← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 17817

الغنية لطالبي طريق الحق

عبد القادر الجيلاني

Полный текст (666 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

الساقين، والبطن عن الأرض على ما تقدم بيانه. ويقول في سجوده: سبحان ربي الأعلى ثلاثاً كالركوع، ثم يرفع رأسه مكبراً، ويجلس على رجله اليسرى، وينصب اليمنى ويقول: رب اغفر لي ثلاثاً، ناظراً إلى حجره، ثم يسجد ثانية كذلك، ثم يرفع رأسه مكبراً من الأرض ثم يديه ثم ركبتيه معتمداً على ركبتيه، فينهض على صدور قدميه، ولا يقدم إحدى رجليه فإنه مكروه. وقيل: إنه يقطع الصلاة مروي ذلك عن ابن عباس ﵄، ويفعل كذلك في الركعة الثانية، فإذا جلس للتشهد الأول جلس على رجله اليسرى، وينصب رجله اليمنى ويوجه أصابعه نحو القبلة، ويضع يده اليسرى على فخذه اليسرى، ويده اليمنى على فخذه اليمنى، ويشير بأصبعه التي تلي الإبهام وهي السبابة، ويحلق الإبهام مع الوسطى، ويقبض الخنصر والبنصر، وتكون عينه إلى إصبعه من أول تشهده إلى آخره، لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا كان أحدكم في الصلاة فجلس فلا يعبث بشيء، فإنه يناجي ربه"، ولكن يجعل يده اليسرى على فخذه اليسرى، ويده اليمنى على فخذه اليمنى، ثم ليكن قلبه وبصره إلى أصبعه فإنها مذبة للشيطان، ويتشهد فيقول: "التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله". ثم يقوم مكبراً فيقرأ الفاتحة فحسب، ويركع ويسجد كذلك، ثم يصلي الركعة الرابعة كذلك، ثم يجلس للتشهد فيأتي به على ما ذكرنا. فإذا بلغ عبده ورسوله قال: "اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم، إنك حميد مجيد". وعن إمامنا أحمد رواية أخرى: أنه يذكر إبراهيم ثم يذكر آله فيقول على إبراهيم وعلى إبراهيم، وهذا آخر التشهد.

стр. 527

ويستحب له أن يستعيذ من أربع فيقول: "اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المسيح الدجال، ومن فتنة المحيا والممات". ثم يدعو فيقول: "اللهم إني أسألك من الخير كله ما علمت منه وما لم أعلم، وأعوذ بك من الشر كله ما علمت منه وما لم أعلم، اللهم إني أسألك من خير ما سألك عبادك الصالحون، وأعوذ بك من رش ما استعاذك منه عبادك الصالحون. اللهم إني أسالك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل، وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل، ﴿ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار﴾ [البقرة: ٢٠١]، ﴿ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار * ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد﴾ [آل عمران: ١٩٣ - ١٩٤]. وإن زاد على ذلك جاز، إلا أن يكون إماماً فيطول ذلك على المأمومين، فالمستحب الاقتصار حفظاً لقلوبهم، لعل أن يكون فيهم ذو الحاجة، ثم يسلم ويدعو لنفسه ولوالديه وللمسلمين، ويكون في جميع ذلك متخوفاً من عاقبتها، كيف وقد وقعت عند الله الداعي إليها الآمر بها المثيب عليها والمعاقب عليها عند إساءتها، فإذا خرج منها عرضها على العلم. فإن شهد لها ببراءة الساحة وسلامة المنزلة حمد الله تعالى وأثنى عليه إذ جعله أهلاً لذلك، وأن وجد فيها نقصاناً وخللاً تاب إلى الله واستغفر الله وتأهب واجتهد في التحفظ على التي بعدها. وللصلاة المقبولة علامة بينة وللمردودة علامة بينة فعلامة المقبولة نهيها وكفها لصابحها عن الفواحش والمناكر، وترغيبه في الخير، وتجديد نيته في الصلاة والازدياد من الطاعات وفعل الخيرات، والرغبة في المثوبات، وارتداعه عن الاسواء وكراهة المعاصي والخطيئات، لقول الله : ﴿وإن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر والبغي ولذكر الله أكبر﴾ [العنكبوت: ٤٥] وهذا الذي ذكرنا يشترك فيه الإمام والمأموم والمنفرد. فأما شرائط الصلاة وواجباتها ومسنوناتها فقد ذكرناها في أول الكتاب. * * *

стр. 528

(فصل: فيما يختص بالإمام) ولا ينبغي للرجل أن يكون إماماً حتى تكون فيه هذه الخصال التي نذكرها. وهي ألا يحب أن يتقدم وهو يجد من يكفيه ذلك، ولا يتقدم وهناك من هو أفضل منه، لأنه جاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا أم القوم رجل وخلفه من هو أفضل منه لم يزالوا في سفال". وقال عمر بن الخطاب ﵁: لأن أقدم فترض عنقي ولا يقربني ذلك من إثم خير من أن أتقدم قوماً فيهم أبو بكر الصديق ﵁، وأن يكون قارئاً لكتاب الله، فقيهاً في دين الله، بصيراً بسنة رسول الله ﷺ لأنه جاء في الحديث "اجعلوا أمر دينكم إلى فقهائكم، وأئمتكم قراؤكم"، وقال النبي ﷺ : "يؤمكم خياركم فإنهم وفودكم إلى الله ". وإنما خصهم ﷺ بذلك لأنهم أهل الدين والفضل والعلم بالله والخوف من الله تعالى، الذي يعنون بصلاتهم وصلاة من خلفهم، ويتقون ما يلزمهم من وزر أنفسهم ووزر من خلفهم إن أساؤوا في صلاتهم، وما أراد ﷺ بالقراء الحفظة للقرآن فحسب من غير أن يعملوا به، وإنما أراد ﷺ العمال بالقرآن مع حفظه، وقد جاء في الحديث: "إن أحق الناس بهذا القرآن من كان يعمل به وإن كان لا يقرؤه". وقد يحفظ القرآن من لا يعمل به ولا يعبأ بإقامة حدوده مما فرض الله عليه من العمل به وما نهاه من النهي عنه، فلا نعنى نحن به ولا كرامة له، قال النبي ﷺ : "ما آمن بالقرآن من استحل محارمه". فلا يجوز للناس أن يقدموا عليهم في صلاتهم إماماً إلا أعلمهم بالله وأخوفهم له، فإن خالفوا وقدموا غيره لم يزالوا في سفال وإدبار وانتقاص في دينهم وبعد من الله تعالى ومن رضوانه وجنته. فرحم الله قوماً عنوا بدينهم وصلواتهم، فقدموا خيارهم واتبعوا في ذلك سنة نبيهم

