Полный текст (666 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
ينبغي لي أن أرخى العنان وخلع العذار بالكلية، فأنمزج في المعاصي، بل أجاهد فيما يخف على من ترك بعض المعاصي فأتركها فيكون قهري لبعض ذلك كفارة لبعض الباقي، ولعل الله يراني أخافه في بعض معاصيه، وأتركها لأجله، وأجاهد نفسي وشيطاني في تركها، فيعينني ويوفقني، ويحول بيني وبين بقية المعاصي برحمته.
ولو لم يكن الأمر على ما قلنا لما صحت صلاة كل فاسق ولا صومه ولا زكاته ولا حجه ولا شيء من الطاعات، بأن يقال له: أنت فاسق خارج من طاعة الله بفسقك، مخالف لأمره، فعبادتك هذه لغير الله تعالى، فإن زعمت أنها لله فاترك الفسق، فإن أمر الله فيه واحد ولا يتصور أن تقصد بصلاتك التقرب إلى الله ما لم تتقرب بترك الفسق.
وهذا محال لا يقال، فما هذا إلا بمثابة من عليه ديناران لرجلين وهو قادر على الأداء إليهما، فأدى أحد الدينارين إلى أحدهما وجحد الآخر، وحلف عليه مع علمه ذلك وتحققه له، فلا شك أن ذمته بريئة مما قد أدى ومشتغلة بما جحد وأبى.
فكذلك من أطاع الله تعالى في بعض أوامره مطيع له بطاعته، وإذا عصاه في بعض نواهيه عاص له بمعصية فهو مؤمن ملئ ناقص الإيمان طائع بطاعته عاص مخالف له بمخالفته، وهذا هو دأب كل مخلط في أمر دينه إلى أن يبلغ إلى حالة يزول هواه، فتنقطع عنه جميع المعاصي إلا من شاء الله أن يقضي عليه بها، إذ لا معصوم، ويتوب الله على من تاب، ويتفضل بالرحمة على من تاب.
(فصل: في ذكر الأخبار والآثار الواردة في التوبة)
قال جابر بن عبد الله ﵄: "خطبنا رسول الله ﷺ يوم الجمعة فقال: أيها الناس توبوا إلى الله قبل أن تموتوا، وبادروا بالأعمال الصالحة قبل أن تشغلوا، وصلوا الذي بينكم وبين ربكم تسعدوا، وأكثروا الصدقة ترزقوا، وأمروا بالمعروف تحصنوا، وانهوا عن المنكر تنصروا".
وكان النبي ﷺ كثيرًا ما يقول: "اللهم اغفر لي وتب على إنك أنت التواب الرحيم".
стр. 247
وقال ﷺ : "إن إبليس حين اهبط إلى الأرض قال: وعزتك وجلالك لا أزال أغوى ابن آدم ما دام الروح في جسده، فقال الرب: وعزتي وجلالي لا أمنعه التوبة ما لم يتغرغر بنفسه".
وعن محمد بن عبد الله السلمي ﵀ أنه قال: جلست إلى نفر من أصحاب رسول الله ﷺ بالمدينة فقال رجل منهم: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من تاب قبل موته بنصف يوم تاب الله عليه".
وقال آخر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من تاب قبل الغرغرة تاب الله عليه".
وعن محمد بن مطرف ﵀ أنه قال: يقول الله تعالى: ويح ابن آدم يذنب الذنب فيستغفرني فأغفر له، ثم يعود فأغفر له، ويحه لا هو يترك ذنبه ولا هو ييأس من رحمتي، أشهدكم أني قد غفرت له.
وقال أنس ﵁: كان رسول الله ﷺ وصحابته بعدما أنزلت ﴿وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه﴾ [هود: ٣] يستغفرون كل يوم مائة مرة ويقولون: نستغفر الله ونتوب إليه.
قال: "وجاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إني أذنبت ذنبًا، قال ﷺ : استغفر الله، فقال: إني أتوب ثم أعود، قال ﷺ : كلما أذنبت فتب حتى يكون الشيطان هو الحسير، قال: يا نبي الله إذا تكثر ذنوبي، فقال ﷺ : عفو الله أكثر من ذنوبك ... ".
وقال الحسن ﵀: لا تتمنى المغفرة بغير التوبة ولا تتمنى الثواب بغير العمل، لأن الغرة بالله أن تتمادى في سخطه، وتترك العمل بما يرضيه، وتتمنى عليه المغفرة، فتغرك الأماني، حتى يحل بك أمره، أما سمعته يقول: ﴿وغرتكم الأماني حتى جاء أمر الله وغركم بالله الغرور﴾ [الحديد: ١٤]، وقال الله تعالى: ﴿وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحًا ثم اهتدى﴾ [طه: ٨٢]، وقال : ﴿ورحمتي وسعت كل شيء
стр. 248
فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون﴾ [الأعراف: ١٥٦].
فالطمع في الرحمة والجنة من غير توبة وغير تقوى حمق وجهل وغرور لأنهما مقيدتان بهاتين الآيتين.
وقال ﷺ : "إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه بأصل جبل يخاف أن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب وقع على أنفه، فقال به هكذا فطار".
وقال ﷺ : "إن العبد ليذنب الذنب فيدخله الجنة، فقالوا: يا نبي الله وكيف يدخله الجنة؟ قال: يكون الذنب نصب عينه يستغفر منه ويندم عليه حتى يدخله الجنة".
وقال ﷺ : "لم أر شيئًا أحسن طلبًا ولا أسرع إدراكًا من حسنة حديثة لذنب قديم ﴿إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين﴾ [هود: ١١٤].
وقال ﷺ : "إذا أذنب العبد ذنبًا كانت نكتة سوداء في قلبه، فإذا تاب وفزع واستغفر صفا قلبه منها، وإذا لم يتب ولم ينزع ولم يستغفر كان الذنب على الذنب والسواد على السواد حتى يعمى القلب فيموت، فذلك قوله : ﴿كلا بل ران على قلوبهم كانوا يكسبون﴾ [المطففين: ١٤] ".
وقال ﷺ : "ترك الخطيئة أهون من طلب التوبة فاغتنم غفلة المنية".
قال: وكان آدم بن زياد ﵀ يقول: لينزلن أحدكم نفسه أنه قد حضره الموت، فاستقال ربه فأقاله، فليعمل بطاعة الله.
قيل: أوحى الله تعالى إلي داود ﵇: أتق أن آخذك على غرة فتلقاني بلا حجة.
ودخل بعض الصالحين على عبد الملك بن مروان، فقال له: عظني، فقال: هل أنت على استعداد لحلول الموت إن أتاك؟ قال: لا.
قال: فهل أنت مجمع على التحول عن هذه الحالة إلى حالة ترضاها؟ قال: لا.
قال: فهل بعد الموت دار فيها مستعتب؟ قال: لا.
стр. 249
قال: فهل تأمن الموت أن يأتيك على غرة؟ قال: لا.
قال: ما رأيت مثل هذه الخصال يرضى بها عاقل.
وقال النبي ﷺ : "الندم توبة".
وقال ﷺ : "من أذنب ذنبًا ثم ندم عليه فهو كفارته".
وقال الحسن ﵀: التوبة على أربع: دعاء، ثم استغفار باللسان، وندم بالقلب، وترك بالجوارح، وإضمار ألا يعود.
وقال: التوبة النصوح: أن يتوب ثم لا يرجع فيما تاب منه.
وقال ﷺ : "التائب من الذنب كمن لا ذنب له، والمستغفر من الذنب وهو مقيم عليه، كالمستهزئ بربه، وإن الرجل إذا قال: أستغفرك وأتوب إليك، ثم عاد ثم قالها ثم عاد ثلاث مرات كتبت في الرابعة من الكبائر".
وقال الفضيل بن عياض ﵀: كن وصي نفسك ولا تجعل الرجال أوصياءك، كيف تلومهم أن يضيعوا وصيتك وقد ضيعتها في حياتك؟
وأنشد بعضهم يقول:
تمتع إنما الدنيا متاع ... وإن دوامها لا يستطاع
وقدم ما ملكت وأنت حي ... أمير فيه متبع مطاع
ولا يغررك من توصى إليه ... فقصر وصية المرء الضياع
وقال آخر:
إذا مات كنت متخذًا وصيًا ... فكن فيما ملكت وصى نفسك
ستحصد ما زرعت غدًا وتجنى ... إذا وضع الحساب ثمار غرسك
(فصل آخر: في ذلك)
عن أبي أمامة الباهلي ﵁ قال: "إن الرجل موكل به ملكان أحدهما عن يمينه والثاني عن شماله، صاحب اليمين أمير على صاحب الشمال، فإذا عمل العبد
стр. 250
حسنة كتب له صاحب اليمين عشرًا، فإذا عمل سيئة فأراد صاحب الشمال أن يكتبها قال صاحب اليمين أمسك عنه فيمسك عنه ست ساعات من النهار أو سبعًا، فإن استغفر الله تعالى منها لم يكتب عليه شيئًا، وإن لم يستغفر كتب عليه سيئة واحدة".
وفي لفظ آخر: "إن العبد إذا أذنب لم يكتب عليه حتى يذنب ذنبًا آخر فإذا اجتمعت عليه خمسة من الذنوب فإذا عمل حسنة واحدة كتب له خمس حسنات وجعل الخمس بإزاء خمس سيئات، فيصيح عند ذلك إبليس لعنة الله ويقول: كيف لي أن استطيع على ابن آدم فإني وإن اجتهدت عليه يبطل بحسنة واحدة جميع جهدي".
وروي يونس عن الحسن ﵁ عن النبي ﷺ قال: "ليس من عبد إلا عليه ملكان، وصاحب اليمين أمير على صاحب الشمال، فإذا عمل العبد السيئة قال له صاحب الشمال: أكتبها؟ فيقول له صاحب اليمين: دعه حتى يعمل خمس سيئات، فإذا عمل خمس سيئات، قال صاحب الشمال أكتبها؟ فيقول صاحب اليمين: دعه حتى يعمل حسنة، فإذا عمل حسنة، قال له صاحب اليمين: قد أخبرنا بأن الحسنة بعشر أمثالها، فتعال نمحو خمسًا بخمس ونثبت له خمسًا من الحسنات، قال: فيصيح الشيطان عند ذلك فيقول: متى أدرك ابن آدم.
وهذه الأحاديث موافقة لقوله : ﴿وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحًا ثم اهتدى﴾ [طه: ٨٢].
قال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: "مكتوب حول العرش قبل آدم بأربعة آلاف عام ﴿وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحًا ثم اهتدى﴾ [طه: ٨٢].
وموافقة لقوله تعالى: ﴿إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين﴾ [هود: ١١٤].
وروى عن ابن عباس ﵄ أنه قال: إذا تاب العبد وتاب الله عليه أنسى الله تعالى حفظته ما كان قد عمل من مساوئ عمله، وأنسى جوارحه ما عملت من الخطايا، وأنسى مقامه من الأرض، وأنسى مقامه من السماء فيجئ يوم القيامة وليس عليه شيء شهيد عليه".
стр. 251
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "التائب من الذنب كمن لا ذنب له ... " وفي لفظ "ولو عاد في اليوم سبعين مرة".
وقال عبد الله بن مسعود ﵁: "من قال: أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه، ثلاث مرات، غفر له ذنوبه وإن كانت مثل زبد البحر".
وعن ابن مسعود ﵁ أنه قال: "ينظر الإنسان في كتابه يوم القيامة فيرى في أوله المعاصي وفي آخره الحسنات، فإذا رجع إلى أول الكتاب رأى كل ذلك حسنات، وذلك قوله تعالى: ﴿فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات﴾ [الفرقان: ٧٠].
وهذا هو في حق التائب الذي ختم الله له بالتوبة والإنابة.
وقال بعض السلف: إن العبد إذا تاب من الذنوب صارت الذنوب الماضية كلها حسنات.
ولهذا قال ابن مسعود ﵁: وليتمنين أناس يوم القيامة أن تكثر سيئاتهم، وإنما قال ذلك لما ذكر الله تعالى من تبديل السيئات بالحسنات لمن يشاء من عباده.
وروى عن الحسن البصري ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "لو أخطأ أحدكم حتى يملأ ما بين السماء والأرض ثم تاب، تاب الله عليه".
ولهذا جاء في الخبر: "يا ابن آدم لو لقيتني بقراب الأرض ذنوبًا لقيتك بقرابها مغفرة".
