← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 17817

الغنية لطالبي طريق الحق

عبد القادر الجيلاني

Полный текст (666 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

بمناخرهم وشفاههم وألسنتهم وآذانهم فيجزعون، وليس لهم مستغاث إلا أن يهربوا إلى جهنم، فيقعوا فيها. فأما الحيات فتمضغ لحومهم وتنشف دماءهم، وأما العقارب فتلدغهم فتتساقط لحومهم وتقطع أوصالهم، فإذا وقعوا في النار مكثت النار سبعين عامًا لا تحرقهم من سم الحيات والعقارب. قال: ثم تحرقهم النار سبعين عامًا، ثم تجدد لهم جلود غير جلودهم، ثم يستغيثون بالطعام، فتأتيهم الملائكة بطعام يقال له الوليمة، وهو أشد يبسًا من الحديد، فيمضغونه فلا يستطيعون أن يأكلوا منه شيئًا، فيلقونه من أفواههم ويبدأون بأيديهم من شدة الجوع، فيأكلون أناملهم ثم يأكلون أكفهم، فإذا أكلوها بدأوا بسواعدهم فأكلوها أيضًا إلى مرافقهم، ثم بدأوا بمرافقهم فأكلوها إلى مناكبهم، فتبقى رؤوس المناكب، ولو نالوا بعدها شيئًا من أجسادهم بأفواههم لأكلوه فإذا فعلوا ذلك بأجسادهم أخذوا فنوطوا بعراقيبهم بكلاليب من حديد على شجرة الزقوم. قال: فنوط منهم سبعون ألفًا في شعبة واحدة فما تنحني، مصوبين على رؤوسهم، فيوقد تحتهم الحميم، فيستقبل حر النار وجوههم مقدار سبعين عامًا حتى تذوب أجسادهم وتبقى أرواحهم، ثم تجدد لهم جلود وأجساد، ثم يناطون بأناملهم ولهب النار من تحتهم، تدخل من مقاعدهم وتأكل من أفئدتهم حتى تخرج من مناخرهم وأفواههم ومسامعهم مقدار سبعين عامًا، حتى تذوب عظامهم ولحومهم وتبقى أرواحهم، ثم يتركون ويجدد لهم جلود وأجساد، ثم يناطون بأبصارهم مثلها، فلا يزالون يعذبون كذلك حتى لا يبقى مفصل في أجسادهم إلا نوطوا به مقدار سبعين عامًا، ولا تبقى شعرة في رؤوسهم إلا نوطوا بها، فيأتيهم الموت من مكان كل مفصل منهم، وما هم بميتين ومن ورائهم عذاب غليظ، فإذا فعل ذلك بهم كله أنزلوهم فانطلقوا بكل إنسان منهم إلى منزله مغلولًا بسلسلة مسحوبًا على وجهه. قال: ولهم منازل فيها كقدر أعمالهم، فمنهم من يعطى منزلة مسيرة شهر طولها وعرضها مثل ذلك نار تتوقد لا ينزلها غيره. ومنهم من يعطى منزلة مسيرة تسع وعشرين ليلة طولًا وعرضًا مثل ذلك، ثم كذلك تنتقص منازلهم وتضيق، حتى إن أحدهم ليعطى منزلة مسيرة يوم طولًا وعرضًا، ومن

стр. 282

نحو سعة منزلهم يعذبون. فمنهم من يعذاب على القفا، ومنهم من يعذب جالسًا، ومنهم من يعذب جاثيًأ على ركبتيه، ومنهم من يعذب قائمًا على رجليه، ومنهم من يعذب منبطحًا على بطنه، فهذه المنازل كلها أضيق على أهلها من زج الرمح. ومنهم من تكون ناره إلى كعبه، ومنهم من تكون ناره إلى ركبته، ومنهم من تكون ناره إلى حقويه، ومنهم من تكون ناره إلى سرته، ومنهم من تكون ناره إلى ترقوته، ومنهم من تكون ناره غرقًا، فمرة تعلو به ومرة تديره فتبلغه مسيرة شهر في قعرها. فإذا وقعوا في منازلهم قرن كل منهم مع قرنائهم، فبكوا حتى تنزف دموعهم، ثم يبكون الدم بعدم الدموع، حتى لو أن السفن أرسلت إذا بكوا في دموعهم لجرت. قال: ولهم يوم يجتمعون فيه في أصل الجحيم، ثم لا تكون جماعة أبدًا. قال: فإذا أذن الله في ذلك اليوم نادى مناد في أصل الجحيم يسمع صوته أعلاهم وأسفلهم، وأدناهم وأقصاهم يقال له "حشر" يقول: يا أهل النار اجتمعوا، فيجتمعون أجمعون في أصل الجحيم، ومعهم الزبانية. قال: فيأتمرون بينهم فيقول الذين استضعفوا ﴿للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعًا﴾ [إبراهيم: ٢١] في الدنيا ﴿فهل أنتم مغنون عنا من عذاب الله من شيء﴾ [إبراهيم: ٢١] ﴿قال الذين استكبروا إنا كل فيها إن الله قد حكم بين العباد﴾ [غافر: ٤٨]. وقال الذين استكبروا للذين استضعفوا ﴿لا مرحبًا بكم﴾ [ص: ٦٠] بنا تستغيثون، قال الذين استضعفوا للذين استكبروا: ﴿بل أنتم لا مرحبًا بكم أنتم قدمتوه لنا فبئس القرار﴾ [ص: ٦٠]. وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا ﴿ربنا من قدم لنا هذا فزده عذابًا ضعفًا في النار﴾ [ص: ٦١]. فقال الذين استكبروا للذين استضعفوا ﴿لو هدانا الله لهديناكم﴾ [إبراهيم: ٢١]. ﴿وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل مكر الليل والنهار إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أندادًا﴾ [سبأ: ٣٣] فنتبرأ منكم وما كنتم تدعوننا إليه في الدنيا. قال: ثم أقبلوا أجمعون على قرنائهم من الشياطين، فقالوا: أغويناكم كما غوينا، قال الشيطان عند آخر مقالتهم بصوت له عال: يا أهل النار ﴿إن الله وعدكم وعد

стр. 283

الحق﴾ [إبراهيم: ٢٢] ودعاكم الله فلم تجيبوا ولم تصدقوا ﴿و﴾ إني ﴿وعدتكم﴾ وعدًا ﴿فخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي﴾ [إبراهيم: ٢٢] فأنا أكفر اليوم بما عبدتموني من دون الله. قال: ﴿فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين﴾ [الأعراف: ٤٤]. قال: فلعن عند ذلك الذين استضعفوا الذين استكبروا، ولعن الذين استكبروا الذين استضعفوا، ولعنوا قرناءهم من الشياطين، ولعنهم قرناؤهم، ثم قالوا لقرنائهم: يا ليت بيننا وبينكم بعد المشرقين، فبئس القرناء أنتم لنا اليوم، وبئس الوزراء كنتم لنا في الدنيا، فلما نظروا إلى جماعتهم قال بعضهم لبعض هلموا فلنطلب الخزنة، فلعلهم يشفعون لنا عند ربهم، فـ ﴿يخفف عنا يومًا من العذاب﴾ [غافر: ٤٩]. قالوا: نعم فنادوا بأجمعهم الخزنة ﴿ادعوا ربكم يخفف عنا يومًا من العذاب﴾ [غافر: ٤٩] قال: وهم على ذلك يعذبون. قال: وبين مراجعة الخزنة إياهم مقدار سبعين عامًا ثم يراجعونهم، فيقولون: ﴿أولم تلك تأتيكم رسلكم بالبينات قالوا﴾ بأجمعهم ﴿بلى﴾ [غافر: ٥٠]. قال الخزنة: ﴿فادعوا وما دعاء الكافرين إلا في ضلال﴾ [غافر: ٥٠]. قال: فلما رأوا أن الخزنة لا ترد عليهم خيرًا استغاثوا بمالك، فقالوا: يا مالك ادع لنا ربك فليقض علينا الموت، فيمكث مالك مقدار الدنيا لا يجيبهم ولا يرد عليهم قولًا، ثم يراجعون فيقول: ﴿إنكم ماكثون﴾ [الزخرف: ٧٧] أحقابًا من قبل أن يقضى عليكم بالموت، فلما رأوا مالكًا لا يرد عليهم خبرًا استغاثوا بربهم، فقالوا: ﴿ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون﴾ [المؤمنون: ١٠٧]. يعني نقول إن عدنا في معصيتك، قال: فمكث الجبار مقدار سبعين عامًا لا يراجعهم بقولهم ولا يرد عليهم خيرًا، ثم أجابهم بقوله وأنزلهم منزله الكلاب ﴿اخسئوا فيها ولا تكلمون﴾ [المؤمنون: ١٠٨]. قال: فلما رأوا ربهم لا يرحمهم ولا يرد عليهم خيرًا، قال بعضهم لبعض: ﴿سواء علينا أجزعنا﴾ من العذاب ﴿أم صبرنا ما لنا من محيص﴾ [إبراهيم: ٢١]، ﴿فما لنا من شافعين * ولا صديق حميم﴾ [الشعراء: ١٠٠ - ١٠١]، ﴿فلو أن لنا كرة فنكون من

стр. 284

المؤمنين﴾ [الشعراء: ١٠٢]. قال: ثم تنصرف بهم الملائكة إلى مساكنهم، فزلت عند ذلك أقدامهم ودحضت حجتهم ونظروا ما عند ربهم ، ويئسوا من رحمة ربهم وتلقاهم الكرب الشديد ونزل بهم الخزي والهوان الطويل، فهتفوا بحسرتهم على ما فرطوا في دنياهم، وحملوا أوزارهم على رقابهم وأوزار أتباعهم، من غير أن ينقص شيء من أوزارهم وعذابهم أكثر من تراب أرضهم وقطر بحورهم مع زبانية سريع أمرهم غليظ كلامهم عظيمة أجسادهم كالبرق، وجوههم كالجمر، أعينهم كاللهب، ألوانهم كالحة، أنيابهم كصياصي البقر أظفارهم، يعنى القرون، والمقامع الطوال الثقال المحرقة بأيديهم لو ضربوا بها الجبال انصدعت، وكانت رميمًا، يضربون بها عصاه ربهم فيحق لهم أن تسيل عينهم الدم بعد الدموع، لأنهم إن دعوهم لم يجيبوهم، وإن بكوا لم يرحموهم، وإن استغاثوا بماء بارد لم يغيثوهم إلا بماء كالمهل يشوى الوجوه. وكان النبي ﷺ يقول: "إنه لتأتى أهل النار سحابة عظيمة كل يوم فتبسط عليهم لها صواعق تخطف أبصارهم، ورعد يقصف ظهورهم، وظلمة لا يبصرون معها زبانيتهم، فتنادى تلك السحابة بصوت له جهر: يا أهل النار أما تريدون أن أمطركم؟ فيقولون بأجمعهم: امطرينا الماء البارد، فتمطرهم ساعة حجارة تقع على رؤوسهم فتقطع جماجمهم، ثم تمطرهم ساعة أخرى أنهارًا من حميم وجمرًا كثيرًا وشواظًا وخطاطيف من الحديد، ثم تمطرهم ساعة أخرى حيات وعقارب ودودًا وغسلين. قال: فإذا أمطرت في جهنم سجر بحرها فماجت لججها وغضبت، فلم تترك في جهنم سهلًا ولا جبلًا إلا ارتفعت عليه، فغرقت أهل النار أجمعين من غير أن يموتوا. قال: فتزداد جهنم على من فيها من العصاة غيظًا وحرًا وزفيرًا وشهيقًا ولهبًا ودخانًا وظلمة ووعثًا وسمومًا وحميمًا وجحيمًا وسعيرًا وشدة على من فيها لنقمة ربها". فنعوذ بالله منها ومن أعمالها ومقارنة أهلها، اللهم ربنا وربها لا توردنا حياضها، ولا تجعل في أعناقها أغلالها، ولا تكسنا من ثيابها، ولا تطعمنا من زقومها، ولا تسقنا من حميمها، ولا تسلط علينا خزنتها، ولا تجعلنا مأكلة لنارهم، ولكن جوزنا برحمتك صراطها واصرف عنا شرورها ولهبها حتى تنجينا برحمتك منها ومن دخانها ومن كربها وعذابها، آمين يا رب العالمين.

