته بعقد الحسن له، فسمى عامه عام الجماعة، لارتفاع الخلاف بين الجميع واتباع الكل لمعاوية ﵁، لأنه لم يكن هناك منازع ثالث في الخلافة.
وخلافته مذكورة في قول النبي ﷺ ، وهو ما روى عن النبي ﷺ أنه قال: «تدور رحى الإسلام خمسًا وثلاثين سنة أو ستًا وثلاثين أو سبعًا وثلاثين».
والمراد بالرحى، في هذا الحديث القوة في الدين والخمس السنين الفاضلة من الثلاثين فهي من جملة خلافة معاوية إلى تمام تسع عشرة سنة وشهور، لأن الثلاثين كملت بعلي ﵁ كما بينا.
ونحسن الظن بنساء النبي ﷺ أجمعين، ونعتقد أنهن أمهات المؤمنين.
وأن عائشة ﵂ أفضل نساء العالمين وبرأها الله تعالى من قول الملحدين فيها بما يقرأ ويتلى إلى يوم الدين.
وكذلك فاطمة بنت نبينا محمد ﷺ -ورضي الله تعالى عنها وعن بعلها وأولادها- أفضل نساء العالمين، ويجب موالاتها ومحبستها كما يجب ذلك في حق أبيها ﷺ قال النبي ﷺ : «فاطمة بضعة مني، يريبني ما يريبها».
فهذا القرن هم الذين ذكرهم الله في كتابه وأثنى عليهم، فهم المهاجرون الأولون والأنصاء الذين صلوا إلى القبلتين.
قال الله تعالى فيهم: ﴿لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلًا وعد الله الحسنى﴾ [الحديد: ١٠].
وقال -جل وعلا-: ﴿وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنًا﴾ [النور: ٥٥].
وقال تعالى: ﴿والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعًا سجدًا ...﴾ إلى قوله ﴿يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار﴾ [الفتح: ٢٩].
وروى جعفر بن محمد عن أبيه في قوله : ﴿محمد رسول الله والذين معه﴾ في العسر واليسر في الغار والعريش أبو بكر ﴿أشداء على الكفار﴾ عمر بن الخطاب
стр. 152
﴿رحماء بينهم﴾ عثمان بن عفان ﴿تراهم ركعًا سجدًا﴾ علي بن أبي طالب ﴿يبتغون فضلًا من الله ورضوانًا﴾ طلحة والزبير حواريا رسول الله ﷺ ﴿سيماهم في وجوههم من اثر السجود﴾ سعد وسعيد وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة بن الجراح هؤلاء العشرة ﴿ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه﴾ يعني محمدًا ﷺ ﴿فآزره﴾ بأبي بكر ﴿فاستغلظ﴾ بعمر ﴿فاستوى على سوقه﴾ بعثمان بن عفان ﴿يعجب الزراع﴾ بعلي بن أبي طالب ﴿ليغيظ بهم﴾ بالنبي ﷺ وأصحابه ﴿الكفار﴾.
واتفق أهل السنة على وجوب الكف عما شجر بينهم، والإمساك عن مساوئهم، وإظهار فضائلهم ومحاسنهم، وتسليم أمرهم إلى الله على ما كان وجرى من اختلاف علي وطلحة والزبير وعائشة ومعاوية ﵃ على ما قدمنا بيانه، وإعطائه كل ذي فضل فضله، كما قال الله : ﴿والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلًا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم﴾ [الحشر: ١٠].
وقال تعالى: ﴿تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون﴾ [البقرة: ١٣٤].
وقال ﷺ : «إذا ذكر أصحابي فأمسكوا».
وفي لفظ آخر: «إياكم وما شجر بين أصحابي، فلو أنفق أحدكم مثل أُحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه».
وقال ﷺ : «طوبي لمن رآني ومن رأى من رآني».
وقال ﷺ : «لا تسبوا أصحابي فمن سبهم فعليه لعنة الله».
وقال ﷺ في رواية أنس: «إن الله اختارني واختار لي أصحابي، فجعلهم أنصاري، وجعلهم أصهاري، وأنه سيجيء في آخر الزمان قوم ينقصونهم، ألا فلا تواكلوهم، ألا فلا تشاربوهم، ألا فلا تناكحوهم، ألا فلا تصلوا معهم، ألا فلا تصلوا
стр. 153
عليهم، عليهم حلت اللعنة».
وروى جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يدخل النار أحد ممن بايع تحت الشجرة».
وروى أبو هريرة ﵁ قال، قال رسول الله ﷺ : «اطلع الله على أهل بدر فقال يا أهل بدر اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم».
وروى ابن عمر ﵄ قال، قال رسول الله ﷺ : «إنما أصحابي مثل النجوم، فأيهم أخذتم بقوله اهتديتم».
وعن ابن بريدة عن أبيه ﵁ قال إن النبي ﷺ قال: «من مات من أصحابي بأرض جعل شفيعًا لأهل تلك الأرض».
وقال سفيان بن عيينة ﵀: من نطق في أصحاب رسول الله ﷺ بكلمة فهو صاحب هوى.
وأهل السنة أجمعوا على السمع والطاعة لائمة المسلمين وابتاعهم، والصلاة خلف كل بر منهم وفاجر، والعادل منهم والجائر، ومن ولوه ونصبوه واستنابوه، وألا ينزلوا أحدًا من أهل القبلة بجنة ولا نار، مطيعًا كان أو عاصيًا، رشيدًا كان أو غاويًا أو عاتيًا إلا أن يطلع منه على بدعة وضلالة.
وأجمعوا على تسليم المعجزات للأنبياء، والكرامات للأولياء.
وأن الغلاء والرخص من قبل الله، لا من أحد من خلقه من السلاطين والملوك، ولا من الكواكب كما زعمت القدرية والمنجمون.
لما روى أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن الغلاء والرخص جندان من جنود الله، اسم أحدهما الرغبة، والآخر الرهبة.
فإذا أراد الله أن يغليه قذف الرغبة في قلوب التجار فحبسوه.
стр. 154
وإذا أراد أن يرخص قذف الرهبة في صدور التجار فأخرجوه من أيديهم».
والأولى للعاقل المؤمن الكيس أن يتبع ولا يبتدع، ولا يغالي ويعمق وتكلف لئلا يضل ويزل فيهلك.
قال عبد الله بن مسعود ﵁: اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم.
وقال معاذ بن جبل ﵁: إياك ومغمضات الأمور، وأن تقول للشيء ما هذا، فقال مجاهد ﵀ حين بلغه هذا عن معاذ: قد كنا نقول للشيء ما هذا؟ فأما الآن فلا.
فعلى المؤمن اتباع السنة والجماعة، فالسنة ما سنه رسول الله ﷺ ، والجماعة ما اتفق عليه أصحاب رسول الله ﷺ في خلافة الأئمة الأربعة الخلفاء الراشدين المهديين -رحمة الله عليهم أجمعين-.
وألا يكاثر أهل البدع ولا يدانيهم، ولا يسلم عليهم، لأن إمامنا أحمد بن حنبل ﵀ قال: من سلم على صاحب بدعة فقد أحبه.
ولقول النبي ﷺ : «افشوا السلام بينكم تحابوا».
ولا يجالسهم ولا يقرب منهم ولا يهنيهم في الأعياد وأوقات السرور، ولا يصلي عليهم إذا ماتوا، ولا يترحم عليهم إذا ذكروا بل يباينهم ويعاديهم في الله ، معتقدًا ومحتسبًا بذلك الثواب الجزيل والأجر الكثير.
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: «من نظر إلى صاحب بدعة بغضًا له في الله ملأ الله قلبه أمنًا وإيمانًا، ومن انتهر صاحب بدعة بغضًا له في الله أمنه الله يوم القيامة، ومن استحقر بصاحب بدعة رفعه الله تعالى في الجنة مائة درجة، ومن لقيه بالبشر أو بما يسره فقد استخف بما أنزل الله تعالى على محمد ﷺ ».
وعن أبي المغيرة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: قال رسول الله ﷺ : «أبى الله أن يقبل عمل صاحب بدعة حتى يدع بدعته».
стр. 155
وقال فضيل بن عياض: من أحب صاحب بدعة أحبط الله عمله وأخرج نور الإيمان من قلبه.
وإذا علم الله من رجل أنه مبغض لصاحب بدعة رجوت الله تعالى أن يغفر ذنوبه وإن قل عمله، وإذا رأيت مبتدعًا في طريق فخذ طريقًا آخر.