стр. 529

- ﷺ وطلبوا بذلك القربة إلى ربهم ﵎. وينبغي أن يكون الإمام حافظاً للسانه من عيب الناس عليه وغيبتهم إلا من الخير، ويكون يأمر بالمعروف ويفعله، وينهى عن المنكر ويجتنبه، ويحب الخير وأهله، ويبغض الشر وأهله، عارفاً بمواقيت الصلاة محافظاً عليها، مقبلاً على شأنه، عفيف البطن والفرج، منقبض اليد عن الحرام، قليل السعي إلا في ابتغاء مرضاة الله ، وقوراً حمولاً صبوراً على الأذى، يغضى عن الشر ويحتمل ممن يتكلم فيه، ويصبر على من يجهل عليه، ويحسن إلى من أساء إليه، ويكون غضيض الطرف عن المحارم، إن رأى عورة سترها، وإن رأى مخزية دفنها، يعرض عن الجاهلين ويقول لهم: اللهم سلاماً، الناس منه في راحة، وهو من نفسه في عناء، حريصاً على فكاك رقبته، مجداً في خلاص نفسه، ويعلم أنه قد بلي بشيء عظيم جليل خطره، كبير شأنه. وليكن همه ما قد كلف به من عظيم قدر الإمامة وخطر قدرها وخيرها، وليكن قليل الكلام إلا فيما يعنيه، له حال وللناس حال، إذا قام في محرابه علم أنه قائم في مقام النبيين، وخليفه سيد المرسلين، ويناجي رب العالمين. يتحرى الاجتهاد لتمام الصلاة وليسلم من خلفه، ممن تقلد إمامته، خفيف الصلاة في تمام، يصلي بصلاة أضعفهم، فيرى في نفسه أنه دونهم وأنه مبتلى بإمامتهم، وأن الله تعالى يسأله عن أداء الفرائض عن نفسه وعنهم. وهو بتقدمه باك على خطيئته، نادم على ما سلف من تفريطه وقديم أيامه، وما انقضى من أوقاته، لا يتكبر على من خلفه، ولا يتجبر على من هو دونه، ولا يغضب حمية لنفسه، إذا قيل ما فيه وما هو عنه بريء، ولا يحب حمدهم ولا يكره ذمهم، فتكون الجماعة عنده في الحالتين سواء، لم يجرب عليه كذبة، طيب الطعام، نظيف اللباس، متواضعاً في لبسه متخاشعاً في جلسته، غير محدود في الإسلام، ولا ذا ريبة في الأنام، ولا غمازاً على أخيه عند السلطان، ولا هو ساع إلى الشر، ولا ذي غمز في حقه، ولا خائن في وديعة وتجارته وعاريته، ولا يتقدم وهو خبيث المطعم والمكسب، ولا يتقدم وهو يشتهي الإمامة، ولا يتقدم وهو يعلم أن فيه حسداً ولا بغياً ولا حقداً ولا إحنة ولا غلاً ولا رجاء ولا طالباً لثأر، ولا منتصراً لنفسه، ولا متشفياً من غيظ، ولا متتبعاً عورة رجل مسلم، ولا غاشاً لأحد من أمة محمد ﷺ .

стр. 530

ولا يتكلم في فتنة ولا يسعى فيها ولا يقويها، بل يعين أهل الحق على أهل الباطن بيده ولسانه وقلبه، يقول الحق وإن كان مراً، لا تأخذه في الله لومة لائم، ولا يحب مدح الناس له، ولا يكره ذمهم، ولا يخص نفسه بشيء من الدعاء، بل يعمم الدعاء له ولهم وقت ما يدعو عقيب الصلاة بهم، فإن أفرد نفسه بذلك كان خيانة منه لهم، ولا يؤثر بعضهم على بعض إلا أولى العلم، كما قال النبي ﷺ : "ليليني أولو الأحلام والنهي". وكذلك الذين يلونهم وراء ظهره، ولا يقرب الغنى ويزري بالفقير، ولا ينبغي له أن يتقدم بقوم وفيهم من يكره إمامته، فإن كان فيهم من يكره ومن لا يكره نظر، فإن كان الأكثر يكرهونه اعتزل المحراب ولا يقربه، هذا إذا كانت كراهتهم له بعلم وحق، وإن كانت بجهل وباطل ورعونة نفس وعصبية لمذهب أو هوى لم يلتفت إلى كراهتهم، ولا يترك الصلاة بهم إلا أن يخاف الفتنة في القوم لأجله، فيتنحى ويعتزل المحراب لذلك حتى يصطلحوا أو يرضوا، ولا ينبغي له أن يكون ممارياً ولا حلافاً ولا لعاناً، ولا يدخل مداخل السوء والتهم، ولا يأنف ولا يخالط من الناس إلا الصالحين، ولا ينبغي له أن يكون إماماً وهو يحب الفتنة وأهلها، والعصبية وأهلها، والرياسة وأهلها، وينبغي أن يكون صبوراً على أذية الناس متودداً إليهم، طالباً لمنفعتهم، مجتهداً في نصيحتهم، لا يماري على الإمامة ولا يقاتل عليها من كفاه عظيم مؤنتها. ولقد نقل عن الأكابر ممن تقدم من السلف الصالحين أنهم كرهوا الإمامة وقدموا من ليس هو مثلهم في الشرف والديانة ابتغاء حمل المؤنة عنهم وتخفيفاً، وخيفة من تقصير يقع لهم. وينبغي للإمام إذا حضر عنده ذو سلطان ألا يتقدم عليه في الصلاة إلا بإذنه، وكذلك لا جلس إلا بإذنه، وإذا نزل بقرية أو محلة أو قبيلة أو حي من أحياء العرب لا يؤمهم إلا بإذنهم، وكذلك إذا اتفق مع قوم في قافلة وسفر ومجمع لا يؤمهم إلا بإذنهم. وينبغي للإمام ألا يطيل الصلاة بل يخففها مع التمام لما روي عن أبي هريرة رضي

стр. 531

الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا كان أحدكم إماماً فليخفف، فإنه يقوم وراءه الصغير والكبير وذو الحاجة، وإذا صلى لنفسه فليطل ما شاء". وعن أبي واقد ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ من أوجز الناس صلاة على الناس، وأدومه على نفسه". (فصل) وينبغي للإمام ألا يدخل في الصلاة ولا يكبر حتى ينوي الإمامة بقلبه ، وإن تلفظ ذلك بلسانه كأن أحسن، ويلتفت يميناً وشمالاً فيسوى الصفوف فيقول: استووا رحمكم الله، واعتدلوا رضي الله عنكم، ويأمرهم بسد الفرح وتسويه المناكب ودنو بعضهم إلى بعض حتى تتماس مناكبهم، لأن اختلاف المناكب واعوجاج الصفوف نقص في الصلاة وحضور الشياطين وقيامهم مع الناس في الصفوف، جاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: "راصوا الصفوف وحاذوا المناكب وسدوا الخلل حتى لا يقوم بينكم مثل أولاد الحذف" يعني مثل أولاد الغنم من الشياطين. وقد كان النبي ﷺ إذا قام مقامه إلى الصلاة لم يكبر حتى يلتفت يميناً وشمالاً فيأمرهم بتسوية مناكبهم ويقول: "لا تختلفوا فتختلف قلوبكم". ورأى ﷺ يوماً رجلاً قد خرج صدره من الصف فقال: "لتسون مناكبكم أو ليخالفن الله تعالى بين قلوبكم". وفيما اتفق عليه مسلم والبخاري رحمهما الله عن سالم بن أبي الجعد ﵀ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله تعالى بين وجوهكم". وفي حديث آخر عن قتادة، عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "سووا صفوفكم، فإن تسوية الصفوف من تمام الصلاة".