стр. 285

وكان ﷺ يقول: "ولو أن أدنى باب من أبواب جهنم فتح بالمغرب لذابت منه جبال المشرق كما يذوب القطر، ولو أن شرارة من شرر جهنم طارت فوقعت بالمغرب ورجل بالمشرق لغلى دماغه حتى يفوز على جسده، وإن أدنى أهل النار عذابًا رجال تحذي لهم نعال من نار فتخرج من مسامعهم ومناخرهم وتغلي منها أدمغتهم، والذين يلونهم يلقون على صخرة من صخور جهنم فينتفضون فيها كما ينتفض الحب من المقلى الحار، وكلما سقطوا من صخرة وقعوا على أخرى ... ". فأهل النار كلهم يعذبون على قدر أعمالهم، فنعوذ بالله من أعمالهم ومصيرهم. قال ﷺ : "وأما عذاب الذين لا يحفظون فروجهم، فيناطون بفروجهم بقدر ما كانت في الدنيا حتى تذوب أجسادهم وتبقى أرواحهم، ثم يتركون فتجدد لهم أجساد وجلود، ثم يضربون، فيجلد كل إنسان منهم سبعون ألف ملك قدر ما كانت الدنيا حتى تذوب أجسادهم وتبقى أرواحهم، فذلك عذابهم". وأما عذاب السارق، فيقطع عضوًا عضوًا ثم يجدد، فلذلك عذابه غير أنه يتبادر إلى كل إنسان منهم سبعون ألف ملك معهم الشفار. وأما عذاب الذين يشهدون الزور، فيناطون بألسنتهم، ثم يجلد كل إنسان منهم سبعون ألف ملك حتى تذوب أجسادهم وتبقى أرواحهم. وأما عذاب المشركين، فيجعلون في مغار جهنم ثم يغلق عليهم وفيها حيات وعقارب وحجر كثير ولهب ودخان شديد، يجدد لكل إنسان منهم كل ساعة سبعون ألف جلد فذلك عذابهم. وأما عذاب الجبارين المتكبرين، فيجعلون في توابيت من نار ثم يقفل عليهم فتوضع في الدرك الأسفل من النار. قال: فيعذب كل إنسان منهم كل ساعة تسعة وتسعين لونًا من العذاب، يجدد لهم في كل يوم ألف جلد، فذلك عذابهم. قال: وأما الذين يغلون فيأتون بغلولهم ثم يلقى بهم في بحر جهنم ثم يقال لهم غوصوا حتى تخرجوا غلولكم لينتهوا إلى قعره، ولا يعلم قعره إلا الذي خلقه. قال: فيغوصون ما شاء الله، ثم يخرجون رؤوسهم يتنفسون فيبتدر إلى كل إنسان منهم سبعون ألف ملك، مع كل ملك مقمع من حديد فيهوى بها إلى رأسه، فذلك

стр. 286

عذابهم أبدًا. قال: وكان النبي ﷺ يقول: "إن الله قضى على أهل النار أنهم لابثون فيها أحقابًا، فلا أدرى كم من حقب، غير أن الحقب الواحد ثمانون سنة، والسنة ثلاثمائة وستون يومًا، واليوم ألف سنة مما تعدون". فالويل لأهل النار، والويل لتلك الوجوه التي كانت لا تصبر على حر الشمس حين تلفحها النار، وويل لتلك الرؤوس التي كانت لا تصبر على الصداع حين يصب فوقها الحميم، وويل لتلك الأعين التي كانت لا تصبر على الرمد حين تزرق وتشخص في النار، وويل لتلك الآذان التي كانت تسمع الأحاديث فتلذا بها حين يفور منها لهب النار، وويل لتلك المناخر التي كانت تجزع من ريح الجيف حين تنشقت بالنار، وويل لتلك الأعناق التي كانت لا تصبر على الوجع حين يجعل فيها الأغلال، وويل لتلك الجلود التي كانت لا تصبر على اللباس الخشن حين يجعل عليها ثياب من نار خشن مسها، منتن ريحها تتلظى نارًا، وويل لتلك البطون التي كانت لا تصبر على الأذى حين يدخلها الزقوم مع ماء حميم يقطع أمعاءهم، وويل لتلك الأقدام التي كانت لا تصبر على الحفا حين تحذي لها نعال من نار، فويل لأهل النار من أصناف العذاب. (فصل) وقال أبو هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ كان يقول: "إن لجسر جهنم سبع قناطر ، بين كل قنطرتين سبعون عامًا، وعرض الجسر كحد السيف، فيجوز عليه أول زمرة من الناس سراعًا كطرف العين، والزمرة الثانية كالبرق الخاطف، والزمرة الثالثة كالريح، والزمرة الرابعة كالطير، والزمرة الخامسة كالخيل، والزمرة السادسة كالرجل المسرع، والزمرة السابعة يمرون عليها مشاة، ثم يبقى رجل واحد فهو آخر من يمر على ذلك الجسر، فيقال له: مر، فيضع عليه قدميه فتزل إحداهما ثم يركبه فيحبو على ركبتيه، فتصيب النار من شعره وجلده. قال: فلا يزال يترجرج على بطنه فتزل قدمه الأخرى وتثبت يده وتتعلق الأخرى، فهو على ذلك تصيبه النار، وهو يظن أنه لا ينجو منها، فلا يزال يترجرج على بطنه حتى يخرج منها، فإذا خرج منها نظر إليها فقال: تبارك الذي أنجاني منك، ما أظن أن ربي أعطى أحدًا من الأولين والآخرين مثل ما أعطاني، أنه نجاني منك، بعد إذ رأيت ولقيت.

стр. 287

قال: فيأتيه ملك من الملائكة، فيأخذ بيده فينطلق به إلى غدير بين يدي باب الجنة، فيقول له الملك: اغتسل في هذا الغدير واشرب منه. قال: فيغتسل ويشرب منه، فيعود له ريح أهل الجنة وألوانهم، ثم ينطلق به فيوقفه على باب جهنم ويقول له: قف هاهنا حتى يأتيك إذنك من ربك . قال: فينظر إلى أهل النار ويسمع عواءهم كعواء الكلاب. قال: فيبكي فيقول: يا رب اصرف وجهي عن أهل النار، لا أسألك يا رب غيره. قال: فيأتيه ذلك الملك من عند رب العالمين ، فيحول وجهه عن النار إلى الجنة. قال: وبين مقامه إلى باب الجنة خطوة، فينظر إلى باب الجنة وعرضه، وأن ما بين عضادتي باب الجنة مسيرة أربعين عامًا للطير المسرع. قال: فيسأل ذلك الرجل ربه فيقول: يا رب إنك قد أحسنت إلى الإحسان كله، أنجيتني من النار وصرفت وجهي عن أهل النار إلى أهل الجنة، وإنما بيني وبين باب الجنة خطوة فأسألك يا رب بعزتك أن تدخلني الباب، ولا أسألك غيره، ولكن أجعل الباب بيني وبين أهل النار، فلا أسمع حسيسها، ولا أرى أهلها. قال: فيأتيه ذلك الملك من عند رب العالمين، فيقول: يا ابن آدم ما أكذبك ألست زعمت أنك لا تسأل غيره. قال ﵇: فيقول: ويحلف-: لا وعزة الرب لا أسألك غيره، فيأخذ بيده فيدخله الباب ثم ينطلق الملك إلى رب العالمين . قال: فينظر ذلك الرجل في الجنة عن يمينه وشماله وبين يديه مسيرة سنة، فلا يرى أحدًا غير الشجر والثمر وبين مقامه إلى أدنى شجرة خطوة. قال: فينظر إليها فإذا أصلها ذهب وغصنها فضة بيضاء، وورقها كأحسن حلل رآها آدمي وثمارها ألين من الزبد وأحلى من العسل وأطيب ريحًا من المسك. قال: فتحير ذلك الرجل مما رأى. قال: فيقول: يا رب نجيتني من جهنم وأدخلتني باب الجنة وأحسنت إلى الإحسان كله، وإنما بيني وبين هذه الشجرة خطوة لا أسألك غيرها. قال: فيأتيه ذلك الملك فيقول: ما أكذبك يا ابن آدم ألست زعمت أنك لا تسأل

стр. 288

غيرها زيادة، فما لك تسأل وأين ما أقسمت ألا تستحي؟ قال: فيأخذ بيده فينطلق به إلى أدنى منازله فإذا هو بقصر من لؤلؤ بين يديه على مسيرة سنة. قال: فإذا أتاه نظر إلى ما بين يديه فرأى منزلًا كأنما كان ذلك القصر وما وراءه معه حلمًا، فلا يملك نفسه حين ينظر إليه فيقول: يا رب أسألك هذا المنزل ولا أسألك غيره. قال: فيأتيه ملك من الملائكة فيقول: يا ابن آدم أما أقسمت بربك عليك ألا تسأل غيره، ما أكذبك يا ابن آدم هو لك فإذا أتاه نظر إلى ما هو بين يديه كأنما كان منزله معه حلمًا. قال: فيقول: يا رب أسألك هذا المنزل، قال: فيأتيه ذلك الملك فيقول له: يا ابن آدم ما لك لا توفى بالعهد، ألست زعمت أنك لا تسأل غيره؟ ولا يلومه لأنه يرى ما تكاد نفسه تخرج منه من العجائب. قال: فيقول: هو لك، قال: فإذا بين يديه منزل آخر، كأنما كانت معه تلك المنازل حلمًا، فيبقى مبهوتًا لا يستطيع أن يتكلم. قال ﵊: فيقول له رسول الله ﷺ : ما لك لا تسأل ربك؟ فيقول: يا سيدي صلى الله عليك، والله لقد حلفت لرب العزة حتى خشيت منه وسألته حتى استحيت. قال: فيقول له رب العزة ﷻ : أيرضيك أن أجمع لك الدنيا منذ يوم خلقتها إلى يوم أفنيتها ثم أضعفها لك عشرة أضعاف؟ قال فيقول ذلك الرجل: يا رب أتهزأ بي وأنت رب العالمين؟ قال: فيقول له رب العزة جل وعلا: إني لقادر أن أفعله فاسألني ما شئت. قال: فيقول الرجل: يا رب ألحقني بالناس. قال: فيأتيه ملك فيأخذ بيده، فينطلق به يمشي في الجنة حتى يبدو له شيء كأنه لم يكن رأى معه شيئًا فيخر ساجدًا، ويقول في سجوده: إن ربي تجلى لي، فيقول له الملك: ارفع رأسك إن هذا منزلك وهو أدنى منازلك. قال: فيقول: لولا أن الله حبس بصري لحار من نور هذا القصر، قال:

стр. 289

فينزل في ذلك القصر فيلقاه رجل إذا رأى وجهه وثيابه يبقى مبهوتًا يظن أنه ملك، فيأتيه ذلك الرجل فيقول: السلام عليك ورحمة الله وبركاته؛ لقد آن لك أن تجئ، فيرد ﵇ ثم يقول له: من أنت يا عبد الله؟ فيقول: أنا قهرمان لك وأنا على هذا المنزل ولك مثلي ألف قهرمان، كل واحد منهم على قصر من قصورك، ولك ألف قصر في كل قصر ألف خادم وزوجة من الحور العين. قال: فيدخل في قصره ذلك فإذا هو بقبة من لؤلؤة بيضاء وفي جوفها سبعون بيتًا، في كل بيت سبعون غرفة، لكل غرفة سبعون بابًا، لكل باب منها قبة من لؤلؤ فيدخل تلك القباب فيفتحتها ولم يفتحها أحد من خلق الله قبله، فإذا هو في جوف تلك القبة بقبة من جوهرة حمراء طولها سبعون ذراعًا، لها سبعون بابًا، كل باب منها يفضى إلى جوهرة حمراء على مثل طولها لها سبعون بابًا، ليس منها جوهرة على لون صاحبتها في كل جوهرة أزواج ومناص وأسرة. قال: فإذا دخلها وجد فيها زوجة من الحور العين، فتسلم عليه فيرد ﵍ ثم يقوم مبهوتًا، فتقول له: قد آن لك أن تزورنا وأنا زوجتك. قال: فينظر في وجهها فيرى وجهه في وجهها كما يرى أحدكم وجهه في المرآة من الحسن والجمال والصفوة، فإذا عليها سبعون حلة في كل حلة سبعون لونًا ليس فيها لون على لون صاحبتها يرى مخ ساقها من ورائهن، لا يعرض عنها إعراضه إلا ازدادت حسنًا في عينه سبعين ضعفًا، فهي له مرآة وهو لها مرآة. قال: وإن لكل قصر منها ثلثمائة وستون بابًا، على كل باب ثلثمائة وستون قبة من لؤلؤة وياقوتة وجوهرة ليس منها قبة على لون صاحبتها، فإذا أشرف على ظهر القصر أشرف على ملكه مسيرة من الأرض ما ينفذ بصره فيها، إذا سار فيه سار في ملكه مائة سنة لا ينتهي إلى شيء فيه إلا نظر فيه أجمع، وإن الملائكة تدخل عليه في كل قصوره من كل باب بالسلام والهدايا من عند رب العالمين، ليس منهم ملك إلا ومعه من الهدايا ما ليس مع الآخر كل يوم في النهار تسلم عليه الملائكة معها الهدايا. وتصديق ذلك في كتاب الله يقول: ﴿والملائكة يدخلون عليهم من كل باب * سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبي الدار﴾ [الرعد: ٢٣ - ٢٤]. وقال تعالى: ﴿ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيًا﴾ [مريم: ٦٢].