وقال فضيل بن عياض ﵀: سمعت سفيان بن عيينة ﵀ يقول: من تبع جنازة مبتدع لم يزل في سخط الله تعالى حتى يرجع.
وقد لعن النبي ﷺ المبتدع، فقال ﷺ : «من أحدث حدثًا أو آوى محدثًا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، ولا يقبل منه صرفًا ولا عدلًا».
يعني بالصرف: الفريضة، وبالعدل: النافلة.
وعن أبي أيوب السجستاني ﵀ أنه قال: إذا حدثت الرجل بالسنة فقال: دعنا من هذا وحدثنا بما في القرآن، فاعلم أنه ضال.
(فصل) واعلم أن لأهل البدع علامات يعرفون بها.
فعلامة أهل البدعة الوقيعة في أهل الأثر.
وعلامة الزنادقة تسميتهم أهل الأثر: بالحشوية، ويريدون إبطال الآثار.
وعلامة القدرية تسميتهم أهل الأثر: مجبرة.
وعلامة الجهمية تسميتهم أهل السنة: مشبهة.
وعلامة الرافضة تسميتهم أهل الأثر: ناصبة.
وكل ذلك عصبية وغياظ لأهل السنة، ولا اسم لهم إلا اسم واحد: وهو «أصحاب الحديث».
ولا يلتصق بهم ما لقبهم به أهل البدع، كما لم يلتصق بالنبي ﷺ تسمية كفار مكة له ساحرًا وشاعرًا ومجنونًا ومفتونًا وكاهنًا، ولم يكن اسمه عند الله وعند ملائكته وعند إنسه وجنه وسائر خلقه إلا رسولًا نبيًا بريًا من العاهات كلها.
قال الله تعال: ﴿انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلًا﴾ [الإسراء: ٤٨].
стр. 156
هذا آخر ما ألفنا في باب معرفة الصانع والاعتقاد على مذهب أهل السنة والجماعة على وجه الاختصار والقدرة.
* * *
ثم نردف هذه الجملة بفصلين آخرين: لا يسع العاقل المؤمن جهلهما إذا أراد سلوك المحجة.
أحد الفصلين: فيما لا يجوز إطلاقه على الباري من الصفات، وأخلاق العباد والنقائض، وما يجوز من ذلك.
والفصل الثاني: في بيان مقالة الفرق الضالة عن طريق الهدى الداحضة الحجة في يوم الدين والمحاسبة.
* * *
стр. 157
أما الفصل الأول:
فبما لا يجوز إطلاقه على الباري من الصفات
ويستحيل إضافته إليه من الأخلاق، وما يجوز من ذلك
لا يجوز أن يوصف الباري تعالى بالجهل والشك والظن وغلبة الظن والسهو والنسيان والسنة والنوم والغلبة والغفلة والعجز والموت والخرس والصمم والعمى والشهوة والنفور والميل والحرد والغيظ والحزن والتأسف والكمد والحسرة والتلهف والألم واللذة والنفع والمضرة والتمني والعزم والكذب، ولا يجوز أن يسمى إيمانًا خلاف ما قالت السالمية، وتعلقهم بقوله : ﴿ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله﴾ [المائدة: ٥] محمول على أنه من يكفر بوجوب الإيمان، كان كمن كفر بالرسول، وما جاء به ﷺ من الله من الأوامر والنواهي.
ولا يجوز أن يوصف بأنه مطيع ولا محبل لنساء العالم.
ولا يجوز عليه الحد ولا النهاية، ولا القبل ولا البعد، ولا تحت ولا قدام، ولا خلف ولا كيف، لأن جميع ذلك ما ورد به الشرع إلا ما ذكرناه من أنه على العرش استوى، على ما ورد به القرآن والأخبار، بل هو خالق لجميع الجهات ولا يجوز عليه الكمية.
واختلف في جواز إطلاق تسميته بالشخص، فمن جوز ذلك فلقول النبي ﷺ في حديث المغيرة بن شعبة ﵁: (لا شخص أغير من الله، ولا شخص أحب إليه المعاذير من الله).
ومن منع ذلك فلأن لفظ الخير ليس بصريح في الشخص لاحتماله أن يكون معناه: لا أحد أغير من الله.
وقد ورد في بعض الألفاظ: (لا أحد أغير من الله).
ولا يجوز أن يسمى فاضلاً وعتيقًا وفقيهًا ولا فهيمًا ولا فطنًا ولا محققًا وعاقلًا وموقرًا ولا طيبًا، وقيل يجوز.
стр. 158
ولا عاديًا، لأن ذلك منسوب إلى زمن عاد وهو محدث، ولا مطيقًا لأنه خالق كل طاقة وهي متناهية، ولا محفوظًا لأنه هو الحافظ.
ولا يجوز وصفه بالمباشرة، ولا يجوز وصفه بأنه مكتسب، لأن ذلك محدث بقدرة محدثة، والله تعالى منزه عن ذلك.
ولا يجوز عليه العدم وهو قديم لا بقدم، ولا أول لوجوده خلاف ما قال ابن كلاب من أنه قديم بقدم، وهو باق لا ببقاء، وهو عالم بمعلومات غير متناهية، قادر بمقدورات غير متناهية خلاف ما أذاعت المعتزلة من أن كل ذلك متناه.
وأما الصفات التي يجوز وصفه بها: فالفرح والضحك والغضب والسخط والرضا، وقد قدمنا ذلك في أول الباب.
ويجوز وصفه بأنه موجود لقوله : ﴿ووجد الله عنده﴾ [النور: ٣٩].
ويجوز وصفه بأنه شيء لقوله تعالى: ﴿قل أي شيء أكبر شهادة قل الله﴾ [الأنعام: ١٩].
ويجوز أن يوصف بأنه: نفس وذات وعين من غير تشبيه بجارحة الإنسان على ما تقدم بيانه.
ويجوز وصفه بأنه كائن من غير حد لقوله تعالى: ﴿وكان الله بكل شيء عليمًا﴾ [الأحزاب: ٤٠، الفتح: ٢٦].
﴿وكان الله على كل شيء رقيبًا﴾ [الأحزاب: ٥٢].
ويجوز وصفه بأنه قديم وباق، وبأنه مستطيع، لأن معنى الاستطاعة القدرة، وهو موصوف بالقدرة.
ويجوز وصفه بأنه سيد، ويجوز وصفه بأنه عارف ومتين وواثق ودري ودار.
لأن جميع ذلك راجع إلى معنى العالم، ولم يرد الشرع بمنع ذلك ولا اللغة، بل قال الشاعر:
اللهم لا أدري ... وأنت الداري
ويجوز وصفه بأنه راء ويرجع إلى معنى العالم، ويجوز وصفه بأنه مطلع على خلقه وعباده بمعنى عالم بهم، وكذلك واجد بمعنى عالم.
ويجوز وصفه بأنه جميل ومجمل، يعني في الصنع إلى خلقه.
стр. 159
ويجوز وصفه بأنه ديان، على معنى أن مجاز لعباده على أفعالهم.
الدين: الحساب، «كما تدين تدان» ﴿مالك يوم الدين﴾ [الفاتحة: ٤] أي يوم الحساب، وعلى معنى الشارع لعباده عبادة وشريعة دعاهم إليها، وفرض ذلك عليهم ثم هو يجازيهم على ما فعلوا فيها.
ويجوز وصفه بأنه مقدر على معنى التقدير: ﴿إنا كل شيء خلقناه بقدر﴾ [القمر: ٤٩]، ﴿الذي قدر فهدى﴾ [الأعلى: ٣].
وعلى معنى الخبر قال تعالى: ﴿إلا امرأته قدرنا إنها لمن الغابرين﴾ [الحجر: ٦٠]، أي أخبرنا لوطًا ﵇ أن امرأته من الباقين في العذاب من دون أهله، ولا يجوز أن يكون معناه الظن والشك -تعالى الله عن ذلك-.
ويجوز وصفه بأنه ناظر على معنى أنه راء مدرك للأشياء، لا على معنى أنه مترو مفكر، تعالى عن ذلك.
ويجوز وصفه أنه شفيق على معنى الرحمة بخلقه والرأفة بهم، لا على معنى الخوف والحزن.
وكذلك يجوز وصفه بأنه رفيق على معنى الرحمة والتعطف بخلقه لا على معنى التثبيت في الأمور والإجمال في إصلاحها والسلامة من عواقبها.
ويجوز وصفه بأنه سخي كما يجوز وصفه بأنه كريم وجواد لأن معنى الكل التفضل والإحسان إلى خلقه.