стр. 532

وجاء عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قام مقام الإمام لا يكبر حتى يأتيه رجل قد وكله بإقامة الصفوف فيخبره أنهم قد استووا فيكبر حينئذ. وكذلك كان يفعل عمر بن عبد العزيز ﵀. وروى أن بلالاً المؤذن ﵁ كان يسوى الصفوف ويضرب عراقيبهم بالدرة حتى يستووا. وقال بعض العلماء: إن الظاهر من هذا أنه كان يفعل ذلك على عهد رسول الله ﷺ عند إقامته قبل أن يدخل في الصلاة لأن بلالاً ﵁ لم يؤذن لأحد بعد النبي ﷺ إلا يوماً واحداً عند مرجعه من الشام في زمن أبي بكر الصديق ﵁، بسؤاله وسؤال الصحابة ﵃ شوقاً إلى رسول الله -صلى الله عله وسلم- وعهده، فلما بلغ بلال ﵁ إلى قوله: أشهد أن محمداً رسول الله، امتنع من الآذان فلم يقدر عليه، فسقط مغشياً عليه حباً للنبي ﷺ وشوقاً إليه، واشتد عند ذلك بكاء أهل المدينة من المهاجرين والأنصار حتى خرجت العوائق من خدورهن شوقاً إلى النبي ﷺ ، فثبت بذلك أن ضربه لعراقيب الناس كان على عهد رسول الله ﷺ . وينبغي للإمام ألا يدخل طاقة القبلة فيمنع من ورائه رؤيته، بل يخرج منه قليلاً. وعن إمامنا أحمد ﵀ رواية أخرى: أنه يستحب قيامه فيه، ولا يقف مقاماً أعلى من مقام المأمومين، فإن فعل فهل تبطل صلاته على وجهين. وينبغي له إذا سلم من صلاته ألا يلبث في محرابه، وليقم وليتنح إلى يساره، فليأت بتنفله ناحية من المحراب، لما روى المغيرة بن شعبة ﵁ قال: إن النبي ﷺ قال: "لا يتطوع الإمام في مقامه الذي يصلى فيه بالناس المكتوبة" وأما المأموم فجائز له ذلك، وهو مخير إن شاء صلى في موضعه أو يتأخر قليلاً. وينبغي أن تكون له سكتتان سكتة عند افتتاح الصلاة وسكتة إذا فرغ من القراءة قبل أن يركع حتى يتنفس ويسكن وهج قراءته، ولا يصل قراءته بتكبيرة الركوع، لأن ذلك مروى عن النبي ﷺ في ديث سمرة بن جندب ﵁. وينبغي إذا صلى إلى سترة أن يدنو منها، ولا يدع بينه وبينها فرجة بعيدة لئلا يمر بينهما كلب أسود بهيم أو حمار أو امرأة، فإن صلاته تنقطع بذلك عند أحمد إمامنا

стр. 533

رحمه الله. وعنه في المرأة والحمار رواية أخرى لا بأس بهما. وينبغي له إذا ركع سبح ثلاث تسبيحات على ما ذكرنا، ولا يسرع فيها ولا يبادر، وليكن بتمام من كلامه، وبتأييد وتمكن، لأنه إذا أسرع بالتسبيح لم يدركه من خلفه، فيؤدي ذلك إلى مسابقة المأموم فتفسد صلاتهم، فيرجع وزرهم إليه. وكذلك ينبغي له إذا رفع رأسه من الركوع وقال: "سمع الله لمن حمده" ثبت قائماً معتدلاً ويقول: "ربنا ولك الحمد" من غير عجلة في كلامه حتى يدركه المأمون، وإن زاد على ذلك فقال: ملء السموات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد، جاز لأن ذلك مروى عن النبي ﷺ . وجاء عن أنس بن مالك ﵁ أنه قال: "كان رسول الله ﷺ إذا رفع رأسه من الركوع يقوم حتى يقال قد نس". وكذلك يثبت في السجود وفي الجلسة بين السجدتين ليدركه من خلفه في الركن. ولا نظر إلى قول من يقول: إذا فعل ذلك سبقه المأموم فبطلت صلاته، إذا تكرر ذلك منه، ففي ذلك فساد لأن الناس إذا رأوه يديم ذلك ويواظب عليه علموا أن التثبيت دأبه فثبتوا له ولم يبادروا، ثم يقال للإمام: يستحب لك أن تخوفهم قبل الشروع في الصلاة وتحذرهم من مسابقتك، على ما نذكره في الفصل الذي يليه، فلا يؤدى ذلك إلى فساد بل إلى مصلحة عامة وتمام صلاة الجميع، وقد جاء في الحديث "إن كل مصل راع ومسئول عن رعيته". وقيل: إن الإمام راع لمن يصلي بهم، فعلى الإمام النصيحة لمن يصلى خلفه، وينهاهم عن المسابقة في الركوع والسجود، ويحسن أدبهم إذ هو راع لهم ومسئول غداً عنهم، ويتم صلاته ويحكمها ويحسنها حتى يكون له مثل أجر من يصلي خلفه، وإلا عليه مثل أوزارهم إذا أسا وقصر. (فصل) ويجب على المأموم أن ينوي الائتمام ، ويقف على يمين الإمام ولا يقف قدامه ولا عن يساره، فإن كانوا جماعة فالسنة أن يقفوا خلفه، فإن كبر عن يمينه وجاء آخر فإنه يكبر معه ويحصل معه صفاً ثم يخرجان وراء الإمام، فإن كبر الثاني أخرجهما الإمام بيده إلى ورائه، ولا يتقدم هو عن موضعه إلا أن يكون وراءه ضيق، وإذا حضر

стр. 534

الجماعة فوجد في الصف فرجة دخل فيها، وإن لم يجد وقف عن يمين الإمام، ولا يجذب رجلاً فيقوم معه صفاً لأنه يؤدي إلى الهرج والفتنة والبغضاء والعداوة، ولأنه يؤدي ذلك إلى بطلان صلاة المجذوب، لأنه يصير فذاً بذلك، وذلك يبطل الصلاة عندنا، ولكن يجتهد فيحصل كتفيه في الصف، فيكبر ويحرم بالصلاة، ثم يخرج مع واحد منهم إلى وراء الصف، وإذا دخل المسجد والإمام في الرجوع كبر تكبيرتين: إحداهما للإحرام، والأخرى للركوع، فإن كبر واحدة ونواهما جاز، وإذا دخل والإمام في التشهد الأخير استحب له أن ينوى الصلاة ويكبر ويجلس مع الإمام ليدرك فضل الجماعة، فإذا سلم الإمام بنى على تكبيره وصلى. (فصل) وينبغي للمأموم أيضاً ألا يسبق الإمام في التكبير ولا في الركوع والسجود ولا في الرفع عنهما، ويحذر ذلك جداً، ويجتهد وسعه ويبذل طاقته أن تكون أفعاله جميعها في الصلاة عقيب فعل إمامه. وقد جاء في ذلك أحاديث كثيرة عن النبي ﷺ وعن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين. من ذلك ما روى عن النبي ﷺ أنه قال: "أما يخاف الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار". وفي حديث آخر عنه ﷺ أنه قال: "الإمام يركع قبلكم ويسجد قبلكم ويرفع قبلكم". وعن البراء بن عازب ﵄ قال: "كنا خلف النبي ﷺ فكان إذا انحط من قيامه للسجود لا يحنى أحد منا ظهره حتى يضع رسول الله ﷺ جبهته على الأرض، وكان أصحاب رسول الله ﷺ يلبثون خلفه قياماً حتى ينحط النبي ﷺ ويكبر ويضع جبهته على الأرض وهم قيام ثم يتبعونه". وقد جاء عن الصحابة ﵃ أنهم قالوا: "لقد كان رسول الله ﷺ يستوي قائماً وإنا لسجد بعد". وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أما يخشى الذي يرفع