стр. 290

وكان ﷺ يقول: "إن هذا الرجل يسميه أهل الجنة المسكين لفضل منازلهم على منزله وإن لهذا المسكين ثمانين ألف خادم في طعامه إذا اشتهى الطعام نصبوا له مائدة من موائدها من ياقوتة حمراء ممنطقة من ياقوتة صفراء محفوفة بالدار والزبرجد وقوائمها من لؤلؤ حافتها عشرون ميلًا. قال: فيوضع له عليها من الطعام سبعون لونًا، ويقوم بين يديه ثمانون خادمًا مع كل خادم منهم صحفة فيها طعام وكأس فيه شراب، في كل صحفة من الطعام ما ليس في الأخرى، وفي كل كأس شربة ما ليس في الأخرى، يجد طعم أولها كطعم آخرها، ويجد لذة آخرها كلذة أولها، يشبه بعضه بعضًا، وليس منها لون إلا وهو يصيب منه، وليس خادم إلا ويعطى حظه من ذلك الطعام والشراب إذا رفع من بين يديه". وكان النبي ﷺ يقول: "وإن أهل الدرجة العليا يزورونه ولا يزورهم، وإن أهل الدرجة العليا ليسعى على كل رجل منهم ثمانمائة ألف خادم، وبيد كل خادم منهم صحفة فيها طعام ليس في الأخرى، وليس منها لون إلا وهو يصيب منه، وليس منهم خادم وإلا ويعطي حظه من ذلك الطعام والشراب إذا رفع من بين يديه، وما منهم من أحد إلا وله اثنتان وسبعون زوجة من الحور العين وآدميتان، لكل زوجة منهن قصر من ياقوتة خضراء ممنطقة بحمراء، فيها سبعون ألف مصراع، لكل مصراع قبة وليس منها زوجة إلا وعليها سبعون ألف حلة في كل حلة سبعون ألف لون، ليس منها حلة تشبه الأخرى، وليس منهن زوجة إلا بين يديها ألف جارية قيام لحوائجها، وسبعون ألف جارية لمجلسها، وما منهن جارية إلا وقد أشغلتها في حاجتها، إذا قرب إليها الطعام قام بين يديها سبعون ألف جارية، كل جارية منهم بيدها صحفة فيها من الطعام، وكأس فيها من الشراب ما ليس في الأخرى". وكان ﷺ يقول: "يشتاق الرجل إلى أخ له كان يحبه في الله في الدنيا، فيقول: يا ليت شعري ما فعل أخي فلان شفقة عليه أن يكون قد هلك، فيطلع الله على ما في قلبه، فيوحي إلى الملائكة أن سيروا بعبدي هذا إلى أخيه فتأتيه الملائكة بنجيبة عليها رحلها من مياثر النور. قال: فيسلم عليه، فيرد ﵇ ويقول له: قم فاركب وانطلق إلى أخيك. قال: فيركب عليها، فيسير في الجنة ألف عام أسرع من أحدكم إذا ركب بنجيبته

стр. 291

فسار عليها فرسخًا. قال: فلا يكون شيء أسرع حتى يبلغ منزل أخيه. قال: فيسلم عليه، فيرد ﵇ ويرحب به. قال: فيقول: أين كنت يا أخي لقد كنت أشفقت عليك؟. قال: فيعتنق كل واحد منهما صاحبه ثم يقولان: الحمد لله الذي جمع بيننا، فيحمدان الله بأحسن أصوات سمعها أحد من الناس. قال: فيقول الله لهما عند ذلك: يا عبدي ليس هذا حين عمل، ولكن هذا حين تحية ومسألة، فاسألاني أعطيكما ما شئتما. قال: فيقولان: يا رب أجمع بيننا في هذه الدرجة. قال: فيجعل الله تلك الدرجة مجلسهما في خيمة محفوفة بالدر والياقوت، ولأزواجهما منزل سوى ذلك. قال: فيشربون ويأكلون ويتمتعون .... ". وكان ﷺ يقول: "إن الرجل منهم ليأخذ لقمة فيجعلها في فيه، ثم يخطر بباله طعام آخر، فتتحول تلك اللقمة إلى الذي تمنى". قيل: يا رسول الله ما ارض الجنة؟ قال: أرضها رخامة من فضة مملسة، وترابها مسك، وتلالها زعفران، وحيطانها در وياقوت وذهب وفضة، يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، وليس في الجنة قصر إلا يرى ظاهره من باطنه، وباطنه من ظاهره، وليس في الجنة رجل إلا وهو يلبس إزارًا ورداء وحللًا غير مقطعة وغير مخيطة، وليس منهم رجل إلا وهو يلبس تاجًا من لؤلؤ مجوفًا بالدر والياقوت والزبرجد، له ضفيرتان من الذهب، في عنقه طوق من ذهب محفوف بالدر والياقوت الأخضر، وفي يد كل رجل منهم ثلاث أسورة، سوار من ذهب، وسوار من فضة، سوار من لؤلؤ، تحت تيجانهم أكاليل من در وياقوت، وعلى حللهم تلك يلبسون السندس، وعلى السندس الإستبرق والحرير الأخضر، متكئين على فرش بطائنها من إستبرق، وظواهرها العبقري الحسان، أسرتها من ياقوت أحمر، وقوائمها اللؤلؤ على كل سرير منها ألف مثال، لكل مثال سبعون لونًا، ليس منها مثال يشبه الآخر، بين يدي كل سرير منها سبعون ألف زريبة لكل زريبة سبعون لونًا، ليس منها زريبة تشبه

стр. 292

صاحبتها، عن يمين كل سرير منها سبعون ألف كرسي، وعن شمالها مثل ذلك، ليس منها كرسي يشبه الآخر. وكان ﷺ يقول: "إن أهل الجنة أجمعين أعلاهم وأسفلهم على طول آدم، وطول آدم ﵇ ستون ذراعًا، شبابًا جردًا مردًا مكحولين محممين هم ونساءهم على قدر واحد". قال: فلما فعل ذلك بهم، نادي مناد في الجنة، فيسمع صوته أدناهم وأقصاهم، فيقول: يا أهل الجنة أرضيتم منازلكم؟ فيقولون بأجمعهم: نعم والله لقد أنزلنا ربنا منزل الكرامة، لا نبغي عنها حولًا ولا بها بدلًا، رضينا بربنا جارًا، اللهم ربنا فإنا سمعنا مناديك فأجبناه القول الصادق، اللهم ربنا فإنا اشتهينا النظر إلى وجهك فأرناه، فإنه أفضل ثوابنا عندك. قال: فأمر الله عند ذلك الجنة فيها منزله ومجلسه واسمها دار السلام، خذي زينتك، وتزيني واستعدي لزيارة عبادي فاستمعت لربها وأطاعته قبل أن تنقضي الكلمة، وأخذت زينتها واستعدت لزوار الله تعالى، فيأمر الله تعالى ملكًا من الملائكة أن أدع عبادي إلى زيارتي. قال: فيخرج ذلك الملك من عند الرحمن، فينادي بأعلى صوته، بصوت له لذيذ ممدود يقول: يا أهل الجنة، يا أولياء الله زوروا ربكم. قال: فيسمع صوته أعلاهم وأسفلهم، فيركبون على النوق والبراذين بأجمعهم، فيسيرون في ظل إلى جنب تلال من مسك أبيض وزعفران أصفر، فيسلمون عند الباب وتسليمهم أن يقولوا: السلام علينا من ربنا، فيستأذنون فيؤذن لهم، فيعمدون فيدخلون الباب، فتهب ريح من تحت العرش اسمها المثيرة، فتنسف تلال المسك والزعفران، فتغبر جيوبهم ورؤوسهم وثيابهم، فيدخلون وينظرون إلى عرش ربهم وكرسيه نورًا يتلألأ عليهم من غير أن يتجلى لهم، فيقولون: سبحانك ربنا قدوس، رب الملائكة والروح، تباركت ربنا وتعاليت، أرنا ننظر إلى وجهك. قال: فيأمر الله الحجب التي من نور: أن اعتزلي، فلا يزال يرتفع حجاب وراء حجاب حتى يرتفع سبعون حجابًا، كل حجاب هو أشد نورًا من الذي يليه سبعين ضعفًا، فيتجلى لهم رب العزة ، فيخرون له سجدًا ما شاء الله، يقولون وهم

стр. 293

ساجدون: سبحانك لك الحمد والتسبيح أبدًا، أنجيتنا من النار وأدخلتنا الجنة، فنعم الدار رضينا عنك الرضا كله، فارض عنا، فيقول ﵎: إني قد رضيت عنكم الرضا كله، وليس هذا أوان عمل، ولكن هذا حين نضرة ونعيم، فاسألوني أعطكم، وتمنوا على أزدكم. قال: فيتمنون من غير أن يتكلموا، فيتمنون أن يديهم لهم ما أعطاهم، فيقول تعالى: إني معطيكم الذي تمنيتم ومثل الذي أعطيتكم. قال: فيرفعون رؤوسهم بالتكبير، ولا يستطيعون أن يرفعوا أبصارهم إلى ربهم من شدة نور رب العزة، وذلك المجلس يسمى شرقي قبة عرش رب العالمين، فيقول لهم رب العزة مرحبًا يا عبادي وجيراني وأصفيائي وأحبائي وأوليائي وخيرتي من خلقي وأهل طاعتي. قال: فإذا بين يدي عرش رب العزة منابر من نور، من دون تلك المنابر كراسي من نور، من دون تلك الكراسي الفرش، ودون الفرش النمارق، ودون النمارق الزرابي. قال: فيقول لهم رب العزة: هلم اجلسوا على كرامتكم، فيتقدم الرسل فيجلسون على تلك المنابر، ويتقدم الأنبياء فيجلسون على تلك الكراسي، ويتقدم الصالحون فيجلسون على تلك الزرابي. قال: فتوضع لهم موائد من نور، على كل مائدة سبعون لونًا مكللة باللؤلؤ والياقوت. قال: فيقول رب العزة لحفدته: أطعموهم، قال: فيوضع لهم على كل مائدة سبعون ألف صحفة من در وياقوت، وفي كل صحفة سبعون لونًا من الطعام. قال: فيقول : كلوا يا عبادي، قال: فيأكلون ما شاء الله من ذلك، قال: فيقول بعضهم لبعض: إن طعامنا الذي عند أهلنا عند هذا حلم. قال: فيقول رب العزة لحفدته: اسقوا عبادي، قال: فيأتونهم بشراب فيشربون منه، فيقول بعضهم لبعض: إن شرابنا عند هذا الشراب حلم. قال: فيقول رب العزة لحفدته: أطعمتموهم وسقيتموهم ففكهوهم الآن. قال: فيأتون بفاكهة فيأكلون منها، فيقول بعضهم لبعض: إن فاكهتنا عند هذه حلم. قال: فيقول رب العزة سبحانه: أطعمتموهم وفكهتموهم وسقيتموهم، أكسوهم

стр. 294

وحلوهم: قال: فيأتونهم بكسوة وحلية فيلبسونها، فيقول بعضهم لبعض: إن كسوتنا وحليتنا عند هذه حلم. قال: فبينما هم جلوس على كراسيهم بعث الله عليهم ريحًا من تحت العرش تسمى المثيرة، فتأتيهم بمسك وزعفران وكافور من تحت العرش أشد بياضًا من الثلج، فتغبر ثيابهم ورؤوسهم وجيوبهم فتطيبهم، ثم ترفع عنهم الموائد مع ما عليها من الطعام. قال ﵊: فيقول لهم رب العزة سلوني الآن أعطكم وتمنوا أزدكم، قال: فيقولون بأجمعهم: اللهم ربنا فإنا نسألك رضاك عنا، فيقول : إني قد رضيت يا عبادي عنكم، قال: فيخرون له سجدًا بالتسبيح والتكبير، فيقول رب العزة: يا عبادي ارفعوا رؤوسكم ليس هذا حين عمل هذا حين نظرة ونعيم. قال: فيرفعون رؤوسهم ووجوههم مشرقة من نور ربهم، قال: فيقول رب العزة : انصرفوا إلى منازلكم، قال: فيخرجون من عند ربهم، ثم تلقاهم غلمانهم بدوابهم، قال: فيركب كل واحد منهم على ناقته أو برذونه، ويركب معه سبعون ألف غلام على مثل الذي يركب، فيسير من شاء منهم بالسواء إلى داره، ثم يسير معه سائرهم حتى يقدم القصر الذي يريد. قال: فإذا جاء قصره فدخل على زوجته قامت إليه فرحبت به وقالت له، جئتني يا حبيبي، جئتني بحسن ونور وجمال وكسوة وريح وحلية لم أفارقك عليها. قال: فينادي ملك من عند الرحمن بصوت عال فيقول: يا أهل الجنة كذلك أنتم أبدًا، يجدد لكم النعيم قال: ﴿والملائكة يدخلون عليهم من كل باب * سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبي الدار﴾ [الرعد: ٢٣ - ٢٤] إن ربكم يقرأ عليكم السلام ومعهم من الأطعمة والأشربة والكسوة والحلية". وكان ﷺ يقول: "إن في الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين أمير يرون له الفضيلة والسؤدد، فيها جبال من مسك أبيض وزعفران أصفر، إذا أكلوا طعامهم تجشوا أطيب من المسك، فإذا شربوا شرابهم رشحت جلودهم المسك لا يتغوطون ولا يهريقون الماء ولا يبصقون ولا يمتخطون ولا يمرضون ولا يصدعون". وكان ﷺ يقول: "أهل الجنة أعلاهم وأسفلهم يتغدون متكئين ساعتين، ويتفاضلون