(فصل آخر: في ذلك)
وروى أن عبد الله بن مسعود ﵁ ذات يوم في موضع من نواحي الكوفة، وإذا الفساق قد اجتمعوا في دار رجل منهم وهم يشربون الخمر، ومعهم مغن يقال له زاذان كان يضرب بالعود ويغنى بصوت حسن، فلما سمع ذلك عبد الله بن مسعود ﵁ قال: ما أحسن هذا الصوت لو كان بقراءة كتاب الله تعالى كان أحسن، وجهل رداءه على رأسه ومضى، فسمع ذلك الصوت زاذان، فقال: من هذا؟
стр. 252
قالوا: كان عبد الله بن مسعود صاحب رسول الله ﷺ قال: وأيش قال؟ قالوا: قال: ما أحسن هذا الصوت لو كان بقراءة القرآن كان أحسن، فدخلت الهيبة قلبه، فقام فضرب بالعود على الأرض فكسره، ثم أسرع حتى أدركه وجعل المنديل في عنق نفسه وجعل يبكى بين يدي عبد لله فاعتنقه عبد الله وجعل يبكي كل واحد منهما، ثم قال عبد الله ﵁: كيف لا أحب من قد أحبه الله؟ فتاب من ضربه بالعود، وجعل يلازم عبد الله حتى تعلم القرآن وأخذ الحظ الوافر من العلم حتى صار إمامًا في العلم، وقد جاء في كثير من الأخبار روي زاذان عن عبد الله بن مسعود ﵁، وروي زاذان عن سلمان الفارسي ﵁.
وفي الإسرائيليات مروى أنه كانت امرأة بغية مغنية مفتنة للناس بجمالها، وكان باب دارها أبدًا مفتوحًا وهي قاعدة على السرير بحذاء الباب فكل من مر بها ونظر إليها افتتن بها واحتاج إلى عشرة دنانير أو أكثر من ذلك حتى تأذن له بالدخول عليها، فمر على بابها ذات يوم عابد من عباد بني إسرائيل فوقع بصره عليها في الدار وهي قاعدة على السرير فافتتن بها وجهل يجادل نفسه حتى أنه يدعو الله تعالى أن يزول ذلك عن قلبه، فلم يزل ذلك عن نفسه، ولم يملك نفسه حتى باع قماشًا كان له، فجمع من الدنانير ما يحتاج إليه، فجاء إلى بابها فأمرته أن يسلم الذهب إلى وكيل لها وواعدته لمجيئه، فجاء إليها لذلك الوعد وقد تزينت وجلست في بيتها على سريرها، فدخل عليها العابد وجلس معها على السرير، فلما مد يديه إليها وانبسط معها، تداركه الله برحمته ببركة عبادته المتقدمة، فوقع في قلبه أن الله تعالى يراني في هذه الحالة من فوق عرشه، وأنا في الحرام وقد حبط عملي كله، فوقعت الهيبة في قلبه، فارتعد في نفسه، وتغير لونه، فنظرت إليه المرأة فرأته متغير اللون، فقالت له: أيش أصابك يا رجل؟ فقال: إني أخاف الله ربي، فأذني لي بالخروج، فقالت له: ويحك إن كثيرًا من الناس يتمنون الذي وجدته فأيش هذا الذي أنت فيه؟ فقال: إني أخاف الله جل ثناؤه وإن المال الذي دفعته إلى وكيلك هو لك حلال، فأذني لي بالخروج، فقالت له: كأنك لم تعمل هذا العمل قط؟ قال: لا، فقالت له: من أين أنت وما اسمك؟ فأخبرها أنه من قرية كذا واسمه كذا، فأذنت له بالخروج من عندها، فخرج وهو يدعو بالويل والثبور ويبكي على نفسه، فوقعت الهيبة في قلب المرأة ببركة ذلك العابد، فقالت في نفسها: إن هذا الرجل أو ذنب أذنب فدخل عليه من الخوف ما دخل، وإني قد أذنبت منذ كذا وكذا سنة،
стр. 253
وإن ربه الذي خاف منه هو ربي، فينبغي أن يكون خوفي أشد من خوفه، فتابت إلى الله وغلقت الباب على الناس ولبست ثيابًا خلقًا وأقبلت على العبادة، فكانت في عبادتها ما شاء الله تعالى، فقالت في نفسها: إني لو انتهيت إلى ذلك الرجل لعله يتزوجني، فأكون عنده وأتعلم منه أمر ديني ويكون عونًا لي علي عبادة ربي، فتجهزت وحملت من الأموال والخدم ما شاء الله، وانتهت إلى تلك القرية وسألت عنه، فأخبروا العابد أنه قدمت امرأة تسأل عنك، فخرج العابد إليها، فلما رأته المرأة كشفت عن وجهها لكي يعرفها، فلما رآها العابد وعرف وجهها وتذكر الأمر الذي كان بينه وبينها صاح صيحة فخرجت روحه.
فبقيت المرأة حزينة وقالت في نفسها: إني خرجت لأجله وقد مات فهل له أحد من أقربائه يحتاج إلى امرأة، فقالوا لها: له أخ صالح لكنه معسر لا مال له، فقالت: لا بأس به، فإن لي مالًا يكفينا، فجاء أخوه فتزوج بها، فولدت له سبعًا من البنين (كلهم صاروا أنبياء في بني إسرائيل).
فانظر إلى بركة الصدق والطاعة وحسن النية كيف هدى الله زاذان بعبد الله بن مسعود لما كان صادقًا حسن السريرة فلا يصلح بك الفاسد حتى تكون أنت صالحًا في ذات نفسك، خائفًا لربك إذا خلوت، مخلصًا له إذا خالطت، غير مراء للخلق في حركاتك وسكناتك، موحدًا لله في ذلك كله، فحينئذ يزاد في توفيقك وتسديد وتحفظ عن الهوى والإغواء من شياطين الجن والإنس والمنكرات كلها والفساق والبدع والضلالات أجمع، فزال بك المنكر من غير تكلف، ومن غير أن يصير المعروف منكرًا، كما هو في زماننا، ينكر أحدهم منكرًا واحدًا فيتفرع منه منكرات جمة وفاسد عظيم من السب والقذف والضرب والكسر وتخريق الثياب وإفساد الأموال، وكل ذلك لقلة صدقهم ونقصان إيمانهم ويقينهم وغلبة أهويتهم عليهم. فالمنكر فيهم بعد وفرض إزالته متوجه عليهم وبأنفسهم شغل طويل وهم ينكرون على الغير فيتركون الفرض العين ويتعلقون بالفرض على الكفاية، ويتركون ما يعنيهم ويشتغلون بما لا يعنيهم، قال النبي ﷺ : "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه".
من أراد أن يزول به المنكر بسرعة، فعليه بالإنكار على نفسه والوعظ لها، ومنعها
стр. 254
وفطمها عن المعاصي ما ظهر منها وما بطن، فإذا تطهر من ذلك كله حينئذ اشتغل بغيره، فزال به المنكر بأحسن ما يكون من الوجوه، كما زال في حق عبد الله بن مسعود ﵁.
وانظر إلى بركة العبادة والصدق أيضًا في حق العابد كيف نجاه الله من البغية وارتكاب الكبيرة ﴿كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين﴾ [يوسف: ٢٤].
فالله تعالى حال بينه وبين تلك الفاحشة لما تقدم له من الصدق في الخلوات وحسن الطاعة فيما سلف من الأيام والساعات، ثم كيف نجى الله تعالى تلك البغية ببركة العابد، ثم كيف نالت بركته أخاه، فأزال الله فقره وجهده، وزوجه بأحسن النساء، وأغناه ورزقه من حيث لا يحتسب، وجعله أبا الأنبياء السبعة، وجعلها أمهم ﵈.
فالخير كله في الطاعة والشر كله في المعصية، فلا كانت المعصية ولا كنا إذا كنا من أهلها.
(فصل) وإنما تعرف توبة التائب في أربعة أشياء:
أحدها: أن يملك لسانه من الفضول والغيبة والنميمة والكذب.
والثاني: ألا يرى لأحد في قلبه حسدًا ولا عداوة.
والثالث: أن يفارق إخوان السوء، فإنهم هم الذين يحملونه على رد هذا القصد ويشوشون عليه صحة هذا العزم، ولا يتم له ذلك إلا بالمواظبة على المشاهدة التي تزيد بها رغبته في التوبة، وتوفر دواعيه على إتمام ما عزم عليها مما يقوى خوف ورجاءه، فعند ذلك تنحل من قلبه عقد الإصرار على ما هي عليه من قبيح الأفعال، فيقف عن تعاطي المحظورات، ويكبح لجام نفسه عن متابعة الشهوات فيفارق الزلة في الحال، ويبرم العزيمة على ألا يعود إلى مثلها في الاستقبال.
والرابع: أن يكون مستعدًا للموت نادمًا مستغفرًا لما سلف من ذنوبه مجتهدًا في طاعة ربه.
وقيل: علامة أنه مقبول التوبة أربعة أشياء.
أولها: أن ينقطع عن أصحاب الفسق ويريهم هيبته من نفسه، ويخالط الصالحين.
стр. 255
والثاني: أن يكون منقطعًا عن كل ذنب مقبلًا على جميع الطاعات.
والثالث: أن يذهب فرح الدنيا من قلبه، ويرى حزن الآخرة دائمًا في قلبه.
والرابع: أن يرى نفسه فارغًا عما ضمن الله له، يعني الرزق، مشتغلًا بما أمر الله به.
فإذا وجدت فيه هذه العلامات كان من الذين قال الله تعالى في حقهم: ﴿إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين﴾ [البقرة: ٢٢٢].
ووجب له على الناس أربعة أشياء:
أولها: أن يحبوه لأن الله قد أحبه.
والثاني: أن يحفظوه بالدعاء على أن يثبته الله تعالى على التوبة.
والثالث: ألا يعيروه بما سلف من ذنوبه لما روى عن النبي ﷺ أنه قال: "من عير مؤمنًا بفاحشة فهو كفارة لها، وكان حقًا على الله تعالى أن يوقعه فيها، ومن عير مؤمنًا بجريرة لم يخرج من الدنيا حتى يركبها ويفتضح بها".
ولأن المؤمن لا يقصد الوقوع في الذنب ولا يتعمده ولا يعتقده دينًا بتدين به، وإنما يكون ذلك فيه بتزيين الشيطان وفرط ضراوة الشهوة وشد الشبق وتراكم الغفلة والغرة، قال الله تعالى: ﴿وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان﴾ [الحجرات: ٧].
فقد أخبر أنه بغض إلى المؤمنين المعصية، فلا يجوز أن يعير بها إذا تاب وأناب، بل يدعى له بالثبات على التوبة والتوفيق والحفظ.
والرابع: أن يجالسوه ويذاكروه ويعينوه.
ويكرمه الله تعالى أيضًا بأربع كرامات:
أحدها: أن يخرجه من الذنوب كأنه لم يذنب قط.
والثانية: يحبه الله تعالى.
والثالثة: ألا يسلط عليه الشيطان ويحفظه منه.
والرابعة: أن يؤمنه من الخوف قبل أن يخرجه من الدنيا لأنه قال: ﴿تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وابشروا بالجنة التي كنتم توعدون﴾ [فصلت: ٣٠].
стр. 256
(فصل: في ذكر أقاويل شيوخ الطريقة في التوبة)
قال أبو علي الدقاق ﵀: التوبة على ثلاثة أقسام:
أولها: التوبة، وأوسطها: الإنابة، وآخرها: الأوبة.
فالتوبة بداية والإنابة واسطة والأوبة نهاية. فإن من تاب لخوف العقوبة كان صاحب توبة، ومن تاب طمعًا في الثواب أو رهبة من العقاب كان صاحب إنابة، ومن تاب مراعاة للأمر لا لرغبة في الثواب أو رهبة من العقاب كان صاحب أوبة.
وقيل أيضًا: التوبة: صفة المؤمنين، قال الله تعالى: ﴿وتوبوا إلى الله جميعًا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون﴾ [ص: ٣٠، ٤٤].
وقال الجنيد رحمه الله تعالى: التوبة على ثلاثة معان:
الأول: يندم.
والثاني: يعزم على ترك المعاودة لما نهى الله عنه.
والثالث: يسعى في أداء المظالم.
وقال سهل بن عبد الله ﵀: التوبة وترك التسويف.
وقال الجنيد: سمعت الحارث يقول: ما قلت قط اللهم إني أسألك التوبة، ولكني أقول: أسألك شهوة التوبة.
وقال الجنيد: دخلت على السري ﵀ يومًا فرأيته متغيرًا، فقلت له: ما لك؟
فقال: دخل على شاب فسألني عن التوبة، فقلت له: إلا تنسى ذنبك، فعارضني وقال: بل التوبة أن تنسى ذنبك، فقلت: إن الأمر عندي على ما قاله الشاب، فقال: لم؟
قلت: لأني إذا كنت في حال الجفاء فنقلني إلى حال الوفاء، فذكر الجفاء في حال الصفاء جفاء، فسكت.
وقال سهل بن عبد الله ﵀: التوبة ألا تنسى ذنبك.