стр. 535

رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار أو رأس خنزير". وعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت أبا القاسم ﷺ يقول: "أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار". وروى أن ابن مسعود ﵁ نظر إلى من سبق الإمام فقال: لا وحدك صليت ولا بإمامك اقتديت، والذي لم يصل وحده ولم يقتد بإمامه فذلك الذي لا صلاة له. وكذلك روى أن ابن عمر ﵄ نظر إلى من سبق الإمام فقال له: ما صليت وحدك ولا صليت مع الإمام، ثم ضربه وأمره أن يعيد الصلاة. وعن أبي صالح عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع رأسه فارفعوا رؤوسكم، وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا جميعاً: اللهم ربنا لك الحمد، وإذا سجد فاسجدوا، ولا تسجدوا قبل أن يسجد، وإذا رفع رأسه فارفعوا رؤوسكم، ولا ترفعوا رؤوسكم قبل أن يرفع وإذا صلى جالساً فصلوا أجمعون جلوساً". وروى إمامنا أبو عبد الله أحمد ﵀ في رسالة له بإسناده عن أبي موسى الأشعري ﵁ صاحب رسول الله ﷺ أنه قال: "إن رسول الله ﷺ علمنا صلاتنا وعلمنا ما نقول فيها، قال رسول الله ﷺ : "إذا كبر الإمام فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا، وإذا قال: ﴿غير المغضوب عليهم ولا الضالين ...﴾ فقولوا: "آمين"، يجبكم الله، وإذا كبروا فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع رأسه فقال: سمع الله لمن حمده، فارفعوا رؤوسكم وقولوا: اللهم ربنا لك الحمد، يسمع الله لكم، وإذا كبروا وسجد فكبروا واسجدوا، وإذا رفع رأسه وكبر فارفعوا رؤوسكم وكبروا، قال رسول الله ﷺ : فتلك بتلك، وإذا كان في القعدة فليكن من قول أحدكم: التحيات لله والصلوات والطيبات، حتى تفرغوا من التشهد". قال الإمام أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني ﵀، وأماتنا على مذهبه أصلاً وفرعاً، وحشرنا في زمرته: قول النبي ﷺ : "إذا كبر فكبروا" معناه أن ينتظروا الإمام حتى يكبر ويفرغ من تكبيره وينقطع صوته ثم يكبرون بعده، والناس

стр. 536

يغلطون في هذه الأحاديث ويجهلونها مع ما عليه عامتهم من الاستخفاف بالصلاة والاستهانة بها، فتارة يأخذ الإمام في التكبير فيأخذون معه في التكبير، وهذا خطأ لا ينبغي لهم أن يأخذوا في التكبير حتى يكبر الإمام ويفرغ من تكبيره وينقطع صوته وهكذا قال النبي ﷺ "إذا كبر الإمام فكبروا" والإمام لا يكون مكبراً حتى يقول: الله أكبر، لأن الإمام لو قال الله ثم سكت لم يكن مكبراً حتى يقول: الله أكبر فيكبر الناس بعد قوله: الله أكبر، فأخذهم في التكبير مع الإمام خطأ، وترك لقول النبي ﷺ ، لأنك لو قلت إذا صلى فلان فكلمه كان معناه أن انتظره حتى إذا صلى وفرغ من صلاته كلمته، وليس لك أن تكلمه وهو يصلى، وكذلك معنى قول النبي ﷺ : "إذا كبر الإمام فكبروا" وربما طول الإمام في التكبير إذا لم يكن له فقه، والذي يكبر معه ربما جزم التكبير ففرغ من التكبير قبل أن يفرغ الإمام، فقد صار هذا مكبراً قبل الإمام، ومن كبر قبل الإمام فليست له صلاة، لأنه دخل في الصلاة قبل الإمام وكبر قبل الإمام فلا صلاة له. وقول النبي ﷺ : "إذا كبر وركع فكبروا واركعوا" معناه: أن ينتظروا الإمام حتى يكبر ويركع وينقطع صوته، وهم قيام ثم يتبعونه. وقول النبي ﷺ : "فإذا رفع رأسه وقال: سمع الله لمن حمده فارفعوا رؤوسكم وقولوا: اللهم ربنا لك الحمد" معناه: أن ينتظروا الإمام ويثبتوا ركوعاً حتى يرفع الإمام رأسه ويقول: سمع الله لمن حمده، وينقطع صوته وهم ركوع، ثم يتبعونه فيرفعون رؤوسهم ويقولون: اللهم ربنا لك الحمد. وقوله: "فإذا كبر وسجد فكبروا واسجدوا" معناه: أن يكونوا قياماً حتى يكبر وينحط للسجود ويضع جبهته على الأرض وهم قيام، ثم يتبعونه. وكذلك جاء عن البراء بن عازب ﵄، وهذا كله موافق لقول النبي ﷺ : "الإمام يركع قبلكم ويسجد قبلكم ويرفع قبلكم". وقوله: "إذا كبر ورفع رأسه فارفعوا رؤوسكم وكبروا" معناه: أن يثبتوا سجوداً حتى يرفع رأسه ويكبر، فإذا انقطع صوته وهم سجود اتبعوه فرفعوا رؤوسهم. وقول النبي ﷺ : "فتلك بتلك" يعني: انتظاركم إياه قياماً حتى يكبر ويركع وأنتم قيام فتتبعونه، وانتظاركم إياه ركوعاً حتى يرفع رأسه ويقول: سمع الله لمن حمده وأنتم

стр. 537

ركوع، فإذا قال: سمع الله لمن حمده وانقطع صوته وأنتم ركوع اتبعتموه فرفعتم رؤوسكم وقلتم ربنا لك الحمد. وقول النبي ﷺ : "فتلك بتلك" في كل رفع وخفض، وهذا تمام الصلاة فاعقلوه وأبصروه وأحكموه، واعملوا أن كثيرًا من الناس يوم القيامة ما تكون لهم صلاة لسبق الإمام بالركوع والسجود والرفع والخفض. وقد جاء في الحديث "أنه يأتي على الناس زمان يصلون ولا يصلون" ويوشك أن يكون زماننا هذا، فإن الغالب عليهم مسابقة الإمام وتضييع أركان الصلاة وواجباتها ومسنوناتها وتمامها. (فصل) ويجب على من رأى من يقصر في صلاته ويسقط أركانها وواجباتها وآدابها أن يعظه ويعلمه وينصحه ليصلح فيما بقى ويستغفر عما مضى، فإن لم يفعل كان شريكه في ذلك وعليه وزره وإثمه. وقد جاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: "ويل للعالم من الجاهل حيث لا يعلمه". فلولا أن تعليم الجاهل واجب على العالم ولازم له وفرض عليه لما توعده ﷺ بالويل في السكوت عنه، لأن الوعيد لا يستحقه إلا من ترك الواجب والفرض دون النفل. وجاء في الحديث عن بلال بن سعد أنه قال: الخطيئة إذا خفيت لم تضر إلا صاحبها، وإذا ظهرت فلم تغير ضرت العامة، وذلك لتركهم ما لزمهم من التغيير والإنكار على من ظهرت الخطيئة منه وسكوتهم عنه، فلما سكتوا تفاقم الأمر والوبال على الجميع، وشارك المحسن المسئ في إساءته إذا لم ينهه وينصحه. وقد ورد عن ابن مسعود ﵁ قال: من رأى من يسئ في صلاته فلم ينهه شاركه في وزرها وعارها ويكون موافقًا للشيطان اللعين، لأنه يريد أن يسكت عن الكلام في ذلك، وأن يترك التعاون على البر والتقوى اللذين أوصى الله تعالى بهما في قوله : ﴿وتعاونوا على البر والتقوى﴾ [المائدة ٢] والنصيحة التي هي واجبة عليهم بعضهم لبعض، ويريد أن يضمحل الدين ويذهب الإسلام، ويأثم الحلق كلهم، فلا ينبغي للعاقل أن يطيع الشيطان، قال الله : ﴿يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة﴾ [الأعراف ٢٧٠]، وقال جل وعلا: ﴿إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوًا إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير﴾ [فاطر ٦].

