← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 17817

الغنية لطالبي طريق الحق

عبد القادر الجيلاني

Полный текст (666 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

عليهم ولا تارك لجماعتهم)). فليجتهد المرء في الاعتزال عن الناس ما استطاع إلا ممن يكون عونًا له في أمر دينه، لأن الكذب إنما يجري بين اثنين، والفجور بين اثنين، وقتل النفس بين اثنين وقطع المال بين اثنين، والسلامة من ذلك في الاعتزال والانفراد. * * * (فصل: في آداب السفر والصحبة فيه) وإذا أراد سفرًا أو حجًا أو غزوًا أو تحولًا من دار إلى دار أو طلب حاجة فليصل ركعتين، ثم يطلب حاجته، ويتحول. وأما في السفر فليقل على إثر الركعتين: ((اللهم بلغ بلاغًا مبلغ خير ومغفرة منك ورضوانًا بيدك الخير وأنت على كل شيء قدير، اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل والمال والولد، اللهم هو علينا السفر واطو لنا البعيد، اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر وكآبة المنقلب وسوء المنظر في الأهل والولد والمال)). ويتحرى أن يكون ذلك بكرة خميس أو سبت أو اثنين. وإذا استوى على راحلته قال: ﴿سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين * وإنا إلى ربنا لمنقلبون﴾ [الزخرف: ١٣ - ١٤]. وإذا رجع من السفر صلى ركعتين وقال: ((آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون))، لأنه روى عن النبي- ﷺ أنه كان يفعله. وإذا خرج فلا يكن قائدًا للناس إذا وجد من يقودهم، ولا يشير عليهم بمنازل ينزلونها إذا وجد من يكفيه ذلك. وعليه بالصمت وحسن الصحبة وكثرة المنفعة لإخوانه، وإياه والقيل والقال. ولا ينزل على الطريق ولا على ماء، فإن مأوى الحيات والسباع بل يتنحى عنه، ولا يعرس على الطريق فإنه مكروه. وينبغي أن يكون سفره على لسان المعرفة.

стр. 72

ويخرج من أوصافه المذمومة إلى صفاته المحمودة، فيخرج من هواه إلى طلب رضا مولاه بتصحيح تقواه. فأول ما يجب عليه إذا أراد أن يسافر من بلده أن يرضي خصومه ويرضي والديه أو من هو في حكمهما من الأجداد والخالات. ويخلف لعياله ما يمونهم في مدة سفره، أو يستصحبهم ويحملهم معه. وينبغي أن يكون سفره لطاعة من الطاعات كالحج أو زيارة النبي- ﷺ أو زيارة شيخ أو موضع من المواضع الشريفة. أو لمباح كالتجارة والعلم بعد أحكام علوم العبادات الخمس، لأن علمها فريضة وما وراءها مباح وفيه فضل، وقيل فرض على الكفاية. وينبغي أن يعاشر أصحابه في سفره بحسن الخلق وجميل المداراة، وترك المخالفة واللجاج في جميع الأشياء. ويشتغل بخدمة أصحابه في السفر ولا يستخدم أحدًا إلا عند الضرورة، ويجتهد أبدًا أن يكون في سفره على الطهارة. ومن آداب الصحبة أن يقف مع صاحبه إذا عيي، ويسقيه الماء إذا عطش، ويرفق به إذا ضجر، ويداريه إذا غضب، ويحفظه ورحله إذا نام، ويؤثره إذا قل الزاد، ويواسيه بما يفتح له، ولا ينفرد به دونه، ولا يكتمه سرًا، ولا يفشى له سرًا، ولا يستظهره إلا بجميل، ويرد غيبته، ويحسن ذكره عند الرفقة، ولا يعيبه عندهم، ولا يشكو منه إليهم، ويتحمل أذاه، وينصحه إذا شاوره، ويسأله عن اسمه وبلده ونسبه وإن كان أرفع منه منزلة. ويظهر للرفقة أنه تابع له وإن كان هو المتبوع، وأوضح لتابعه عيوب نفسه على طريق النصح له لا على طريق التوبيخ والتعنيف. وينبغي أن يتعوذ من كل شيء يخافه عندما يحل بموضع أو ينزل بمنزل أو يجلس في مكان، أو ينام فيه بأن يقول: ((أعوذ بالله وبكلماته التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر، وبأسماء الله الحسنى كلها ما علمت منها وما لم أعلم من شر ما خلق وذرأ وبرأ، ومن شر ما ينزل من السماء وما يعرج فيها، ومن شر ما ذرأ في الأرض ومن شر ما يخرج منها، ومن فتن

стр. 73

الليل والنهار، ومن طارق الليل والنهار إلا طارقًا يطرق منك بخير، يا أرحم الراحمين، ومن كل دابة ربي آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم)). ولا يتخذ في الركاب الأجراس، لأن النبي- ﷺ قال: ((إنه مع كل جرس شيطان)). وقال- ﷺ : ((إن الملائكة لا تصحب رفقة فيها جرس)). ويستحب أن يصحب في سفره عصا، ويجتهد ألا يخلو منها، لما روى ميمون بن مهران عن ابن عباس ﵄ قال: ((إمساك العصا سنة الأنبياء وعلامة المؤمنين)). وقال الحسن البصري ﵀: ((في العكازة ست خصال: سنة الأنبياء، وزي الصالحين، وسلاح على الأعداء- يعني الحية والكلب وغير ذلك-، وعون الضعفاء، وغم المنافقين، وزيادة في الحسنات)). ويقال: إذا كان مع المؤمنين العصا هرب الشيطان منه، وخشع منه المنافق والفاجر، وتكون قبلته إذا صلى، وقوته إذا أعيي، وفيها منافع كثيرة كما قال الله في قصة موسى ﵇: ﴿هي عصاي أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى﴾ [طه: ١٨]. (فصل: ولا يجوز خصاء شيء من الحيوان والعبيد) نص عليه الإمام أحمد في رواية حرب وأبي طالب. وكذلك السمة في الوجه على ما نقل أبو طالب عنه. لأن النبي- ﷺ نهى أن يخصى كل ذي نسل من البهائم، في حديث أبي هريرة ﵁، وفي حديث أنس بن مالك ﵁ أنه ﷺ ((نهى عن الوسم في الوجه ورخص فيه في الأذن)). وإن كان لابد من الوسم لأجل العلامة ليعرفوا البهائم حين الاختلاط جاز في غير الوجه كالأفخاذ والأسنمة.

стр. 74

(فصل: ولا يجوز فعل شيء من المستقذرات في المساجد) ويكره العمل فيها كالخياطة والخرازة والبيع والشراء وما أشبه ذلك. ويكره رفع الأصوات إلا بذكر الله تعالى. والنخامة في المسجد خطيئة، وكفارتها دفنها. ويكره زخرفة المساجد بالتزاويق والخلوق، ولا بأس بتجصيصها وتطيينها. ويكره اتخاذها بيتًا ومقامًا إلا للغريب أو المعتكف، لأن النبي ﷺ أنزل وفد بني عبد قيس، وروى: ثقيف في المسجد. ولا بأس بإنشاء الشعر والقصائد فيها الخالية من السخف والهجاء المسلمين، والأولى صيانتها إلا أن تكون من الزهديات المرققات المشوقات المبكيات، فيجوز الإكثار منها. والأولى من ذلك القرآن والتسبيح، لأن المساجد وضعت لذكر الله تعالى والصلاة، فينبغي أن تجل عما سوى ذلك. ويكره نقل تراب المسجد. وأما ما حصل فيه من المزابل والكناسة فيستحب إخراج ذلك وفيه فضل كثير. وقد روى عن النبي ﷺ أن ذلك مهور الحور العين. ويكره تمكين الصبيان والمجانين من دخوله. ولا بأس بعبور الجنب فيه. وتمنع الحائض، لأنه لا يؤمن من تلويث المسجد. وإذا دعت الضرورة للجنب جاز له أن يتوضأ ويلبث في المسجد إلى حين يقدر على الغسل، والأولى أن يتميمم للجنابة مع ذلك أيضًا، وكذلك إذا لم يجد الماء إلا في بئر المسجد تيمم لجوازه إلى البئر، ثم يغتسل إذا وصل إليها. * * * (فصل: في الأصوات) فما كان منها من إنشاد الأشعار المتعرية من الملاهي على ضربين: مباح ومحظور. فالمباح: ما لا سخف فيه. والمحظور: ما كان فيه سخف.

стр. 75

فأما ما ينضم إلى الملاهي فمحظور، سواء خلا عن السخف أو قارن السخف، إلا أنه إذا قارنه سخف حصل الحظر لعلتين. وتكره قراءة القرآن بالألحان المشبهة بأصوات الأغاني المطربة إعظامًا له وتنزيهًا. لأن الغالب من ذلك إخراج الكلام عن سننه، وإسقاط الإطالة والهمز في موضعه، وإطالة المقصور وقصر الممدود وإدغام الحروف. ولأن ثمرة القراءة خشية الله ، وتجديد التوبة عند سماع مواعظه والاعتبار ببراهينه وقصصه وأمثاله والتشوق إلى وعده، وذلك يزول بطيب سماعه، قال الله : ﴿إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانًا وعلى ربهم يتوكلون﴾ [الأنفال: ٢]، وقال تعالى: ﴿أفلا يتدبرون القرآن﴾ [النساء: ٨٢، ومحمد: ٢٤]، وقوله جل وعلا: ﴿ليدبروا آياته﴾ [ص: ٢٩]، وقوله تعالى: ﴿وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق﴾ [المائدة: ٨٣]. والألحان المطربة تحول بين ذلك، فكره لأجل ذلك. ولا يسافر بالمصحف إلى أهل الحرب، حتى لا ينالوا منه، ويستخفوا بحرمته. ولا يستمع إلى أصوات الأجنبيات من شواب النساء، لأن النبي ﷺ قال: ((التسبيح للرجال والتصفيق للنساء))، هذا إذا ناب المصلى نائب في صلاته فكيف بالشعر والغناء والغزل والأمور المهيجة لطباع الناس من ذكر صفات العشاق والمعشوقين ودقائق صفات المحبة والميل وصفات المشتهاة التي تتوق النفس إلى سماعها، فتهيج دواعي السامع وتثير طبعه إلى المحارم، فلا يجوز لأحد سماع ذلك. وإن قال قائل إني أسمعها على معان أسلم فيها عند الله تعالى، كذبناه؛ لأن الشرع لم يفرق بين ذلك، ولو جاز لأحد لجاز للأنبياء ﵈، ولو كان ذلك عذرًا لأجزنا سماع القيان لمن يدعي أنه لا يطربه، وشرب المسكر لمن يدعي أنه لا يسكره. فلو قال: عادتي أني متى شربت الخمر انكففت عن الحرام، لم نبحه له. ولو قال: عادتي أني شهدت المردان والأجنبيات وخلوت بهن اعتبرت في حسنهم، لم نجز له ذلك.