وقال الجنيد ﵀ حين سئل عن التوبة: هي أن تنسى ذنبك.
وتكلم أبو نصر السراج ﵀ في المقالتين فقال: أشار سهل إلى أحوال المريدين
стр. 257
والمتعرضين تارة لهم وتارة عليهم.
فأما الجنيد فإنه أشار إلى توبة المحققين، فلا يذكرون ذنوبهم مما غلب على قلوبهم من عظمة الله تعالى ودوام ذكره.
وقال: وهو مثل ما سئل رويم عن التوبة فقال: التوبة من التوبة.
وقال ذو النون المصري ﵀: توبة العوام من الذنوب وتوبة الخواص من الغفلة.
وقال أبو الحسين النوري ﵀: التوبة أن نتوب من كل شيء سوى الله .
قال عبد الله بن علي بن محمد التميمي ﵏: شتان بين تائب يتوب من الزلات، وتائب يتوب من الغفلات، وتائب يتوب من رؤية الحسنات.
وقال أبو بكر الواسطى ﵀: التوبة النصوح ألا يبقى على صاحبها أثر من المعصية سرًا ولا جهرًا، ومن كانت توبته نصوحًا لا يبالي كيف أمسى وأصبح.
وقال يحيى بن معاذ الرازي ﵀ في مناجاته: إلهي لا أقول تبت ولا أعود لما أعرف من خلقي، ولا أضمن ترك الذنوب لما أعرف من ضعفي، ثم إني أقول لا أعود لعلي أموت قبل أن أعود.
وقال ذو النون ﵀: الاستغفار من غير إقلاع توبة الكذابين.
وقال أيضًا ﵀: حقيقة التوبة أن تضيق عليك الأرض بما رحبت ثم تضيق عليك نفسك كما أخبر الله تعالى في كتابه العزيز ﴿حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا﴾ [التوبة: ١١٨].
وقال ابن عطاء ﵀: التوبة توبتان: توبة الإنابة، وتوبة الاستجابة.
فتوبة الإنابة: أن يتوب العبد خوفًا من عقوبته، وتوبة الاستجابة: أن يتوب حياء من كرمه.
وقال يحيى بن معاذ الرازي ﵀: زلة واحدة بعد التوبة أقبح من سبعين قبلها.
وقال أبو عمرو الأنماطي ﵀: ركب علي بن عيسى الوزير في موكب عظيم فجعل الغرباء يقولون: من هذا؟ فقالت امرأة قائمة على الطريق إلى متى تقولون من هذا؟ هذا عبد سقط من عين الله فأبلاه الله بما ترون، فسمع علي بن عيسى ذلك، فرجع إلى منزله واستعفى من الوزارة، وذهب إلى مكة وجاور بها إلى أن مات.
стр. 258
مجلس: في قوله تعالى: ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ [ الحجرات: ١٣]
اختلف العلماء ﵏ في معنى التقوى وحقيقة المتقى.
فالمنقول عن النبي ﷺ أنه قال: "جماع التقوى في قوله : ﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون﴾ [النحل: ٩٠].
وقال ابن عباس ﵄: المتقى الذي يتقى الشرك والكبائر والفواحش.
وقال ابن عمر ﵄: التقوى ألا ترى نفسك خيرًا من أحد.
وقال الحسن ﵀: المتقى هو الذي يقول لكل من رآه هذا خير مني.
وقال عمر بن الخطاب ﵁ لكعب الأحبار: حدثني عن التقوى، قال: هل أخذت طريقًا ذا شوك؟ قال: نعم، قال: فما عملت فيه؟ فقال: حذرت وشمرت، قال كعب: كذلك التقوى.
فنظمه الشاعر:
خل الذنوب صغيرها ... وكبيرها فهو التقى
واصنع كماش فوق أر ... ض الشوك يحذر ما يرى
لا تحقرن صغيرة ... إن الجبال من الحصى
وقال عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى: ليس التقى صيام النهار وقيام الليل والتخليط فيما بين ذلك، ولكن التقوى ترك ما حرم الله وأداء ما افترض الله، فما رزق الله بعد ذلك فهو خير إلى خير.
وقيل ليطلق بن حبيب: أجمل لنا التقوى، فقال: التقوى عمل بطاعة الله على نور من الله رجاء لثواب الله حياء من الله.
وقيل: التقوى: ترك معصية الله على نور من الله مخافة عقاب الله.
وقال بكر بن عبد الله ﵀: لا يكون الرجل تقيًا حتى يكون نفي المطعم وتقي الغضب.
стр. 259
وقال عمر بن عبد العزيز أيضًا ﵀: المتقى ملجم كالمحرم في الحرم.
وقال شهر بن حوشب ﵀: المتقي الذي يترك ما لا بأس به حذرًا من الوقوع فيما فيه بأس.
وقال سفيان الثوري وفضيل رحمهما الله: هو الذي يحب للناس ما يحب لنفسه.
وقال الجنيد بن محمد: ليس المتقي الذي يحب للناس ما يحب لنفسه، إنما المتقي الذي يحب للناس أكثر مما يحب لنفسه، أتدرون ما وقع لأستأذى سرى السقطى ﵀؟ سلم عليه ذات يوم صديق له، فرد ﵇ وهو عابس لم يتبشش له، فقلت له في ذلك، فقال: بلغني أن المرء المسلم إذا سلم على أخيه ورد عليه أخوه قسمت بينهما مائة رحمة تسعون منها لأبشهما وعشرة للآخرة فأحببت أن يكون له التسعون.
وقال محمد بن علي الترمذي ﵀: هو الذي لا خصم له.
وقال سرى السقطي ﵀: هو الذي يبغض نفسه.
وقال الشبلي ﵀: هو الذي يتقى ما دون الله.
قال الناطق الصادق:
إلا كل شيء ما خلا الله باطل ... وكل نعيم لا محالة زائل
وقال محمد بن خفيف ﵀: التقوى مجانبة كل ما يبعدك عن الله.
وقال القاسم بن القاسم ﵀: هو المحافظة على آداب الشريعة.
وقال الثوري ﵀: هو الذي يتقى الدنيا وآفاتها.
وقال أبو يزيد ﵀: هو التورع عن جميع الشبهات.
وقال أيضًا: المتقى من إذا قال قال لله، وإذا سكت سكت لله، وإذا ذكر ذكر لله.
وقال الفضيل بن عياض ﵀: لا يكون العبد من المتقين حتى يأمنه عدوه كما يأمنه صديقه.
وقال سهل ﵀: المتقى من تبرأ من حوله وقوته.
وقيل: التقوى ألا يراك الله حيث نهاك، ولا يفقدك حيث أمرك.
وقيل: هو الاقتداء بالنبي ﷺ .
وقيل: هو أن تتقى بقلبك من الغفلات، وبنفسك من الشهوات، وبحلقك من
стр. 260
اللذات، وبجوارحك من السيئات، فحينئذ يرجى لك الوصول إلى رب الأرض والسموات.
وقال أبو القاسم ﵀: هي حسن الخلق.
وقال بعضهم: يستدل على تقوى الرجل بثلاث: بحسن التوكل فيما لم ينل، وحسن الرضا فيما قد نال، وحسن الصبر على ما فات.
وقيل: المتقى هو الذي يتقى متابعة هواه.
وقال مالك ﵀: حدثني وهب بن كيسان أن بعض فقهاء أهل المدينة كتب إلى عبد الله بن الزبير ﵄: إن لأهل التقوى علامات يعرفون بها: الصبر على البلاء، والرضا بالقضاء، والشكر عند النعماء، والتذلل لأحكام القرآن.
وقال ميمون بن مهران ﵀: لا يكون الرجل تقيًا حتى يكون أشد محاسبة لنفسه من الشريك الشحيح والسلطان الجائر.
وقال أبو تراب ﵀: بين يدي التقوى خمس عقبات من لا يجاوزها لا ينالها وهي: اختيار الشدة على النعمة، واختيار القوة على الفصول، واختيار الذل على العز، واختيار الجهد على الراحة، واختيار الموت على الحياة.
وقال بعضهم: لا يبلغ الرجل سنام التقوى إلا إذا كان بحيث لو جعل ما في قلبه على طبق فطاف به في السوق لم يستح من شيء مما عليه.
وقيل: التقوى أن تزين سرك للحق كما تزين علانيتك للخلق.
وقال أبو الدرداء ﵁:
يريد المرء أن يعطي مناه ... ويأبى الله إلا ما أرادا
يقول المرء فائدتي وماله ... وتقوى الله أفضل ما استفاد
عن مجاهد عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: "جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا نبي الله أوصني، فقال ﷺ : عليك بتقوى الله فإنه جامع كل خير، وعليك بالجهاد فإنه رهبانية الإسلام، وعليك بذكر الله فإنه نور لك".
وعن ابن هرمز نافع بن هرمز ﵀ قال: سمعت أنسًا ﵁ يقول:
стр. 261
"قيل يا محمد من آل محمد؟ قال: كل تقى" فالتقوى جماع الخيرات.
وحقيقة الاتقاء: التحرز بطاعة الله عن عقوبته: يقال: اتقى فلان بترسه.
وأصل التقوى: اتقاء الشرك، ثم بعده اتقاء المعاصي والسيئات، ثم بعده اتقاء الشبهات، ثم يدع بعده الفضلات.
وجاء في تفسير قوله تعالى: ﴿اتقوا الله حق تقاته﴾ [آل عمران: ١٠٢] هو أن يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر.
وقال سهل بن عبد الله ﵀: لا معين إلا الله، ولا دليل إلا رسول الله، ولا زاد إلا التقوى، ولا عمل إلا الصبر عليه.
وقال الكتاني ﵀: قسمت الدنيا على البلوى، وقسمت الجنة على التقوى، ومن لم يحكم بينه وبين الله التقوى والمراقبة لم يصل إلى الكشف والمشاهدة.
وقال النصر أباذي أيضًا: من لزم التقوى اشتاق إلى مفارقة الدنيا، لأن الله تعالى يقول: ﴿وللدار الآخرة خير للذين يتقون﴾ [الأنعام: ٣٢].
وقال بعضهم: من تحقق في التقوى هون الله على قلبه الإعراض عن الدنيا.
وقال أبو عبد الله الروذباري: التقوى مجانية ما يبعدك عن الله تعالى.
وقال ذو النون المصري رحمه الله تعالى: التقى من لا يدنس ظاهره بالمعارضات، ولا باطنه بالغلالات، ويكون واقفًا مع الله تعالى موقف الاتفاق.
وقال ابن عطية رحمه الله تعالى: للمتقى ظاهر وباطن، فظاهره محافظة الحدود، وباطنه النية والإخلاص.
وقال أيضًا ذو النون المصري رحمه الله تعالى: لا عيش إلا مع رجال تحن قلوبهم للتقوى وترتاح بالذكر.
وقال أبو حفص رحمه الله تعالى: التقوى في الحلال المحض لا غير.
وقال أبو الحسين الزنجاني رحمه الله تعالى: من كان رأس ماله التقوى كلت الألسن عن وصف ربحه.
وقال الواسطى رحمه الله تعالى: التقوى أن يتقى من تقواه، يعني من رؤية تقواه.
وروى أن ابن سيرين رحمه الله تعالى اشترى أربعين جبًا سمنًا فأخرج غلامه فأرة
стр. 262
من جب، فسأله من أي جب من الجبات أخرجتها؟ فقال: لا أدري، فصبها كلها.
وروى عن بعض الأئمة أنه كان لا يجلس في ظل شجرة غريمه ويقول: جاء في الخبر "كل قرض جر نفعًا فهو ربًا".
وقيل: إن أبا يزيد رحمه الله تعالى غسل ثوبًا في الصحراء مع صاحب له، فقال لصاحبه، نعلق الثياب على جدران الكروم، فقال: لا نغرز الوتد في جدار الناس، فقال: نعلقه على الشجر، فقال: لا إنه يكسر الأغصان، فقال: تبسطه على الأذخر، فقال: لا إنه علف الدواب لا نستره عنها، قيل: فولى ظهره إلى الشمس والقميص على ظهره ووقف حتى جف جانبه، ثم قلبه حتى جف الجانب الآخر.
وعن إبراهيم بن أدهم رحمه الله تعالى أنه قال: بت ليلة تحت صخرة بيت المقدس، فلما كان بعض الليل نزل ملكان، فقال أحدهما لصاحبه: من هاهنا؟ فقال الآخر: إبراهيم بن أدهم، فقال: ذاك الذي حط الله درجة من درجاته، فقال: لم ذلك؟ قال: لأنه اشترى بالبصرة التمر، فوقعت تمرة من تمر البقال على تمره، فقال إبراهيم: فمضيت إلى البصرة واشتريت التمر من ذلك الرجل وأوقعت تمرة على تمره، ورجعت إلى بيت المقدس ونمت تحت الصخرة، فلما كان بعض الليل إذا أنا بملكين نزلا من السماء، فقال أحدهما لصاحبه: من هاهنا؟ قال الآخر: إبراهيم بن أدهم، فقال: ذاك الذي رد الشيء إلى مكانه ورفعت درجته.