стр. 538

واعلم أن جميع ما يوجد من النقص في الصلاة والزكاة وسائر العبادات لسكوت أهل العلم والفقه والتصبر عنهم وترك النصيحة والتعليم والتأديب، فينشأ ذلك أولًا من أهل الجهل، ثم يعلم أهل العلم وينسب إليهم. ومن العجب لو أن رجلًا رأى من يسرق حبة واحدة أو رغيفًا من إنسان يهودي أو مسلم لم يتمالك من نفسه حتى يصبح عليه ويزجره ويقبح له ذلك، وإذا رأى من يصلي ويسرق أركان الصلاة ويسقطها مع الواجب ويسابق الإمام سكت عنه ولا ينطق، فينكر عليه ويعلمه ويستهين أمره. وقد جاء عن رسول الله ﷺ أنه قال: "شر الناس سرقة الذي يسرق من صلاته، قالوا: يا رسول الله، وكيف يسرق من صلاته؟ قال ﷺ : لا يتم ركوعها ولا سجودها". وعن الحسن البصري ﵀ قال: إن النبي ﷺ قال: "ألا أخبركم بشر الناس سرقة؟ قالوا: بلى، من هو يا رسول الله؟ قال ﷺ : الذي لا يتم ركوع الصلاة ولا سجودها". وقال سلمان الفارسي ﵁: الصلاة مكيال، فمن وفى وفى له، ومن طفف فقد علمتم ما قال الله تعالى في المطففين. وعن عبد الله بن علي أو علي بن شيبان ﵁، وكان من الوفد الذين وفدوا إلى رسول الله ﷺ قال: قال النبي ﷺ : "لا ينظر الله إلى صلاة عبد لا يقيم صلبه في ركوعه وسجوده". وعن أبي هريرة ﵁ قال: "إن رجلًا دخل المسجد ورسول الله ﷺ جالس في المسجد فصلى، ثم جاء إلى رسول الله ﷺ فسلم عليه، فرد ﵇ وقال: ارجع فصل فإنك لم تصل فصلي كما صلى، ثم جاء فسلم، فقال له رسول الله ﷺ : ارجع فصل فإنك لم تصل ففعل ذلك ثلاث مرات، فقال: والذي بعثك بالحق ما أحسن غير هذا فعلمني، فقال رسول الله ﷺ : إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر

стр. 539

معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا، ثم اصنع ذلك في صلاتك كلها". وفي حديث آخر عن رفاعة بن رافع ﵁ قال: "بينما نحن جلوس حول رسول الله ﷺ إذ دخل رجل فاستقبل القبلة فصلى، فلما قضى صلاته جاء فسلم على النبي ﷺ وعلى قومه، فقال له رسول الله ﷺ : ارجع فصل فإنك لم تصل، أمره بذلك مرتين أو ثلاثًا، فقال الرجل: ما ألوت قدرتي فلا أدري ما عنيت من صلاتي، فقال رسول الله ﷺ : لا تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمر الله تعالى فيغسل وجهه ويديه إلى المرفقين، ويمسح رأسه ويغسل رجليه إلى الكعبين، ثم يكبر الله تعالى ويحمده، ثم يقرأ من القرآن ما أذن له فيه، ثم يكبر فيضع كفيه على ركبتيه حتى تطمئن مفاصله وتسترخي، ثم يقول: سمع الله لمن حمده، ويستوي قائمًا حتى يقيم صلبه، ويأخذ كل عضو مأخذه، ثم يكبر ويسجد ويمكن وجهه حتى تطمئن مفاصله وتسترخي، ثم يكبر ويستوي قاعدًا على مقعده ويقيم صلبه، فوصف صلاته هكذا أربع ركعات، حتى فرغ، ثم قال: لا تتم صلاة أحدكم حتى يفعل كذلك". فقد أمر النبي ﷺ بإتمام الصلاة والركوع والسجود، وأخبر أن الصلاة لا تقبل إلا هكذا وما وسعه ﷺ السكوت حين رأى الرجل يصلي صلاة ناقصة، فلو جاز تأخير البيان عن وقت الحاجة وترك الإنكار على الجاهل وتعليمه لسكت النبي ﷺ ، ووكل ذلك إلى ما قد بين من قبل الصحابة ﵃ وتجاوز عنه، فلما بالغ في ذلك الإنكار عليه والتعليم له دل على وجوب ذلك، وتنبيهه ﷺ من حضره من الصحابة ﵃ أن يفعلوا كذلك إذا رأوا من يفعل في صلاته مثل ما فعل ذلك الرجل ويعلموا أصحابهم، وأصحابهم لأصحابهم كيفية أحكام الشرع إلى أن تقوم الساعة. (فصل) ويجب على المؤذن أن يصلح من لسانه ما لا يلحن في الشهادتين، ويكون عارفًا بالأوقات، وألا يؤذن إلا بعد دخول الوقت إلا في الفجر خاصة ويحتسب بأذانه وجه الله تعالى، ولا يأخذ على أذانه أجرًا، ويستقبل القبلة بوجهه في التكبير

стр. 540

والشهادتين، ويولى وجهه يمينًا وشمالًا في الدعاء إلى الصلاة، وإذا أذن لصلاة المغرب جلس بين الأذان والإقامة جلسة خفيفة، ويكره له أن يؤذن وهو جنب أو محدث، ولا ينبغي له أن يشق الصفوف إذا فرغ من الإقامة ليقوم في الصف الأول. وينبغي له أن يقيم موضع الأذان، إلا أن يشق عليه مثل أن يكون قد أذن في منارة، فإنه يقيم مواضع الصلاة، أو حيث تيسر له. (فصل) فرحم الله من أقبل على صلاته خاشعًا خاضعًا ذليلًا لله خائفًا واعيًا راغبًا وجلًا مشفقًا راجيًا، وجعل أكثر همته في صلاته لربه تعالى، ومناجاته إياه وانتصابه بين يديه قائمًا وقاعدًا وراكعًا وساجدًا، وفرغ لذلك قلبه وثمرة فؤاده، واجتهد في أداء فرائضه، فإنه لا يدري هل يصلي صلاة بعد التي هو فيها أو يعاجل عليه بوفاته قبل ذلك، فقام بين يدي ربه محزونًا مشفقًا يرجو قبولها، ويخاف ردها، إن قبلها سعد وإن ردها شقى، فما أعظم خطرك يا أيها المؤمن المتحلي بأنوار الإسلام في هذه الصلاة وفي غيرها من عملك، وما أولاك من الهم والحزن والخوف والوجل فيها وفيما سواها، مما افترض عليك، أنك لا تدري هل قبلت منك صلاة أو حسنة قط أم لا؟ وهل غفرت لك سيئة أم لا؟ وأنت مع ذلك ضاحك فرح غافل منتفع بالعيش، كيف وقد جاء اليقين من مخبر صادق أمين أنك وارد النار فقال جل وعلا: ﴿وإن منكم إلا واردها﴾ [مريم ٧١٠] ولم يأتك اليقين أنك صادر عنها، فمن أحق بطول البكاء وطول الحزن منك حتى يتقبل الله منك، ثم مع هذا لا تدري لعلك لا تصبح إذا أمسيت ولا تمسي إذا أصبحت، فمبشر بالجنة أم مبشر بالنار، فمحقوق ألا تفرح بأهل ولا ولد ولا مال، وإن العجب كل العجب من طول غفلتك وطول سهوك عن هذا الأمر العظيم وأنت تساق سوقًا حثيثًا في كل يوم وليلة، وفي كل ساعة وطرفة عين، فتوقع أجلك ولا تغفل عن هذا الخطر العظيم الذي قد أظلك، فإنك لابد ذائق الموت ولاقيه، ولعله ينزل بساحتك في صباحك أو مسائك أشر ما تكون عليها إقبالًا، فإنك قد أخرجت من ذلك كله وسلبته فإما إلى الجنة وإما إلى نار انقطعت عنها الصفات، وقصرت العبارات والحكايات عن بلوغ حقيقة وصفها ومعرفة قدرها وأنواع عذابها والإحاطة بغاية خبرها. وقال العبد الصالح ﵀: عجبت للنار كيف نام هاربها، وعجبت للجنة كيف نام طالبها، فوالله لئن كنت خارجًا من الهرب والطلب لقد هلكت هلاكًا بينًا وعظم