стр. 76

بل نقول: ترك ذلك واجب، والاعتبار بغير المحرمات أكثر من ذلك، وإنما هذه طريقة من أراد تناول الحرام بطريقة الله فيركب هواه، فلا نسلم لأصحابها ولا نلتفت إليهم، قال الله : ﴿قل للمؤمنين يغضون من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم﴾ [النور: ٣٠]. فمن قال: النظر أزكى، كان مكذبًا للقرآن. ويكره الندب والنياحة. فأما البكاء على الميت فغير مكروه. * * * (فصل: في الآداب في قتل الحيوان، ما يباح منه وما لا يباح) فمن رأى شيئًا من الحيات في منزله فليؤذنه ثلاثًا، فإن بدا له بعد ذلك فليقتله. وأما في الصحارى فيجوز قتله من غير إيذان وكذلك الأبتر وهو قصير الذنب وذو الطفيتين الذي في ظهره خط أسود، وقيل له شعرتان سوداوان بين عينيه فإنه يقتله بلا إيذان. وصفة الإيذان: أن يقول: امض بسلام لا تؤذنا. قد جاء في ذلك أن النبي- ﷺ سئل عن حيات البيوت فقال: إذا رأيتم منهن شيئًا في مساكنكم فقولوا: أنشدكم العهد الذي أخذه عليكم نوح، أنشدكم العهد الذي أخذه عليكم سليمان أن لا تؤذونا، فإن عدن فاقتلوهن)). وما روى عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : ((اقتلوا الحيات كلهن، فمن خاف ثأرهن فليس مني)). في حديث سالم عن أبيه عبد الله بن عمر ﵄ قال: إن رسول الله- ﷺ قال: اقتلوا الحيات وذا الطفيتين والأبتر فإنهما يكسفان البصر ويسقطان الحبل. قال: وكان عبد الله ﵁ يقتل كل حية وجدها، فأبصره أبو لبابة رضي الله

стр. 77

عنه وهو يطارد حية فقال: إنه قد نهى عن ذوات البيوت. والأصل في النهي عن ذوات البيوت، ما روى عن أبي السائب قال: أتيت أبا سعيد الخدري ﵁ فبينا أنا جالس عنده سمعت تحت سريره تحريك شيء، فنظرت فإذا حية فقمت، قال أبو سعيد: ما لك، قلت: حية ها هنا، قال: فتريد ماذا؟ قلت: أقتلها، فأشار إلى بيت في داره تلقاء بيته، فقال: إن ابن عم لي كان في هذا البيت، فلما كان يوم الأحزاب استأذن إلى أهله، وكان حديث عهد بعرس، فأذن له رسول الله- ﷺ وأمره أن يذهب بسلاحه، فأتى داره فوجد امرأته قائمة على بيت البيت، فأشار إليها بالرمح، فقال: لا تعجل حتى تنظر ما أخرجني فدخل البيت فإذا حية منكرة، فطعنها بالرمح ثم خرج بها في الرمح يرتكض، قال: فلا أدري أيهما كان أسرع موتًا الرجل أو الحية؟ فأتى قومه رسول الله- ﷺ فقالوا: ادع الله تعالى أن يرد صاحبنا فقال: استغفروا لصاحبكم، ثم قال: إن نفرًا من الجن أسلموا بالمدينة فإذا رأيتم أحدًا منهم فحذروه ثلاث مرات، ثم إن بدا لكم بعد أن تحذروه فاقتلوه بعد الثلاث)). وروى عن بعض الألفاظ: فليؤذنه ثلاثًا، فإن بدا له فليقتله فإنه شيطان. ويجوز قتل الأوزاغ، لما روى عامر بن سعد عن أبيه- ﵁ قال: أمر رسول الله- ﷺ بقتل الوزغ، وسماه فويسقًا)). وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي- ﷺ قال: ((في أول ضربة سبعين حسنة)). يعني في قتلها بأول ضربة كان له ذلك. ويكره قتل النملة إلا من أذية شديدة، لما روى أبو هريرة ﵁ عن النبي- ﷺ : ((أن نملة قرصت نبيًا من الأنبياء فأمر بقرية النمل فأحرقت، فأوحى الله إليه:- أفي أن قرصتك نملة أهلكت أمة من الأمم تسبح)). ويكره قتل الضفدع لما روى عن عبد الرحمن بن عثمان أنه سأل النبي- ﷺ عن

стр. 78

ضفدع يجعلها في دواء، فنهاه النبي- ﷺ عن قتلها. ويكره قتل جميع ما يباح قتله بالنار من القمل والبق والبراغيث والنمل، لقوله- ﷺ : ((لا يعذب بالنار إلا رب النار)). ويجوز قتل كل شيء يؤذي من الحيوانات، وإن لم توجد منه الأذية بعدما كان مخلوقًا على صفة تؤذى، لأن من طبعة الأذية، وذلك كالحية التي ذكرنا صفتها. والعقرب والكلب العقور والفأرة وغير ذلك. وكذلك الكلب الأسود البهيم لأنه شيطان. وكل حيوان يجده إنسان عطشانًا أثيب على إسقائه الماء، لقوله- ﷺ : ((في كل ذي كبد حري أجر)). هذا إذا لم يكن مؤذيًا. وأما المؤذي فلا يسقيه فإن ذلك تنمية وتكثير للأذية وذلك لا يجوز. ولا يجوز اتخاذ الكلب وتربيته في داره إلا للحرس أو الصيد أو الماشية. وإن كان عقورًا حرم تركه قولًا واحدًا، ووجب قتله ليدفع شره عن الناس، وقد ورد في بعض الأحاديث: ((من اقتنى كلبًا لغير ماشية أو صيد نقص من أجره كل يوم قيراطان)). ولا يجوز تكليف الحيوان البهيم فوق طاقته في الحمل والحرث والسير ومنعه ما يكفيه من العلف، فإن فعل ذلك أثم. ويكره له إطعامه فوق طاقته، وإكراهه على أكل ما اتخذه الناس عادة لأجل التسمين. ويكره الأكل من كسب الحجام، لأن في ذلك دناءة وقد قال- ﷺ : ((كسب الحجام خبيث)). وقد حرم ذلك بعض أصحابنا لأن ذلك مروى عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى.

стр. 79

(فصل: وبر الوالدين واجب) قال الله : ﴿إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولًا كريمًا﴾ [الإسراء: ٢٣]، وقال تعالى: ﴿وصاحبهما في الدنيا معروفًا﴾ [لقمان: ١٥]، وقال جل وعلا: ﴿أن اشكر لي ولوالديك إلى المصير﴾ [لقمان: ١٤]. وروى عن ابن عباس ﵃ عن النبي- ﷺ أنه قال: ((من أصبح مسخطًا لوالديه أصبح له بابان مفتوحان إلى النار، ومن أمسى مسخطًا لوالديه أمسى له بابان مفتوحان إلى النار، وإن كان واحدً فواحد، وإن ظلماه وإن ظلماه وإن ظلماه)). وعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله- ﷺ : رضا الرب في رضا الوالدين وسخطه في سخط الوالدين)). وعن عبد الله بن عمر ﵄ أنه قال: ((جاء رجل إلى النبي- ﷺ فقال: إني أريد الجهاد، فقال: ألك أبوان؟ قال: نعم. قال- ﷺ : ففيهما فجاهد)). وصفة البر: أن تكفيهما ما يحتاجان إليه، وتكف عنهما الأذى وتداريهما مداراة الطفل الصغير، ولا تتضجر منهما ولا من حوائجهما، وتجعل خدمتهما بدلًا من كثير نوافلك من الصلاة والصيام والقراءة، وتستغفر لهما عقيب صلواتك، ولا تحوجهما إلى التعب، وتتحمل أذاهما، ولا تعل صوتك على أصواتهما، ولا تخالفهما في ما لا يكون فيه خرق للشرع، معناه لا يكون في ذلك ترك الفرائض كحجة الإسلام والصلوات الخمس والزكاة والكفارة والنذر، وألا يكون في ذلك ارتكاب المحرم من أنواع المناهي من الزنا وشرب الخمر والقتل والقذف وأخذ المال كالغصب والسرقة لقول النبي- ﷺ : ((لا طاعة لمخلوق في معصية الله تعالى)). وقد قال تعالى: ﴿وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا﴾ [لقمان: ١٥].

стр. 80

فهذا الحديث والآية عام في ترك طاعة كل من أمر بمعصية الله أو ترك طاعته، ومذكور ذلك عن الإمام أحمد في رواية أبي طالب في الرجل الذي ينهاه أبواه عن الصلاة في الجماعة، فقال: ليس لهما طاعة في ترك الفرض. وأما النوافل فيجوز تركهما لطاعتهما، بل الأفضل طاعتهما. ومن البر لهما أن تصل من وصلهما، وتهجر من هجرهما، وتغضب لهما كما تغضب لنفسك في الموت والحياة. وإذا ثار طبعك في الغضب عليهما فاذكر تربيتهما وسهرهما وإشفاقهما وتعبهما، وقول الله تعالى: ﴿وقل لهما قولًا كريمًا﴾ [الإسراء: ٢٣]. فإن لم تردعك عن غيظك الرحمة لهما ولا بهما فاعلم أنك محروم مسخوط عليك فتب إلى الله تعالى إذا سكن غضبك إن كنت خالفت أمره فيهما. ولا تسافر سفرًا ليس بواجب عليك إلا بإذنهما. ولا تغز إلا أن يتعين عليك إلا بإذنهما. ولا تفجعهما بنفسك، فقد نهى غيرك أن يفجعهما بك، فقال النبي- ﷺ : ((لعن الله المفرق بين الوالدة وولدها)). وإن ظفرت بطعام أو شراب فعليك بإيثارهما بأطيبه، فطالما آثراك وجاعا وأشبعاك وسهرا ونوماك. ترشد بذلك إن شاء الله تعالى. * * * (فصل: فيما يستحب من الكنى والأسماء وما يكره منها) يمنع الإنسان أن يسمي ولده ويكنيه باسم النبي- ﷺ وكنيته، ويجوز إفراد أحدهما عن الآخر، وقد روى عن الإمام أحمد ﵀ رواية أخرى كراهيته في الجملة، يعني الجمع والإفراد. وروى عنه الجواز في الجملة. والدليل على جواز التسمية باسم النبي- ﷺ دون كنيته ما روى أنس بن مالك وأبو هريرة ﵄ عن النبي- ﷺ أنه قال: ((سموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي)).