وقيل: التقوى على وجوه: تقوى العامة: ترك الشرك بالخالق، وتقوى الخاصة: ترك الهوى بترك المعاصي ومخالفة النفس في سائر الأحوال، وتقوى خاص الخاص من الأولياء: ترك الإرادة في الأشياء والتجرد في النوافل من العبادات والتعلق بالأسباب، والركون إلى ما سوى المولى، ولزوم الحال والمقام، وامتثال الأمر في جميع ذلك مع إحكام الفرائض.
وتقوى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا يتجاوزهم غيب في غيب، فهو من الله وإلى الله، يأمرهم وينهاهم، ويوقفهم ويؤدبهم ويهذبهم ويطيبهم ويطبهم، ويكلمهم ويحدثهم، ويرشدهم ويهديهم، ويعطيهم ويهنيهم، ويطلعهم ويبصرهم، لا مجال للعقل في ذلك، فهم في معزل عن البشر بل عن الملائكة أجمع، إلا فيما يتعلق بالحكم
стр. 263
الظاهر والأمر المبين الموضوع للأمة وعوام المؤمنين، فإنهم يشاركون الخلق في ذلك، وينفردون عنهم فيما سوى ذلك.
وقد يعطى بعض ذلك الكرام من الأبدال والخلص من الأولياء، فتقصر عباراتهم عن ذكر ذلك، فلا تظهر إلى الوجود ولا تدرك بالسمع والحس إلا ما يغلب على اللسان، فتبدر من ذلك كلمة أو كلمات، ثم يتداركه الله بالسكينة والتثبيت وإسبال الستر عليه، فيستيقظ لأمره ويحفظ لسانه ويستغفر الله تعالى مما جرى، ويغير العبارة ويحسن اللفظ على وجه يعقل ويفهم، على ما هو المعهود عند الناس.
(فصل) وطريق التقوى أولًا: التخلص من مظالم العباد وحقوقهم، ثم من المعاصي الكبائر منها والصغائر، ثم الاشتغال بترك ذنوب القلب التي هي أمهات الذنوب وأصولها فمنها يتفرع ذنوب الجوارح من الرياء والنفاق والعجب والكبر والحرص والطمع والخوف من الخلق والرجاء لهم وطلب الجاه والرياسة والتقدم على أبناء جنسه، وغير ذلك مما يطول شرحه.
وإنما يقوى على جميع ذلك بمخالفة الهوى، ثم الاشتغال بترك الإرادة فلا يختار مع الله شيئًا، ولا يدبر مع تدبيره ولا يتخير عليه ولا ينص على وجهة وسبب في رزقه، ولا يعترض عليه في حكمه في خلقه، بل يسلم الكل إليه، ويستسلم بين يديه، ويطرح نفسه لديه، فيصير في يد قدرته كالطفل الرضيع في يد ظئره ودايته، والميت في يد غاسله، مسلوب اختياره، منزوع إرادته، فالنجاة كل النجاة في ذلك.
فإن قال قائل: كيف الطريق إلى ذلك؟
قيل له: الطريق إلى ذلك بصدق اللجأ إلى الله ، والانقطاع إليه، ولزوم طاعته بامتثال أوامره وانتهاء نواهيه، والتسليم في قدره وحفظ الحال، وصيانته حدودها أبدًا.
واختلفت أقاويل الشيوخ في النجاة:
فقال الجنيد رحمه الله تعالى: ما نجا من نجا إلا بصدق اللجأ إلى الله ، قال الله : ﴿وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه﴾ [التوبة: ١١٨].
وقال رويم رحمه الله تعالى: ما نجا من نجا إلا بالصدق والتقوى، قال الله :
стр. 264
﴿وينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم﴾ [الزمر: ٦١].
وقال الحريري ﵀: ما نجا من نجا إلا بمراعاة الوفاء، قال الله تعالى: ﴿الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق﴾ [الرعد: ٢٠].
وقال عطاء رحمه الله تعالى: ما نجا من نجا إلا بتحقيق الحياء، قال الله تعالى: ﴿ألم يعلم بأن الله يرى﴾ [العلق: ١٤].
قال بعضهم: ما نجا من نجا إلا بالحكم والقضاء السابق في علم الله ، قال الله تعالى: ﴿إن الذين سبقت لهم منا الحسنى﴾ [الأنبياء: ١٠١].
وقال الحسن البصري رحمه الله تعالى: ما نجا من نجا إلا بالإعراض عن الدنيا وأهلها، قال الله تعالى: ﴿إنما الحياة الدنيا لعب ولهو﴾ [محمد: ٣٦].
وقد ذكر النبي ﷺ : "أن حب الدنيا رأس كل خطيئة، وما تقرب المتقربون إلى الله بشيء أفضل من أداء ما افترض الله عليك ... ".
وقال: "منذ خلقها الله تعالى ما نظر إليها".
وقال الحسن رحمه الله تعالى: معناه ما نظر إليها بعين رحمته من مقتها فهي الحجاب العظيم، وبها يتبين الخالص من المعيب، ولا يصلح لمن بقى عليه منها شيء الوصول إلى حلاوة مناجاته سبحانه لأنها ضد الله وضد ما يحب الله.
(فصل) وقد دعا الله خلقه إلى توحيده وطاعته بالوعد والوعيد والترغيب والترهيب، فحذر وأنذر وخوف وزجر أعذارًا إليهم وتأكيدًا للحجة عليهم.
فقال : ﴿رسلًا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل﴾ [النساء: ١٦٥].
وقال عز من قائل: ﴿ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولًا فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى﴾ [طه: ١٣٤].
وقال تعالى في آية أخرى: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولًا﴾ [الإسراء: ١٥].
وقال تعالى: ﴿يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين﴾ [يونس: ٥٧].
стр. 265
وقال جل وعلا في التخويف والتحذير: ﴿ويحذركم الله نفسه والله رؤوف بالعباد﴾ [آل عمران: ٣٠].
وقال ﵎: ﴿واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه﴾ [البقرة: ٢٣٥].
وقال جلت عظمته: ﴿واتقوا الله واعلموا أن الله بكل شيء عليم﴾ [البقرة: ٢٣١].
وقال جلت قدرته: ﴿واتقون يا أولى الألباب﴾ [البقرة: ١٩٧].
وقال : ﴿واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه﴾ [البقرة: ٢٢٣].
وقال تعالى: ﴿واتقوا يومًا ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون﴾ [البقرة: ٢٨١].
وقال تعالى: ﴿واتقوا يومًا لا تجزي نفس عن نفس شيئًا ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة﴾ [البقرة: ١٢٣].
وقال ﷻ : ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يومًا لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئًا إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور﴾ [لقمان: ٣٣].
وقال تعالى: ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم﴾ [الحج: ١].
وقال : ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبًا﴾ [النساء: ١].
وقال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا﴾ [الأحزاب: ٧٠].
وقال : ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون﴾ [الحشر: ١٨].
وقال تعالى: ﴿واتقوا الله إن الله شديد العقاب﴾ [المائدة: ٢].
وقال تعالى: ﴿قوا أنفسكم وأهليكم نارًا وقودها الناس والحجارة﴾ [التحريم: ٦].
وقال : ﴿أفحسبتم أنما خلقناكم عبثًا وأنكم إلينا لا ترجعون﴾ [المؤمنون: ١١٥].
وقال جل وعلا: ﴿أيحسب الإنسان أن يترك سدى﴾ [القيامة: ٣٦].
وقال تعالى: ﴿أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتًا وهم نائمون * أو أمن أهل
стр. 266
القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون﴾ [الأعراف: ٩٧ - ٩٨].
فما جوابك يا مسكين عن هذه الآيات، وما عملك بها؟ فهل انتهيت بها عن إتباع شهواتك الخبيئة المردية لك في الدنيا والآخرة، المحلة لك في دار الشقاء والمهانة التي تحرقك نارها وتنهشك حياتها وتلسعك وتلسنك عقاربها وهوامها، وتأكلك ديدانها، وتضربك زبانيتها وخزانها، ويجدد عليك في كل يوم أنواع عذابها وأنت فيها مع فرعون وهامان ونمرود وقارون والشياطين سواء.
وقال في الترغيب: ﴿ومن يتق الله يجعل له مخرجًا * ويرزقه من حيث لا يحتسب﴾ [الطلاق: ٢ - ٣].
وقال تعالى: ﴿ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرًا﴾ [الطلاق: ٥].
وقال تعالى: ﴿يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم * الذي خلقك فسواك فعدلك﴾ [الانفطار: ٦ - ٧].
وقال : ﴿ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله﴾ [الحديد: ١٦].
فقد رغبك الله فيما عنده وطلب فضله وسعة رحمته وطيب رزقه والاستراحة إليه والطمأنينة لديه، بسلوك سبيل التقوى وملازمته والمواظبة عليه، فبين بذلك الطريق وأضاء لك المحجة، وضمن لك بعد ذلك غفران الذنوب وتكفير السيئات وعظم الأجر والجزاء بقوله : ﴿ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرًا﴾ [الطلاق: ٥].
ثم نبهك عن غرتك به ورقدتك عنه، وتعاميك عن طريقه وتصامك عن سماع آياته ومواعظة وزواجره، فقال تعالى: ﴿ما غرك بربك الكريم * الذي خلقك فسواك فعدلك﴾ [الانفطار: ٦ - ٧].
فوصف نفسه بالكريم لئلا تزهد في معاملته وتنفر عن مقاربته وتشتغل عنه بخليقته، ثم ذكرك بأنه خلقك وأوجدك من عدمك، وأحياك بعد أن لم تكن شيئًا، وأغناك بعد فقرك، وقواك بعد ضعفك، وبصرك في مصالحك بعد عماك، وعلمك بعد جهلك، وهداك بعد ضلالتك.
فما قعودك يا غافل عن طلب فضله الواسع، وما تثبيطك عن ملازمة طاعته التي تشرفك في الدنيا وتسعدك في العقبي، وترفعك في الدرجات العلى.
أرضيت بالحياة الدنيا من الآخرة، واستبدلت الذي هو أدنى بالذي هو خير، وآثرت
стр. 267
الدنيا وأبناءها، وما ظهر لك من زينتها التي لا بقاء لها على الفردوس الأعلى، والمرافقة مع الأنبياء والصديقين والشهداء.
أما سمعت قولته : ﴿أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل﴾ [التوبة: ٣٨].
وقوله تعالى: ﴿بل تؤثرون الحياة الدنيا * والآخرة خير وأبقى﴾ [الأعلى: ١٦ - ١٧].
وقوله تعالى: ﴿فأما من طغى * وآثر الحياة الدنيا * فإن الجحيم هي المأوى﴾ [النازعات: ٣٧ - ٣٩].
* * *
(فصل) واعلم أن دخول النار بالكفر وتضاعف العذاب وقسمة الدركات بالأعمال السيئة والأخلاق السيئة، ودخول الجنة بالإيمان وتضاعف النعيم وقسمة الدرجات بالأعمال الصالحة والأخلاق الحسنة، وأن الله خلق الجنة فحشاها بالنعيم ثوابًا لأهلها، وخلق النار فحشاها بالعذاب عقابًا لأهلها، وخلق الدنيا فحشاها بالآفات والنعيم محنة وابتلاء، ثم خلق الخلق والجنة والنار في غيب منهم لم يعاينوهما.
فالنعيم والآفات التي في الدنيا هي أنموذج الآخرة ومذاقة ما فيها، وخلق في الأرض من عبيده ملوكًا، أعطاهم سلطانًا أرعب به القلوب وملك به النفوس، فهو أنموذج ومثال لتدبيره وملكه ونفاذ أمره ومعاملته، فجعل خبر ذلك كله تنزيلًا، ووصف الدارين ووصف ملكه وقدرته وتدبيره ومنته وصنائعه وضرب الأمثال على ذلك، ثم قال تعالى، ﴿وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون﴾ [العنكبوت: ٤٣].
فالعلماء بالله يفهمون عن الله أمثاله، لأن المثل إنما هو صفة شيء قد شاهدته يريك صفة ما غاب عنك، ويبصرك بما تبصره بعينك لينفذ بصر قلبك إلى ما لا تبصره عينك، فيعقل قلبك ما خوطبت به من خبر الملكوت وخبر الدارين وخبر معاملة ملك الملوك، فليس في الدنيا نعمة ولا شهوة إلا وهي أنموذج الجنة وذوقها، ثم من وراء ذلك فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
فلو سمى للعباد منها شيء لم ينتفعوا بتلك الأسماء، لأنهم لم يعقلوه هاهنا ولا أروه وليس له أنموذج في الدنيا.