стр. 541

شقاؤك وطال حزنك وبكاؤك غدًا مع الأشقياء المعذبين، ولئن زعمت أنك هارب طالب، فلا تغرنك الأماني والعجب بما أنت متحل به فدونك الجد والاجتهاد، واحذر النفس والشيطان، فإن مثقبهما دقيق وغائلتهما شديدة ومكايدهما خبيثة، واحذر الدنيا لئلا تأخذك بزينتها وتخدعك بأباطيلها وكذبها وخضرتها ونضرتها. وقد جاء في الحديث عن سيد البشر "إن الدنيا تغر وتمر وتضر". قال الله . ﴿فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور﴾ [لقمان ٣٣، وفاطر ٥] فالغرور هو الشيطان الرجيم، الله الله ثم الله، احذر الهلاك والردى، احفظ الصلاة وما سواها من الأوامر، وانته عن المناهي أجمع، وذر الإثم ما ظهر منه وما بطن، وسلم إلى ربك جميع المقدور فيك وفي غيرك، وانقد لربك بطاعته فيما أمرك ونهاك، ولا تنفر منه بارتكابك ما نهاك عنه، ولا تسخطه عليك باعتراضك عليه في تدبيره فيك وترك رضاك عنه، فيما قسم لك من الأقسام والأرزاق، وفعل فيك من الأفعال، ما طوي عنك مصالحها وأخفى عنك عواقبها، وما سيظهر لك من أطيب ثمارها ومنافعها، قال عز من قائل: ﴿وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئًا وهو شر لكن وانه يعلم وأنتم لا تعلمون﴾ [البقرة: ٢١٦]. وكن أبدًا طائعًا لمولاك راضيًا بقضائه صابرًا على بلائه شاكرًا لآلائه داعيًا بأسمائه، ذاكرًا لأنعمه وآياته، موافقًا لفعله ومراده، غير متهم له في تدبيره فيك وفي خلقه، حتى تأتيك الوفاة، فتتوفى مع الطيبين، وتحشر مع النبيين، وتدخل جنات النعيم برحمة رب العالمين، ومشيئة إله الأولين والآخرين. (فصل) وأما صلاة الخاصة لإيقاظ الخاشعين المراقبين ، حراس القلوب جلساء الرحمن رضوان الله عليهم وسلامه، فصفتها: ما روى أن يوسف بن عصام مر يومًا في جامع من جوامع خراسان فإذا هو بحلقة عظيمة، فسأل عنها فقيل له: إنها حلقة حاتم، وهو يتكلم في الزهد والورع والخوف والرجاء، فقال لأصحابه: قفوا بنا نسأله عن مسألة عن أمر الصلاة، فإن هو أجابنا عنها جلسنا إليه، فوقف عليه وسلم عليه وقال: رحمك الله لي مسألة، قال له حاتم: سل، قال: أسألك عن أمر الصلاة، فقال له حاتم: تسألني عن معرفتها أو عن أدبها؟ قال: فصارت مسألتين، وجب لهما جوابان، فقال يوسف: أسألك عن أدبها، فقال حاتم.

стр. 542

هو أن تقوم بالأمر، وتمشي بالاحتساب، وتدخل بالنية، وتكبر بالتعظيم، وتقرأ بالترتيل، وتركع بالخشوع، وتسجد بالتواضع، وتتشهد بالإخلاص، وتسلم بالرحمة. فقال أصحاب يوسف: سله عن معرفتها، فسأله، فقال حاتم: هو أن تجعل الجنة عن يمينك، والنار عن شمالك، والصراط تحت قدميك، والميزان بين عينيك، والرب كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، فقال يوسف: يا شاب منذ كم تصلي هذه الصلاة؟ قال: منذ عشرين سنة، فقال يوسف لأصحابه: قوموا بنا حتى نعيد صلاة خمسين سنة، ثم التفت إليه فقال له: من أين لك هذا؟ قال: من كتبك إلى كنت تمليها علينا. وحديث أبي حازم الأعرج ﵀ يليق بهذه الجملة فنذكره، وذلك أن أبا حازم ﵀ قال: لقيني رجل من أصحاب رسول الله ﷺ وأنا على ساحل البحر، فقال لي: يا أبا حازم أتحسن أن تصلي؟ قلت: وكيف لا أحسن أن أصلي وأنا بصير بالفرائض وما استن به رسول الله ﷺ . فقال لي: يا أبا حازم ما الفرض عليك قبل قيامك إلى الصلاة؟ فقلت: ستة، قال: وما هي؟ قلت: الطهارة، والاستتار، واختيار موضع الصلاة، والقيام إلى الصلاة، والنية، والتوجه إلى القبلة، قال لي: يا أبا حازم فبأي نية تخرج من بيتك إلى المسجد؟ قلت: بنية الزيارة، قال: فبأي نية تدخل المسجد؟ قلت: بنية العبادة، قال: فبأي نية تقوم إلى العبادة؟ قلت: بنية العبودية مقرًا له بالربوبية. قال: فأقبل علي وقال: يا أبا حازم بم تستقبل القبلة؟ قلت: بثلاث فرائض وسنة، قال: وما هي؟ قلت: التوجه إلى القبلة فرض، والنية فرض، والتكبيرة الأولى فرض، ورفع اليدين سنة، قال: فكم من التكبير عليك فرض وسنة؟ قلت: أصل التكبير أربع وتسعون تكبيرة، منها خمس فرض، والباقي كلها سنة. قال: فبم تستفتح الصلاة؟ قلت: بالتكبير: قال: فما برهانها؟ قلت: قراءتها، قال: فما جوهرها؟ قلت: تسبيحها، قال: فما إحياؤها؟ قلت: خشوعها، قال: فما الخشوع؟ قلت: النظر إلى موضع السجود، قال: فما وقارها؟ قلت: السكون، قال: فما تحريمها؟ قلت: التكبير، قال: فما تحليلها؟ قلت: التسليم، قال: فما شعارها؟ قلت: التسبيح عند انقضائها.