стр. 81

والدليل على جواز الجمع بينهما: ما روى عن عائشة ﵂، قالت: جاءت امرأة إلى النبي- ﷺ فقالت: يا رسول الله إني ولدت غلامًا فسميته محمدًا وكنيته بأبي القاسم فذكر لي أنك تكره ذلك، فقال- ﷺ : ما الذي أحل اسمي وحرم كنيتي؟ أو ما الذي حرم كنيتي وأحل اسمي؟)). ويكره من الكنى أبو يحيى وأبو عيسى. ويكره أن يسمى عبيده بأفلح ونجاح ويسار ونافع ورباح وبركة وبرة وحزن وعاصية، لما روى عمر بن الخطاب ﵁ أن رسول الله- ﷺ قال: لئن عشت لأنهين أن يسمى العبيد يسارًا أو بركة أو رباحًا أو نجاحًا أو أفلح. ويكره من الألقاب والأسماء ما يوازي أسماء الله تعالى كملك الملوك وشاهنشاه وما شاكل ذلك، لأن ذلك عادة الفرس. ويكره التسمي بالأسماء التي لا تليق إلا بالله كقدوس وإله وخالق ومهيمن ورحمن، قال الله تعالى: ﴿وجعلوا لله شركاء قل سموهم﴾ [الرعد: ٣٣]، قال بعض المفسرين: قل سموهم بأسمائي فانظروا ذلك هل تليق بهم. ويحرم على كل أحد أن يلقب أخاه أو عبده بلقب يكره لأن الله تعالى نهى عن ذلك، فقال : ﴿ولا تنابزوا بالألقاب﴾ [الحجرات: ١١] وسماه فسوقًا. ويستحب أن تدعو أخاك بأحب أسمائه إليه. (فصل) ويستحب لمن غضب إن كان قائمًا أن يجلس، وإن كان جالسًا أن يضطجع، وإن مس الماء البارد سكن غضبه، لما روى الحسن ﵁ أن النبي- ﷺ قال: ((إن الغضب جمرة تتوقد في قلب ابن آدم فإذا وجد أحدكم ذلك فإن كان قائمًا فليقعد وإن كان قاعدًا فليتكئ)).

стр. 82

ويكره أن يجلس الرجل بين قوم وهم في سر بغير إذنهم، لأن النبي- ﷺ نهى عن ذلك. ويكره الجلوس بين الظل والشمس. ويكره الاتكاء على يده اليسرى والاضطجاع بين الجلوس. وإذا قام من مجلسه يستحب له أن يقول كفارة المجلس: ((سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك)). ويكره المشي بالنعل في المقابر. ويستحب لمن دخلها أن يقول: اللهم رب هذه الأجساد البالية، والعظام الناخرة، التي خرجت من دار الدنيا وهي بك مؤمنة، صل على محمد وعلى آل محمد، وأنزل عليهم روحًا منك وسلامًا مني، ويقول: السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون. لأنه مروي أيضًا. وإذا زار قبرًا لا يضع يده عليه، ولا يقبله، فإنه عادة اليهود، ولا يقعد عليه، ولا يتكئ إليه، ولا يدوسه إلا أن يضطر إلى ذلك كله، بل يقف عند موضع وفوقه منه أن لو كان حيًا، ويحترمه كما لو كان حيًا، ويقرأ إحدى عشرة مرة: قل هو الله أحد وغيرها من القرآن، ويهدي ثواب ذلك لصاحب القبر وهو أن يقول: اللهم إن كنت قد أثبتني على قراءة هذه السورة، فإني قد أهديت ثوابها لصاحب هذا القبر، ثم يسأل الله حاجته. ولا يكسر عظمًا، ولا يدوسه، فإن ألجئ إلى ذلك واضطر فليستغفر الله لصاحب القبر. وتكره الطيرة، ولا بأس بالتفاؤل. ويستحب التواضع لكل واحد من المسلمين. ويستحب توقير الشيوخ ورحمة الأطفال والعفو عنهم ولا يترك تأديبهم.

стр. 83

(فصل: ويجوز أن يقول الرجل لغيره: صلى الله عليك) وصلى الله على فلان ابن فلان لما روى أن عليًا ﵁ قال لعمر ﵁: صلى الله عليك. والنبي- ﷺ قال: اللهم صل على آل أبي أوفى. (فصل: وتكره مصافحة أهل الذمة) لما روى أبو هريرة ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : لا تصافحوا أهل الذمة. (فصل: والأدب في الدعاء) أن يمد يديه ويحمد الله تعالى ويصلي على النبي- ﷺ ثم يسأل الله حاجته، ولا ينظر إلى السماء في حال دعائه، وإذا فرغ مسح يديه على وجهه، لما روى عن النبي- ﷺ أنه قال: ((سلوا الله ببطون أكفكم)). (فصل: والتعوذ بالقرآن جائز) لقوله : ﴿فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم﴾ [النحل: ٩٨]، وقوله تعالى: ﴿قل أعوذ برب الفلق﴾ [الفلق: ١]، و ﴿قل أعوذ برب الناس﴾ [الناس: ١]. ما روى: أن النبي- ﷺ كان إذا اشتكى شيئًا قرأ على نفسه المعوذتين ونفث. وكان- ﷺ يقول: أعوذ بوجه الله الكريم وكلماته التامات من شر ما خلق وذرأ وبرأ، ومن شر كل دابة ربي آخذ بناصيتها. وكذلك الرقية بالقرآن، وبأسماء الله تعالى جائزة، لقوله : ﴿وينزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين﴾ [الإسراء: ٨٢]، وقال تعالى: ﴿وهذا كتاب أنزلناه مبارك﴾ [الأنعام: ٩٢]. قال النبي- ﷺ : ((استرقوا لها فإنه لو سبق القدر شيء لسبقته العين)) ويريد به- ﷺ -

стр. 84

في حق الحسن والحسين ﵄. (فصل) ويكتب للمحموم ويعلق عليه ما روى عن الإمام أحمد بن حنبل ﵀ أنه قال: حممت فكتب لي من الحمى بسم الله الرحمن الرحيم بسم الله وبالله محمد رسول الله: ﴿يا نار كوني بردًا وسلامًا على إبراهيم * وأرادوا به كيدًا فجعلناهم الأخسرين﴾ [الأنبياء: ٦٩ - ٧٠]. اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل اشف صاحب هذا الكتاب بحولك وقوتك وجبروتك، يا أرحم الراحمين. (فصل) وقال بعض أصحابنا يكتب للمرأة إذا عسرت عليها الولادة في جام أو آنية نظيفة ((بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله الحليم الكريم، سبحان الله رب العرش العظيم)) ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ [الفاتحة: ٢]، ﴿وكأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها﴾ [النازعات: ٤٦]، ﴿كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ فهل يهلك إلا القوم الفاسقون﴾ [الأحقاف: ٣٥]، ثم يغسل ويسقى منه، وينضح ما بقى منه على صدرها. وكذلك تجوز الرقية من النملة وغيرها كالعقارب والحيات والبراغيث والبق لأن النبي- ﷺ رخص في الرقية من كل ذي حمة. وقال- ﷺ : من قال حين يسمي ثلاث مرات: صلى الله على نوح وعلى نوح السلام، لم تلدغه عقرب تلك الليلة. وقال- ﷺ : ((من قال حين يمسي ثلاث مرات: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، لم يضره حمة تلك الليلة)). ويجوز النفخ في الرقية، ويكره التفل. (فصل) ويغسل العائن وجهه ويديه ومرفقيه وركبتيه وأطراف رجليه وداخل إزاره في إناء، ثم يصب الماء على المريض، لما روى أبو أمامة بن سهل بن حنيف ﵁ قال: ((رأى عامر بن ربيعة سهل بن حنيف، وهو يغتسل فعجب منه فقال: والله ما رأيت كاليوم ولا جلد مخباة في خدرها، أو قال: جلد فتاة، ففلج به حتى ما كان يرفع

стр. 85

رأسه، قال: فذكروا ذلك لرسول الله- ﷺ فقال: هل تتهمون أحدًا؟ قالوا: لا يا رسول الله، إلا أن عامر بن ربيعة قال له كذا وكذا، فدعاه رسول الله- ﷺ ودعا عامرًا وقال: سبحان الله لم يقتل أحدكم أخاه إذا رأى شيئًا يعجبه فليدع له بالبركة، قال: ثم أمره- ﷺ أن يغتسل، فغسل وجهه وظهر كفيه ومرفقيه وغسل صدره وداخل إزاره وركبتيه وقدميه في الإناء ظاهرهما وباطنهما، ثم أمر به فصب على رأسه، فكفئ الإناء من خلفه حسبته قال: فأمره فحسا منه حسوات، فراح مع الركب)). وإن اغتسل غسلًا كاملًا ثم صب الماء على المعين كان أكمل. * * * (فصل: والتعالج في الأمراض جائز) بالحجامة والفصد والكي وشرب الأدوية والأشربة وقطع العروق والبط وقطع العضو عند وقوع الأكلة فيه وخوف التعدي إلى بقية البدن وقطع البواسير، وكل ما فيه صلاح للجسد، لما روى أن النبي- ﷺ احتجم وشاور الطبيب فقال للطبيبين: إنما رأيكما طب، فقالوا: يا رسول الله وهل في الطب خير؟ فقال- ﷺ : إن الذي أنزل الداء أنزل الدواء. وسئل الإمام أحمد عن الكي فقال: الأعراب تفعله، وقد كوى النبي- ﷺ ، وقد فعله الصحابة ﵃. وقال في موضع آخر: قطع عمران بن حصين ﵄ عرق النساء. وعن الإمام أحد ﵀ رواية أخرى كراهية ذلك. وأما التداوي بمحرم كالخمر والسم والميتة وشيء نجس فغير جائز، وكذلك بلبن الأتن الأهلية، لما روى عن النبي- ﷺ أنه قال: ((ما جعل شفاء أمتي في ما حرم عليها)). والحقنة مكروهة إلا عند الضرورة. ولا يجوز الفرار من الطاعون، وإن كان خارجًا من البلد لا يقدم عليه لئلا يكون عونًا على هلاك نفسه.