стр. 295

ساعتين، ويمجدون خالقهم أربع ساعات، ويتزاورون ساعتين، وفيها ليل ونهار وظلمة، ليلها أشد بياضًا من النهار، اليوم سبعين جزءًا". وكان ﷺ يقول: "إن أدنى أهل الجنة عطية من لو نزل عليه الإنس والجن لكان عنده من الكراسي والفرش والنمارق والزرابي ما يجلسون ويتكئون عليه، ويفضل عليهم من الموائد والصحائف والخدم والطعام والشراب إلا كقدر ما أصاب رجلًا واحدًا". وكان ﷺ يقول: "إن جذوع الشجر ذهب ومنها فضة ومنها ياقوت ومنها زبرجد، وسعفها مثل ذلك، وورقها كأحسن حلل رآها أحد، وثمرها ألين من الزبد وأحلى من العسل، طول كل شجرة منها خمسمائة سنة وغلظ أصلها مسيرة سبعين عامًا، وعرض أصلها مسيرة خمسمائة عام إذا رفع الرجل منهم بصره نظر إلى أقصى فرع من الشجرة وما فيها من الثمار، وإن على بطن كل شجرة سبعين ألف لون من الثمار، وليس منها لون على طعم الآخر، إذا اشتهى شيئًا من تلك الأنواع انحنت له تلك الشعبة التي فيها تلك الثمرة التي اشتهى من مسيرة خمسمائة عام أو مسيرة خمسين عامًا أو دون ذلك، حتى يأخذها بيده إن شاء، فإن عجز أن يأخذها بيده فتح فاه فدخلت فيه، فإذا قطف منها شيئًا أحدث الله مكانها أحسن منها وأطيب، فإذا أصاب منها حاجته واكتفى رجعت الشعبة حيث كانت. ومنها شجرة لا تثمر ولكن فيها أكمام فيها حرير وحلل وسندس وزخرف وعبقري، ومنها شجرة لها أكمام فيها المسك والكافور". وكان ﷺ يقول: "أهل الجنة يرون ربهم كل يوم جمعة". وكان ﷺ يقول: "لو أن إكليلًا من الجنة دلى من السماء لذهب بضوء الشمس". وكان ﷺ يقول: "إن في الجنة قصورًا في كل قصر منها أربعة أنهار: ماء معين، ولبن معين، وخمر معين، وعسل معين، إذا شرب منه شيئًا صار ختامه مسكًا، ولا يشربون منها شيئًا حتى يمزج من عيون في الجنة اسم أحدها الزنجبيل، والأخرى تسنيم، والأخرى كافور، وإن المقربين يشربون منها صرفًا ... ". وكان ﷺ يقول: "لولا أن الله قضى بينهم أنهم يتنازعون الكأس بينهم ما رفعوها عن أفواههم أبدًا". وكان ﷺ يقول: "إن أهل الجنة يتزاورون على مسيرة مائة ألف عام أو فوق ذلك أو

стр. 296

دون ذلك، فإذا رجعوا من عند إخوانهم فلهم أهدى إلى منازلهم من أحدكم إلى منزله". وكان ﷺ يقول: "إن أهل الجنة إذا رأوا ربهم وأرادوا الانصراف، يعطي كل رجل منهم رمانة خضراء فيها سبعون حلة، لكل حلة سبعون لونًا ليس منها حلة على لون الأخرى، فإذا انصرفوا من عند ربهم مروا في أسواق الجنة، ليس فيها بيع ولا شراء، وفيها من الحلل والسندس والإستبرق والحرير والزخرف والعبقري من در وياقوت وأكاليل معلقة، فيأخذون من تلك الأسواق من هذه الأصناف ما يطيقون حمله، ولا ينقص من أسواقها شيء، وفيها صور كصور الناس من أحسن ما يكون، مكتوب في نحر كل صورة منها: من تمني أن يكون حسنه على حسن صورتي جعل الله حسنه على صورتي، فمن تمني أن يكون حسن وجهه على تلك الصورة جعله الله على تلك الصورة. قال: ثم ينصرفون إلى منازلهم فيلقاهم غلمانهم صفوفًا قيامًا بالترحيب والتسليم، فيبشر كل واحد منهم صاحبه الذي يليه حتى تبلغ البشري زوجته، ثم يستخفها الفرح حتى تقوم إليه فتستقبله عند بابه بالترحيب والتسليم، فتعانقه ويعانقها فيدخلان جميعًا معتنقين". وكان ﷺ يقول: "لو أن امرأة من نساء أهل الجنة برزت لم يرها ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا افتتن بحسنها". وكان ﷺ يقول: "إن آخر شراب يشربه أهل الجنة على إثر طعامهم شراب يقال له: طهور دهاق، فإذا شرب منه شربة هضم طعامهم وشرابهم فجعله كالمسك وجشأة المسك، ولا يكون في بطونهم أذى، فإذا شربوا اشتهوا الطعام فهذا دأبهم أبدًا". وكان ﷺ يقول: "إن دواب أهل الجنة خلقن من ياقوت أبيض". وكان ﷺ يقول: "هن ثلاث جنات، الجنة، وعدن، ودار السلام، الجنة أصغر من جنة عدم بتسعمائة ألف ألف جزء، وإن قصور الجنة ظاهرها من ذهب وباطنها من زبرجد وأبرجتها من ياقوت أحمر وشرفاتها نظام اللؤلؤ".

стр. 297

وكان ﷺ يقول: "إن الرجل من أهل الجنة ليتمتع عند زوجته التكأة الواحدة مقدار سبعمائة عام ما يتحول، ثم تناديه زوجته الأخرى من القصر أحسن منها: يا أخي قد آن لك أن تكون لنا منك دولة، فيقول الرجل: من أنت؟ فتقول: أنا من التي يقول الله : ﴿فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين﴾ [السجدة: ١٧] فيتحول إليها فيمكث عندها مقدار سبعمائة عام يأكل ويشرب ويباضعها". وكان ﷺ يقول: "إن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها سبعمائة عام ما يقطعها تجرى من تحتها الأنهار وإن على كل غصن من غصونها مدائن مبنية، طول كل مدينة منها عشرة آلاف ميل، وإن ما بين كل مدينة إلى الأخرى كما بين المشرق والمغرب، وإن عيون السلسبيل لتجرى من تلك القصور إلى تلك المدائن، وإن الورقة منها لتظل الأمة العظيمة ... ". وكان ﷺ يقول: "إن الرجل من أهل الجنة إذا دخل على زوجته قالت: والذي هو أكرمني بك ما في الجنة شيء هو أحب إلى منك". قال: وكان ﷺ يقول: "إن في الجنة ما لا يصفه الواصفون، ولا يخطر على قلوب العالمين، ولا تسمع به آذان الواعين، وفيها ما لم تره عيون المخلوقين". وكان ﷺ يقول: "إن الله ينزل المتحابين فيه في جنة عدن على عمود من ياقوته حمراء، غلظها مسيرة سبعين ألف عام على سبعين ألف بيت، لكل أهل بيت قصر مشرفين على أهل الجنة، مكتوب على جباههم كتاب من نور: هؤلاء المتحابون في الله، إذا اطلع أحدهم من قصره إلى أهل الجنة ملأ نور وجهه قصور أهل الجنة كما تملأ الشمس بيوت أهل الأرض، فينظر أهل الجنة وجهه فيقول بعضهم لبعض: هذا من المتحابين في الله ، فإذا وجهه مثل القمر ليلة البدر". وكان ﷺ يقول: "إن فضل حسن الرجل على حسن الخادم من أهل الجنة كمثل القمر ليلة البدر على النجوم". وكان ﷺ يقول: "إن نساء أهل الجنة يتغنين عند آخر طعامهم بأصوات لذيذة ممدودة يقلن: نحن الخالدات فلا نموت أبدًا، ونحن الآمنات فلا نخاف أبدًا، ونحن الراضيات فلا نسخط أبدًا، ونحن الشابات فلا نهرم أبدًا، ونحن الكاسيات فلا نعري أبدًا، ونحن

стр. 298

الخيرات الحسان أزاوج قوم كرام". وكان ﷺ يقول: "إن طير الجنة له سبعون ألف ريشة، لكل ريشة منها لون ليس يشبه الآخر، عظم كل طير منها ميل في ميل، إذا اشتهى المؤمن شيئًا منها أتى به فوضع في جوف الصحفة، فانتقض فوقع منه سبعون لونًا من الطعام من نحو طبيخ وشواء وألوان شتى، طعمها أطيب من المن، ولينها ألين من الزبد، وبياضها أشد بياضًا من المخيض، فإذا أكل منها انتفض وطار ولم تنقص منها ريشة، فطيورهم ومراكبهم ترعى في رياض الجنة حول قصورهم". وكان ﷺ "إن أهل الجنة يعطيهم الله تعالى خواتيم من ذهب يلبسونها وهي خواتيم الخلد، ثم يعطيهم خواتيم من در وياقوت ولؤلؤ، وذلك إذا زاروه في دار السلام". وكان ﷺ يقول: "إن أهل الجنة إذا زاروا ربهم أكلوا وشربوا وتمتعوا. قال: يقول رب العزة : يا داود مجدني بصوتك الحسن، فيمجده ما شاء الله تعالى من ذلك فلا يبقى منه شيء في الجنة إلا أنصت لحسن صوته ولذاذته. قال: فيمجده ما شاء الله ثم يحبوهم رب العزة بالكسوة والحلية، ثم ينصرفون إلى أهليهم". وكان ﷺ يقول: "إن لكل رجل من أهل الجنة شجرة يقال لها طوبي، فإذا أراد أحدهم أن يلبس الكسوة المرتفعة انطلق إلى طوبي ففتحت له أكمامها، وهي ستة ألوان في كل واحد منها سبعون لونًا، ليس منها ثوب لونه على لون الآخر ولا على وشيه، فيأخذ من أي ذلك شاء، أرق من النعمان". وكان ﷺ يقول: "إن أزواج أهل الجنة مكتوب في بحر كل امرأة منهن: أنت حبيبي وأنا حبيبتك، ليس عنك معدل ولاعنك مقصر، وليس لك في قلبي غل ولا غش، فينظر الرجل إلى نحر زوجته فيرى سواء كبدها من وراء عظمها ولحمها، فكبده لها مرآة وكبدها له مرآة، ولا يعيبها ذلك إلا كما يعيب السلك الياقوت، بياضهن كبياض المرجان وصفاؤهن كصفاء الياقوت، قال الله : ﴿كأنهن الياقوت والمرجان﴾ [الرحمن: ٥٨]. وكان ﷺ يقول: "إن أهل الجنة على النوق والبراذين يقع خف إحداهن عند أقصى

стр. 299

طرفها، وموضع حافز ذلك البرذون عند أقصى طرفه خلقت من در وياقوت، عظم كل دابة منهن سبعون ميلًا، أزمة النوق والبراذين حلق اللؤلؤ والزبرجد". (فصل) في قوله : ﴿فوقاهم الله شر ذلك اليوم ولقاهم نضرة وسرورًا ...﴾ [الإنسان: ١١] إلى آخر صفة أهل الجنة . أما قوله: ﴿فوقاه الله شر ذلك اليوم﴾ يعني يوم القيامة يقيهم شدة الحساب وهول جهنم، إذا جئ بها في عرصات القيامة يقودها تسعة عشر خازنًا من الملائكة، مع كل خازن منهم سبعون ألف ملك أعوان له غلاظ شداد كالحة أنيابهم، أعينهم كالجمر وألوانهم كلهب النار، يفور من مناخرهم لهب ودخان عال مستعدين لأمر الجبار ﵎، فيقودها كل خازن وأعوانه بوثاق وسلسلة عظيمة، فتارة يمشون عن يمينها وأخرى عن شمالها، ومرة من ورائها، بيد كل ملك منهم مقمع من جديد، يصيحون بها فتمشى، ولها زفير وشهيق ووعث وظلمة ودخان وقعقعة ولهب عال من شدة غضبها على أهلها، فينصبونها بين الجنة والموقف، فترفع طرفها فتنظر إلى الخلائق، ثم تجمع إليهم لتأكلهم، فتحبسها الخزنة بسلاسلها ولو تركت لأتت على كل مؤمن وكافر، فإذا رأت أنها قد حبست عن الخلائق فارت فورة شديدة كادت تميز من الغيظ، ثم شهقت الثانية فسمعت الخلائق صوت صريف أسنانها، فارتعدت عند ذلك الأفئدة، وانخلعت القلوب، وطارت الأفئدة، وشخصت الأبصار، وبلغت القلوب الحناجر، ثم تزفر زفرة فلا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل ولا أحد ممن شهد الموقف إلا جثا على ركبتيه. ثم تزفر أخرى فلا تبقى قطرة في عين أحد إلا بدرت، ثم تزفر الثالثة فلو كان لكل آدمي أو جني عمل اثنين وسبعين نبيًا لواقعوها وظنوا أنهم لم ينجوا منها، ثم تزفر الرابعة فلا يبقى شيء إلا انقطع كلامه، ويتعلق جبريل وميكائيل وخليل الرحمن بالعرش يقول كل واحد منهم نفسي نفسي لا أسألك غيرها، ثم ترمى بشرر كعدد نجوم السماء، عظم كل شرارة منها كالسحابة العظيمة الطالعة من المغرب، فيقع ذلك الشرر على رؤوس الخلائق. فهذا هو الشرر الذي وعد الله المؤمنين الذين يوفون بالنذر ويخافون عذابه أن يقيهم، فالله تعالى يكفى أهل التوحيد والإيمان وأهل السنة شر ذلك اليوم، ولقاهم برحمته