ولا يقصد بذلك الرخاوة واللين على ما هو في اللغة مستعمل في أرض سخية وقرطاس سخي إذا كانا لينين.
ويجوز وصفه بأنه أمر وناه، ومبيح وحاضر، ومحلل ومحرم، وفارض وملهم، وموجب ونادب، ومرشد وقاض، وحاكم على ما ذكرناه.
وكذلك يجوز وصفه بأنه واعد ومتوعد، ومخوف ومحذر، وذام ومادح، ومخاطب ومتكلم، وقائل كل ذلك راجع إلى معنى أنه موصوف بالكلام.
ويجوز وصفه بأنه معدم على معنى أنه لم يوجد ولم يفعل، وعلى معنى أنه معدم
стр. 160
لما أوجده بعد إيجاده بقطع البقاء عنه فينعدم بذلك.
ويجوز وصفه بأنه فاعل بمعنى أنه مخترع لذات ما فعله، وخالق له، وجاعل بقدرته، فاستحق لذلك هذا الوصف، لا على معنى المباشرة للأشياء لأن حقيقة ذلك تلاقي الأجسام ومماستها، والله سبحانه متعال عن ذلك.
وكذلك يجوز وصفه بأنه جاعل على معنى أنه فاعل وفعله مفعول، كقوله تعالى: ﴿وجعلنا الليل والنهار آيتين﴾ [الإسراء: ١٢].
ويجوز أن يكون الجعل بمعنى الحكم، قال : ﴿إنا جعلناه قرآنًا عربيًا﴾ [الزخرف: ٣].
ويجوز وصفه بأنه تارك في الحقيقة كما وصف بأنه فاعل، على معنى أنه فاعل ضد فعله الآخر بدلًا من الأول بقدرته العامة الشاملة، لا على معنى كف النفس ومنعها عما يدعو إلى فعله.
ويجوز وصفه بأنه يوجد على معنى أنه يخلق؟ وكذلك يجوز وصفه بأنه مكون على معنى أنه موجد.
ويجوز وصفه بأنه مثبت على معنى أنه يوجد في الشيء البقاء والثبا، كما قال : ﴿يثبت الذين آمنوا بالقول الثابت﴾ [إبراهيم: ٢٧]، وقوله تعالى: ﴿يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب﴾ [الرعد: ٣٩].
ويجوز وصفه بأنه عامل وصانع بمعنى خالق.
ويجوز وصفه بأنه مصيب، على معنى أن أفعاله واقعة على ما قصده وأراده من غير تفاوت وتزايد وتناقص، لأنه تعالى عالم بها وبحقائقها وكيفياتها، لا على معنى أن ذلك موافق لأمر آمر أمره بفعلها، تعالى عن ذلك.
ويجوز إطلاق هذه الصفة على عبد من عبيده فيقال له إنه مصيب، بمعنى أنه مطيع لربه، متبع لأمره، منته لنهيه، وكذلك إذا كان مطيعًا لمن هو فوقه ورئيسه.
ويجوز وصف أفعاله بأنه صواب على معنى أنها حق وثابت.
ويجوز وصفه بأنه مثيب ومنعم، على معنى أنه يجعل المثاب منعمًا معظمًا.
وكذلك يجوز وصفه بأنه معاقب ومجاز، على معنى أنه يهين العاصي ويؤلمه على معصيته.
стр. 161
ويجوز وصفه بأنه قديم الإحسان على معنى أنه موصوف بالخلق والرزق في القدم، قال الله : ﴿إن الذين سبقت لهم منا الحسنى﴾ [الأنبياء: ١٠١].
ويجوز وصفه بأنه دليل، وقد نص الإمام أحمد عليه في حق رجل قال له: زودني دعوة فإني أريد الخروج إلى طرطوس، فقال له: قل يا دليل الحائرين، دلني على طريق الصادقين، واجعلني من عبادك الصالحين.
ويجوز وصفه بأنه طبيب لما روي عن أبي رمثة التميمي أنه قال: «كنت مع أبي عند النبي ﷺ ، فرأيت على كتف النبي ﷺ مثل التفاحة. قال: فقال أبي: يا رسول الله إني طبيب أفأطبها لك، قال ﷺ طبيبها الذي خلقها».
وروى عن أبي السفر أنه قال: مرض أبو بكر ﵁ فعادوه فقالوا له: ألا ندعو لك الطبيب؟ فقال قد رآني، قالوا: فأي شيء قال لك؟ قال: قال لي إني فعال لما أريد.
وكذلك يروى أن أبا الدرداء ﵁ مرض، فعادوه، فقالوا له: أي شيء تشتكي؟ قال: ذنوبي، فقالوا: أي شيء تشتهي؟ قال: الجنة، قالوا: ألا ندعو لك الطبيب؟ قال: هو أمرضني.
فإذا ثبت هذا على ما ذكرنا فلا يجوز أن يدعا بكل اسم لا يجوز إطلاقه عليه ، على ما ذكرنا في أول الفصل.
وإنما يجوز أن يدعا بما يسمى به من الأسماء التي يجوز وصفه بها، وصفاته التي يجوز أن يوصف بها، وقد ذكرنا التسعة والتسعين اسمًا فيما تقدم، فهي آكد في الدعاء.
وإذا أراد أن يصفه ويدعو بما ذكرنا في هذا الفصل جاز ذلك، إلا أنه يجتنب في دعائه من أن يدعوه بقوله يا ساخر يا مستهزئ يا ماكر يا خادع، ومبغض وغضبان، ومنتقم ومعاد، ومعدم ومهلك، فلا يدعو بها وإن كان مما يجوز وصفه بها على وجه الجزاء والمقابلة لأهل الإحرام على وجه الاستحقاق.
* * *
стр. 162
وأما الفصل الثاني:
في بيان مقالة الفرق الضالة عن طريق الهدى
فالأصل في ذلك ما روي عن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لتسلكن سنن من قبلكم حذو النعل بالنعل، ولتأخذن مثل أخذهم إن شبرًا فشبرًا وإن ذراعًا فذراعًا وإن باعًا فباعًا، حتى لو دخلوا في جحر ضب لدخلتم فيه معهم.
ألا إن بني إسرائيل افترقت على موسى بإحدى وسبعين فرقة كلها ضالة، إلا فرقة واحدة: الإسلام وجماعتهم.
ثم إنها افترقت على عيسى ابن مريم باثنين وسبعين فرقة كلها ضالة إلا واحدة: الإسلام وجماعتهم.
ثم إنكم تكونون على ثلاث وسبعين فرقة كلها ضالة إلا فرقة واحدة: الإسلام وجماعتهم».
وعن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه عن عوف بن مالك الأشجعي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «تفترق أمتي على ثلاثة وسبعين فرقة أعظمها فتنة على أمتي الذين يقيسون الأمور برأيهم يحرمون الحلال ويحللون الحرام».
وعن عبد الله بن زيد عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ «إن بني إسرائيل افترقوا على إحدى وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة. وستفترق أمتي على ثلاثة وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، قالوا: وما تلك الواحدة؟ قال ﷺ : من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي».
وهذا الافتراق الذي ذكره النبي ﷺ لم يكن في زمانه ولا في زمن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃.
стр. 163
وإنما كان بعد تقادم السنين والأعوام، وفوت الصحابة والتابعين والفقهاء السبعة فقهاء المدينة، وعلماء الأمصار وفقهائها قرنًا بعد قرن، وقبض العلم بموتهم إلا شرذمة قليلة، وهم الفرقة الناجية فحفظ الله الدين بهم.
كما روي عن عروة عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله تعالى لا ينزع العلم من صدور الرجال بعد أن يعطيهم، ولكن يذهب بالعلماء، فكلما ذهب بعالم ذهب معه من العلم حتى يبقى من لا يعلم، فَيَضِلون ويُضَلون».
وفي لفظ آخر عن عروة عن أبيه عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
«إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء جهالًا، فسئلوا فافتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا».
وعن كثير بن عبد الله بن عوف عن أبيه عن جده ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال:
«إن الدين ليأزر إلى الحجاز كما تأزر الحية إلى جحرها، وليعقلن الدين من الحجاز معقل الأروية من رأس الجبل، إن الدين بدأ غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ فطوبي للغرباء. قيل: ومن الغرباء؟ قال ﷺ : الذين يصلحون ما أفسد الناس من سنتي بعدي».
وعن عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: لا يأتي على الناس زمان إلا أماتوا فيه سنة وأحيوا فيه بدعة.