стр. 86

(فصل: ولا يخلو بامرأة ليست منه بمحرم) لأن النبي- ﷺ نهى عن ذلك وقال: ((إن الشيطان ثالثهما))، ولأن الشيطان يزين لهما المعصية. ولا ينظر إلى امرأة شابة إلا لعذر من شهادة أو علاج في المرض. ويجوز النظر إلى المرأة البرزة العجوز، لعدم الافتتان بها. ولا يجتمع رجلان ولا امرأتان عريانين في لحاف واحد أو إزار، لأن النبي- ﷺ نهى عن ذلك، ولأن ذلك يؤدي إلى أن ينظر أحدهما عورة الآخر وذلك منهي عنه، ولأنه لا يؤمن من ارتكاب الفجور بتزيين الشيطان ذلك. (فصل: فإن كان له مملوك من ذكر أو أنثى وجب عليه الرفق به) ولا يكلفه من العمل ما لا يطيق، ويكسوه ويطعمه ويزوجه إن شاء، ولا يكرهه على ذلك. فإن قصر في ذلك عصى وأمر ببيعه أو عتقه إن شاء، أو يكاتبه إن طلب العبد ذلك. وقد جاء في الحديث: إن آخر وصية رسول الله- ﷺ : ((الصلاة وما ملكت أيمانكم)). (فصل) وتكره المسافرة بالمصحف إلى أرض العدو لئلا تناله أيدي المشركين، إلا أن يكون للمسلمين قوة ظاهرة وشوكة وغلبة، فيجوز استصحابه ليقرأ فيه، لئلا ينسى القرآن. (فصل) ويستحب إذا نظر في المرآة أن يقول: الحمد لله الذي سوى خلقي وأحسن صورتي وزان مني ما شان من غيري. لأن ذلك مروي عن النبي- ﷺ . (فصل) وإذا طنت أذنه صلى على النبي- ﷺ وليقل: ذكر الله من ذكرني بخير. لأنه مروي عن النبي- ﷺ .

стр. 87

(فصل) ويقول إذا اشتكى بدنه أو أعضاءه ما روى عن النبي- ﷺ أنه قال: ((من اشتكى منكم شيئًا، أو اشتكى أخ له فليقل: ربنا الله الذي في السماء، تقدس اسمك، أمرك في السماء والأرض كما رحمتك في السماء والأرض، اغفل لنا حوبنا وخطايانا رب الطيبين، انزل رحمة من رحمتك وشفاء من شفائك على الوجع الذي به، فإنه يبرأ بإذن الله تعالى)). (فصل) وإذا رأى شيئًا يتطير منه قال: اللهم لا يأتى بالحسنات إلا أنت، ولا يذهب بالسيئات إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بالله لأنه مروى عن النبي- ﷺ . (فصل) ويستحب إذا رأى بيعة أو كنيسة أو سمع صوت ناقوس أو رأى جمعًا من المشركين واليهود والنصارى أن يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إلهًا واحدًا، لا نعبد إلا إياه فإن ذلك مروى عن النبي- ﷺ ، وقال: غفر الله له بعدد أهل الشرك. (فصل) ويقول إذا سمع صوت الرعد والصواعق: اللهم لا تقتلنا بغضبك، ولا تهلكنا بعذابك، وعافنا قبل ذلك. ويقول إذا رأى الريح: اللهم إني أسألك خيرها وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرها ومن شر ما أرسلت به. (فصل) وإذا دخل السوق قال ما كان النبي- ﷺ يقول: اللهم إني أسألك خير هذه السوق وخير ما فيها، وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها، اللهم إني أعوذ بك أن أصيب فيها يمينًا فاجرة أو صفقة خاسرة. ويقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير.

стр. 88

(فصل) وإذا رأى الهلال قال: اللهم أهله علينا بالأمن والإيمان والسلامة والإسلام، ربي وربك الله . (فصل) وإذا رأى مبتلى قال: الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به، وفضلني عليك وعلى كثير ممن خلق تفضيلًا. فإن الله يعافيه من ذلك كائنًا ما كان أبدًا ما عاش. (فصل) يقول للحاج إذا قدم من سفره: تقبل الله نسكك، وأعظم أجرك، وأخلف نفقتك. لما روى عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه كان هكذا يقول. (فصل) وإذا عاد مريضًا مسلمًا، ورآه منزولًا به موت قال ما روى عن النبي- ﷺ أنه قال: ((الموت فزع، فإذا بلغ أحدكم وفاة صاحبه فليقل: إنا لله وإنا إليه راجعون، وإنا إلى ربنا لمنقلبون، اللهم اكتبه عندك من المحسنين، واجعل كتابه في عليين، واخلف على عقبه في الآخرين، ولا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده)). ويستحب أيضًا أن يشير عليه بالتوبة من الذنوب والخروج من المظالم والوصية بثلث ماله للأقارب الفقراء منهم الذين لا يرثونه، وإن لم يكونوا فللفقراء والمساكين والمساجد والقناطر ووجوه البر والخير. (فصل) ويقول حين يضع الميت في قبره ما روى عن النبي- ﷺ أنه قال: إذا وضعتم موتاكم في القبر فقولوا: بسم الله وعلى ملة رسول الله. ويقول إذا حثا التراب على الميت: إيمانًا بك وتصديقًا برسولك إيمانًا ببعثك، هذا ما وعد الله ورسوله، وصدق الله ورسوله. لأن ذلك مروي عن علي ﵁، وقال: من فعل ذلك كان له بكل ذرة من ترابه حسنة. * * *

стр. 89

باب في آداب النكاح من آداب النكاح أن يكون فيه نية المتزوج امتثال أمر الله في قوله تعالى: ﴿وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم﴾ [النور: ٣٢]، وقوله تعالى: ﴿فأنكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع﴾ [النساء: ٣]. وقوله- ﷺ : ((تناكحوا تناسلوا فإني مكاثر بكم الأمم ولو بالسقط)). فيعتقد وجوب النكاح بهاتين الآيتين، والخبر عند عدم خوفه الزنا أو عند وجوده، ليخرج من الخلاف في الجملة، لأن النكاح عند أبي داود في رواية الإمام أحمد واجب على الإطلاق، فيكون له ثواب الممتثل لأمر الله . ويعتقد مع ذلك إحراز دينه وتكميله، لقول النبي- ﷺ : ((من تزوج فقد أحرز نصف دينه))، وقوله- ﷺ : ((إذا تزوج العبد فقد استكمل نصف دينه)). ويتخير الحسيبة الأجنبية البكر، وأن تكون من نساء يعرفن بكثرة الولادة، لأن النبي- ﷺ قال لجابر بن عبد الله ﵄ لما أخبره أنه تزوج بالثيب، فقال له: ((أفلا بكرًا تلاعبها وتلاعبك)). وإنما شرطنا كثرة الولادة، لما تقدم من قوله- ﷺ : ((تناكحوا تناسلوا فإني مكاثر بكم الأمم ولو بالسقط)). وفي بعض الأحاديث قال- ﷺ : ((تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم)). وإنما شرطنا الأجنبية ولا تكون من أقاربه، لئلا يقع بينهم منافرة وعداوة فتؤدي إلى قطع الأرحام المأمور بإيصالها، ولهذا منع الشرع الجمع بين الأختين في عقد النكاح.

стр. 90

ولا ينبغي أن يتزوج سليطة اللسان ولا مختلعة ولا متواشمة، فإذا تزوج فليحسن خلقه معها، ولا يؤذيها ولا يكرهها على مهرها، فتختلع منه، ولا يشتم لها أبًا ولا أمًا، فإن فعل ذلك كان الله ورسوله بريئين منه، قال النبي- ﷺ : ((استوصوا بالنساء خيرًا فإنهن عوان عندكم)) يعني إسراء. وقد جاء في بعض الآثار: ((من تزوج امرأة بصداق، ولا يريد أن يؤديه إليها جاء يوم القيامة زانيًا)). فإن آذته امرأة بلسانها وكان في ذلك إفساد دينه فليفتد هو نفسه منها، أو يلجأ إلى الله ، ويبتهل إليه بالدعاء، فإنه يكفي. وإن صبر على ذلك كان كالمجاهد في سبيل الله، وإن طابت هي له بشيء من مالها من غير إكراه فليأكله هيئًا مريئًا، كما قال الله . وينبغي أن يجتهد فينظر إلى وجهها ويديها من غير أن يخلو بها قبل العقد خوفًا إذا رآها بعد العقد لا تقع بقلبه فيكرهها، فيؤدي إلى طلاقها ومفارقتها من قريب. وفي ذلك وقوع في المكروه عند الله لأن النبي- ﷺ قال: ((ما من مباح أبغض إلى الله تعالى من الطلاق)). والأصل في ذلك ما روى عن النبي- ﷺ أنه قال: ((إذا قذف الله تعالى في قلب أحدكم خطبة امرأة فلينظر إلى وجهها وكفيها فإنه أحرى أن يؤدم بينهما)). وما روى عن جابر بن عبد الله ﵄ أنه قال: قال رسول الله- ﷺ : ((إذا خطب أحدكم المرأة فإن استطاع أن ينظر إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل)) فخطبت جارية فكنت أتخبأ لها حتى رأيت منها ما دعاني إلى نكاحها وتزويجها. ذكره أبو داود في سننه. وينبغي أيضًا أن تكون من ذوات الدين والعقل، لما روى أبو هريرة ﵁ عن النبي- ﷺ أنه قال: ((تنكح المرأة لأربع لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها فاظفر بذات الدين