стр. 300

وييسر حسابهم ويدخلهم جنته ويخلدهم فيها أبد الآباد بمنه، ويزيد الكافرين وأهل الشرك والأوثان شرًا إلى شر، وخوفًا إلى خوف، وعذابًا إلى عذاب، فيدخلهم جهنم ويخلدهم فيها أبد الآباد. ثم قال : ﴿ولقاهم نضرة وسرورًا﴾ [الإنسان: ١١] فالنضرة في الوجوه والسرور في القلوب، وذلك أن المؤمن إذا خرج من قبره يوم القيامة نظر أمامه، فإذا هو بإنسان وجهه مثل الشمس يضحك طيب النفس، وعليه ثياب بيض وعلى رأسه تاج، فينظر إليه حتى يدنوا منه، فيقول سلام عليك يا ولي الله، فيقول: وعليك السلام من أنت يا عبد الله، أنت ملك من الملائكة؟ فيقول: لا والله، فيقول: أنت نبي من الأنبياء؟ فيقول: لا والله، فيقول: أنت من المقربين؟ فيقول: لا والله، فيقول: من أنت؟ فيقول: أنا عملك الصالح أبشرك بالجنة والنجاة من النار، فيقول له: يا عبد الله أبعلم تبشرني؟ فيقول: نعم، فيقول: ما تريد مني؟ فيقول له: اركبني، فيقول له: سبحان الله ما ينبغي لمثلك أن يركب عليه، فيقول: بلى فإني طالما ركبتك في دار الدنيا، فإني أسألك بوجه الله إلا ما ركبتني، فيركبه، فيقول له: لا تخف أنا دليلك إلى الجنة، فيفرح فيتبين ذلك الفرح في وجهه حتى يتلألأ، ويرى فيه النور والسرور في قلبه، فذلك قوله : ﴿ولقاهم نضرة وسرورًا﴾ [الإنسان: ١١]. وأما الكافر فإذا خرج من قبره نظر أمامه، فإذا هو برجل قبيح الوجه أزرق العينين أشد سوادًا من القبر في ليلة مظلمة، وثيابه سود، يجر أنيابه في الأرض بدهدهة مثل دهدهة الرعد، وريحه أنتن من الجيفة فيقول: من أنت يا عبد الله؟ ويريد أن يعرض عنه بوجهه، فيقول: يا عدو الله إلى إلى أنت لي وأنا لك اليوم، فقال: ويحك أشيطان أنت؟ فيقول: لا والله، ولكن عملك الصالح، فيقول: ويحك ما تريد مني؟ فيقول: أريد أن أركبك، فيقول له: أنشدك بالله مهلًا، فإنك تفضحني على رؤوس الخلائق، فيقول: والله ما منه بد فطالما ركبتني فأنا اليوم أركبك، قال: فيركبه، فذلك قوله : ﴿وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم ألا ساء ما يزرون﴾ [الأنعام: ٣١]. ثم ذكر أولياءه فقال: ﴿وجزاهم﴾ [الإنسان: ١٢] بعد البشارة ﴿بما صبروا﴾ [الإنسان: ١٢] على البلاء وأداء الأوامر، وانتهاء المناهي والتسليم في القدر ﴿جنة وحريرًا﴾ [الإنسان: ١٢].

стр. 301

أما الجنة فيتنعمون فيها، وأما الحرير فيلبسون، قال: ﴿متكئين فيها﴾ [الإنسان: ١٣] يعني في الجنة ﴿على الأرائك﴾ [الإنسان: ١٣] يعني السرر عليها الحجال يعني الستر ﴿لا يرون فيها شمسًا ولا زمهريرًا﴾ [الإنسان: ١٣] يعني ولا يصيبهم حر الشمس ولا برد الزمهرير، لأنه ليس فيها شتاء ولا صيف. ثم قال : ﴿ودانية عليهم ظلالها وذللت قطوفها تذليلًا﴾ [الإنسان: ١٤] يعني ظلال الشجر، وذلك أن أهل الجنة يأكلون من الفواكه إن شاءوا قيامًا، وإن شاءوا قعودًا، وإن شاءوا نيامًا، وإذا أرادوها دنت منهم حتى يأخذوا منها ثم يقوم أحدهم قائمًا، وذلك قوله : ﴿وذللك قطونها تذليلًا﴾ يعني أغصانها. ثم قال : ﴿ويطاف عليهم بآنية من فضة وأكواب﴾ [الإنسان: ١٥] فهي الأكواب يعني الكيزان مدورة الرؤوس التي ليست لها عرا. وقال : ﴿قواريرًا﴾ [الإنسان: ١٥] يعني هي قوارير ولكنها من فضة، وذلك أن قوارير الدنيا من ترابها، وقوارير الجنة من فضة ﴿قدروها تقديرًا﴾ [الإنسان: ١٦] يعني قدرت الأكواب على الإناء وقدر الإناء على كف الخادم على ري القوم إذا سقوها لم يبق فيها شيء، ولم يزد عليه فكانت قدرًا على الإناء وكف الخادم وري القوم فذلك قوله تعالى: ﴿قدروها تقديرًا﴾. وقال تعالى: ﴿ويسقون فيها كأسًا﴾ [الإنسان: ١٧] يعني خمرًا وكل شراب في الإناء ليس بخمر فليس هو بكأس. وقال تعالى ﴿كان مزاجها زنجبيلًا﴾ [الإنسان: ١٧] يعني كلها قد مزج فيها الزنجبيل. ثم قال : ﴿عينًا فيها تسمى سلسبيلًا﴾ [الإنسان: ١٨] يعني نهرًا فيها تسمى سلسبيلًا يسيل عليهم من جنة عدن، فتمر على كل جنة ثم ترجع تعم الجنة كلها. قال تعالى: ﴿ويطوف عليهم ولدان مخلدون﴾ [الإنسان: ١٩] فالولدان: هم الغلمان الذين لا يشيبون أبدًا فهم مخلدون، يعني لا يحتلمون ولا يكبرون أبدًا، غلمان ﴿إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤًا﴾ [الإنسان: ١٩] في الحسن والبياض ﴿منثورًا﴾ [الإنسان: ١٩] في الكثرة، يعني مثل اللؤلؤ المنثور الذي لا يدري ما عدده. ثم قال : ﴿وإذا رأيت ثم﴾ [الإنسان: ٢٠] يعني هنالك من الجنة ﴿رأيت نعيمًا وملكًا كبيرًا﴾ [الإنسان: ٢٠] وذلك أن رجلًا من أهل الجنة له قصر، في ذلك القصر

стр. 302

سبعون قصرًا، في كل قصر سبعون بيتًا، كل بيت من لؤلؤة مجوفة طولها في السماء فرسخ وعرضها فرسخ في فرسخ، عليها أربعة آلاف مصراع من ذهب، في ذلك البيت سرير منسوج بقضبان الدر والياقوت عن يمين السرير وعن يساره أربعة آلاف كرسي من ذهب، قوائمها من ياقوت أحمر، على ذلك السرير سبعون فراشًا، كل فراش على لون، وهو متكئ على يساره، عليه سبعون حلة من ديباج، الذي يلي جسده حريرة بيضاء، وعلى جبهته إكليل مكلل بالزبرجد والياقوت وألوان الجواهر، كل جوهرة على لون، وعلى رأسه تاج من ذهب فيه سبعون زاوية، في كل زاوية درة تساوي مال المشرق والمغرب، وفي يده ثلاثة أسورة: سوار من ذهب، وسوار من فضة، وسوار من لؤلؤ، وفي أصابع يديه ورجليه خواتيم من ذهب وفضة فيه ألوان الفصوص، وبين يديه عشرة آلاف غلام لا يكبرون ولا يشيبون أبدًا، وتوضع بين يديه مائدة من ياقوتة حمراء طولها ميل في ميل، ويوضع على المائدة سبعون ألف إناء من ذهب وفضة، وفي كل إناء سبعون لونًا من الطعام، فيأخذ اللقمة بيده، فما يخطر على باله غيرها حتى تتحول اللقمة عن حالها إلى الحالة التي يشتهيها، وبين يديه غلمان بأيديهم أكواب من فضة وأوان من فضة، ومعهم الخمر والماء، فيأكل على قدر أربعين رجلًا من الألوان كلها فإذا شبع من لون من الطعام سقوه شربة مما يشتهي من الأشربة فيتجشأ، فيفتح الله عليه ألف باب من الشهوة، ويشرب حتى يعرق، فإذا عرق ألقى الله عليه ألف باب من الشهوة إلى الطعام والشراب، ويدخل عليه الطير من الأبواب كأمثال النجائب العظام، فيقومون بين يديه صفًا فينعت كل نفسه بصوت مطرب لذيذ ألذ من كل غناء في الدنيا، يقول: يا ولي الله كلني إني كنت أرعى في كذا وكذا في رياض الجنة، وأشرب من عين كذا وكذا فيجملون إليه أصواتهم فيرفع بصره فينظر إلى أعلاه صوتًا وأجودها نعتًا فيشتهيها، فيعلم الله ما قد استقر في قلبه من حبه، فيجئ ذلك الطير فيقع على المائدة بعضه قديد وبعضه شوى، أشد بياضًا من الثلج وأحلى من العسل، فيأكل حتى إذا شبع منها واكتفى صار طيرًا كما كان، فيخرج من الباب الذي كان دخل منه، فهو على الأرائك وزوجته مستقبلته، يبصر وجهه في وجهها من الصفا والبياض، كلما أراد يجامعها نظر إليها فيستحى منها أن يدعوها، فتعلم ما يريد منها زوجها، فتدنوا إليه فتقول: بأبي أنت وأمي، أرفع رأسك وانظر إلي فإنك اليوم لي وأنا لك، فيجامعها على قوة مائة رجل من الأولين، وعلى شهوة أربعين رجلًا، كلما أتاها وجدها عذراء

стр. 303

لا يغفل عنها مقدار أربعين يومًا، فإذا فرغ وجد ريح المسك منها فيزداد حبًا لها، وفيها أربعة آلاف وثمانمائة زوجة مثلها، لكل زوجة سبعون خادمًا وجارية. وروى عن علي بن أبي طالب ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "لو أن جارية أو خادمًا أخرجت إلى الدنيا لاقتتل عليها أهل الدنيا كلهم حتى يتفانوا، ولو أن امرأة من الحور العين أخرجت ذوائبها في الأرض لأطفال نور الشمس من نورها. قيل: يا رسول الله، وكم بين الخادم والمخدوم؟ قال: والذي نفسي بيده، إن بين الخادم والمخدوم كالكوكب المظلم إلى جنب القمر في النصف. قال: فبينما هو جالس على سريره إذ بعث الله إليه ملكًا معه سبعون حلة، كل حلة على لون، قد غابت بين أصبعي الملك ومعه التسليم والرضا، فيجئ حتى يقوم على بابه فيقول لحاجبه، ائذن لي على ولي الله فإني رسول رب العالمين إليه، فيقول الحاجب: والله ما أملك منه المناجاة، ولكن سأذكرك إلى من يليني من الحجبة، فلا يزالون يذكرون أمره بعضهم إلى بعض حتى يأتيه الخبر بعد سبعين بابًا، فيقول: يا ولي الله إن رسول رب العزة على الباب، فيأذن له بالدخول عليه، فيدخل الملك فيقول: السلام عليك يا ولي الله إن رب العزة يقرئك السلام وهو عنك راض فلولا أن الله لم يقض عليه الموت لمات من الفرح، فذلك قوله : ﴿ورضوان من الله أكبر ذلك هو الفوز العظيم﴾ [التوبة: ٧٢] وذلك قوله تعالى: ﴿وإذا رأيت﴾ يعني يا محمد ﴿ثم رأيت نعيمًا﴾ يعني هنالك النعيم الذي هو فيه ﴿وملكًا كبيرًا﴾ حين لا يدخل عليه رسول الله رب العالمين إلا بإذن، ثم قال جل وعلا: ﴿عاليهم ثياب سندس خضر وإستبرق﴾ [الإنسان: ٢١] يعني الديباج، وإنما قال عاليهم لأن الذي يلي جسده حريرة بيضاء، ثم قال: ﴿وحلوا أساور من فضة﴾ [الإنسان: ٢١] وفي آية أخرى ﴿يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤًا﴾ [الحج: ٣٢، وفاطر: ٣٣] فهي ثلاث أسورة، ثم قال : ﴿وسقاهم ربهم شرابًا طهورًا﴾ [الإنسان: ٢١]. وذلك أن على باب الجنة شجرة ينبع من ساقها عينان، فإذا جاز الرجل الصراط إلى العينين يدخل في عين منها فيغتسل فيها، فيخرج وريحه أطيب من المسك، طوله سبعون ذراعًا في السماء على طول آدم ﵇ وميلاد عيسى ﵇ أبناء ثلاث وثلاثين سنة، فأهل الجنة كلهم رجالهم ونساؤهم على قدر واحد يكبر الصغير

стр. 304

حتى يكون ابن ثلاث وثلاثين سنة وينحط الشيخ عن حاله إلى ثلاث وثلاثين سنة، كلهم رجالهم ونساؤهم على قدر واحد في حسن يوسف بن يعقوب ﵉، ويشرب من العين الأخرى، فينفى ما في صدره من غل أو هم أو حسد أو حزن، فيطهر الله قلبه بذلك الماء، فيخرج وقلبه على قلب أيوب، ولسانه على لسان محمد ﷺ عربي، ثم ينطلقون حتى يأتوا الباب، فتقول لهم الخزنة، طبتم، فيقولون: نعم، فيقولون: ادخلوها خالدين، يبشرونهم بالخلود قبل الدخول بأنهم لا يخرجون أبدًا، فأول ما يدخل من باب الجنة ومعه الملكان اللذان كانا معه في دار الدنيا الكرام الكاتبين. فإذا هو بملك معه نجيبة من ياقوتة حمراء زمامها من ياقوتة خضراء فإذا كانت النجيبة من ياقوتة حمراء كان زمامها من ياقوتة خضراء، فإذا كانت النجيبة من ياقوتة خضراء كان زمامها ياقوتة حمراء عليها راحلة مقدمها ومؤخرها در وياقوت، وصفحتاها الذهب والفضة، ومعه سبعون حلة، فيلبسها ويضع على رأسه التاج، ومعه عشرة آلاف غلام كاللؤلؤ المكنون، فيقول: يا ولي الله اركب فإن هذا لك، ولك مثلها، فيركبها ولها جناحان خطوها منتهى الصبر، فيسير على نجيبة وبين يديه عشرة آلاف غلام، ومعه الملكان اللذان كانا معه في الدنيا حتى يأتي إلى قصوره، فينزلها، ثم قال : ﴿إن هذا﴾ الذي وضعت لكم في هذه السورة ﴿كان لكم جزاء﴾ لأعمالكم من حسن الثواب ﴿وكان سعيكم﴾ [الإنسان: ٢٢] أي عملكم ﴿مشكورًا﴾ [الإنسان: ٢٢] يعني شكر الله أعمالكم فأثابكم الجنة". * * *