وعن الحارث عن علي بن أبي طالب ﵁ قال:
ذكر رسول الله ﷺ الفتن فقلنا: ما المخرج منها يا رسول الله؟ قال رسول الله ﷺ : «كتاب الله هو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، هو الذي لا تلتبس له الألسن، هو
стр. 164
الذي لم تنته الجن إذا سمعته أن قالوا: ﴿إنا سمعنا قرآنًا عجبًا﴾ [الجن: ١] من قال به صدق، ومن حكم به عدل».
وعن عبد الرحمن بن عمر العرباض بن سارية ﵁ قال:
«صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح، فوعظنا موعظة بليغة، ذرفت منها العيون ووجلت بها القلوب ورمضت منها الجلود، فقلنا يا رسول الله كأنها موعظة مودع، فقال ﷺ : «أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة، وإن كان عبدًا حبشيًا، فإنه من يعش من بعدي يرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، إياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدث بدعة، وكل بدعة ضلالة».
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
«أيما داع دعا إلى الهدى فاتبع فله مثل أجر من اتبعه، لا ينقص من أجورهم شيء، وأيما داع دعا إلى الضلالة فاتبع فعليه مثل أوزار من اتبعه لا ينقص من أوزارهم شيء».
(فصل) فأصل ثلاث وسبعين فرقة عشرة: أهل السنة، والخوارج، والشيعة، والمعتزلة، والمرجئة، والمشبهة، والجهمية، والضرارية، والنجارية، والكلابية.
فأهل السنة طائفة واحدة، والخوارج خمس عشرة فرقة، والمعتزلة ست فرق، والمرجئة اثنتا عشرة فرقة، والشيعة اثنتان وثلاثون فرقة، والجهمية والنجارية والضرارية والكلابية كل واحدة فرقة واحدة، والمشبهة ثلاث فرق، فجميع ذلك ثلاث وسبعون فرقة على ما أخبر به النبي ﷺ .
* أما الفرقة الناجية فهي أهل السنة والجماعة.
وقد بينا مذهبهم واعتقادهم على ما قدمنا ذكره.
وتسمى هذه الفرقة الناجية القدرية والمعتزلة: مجبرة لقولها إن جميع المخلوقات بمشيئة الله تعالى وقدرته وإرادته وخلقه.
стр. 165
وتسميها المرجئة شكاكية لاستثنائها في الإيمان، يقول أحدهم: أنا مؤمن إن شاء الله تعالى، على ما قدمنا بيانه.
وتسميها الرافضة ناصبة، لقولها باختيار الإمام ونصبه بالعقد.
وتسميها الجهمية والنجارية مشبهة، لإتيانها صفات الباري من العلم والقدرة والحياة وغيرها من الصفات.
وتسميها الباطنية حشوية، لقولها بالأخبار وتعلقها بالآثار.
وما اسمهم إلا أصحاب الحديث وأهل السنة، على ما بينا.
* * *
* وأما الخوارج فلهم أسام وألقاب:
سموا الخوارج؛ لخروجهم على علي بن أبي طالب ﵁.
وسموا محكمة؛ لإنكارهم الحكمين أبا موسى الأشعري وعمرو بن العاص ﵄، ولقولهم لا حكم إلا لله، لا حكم الحكمين.
وسموا أيضًا حرورية؛ لأنهم نزلوا بحروراء، وهو موضع.
وسموا شراة؛ لقولهم شرينا أنفسنا في الله: أي بعناها بثواب الله وبرضاه الجنة.
وسموا مارقة؛ لمروقهم من الدين، وقد وصفهم النبي ﷺ ، بأنهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ثم لا يعودون فيه.
فهم الذين مرقوا من الدين والإسلام، وفارقوا الملة وشردوا عنها وعن الجماعة، وضلوا عن سواء الهدى والسبيل وخرجوا على السلطان، وسلوا السيف على الأئمة، واستحلوا دماءهم وأموالهم، وكفروا من خالفهم، ويسبون أصحاب رسول الله ﷺ وأصهاره، ويتبرؤون منهم ويرمونهم بالكفر والعظائم، ويرون خلافهم، ولا يؤمنون بعذاب القبر ولا الحوض ولا الشفاعة، ولا يخرجون أحدًا من النار، ويقولون: من كذب كذبة أو أتى صغيرة أو كبيرة من الذنوب فمات من غير توبة فهو كافر وفي النار مخلد.
ولا يرون الجماعة إلا خلف إمامهم، ويرون تأخير الصلاة عن وقتها والصوم قبل رؤية الهلال، والفطر مثل ذلك، والنكاح بغير ولي.
ويرون المتعة والدرهم بالدرهمين يدًا بيد حلالًا.
стр. 166
ولا يرون الصلاة في الخفاف ولا المسح عليها ولا طاعة السلطان ولا خلافة قريش.
وأكثر ما يكون الخوارج بالجزيرة وعمان والموصل وحضرموت ونواحي المغرب.
والذي وضع لهم الكتب وصنفها عبد الله بن زيد ومحمد بن حرب ويحيى بن كامل وسعيد بن هارون.
فهم خمس عشرة فرقة:
- منهم النجدات: نسبوا إلى نجدة بن عامر الحنفي، من اليمامة وتميم، وهم أصحاب عبد الله بن ناصر.
ذهبوا إلى أن من كذب كذبة أو أتى صغيرة وأصر عليها فهو مشرك، وإن زنى وسرق وشرب الخمر من غير أن يصر عليها فهو مسلم، وأنه لا يحتاج إلى إمام إنما الواجب العلم بكتاب الله فحسب.
- ومنهم الأزارقة: وهم أصحاب نافع بن الأزرق ذهبوا إلى أن كل كبيرة كفر وأن الدار دار كفر، وأن أبا موسى وعمرو بن العاص ﵄ كفرا بالله حين حكمهما علي ﵁ بينه وبين معاوية ﵁ في النظر في الأصلح للرعية.
ويرون أيضًا قتل الأطفال، يعني أولاد المشركين، ويحرمون الرجم، ولا يحدون قاذف المحصن، ويحدون قاذف المحصنات.
- ومنهم الفدكية: منسوبة إلى ابن فديك.
- ومنهم العطوية: منسوبة إلى عطية بن الأسود.
- ومنهم العجاردة: وهم فرق كثيرة.
- ومنهم اليمونية: جميعًا.
يجيزون بنات البنين وبنات البنات وبنات الإخوة وبنات الأخوات، ويقولون إن سورة يوسف ليست من القرآن.
- ومنهم الخازمية: تفردت بأن الولاية والعداوة صفتان في ذاته تعالى.
وتشعبت الخازمية من المعلومية، ذهبت إلى أن من لم يعلم الله بأسمائه فهو جاهل، ونفوا أن تكون الأفعال خلقًا لله تعالى، وأن تكون الاستطاعة مع الفعل.
стр. 167
ومن أصل الخمس عشرة:
- المجهولية: وهي تقول أن من علم الله بعض أسمائه فهو عالم به غير جاهل.
- ومنهم الصلتية: وهي منسوبة إلى عثمان بن الصلت، وادعت أن من استجاب لنا وأسلم وله طفل فليس له إسلام حتى يدرك، ويدعوه فإن أبى فيقتله.
- ومنهم الأخنسية: منسوبة إلى رجل يقال له الأخنس، ذهبوا إلى أن السيد يأخذ من زكاة عبده ويعطيه من زكاته إذا احتاج وافتقر.
- ومنهم الصفرية: والحفصيلة طائفة متشعبة منها، يزعمون أن من عرف الله وكفر بما سواه من رسول وجنة ونار، وفعل سائر الجنايات من قتل النفس، واستحلال الزنا فهو بريء من الشرك، وإنما يشرك من جهل الله وأنكره فحسب.
ويزعمون أن الحيران الذي ذكره الله تعالى في القرآن هو على وحزبه وأصحابه، يدعونه إلى الهدى ائتنا، وهم أهل النهروان.
- ومنهم الأباضية: زعموا أن جميع ما افترضه الله تعالى على خلقه إيمان، وأن كل كبيرة فهو كفر نعمة لا كفر شرك.
- ومنهم البيهسية: منسوبة إلى أبي بيهس، تفردوا فزعموا أن الرجل لا يكون مسلمًا حتى يعلم جميع ما أحل الله له وحرم عليه بعينه ونفسه.
ومن البيهسية من يقول: كل من واقع ذنبًا حرامًا عليه ليس يكفر حتى يرفع إلى السلطان فيحده عليه، فحينئذ يحكم بالكفر.