стр. 91

تربت يداك)). وإنما نص النبي- ﷺ على ذات الدين، لأنها تعين الزوج على معيشته وتقنع باليسير، والباقيات يوقعنه في الوزر والوبال، إلا أن يسلمه الله تعالى من ذلك. وقد فسر أكثر المفسرين قوله : ﴿فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم﴾ [البقرة: ١٨٧] المباشرة: بالجماع، والابتغاء: بابتغاء الولد، أي اطلبوا الولد بالمباشرة. وكذلك ينبغي للمرأة أن تنوي بذلك تحصين فرجها والولد والثواب الجزيل عند الله بالصبر عند الزوج وعلى الحبل والولادة وتربية الولد، لما روى زياد بن ميمون عن أنس ابن مالك ﵁ قال: إن امرأة كان يقال لها الحولاء عطارة من أهل المدينة دخلت على عائشة ﵂ فقال: يا أم المؤمنين زوجي فلان أتزين له كل ليلة وأتطيب كأني عروس زفت إليه، فإذا آوى إلى فراشه دخلت عليه في لحافه، وألتمس بذلك رضا الله تعالى حول وجهه عني أراه قد أبغضني، فقالت: اجلسي حتى يدخل رسول الله- ﷺ قالت: فبينما أنا كذلك إذ دخل رسول الله- ﷺ فقال: ما هذه الريح التي أجدها، أتتكم الحولاء؟ هل ابتعتم منها شيئًا؟ قالت عائشة ﵂: لا والله يا رسول الله، فقصت الحولاء قصتها، فقال لها رسول الله- ﷺ : اذهبي واسمعي وأطيعي له، قالت: أفعل يا رسول الله، فما لي من الأجر؟ قال- ﷺ : ما من امرأة رفعت من بيت زوجها شيئًا ووضعته تريد به الإصلاح إلا كتب الله تعالى له حسنة ومحا عنها سيئة، ورفع لها درجة، وما من امرأة حملت من زوجها حين تحمل إلا كان لها من الأجر مثل القائم ليلة والصائم نهاره والغازي في سبيل الله، وما من امرأة يأتيها طلق إلا كان لها بكل طلقة عتق نسمة، وبكل رضعة عتق رقبة، فإذا فطمت ولدها ناداها منادٍ من السماء: أيتها المرأة قد كفيت العمل فيما مضى فاستأنفي العمل فيما بقى. قالت عائشة ﵂: قد أعطى النساء خيرًا كثيرًا، فما بالكم يا معشر الرجال فضحك رسول الله- ﷺ ثم قال: ما من رجل أخذ بيد امرأته يراودها إلا كتب الله له حسنة، فإن عانقها فعشر حسنات، فإذا أتاها كان خيرًا من الدنيا وما فيها، فإذا قام ليغتسل، لم يمر الماء على شعرة من جسده إلا تكتب له بكل قطرة حسنة، وتمحى عنه سيئة وترفع له درجة، وما يعطى بغسله خير من الدنيا وما فيها، وأن الله عز وجل

стр. 92

يباهي به الملائكة يقول: انظروا إلى عبدي قام في ليلة قرة يغتسل من الجنابة، يتيقن بأني ربه، اشهدوا بأني قد غفرت له». وعن المبارك بن فضالة عن الحسن ﵁ قال: قال رسول الله- ﷺ : ((استوصوا بالنساء خيرًا فإنهن عوان عندكم- يعني مأسورات- لا يملكن لأنفسهن شيئًا، وإنما أخذتموهن بأمانة الله ﵎، واستحللتم فروجهن بكلمة الله ). وعن عباد بن كثير عن عبد الله الجريري عن ميمونة زوج النبي- ﷺ قالت: «قال لي رسول الله- ﷺ : خيار الرجال من أمتي خيارهم لنسائهم، وخير النساء من أمتي خيرهن لأزواجهن، يرفع لكل امرأة منهم كل يوم وليلة أجر ألف شهيد قتلوا في سبيل الله صابرين محتسبين، وتفضل إحداهن على الحور العين كفضل محمد- ﷺ على أدنى رجل منكم، وخير النساء من أمتي من تأتي مسرة زوجها في كل شيء يهواه ما خلا معصية الله تعالى، وخير الرجال من أمتي من يلطف بأهله لطف الوالدة بولدها، يكتب لكل رجل منهم في كل يوم وليلة أجر مئة شهيد قتلوا في سبيل الله صابرين محتسبين، فقال عمر بن الخطاب ﵁: يا رسول الله وكيف يكون للمرأة أجر ألف شهيد وللرجل مئة شهيد؟ قال- ﷺ : أو ما عملت أن المرأة أعظم أجرًا من الرجل وأفضل ثوابًا فإن الله ليرفع للرجل في الجنة درجات فوق درجاته برضا زوجته عنه في الدنيا ودعائها له، أو ما علمت أن أعظم وزر بعد الشرك بالله المرأة إذا عصت زوجها، ألا فاتقوا الله في الضعيفين، فإن الله سائلكم عنهما اليتيم والمرأة، فمن أحسن إليهما فقد بلغ إلى الله رضوانه، ومن أساء إليهما فقد استوجب من الله سخطه، وحق الزوج كحقي عليكم، فمن ضيع حقي فقد ضيع حق الله، ومن ضيع حق الله فقد باء بسخط من الله ومأواه جهنم وبئس المصير)). وعن أبي جعفر محمد بن علي عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: ((بينما نحن عند رسول الله- ﷺ وهو في نفر من أصحابه إذا أقبلت امرأة حتى قامت على رأسه ثم قالت: السلام عليك يا رسول الله، أنا وافدة النساء إليك، ليست امرأة يبلغها

стр. 93

مسيري إليك إلا أعجبها ذلك يا رسول الله، إن الله تعالى رب الرجال ورب النساء وآدم أبو الرجال وأبو النساء وحواء أم الرجال وأم النساء، فالرجال إذا خرجوا في سبيل الله فقتلوا فأحياء عند ربهم يرزقون، وإذا خرجوا فلهم من الأجر مثل ما علمت، ونحن نحسب عليهم، ونخدمهم فهل لنا من الأجر شيء؟ قال- ﷺ : اقرئي عني النساء السلام وقولي لهن: إن طاعة الزوج والاعتراف بحقه يعدل ما هناك، وقليل منكن يفعله)). وعن ثابت عن أنس ﵁، قال: حين بعثتني النساء إلى رسول الله- ﷺ فقلن: ((يا رسول الله ذهب الرجال بالفضل وبالجهاد في سبيل الله، فما لنا من عمل ندرك به عمل المجاهدين في سبيل الله؟ قال رسول الله- ﷺ مهنة إحداهن في بيتها تدرك بها عمل المجاهدين في سبيل الله)). وعن عمران بن حصين ﵁ قال: ((سئل رسول الله- ﷺ هل على النساء جهاد؟ فقال- ﷺ : نعم جهادهن الغيرة، يجاهدن أنفسهن، فإن صبرن فهن مجاهدات، فإن رضين فهن مرابطات، ولهن أجران اثنان) (. فينبغي للزوجين أن يعتقدا هذا الثواب المذكور في هذا الحديث وما قبله عند العقد والجماع جميعًا، وأداء الحق الواجب على كل واحد منهما للآخر بقوله : ﴿ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف﴾ [البقرة: ٢٢٨] ليكونا مطيعين لله تعالى، ممتثلين أمره جل ثناؤه، وتعتقد المرأة أن ذلك خيرًا من العزوبة، لما روى عن النبي- ﷺ أنه قال: ((ليس شيء خيرًا لامرأة من زوج أو قبر)). وقال- ﷺ : ((مسكين مسكين مسكين رجل ليس له امرأة، قيل يا رسول الله: وإن كان غنيًا من المال؟ قال: وإن كان غنيًا من المال)). وقال أيضًا: ((مسكينة مسكينة امرأة ليس لها زوج، قيل يا رسول الله وإن كانت غنية من المال؟ قال- ﷺ : وإن كانت غنية من المال)).

стр. 94

ويستحب أن يكون العقد يوم الجمعة أو الخميس والمساء أولى من التبكير، ويسن أن تكون الخطبة قبل التواجب، فإن أخرت جاز، وهو مخير بين أن يعقد بنفسه أو يوكل فيه غيره. فإذا انعقد العقد يستحب للحاضرين أن يقولوا: بارك الله لك، وبارك عليك، وجمع بينكما في خير وعافية. ثم إن طلبت المرأة وأهلها الإمهال استحب له إجابتهم إلى ذلك قدر ما يعلم التهيؤ لأمورها فيه وقضاء حوائجها من شراء الجهاز والتزيين لها. فإذا زفت إليه اتبع ما روى عن عبد الله بن مسعود ﵁ وذلك أنه جاء رجل فقال: إني تزوجت بجارية بكر، وقد خشيت أن تكرهني أو تفركني فقال له: إن الألف من الله والفرك من الشيطان، وإذا دخلت إليك فمرها أن تصلي خلفك ركعتين، وقل: اللهم بارك لي في أهلي، وبارك لأهلي في، اللهم ارزقني منهم، وارزقهم مني، اللهم اجمع بيننا إذا جمعت في خير، وفرق بيننا إذا فرقت إلى خير ...)). فإذا أراد الجماع فليقل: ((بسم الله العلي العظيم، اللهم اجعله ذرية طيبة إن قدرت أن تخرج من صلبي، اللهم جنبني الشيطان، وجنب الشيطان ما رزقتني)). وإذا قضى حاجته فليقل: بسم الله الحمد لله الذي خلق من الماء بشرًا، فجعله نسبًا وصهرًا، وكان ربك قديرًا، يقول ذلك في نفسه، ولا يحرك به شفتيه. والأصل في ذلك ما روى كريب عن ابن عباس ﵄ قال قال رسول الله- ﷺ : لو أن أحدكم إذا أراد أن يأتي أهله قال: ((بسم اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا، ثم قدر أن يكون بينهما ولد في ذلك لم يضره شيطان أبدًا)). وإذا ظهرت أمارة حبل المرأة فليصف غذاءها من الحرام والشبهة، ليتخلق الولد على أساس لا يكون للشيطان عليه سبيل.