стр. 268
والجنة مائة درجة، وإنما وصف منها ثلاث درجات الذهب والفضة والنور، ثم من وراء ذلك غير معقول، ولا تحمله العقول.
وكذلك ما في الدنيا من الشدة والعذاب فهو أنموذج دار العقاب، ثم من وراء ذلك ما لا تحمله العقول من ألوان العذاب، كل ذلك يخرج لهم من غضبه ولأهل الجنة من رحمته.
فكل من تناول من عبيده من دنياه ما أبيح له وشكره عليها أبدل له من الجنة ما يدق هذا في جنبه، ومن تناول ما لم يبح له فقد حرم نفسه حظها من الدرجات، ومن كذب بها حرم الجنة بما فيها أجمع.
فلأهل الجنة عرائس وولائم وضيافات، فالعرائس للدعوة، وذلك أن رب العزة سبحانه دعاهم إلى دار السلام ليجدد لهم أبدانًا طرية وأعمارًا أبدية، والولائم للأزواج والضيافات للزيارة، ولأهل الجنة تلاق وزيارات فيما بينهم، ومتحدث في مواطن الألفة، ومجتمع في ظل طوبي يلقون الرسل هناك ويزورونهم ومجالس الملائكة فيما بينهم سلام الله عليهم أجمعين.
وأسواق يأتونها يتخيرون الصور، وهدايا من الرحمن في أوقات الصلوات، يغدى ويراح عليهم من ألوان الأطعمة والأشربة والفواكه بكرة وعشيًا، أرزاقهم دارة لا مقطوعة ولا ممنوعة، ومزيد من الله يومًا بيوم، فإذا أتاهم المزيد نسوا ما قبله، ثم لهم منتزه يخرجون إليه في رياض على شاطئ نهر الكوثر، عليه خيام الدر مضروبة، والخيمة ستون ميلًا في عرض مثله، من لؤلؤة واحدة ليس لها باب، فيها جواز عبقات، لم ينظر إليهن ملك ولا أحد من أهل الجنة من الخدام والحور، وهو قوله : ﴿فيهن خيرات حسان﴾ [الرحمن: ٧٠].
وإذا قال الله لهن ﴿حسان﴾ فمن يقدر أن يصف حسنهن، ثم قال الله تعالى: ﴿حور مقصورات في الخيام﴾ [الرحمن: ٧٢].
فتلك خيرة الرحمن اختار صورهن الحسان من بين الصور، أبدعن من سحائب الرحمة، فإذا أمطرت أمطرت جواري حسانًا على مشيئة الكريم، نور وجوههن من نور العرش، فضربت عليهن خيام الدر فلم يرهن أحد منذ خلقن، فهن مقصورات في الخيام قد قصرن - أي حبس - على أزواجهن من جميع الخلق.
стр. 269
فأهل الجنة يتنعمون في القصور مع الأزواج، ويلبثون في النعمة ما شاء الله، حتى إذا كان اليوم الذي يريد الله أن يجدد لهم نعمة ونزهة، نودوا في درجات الجنان: يا أهل الجنان، إن هذا يوم نزعة وسرور وتفسح وحبور، فاخرجوا إلى متنزهكم، فيخرجون على خيول الدر والياقوت من أبواب مدائنهم إلى تلك الميادين، ثم يسيرون من الميادين إلى تلك الرياض على شاطئ نهر الكوثر، فيهديهم الله إلى منازلهم، فينزل كل رجل منهم عند خيمته ولا باب لها، فتصدع الخيمة عن باب، وذلك بعين ولي الله تعالى، ليعلم أن التي فيها لم يطلع عليها أحد، وفاء لما قدم الله من الوعد في دار الدنيا حيث قال: ﴿فيهن خيرات حسان﴾ [الرحمن: ٧٠]، ثم قال تعالى: ﴿حور مقصورات في الخيام﴾ [الرحمن: ٧٢]، ثم قال : ﴿لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان﴾ [الرحمن: ٧٤].
فيستوى معها على سرير النزهة في تلك الحجال، فيمال عليهم من وليمتها، فإذا طعموا الولائم سقاهم الله شرابًا طهورًا، وتفكهوا بطرف الفواكه التي جدد الله لهم من تلك الهدايا في ذلك اليوم والحلي والحلل، فخلع عليهم كسوة الرحمن، واشتغلوا بالخيرات الحسان، يقضون منهن الأوطار والنهمات، ثم يتحولون إلى مجالس العبقريات الموشاة بألوان النقوش على شواطئ الأنهار في تلك الرياض، يركبون الرفارف الخضر ويتكئون عليها وهو قوله تعالى: ﴿متكئين على رفرف خضر وعبقري حسان﴾ [الرحمن: ٧٦].
وإذا قال الله لشيء ﴿حسان﴾، فماذا بقى، فالرفرف، هو شيء إذا استوى عليه رفرف به وأهوى كالأرجوحة يمينًا وشمالًا ورفعًا وخفضًا يتلذذ مع أنيسه.
فإذا ركبوا الرفارف أخذ إسرافيل ﵇ في السماع، وروى في الخبر "أنه ليس أحد من خلق الله أحسن صوتًا من إسرافيل ﵇".
فإذا أخذ في السماع قطع على أهل سبع سموات صلاتهم وتسبيحهم، فإذا ركبوا الرفارف وأخذ إسرافيل في السماع بألوان الأغاني تسبيحًا وتقديسًا للملك القدوس، فلم يبق في الجنة شجرة إلا وردت، ولم يبق ستر ولا باب إلا ارتج وانفتح، ولم يبق حلقة باب إلا طنت طنينها، ولم يبق أجمة من آجام الذهب والفضة إلا وقع هبوب الصوت في مقاصبها، فزمرت تلك المقاصب بفنون الزمر، ولم تبق جارية من جواري
стр. 270
الحور العين إلا غنت بأغانيها والطير بألحانها، فيوحي الله إلى الملائكة أن جاوبوهم، وأسمعوا عبادي الذين نزهوا أسماعهم عن مزامير الشيطان فيجاوبون بألحان وأصوات روحانية، فتختلط هذه الأصوات فتصير رجة واحدة.
ثم يقول الله تعالى: قم يا داود عن ساق عرشي فمجدني، فيندفع داود في تمجيد ربه بصوت يغمر الأصوات ويحليها، وتتضاعف اللذة وأهل الخيام على تلك الرفارف تهوى بهم، وقد حفت بهم أفانيس اللذات والأغاني، فذلك قوله : ﴿فهم في روضة يحبرون﴾ [الروم: ١٥]- قال يحيى بن كثير ﵀: الروضة: اللذة والسماع -.
فبينما هم على لذاتهم وسرورهم إذ يفتح لهم باب الملك القدوس من جنة عدن، فارتجت أصوات صفوف الروحانيين من باب جنة عدن بتماجيد الماجد الكريم إلى درجات الجنان، وثارت ريح عدنية بألوان الطيب والروح والنسيم وهو نسيم القربة، وسطع على أثر ذلك نور فأشرقت منه رياضهم وخيامهم وشواطئ أنهارهم، وامتلأ كل شيء منهم نورًا، ثم ناداهم الجليل ﷻ من فوق رؤوسهم: السلام عليكم أحبائي وأوليائي وأصفيائي يا أهل الجنة كيف وجدتم منتزهكم، هذا يومكم بدل نيروز أعدائي، طلبوا يومًا من الدنيا ليجددوا على أنفسهم النعمة التي قد كدروها على أنفسهم لخبثهم وشقائهم، فلم ينالوا ما طلبوا من اللذة، وخسروا في جنب ما طلبوا في العاجل، ولم يتصبروا حتى ينالوا هذا الذي أعددت في الأجل لأهل طاعتي، فأعرضتم عما إليه أقبلوا، وأمتنعتم مما فيه تنافس أهل الدنيا، فاليوم يذوقون وبال ما تنافسوا فيه وشيكًا ما انقطع به ما طلبوا من اللذة والنهمة في دار الفناء، وصاروا إلى الذل والهوان، وجزيتم بما صبرتم جنة وحريرًا، ومنتزهًا وسلامًا، وهذا يوم نيروزكم ومنتزهكم، وهذا يوم زيارتكم في داري في جنة عدن، وطالما رأيتكم في أيام الدنيا في مثل ذلك اليوم مشتغلين بعبادتي وطاعتي، والمترفون في لهوهم ولبسهم سكارى حيارى عصاة متمردين، يتنعمون بحطام الدنيا، ويفرحون بتداولها بينهم، وأنتم تراقبون جلالي، وتحفظون حدودي وترعون عهدي وتشفقون على حقوقي.
ويفتح لهم باب من أبواب النيران فيفور لهبها ودخانها وصراخ أهلها وعويلهم، لينظر أهل الجنان من هذه المجالس إلى ما من الله عليهم، فيزدادون غبطة وسرورًا.
وينظر أهل النار من تلك السجون والمحابس في تلك الأغلال والقيود فيتحسرون
стр. 271
على ما فاتهم، فيستغيثون بوجوه أهل الجنان إلى الله، وينادونهم بأسمائهم، فيقول الله تبارك اسمه: ﴿إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون * هم وأزواجهم في ظلال على الأرائك متكئون * لهم فيها فاكهة ولهم ما يدعون * سلام قولًا من رب رحيم * وامتازوا اليوم أيها المجرمون * ألم أعهد إليكم يا بني آدم ألا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين * وإن اعبدوني هذا صراط مستقيم﴾ [يس: ٥٥ - ٦١].
فتجيش لهم النار فتفرق جمعهم وينقطع نداؤهم، فترمى بهم إلى جزائر في النار، فإذا أخرجوا إليها دبت إليهم عقارب لها أنياب كأمثال النخل، ثم يقبل عليهم سيل من نار من تحت العرش حشوه غضب الله، فيحملهم فيفرقهم في بحار النيران، وينادي مناد من قبل الله تعالى: هذا يومكم الذي كنتم تبارزوني فيه بالعظائم، وتتمردون على بنعمتي، وتفرحون في دار الأحزان والعبودية بما تضاهون به ما أعددت لأهل طاعتي، فقد انقطعت عنكم تلك اللذات، فذوقوا وبال ما آثرتموه، فإن أهل الجنة قد شغلوا عنكم بالتنعيم بالولائم وألوان الفواكه وطرف الهدايا وافتضاض العذاري وركوب الرفارف، والتلذذ بالأغاني وألوان السماع وسلامي عليهم وإقبالي بالبر واللطف إليهم، والمزيد ما يستفرغ نعمهم ليتهنوا بنعيمهم ويزدادوا به لذة على لذتهم.
فيا أهل الجنة هذا لكم بدل يوم أعدائي الذين تباشروا وأهدوا إلى ملوكهم وقبلوا هداياهم وأنتم الفائزون.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: "قال رجل لرسول الله ﷺ : إني رجل قد حبب إلى الصوت الحسن فهل في الجنة صوت حسن؟ قال ﷺ : أي والذي نفسي بيده، إن الله ليوحي إلى شجرة في الجنة أن أسمعي عبادي الذين اشتغلوا بعبادتي وذكرى عن عزف البرابط والمزامير، فترفع بصوت لم تسمع الخلائق بمثله من تسبيح الرب وتقديسه".
وعن أبي قلابة ﵀ قال: قال رجل لرسول الله ﷺ : "هل في الجنة من ليل؟ قال ﷺ : وما هيجك على هذا؟ قال: سمعت الله يذكر في الكتاب: ﴿ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيًا﴾ [مريم: ٦٢] فقلت: الليل بين البكرة والعشى، فقال رسول الله ﷺ : ليس هناك ليل إنما هو ضوء ونور، يرد الغدو على الرواح والرواح على الغدو،
стр. 272
ويأتيهم طرف الهدايا من الله لمواقيت الصلوات التي كانوا يصلونها في الدنيا، وتسلم عليهم الملائكة".
فمن أراد أن يكون له حظ في هذا العيش اللذيذ الدائم، فعليه بحفظ حدود وشروط التقوى، وهي مذكورة في قوله : ﴿ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوى القربى واليتامى والمساكن وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون﴾ [البقرة: ١٧٧] وعليه بالإتيان بحدود الإسلام وأجزائه.
وروى عن حذيفة بن اليمان ﵄ أنه قال في تفسير قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة﴾ [البقرة: ٢٠٨] الإسلام ثمانية أسهم:
الصلاة سهم، والزكاة سهم، والصيام سهم، والحج سهم، والعمرة سهم، والجهاد سهم، والأمر بالمعروف سهم، والنهي عن المنكر سهم، وقد خاب من لا سهم له.