- ومنهم الشمراخية: منسوبة إلى عبد الله بن الشمراخ زعم أن قتل الأبوين حلال.
وكان حين ادعى ذلك في دار التقية، فتبرأت منه الخوارج بذلك.
- ومنهم البدعية: قولها كقول الأزارقة، وتفردت بأن الصلاة ركعتان بالغداة وركعتان بالعشى، لقول الله : ﴿وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفًا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين﴾ [هود: ١١٤].
واتفقت مع الأزارقة على جواز سبي النساء وقتل الأطفال من الكفار مغتالًا لقوله تعالى: ﴿لا تذر على الأرض من الكافرين ديارًا﴾ [نوح: ٢٦].
واتفقت جميع الخوارج على كفر علي ﵁ لأجل التحكيم، وعلى كفر مرتكب الكبيرة، إلا النجدات فإنها لم توافقهم على ذلك.
стр. 168
* (فصل) وأما الشيعة فلهم أسام منها: الشيعة والرافضة والغالية والطيارة.
وإنما قيل لها الشيعة، لأنها شيعت عليًا ﵁ وفضلوه على سائر الصحابة.
وقيل لها الرافضة لرفضهم أكثر الصحابة وإمامة أبي بكر وعمر ﵄.
وقيل سموا الروافض لرفضهم زيد بن علي لما تولى أبا بكر وعمر ﵄ وقال بإمامتهما، وقال زيد: رفضوني، فسموا رافضة.
وقيل إن الشيعي من لا يفضل عثمان على علي ﵄، لأن الرافضي من فضل عليًا على عثمان ﵄.
ومنهم القطعية لقبوا به لقطعهم على موت موسى بن جعفر ومنهم الغالية سموا بذلك لغلوهم في علي ﵁، وقولهم فيه ما لا يليق به من صفات الربوبية والنبوة.
والذين صنفوا كتبهم: هشام بن الحكم، وعلي بن منصور، وأبو الأحوص، والحسين بن سعيد والفضل بن شاذان وأبو عيسى الوراق وابن الراوندي والمنيجي.
وأكثر ما يكونون في بلاد قم وقاشان وبلاد إدريس والكوفة.
(فصل) فأما الرافضة، فهم ثلاثة أصناف: الغالية، والزيدية، والرافضة.
أما الغالية فيتفرق منها اثنتا عشرة فرقة:
منها البيانية والطيارية، والمنصورية، والمغيرية، والخطابية، والمعمرية، والبزيعية، والمفضلية، والمنتاسخة، والشريعية، والسبئية، والمفوضة.
وأما الزيدية فتشعبت ست شعب:
منها الجارودية، والسليمانية، والبترية، والنعيمية، واليعقوبية، والسادسة لا تنكر الرجعة ويتبرؤون من أبي بكر وعمر ﵄.
وأما الرافضة فتفرقت أربع عشرة فرقة:
القطعية، الكيسانية، الكريبية، العميرية، المحمدية، الحسينية، الناوسية، الإسماعيلية، القرامطة، المباركية، الشميطية، العمارية، الممطورية، الموسوية، والإمامية.
والذي اتفقت عليه طوائف الرافضة وفرقها، إثبات الإمامة عقلًا وأن الإمامة نص،
стр. 169
وأن الأئمة معصومون من الآفات من الغلط والسهو والخطأ.
ومن ذلك إنكارهم إمامة المفضول والاختيار الذي قدمناه في ذكر الأئمة.
ومن ذلك تفضيلهم عليًا ﵁ على جميع الصحابة وتنصيصهم على إمامته بعد النبي ﷺ ، وتبرؤهم من أبي بكر وعمر ﵄ وغيرهما من الصحابة إلا نفرًا منهم سوى ما حكى عن الزيدية، فإنهم خالفوهم في ذلك.
ومن ذلك أيضًا ادعاؤهم أن الأمة ارتدت بتركهم إمامة علي ﵁ إلا ستة نفر.
وهم علي وعمار والمقداد بن الأسود وسلمان الفارسي ورجلان آخران.
ومن ذلك قولهم: إن للإمام أن يقول لست بإمام في حال التقية.
وأن الله تعالى لا يعلم ما يكون قبل أن يكون، وإن الأموات يرجعون إلى الدنيا قبل يوم الحساب.
إلا الغالية منهم، فإنها زعمت بأن لا حساب ولا حشر.
ومن ذلك قولهم: أن الإمام يعلم كل شيء ما كان وما يكون من أمر الدنيا والدين حتى عدد الحصى وقطر الأمطار وورق الشجر، وأن الأئمة تظهر على أيديهم المعجزات كالأنبياء ﵈.
وقال الأكثرون منهم: إن من حارب عليًا ﵁ فهو كافر بالله ، وأشياء ذكروها غير ذلك.
وأما الذي انفردت به كل فرقة:
فمنهم الغالية: وقد ادعت أن عليًا ﵁ أفضل من الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين.
وادعت أنه ليس بمدفون في التراب كبقية الصحابة ﵃، بل هو في السحاب يقاتل أعداءه تعالى من فوق السحاب، وأنه كرم الله وجهه يرجع في آخر الزمان يقتل مبغضيه وأعداءه، وأن عليًا وسائر الأئمة لم يموتوا، بل هم باقون إلى أن تقوم الساعة، ولا يجوز عليهم الموت.
وادعت أيضًا أن عليًا ﵁ نبي وأن جبريل ﵇ غلط في نزول
стр. 170
الوحي عليه.
وادعت أيضًا أن عليًا كان إلهًا -عليهم لعنة الله وملائكته وسائر خلقه إلى يوم الدين، وقلع آثارهم وأباد خضراءهم، ولا جعل منهم في الأرض ديارًا.
لأنهم بالغوا في غلوهم ومردوا على الكفر، وتركوا الإسلام وفارقوا الإيمان، وجحدوا الإله والرسل والتنزيل، فنعوذ بالله ممن ذهب إلى هذه المقالة.
ويتفرع عن الغالية:
- البيانية: وهم ينسبون إلى بيان بن سمعان.
ومن جملة فريتهم وأباطيلهم أن الله على صورة الإنسان. كذبوا على الله، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا، قال : ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ [الشورى: ١١].
- وأما الطيارية: من الغالية، وهي منسوبة إلى عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر الطيار يقولون بالتناسخ، وأن روح آدم ﵇ روح الله نسخت فيه.
والمتعمقون من الغالية القائلون بالتناسخ يزعمون أن الروح المنقولة إلى هذه الدار بعد أن خرجت من الدنيا بالموت أول ما تنسخ في حمل، ثم تنقل إلى ما دون هيكله أبدًا حالًا بعد حال، إلى أن تنقل إلى دود العذرة وما شاكل ذلك، وهو آخر ما ينسخ فيه.
حتى قال بعضهم: إن أرواح العصاة تنسخ في الحديد والطين والفخار، وتكون معذبة بالنار والطبخ والضرب والسبك والابتذال والامتهان عقابًا على إجرامهم.
- وأما المغيرية: فمنسوبة إلى مغيرة بن سعيد، ادعى النبوة، وزعم أن الله نور على صورة رجل، وادعى إحياء الموتى وغير ذلك.
- وأما المنصورية: فمنسوبة إلى أبي منصور، كان يزعم أنه صعد إلى السماء، ومسح الرب رأسه، وزعم أن عيسى ﵇ أول خلق الله، ثم علي ﵁، ورسل الله لا تنقطع، وأن لا جنة ولا نار، وتزعم هذه الطائفة أن من قتل أربعين نفسًا ممن خالفهم دخل الجنة، ويستحلون أموال الناس، وأن جبريل ﵇ أخطأ بالرسالة، وهو الكفر الذي لا يشوبه شيء.
- وأما الخطابية: فمنسوبة إلى أبي الخطاب، يزعمون أن الأئمة أنبياء أمناء، وفي كل وقت رسول ناطق وصامت فمحمد ناطق وعلي ﵁ صامت.
стр. 171
- وأما المعمرية: فكذلك تقول، وانفردت عن الخطابية بالزيادة في ترك الصلاة.
- وأما البزيعية: المنسوبة إلى بزيع، زعموا أن جعفرًا هو الله فلا يرى ولكن شبه هذه الصورة، تبًا لهم ما أعظم فريتهم وكذبهم وأباطيلهم، بل يحطون إلى أسفل السافلين، إلى الهاوية والدرك الأسفل من النار بمقالتهم السوء ودعواهم الزور.
- وأما المفضلية: فمنسوبة إلى المفضل الصيرفي، ينتحلون الرسالة والنبوة، وقولهم في الأئمة كقول النصارى في المسيح.