стр. 95

والأولى أن يكون من حين الزفاف، ويدوم على ذلك، ليتخلص هو وأهله وولده من الشيطان في الدنيا ومن النار في العقب, قال الله : ﴿يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارًا﴾ [التحريم: ٦] ومع ذلك يخرج لولد صالحًا، بارًا بوالديه، طائعًا لربه ، كل ذلك ببركة تصفية الغذاء. فإذا فرغ من الجماع تنحى عنها، وغسل ما به من الأذى وتوضأ إن أراد العود إليها، وإلا اغتسل. ولا ينام جنبًا فإنه مكروه، وكذلك روى عن النبي- ﷺ ، إلا أن يشق ذلك عليه لبرد أو بعد حمام وماء أو خوف ونحو ذلك. فينام إلى حين زوال ذلك، ولا يستقبل القبلة عند المجامعة، ويغطي رأسه ويستتر عن العيون، وإن كان عن صبي طفل؛ لأنه روى عن النبي- ﷺ قال: ((إذا أتى أحدكم أهله فليستتر، فإنه إذا لم يستتر استحيت الملائكة وخرجت ويحضره الشيطان، وإذا كان بينهما ولد كان الشيطان فيه شريكًا)). وكذلك يروى عن السلف أنه إذا لم يسم عند الجماع التف الشيطان على إحليله يطأ كما يطأ. ويستحب له الملاعبة لها قبل الجماع، والانتظار لها بعد قضاء حاجته، حتى تقضي حاجتها، فإن في ترك ذلك مضرة عليها، ربما أفضى إلى البغضاء والمفارقة. وإن أراد العزل عنه فلا يفعل إلا بإذنها إن كانت حرة، وبإذن سيدها إن كانت أمة، وإن كانت أمته جاز بغير إذنها، لأن الحق له دونها. وقد جاء رجل إلى رسول الله- ﷺ فقال: إن لي جارية هي خادمتنا أطوف عليها، وأنا أكره أن تحمل، قال- ﷺ : اعزل عنها إن شئت فإنه سيأتيها ما قدر لها. ويجتنب وطأها في حال الحيض والنفاس، وكذلك بعد انقطاع الدم حتى تغتسل من الحيض قولًا واحدًا، وفي النفاس قبل الأربعين استحبابًا. فإن لم تجد الماء وجب التيمم. فإن خالف فوطئ في الحيض تصدق بدينار أو نصف دينار على إحدى الروايتين،

стр. 96

والأخرى: يستغفر الله تعالى ويتوب إليه ألا يرجع إلى مثله، ولا يكفر. ويجتنب وطأها في الموضع المكروه. قال النبي- ﷺ : ((ملعون من أتى امرأة في دبرها)). فإن لم تتق نفسه إلى الجماع لا يجوز له تركه، لأن لها حقًا في ذلك، وعليها مضرة في تركه، لأن شهوتها أعظم من شهوته، وقد روى أبو هريرة ﵁ أن النبي- ﷺ قال: ((فضلت شهوة النساء على الرجال بتسعة وتسعين، إلا أن الله تعالى ألقى عليهن الحياء)). وقيل: الشهوة عشرة أجزاء تسعة منها للنساء وواحدة للرجال. والقدر الذي لا يجوز أن يؤخر الوطء عنه أربعة أشهر، إلا أن يكون له عذر، فإن جوز أربعة أشهر كان لها فراقه. وإن سافر عنها مدة أكثر من ستة أشهر فطلبت منه القدوم فأبى أن يقدم مع القدرة كان للحاكم أن يفرق بينهما، إذا طلبت الزوجة ذلك، وهذا هو التوقيت الذي وقته عمر ابن الخطار ﵁ للناس في مغازيهم، يسيرون شهرًا، ويقيمون أربعة أشهر، ويسيرون راجعين إلى أهلهم شهرًا. وإذا رأى امرأة غيره فأعجبته جامع امرأته، ليسكن ما به من التوقان، لما روى عن النبي- ﷺ أنه قال: ((إذا رأى أحدكم امرأة تعجبه فليأت أهله، فإن لم يكن له امرأة فإن الشيطان يقبل في صورة امرأة ويدبر في صورة امرأة)). فمن لم تكن له امرأة يلتجئ إلى الله ويسأله السلامة من معاصيه، ويستعيذ به من الشيطان الرجيم. ولا يجوز له أن يحدث غيره بما جرى بينه وبين أهله من أمر الجماع، ولا المرأة أن تحدث بذلك النساء، لأن ذلك سخف ودناءة وقبيح في الشرع والعقل، لما روى أبو هريرة ﵁ في حديث فيه طول عن النبي- ﷺ إلى أن قال: ثم أقبل على الرجال فقال: هل منكم الرجل إذا أتى أهله فأغلق عليه بابه وألقى عليه ستره، واستتر

стр. 97

بستر الله؟ قالو: نعم، قال: ثم يجلس بعد ذلك فيقول: فعلت كذا، فعلت كذا، قال: فسكتوا، قال: فأقبل على النساء، فقال: هل منكن من تحدث؟ فسكتن، فجثت فتاة على إحدى ركبتيها، وتطاولت لرسول الله- ﷺ ليراها ويسمع كلامها، فقالت: يا رسول الله، إنهم ليتحدثون وإنهن ليتحدثن، فقال: هل تدرون ما مثل ذلك؟ إنما مثل ذلك مثل شيطانة لقيت شيطانًا في السكة، فقضى منها حاجته، والناس ينظرون إليه، ألا وإن طيب الرجال ما ظهر ريحه ولم يظهر لونه، ألا أن طيب النساء ما ظهر لونه ولم يظهر ريحه. (فصل) و إذا دعا امرأته للجماع فأبت عليه كانت عاصية لله تعالى، وعليها وزر، قال النبي- ﷺ في حديث أبي هريرة ﵁: ((أيما امرأة منعت زوجها حاجته كان عليها قيراطان من الأصر، وأيما رجل منع امرأته حاجتها كان عليه من الأصر قيراط)). يعني الإثم. وفي بعض الأحاديث قال- ﷺ : ((إذا دعا الرجل زوجته لحاجته فلتأته وإن كانت على التنورة)). وروى أبو هريرة ﵁ عن النبي- ﷺ أنه قال: ((إذا دعا أحدكم امرأته إلى فراشه فلم تأته فبات غضبان عليها لعنتها الملائكة حتى تصبح)). وعن قيس بن سعد ﵁ قال: أتيت الحيرة فرأيتهم يسجدون لمرزبان لهم، فقلت لرسول الله- ﷺ أحق أن يسجد له، قال: فأتيت النبي- ﷺ فقلت له: إني أتيت الحيرة فرأيتهم يسجدون لمرزبان لهم، فأنت يا رسول الله أحق أن يسجد لك، فقال- ﷺ : أرأيت لو مررت بقبري أكنت تسجد له؟ قال: قلت: لا. قال- ﷺ : فلا تفعلوا ذلك، لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لأحد لأمرت النساء أن يسجدن لأزواجهن لما جعل الله تعالى لهم عليهن من حق. والمرزبان: هو ملك لهم.

стр. 98

وعن حكيم بن معاوية القشيري عن أبيه ﵁ قال: قلت يا رسول الله: ما حق زوجة أحدنا عليه؟ قال- ﷺ : أن تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه، ولا تقبح، ولا تهجر إلا في البيت)). فإن أصرت المرأة على النشوز وهو الامتناع عن الإجابة لهذا الشأن، أو تجيبه متكرهة متبرمة، فليبدأ الزوج بوعظها ويخوفها بالله ، فإن أقامت على ذلك هجرها في المضجع والكلام فيما دون ثلاثة أيام، فإن ارتدعت وإلا كان له ضربها بما لا يكون مبرحًا كالدرة أو مخراق؛ لأن المقصود ارتداعها وطاعتها له لا إهلاكها. فإن لم ينصلح الحال بينهما بعث الحاكم حكمين حرين مسلمين عدلين من أهلهما، ويوكلهما الزوجان، فينظران بينهما ما فيه من المصلحة من إصلاح أو فراق بمال وغيره، فما يفعلان يلزمهما حكمه. (فصل) ويستحب وليمة العرس والسنة ألا ينقص فيها عن شاة، وبأي شيء أولم من الطعام جاز، وتجب إجابته إذا كان مسلمًا في اليوم الأول، ويستحب في اليوم الثاني، ويباح في اليوم الثالث، بل هي دناءة، والأصل في ذلك ما روى عن النبي- ﷺ أنه قال لعبد الرحمن ﵁: أولم ولو بشاة. وقال- ﷺ : ((الوليمة في أول يوم حق، والثاني معروف، وبعد ذلك دناءة)). وقال- ﷺ : في حديث ابن عمر ﵄: ((إذا دعي أحدكم إلى وليمة عرس فليجب، فإن كان مفطرًا أكل، وإن كان صائمًا ترك وانصرف)). وهل يكره النثار والتقاطه أم لا؟ على روايتين: إحداهما: يكره لما فيه من السخف ودناءة النفس والنهبة والشره، فكانت الصيانة عن ذلك أولى، وتركه في باب الورع أحرى. وعلى الرواية الثانية: لا يكره، لما روى أن النبي- ﷺ نحر بدنه وخلى بينها وبين

стр. 99

المساكين، وقال: من شاء اقتطع ولا فرق بين النثار وبين ذلك. وأولى من ذلك: القسمة بين الحاضرين فإنه أطيب وأحل وأدخل في باب الورع. (فصل) فإذا كملت شرائط عقد النكاح وهو: حضور الولي العدل، والشهود العدول، والكفاءة، والخلو من المانع من الردة والعدة وغيرهما، استأذنها العاقد للنكاح إذا لم تكن مجبرة، وهو إذا كانت ثيبًا أو بكرًا لا أب لها، وعرفها الزوج مقدار الصداق وصفته، ثم يخطب، ويستغفر الله ، ويأمر بذلك الولي على وجه الاستحباب والأولى، ثم يستنطقه فيقول له: قد زوجتك بنتي أو أختي فلانة فيسميها على ما اتفقنا عليه من الصداق، ويقول الزواج: قد قبلت هذا النكاح. ولا ينعقد النكاح إلا بالعربية لمن يحسنها، فإن لم يحسنها فبلسانه ولغته. وهل يلزمه تعلم العربية إذا لم يحسنها لعقد النكاح أم لا؟ على الوجهين. ويستحب أن يخطب بخطبة عبد الله بن مسعود ﵁، لأنه قد روى أن الإمام أحمد بن حنبل كان إذا شهد إملاكًا ولم يسمع خطبة عبد الله بن مسعود ترك الإملاك وانصرف، وهو ما أخبرنا به الإمام هبة الله بن المبارك بن موسى السقطي ببغداد، عن القاضي أبي المظفر هناد بن إبراهيم بن محمد بن نصر النسفي، عن القاضي أبي عمر القاسم بن جعفر بن عبد الواحد الهاشمي البصري، عن محمد بن إسحاق اللؤلؤي، عن أبي داود، قال: حدثنا محمد بن سليمان الأنباي المفتي، قال: حدثنا وكيع عن إسرائيل، عن ابن إسحاق عن أبي الأخوص عن أبي عبيدة عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: ((علمنا رسول الله- ﷺ خطبة النكاح: الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبًا﴾ [النساء: ١]. ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾ [آل عمران: ١٠٣].