стр. 543

قال: فما مفتاح ذلك كله يا أبا حازم؟ قلت: الوضوء، قال: فما مفتاح الوضوء؟ قلت: التسمية، قال: فما مفتاح التسمية؟ قلت: النية، قال: فما مفتاح النية؟ قلت: اليقين، قال: فما مفتاح اليقين؟ قلت: التوكل، قال: فما مفتاح التوكل؟ قلت: الخوف، قال: فما مفتاح الخوف، قلت: الرجاء، قال: فما مفتاح الرجاء؟ قلت: الصبر، قال: فما مفتاح الصبر؟ قلت: الرضا، قال: فما مفتاح الرضا؟ قلت: الطاعة، قال: فما مفتاح الطاعة؟ قلت: الاعتراف، قال: فما مفتاح الاعتراف، قلت: الاعتراف بالوحدانية والربوبية. قال: فيم استفدت ذلك كله؟ قلت: بالعلم، قال: فبم استفدت العلم؟ قلت: بالتعلم، قال: فبم استفدت التعلم؟ قلت: بالعقل، قال: فبم استفدت العقل؟ قلت: العقل عقلان، عقل تفرد الله بصنعه دون خلقه، وعقل يستفيده المرء بتأديبه ومعرفته، فإذا اجتمعا جميعًا قوى كل واحد منهما صاحبه، قال: فبم استفدت ذلك كله؟ قلت: بالتوفيق، وفقنا الله وإياك لما يحب ويرضى. ثم قال: والله لقد أكملت مفاتيح الجنة، فما الفرض عليك، وما فرض الفرض، وما فرض يؤدي إلى فرض، وما السنة الداخلة في الفرض، وما سنة يتم بها الفرض؟ قلت: أما الفرض: فالصلاة، وأما فرض الفرض: فالطهارة، وفرض يؤدي إلى فرض: أخذك الماء بيمينك إلى شمالك، وأما السنة الداخلة في الفرض: فتخليلك الأصابع بالماء، وسنة يتم بها الفرض فهي الختان، فقال: ما أبقيت على نفسك حجة يا أبا حازم. فكم فرض عليك في أكل الطعام؟ قلت: هل في أكل الطعام فرض وسنة؟ قال: نعم، أربعة فرض، وأربعة سنة، وأربعة مكرمة. فأما الفرض: فالتسمية، والحمد، والشكر، ومعرفة ما أطعمك الله. وأما السنة: فاتكاؤك على فخذك الأيسر، والأكل بثلاث أصابع، وشد المضغ، ولعق الأصابع. وأما المكرمة: فغسل اليدين، وتصغير اللقم، والأكل مما يليك، وأن تقل النظر إلى جليسك، هكذا كان يفعل رسول الله ﷺ . * * *

стр. 544

باب نشير فيه إلى صلاة الجمعة والعيدين وصلاة الاستسقاء والكسوف والخوف والقصر والجمع وصلاة الجنازة مختصرًا (فصل) أما صلاة الجمعة: فالأصل في وجوبها قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع﴾ [الجمعة ٩٠]. وقول النبي ﷺ : "إن الله فرض عليكم الجمعة في يوم الجمعة". وقول النبي ﷺ : "من ترك الجمعة ثلاثًا من غير عذر طبع الله على قلبه". فكل من لزمته الصلوات الخمس يلزمه فرض الجمعة إذا كان مستوطنًا مقيمًا ببلد أو قرية جامعة فيها أربعون رجلًا عقلاء بلغاء أحرارًا. وإن كانت قرية ليس فيها أربعون رجلًا، وكان من حيث يسمع النداء من قرية أخرى أو مدينة بينهما فرسخ وجب عليه إتيانها، ولا يسعه التخلف عنها إلا أن يكون له عذر، أو فإنه يعذر في تركها، وترك الجماعات في بقية الصلوات الخمس مثل أن يكون مريضًا، أو يكون له مال يخاف ضياعه، أو قريب يخاف موته، أو يدافعه الأخبثان البول الغائط أو أحدهما، أو حضره الطعام وبه حاجة إليه، أو يخاف من سلطان أن يأخذه، أو غريم يلازمه، ولا شيء معه يعطيه، أو يكون مسافرًا يخاف فوات القافلة، أو يخاف ضررًا في ماله، أو يرجو وجوده بتخلفه عن الجمعة والجماعة، أو غلبه النعاس حتى يفوته الوقت، أو يخاف التأذي بالمطر والوحل والريح الشديدة. وهي ركعتان يصليها بعد الخطبة مع الإمام، فإن فاتته يصلي أربعًا ظهرًا إن شاء وحده وإن شاء بجماعة. ووقتها قبل الزوال في الوقت الذي تقام فيه صلاة العيد، وقال بعض أصحابنا: في

стр. 545

الساعة الخامسة. ومن شرط انعقادها حضور أربعين رجلًا ممن تجب عليهم الجمعة، وفي رواية خمسون، وفي رواية ثلاثة. ويسن الجهر بالقراءة فيها، وأن تكون سورة الجمعة بعد الفاتحة في الأولى، وسورة المنافقين في الثانية. وهل يشترط إذن الإمام؟ على روايتين ومن شرطها الخطبتان، وليس لها سنة قبلها، وأما بعدها فأقلها ركعتان، وأكثرها ست ركعات، مروي ذلك في حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ . وقد قال بعض العلماء بالله : يستحب أن يصلي قبل صلاة الجمعة اثنتي عشرة ركعة وبعدها ست ركعات. ويجتنب البيع والشراء بعد الآذان عند المنبر لقوله تعالى: ﴿إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع] [الجمعة: ٩] وهذا هو الآذان الذي كان على عهد رسول الله ﷺ ، وهو واجب عندنا، ولغير هذه الصلاة فرض على الكفاية، وروي عنه أنه سنة. وأما أذان المنارة أمر به عثمان بن عفان ﵁ في زمانه لمصلحة عامة، وهي إعلام الغائبين عن الأمصار والقرى فلا يبطل البيع ولا الشراء. ويستحب أن يصلي إذا دخل الجامع، وكان في الوقت سعة أربع ركعات يقرأ فيهن ﴿قل هو الله أحد ...﴾ مائتي مرة، في كل ركعة خمسين مرة، فإنه مروي عن النبي ﷺ أنه قال: "من فعل ذلك لم يمت حتى يرى مقعده من الجنة أو يرى له"، رواه ابن عمر ﵄. وإذا دخل الجامع فلا يجلس حتى يصلي ركعتين قبل أن يجلس، وقد ذكرنا فضائل الجمعة وصفة الخروج إلى الجامع وجميع ما يتعلق بذلك فيما تقدم. * * * (فصل) وأما صلاة العيدين: ففرض على الكفاية إذا قام بها جماعة من أهل موضع سقطت عن الباقين، فإن اتفقوا على تركها قاتلهم الإمام حتى يتوبوا.