- وأما الشريعية: فمنسوبة إلى شريع، زعموا أن الله تعالى في خمسة أشخاص النبي وآله، يعني في النبي وآله وهم: العباس وعلي وجعفر وعقيل.
- وأما السبئية: فمنسوبة إلى عبد الله بن سبأ، من دعواهم أن عليًا لم يمت، وأنه يرجع قبل يوم القيامة، والسيد الحميري منهم.
- وأما المفوضية: فهم القائلون إن الله فوض تدبير الخلق إلى الأئمة، وإن الله تعالى قد أقدر النبي ﷺ على خلق العالم وتدبيره، وإن كان ما خلق الله من ذلك شيئًا، وكذلك قالوا في حق علي ﵁، ومنهم من إذا رأى السحاب سلم عليه، يزعم أن عليًا ﵁ فيه، على ما بينا من قبل.
- وأما الزيدية: فإنما سموا بذلك لميلهم إلى قول زيد بن علي في تولية أبي بكر وعمر ﵄.
- وأما الجارودية: فمنسوبة إلى أبي الجارود، زعموا أن عليًا ﵁ وصى رسول الله ﷺ وهو الإمام.
وقالوا إن النبي ﷺ نص على علي ﵁ بصفته لا باسمه، ويسوقون الإمامة إلى الحسين، ثم هي شورى بينهم فيمن خرج منهم.
- وأما السليمانية: فمنسوبة إلى سليمان بن كثير، قال زرقان: زعموا أن عليًا كرم الله وجهه كان الإمام، وأن بيعة أبي بكر وعمر ﵄ خطأ، لا يستحقان اسم السبق، وأن الأمة تركت الأصلح.
- وأما البترية: فمنسوبة إلى الأبتر وهو النواء، وكان يلقب به وزعموا أن بيعة أبي بكر وعمر ﵄ ليست بخطأ، لأن عليًا ﵁ ترك الإمارة لهما، وهم واقفون في عثمان، ويقولون علي إمام حين بويع.
стр. 172
- وأما النعيمية: فمنسوبة إلى نعيم بن اليمان، وهي تقول بقول الأبترية، إلا أنها تبرأت من عثمان ﵁ وكفرت به.
- وأما اليعقوبية: فيقولون بإمامة أبي بكر وعمر ﵄ إلا أنهم يقولون بتفضيل علي عليهما وينكرون الرجعة، فهي تنسب إلى رجل يقال له يعقوب.
- ومنهم من تبرأ من أبي بكر وعمر ﵄ ويقولون بالرجعة.
(فصل) وأما الرافضة فالأربع عشرة فرقة التي تفرعت عنها:
- أولها القطعية: سموا بذلك لقطعهم على موت موسى بن جعفر، ساقوا الإمامة إلى محمد بن الحنفية، وهو القائم المنتظر.
- والثانية: الكيسانية: وهي منسوبة إلى كيسان، يقولون بإمامة محمد بن الحنفية، لأنه دفع إليه الراية بالبصرة.
- والثالثة: الكريبية: وهم أصحاب ابن كريب الضرير.
- والرابعة العميرية: وهم أصحاب عمير وهو إمامهم إلى خروج المهدي.
- والخامسة المحمدية: وقد زعمت أن القائم محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسين، وأنه أوصى إلى أبي منصور دون بني هاشم، كما أوصى موسى ﵇ إلى يوشع بن نون دون ولده وولد هارون.
- وأما السادسة الحسينية: زعمت أن أبا منصور أوصى إلى ولده الحسين بن أبي منصور وهو الإمام بعده.
- وأما الناوسية: فلقبوا به لأنهم نسبوا إلى ناوس البصري.
- وأما الإسماعيلية: فقد قالوا إن جعفرًا ميت والإمام بعده إسماعيل، وقالوا إنه يملك، وهو المنتظر عندهم.
- وأما القرامطة: فهم يسوقون الإمامة إلى جعفر، وأن جعفرًا نص على وراثة محمد ابن إسماعيل، ومحمد لم يمت وهي حي، وهو المهدي.
- وأما المباركية: فمنسوبة إلى رئيسهم المبارك، زعموا أن محمد بن إسماعيل مات، وأن الإمامة في ولده.
- وأما الشمطية: فمنسوبة إلى رئيسهم يقال له يحيى بن شميط، زعموا أن الإمام جعفر ثم محمد بن جعفر ثم في ولده.
стр. 173
- وأما المعمرية: ويقال لهم الأفطحية، لأن عبد الله بن جعفر كان أفطح الرجلين، يقولون إن الإمام بعد جعفر ابنه عبد الله وهم عدد كثير.
- وأما الممطورية: فسموا بذلك لأنهم ناظروا يونس بن عبد الرحمن وهو من القطعية الذين يقطعون على موت موسى بن جعفر، فقال لهم يونس: أنتم أهون من الكلاب الممطورة، فلزمهم هذا اللقب، ويسمون الواقفة، لوقوفهم على موسى بن جعفر، وقولهم هو حي لم يمت، ولا يموت، وهو المهدي عندهم.
- أما الموسوية: فسموا بذلك لوقوفهم في موسى وقولهم لا ندري أميت هو أم حي؟ وقالوا إن صحت إمامة غيره أنفذوها.
- وأما الإمامية: فيسوقون الإمامة إلى محمد بن الحسن، وأنه القائم المنتظر الذي يظهر فيملأ الأرض عدلًا كما ملئت جورًا.
- وأما الزرارية: فهم أصحاب زرارة، ادعى ما ادعت العمارية، وقيل إنه ترك مقالتها وأنه سأل عبد الله بن جعفر عن مسائل ولم يعلمها فصار إلى موسى بن جعفر.
فقد شبهت مذاهب الروافض باليهودية؛ قال الشعبي: محبة الروافض محبة اليهود، قالت اليهود: لا تصلح الإمامة إلا لرجل من آل داود، وقالت الرافضة: لا تصلح الإمامة إلا لرجل من ولد علي بن أبي طالب؛ وقالت اليهود: لا جهاد في سبيل الله حتى يخرج المسيح الدجال، وينزل بسبب من السماء، وقالت الروافض: لا جهاد في سبيل الله حتى يخرج المهدي وينادي مناد من السماء، وتؤخر اليهود صلاة المغرب حتى تشتبك النجوم، وكذلك الروافض يؤخرونها؛ واليهود تزول عن القبلة شيئًا، وكذلك الرافضة؛ واليهود تنور في الصلاة، وكذلك الرافضة؛ واليهود تسدل أبوابها في الصلاة، وكذلك الروافض؛ واليهود تستحل دم المسلم، وكذلك الروافض؛ واليهود لا ترى على النساء عدة، وكذلك الرافضة؛ واليهود لا ترى في الطلاق الثلاث شيئًا، وكذلك الروافض؛ واليهود حرفت التوراة، وكذلك الرافضة حرفوا القرآن؛ لأنهم قالوا القرآن غير وبدل، وخولف بين نظمه وترتيبه، وأحيل عما أنزل عليه، وقرئ على وجوه غير ثابتة عن رسول الله ﷺ ، وأنه قد نقص منه وزيد فيه؛ واليهود يبغضون جبريل ﵇ ويقولون هو عدونا من الملائكة، وكذلك صنف من الروافض يقولون غلط جبريل ﵇ بالوحي إلى محمد ﷺ ، وإنما بعث إلى علي ﵁، كذبوا تبًا لهم إلى آخر الدهر.
стр. 174
* (فصل) وأما المرجئة ففرقها اثنتا عشرة فرقة:
الجهمية، والصالحية، الشمرية، اليونسية، اليونانية، النجارية، الغيلانية، الشبيبية، الغسانية، المعاذية، المريسية، والكرامية.
وإنما سموا المرجئة لأنها زعمت أن الواحد من المكلفين إذا قال لا إله إلا الله محمدًا رسول الله وفعل بعد ذلك سائر المعاصي لم يدخل النار أصلًا.
وأن الإيمان قول بلا عمل، والأعمال الشرائع، والإيمان قول مجرد، والناس لا يتفاضلون في الإيمان، وأن إيمانهم وإيمان الملائكة والأنبياء واحد لا يزيد ولا ينقص ولا يستثنى فيه، فمن أقر بلسانه ولم يعمل فهو مؤمن.
(فصل):
- وأما الجهمية: فمنسوبة إلى جهم بن صفوان، وكان يقول: الإيمان هو المعرفة بالله ورسوله وجميع ما جاء من عنده فقط.