стр. 100

﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا * يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١]. ويستحب أن يضيف إليها قوله : ﴿وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله والله واسع عليم﴾ [النور: ٣٢]، ﴿يرزق من يشاء بغير حساب﴾ [النور: ٣٨]. وإن قرأ غير هذه الخطبة جاز، مثل: أن يقول: الحمد لله المتفرد بآلائه، الجواد بإعطائه، الذي تجلى في سمائه المتوحد بكبريائه، لا يصفه الواصفون حق صفته، ولا ينعته الناعتون حق نعته، لأنه الله الأحد الصمد المعبود، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، تبارك الله العزيز الغفار، بعث محمدًا- ﷺ بالحق نبيًا صفيًا بريًا من العاهات كلها، فبلغ ما أرسل به، سراجًا زاهرًا ونورًا ساطعًا وبرهانًا لامعًا- ﷺ وعلى آله أجمعين. ثم أن هذه الأمور كلها بيد الله يصرفها في طرائقها، ويمضيها في حقائقها، لا مقدم لما أخر، ولا مؤخر لما قدم، ولا يجتمع اثنان إلا بقضاء وقدر، ولكل قدر أجل، ولكل أجل كتاب ﴿يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب﴾ [الرعد: ٣٩]. وكان من قضاء الله وقدره أن فلان ابن فلان يخطب كريمتكم فلانة بنت فلان، وقد أتاكم راغبًا فيكم، خاطبًا كريمتكم، وقد بذل لها من الصداق ما وقع عليه الاتفاق، فزوجوا خاطبكم، وأنكحوا راغبكم، قال الله تعالى: ﴿وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله والله واسع عليم﴾ [النور: ٣٢]. فإذا فرغ من الخطبة، عقد النكاح على ما قدمنا ذكره. * * *

стр. 101

باب في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقد ذكر الله الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، ومدحهم في كتابه. قال الله : ﴿الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله وبشر المؤمنين﴾ [التوبة: ١١٢]. وقال الله تعالى: ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله﴾ [آل عمران: ١١٠]. وقال تعالى: ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر﴾ [التوبة: ٧١]. وروى عن النبي- ﷺ أنه قال: ((لتأمرون بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليسلطن الله تعالى شراركم على خياركم، فيدعو خياركم فلا يستجاب لهم)). وروى سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه ﵁ قال: قال رسول الله- ﷺ : ((مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر قبل أن تدعوا فلا يستجاب لكم، وقبل أن تستغفروا فلا يغفر لكم، إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يدفع رزقًا ولا يقرب أجلًا، ألا إن الأحبار من اليهود، والرهبان من النصارى لما تركوا الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر لعنهم الله على لسان أنبيائهم ثم عموا بالبلاء)). فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان على كل مسلم حر مكلف عالم بذلك، بشرط القدرة على وجه لا يؤدى إلى فساد عظيم وضرر في نفسه وماله وأهله، ولا فرق بين أن يكون إمامًا أو عالمًا أو قاضيًا أو واحدًا من الرعية. وإنما شرطنا العلم بالمنكر والقطع به، لما في ذلك من خوف الوقوع في الإثم، لأنه لا يأمن المنكر أن يكون الأمر بخلاف ما ظن، لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرًا من الظن إن بعض الظن إثم﴾ [الحجرات: ١٢].

стр. 102

ولا يجب عليه كشف ما ستر عنه لأن الله تعالى نهى عن ذلك فقال: ﴿ولا تجسسوا﴾ [الحجرات: ١٢]، إنما الواجب عليه إنكار ما ظهر، وفي بحث ما ستر كشف الستر، وذلك ممنوع في الشرع. (فصل) وإنما شرطنا القدرة على ذلك ما روى عن النبي- ﷺ أنه قال: ((ما من قوم يكون فيهم رجل يعمل المعاصي، ويقدرون أن يغيروا عليه فلا يغيروا عليه إلا عمهم الله بعذاب قبل أن يتوبوا)). فقد شرط ﵊ ذلك وهو إذا كانت الغلبة لأهل الصلاح وعدل السلطان وأعانه أهل الخير. وأما إذا كان الإنكار تغريرًا بالنفس مع لحوق الضرر به وبماله فلا يجب عليه ذلك؛ لقوله : ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ [البقرة: ١٩٥]، وقوله تعالى: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم﴾ [النساء: ٢٩]. وقول النبي- ﷺ : ((لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه، قيل يا رسول الله: كيف يذل نفسه؟ قال- ﷺ : لا يتعرض لما لا يمكنه)). وقول النبي- ﷺ : ((إذا رأيتم أمرًا لا تستطيعوا تغييره فاصبروا حتى يكون الله تعالى هو الذي يغيره)). فإذا ثبت أنه لا يجب عليه الإنكار فهل يجوز إنكاره إذا غلب على ظنه الخوف على نفسه، فعندنا يجوز ذلك وهو الأفضل إذا كان من أهل العزيمة والصبر، فهو كالجهاد في سبيل الله مع الكفار، وقد قال الله تعالى في قصة لقمان: ﴿وأمر بالمعروف وأنه عن المنكر واصبر على ما أصابك﴾ [لقمان: ١٧]. وقال النبي- ﷺ لأبي هريرة ﵁: ((يا أبا هريرة مر بالمعروف وأنه عن المنكر واصبر على ما أصابك)). ولاسيما إذا كان ذلك عند سلطان جائر، أو لإظهار كلمة الإيمان عند ظهور كلمة

стр. 103

الكفر، لأن الفقهاء اتفقوا على ذلك، وإنما الخلاف بيننا وبينهم في غير هذين الموضوعين. (فصل) وإذا غلب على ظنه عدم زوال المنكر وبقاؤه على ذلك، فهل يجب عليه إنكاره، أم لا؟ على روايتين عن الإمام أحمد ﵀: إحداهما: يجب لجواز أن يرتدع وينجز، ويرق قلبه، ويلحقه التوفيق والهداية ببركة صدقه، فيرجع عما هو عليه، والظن لا يمنع من جواز إنكاره. والرواية الأخرى: لا يجب عليه إنكاره حتى يغلب على ظنه زواله، لأن القصد بالإنكار زوال المنكر، فإذا قوى في الظن بقاؤه كان تركه أولى. (فصل) فإذا ثبت وجوب الإنكار، فالمنكرون ثلاثة أقسام: قسم: يكون إنكارهم باليد، وهم الأئمة والسلاطين. والقسم الثاني: إنكارهم باللسان دون اليد، وهم العلماء. والقسم الثالث: إنكارهم بالقلب، وهم العامة. وقد جاء في هذا المعنى حديث، وهو ما روى أبو سعيد الخدري ﵁ عن النبي- ﷺ أنه قال: ((إذا رأى أحد منكم منكرًا فليغيره بيده، فإنه لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)). يعني: أضعف فعل أهل الإيمان. وقد روى عن بعض الصحابة ﵃ أنه قال: ((إذا رأى أحد منكم منكرًا لا يستطيع النكير عليه فليقل ثلاث مرات: اللهم إن هذا منكر فأزله، فإذا قال ذلك كان له ثواب من أمر بالمعروف ونهي عن المنكر)). (فصل) ويشترط في الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر خمس شرائط: أولها: أن يكون عالمًا بما يأمر وينهي. والثاني: أن يكون قصده وجه الله، وإعزاز دين الله، وإعلاء كلمته، وإظهار طاعته، دون الرياء والسمعة والحمية لنفسه، وإنما ينصر ويوثق ويزول به المنكر إذا كان صادقًا

стр. 104

مخلصًا، قال الله تعالى: ﴿إن نصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم﴾ [محمد: ٧]، وقال الله تعالى: ﴿إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون﴾ [النحل: ١٢٨]. فإذا اتقى الشرك وترك نظر الخلق في إنكاره وأحسن العمل بإخلاصه في ذلك كان الظفر له، وإن كان غير ذلك كان له الخذلان والصغار والذلة والمهانة، وبقاء المنكر على حاله، بل زيادته وتفاقمه وضراوة أهل المعاصي واتفاق شياطين الإنس والجن على مخالفة الله تعالى، وترك طاعته، وارتكاب المحرمات. والثالث: أن يكون أمره ونهيه باللين والتودد، لا بالفظاظة والغلظة، بل بالرفق والنصح والشفقة على أخيه، كيف وافق عدوه الشيطان اللعين الذي قد استولى على عقله، وزين له معصية ربه ومخالفة أمره، يردي بذلك إهلاكه وإدخاله النار، كما قال الله تعالى: ﴿إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير﴾ [فاطر: ٦]، وقال الله تعالى لنبيه- ﷺ : ﴿فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظًا غليظ القلب لانفضوا من حولك﴾ [آل عمران: ١٥٩]، وقال تعالى لموسى وهارون ﵉ حين بعثهما إلى فرعون: ﴿فقولا قولًا لينًا لعله يتذكر أو يخشى﴾ [طه: ٤٤]. وقال النبي- ﷺ في حديث أسامة: ((لا ينبغي لأحد أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر حتى يكون فيه ثلاث خصال: عالمًا بما يأمر، عالمًا بما ينهى، رفيقًا فيما يأمر، رفيقًا فيما ينهى)). والرابع: أن يكون صبورًا حليمًا حمولًا متواضعًا زائل الهوى قوي القلب لين الجانب، طبيبًا يداوي مريضًا، حكيمًا يداوي مجنونًا، إمامًا هاديًا، قال الله تعالى: ﴿وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا﴾ [السجدة: ٢٤] على احتمال الأذى من قومهم على نصرة دين الله وإعزازه والقيام معه، فجعلهم أئمة هداة أطباء الدين، قادة المؤمنين. وقال الله تعالى في قصة لقمان: ﴿وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور﴾ [لقمان: ١٧]. والخامس: أن يكون عاملًا بما يأمر، متنزهًا عما ينهى عنه، وغير متلطخ به، لئلا يكون لهم تسلط عليه، فيكون عند الله مذمومًا ملمومًا، قال الله تعالى: ﴿أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون﴾ [البقرة: ٤٤].