وعن عاصم، يعني الأحوال، عن أنس بن مالك ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: "مثل الإسلام كمثل الشجرة الثابتة، الإيمان بالله أصلها، والصلوات الخمس فروعها، وصيام شهر رمضان لحاؤها، والحج والعمرة جناها، والوضوء والغسل من الجنابة شربها، وبر الوالدين وصلة الرحم غصونها، والكف عن محارم الله ورقها، والأعمال الصالحة ثمرها، وذكر الله عروقها"، ثم قال ﷺ : "كما لا تحسن الشجرة ولا تصلح إلا بالورق الأخضر، كذلك لا يصلح الإسلام إلا بالكف عن المحارم، والأعمال الصالحة".
стр. 273
(فصل) في صفة النار وما أعد الله لأهلها فيها وفي صفة الجنة وما أعد الله لأهلها فيها
عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا كان يوم القيامة واجتمع الخلائق ليوم لا ريب فيه في صعيد واحد، غشيتهم ظلمة سوداء لا ينظر بعضهم بعضًا من شدة الظلمة، والخلائق قيام على صدور أقدامهم، وبينهم وبين ربهم مسيرة سبعين عامًا.
قال: فبينما هم كذلك إذ تجلى الخالق ﵎ للملائكة، فأشرقت الأرض بنور ربها، وانجلت الظلمة فغشي الخلائق كلهم نور ربهم، والملائكة حافون من حول العرش يسبحون بحمد ربهم ويقدسون له.
قال: فبينما الخلائق قيام كلهم صفوفًا، كل أمة قائمة في ناحية، إذ أتى بالصحف والميزان، ووضعت الصحف وعلق الميزان بيد ملك من الملائكة يرفعه مرة ويخفضه مرة أخرى، قال: فبينما هم كذلك إذ كشف الغطاء عن الجنة فأزلفت، فهبت منها ريح فوجد المسلمون عرفها كالمسك وبينهم وبينها مسيرة خمسمائة عام، ثم كشف الغطاء عن جهنم فهبت منها ريح مع دخان شديد، فوجد المجرمون عرفها وبينهم وبينها مسيرة خمسمائة عام.
ثم جئ بها تقاد موثقة بسلسلة عظيمة عليها تسعة عشر خازنًا من الملائكة، مع كل خازن منهم سبعون ألف ملك أعوان له، فيقودها كل خازن منهم مع أعوانه، وسائر الخزان مع أعوانهم يمشون عن يمينها وشمالها وورائها، بيد كل ملك منهم مقمعة من حديد يصيحون بها، فتمشى ولها زفير وشهيق ووعث وظلمة ودخان وتقعقع ولهب عال من شدة غضبها على أهلها، فينصبونها بين الجنة والموقف، فترفع طرفها، فتنظر إلى الخلائق، ثم تجمع إليهم لتأكلهم، فيحبسونها خزنتها بسلاسلها، فلو تركت لأتت على كل مؤمن وكافر.
فلما رأت أنها قد حبست عن الخلائق فارت فورًا شديدًا ﴿تكاد تميز من الغيظ﴾ [الملك: ٨].
стр. 274
ثم شهقت الثانية فتسمع الخلائق صوت صريف أسنانها فارتعدت عند ذلك الأفئدة، وانخلعت القلوب وطارت الأفئدة وشخصت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر.
قال قائل: يا نبي الله حلها لنا، قال ﷺ : نعم، هي مثل هذه الأرض عظمًا سبعون جزاء من بعد، سوداء مظلمة لها سبعة رؤوس، لكل رأس منها ثلاثون بابًا، طول كل باب منها مسيرة ثلاث ليال، وشفتها العليا تضرب منخرها، والشفة السفلى تسحبها، وفي كل منخر من مناخرها وثاق وسلسلة عظيمة، يمسكها سبعون ألف ملك غلاظ شداد كالحة أنيابهم أعينهم كالجمر وألوانهم كلهب النار، يفور من مناخرهم لهب، ودخان عال، مستعدين لأمر الجبار ﵎.
قال: فحينئذ تستأذن جهنم ربها في السجود، فيقول لها: نعم اسجدي، قال: فتسجد ما شاء الله، قال: ثم يقول لها الجبار : ارفعي، قال: فترفع رأسها فتقول: الحمد لله الذي جعلني ينتقم بي ممن عصاه، ولم يجعل شيئًا ممن خلق ينتقم به مني، قال: ثم تقول بلسان طلق ذلق سلق: الحمد لله ما شاء الله من ذلك بصوت لها جهير، ثم تزفر زفرة فلا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل ولا أحد ممن شهد الموقف إلا جثا على ركبتيه، ثم تزفر الثانية فلا تبقى قطرة في عين أحد إلا بدرت، ثم تزفر الثالثة فلو كان لكل آدمي أو جني عمل اثنين وسبعين نبيًا لواقعوها، ثم تزفر الرابعة فلا يبقى شيء إلا انقطع كلامه، غير أن جبريل وميكائيل وإبراهيم خليل الرحمن متعلقون بالعريش يقول كل واحد منهم: نفسي نفسي لا أسألك غيرها.
قال" ثم ترمى بشرر كعدد نجوم السماء، عظم كل شرارة كالسحابة العظيمة، الطالعة من المغرب، فيقع ذلك الشرر على رؤوس الخلائق، قال: ثم ينصب الصراط عليها فهيأ له سبعمائة قنطرة، ما بين كل قنطرتين منها سبعون عامًا، وقيل: سبع قناطر، وعرض الصراط من الطبقة الأولى إلى الطبقة الثانية مسيرة خمسمائة عام، ومن الثانية إلى الثالثة مسيرة خمسمائة عام، ومن الثالثة إلى الرابعة مثلها، ومن الرابعة إلى الخامسة مثلها، ومن الخامسة إلى السادسة مثلها، ومن السادسة إلى السابعة مسيرة خمسمائة عام وهي أعرضهن وأشدهن حرًا وأبعدهن قعرًا وأكثرهن جمرًا وأكثرهن ألوانًا بسبعين جزءًا، فأما الطبقة الدنيا فقد جاز لهبها الصراط يمينًا وشمالًا في السماء مسيرة ثلاثة أميال، وكل طبقة أشد حرًا وأكبر جمرًا وأكثر في ألوان العذاب من التي فوقها بسبعين جزءًا، في
стр. 275
كل طبقة بحر وأنهار وجبال وشجر، طول كل جبل منها في السماء مسيرة سبعين عامًا، وفي كل طبقة منها سبعون جبلًا، وفي كل جبل منها سبعون ألف شعبة، في كل شعبة منها سبعون ألف شجرة ضريع، لكل شجرة منها سبعون شعبة، على كل شعبة منها سبعون حية وسبعون عقربًا، طول كل حية منها مسيرة ثلاثة أميال، فأما العقارب فكالبخاتي العظام، على كل شجرة منها سبعون ألف ثمرة، في كل ثمرة رأس شيطان، في جوف كل ثمرة منها سبعون دودة طول كل دودة منها مسيرة غلوة، ومنها ثمر ليس فيه دود وليس فيه شوك.
وكان ﷺ يقول: "إن لجهنم سبعة أبواب، لكل باب منها سبعون واديًا، قعر كل واد منها مسيرة سبعين عامًا، ولكل واد منها سبعون ألف شعبة، وفي كل شعبة منها سبعون ألف مغارة، وفي كل مغارة سبعون ألف شق، كل شق منها مسيرة سبعين عامًا، في جوف كل شق منها سبعون ألف ثعبان، في شدق كل ثعبان منها سبعون ألف عقرب، لكل عقرب منها سبعون ألف فقارة، في كل فقارة قلة سم لا ينتهي الكافر ولا المنافق حتى يوافى ذلك كله".
قال: فبينما الخلائق جاثون على ركبهم وجهنهم تخطر كما يخطر الجمل المغتلم، قال: فينادي مناد بصوت عال، فيقوم النبيون والصديقون والشهداء والصالحون، ثم عرضوا عرضة ردت فيها المظالم، ثم عرضوا الثانية فتجادلت الأرواح والأجساد وظهرت الأجساد على الأرواح، ثم عرضوا على الله الثالثة، فطارت الصحف فوقعت في أيدي الخلق، فمنهم من أوتى كتابه بيمينه، ومنهم من أوتى كتابه بشماله، ومنهم من أوتى كتابه وراء ظهره.
فأما الذين أوتوا كتابهم بأيمانهم فأعطوا نورًا من نور ربهم، وهنتهم الملائكة بكرامتهم، فجازوا الصراط برحمة ربهم، ودخلوا جنانهم فلقيتهم خزانهم عند أبواب جنانهم بكسوتهم ومراكبهم وبالحلية التي تنبغي لهم، فافترقوا إلى منازلهم وانقلبوا مسرورين إلى قصورهم، فدخلوا على أزواجهم فنظروا إلى ما لا عين رأت وتصف ألسنتهم، ولم تبصر أبصارهم، ولم يخطر على قلوبهم، فأكلوا وشربوا ولبسوا حليتهم ثم اعتنقوا أزواجهم ما قدر لهم، ثم حمدوا خالقهم الذي أذهب عنهم حزنهم، وآمنهم من فزعهم، ويسر لهم حسابهم، ثم شكروا ما أعطاهم ربهم، فقالوا: ﴿الحمد لله الذي
стр. 276
هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله﴾ [الأعراف: ٤٣].
فقرت أعينهم بما تزودوا من دنياهم، كانوا موقنين مؤمنين مصدقين خائفين راجين راغبين، فعند ذلك نجا الناجون وهلك الكافرون.
وأما الذين أوتوا كتابهم بشمالهم ومن وراء ظهورهم فاسودت وجوههم وانقلبت زرقًا عيونهم، ووسموا على خراطيمهم وعظمت أجسادهم، وغلظت جلودهم وهتفوا بويلهم حين نظروا إلى كتابهم، وعاينوا ذنوبهم، لم يغادروا صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوها مثبتة في كتابهم، فهم
كاسف بالهم سيء ظنهم شديد رعبهم كثير همهم، منكسة رؤوسهم خاشعة أبصارهم خاضعة رقابهم، يسارقون النظر إلى نارهم، لا يرتد إليهم طرفهم، لأنهم عاينوا أمرًا عظيمًا كبيرًا مفظعًا جليلًا طامًا مكربًا مفزعًا مرعبًا محزنًا مخسئًا مهمًا للقلوب وللعيون مبكيًا، فأقروا بالعبودية لربهم واعترفوا بذنوبهم وكان اعترافهم عليهم نارًا وعارًا وتحزنًا وشقاء وإلزامًا وسخطًا.
قال: فبينما القوم بين يدي ربهم جاثون على ركبهم بذنوبهم معترفون، زرقًا أعينهم لا يبصرون، هاوية قلوبهم فلا يعقلون، مرجفة أوصالهم فلا يتكلمون، منقطعة أرحامهم فلا يتواصلون ﴿فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون﴾ [المؤمنون: ١٠١].
أصيبوا في أنفسهم فلا ينجبرون، ويسألون الرجعة فلا يجابون، قد أيقنوا بما كانوا يكذبون، فهم عطاش لا يروون، وجياع لا يشبعون، وعراة لا يكتسون، مغلوبون لا ينصرون، محزنون مسلوبون، مخسورون أنفسهم وأهليهم وأموالهم ومكاسبهم.
قال: فبينما القوم كذلك إذ أمر الله تعالى خزنة جهنم أن يخرجوا منها ومعهم أعوانهم، وأن يحملوا آداتهم من السلاسل والأغلال والمقامع، قال: فخرجوا منها على ناحية ينتظرون بماذا يؤمرون.
قال: فلما نظر إليهم الأشقياء وعاينوا وثاقهم وثيابهم عضوا أيديهم، فأكلوا أناملهم وهتفوا بويلهم وفاضت دموعهم وزلزلت أقدامهم ويئسوا من كل خير، فيقول خذوهم فغلوهم ثم الجحيم صلوهم ثم في سلسلة فأوثقوهم.
قال: فمن شاء الله أن يلقيه في تلك الأطباق دعا خزانها، فقال لهم خذوهم، فابتدر إلى كل إنسان منهم سبعون ملكًا، فشددوا وثاقهم وجعلوا الأغلال الثقال في أعناقهم والسلاسل في مناخرهم، فخنقوا وجمعوا بين نواصيهم وأقدامهم من وراء ظهورهم،
стр. 277
فتكسرت أصلابهم.
قال: فلما فعل ذلك بهم شخصت أبصارهم وانتفخت أوداجهم، واحترقت لحوم رقابهم وسلخت عروقهم، واشتعل حر الأغلال في رؤوسهم، فغلت منها أدمغتهم، ففاضت على جلودهم حتى وقعت على أقدامهم فتساقطت منها جلودهم واخضرت منها لحومهم، فسال منها صديدهم.