ويزعمون أن القرآن مخلوق، وأن الله تعالى لم يكلم موسى، وأنه تعالى لم يتكلم ولا يرى ولا يعرف له مكان وليس له عرش ولا كرسي، ولا هو على العرش.
وأنكروا الموازين وعذاب القبر، وكون الجنة والنار مخلوقين.
وادعوا أنهما إذا خلقتا تفنيان، والله لا يكلم خلقه ولا ينظر إليهم يوم القيامة، ولا ينظر أهل الجنة إلى الله تعالى ولا يرونه فيها، وأن الإيمان معرفة القلب دون إقرار اللسان، وأنكروا جميع صفات الحق ، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.
- وأما الصالحية: فإنما سميت بذلك لقولها بمذهب أبي الحسين الصالحي.
وكان يقول: الإيمان هو المعرفة، والكفر هو الجهل، وإن قول من قال ثالث ثلاثة ليس بكفر وإن كان لا يظهر إلا ممن كان كافرًا، وأن لا عبادة إلا الإيمان.
- وأما اليونسية: فمنسوبة إلى يونس البري، زعم أن الإيمان هو المعرفة والخضوع والمحبة لله ، وأنه من ترك خصلة منها فهو كافر.
- وأما الشمرية: فمنسوبة إلى أبي شمر، زعم أن الإيمان هو المعرفة والخضوع والمحبة والإقرار بأنه واحد ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ [الشورى: ١١] وذلك باجتماعه إيمانًا.
стр. 175
وقال أبو شمر: لا أسمى من ركب الكبيرة فاسقًا على الإطلاق دون أن أقول فاسق في كذا وكذا.
- وأما اليونانية: فمنسوبة إلى يونان، زعموا أن الإيمان هو الإيمان والإقرار بالله ورسله، وما يجوز في العقل إلا أن يفعله.
- وأما النجارية: فمنسوبة إلى الحسين بن محمد النجار.
يقولون: إن الإيمان هو المعرفة بالله وبرسله، وفرائضه المجتمع عليها، والخضوع له والإقرار باللسان، فمتى جهل منه شيئًا وقامت عليه الحجة ولم يقر به كان كافرًا.
- وأما الغيلانية: فمنسوبة إلى غيلان، وافقوا الشمرية وزعموا أن العلم بحدوث الأشياء ضروري، والعلم بالتوحيد باللسان.
وفي حكاية زرقان أن غيلان يقول: بأن الإيمان هو الإقرار باللسان وهو التصديق.
- وأما الشبيبية: فهم أصحاب محمد بن شبيب.
زعموا أن الإيمان هو الإقرار بالله والمعرفة بوحدانيته ونفى التشبيه عنه.
وزعم محمد أن الإيمان كان في إبليس، وإنما كفر لاستكباره.
- وأما الغسانية: فهم أصحاب غسان الكوفي، زعم أن الإيمان هو المعرفة والإقرار بالله ورسوله وبما جاء من عنده جملة على ما ذكره البرهوتي في كتاب الشجرة.
- وأما المعاذية: فمنسوبة إلى معاذ الموصي، كان يقول: من ترك طاعة الله يقال له إنه فسق، ولا يقال فاسق، والفاسق ليس بعدو لله ولا ولي.
- وأما المريسية: فمنسوبة إلى بشر المريسي، يزعمون أن الإيمان هو التصديق، وأن التصديق يكون بالقلب واللسان وإلى هذا كان يذهب ابن الراوندي.
وزعم أيضًا أن السجود للشمس ليس بكفر ولكنه إمارة الكفر.
(فصل):
- وأما الكرامية: فمنسوبة إلى أبي عبد الله محمد بن كرام، زعموا أن الإيمان هو الإقرار باللسان دون القلب، وأن المنافقين كانوا مؤمنين في الحقيقة.
ومن قولهم إن الاستطاعة تتقدم الفعل مع وجود كونها مقارنة له، بخلاف ما قال أهل السنة من أنها مع الفعل، ولا يجوز أن تتقدمه من غير شرط.
ومؤلفو كتبهم: أبو الحسين الصالحي، ابن الراوندي، محمد بن شبيب، الحسين ابن محمد النجار.
стр. 176
وأكثر ما يكون مذهبهم بالمشرق ونواحي خراسان.
* * *
* (فصل) في ذكر مقالة المعتزلة والقدرية:
وإنما سموا المعتزلة لاعتزالهم الحق، وقيل لاعتزالهم أقاويل المسلمين، لأن الناس كانوا مختلفين في مرتكب الكبيرة.
فقال بعضهم: هم مؤمنون بما معهم من الإيمان، وقال بعضهم: هم كافرون، فأحدث واصل بن عطاء قولًا ثالثًا وفارق المسلمين واعتزل المؤمنين فقال: ما هم بمؤمنين ولا كافرين فسموا بذلك المعتزلة.
وقيل: إنما سموا بذلك، لاعتزالهم مجلس الحسن البصري ﵀، فمر الحسن بهم وقال: هؤلاء معتزلة فلقبوا بذلك.
وهم يقتدون بعمرو بن عبيد، ولما غضب الحسن البصري على عمرو بن عبيد عوتب في ذلك، فقال: أتعاتبونني في رجل رأيته يسجد للشمس من دون الله في المقام؟
وسموا أيضًا قدرية لردهم قضاء الله وقدره في معاصي العباد، وإتيانهم بها بأنفسهم.
ومذهب المعتزلة والجهمية والقدرية في نفي الصفات واحد، وقد ذكرنا بعض مذاهبهم في الاعتقاد.
ومؤلفوا كتبهم: أبو الهذيل، وجعفر بن حرب، الخياط، الكعبي، أبو هاشم، أبو عبد الله البصري، عبد الله الجبار بن أحمد الهمداني.
وأكثر ما يكون مذهبهم بالعسكر والأهواز وجهرم.
وهم ست فرق: الهذلية، النظامية، المعمرية، الجبائية، الكعبية، والبهشمية.
والذي اجتمعت عليه فرق المعتزلة نفي الصفات جميعها.
فنفت أن يكون له علم وقدرة وحياة وسمع وبصر.
وكذلك نفي الصفات المثبتة بالسمع، من الاستواء والنزول وغير ذلك.
واجتمعت أيضًا على أن كلام الله محدث، وإرادته محدثة، وأنه تعالى تكلم بكلام خلقه في غيره، ويريد بإرادة محدثة، لا في محل، وأنه تعالى يريد خلاف معلومه، ويريد من عباده ما لا يكون، ويكون ما لا يريد، وأنه تعالى لا يقدر على مقدورات غيره، بل يستحيل ذلك.
стр. 177
وأنه لم يخلق أفعال عبيده، بل هم الخالقون لها دون ربهم.
وإن كثر ما يتغذاه الإنسان لم يرزقه الله إذا كان حرامًا، وإنما الذي يرزق الله الحلال دون الحرام، وأن الإنسان قد يقتل دون أجله، والقاتل يقطع أجله قبل حينه.
وأن من ارتكب كبيرة من الموحدين وإن لم يكن كفرًا فإنه يخرج بها من إيمانه، ويخلد في النار أبد الآبدين، وتبطل جميع حسناته.
وأبطلوا شفاعة النبي ﷺ لأهل الكبائر، وأكثرهم نفوا عذاب القبر والميزان، ورأوا الخروج على السلطان وترك طاعته.
وأنكروا انتفاع الميت بدعاء الحي له والصدقة عنه ووصول ثوابها إليه.
وزعمت أيضًا أن الله سبحانه لم يكلم آدم ونوحًا وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمدًا -صلوات الله عليهم أجمعين-، ولا جبريل ولا ميكائيل ولا إسرافيل ولا حملة العرش ولا ينظر إليهم مثل ما لا يكلم إبليس واليهود والنصارى.
وأما الذي انفردت به كل فرقة منها:
- أما الهذيلية: فقد انفرد شيخهم أبو الهذيل بأن لله علمًا وقدرة وسمعًا وبصرًا، وأن كلام الله بعضه مخلوق وبعضه غير مخلوق، وهو قوله تعالى: ﴿كن﴾ [البقرة: ١١٧، آل عمران، ٤٧، ٥٩، الأنعام: ٧٣، النحل: ٤٠، مريم: ٣٥، يس: ٨٢، غافر: ٦٨].
وقال: إن الله تعالى ليس بخلاف خلقه، وأن مقدور الله متناه فيبقى أهل الجنة لا حركة لهم، والله تعالى لا يقدر على تحريكهم ولا هم يقدرون على ذلك.