стр. 305

[باب: في ذكر فضائل الشهور والأيام] مجلس في فضائل شهر رجب قال الله : ﴿إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرًا في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض منها أربعة حرم﴾ [التوبة: ٣٦]. سبب نزول هذه الآية أن المؤمنين ساروا من المدينة إلى أهل مكة قبل أن يفتح على رسول الله ﷺ فقالوا: إنا نخاف أن يقاتلنا كفار مكة في الشهر الحرام، فأنزل الله تعالى: ﴿إن عدة الشهور عند الله أثنا عشر شهرًا في كتاب الله﴾ يعني في اللوح المحفوظ ﴿يوم خلق السموات والأرض منها أربعة حرم﴾ يعني من العدة حرم، يعني رجب، وذا القعدة، وذا الحجة، والمحرم، واحد فرد وهو رجب وثلاثة سرد متتابعة ﴿وذلك الدين القيم﴾ [التوبة: ٣٦] يعني الحساب القيم المستقيم ﴿فلا تظلموا فيهن أنفسكم﴾ [التوبة: ٣٦] يعني في الأشهر الحرم، خص الله تعالى بالنهي هذه الأربعة الأشهر ليبين لنا تمييزها بعظم حرمتها وتأكيد أمرها بالنهي عن الظلم فيها على غيرها من الشهور، وإن كان الظلم منهيًا عنه في سائر الشهور، كما قال الله تعالى: ﴿حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى﴾ [البقرة: ٢٣٨] أمر بالمحافظة على الصلاة الوسطى وهي العصر، وإن كان الأمر شاملًا في المحافظة لجميع الصلاة، وإنما أفرد الوسطى بالصلاة بالذكر لما ذكرنا من الاختصاص، والتمييز في الحرمة والتأكيد يعني بالظلم ألا تقتلوا فيهن أحدًا من مشركي العرب إلا أن يبدؤوكم بالقتل. وقال أبو يزيد ﵀: الظلم: هو لترك لطاعة الله تعالى والعمل بمعاصي الله . وقال غيره: هو وضع الشيء في غير موضعه، وهو راجع إلى ذلك، ثم قال تعالى: ﴿وقاتلوا المشركين﴾ [التوبة: ٣٦] يعني كفار مكة ﴿كافة﴾ [التوبة: ٣٦] جميعًا ﴿كما يقاتلونكم كافة﴾ [التوبة: ٣٦] يعني إن قاتلوكم في الشهر الحرام فقاتلوهم جميعًا ﴿واعلموا أن الله﴾ [التوبة: ٣٦] في النصر ﴿مع المتقين﴾ [التوبة: ٣٦].

стр. 306

واختلف أهل التفسير في ﴿الدين القيم﴾: فقال مقاتل ﵀: الدين القيم: هو الدين الحق. وقال آخرون: هو الدين الصادق، وهو دين الإسلام. وقال آخرون: هو دين الحنيفية. وقال آخرون: الدين القيم: هو الذي أمر الله به المسلمين. (فصل) ورجب: هو اسم من الأسماء المشتقة ، واشتقاقه من الترجيب. والترجيب: هو التعظيم عند العرب، يقال: رجبت هذا الشهر: إذا عظمته. ومن ذلك قول الحباب بن المنذر بن الجموح يوم سقيفة بني ساعدة، يوم توفى رسول الله ﷺ واختلف المهاجرون والأنصار في أمير ينصبونه، فقالت الأنصار: منا أمير ومنكم أمير ... القصة المشهورة، فغضب الحباب فسل سيفه وقال: أنا جذيلها المحكك، وعذيقها المرجب: أي أنا العظيم في قومي، المطاع فيهم، والعذيق: تصغير عذق، وهو النخلة الكريمة على أهلها، كانوا يعمدونها إذا مالت لئلا تسقط، والرجبة: البناء الذي يكون حول النخلة. وقوله: جذيلها المحكك: جذيل: تصغير جذل، وهو الجذع والنخلة التي تحتك بها الإبل الجرباء. وقيل: الجذل عود ينصب في معاطن الإبل يحتك به الفصال. وقال أبو زيد، عن يحيى بن زياد الفراء: إنما سمي رجب لأنهم كانوا يرجبون الأعذاق في هذا الشهر على النخل، ويشدونها بالخوص إلى السعف لئلا تنفضها الرياح، يقال منه: رجبت النخلة ترجيبًا: إذا فعلت بها ذلك. وقال آخرون: الترجيب: أن يوضع الشوك على الأعذاق حفظًا لها من تناول أيدي المستطعمين والتحرز من تناثر التمر على الأرض. وقال آخرون: الترجيب: أن تدعم النخلة إذا مالت بدعامة لئلا تسقط وتخر. وقال آخرون: هو مأخوذ من قول العرب: رجبت الشيء: أي هبته ورهبته. وقال آخرون: الترجيب: التأهب والاستعداد، لقول النبي ﷺ : "إنه ليرجب فيه خير كثير لشعبان".

стр. 307

وقال آخرون: الترجيب: تكرر ذكر الله تعالى وتعظيمه، لأن الملائكة يرجبون أصواتهم فيه بالتسبيح والتحميد والتقديس لله . ويقال: شهر رجم بالميم أيضًا، فيكون معناه: ترجم فيه الشياطين حتى لا يؤذوا فيه المؤمنين. فرجب ثلاثة أحرف، راء وجيم وباء. فالراء: رحمة الله ، والجيم: جود الله تعالى، والباء: بر الله ، فمن أول هذا الشهر إلى آخره من الله ثلاث عطايا للعباد، رحمة بلا عذاب، وجود بلا بخل، وبر بلا جفاء. (فصل) ولرجب أسماء أخر: منها أنه سمى رجب مضر، ومنصل الأسنة، وشهر الله الأصم، وشهر الله الأصب، والشهر المطهر، والشهر السابق، والشهر الفرد. أما قولهم: رجب مضر، فقد روي عن النبي ﷺ أنه قال في بعض خطبه: "إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، السنة اثنا عشر شهرًا منها أربعة حرم، ثلاث متواليات، ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، وواحد فرد وهو رجب مضر الذي بين جمادى وشعبان". وإنما عرف موضعه بقوله: بين جمادى وشعبان، إبطالًا للنسيء الذي كانت العرب تفعله في الجاهلية، وهو قوله : ﴿إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا﴾ [التوبة: ٣٧] وذلك أن العرب في الجاهلية كانت إذا أرادت الصدر من منى قام رجل من بني كنانة يقال له نعيم بن ثعلبة، وكان رئيس القوم، فيقول: أنا الذي أجاب ولا أعاب ولا يرد لي قضاء، فيقولون له: صدقت، أنسئنا شهرًا، يريدون: أخر عنا حرمة المحرم واجعلها في صفر، وأحل لنا المحرم. وإنما دعاهم إلى ذلك لئلا تتوالى عليهم ثلاثة أشهر لا يغيرون فيها، وقد كان معاشهم من الإغارة، فيفعل ذلك عامًا، ثم يرجع إلى تحريم المحرم، وإباحة صفر، فذلك الإنساء" ومنه قيل: نسأ الله في أجله، وأنسأ الله أجله.

стр. 308

فوصف النبي ﷺ رجب بصفتين وقيده بنعتين: أحدهما قوله: "رجب مضر" لأن مضر كانت تبالغ في تعظيمه وتكبيره وتحريمه. الثاني: أنه قيده بقوله بين جمادى وشعبان خوفًا من التقديم والتأخير كما جرى في تحريم المحرم إلى صفر، فخص الشهر وقيده، وأيد تحريمه وأكده. وقيل: إنما سمى رجب مضر، لأن بعض الكفار دعا على قبيلة من القبائل فيه فأهلكهم الله . وقيل: إن الدعاء فيه مستجاب على الظلمة، وكل جائر، ولهذا كانت الجاهلية يؤخرون دعواتهم على من ظلمهم، فيدعون عليه في رجب فلا يرد خائبًا. وأما منصل الأسنة، فلأنهم كانوا ينزعون الأسنة فيه عن الرماح، ويغمدون سيوفهم وسهامهم تهيئًا له وتعظيمًا، فسمي بذلك منصل الأسنة، ويقال نصلت السهم: إذا جعلت له نصلًا، وأنصلته: إذا نزعت عنه نصله. وأما شهر الله الأصم، فلما روي عن عثمان بن عفان ﵁ أنه لما استهل رجب رقي المنبر يوم الجمعة وخطب ثم قال: ألا إن هذا شهر الله الأصم، وهو شهر زكاتكم، فمن كان عليه دين فليؤد دينه، ثم ليزك ما بقي. قال ابن الأنباري: أما قوله الأصم، فإنما سمي بذلك لأن العرب كانت تظل تحارب بعضها بعضًا، فإذا أهل رجب وضعوا السلاح ونزعوا الأسنة، فلا تسمع فيه قعقعة السلاح، ولا صلصلة الرماح، وكان الرجل إذا ركب في طلب قاتل أبيه فإذا رآه في رجب لم يتعرض له، كأنه لم يره ولم يسمع له خبرًا، فسمي أصم لذلك. وقيل: سمي أصم لأنه لم يسمع فيه غضب الله تعالى على قوم قط، لأن الله تعالى عذب الأمم الماضية في سائر الشهور، ولم يعذب أمة من الأمم في هذا الشهر. وفي هذا الشهر حمل الله نوحًا في السفينة، فجرت به ومن معه في السفينة ستة أشهر. قال إبراهيم النخعي: إن رجب شهر الله تعالى، فيه حمل الله نوحًا في السفينة، فصامه نوح ﵇ وأمر بصيامه من كان معه، فأمنه الله تعالى، ومن كان معه من الطوفان، وطهر الأرض من الشرك والعدوان. ورفع ذلك غيره إلى النبي ﷺ وهو ما أخبرنا به هبة الله بإسناده عن أبي حازم، عن

стр. 309

سهل بن سعد ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "ألا إن رجب من الأشهر الحرم، وفيه حمل الله نوحًا في السفينة، فصامه نوح في السفينة، وأمر من كان معه بصيامه، فأنجاهم الله تعالى وأمنهم من الغرق، وطهر الله الأرض من الكفر والطغيان بالطوفان". وقيل: إنه سمى أصم لأنه أصم عن جفائك وزلتك وسميع بفضلك يا مؤمن وشرفك، فجعله الله تعالى أصم من جفائك وزلتك، لئلا يشهد عليك بها يوم القيامة، بل يكون شهيدًا لك لما سمع من فضلك وإحسان العمل فيه. وأما الأصب فمعناه، أنه تصب الرحمة فيه صبًا على العباد، ويعطيهم الله تعالى من الكرامات والمثوبات ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. من ذلك ما أخبرنا الشيخ هبه الله بن المبارك السقطي ﵀ بإسناد عن إبراهيم، عن علقمة، عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: " ﴿إن عدة الشهور عند الله أثنا عشر شهرًا في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض منها أربعة حرام﴾ [التوبة: ٣٦]. فوجب يقال له شهر الله الأصم، وثلاث أخر متواليات، يعني: ذا القعدة وذا الحجة والمحرم، ألا إن رجب شهر الله، وشعبان شهري، ورمضان شهر أمتى. فمن صام من رجب يومًا إيمانًا واحتسابًا استوجب رضوان الله الأكبر، وأسكن الفردوس الأعلى، ومن صام منه يومين فله من الأجر ضعفان، وزن كل ضعف مثل جبال الدنيا، ومن صام من رجب ثلاثة أيام جعل الله بينه وبين النار خندقًا طوله مسيرة سنة، ومن صام من رجب أربعة أيام عوفى من البلايا ومن الجنون والجذام والبرص ومن فتنة المسيح الدجال، ومن صام منه خمسة أيام وقى من عذاب القبر، ومن صام منه ستة أيام خرج من قبره ووجهه أضوأ من القمر في ليلة البدر، ومن صام منه ثمانية أيام فإن للجنة ثمانية أبواب، يفتح الله له بصوم كل يوم بابًا من أبوابها، ومن صام منه تسعة أيام خروج من قبره وهو ينادي: أشهد أن لا إله إلا الله ولا يرد وجهه دون الجنة، ومن صام منه عشرة أيام جعل الله تعالى له على كل ميل من الصراط فراشًا يستريح عليه، ومن صام منه حدى عشر يومًا لم ير في القيامة أفضل منه، إلا من صام مثله أو زاد عليه، ومن صام من رجب اثنى عشر يومًا كساه الله تعالى يوم القيامة