قال: فلما جعلت الأغلال في أعناقهم ملأت ما بين مناكبهم إلى آذانهم، فاحترقت لحومهم وتقطعت شفاههم وبدت أنيابهم وألسنتهم بصوت وصراخ، ووهج لها لهب عال يجرى حرها مجرى الدم في عروقها مجوفة، ويجرى خلالها لهب النار فيبلغ حر تلك الأغلال قلوبهم، فتسلخت حتى بلغت حناجرهم، فاشتد خناقهم وانقطعت أصواتهم وفنيت جلودهم.
قال: فبينا هم كذلك أمر الله تعالى خزنة جهنم أن يكسوهم ثيابًا، قال: فألبسوهم ثيابهم وسرابيلهم شديدًا سوادها، ومنتنًا ريحها وخشنًا مسها تلظى من شدة حرها، لو وضعت على جبال الأرض أذابتها.
قال: ثم يقول الله لخزنة جهنم: سوقوهم إلى منازلهم، قال: فيأتون بسلاسل أخر أطول وأغلظ من اللاتي أوثقوا فيها، قال: فيأخذ كل ملك سلسلة من تلك السلاسل فيقرن فيها أمة من الأمم، ثم يضع طرفها على عاتقه فيوليهم ظهره، ثم ينطلق بهم مسحوبين على وجوههم، في دبر كل أمة منهم سبعون ألف ملك، يضربونهم بمقامع حتى يأتوا بهم جهنم فيوقفونهم عليها.
قال: ثم تقول لهم الملائكة: ﴿هذه النار التي كنتم بها تكذبون * أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون * أصلوها فاصبروا أو لا تصبروا سواء عليكم إنما تجزون ما كنتم تعملون﴾ [الطور: ١٤ - ١٦].
قال: فلما أوقفوا عليها فتحت لهم أبوابها وكشف عنها غطاؤها، فتسعرت وألهبت نارها، فخرج منها دخان شديد مع شرر كعدد نجوم السماء فطارت إلى السماء مقدار سبعين عامًا، ثم رجع ذلك فوقع على رؤوسهم، فاحترقت أشعارهم وانقلعت جماجمهم.
قال: ثم صرخت جهنم بأعلى صوتها: إلى يا أهل النار إلى يا أهل النار، أما وعزة
стр. 278
ربي لأنتقمن منكم.
ثم قالت: الحمد لله الذي جعلني أغضب لغضبه وينتقم بي من أعدائه، رب زدني حرًا إلى حرى وقوة إلى قوتي.
قال: فتخرج منها ملائكة أخر، فيستقبل كل أحد منهم أمة من الأمم، فيرفعهم براحته فيكبهم في جهنم على وجوههم، فيهوون على رؤوسهم مقدار سبعين عامًا من قبل أن يبلغوا رؤوس جبالها.
قال: وإذا بلغوا رؤوس جبالها لم يتقاروا عليها حتى يبدل لكل إنسان منهم سبعون جلدًا.
قال: فأول أكلة يأكلون على رؤوس تلك الجبال أكلة من الزقوم، ظاهرة حرارتها شديدة مرارتها كثير شوكها.
قال: فبينما هم يمضغون أكلتهم تلك، إذ أتتهم الملائكة يضربونهم بمقامعهم فتكسرت عظامهم ثم أخذوا بأرجلهم فألقوهم في جهنم فهووا على رؤوسهم مقدار سبعين عامًا من قبل أن يتقاروا في شعابها.
قال: فما تقاروا في شعابها حتى يبدل لكل إنسان منهم سبعون جلدًا.
قال: وأكلتهم تلك في أفواههم لا يستطيعون أن يسيغوها، قال: فتجتمع الأكلة والقلب عند الحلق فيغص بها، فيستغيث كل إنسان منهم بالشرب فإذا في تلك الشعاب أودية تنصب إلى جهنم.
قال: فينطلقون يمشون حتى يردوها، فينكبون عليها يشربون منها.
قال: فتتقطع جلودهم وجوههم فتقع فيها.
قال: فلا يستطيعون أن يشربوا منها.
قال: فيعرضون عنها إعراضه فتدركهم الملائكة وهم منكبون على تلك العيون، فيضربونهم فتكسر عظامهم ثم يأخذون بأرجلهم فيلقونهم في جهنم، فيهوون على رؤوسهم مقدار أربعين ومائة عام في لهب ودخان شديد من قبل أن يتقاروا في أوديتها.
قال: فلا يتقارون في أوديتها حتى يبدل لكل إنسان منهم سبعون جلدًا. قال: ومنتهى تلك العيون في تلك الأودية.
قال: فيشربون منها فإذا هي ماء حميم، فلا يتقار في بطونهم حتى يبدل الله لكل
стр. 279
إنسان منهم سبعة جلود.
قال: فإذا تقار في بطونهم قطع أمعاءهم، فخرجت من مقاعدهم وجرى باقية في عروقهم، فذابت لحومهم، وتصدعت عظامهم وأدركتهم الملائكة فضربت وجوههم وأدبارهم ورؤوسهم بمقامعهم، لكل مقمع منها ثلاثمائة وستون حرفًا، فإذا ضربت بها رؤوسهم انقعلت جماجمهم وتكسرت أصلابهم، وسحبوا في النار على وجوههم حتى توسطوا جحيمها، فاشتعلت النار في جلودهم وتشعبت في آذانهم، فخرج لهبها من مناخرهم وأضلاعهم، وتفجر الصديد من أجسادهم، وخرجت أعينهم فتعلقت على خدودهم، ثم قرنوا مع شياطينهم الذين كانوا يطيعونهم، وآلهتهم التي كانت مستغاثهم، فألقوا في أماكن ضيقة مقرنين، فهتفوا بويلهم ثم جئ بأموالهم فأحميت في نارهم، فكويت بها جباهم وجنوبهم ووضعت على ظهورهم فخرجت من بطونهم، فهم أولياء جهنم وقرناء الشياطين والحجارة، وعلقوا بخطاياهم كالجبال ليشتد عليهم العذاب فطول أحدهم مسيرة شهر وعرضه مسيرة خمسة أيام وغلظه مسيرة ثلاث ليال ورأسه مثل الأقرع وهو جبل بأقصى الشام، في فيه اثنان وثلاثون نابًا، قد خرج بعضها من رأسه وبعضها من أسفل لحيته وأنفه مثل الرابية العظيمة، طول شعر رأسه وغلظه مثل شجرة الأرز وكثرته كآجام الدنيا، وشفته العليا قالصة، والسفلى تسعون ذراعًا، وطول يده مسيرة عشرة أيام وغلظها مسيرة يوم، وفخذه مثل ورقان وغلظ جلده أربعون ذراعًا بذراعه، وطول ساقه مسيرة خمس ليال وغلظها يوم، كل حدقة له مثل حراء، وهو جبل بمكة، إذا صب فوق رأسه القطران اشتعلت فيه النار، فلم تزدد إلا التهابًا.
قال: وكان النبي ﷺ يقول: والذي نفسي بيده لو أن رجلًا خرج من النار يجر سلسلة مغلولة يداه إلى عنقه، في عنقه الأغلال وفي رجليه الكبول، ثم رآه الخلائق لانهزموا عنه وفروا منه كل مفر.
قال: فمن شدة حرها وغمها وألوان عذابها وضيق منازلها، اخضرت لحومهم وتصدعت عظامهم وغلت أدمغتهم ففارت على جلودهم، واحترقت جلودهم فغضت أوصالهم، فسال منها صديدهم، فتدودت أجسامهم وسمنت ديدانهم وصارت مثل حمر الوحش، لها أظافير مثل أظافير النسور والعقبان، تشتد ما بين جلدهم ولحمهم،
стр. 280
وتنهشهم، وتزفر زفرة، وتتردد كما يتردد الوحش المذعور، يأكلن لحمه ويشربن دمه، ليس لها مأكل ولا مشرب غيرها، ثم تأخذهن الملائكة فتسحبهم على وجوههم على الجمر والحجارة كأنها أسنة، مستعدين منطلقين بهم إلى بحر جهنم، مسيرة سبعين عامًا، فلا يبلغونه حتى تنقطع أوصالهم وتبدل جلودهم كل يوم سبعين ألف مرة، فإذا انتهى إلى خزنتها أخذوا بأرجلهم فدفعوهم فيه، فلا يعلم أحد قعر ذلك البحر إلا الذي خلقه.
وقد قيل: إنه مكتوب في بعض أسفار التوراة: أن بحر الدنيا عند بحر جهنم كعين صغيرة في ساحل بحر الدنيا.
قال: فإذا قذفوا فيه ووجدوا مس العذاب قال بعضهم لبعض: كأنما الذي عذبنا به قبل هذا حلم.
قال: فيغمسون مرة ويرتفعون ويغلى فتقذفهم سبعين باعًا، بعد كل باع كبعد المشرق من المغرب ثم تسوقهم الملائكة بمقامعهم، فيضربونهم بها ويردونهم إلى قعرها مسيرة سبعين عامًا، منها طعامهم وشرابهم فيرتفعون من قعرها مقدار أربعين ومائة عام فيريد أحدهم أن يتنفس، فتستقبله الملائكة بمقامعهم متبادرين إليه لضربه، غير أنه يذكر أنه إذا رفع رأسه وقع على رأسه سبعون ألف مقمع لا يخطئه شيء منها، فيرده سبعين عامًا في قعرها، كل باع منها كبعد المشرق من المغرب.
قال: فهم فيها ما شاء الله من ذلك، حتى تأكل لحومهم وعظامهم، وتبقى رواحهم، فيضربهم موجه سبعين عامًا، ثم تنبذهم إلى ساحل من سواحله فيه سبعون ألف مغارة، في جوف كل مغارة سبعون ألف شق، كل شق منها مسيرة سبعين عامًا، في جوف كل شق منها سبعون ألف ثعبان، طول كل ثعبان منها سبعون ذراعًا، لكل ثعبان منها سبعون نابًا، في كل ناب منها قلة سم، في شدق كل ثعبان منها ألف عقرب، لكل عقرب منها سبعون فقارة، في كل فقارة منها قلة من سم.
قال: فتخرج أرواحهم من ذلك البحر إلى تلك المغارة، فتجدد لهم أجساد وجلود، ويغلون في الحديد، فتخرج عليهم تلك الحيات والعقارب فتعلق في كل إنسان منهم سبعون ألف حية وسبعون ألف عقرب، فيصبرون، ثم ترتفع إلى ركبهم فيصبرون، ثم ترتفع إلى صدورهم فيصبرون، ثم ترتفع إلى تراقيهم فيصبرون، ثم ترتفع فتعلق
стр. 281
بمناخرهم وشفاههم وألسنتهم وآذانهم فيجزعون، وليس لهم مستغاث إلا أن يهربوا إلى جهنم، فيقعوا فيها.
فأما الحيات فتمضغ لحومهم وتنشف دماءهم، وأما العقارب فتلدغهم فتتساقط لحومهم وتقطع أوصالهم، فإذا وقعوا في النار مكثت النار سبعين عامًا لا تحرقهم من سم الحيات والعقارب.
قال: ثم تحرقهم النار سبعين عامًا، ثم تجدد لهم جلود غير جلودهم، ثم يستغيثون بالطعام، فتأتيهم الملائكة بطعام يقال له الوليمة، وهو أشد يبسًا من الحديد، فيمضغونه فلا يستطيعون أن يأكلوا منه شيئًا، فيلقونه من أفواههم ويبدأون بأيديهم من شدة الجوع، فيأكلون أناملهم ثم يأكلون أكفهم، فإذا أكلوها بدأوا بسواعدهم فأكلوها أيضًا إلى مرافقهم، ثم بدأوا بمرافقهم فأكلوها إلى مناكبهم، فتبقى رؤوس المناكب، ولو نالوا بعدها شيئًا من أجسادهم بأفواههم لأكلوه فإذا فعلوا ذلك بأجسادهم أخذوا فنوطوا بعراقيبهم بكلاليب من حديد على شجرة الزقوم.
قال: فنوط منهم سبعون ألفًا في شعبة واحدة فما تنحني، مصوبين على رؤوسهم، فيوقد تحتهم الحميم، فيستقبل حر النار وجوههم مقدار سبعين عامًا حتى تذوب أجسادهم وتبقى أرواحهم، ثم تجدد لهم جلود وأجساد، ثم يناطون بأناملهم ولهب النار من تحتهم، تدخل من مقاعدهم وتأكل من أفئدتهم حتى تخرج من مناخرهم وأفواههم ومسامعهم مقدار سبعين عامًا، حتى تذوب عظامهم ولحومهم وتبقى أرواحهم، ثم يتركون ويجدد لهم جلود وأجساد، ثم يناطون بأبصارهم مثلها، فلا يزالون يعذبون كذلك حتى لا يبقى مفصل في أجسادهم إلا نوطوا به مقدار سبعين عامًا، ولا تبقى شعرة في رؤوسهم إلا نوطوا بها، فيأتيهم الموت من مكان كل مفصل منهم، وما هم بميتين ومن ورائهم عذاب غليظ، فإذا فعل ذلك بهم كله أنزلوهم فانطلقوا بكل إنسان منهم إلى منزله مغلولًا بسلسلة مسحوبًا على وجهه.