ويجوز أن يكون الميت والمعدوم والعاجز يفعل الأفعال، وأبى أن يكون الله تعالى لم يزل سميعًا.
- وأما النظامية: فكان شيخهم النظام يقول: إن الجمادات تفعل بإيجاب الخلقة.
وكان ينفيى الأعراض إلا الحركة الاعتمادية، ويقول: إن الإنسان هو الروح، وإن أحدًا لم ير النبي ﷺ ، وإنما رأى ظرفه يعني جسمه.
وخرق الإجماع فقال: من ترك الصلاة عامدًا ذاكرًا فلا إعادة عليه.
وكان ينفي إجماع الأمة، ويجوز اجتماعها على باطل، ويقول: إن الإيمان مثل الكفر، والطاعة كالمعصية وفعل النبي ﷺ كفعل إبليس اللعين وأن سيرة عمر وعلي ﵄ كسيرة الحجاج.
وإنما التزم ذلك وركبه لأنه كان يقول إن الحيوان كله جنس واحد.
стр. 178
وزعم أن القرآن ليس بمعجز في نظمه، وأن الله تعالى ليس بقادر على تحريق الطفل ولو كان على شفير جهنم، ولا على طرحه فيها.
وهو أول من قال بالكفر من أهل القبلة، وكان يقول: إن الجسم يتجزأ إلى ما لا غاية له.
وكان يقول: إن الحيات والعقارب والخنافس في الجنة، وكذلك الكلاب والخنازير في الجنة.
- أما المعمرية: فكان شيخهم معمر يقول بقول أهل الطبائع ويتجاوز ويزعم أن الله تعالى لم يخلق لونًا ولا طعمًا ولا رائحة ولا موتًا ولا حياة، ولأن ذلك كله فعل الجسم بطبعه.
وكان يقول إن القرآن فعل الأجسام، وليس هو بفعل الله تعالى.
وأنكر أن يكون الله تعالى قديمًا -تبًا له وأبعده الله تعالى مع هذه المقالة-.
- أما الجبائية: فكان شيخهم الجبائي، خرق الإجماع وشذ عنه في أشياء منها:
أنه كان يقول: إن العباد خالقون لأفعالهم ولم يسبقه إلى هذه المقالة أحد.
وكان يقول: إن الله تعالى أحبل نساء العالمين بخلقه الحبل فيهن.
وكان يقول: إن الله مطيع لعباده إذا فعل ما أراده.
وقال من حلف أن يعطي غريمه حقه غدًا واستثنى في ذلك بقول إن شاء الله لم ينفعه الاستثناء، فإذا لم يعط حنث.
وكان يقول من سرق خمسة دراهم كان فاسقًا، وإن نقصت منه حبة لم يفسق.
- وأما البهشمية: فمنسوبة إلى أبي هاشم بن الجبائي.
وكان أبو هاشم يجوِّز أن يكون المكلف قادرًا، وهو لا يكون فاعلًا ولا تاركًا، فيعاقبه الله تعالى على فعله.
وكان يقول: من تاب من سائر الذنوب إلا ذنبًا واحدًا لم تصح توبته فيما تاب منه.
- وأما الكعبية: فمنسوبة إلى أبي القاسم الكعبي وكان بغدادي المذهب.
فأنكر أن يكون الله سميعًا بصيرًا، وأن يكون مريدًا بالحقيقة، وأن إرادة الله تعالى من فعل عباده هي الأمر به، وإرادته من فعل نفسه فعله، وزعم أن العالم كله ملأ، وأن المتحرك إنما هو الصفحة الأولى من الأجسام، وأن الإنسان لو تدهن بدهن ومشى لم يكن المتحرك، وإنما الدهن هو المتحرك.
стр. 179
وكان يقول: إن القرآن محدث ولا يقول مخلوق.
* * *
(فصل) في ذكر مقالة المشبهة، فهم ثلاث فرق: الهشامية، المقاتلية، الواسمية .
والذي اتفقت عليه الفرق الثلاث إن الله جسم، وأنه لا يجوز أن يعقل الموجود إلا جسمًا، والذي غلب عليهم التشبيه فرق الروافض والكرامية.
والذي ألف كبتهم: هشام بن الحكم، وله كتاب في إثبات الجسم.
- أما الهشامية: فمنسوبة إلى هشام بن الحكم زعم أن الله تعالى جسم طويل عريض عميق نور ساطع له قدر من الأقدار كالسبيكة الصافية يتحرك ويسكن ويقوم ويقعد.
وحكى عنه أنه قال: أحسن الأقدار أن يكون سبعة أشبار، وقيل له: ربك أعظم أم أحد؟ فقال ربي أعظم.
- وأما المقاتلية: فمنسوبة إلى مقاتل بن سليمان حكى عنه أنه قال: إن الله تعالى جسم، وإنه جثة على صورة الإنسان لحم ودم وله جوارح وأعضاء من رأس ولسان وعنق.
وإنه في جميع ذلك لا يشبه الأشياء، والأشياء لا تشبهه.
* * *
(فصل) في ذكر مقالة الجهمية:
تفرد جهم بن صفوان بأن الإنسان إنما ينسب إليه ما يظهر منه على المجاز لا على الحقيقة، كما يقال: طالت النخلة وأدركت الثمرة.
وكان يأبى أن يقول: (إن الله شيء ويقول يحدث علم الله ويمتنع أن يقول)، إن الله كان عالمًا بالأشياء قبل كونها، ويقول: إن الجنة والنار تفنيان وينفي الصفات.
وكان مذهب جهم بترمذ وهو بلد، وقيل بمرو، وله تآليف في نفي الصفات، قتله مسلم بن أحور المازني.
* * *
- وأما الضرارية: فمنسوبة إلى ضرار بن عمرو، وكان يقول ضرار إن الأجسام أعراض مجتمعة، وجوز أن تنقلب الأعراض أجسامًا، وأن الاستطاعة بعض المستطيع وهي قبل الفعل ومع الفعل، وأنكر قراءة ابن مسعود وأبي بن كعب ﵁.
* * *
стр. 180
- وأما النجارية: فهي منسوبة إلى الحسين بن محمد النجار كان يثبت فعل الفاعلين بالحقيقة لله وللعبد.
وكان يقول بنفي الصفات، وقال بقول المعتزلة في نفي الصفات، إلا في نفي الإرادة، فإنه أثبت أن القديم مريد لنفسه.
وكان يقول بخلق القرآن، ويقول إن الله مريد على معنى أنه ليس بمقهور ولا مغلوب، وإن الله متكلم بمعنى أنه ليس بعاجز عن الكلام، وأنه لم يزل جوادًا بمعنى نفي البخل عنه.
ومذهبه موافق لمذهب ابن عون وابن يوسف الرازي، وأكثر ما يكون مذهبه بقاشان.
* * *
- وأما الكلابية: فمنسوبة إلى عبد الله بن كلاب، وكان يقول صفات الله ليست بقديمة ولا محدثة، وكان يقول: لا أقول صفاه هي هو، ولا هي غيره، وإن معنى الاستواء نفي الاعوجاج في قوله تعالى: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ [طه: ٥] وإن الله لم يزل على ما كان عليه من قبل وأن لا مكان له، ونفى أن يكون القرآن حروفًا.
(فصل) في ذكر مقالة السالمية: وهي منسوبة إلى ابن سال م.
من قولهم إن الله سبحانه يرى يوم القيامة في صورة آدمي محمدي، وإنه يتجلى لسائر الخلق يوم القيامة من الجن والإنس والملائكة والحيوان أجمع لكل واحد في معناه، وفي كتاب الله تكذيبهم، وهو في قوله : ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ [الشورى: ١١].
ومن قولهم إن لله تعالى سرًا لو أظهره لبطل التدبير، وللأنبياء سرًا لو أظهروه لبطلت النبوة، وللعلماء سرًا لو أظهروه لبطل العلم.
وهذا فاسد، لأن الله تعالى حكيم وتدبيره محكم لا يتطرق نحوه البطلان والفساد، وما ذكروه يؤدي إلى إبطال حكمته تعالى وهذا كفر.
ومن قولهم إن الكفار يرون الله تعالى في الآخرة ويحاسبهم.
ومن قولهم إن إبليس سجد لآدم في الثانية، وفي القرآن تكذيبهم، وهو قول الله : ﴿إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين﴾ [البقرة: ٣٤]، وقوله تعالى: ﴿إلا إبليس لم يكن من الساجدين﴾ [الأعراف: ١١].
следующие страницы →