стр. 310

حلتين، الحلة الواحدة خير من الدنيا وما فيها، ومن صام من رجب ثلاثة عشر يومًا يوضع له يوم القيامة مائدة في ظل العرش فيأكل عليها والناس في شدة شديدة، ومن صام من رجب أربعة عشر يومًا أعطاه الله ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على بال بشر، ومن صام منه خمسة عشر يومًا يوفقه الله تعالى يوم القيامة موقف الآمنين، ولا يمر به ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا قال له: طوبي لك إنك من الآمنين". وفي لفظ آخر: زيادة على خمسة عشر، وهي: "من صام منه ستة عشر يومًا كان في أوائل من يزور الرحمن وينظر إليه ويسمع كلامه، ومن صام منه سبعة عشر يومًا ينصب الله له على كل ميل من الصراط مستراحًا يستريح عليه، ومن صام منه ثمانية عشر يومًا زاحم إبراهيم الخليل ﵇ في قبته، ومن صام منه تسعة عشر يومًا بنى الله له قصرًا في الجنة تجاه قصر إبراهيم وآدم ﵉ ويسلم عليهما ويسلمان عليه، ومن صام منه عشرين يومًا، نادى مناد من السماء: يا عبد الله أما قد مضى فقد غفره الله لك، فاستأنف العمل فيما بقى". وأما المطهر فلأنه يطهر صائمه من الذنوب والخطيئات، فمن ذلك ما أخبرنا به الشيخ الإمام هبة الله بن المبارك السقطي ﵀ عن الحسن بن أحمد بن عبد الله المقري بإسناده عن هارون بن عنترة، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن شهر رجب شهر عظيم من صام منه يومًا كتب الله تعالى له صوم ألف سنة، ومن صام منه يومين كتب الله له صوم ألفي سنة، ومن صام منه ثلاثة أيام كتب الله تعالى له صوم ثلاثة آلاف سنة، ومن صام منه سبعة أيام أغلقت عنه سبعة أبواب جهنم، ومن صام منه خمسة عشر يومًا بدلت سيئاته حسنات، ونادى مناد من السماء: قد غفر لك، فاستأنف العمل، ومن زاد زاده الله تعالى". وأخبرنا الشيخ الإمام هبة الله بن المبارك بإسناده عن يونس، عن الحسن ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من صام يومًا من رجب عدل له بصيام سنتين، ومن

стр. 311

صام النصف من رجب عدل له بصيام ثلاثين سنة". وأخبرنا الشيخ الإمام هبة الله، عن الحسن بن أحمد بن عبد الله المقري بإسناده عن العلاء بن كثير، عن مكحول ﵀ قال: إن رجلًا سأل أبا الدرداء ﵁ عن صيام رجب، فقال له: سألت عن شهر كانت الجاهلية تعظمه في جاهليتها، وما زاده الإسلام إلا فضلًا وتعظيمًا، ومن صام منه يومًا تطوعًا يحتسب به ثواب الله تعالى، ويبتغي به وجهه مخلصًا، أطفأ صومه ذلك اليوم غضب الله تعالى، وأغلق عنه بابًا من أبواب النار، ولو أعطى ملء الأرض ذهبًا ما كان جزاء له، ولا يستكمل أجر شيء من الدنيا دون يوم الحساب وله إذا أمسى عشر دعوات مستجابات، فإن دعا به لشيء من عاجل الدنيا أعطيه، وإلا ادخر له من الخير كأفضل ما دعا به داع من أولياء الله تعالى وأصفيائه. ومن صام يومين كان له مثل ذلك، وله مع ذلك أجر عشرة من الصديقين في عمرهم، بالغة أعمارهم ما بلغت، ويشفع في مثل ما يشفعون فيه، ويكون في زمرتهم حتى يدخل الجنة معهم، ويكون من رفقائهم. ومن صام ثلاثة أيام، كان له مثل ذلك، وفال الله تعالى عند إفطاره: لقد وجب حق عبدي هذا ووجبت له محبتي وولايتي، أشهدكم يا ملائكتي أني قد غفرت له من ذنبه ما تقدم وما تأخر. ومن صام أربعة أيام كان له مثل ذلك، وثواب أولي الألباب التوابين، ويعطي كتابه في أوائل الفائزين. ومن صام خمسة أيام كان له مثل ذلك، ويبعث يوم القيامة ووجهه مثل القمر ليلة البدر، ويكتب له عدد رمل عالج حسنات، ويدخل الجنة، ويقال له: تمن على الله ما شئت. ومن صام ستة أيام كان له مثل ذلك، ويعطي سوى ذلك نورًا يستضيء به أهل الجمع في القيامة، ويبعث في الآمنين حتى يمر على الصراط بغير حساب، ويعافى من عقوق الوالدين وقطيعة الرحم ويقبل الله عليه بوجهه إذا لقيه يوم القيامة. ومن صام سبعة أيام كان له مثل ذلك، ويغلق عنه سبعة أبواب النار، ويحرمه الله على النار، ويوجب له الجنة يتبوأ منها حيث يشاء.

стр. 312

ومن صام ثمانية أيام كان له مثل ذلك، وفتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخلها من أي باب شاء. ومن صام تسعة أيام كان له مثل ذلك، ويرفع كتابه في عليين، ويبعث يوم القيامة في الآمنين ويخرج من قبره، ووجهه نور يتلألأ، ويشرق لأهل الجمع حتى يقولوا هذا نبي مصطفى، وإن أدنى ما يعطي أن يدخل الجنة بغير حساب. ومن صام عشرة أيام فبخ فبخ فبخ له، فيعطي مثل ذلك وعشرة أضعافه، وهو ممن يبدل الله سيئاته حسنات، ويكون من المقربين القوامين لله بالقسط، وكان كمن عبد الله ألف عام صائمًا قائمًا صابرًا محتسبًا. ومن صام عشرين يومًا كان له مثل ذلك وعشرون ضعفًا وهو ممن يزاحم إبراهيم خليل الله ﵇ في قبته، ويشفع في مثل ربيعة ومضر، كلهم من أهل الخطايا والذنوب. ومن صام ثلاثين يومًا كان له مثل ذلك وثلاثون ضعفًا، وينادي مناد من السماء أبشر يا ولي الله بالكرامة العظمى، قال: وما الكرامة العظمى؟ قال: النظر إلى وجه الله تعالى الجميل، ومرافقة النبيين والصديقين والشهداء الصالحين، وحسن أولئك رفيقًا، طوبي لك غدًا إذا كشف الغطاء، وأفضيت إلى جسيم ثواب ربك الكريم، فإذا نزل به ملك الموت سقاه الله تعالى عند خروج نفسه شربة من حياض الفردوس، ويهون عليه سكرات الموت حتى ما يجد ألم الموت، ويظل في قبره ريان، ويظل في الموقف ريان حتى يرد حوض النبي ﷺ ، وإذا خرج من قبره شيعه سبعون ألف ملك، معهم النجائب من الدر والياقوت، ومعهم طرائف الحلي والحلل، فيقولون له: يا ولي الله، النجاء النجاء إلى ربك الذي أظمأت له نهارك، وأنحلت له جسمك، فهو من أول الناس دخولًا جنات عدن يوم القيامة مع الفائزين، -رضي الله عنهم ورضوا عنهم-، وذلك هو الفوز العظيم. قال: وإن كان له في كل يوم يصومه صدقة على زنة قوته، تصدق بها، فهيهات هيهات هيهات ثلاثًا، لو اجتمع جميع الخلائق على أن يقدروا قدر ما أعطى ذلك العبد من الثواب ما بلغوا معشار العشر مما أعطى الله ذلك العبد من الثواب". وعن عبد الله بن الزبير ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: من فرج عن مؤمن

стр. 313

كربة في شهر رجب، وهو شهر الله الأصم، أعطاه الله تعالى في الفردوس قصرُا مد بصره ألا فأكرموا رجب يكرمكم الله بألف كرامة. وعن عقبة عن سلامة بن قيس يرفعه إلى النبي ﷺ أنه قال: "من تصدق في رجب باعده الله من النار كمقدار غراب طار فرخًا من وكره في الهواء، حتى مات هرمًا" وقيل الغراب يعيش خمسمائة عام. وأما السابق، فلأنه أول الأشهر الحرام. وأما الفرد، فلأنه مفرد عن إخوانه، كما روي ثور بن يزيد، قال: قال رسول الله ﷺ في حجة الوداع في خطبته: "ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، السنة اثنا عشر شهرًا، منها أربعة حرم، ثلاث متواليات: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، وواحد فرد: رجب مضر الذي بين جمادي وشعبان". (فصل آخر): عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: "رجب شهر الله، وشعبان شهري، ورمضان شهر أمتي". وعن موسى بن عمران قال: سمعت أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن في الجنة نهرًا يقال له رجب، أشد بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل، من صام يومًا من رجب سقاه الله من ذلك النهر". وعن أنس بن مالك أنه قال: "إن في الجنة قصرًا لا يدخله إلا صوام رجب". وعن أبي هريرة ﵁ أنه قال: "لم يصم رسول الله ﷺ شهرًا بعد رمضان إلا رجب وشعبان". وعن أنس ﵁ أيضًا قال: قال رسول الله ﷺ : "من صام ثلاثة أيام من الشهر الحرام الخميس والجمعة والسبت، كتب الله له عبادة تسعمائة سنة".

стр. 314

وقيل: رجب لترك الجفاء، وشعبان للعمل والوفاء، ورمضان للصدق والصفاء. رجب شهر التوبة، شعبان شهر المحبة، رمضان شهر القربة. رجب شهر الحرمة، شعبان شهر الخدمة، رمضان شهر النعمة. رجب شهر العبادة، شعبان شهر الزهادة، رمضان شهر الزيادة. رجب شهر يضاعف الله فيه الحسنات، شعبان شهر تكفر فيه السيئات، رمضان شهر تنتظر فيه الكرامات. رجب شهر السابقين، شعبان شهر المقتصدين، رمضان شهر العاصين. وقال ذو النون المصري ﵀: رجب لترك الآفات، وشعبان لاستعمال الطاعات، ورمضان لانتظار الكرامات، فمن لم يترك الآفات، ولم يستعمل الطاعات، ولم ينتظر الكرامات، فهو من أهل الترهات. وقال أيضًا ﵀: رجب شهر الزرع، وشعبان شهر السقي، ورمضان شهر الحصاد، وكل يحصد ما زرع، ويجزي ما صنع، ومن ضيع الزراعة ندم يوم حصاده، وأخلف ظنه مع سوء معاده. وقال بعض الصالحين: السنة شجرة، رجب أيام إيراقها، وشعبان أيام إثمارها، ورمضان أيام قطافها. وقيل: خص رجب بالمغفرة من الله تعالى، وشعبان بالشفاعة، ورمضان بتضعيف الحسنات، وليلة القدر بإنزال الرحمة، ويوم عرفة بإكمال الدين، كما قال الله تعالى: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم]، ويوم الجمعة بإجابة أدعية الداعين، ويوم العيد بالعتق من النار، وفكاك رقاب المؤمنين. وروي زياد المازني، عن الحسين بن علي ﵄ أنه قال: صوم رجب وشعبان توبة من الله . وروى عن سلمان الفارسي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من صام يومًا من رجب، فكأنما صام ألف سنة، وكأنما اعتق ألف رقبة، ومن تصدق فيه بصدقة، فكأنما تصدق بألف دينار، وكتب الله له بكل شعرة على بدنه ألف حسنة، ورفعت ألف درجة، ومحا عنه ألف سيئة، وكتب له بكل يوم يصومه وبكل صدقة يتصدق بها ألف حجة وألف عمرة، وبني له في الجنة ألف دار وألف قصر وألف

стр. 315

حجرة، في كل حجرة ألف مقصورة، وفي كل مقصورة ألف حور، كل حور أحسن من الشمس ألف مرة". (فضل: في فضل صيام أول يوم من رجب، وقيام أول ليلة منه). أخبرنا الإمام الشيخ هبة الله السقطي ﵀ بإسناده عن أنس بن مالك ﵁، قال: "كان رسول الله ﷺ إذا دخل رجب، قال: اللهم بارك لنا في رجب وشعبان وبلغنا رمضان كما بلغتنا رجب". وأخبرنا الشيخ الإمام هبة الله السقطي بإسناده عن ميمون بن مهران بإسناده عن أبي ذر ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: "من صام أول يوم من رجب عدل صيام شهر، ومن صام سبعة أيام أغلقت عنه أبواب جهنم السبعة، ومن صام ثمانية أيام فتحت له أبواب الجنة الثمانية، ومن صام منه عشرة أيام، بدل الله سيئاته حسنات، ومن صام منه ثمانية عشر يومًا نادى منادي من الماء: قد غفر لك فاستأنف العمل". وأخبرنا الشيخ الإمام هبة الله بإسناده عن سلامة بن قيس يرفعه إلى النبي ﷺ : "من صام أول يوم من رجب تباعدت عنه ذنوبه بقدر ما بين السماء والأرض وذكر باقي الحديث". وعن أنس بن مالك يرفعه "من صام أول يوم من رجب كفر الله عنه ذنوبه سنتين، ومن صام خمسة عشر يومًا حاسبه الله حسابًا يسيرًا، ومن صام ثلاثين يومًا من رجب كتب الله له رضوانه ولم يعذبه". وروي أن عمر بن عبد العزيز ﵀ كتب إلي الحجاج بن أرطأة وهو على البصرة وقيل: إلى عدي بن أرطأة: عليك بأربع ليال في السنة فإن الله تعالى يفرغ فيهن الرحمة إفراغًا، وهي أول ليلة من رجب، وليلة النصف من شعبان، وليلة السابع والعشرين من رجب، وليلة الفطر. وعن خالد بن معدان ﵀ أنه قال: خمس ليال في السنة من واظب عليهن رجاء ثوابهن، وتصديقًا بوعدهن، أدخله الله تعالى الجنة: أول ليلة من رجب يقوم ليلها