قال: ولهم منازل فيها كقدر أعمالهم، فمنهم من يعطى منزلة مسيرة شهر طولها وعرضها مثل ذلك نار تتوقد لا ينزلها غيره.
ومنهم من يعطى منزلة مسيرة تسع وعشرين ليلة طولًا وعرضًا مثل ذلك، ثم كذلك تنتقص منازلهم وتضيق، حتى إن أحدهم ليعطى منزلة مسيرة يوم طولًا وعرضًا، ومن
стр. 282
نحو سعة منزلهم يعذبون.
فمنهم من يعذاب على القفا، ومنهم من يعذب جالسًا، ومنهم من يعذب جاثيًأ على ركبتيه، ومنهم من يعذب قائمًا على رجليه، ومنهم من يعذب منبطحًا على بطنه، فهذه المنازل كلها أضيق على أهلها من زج الرمح.
ومنهم من تكون ناره إلى كعبه، ومنهم من تكون ناره إلى ركبته، ومنهم من تكون ناره إلى حقويه، ومنهم من تكون ناره إلى سرته، ومنهم من تكون ناره إلى ترقوته، ومنهم من تكون ناره غرقًا، فمرة تعلو به ومرة تديره فتبلغه مسيرة شهر في قعرها.
فإذا وقعوا في منازلهم قرن كل منهم مع قرنائهم، فبكوا حتى تنزف دموعهم، ثم يبكون الدم بعدم الدموع، حتى لو أن السفن أرسلت إذا بكوا في دموعهم لجرت.
قال: ولهم يوم يجتمعون فيه في أصل الجحيم، ثم لا تكون جماعة أبدًا.
قال: فإذا أذن الله في ذلك اليوم نادى مناد في أصل الجحيم يسمع صوته أعلاهم وأسفلهم، وأدناهم وأقصاهم يقال له "حشر" يقول: يا أهل النار اجتمعوا، فيجتمعون أجمعون في أصل الجحيم، ومعهم الزبانية.
قال: فيأتمرون بينهم فيقول الذين استضعفوا ﴿للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعًا﴾ [إبراهيم: ٢١] في الدنيا ﴿فهل أنتم مغنون عنا من عذاب الله من شيء﴾ [إبراهيم: ٢١] ﴿قال الذين استكبروا إنا كل فيها إن الله قد حكم بين العباد﴾ [غافر: ٤٨].
وقال الذين استكبروا للذين استضعفوا ﴿لا مرحبًا بكم﴾ [ص: ٦٠] بنا تستغيثون، قال الذين استضعفوا للذين استكبروا: ﴿بل أنتم لا مرحبًا بكم أنتم قدمتوه لنا فبئس القرار﴾ [ص: ٦٠].
وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا ﴿ربنا من قدم لنا هذا فزده عذابًا ضعفًا في النار﴾ [ص: ٦١].
فقال الذين استكبروا للذين استضعفوا ﴿لو هدانا الله لهديناكم﴾ [إبراهيم: ٢١].
﴿وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل مكر الليل والنهار إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أندادًا﴾ [سبأ: ٣٣] فنتبرأ منكم وما كنتم تدعوننا إليه في الدنيا.
قال: ثم أقبلوا أجمعون على قرنائهم من الشياطين، فقالوا: أغويناكم كما غوينا، قال الشيطان عند آخر مقالتهم بصوت له عال: يا أهل النار ﴿إن الله وعدكم وعد
стр. 283
الحق﴾ [إبراهيم: ٢٢] ودعاكم الله فلم تجيبوا ولم تصدقوا ﴿و﴾ إني ﴿وعدتكم﴾ وعدًا ﴿فخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي﴾ [إبراهيم: ٢٢] فأنا أكفر اليوم بما عبدتموني من دون الله.
قال: ﴿فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين﴾ [الأعراف: ٤٤].
قال: فلعن عند ذلك الذين استضعفوا الذين استكبروا، ولعن الذين استكبروا الذين استضعفوا، ولعنوا قرناءهم من الشياطين، ولعنهم قرناؤهم، ثم قالوا لقرنائهم: يا ليت بيننا وبينكم بعد المشرقين، فبئس القرناء أنتم لنا اليوم، وبئس الوزراء كنتم لنا في الدنيا، فلما نظروا إلى جماعتهم قال بعضهم لبعض هلموا فلنطلب الخزنة، فلعلهم يشفعون لنا عند ربهم، فـ ﴿يخفف عنا يومًا من العذاب﴾ [غافر: ٤٩].
قالوا: نعم فنادوا بأجمعهم الخزنة ﴿ادعوا ربكم يخفف عنا يومًا من العذاب﴾ [غافر: ٤٩] قال: وهم على ذلك يعذبون.
قال: وبين مراجعة الخزنة إياهم مقدار سبعين عامًا ثم يراجعونهم، فيقولون: ﴿أولم تلك تأتيكم رسلكم بالبينات قالوا﴾ بأجمعهم ﴿بلى﴾ [غافر: ٥٠].
قال الخزنة: ﴿فادعوا وما دعاء الكافرين إلا في ضلال﴾ [غافر: ٥٠].
قال: فلما رأوا أن الخزنة لا ترد عليهم خيرًا استغاثوا بمالك، فقالوا: يا مالك ادع لنا ربك فليقض علينا الموت، فيمكث مالك مقدار الدنيا لا يجيبهم ولا يرد عليهم قولًا، ثم يراجعون فيقول: ﴿إنكم ماكثون﴾ [الزخرف: ٧٧] أحقابًا من قبل أن يقضى عليكم بالموت، فلما رأوا مالكًا لا يرد عليهم خبرًا استغاثوا بربهم، فقالوا: ﴿ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون﴾ [المؤمنون: ١٠٧].
يعني نقول إن عدنا في معصيتك، قال: فمكث الجبار مقدار سبعين عامًا لا يراجعهم بقولهم ولا يرد عليهم خيرًا، ثم أجابهم بقوله وأنزلهم منزله الكلاب ﴿اخسئوا فيها ولا تكلمون﴾ [المؤمنون: ١٠٨].
قال: فلما رأوا ربهم لا يرحمهم ولا يرد عليهم خيرًا، قال بعضهم لبعض: ﴿سواء علينا أجزعنا﴾ من العذاب ﴿أم صبرنا ما لنا من محيص﴾ [إبراهيم: ٢١]، ﴿فما لنا من شافعين * ولا صديق حميم﴾ [الشعراء: ١٠٠ - ١٠١]، ﴿فلو أن لنا كرة فنكون من
стр. 284
المؤمنين﴾ [الشعراء: ١٠٢].
قال: ثم تنصرف بهم الملائكة إلى مساكنهم، فزلت عند ذلك أقدامهم ودحضت حجتهم ونظروا ما عند ربهم ، ويئسوا من رحمة ربهم وتلقاهم الكرب الشديد ونزل بهم الخزي والهوان الطويل، فهتفوا بحسرتهم على ما فرطوا في دنياهم، وحملوا أوزارهم على رقابهم وأوزار أتباعهم، من غير أن ينقص شيء من أوزارهم وعذابهم أكثر من تراب أرضهم وقطر بحورهم مع زبانية سريع أمرهم غليظ كلامهم عظيمة أجسادهم كالبرق، وجوههم كالجمر، أعينهم كاللهب، ألوانهم كالحة، أنيابهم كصياصي البقر أظفارهم، يعنى القرون، والمقامع الطوال الثقال المحرقة بأيديهم لو ضربوا بها الجبال انصدعت، وكانت رميمًا، يضربون بها عصاه ربهم فيحق لهم أن تسيل عينهم الدم بعد الدموع، لأنهم إن دعوهم لم يجيبوهم، وإن بكوا لم يرحموهم، وإن استغاثوا بماء بارد لم يغيثوهم إلا بماء كالمهل يشوى الوجوه.
وكان النبي ﷺ يقول: "إنه لتأتى أهل النار سحابة عظيمة كل يوم فتبسط عليهم لها صواعق تخطف أبصارهم، ورعد يقصف ظهورهم، وظلمة لا يبصرون معها زبانيتهم، فتنادى تلك السحابة بصوت له جهر: يا أهل النار أما تريدون أن أمطركم؟ فيقولون بأجمعهم: امطرينا الماء البارد، فتمطرهم ساعة حجارة تقع على رؤوسهم فتقطع جماجمهم، ثم تمطرهم ساعة أخرى أنهارًا من حميم وجمرًا كثيرًا وشواظًا وخطاطيف من الحديد، ثم تمطرهم ساعة أخرى حيات وعقارب ودودًا وغسلين.
قال: فإذا أمطرت في جهنم سجر بحرها فماجت لججها وغضبت، فلم تترك في جهنم سهلًا ولا جبلًا إلا ارتفعت عليه، فغرقت أهل النار أجمعين من غير أن يموتوا.
قال: فتزداد جهنم على من فيها من العصاة غيظًا وحرًا وزفيرًا وشهيقًا ولهبًا ودخانًا وظلمة ووعثًا وسمومًا وحميمًا وجحيمًا وسعيرًا وشدة على من فيها لنقمة ربها".
فنعوذ بالله منها ومن أعمالها ومقارنة أهلها، اللهم ربنا وربها لا توردنا حياضها، ولا تجعل في أعناقها أغلالها، ولا تكسنا من ثيابها، ولا تطعمنا من زقومها، ولا تسقنا من حميمها، ولا تسلط علينا خزنتها، ولا تجعلنا مأكلة لنارهم، ولكن جوزنا برحمتك صراطها واصرف عنا شرورها ولهبها حتى تنجينا برحمتك منها ومن دخانها ومن كربها وعذابها، آمين يا رب العالمين.
стр. 285
وكان ﷺ يقول: "ولو أن أدنى باب من أبواب جهنم فتح بالمغرب لذابت منه جبال المشرق كما يذوب القطر، ولو أن شرارة من شرر جهنم طارت فوقعت بالمغرب ورجل بالمشرق لغلى دماغه حتى يفوز على جسده، وإن أدنى أهل النار عذابًا رجال تحذي لهم نعال من نار فتخرج من مسامعهم ومناخرهم وتغلي منها أدمغتهم، والذين يلونهم يلقون على صخرة من صخور جهنم فينتفضون فيها كما ينتفض الحب من المقلى الحار، وكلما سقطوا من صخرة وقعوا على أخرى ... ".
فأهل النار كلهم يعذبون على قدر أعمالهم، فنعوذ بالله من أعمالهم ومصيرهم.
قال ﷺ : "وأما عذاب الذين لا يحفظون فروجهم، فيناطون بفروجهم بقدر ما كانت في الدنيا حتى تذوب أجسادهم وتبقى أرواحهم، ثم يتركون فتجدد لهم أجساد وجلود، ثم يضربون، فيجلد كل إنسان منهم سبعون ألف ملك قدر ما كانت الدنيا حتى تذوب أجسادهم وتبقى أرواحهم، فذلك عذابهم".
وأما عذاب السارق، فيقطع عضوًا عضوًا ثم يجدد، فلذلك عذابه غير أنه يتبادر إلى كل إنسان منهم سبعون ألف ملك معهم الشفار.
وأما عذاب الذين يشهدون الزور، فيناطون بألسنتهم، ثم يجلد كل إنسان منهم سبعون ألف ملك حتى تذوب أجسادهم وتبقى أرواحهم.
وأما عذاب المشركين، فيجعلون في مغار جهنم ثم يغلق عليهم وفيها حيات وعقارب وحجر كثير ولهب ودخان شديد، يجدد لكل إنسان منهم كل ساعة سبعون ألف جلد فذلك عذابهم.
وأما عذاب الجبارين المتكبرين، فيجعلون في توابيت من نار ثم يقفل عليهم فتوضع في الدرك الأسفل من النار.
قال: فيعذب كل إنسان منهم كل ساعة تسعة وتسعين لونًا من العذاب، يجدد لهم في كل يوم ألف جلد، فذلك عذابهم.
قال: وأما الذين يغلون فيأتون بغلولهم ثم يلقى بهم في بحر جهنم ثم يقال لهم غوصوا حتى تخرجوا غلولكم لينتهوا إلى قعره، ولا يعلم قعره إلا الذي خلقه.
قال: فيغوصون ما شاء الله، ثم يخرجون رؤوسهم يتنفسون فيبتدر إلى كل إنسان منهم سبعون ألف ملك، مع كل ملك مقمع من حديد فيهوى بها إلى رأسه، فذلك
следующие страницы →