стр. 105

وقال النبي- ﷺ في حديث أنس بن مالك ﵁: ((رأيت ليلة أسري بي رجالًا تقرض شفاهم بالمقريض، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء خطباء أمتك الذين يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم وهم يتلون الكتاب)). قال الشاعر: لا تنه عن خلق وتأتي مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم وقال قتادة ﵁: ذكر لنا أن في التوراة مكتوبًا أن ابن آدم يذكرني وينساني، ويدعو إلي ويفر مني، باطل ما تذهبون. وأراد بذلك : من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويترك نفسه وهو تعالى أعلم بذلك. (فصل) والأولى له إن استطاع أن يأمره وينهاه سرًا في خلوة، ليكون ذلك أبلغ وأمكن في الموعظة والزجر والنصيحة له، وأقرب إلى القبول والإقلاع، وقد قال أبو الدرداء ﵁: ((من وعظ أخاه بالعلانية فقد شانه، ومن وعظه سرًا فقد زانه))، فإن فعل ذلك ولم ينفعه أظهر حينئذ ذلك، واستعان عليه بأهل الخير، وإن لم ينفع فبأصحاب السلطان. وينبغي ألا يترك إنكار المنكر أبدًا، لأن الله تعالى ذم قومًا تركوا ذلك وتغافلوا عنه، قال : ﴿كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون﴾ [المائدة: ٧٩]، وقال تعالى: ﴿لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يصنعون﴾ [المائدة: ٦٣]، يعني: هلا نهاهم علماؤهم فقهاؤهم وقراؤهم عن القول الفاحش وأكل الحرام وفعل المعاصي. وقيل: إن الله تعالى أوحى إلى يوشع بن نون ﵇ إني مهلك من قومك أربعين ألفًا من خيارهم وستين ألفًا من شرارهم، قال: يا رب هؤلاء الأشرار فما بال الأخيار؟ قال تعالى: إنهم لم يغضبا بغضبي وواكلوهم وشاربوهم. (فصل) وقد ذكرنا أن الشرط الخامس: أن يكون عالمًا بما يأمر متنزهًا عما ينهى عنه، إلا أن شيوخنا ذكروا: إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب على الفاسق، كوجوبه على العدل، فأشرنا إلى ذلك لما تقدم من عموم الآيات والأخبار من غير فرق.

стр. 106

وقد حمل بعض السلف قوله تعالى: ﴿ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله﴾ [البقرة: ٢٠٧] على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وروى أن عمر بن الخطاب ﵁ سمع إنسانًا يقرأ هذه الآية، فقال: ﴿إنا لله وإنا إليه راجعون﴾ [البقرة: ١٥٦]، قام رجل يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر فقتل. وعن أبي أمامة ﵁ قال: إن رسول الله- ﷺ قال: ((أفضل الجهاد كلمة حق عند إمام جائر)). وعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله- ﷺ : ((سيد الشهداء يوم القيامة حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام إلى إمام جائر، فأمره ونهاه فقتله)). وقد ذكر الله تعالى الذي ينهى عن المنكر، وتأخذه العزة فلا يمتنع، فقال تعالى: ﴿وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم﴾ [البقرة: ٢٠٦] الآية. وقال ابن مسعود ﵁: إن من أكبر الذنوب عند الله تعالى أن يقال للعبد اتق الله، فيقول: عليك بنفسك. وجميع ذلك عام في حق الصالح والطالح. وروى أبو هريرة ﵁ أن النبي- ﷺ قال: ((مروا بالمعروف وإن لم تعملوا به، وانهوا عن المنكر وإن لم تنتهوا عنه)). ولأنه لا يخلو أحد من معصية إما ظاهرًا وإما باطنًا. فإن قلنا لا ينكر إلا المتنزه عنه، تعذر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فيندرس الدين ويضمحل. (فصل) والذي يؤمر به وينكر على ضربين: فكل ما وافق الكتاب والسنة والعقل فهو معروف. وكل ما خالف ذلك فهو منكر. ثم ذلك ينقسم قسمين:

стр. 107

أحدهما: ظاهر يعرفه العوام والخواص، وهو كوجوب الصلوات الخمس، وصوم رمضان والزكاة والحج وغير ذلك، ومن المنكر: كتحريم الزنا وشرب الخمر والسرقة وقطع الطريق والربا والغصب وغير ذلك، فهذا القسم يجب إنكاره على العوام، كما يجب على الخواص من العلماء. والقسم الثاني: ما لا يعرفه إلا الخواص، مثل: اعتقاد ما يجوز على الباري تعالي وما لا يجوز عليه. فهذا يختص إنكاره بالعلماء، فإن أخبر أحد من العلماء بذلك واحدًا من العوام جاز له ذلك. ووجب على العامي الإنكار عند القدرة على ما بينا، ولا يجوز قبل ذلك. وأما الذي كان الشيء مما اختلف الفقهاء فيه وساغ في الاجتهاد، كشرب عامي النبيذ مقلدًا لأبي حنيفة ﵀، وتزج امرأة بلا ولي على ما عرف من مذهبه، لم يكن لأحد ممن هو على مذهب الإمام أحمد والشافعي رحمهما الله الإنكار عليه، لأن الإمام أحمد قال في رواية المرزوي: لا ينبغي للفقيه أن يحمل الناس على مذهبه ولا يشدد عليهم، وإذ ثبت هذا فالإنكار إنما يتعين في حرق الإجماع دون المختلف فيه. وقد نقل عن الإمام أحمد ﵀ ما يدل على جواز الإنكار في المختلف فيه وهو ما قال في رواية الميموني في الرجل يمر بالقوم وهو يلعبون بالشطرنج ينهاهم يعظهم، ومعلوم أن هذا جائز عند أصحاب الشافعي ﵏. (فصل) وينبغي لكل مؤمن أن يعل بهذه الآداب في سائر أحواله، ولا يترك العمل بها. وقد روى عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: ((تأدبوا ثم تعلموا)). وقال أبو عبد الله البلخي ﵀: ((أدب العلم أكثر من العلم)). وقال عبد الله بن المبارك ﵀: ((إذا وصف لي رجل له علم الأولين والآخرين ولا أدب له لا أتأسف على فوت لقائه، وإذا سمعت برجل له أدب النفس أتمنى لقاءه وأتأسف على فواته)). ويقال مثل الإيمان كمثل بلدة لها خمسة من الحصون، الأول من ذهب، والثاني من

стр. 108

فضة، والثالث من حديد، والرابع من آجر، والخامس من لبن، فما دام أهل الحصن متعاهدين الذين هو من لبن لا يطمع العدو في الثاني، فإذا أهملوا ذلك طمعوا في الحصن الثاني ثم في الثالث حتى تخرب الحصون كلها، فكذلك الإيمان في خمسة من الحصول، أولها اليقين، ثم الإخلاص، ثم أداء الفرائض، ثم إتمام السنن، ثم حفظ الآداب، فما دام العبد يحفظ الآداب ويتعاهدها فالشيطان لا يطمع فيه. فإذا ترك الآداب طمع الشيطان في السنن ثم في الفرائض، ثم في الإخلاص، ثم في اليقين. فينبغي للإنسان أن يحفظ الآداب في جميع أموره من الوضوء والصلاة والبيع الشراء وغير ذلك. هذا آخر ما اخترنا وأردنا لخصنا من آداب الشريعة، فبامتثال الأمر في العبادات الخمس المقدم ذكرها يصير مسلمًا، وبالتأدب بهذه الآداب يكون تابعًا للسنة ومقتفيًا للأثر، ويحصل له بذلك معرفة ما ينبغي. ويبقى عليه حقيقة معرفة الصانع وهي من أعمال القلب، فأخرناها ليسهل عليه الدخول في ديننا. فإذا تقمص بنور الإسلام ظاهرًا قلنا له: تقمص بنور الإيمان باطنًا. * * *

стр. 109

القسم الثاني في العقائد

стр. 110

باب في معرفة الصانع نقول: أما معرفة الصانع بالآيات والدلالات على وجه الاختصار، فهي: أن يعرف ويتيقن أن الله واحد أحد فرد صمد، ﴿لم يلد ولم يولد * ولم يكن له كفوًا أحد﴾ [الإخلاص: ٣ - ٤]، ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ [الشورى: ١١] لا شبيه له ولا نظير، ولا عون ولا ظهير، ولا شريك ولا وزير، ولا ند ولا مشير، ليس بجسم فيمس، ولا بجوهر فيحس، ولا عرض فيقضى، ولا ذي تركيب أو آلة وتأليف، أو ماهية وتحديد. وهو الله للسماء رافع، وللأرض واضع، لا طبيعة له من الطبائع، ولا طالع له من الطوالع، ولا ظلمة تظهر، ولا نور يزهر، حاضر الأشياء علمًا، شاهد لها من غير مماسة، قاهر حاكم قادر، راحم غافر، ساتر معز ناصر، رؤوف خالق فاطر، أول آخر، ظاهر باطن، فرد معبود، حي لا يموت، أزلي لا يفوت، أبدي الملكوت سرمدي الجبروت، قيوم لا ينام، عزيز لا يضام، منيع لا يرام، له الأسماء العظام والمواهب الجسام، قضى بالفناء على جميع الأنام فقال: ﴿كل من عليها فان * ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام﴾ [الرحمن: ٢٦ - ٢٧]. وهو بجهة العلو مستو على العرش، محتو على الملك، محيط علمه بالأشياء، ﴿إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه﴾ [فاطر: ١٠]. ﴿يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرض إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون﴾ [السجدة: ٥]. خلق الخلائق وأفعالهم وقدر أرزاقهم وآجالهم، لا مقدم لما أخر، ولا مؤخر لما قدم، أراد ما العالم فاعلوه، ولو عصمهم لما خالفوه، ولو شاء أن يطيعوه جميعًا لأطاعوه، يعلم السر وأخفى، عليم بذات الصدور، ﴿ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير﴾ [الملك: ١٤]. هو المحرك، هو المسكن، لما تتصوره الأوهام ولا تقدره الأذهان، ولا يقاس بالناس،
следующие страницы →