стр. 316

ويصوم نهارها، وليلتي العيدين يقوم ليلهما ويفطر نهارهما وليلة النصف من شعبان يقوم ليلها ويصوم نهارها، وليلة عاشوراء يقوم ليلها ويصوم نهارها. (فصل) وقد جمع بعض العلماء ﵏ الليالي التي يستحب إحياؤها فقال: إنها أربع عشرة ليلة في السنة، وهي أول ليلة من شهر المحرم، وليلة عاشوراء، وأول ليلة من شهر رجب، وليلة النصف منه، وليلة سبع وعشرين منه، وليلة النصف من شعبان، وليلة عرفة، وليلتا العيدين، وخمس ليال منها في شهر رمضان وهي وتر ليالي العشر الأواخر. وكذلك يستحب مواصلة سبعة عشر يومًا بالأوراد والمواظبة على العبادة فيها، وهي: يوم عرفة، ويوم عاشوراء، ويوم النصف من شعبان، ويوم الجمعة، ويوما العيدين، والأيام المعلومات وهي عشر ذي حجة، والأيام المعدودات وهي أيام التشريق، وأكدها يوم الجمعة وشهر رمضان، لما روي أنس ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إذا سلم يوم الجمعة سلمت الأيام وإذا سلم شهر رمضان سلمت السنة". ثم آكد الأيام وأفضلها بعد ذلك يوم الاثنين والخميس، وهما يومان ترفع فيهما الأعمال إلى الله . (فصل: في الأدعية المأثورة في أول ليلة من رجب) ويستحب أن يدعو في أول ليلة من رجب إذا فرغ من صلاته بهذا الدعاء وهو أن يقول: إلهي تعرض لك في هذه الليلة المتعرضون، وقصدك القاصدون، وأمل فضلك ومعروفك الطالبون، ولك في هذه الليلة نفحات وجوائز وعطايا ومواهب، تمن بها على من تشاء من عبادك، وتمنعها ممن لم تسبق له العناية منك، وها أنا عبدك الفقير إليك، المؤمل فضلك ومعروفك، فإن كنت يا مولاي تفضلت في هذه الليلة على أحد من خلقك وجدت عليه بعائدة من عطفك، فصل على محمد وآله، وجد على بطولك ومعروفك يا رب العالمين. وكان علي بن أبي طالب ﵁ يفرغ نفسه للعبادة في أربع ليال في السنة وهي: أول ليلة من رجب، وليلة الفطر، وليلة الأضحى، وليلة النصف من شعبان.

стр. 317

وكان من دعائه فيها" اللهم صل على محمد وآله ومصابيح الحكمة وموالي النعمة ومعادن العصمة، واعصمني بهم من كل سوء، ولا تأخذني على غرة ولا على غفلة، ولا تجعل عواقب أمري حسرة وندامة، وارض عني، فإن مغفرتك للظالمين وأنا من الظالمين، اللهم اغفر لي ما لا يضرك، وأعطني ما لا ينفعك، فإنك الواسعة رحمته، البديعة حكمته، فأعطني السعة والدعة والأمن والصحة والشكر والمعافاة والتقوى والصبر والصدق عليك وعلى أوليائك، وأعطني اليسر مع العسر، وأعمم بذلك أهلي وولدي وإخواني فيك، ومن ولدتني من المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات. (فصل: في الصلاة الواردة في شهر رجب) أخبرنا الشيخ الإمام هبة الله بن المبارك السقطي حدثنا محمد بن أحمد المحاملي، حدثنا علي بن محمد المعدل بن إسماعيل بن محمد الصفار، أخبرنا سعدان بن نصر بن منصورًا البزار، أخبرنا سفيان بن عيينة عن الأعمش عن طارق بن شهاب عن سلمان ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال وقد استهل رجب: "يا سلمان ما من مؤمن ولا مؤمنة يصلي في هذا الشهر ثلاثين ركعة يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب و ﴿قل هو الله أحد﴾ ثلاث مرات، و ﴿قل يا أيها الكافرون ...﴾ ثلاث مرات، إلا محا الله عنه ذنوبه، وأعطى من الأجر كمن صام الشهر كله، وكان من المصلين إلى السنة المقبلةـ ورفع له كل يوم عمل شهيد من شهداء بدر، وكتب له بصيام كل يوم عبادة سنة، ورفع له ألف درجة، فإن صام الشهر كله وصلى هذه الصلاة أنجاه الله من النار وأوجب له الجنة، وكان في جوار الله سبحانه، أخبرني بذلك جبريل ﵇ وقال: يا محمد هذه علامة بينكم وبين المشركين والمنافقين، لأن المنافقين لا يصلون ذلك. قال سلمان ﵁: قلت يا رسول الله، أخبرني كيف أصليها ومتى أصليها. قال: يا سلمان تصلي في أوله عشر ركعات تقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب مرة واحدة، و ﴿قل هو الله أحد ....﴾ ثلاث مرات، و ﴿قل يا أيها الكافرون ...﴾ ثلاث مرات، فإذا سلمت رفعت يديك وقلت: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيى ويميت وهو حي لا يموت، بيده الخير وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد، ثم امسح بهما وجهك.

стр. 318

وصل في وسط الشهر عشر ركعات اقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب مرة واحدة، و ﴿قل هو الله أحد ...﴾ ثلاث مرات، و ﴿قل يا أيها الكافرون ..﴾ ثلاث مرات، فإذا سلمت فارفع يديك إلى السماء وقل: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو حي لا يموت، بيده الخير وهو على كل شيء قدير، إلهًا واحدًا صمدًا فردًا وترًا، لم يتخذ صاحبة ولا ولدًا، ثم امسح بهما على وجهك. وصل في آخر الشهر عشر ركعات اقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب مرة واحدة، و ﴿قل هو الله أحد ...﴾ ثلاث مرات، و ﴿قل يا أيها الكافرون ...﴾ ثلاث مرات، فإذا سلمت فارفع يديك إلى السماء وقل: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت، بيده الخير وهو على كل شيء قدير، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله الطاهرين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وسل حاجتك يستجب لك دعاؤك، ويجعل الله بينك وبين جهنم سبعين خندقًا، كل خندق كما بين السماء والأرض، ويكتب لك بكل ركعة ألف ألف ركعة، ويكتب لك براءة من النار وجوازًا على الصراط". قال سلمان ﵁: فلما فرغ النبي ﷺ من الحديث، خررت ساجدًا أبكي شكرًا لله تعالى لما سمعت من هذه الزيادة، وجدت في كتاب العمل بالسنة، والله أعلم. فصل في تأكيد الفضيلة في صوم أول الخميس من رجب والصلاة في أول ليلة الجمعة أخبرنا الشيخ أبو البركات هبة الله السقطي، اخبرنا القاضي أبو الفضل جعفر بن يحيى بن الكمال المكي، أخبرنا أبو عبد الله بن الحسين بن عبد الكريم بن محمد بن محمد الجزري بمكة في المسجد الحرام، أخبرنا أبو الحسن علي بن عبد الله بن جهضم الهمداني، أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد بن سعيد السعدي البصري، أخبرنا أبي، قال: أخبرنا خلف بن عبد الله الصغاني، عن حميد الطويل، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "رجب شهر الله، وشعبان شهري، ورمضان شهر أمتي، قيل: يا رسول الله ما معنى قولك شهر الله؟ قال ﷺ : لأنه مخصوص بالمغفرة، وفيه تحقن الدماء، وفيه تاب الله تعالى على أنبيائه، وفيه أنقد أولياءه من يد أعدائه، ومن صامه استوجب على الله ثلاثة أشياء: مغفرة لجميع ما سلف من ذنوبه، وعصمة فيما بقي من

стр. 319

عمره، وأما الثالث فيأمن العطش يوم العرض الأكبر، فقام شيخ ضعيف فقال: يا رسول الله إني أعجز عن صيامه كله، فقال رسول الله ﷺ : صم أول يوم منه وأوسط يوم فيه، وآخر يوم منه، فإنك تعكي ثواب من صامه كله، فإن الحسنة بعشر أمثالها، ولكن لا تغفلوا عن أول ليلى جمعة في رجب، فإنها ليلة تسميها الملائكة ليلة الرغائب، وذلك أنه إذا مضى ثلث الليل لا يبقى ملك في جميع السموات والأرضين إلا ويجتمعون في الكعبة وحواليها، فيطلع الله تعالى عليهم اطلاعة فيقول: ملائكتي سلوني ما شئتم، فيقولون: ربنا حاجتنا إليك أن تغفر لصوام رجب، فيقول الله تعالى: قد فعلت ذلك. ثم قال رسول الله ﷺ : فما من أحد يصوم يوم الخميس أول خميس في رجب، ثم يصلي فيما بين المغرب والعشاء العتمة -يعني ليلة الجمعة- اثنتا عشرة ركعة، يقرأ في كل ركعة بقاتحة الكتاب مرة و ﴿إنا انزلناه في ليلة القدر ....﴾ ثلاث مرات، و ﴿قل هو الله أحد ..﴾ اثنتا عشرة مرة، يفصل بين كل ركعتين بتسليمة، فإذا فرغ من صلاته صلى علي سبعين مرة يقول: الله صل على محمد النبي الأمي وعلى آله وسلم، ثم يسجد سجدة يقول في سجوده: سبوح قدوس رب الملائكة والروح سبعين مرة، ثم يرفع رأسه فيقول: رب اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم، فإنك أنت العزيز الأعظم سبعين مرة، ثم يسجد الثانية فيقول فيها مثل ما قال في السجدة الأولى، ثم يسأل الله حاجته في سجوده، فإنها تقضى". قال رسول الله ﷺ : "والذي نفسي بيده ما من عبد ولا أمة صلى هذه الصلاة إلا غفر الله له جميع ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر وعدد الرمل ووزن الجبال، وعدد قطر الأمطار ووزن الأشجار، وشفع يوم القيامة في سبعمائة من أهل بيته، فإذا كانت أول ليلة في قبره جاءه ثواب هذه الصلاة بوجه طلق ولسان ذلق، فيقول له: يا حبيبي أبشر فقد نجوت من كل شدة، فيقول: من أنت؟ فو الله ما رأيت رجلًا أحسن وجهًا من وجهك، ولا سمعت كلامًا أحلى من كلامك، ولا شممت رائحة أحلى من رائحتك، فيقول له: يا حبيبي أنا ثواب تلك الصلاة التي صليتها في ليلة كذا في شهر كذا في سنة كذا، جئت الليلة لأقضي حاجتك، وأؤنس وحدتك، وأدفع عنك وحشتك، فإذا نفخ في الصور أظللتك في عرصات القيامة على رأسك، فأبشر فلن تعدم الخير من مولاك أبدًا".

стр. 320

(فصل: في فضل صيام يوم السابع والعشرين من رجب) أخبرنا الشيخ أبو البركات هبة الله السقطي، قال: أخبرنا الشيخ الحافظ أبو بكر أحمد بن علي ثابت بن الخطيب، قال: أخبرنا عبد الله بن علي بن محمد بشير، قال: أخبرنا علي بن عمر الحافظ، أخبرنا أبو بكر نصر بن جيشون بن موسى الخلال، أخبرنا علي بن سعيد الديلمي، أخبرنا ضمرة بن ربيعة القرشي عن ابن شوذب عن مطر صام يوم السابع والعشرين من رجب كتب له ثواب صيام ستين شهرًا، وهو أول يوم نزل فيه جبريل على النبي ﷺ بالرسالة". وأخبرنا هبة الله بإسناده عن الحسن البصري ﵀ قال: "كان عبد الله بن عباس ﵄ إذا كان يوم السابع والعشرين من رجب أصبح معتكفًا وظل مصليًا إلى وقت الظهر، فإذا صلى الظهر تنفل هنيهة، ثم صلى أربع ركعات يقرأ في كل ركعة ﴿الحمد لله ...﴾ مرة، والمعوذتين مرة، و ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر ....﴾ ثلاثًا، و ﴿قل هو الله أحد ...﴾ خمسين مرة، ثم يخلد إلى الدعاء إلى قوت العصر ويقول: هكذا كان يصنع رسول الله ﷺ في هذا اليوم". وأخبرنا هبة الله بإسناده عن أبي سلمة، عن أبي هريرة وسلمان الفارسي ﵄ قالا: قال رسول الله ﷺ : "إن في رجب يومًا وليلة من صام ذلك اليوم وقام تلك الليلة كان له من الأجر كمن صام مائة سنة وقامها" وهي لثلاث بقين من رجب، وهو اليوم الذي بعث فيه نبينا ﷺ . (فصل: في آداب الصيام، وما ينهي عنه من الآثام) يننبغي للصائم أن يجرد صومه من الآثام ويتمه بتقوى الله لما أخبرنا به الشيخ هبة الله، قال: أخبرنا الحسن بن أحمد بن عبد الله الفقيه الحنبلي، قال: أخبرنا محمد بن أحمد الحافظ، قال: أخبرنا الحسين بن جعفر الواعظ، قال: أخبرنا أحمد بن عيسى بن السكن، قال: أخبرنا ابن إسحاق الملقب بالحسام قال: أخبرنا إسحاق بن رزين الراسني، قال: أخبرنا إسماعيل بن يحيى، قال: أخبرنا مسعر بن كدام، عن
следующие страницы →