стр. 546

وأول وقتها إذا ارتفعت الشمس وآخره إذا زالت، ويستحب تقديمها في عيد الأضحى لأجل الأضحية، وتأخيرها في عيد الفطر لعدم ذلك. ومن شرطها: الاستيطان والعدد وإذن الإمام كالجمعة، وعن إمامنا أحمد ﵀ رواية أخرى أنه لا يشترط جميع ذلك، وهو مذهب الإمام الشافعي ﵀. ويستحب المباكرة إليها ولبس الثياب الفاخرة والتطيب كما قلنا في فضائل الجمعة من قبل. والأولى أن تقام في الصحراء، وتكره في الجامع إلا لعذر، ولا بأس بحضور النساء، والأولى أن يكون خروجه ماشيًا، وأن يرجع في طريق آخر، وقد ذكرنا العلة في ذلك في فضائل العيد، وينادي لها: الصلاة جامعة. وهي ركعتان يكبر في الأولى بعد تكبيرة الإحرام ودعاء الاستفتاح ست تكبيرات، وفي الثانية بعد قيامه من السجود خمس تكبيرات، يرفع يديه مع كل تكبيرة ويقول: الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله بكرة وأصيلًا، وصلوات الله على سيدنا محمد النبي وآله وسلم تسليمًا. فإذا فرغ من التكبير استعاذ وقرأ الفاتحة، وقرأ ﴿سبح اسم ربك الأعلى ...﴾ [الأعلى: ١] وفي الثانية ﴿هل أتاك حديث الغاشية ...﴾ [الغاشية: ١]. وإن قرأ في الأولى ﴿ق والقرآن المجيد ...﴾ [ق: ١] وفي الثانية ﴿اقتربت الساعة وانشق القمر ...﴾ [القمر: ١] فهي رواية منقولة عن إمامنا أحمد ﵀، وإن قرأ غير ذلك جاز. وكذلك في تأخير الاستفتاح إلى حين القراءة روايتان: إحداهما: يستفتح عقيب تكبيرة الإحرام، والأخرى: يؤخر مع التعوذ إلى حين القراءة. وإذا صلى العيد لا يشتغل بالنوافل من الصلاة، وكذلك لا يصلي قبلها، بل يرجع إلى أهله ويجمع شملهم بحضوره، ويحسن خلقه مع أهله، ويجتهد في التوسعة عليهم في النفقة لأن النبي ﷺ قال: "أيام العيد أيام أكل وشرب وبعال". وهذا عام في يومي العيدين وأيام التشريق، وإن صلوها في المسجد جاز.

стр. 547

فإذا دخل المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين تحية المسجد لقول النبي ﷺ : "إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يأتي بركعتين ... ". وهذا عام في يومي العيد وغيره. وإنما نص إمامنا أحمد على منع التنفل إذا كان في المصلة، لأنه مروي من غير وجه أن النبي ﷺ لم يصل قبل ولا بعد، وهو قول عمر وعبد الله بن عباس وابن عمر ﵃. وصلاة النبي ﷺ كانت في المصلى في الجبانة، ولو كانت في المسجد لما كان ﷺ يترك تحية المسجد. فإن فاته جميع صلاة العيد استحب له قضاؤها وهو مخير في ذلك بين أن يصلي أربعًا كصلاة الضحى بغير تكبير، أو بتكبير كهيئتها، فيجمع أهله وأصحابه كل ذلك إليه، وله بذلك فضل كثير. * * * (فصل) وأما صلاة الاستسقاء: فسنة تقام، يخرج لها الإمام كما يخرج للعيدين ضحوة، فهي كصلاة العيدين في جميع صفاتها وموضعها وأحكامها. ويستحب له التنظيف والتطهر من جميع الأحداث والأوساخ، غير أنه لا يستحب التطيب، لأنها حالة الافتقار والتذلل وطلب الحاجة، ولهذا يستحب الخروج إليها بثياب البللة مع الخشوع والتضرع والاستكانة والانكسار والحزن، وأن يخرج معهم الشيوخ والعجائز والصبيان وأصحاب العاهات، وأن يخرجوا من المظالم والحقوق من الغصوب وغيرها، ولله من الزكوات والنذور والكفارات، ويكثروا الصدقة والصيام، ويجددوا التوبة، ويعزموا على المداومة عليها إلى الممات، ولا يبارزوا الرب سبحانه بكبيرة من الذنوب ولا صغيرة زيستحيوا منه في الخلوات، إذ لا خلوة منه، فلا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، هو عالم بالسر والخفيات. وكذلك يستحب أن يتوسلوا بالزهاد والصالحين وأهل العلم والفضل والدين، لما روي أن عمر بن الخطاب ﵁ خرج يستسقى، فأخذ بيد العباس ﵁-

стр. 548

فاستقبل القبلة به فقال: اللهم هذا عم نبيك جئنا نتوسل به إليك فاسقنا به. قال: فما رجعوا حتى سقوا. لأن منع القطر وحبسه عقوبة ومقابلة عن شؤم معاصي بني آدم. ولهذا "إذا مات الكافر وقبر وجاءه منكر ونكير وسألاه عن ربه ونبيه ودينه ولم يقدر على الجواب، يضربانه بمرزبة فيصيح صيحة فلا يسمعها الخلائق غير الجن والإنس، فيلعنه كل شيء حتى شاة القصاب والسكين على حلقها، فتقول: لعنة الله هذا الذي كنا نمنع القطر لأجله، وهو قوله : ﴿أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون﴾ [البقرة: ١٥٩] فالآدمي إذا فسد تعدى فساده إلى كل شيء من الحيوانات، وإذا صلح تعدى صلاحه إلى كل شيء، ففساده لمعصيته لربه، وصلاحه لطاعته له . فيصلي الإمام أو نائبه بالناس ركعتين بغير أذان ولا إقامة، يكبر في الأولى ستًا سوى تكبيرة الإحرام، وفي الثانية خمسًا سوى تكبيرة القيام من السجود، على ما ذكرنا في العيد، ويذكر الله بين كل تكبيرتين كذلك، فإذا صلى خطب بهم، وإن خطب قبل الصلاة جاز في رواية، وعنه: أنه مخير في ذلك. ونقل عنه ﵀ أنه لا يسن لها الخطبة، وإنما يدعو فحسب، فيفعل الإمام من ذلك ما يتيسر عليه، فإذا خطب افتتحها بالتكبير كما يفعل في خطبة العيد، ويكثر الصلاة على رسول الله ﷺ ، ويقرأ في خطبته ﴿فقلت استغفروا ربكم أنه كان غفارًا * يرسل السماء عليكم مدرارًا﴾ [نوح: ١٠ - ١١]. فإذا فرغ من الخطبة استقبل القبلة، فحول رداءه فجعل على ما كان على منكبه الأيمن على الأيسر، وما على الأيسر على الأيمن ولا ينكسه، وليفعل الناس كذلك، ويتركونه حتى يرجعوا إلى أهلهم، فينزعونه مع ثيابهم، يفعلونه تفاؤلًا لتحول القحط، ولأن السنة بذلك وردت، وهو ما روي عباد بن تميم، عن عمه ﵁ "أن رسول الله ﷺ خرج بالناس يستسقى، فصلى بهم ركعتين، جهر بالقراءة فيهما، وحول رداءه ودعا واستسقى واستقبل القبلة".

стр. 549

ثم يرفع يديه فيستقبل القبلة فيدعو بدعاء النبي ﷺ : "اللهم اسقنا غيثًا مغيثًا مريئًا هنيئًا مريعًا غدقًا مجللًا، وروى مجللًا عامًا طبقًا سحًا دائمًا، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم سقيا رحمة لا سقيا عذاب ولا محق ولا بلاء ولا هدم ولا غرق، اللهم إن بالبلاد والعباد والخلق من اللأواء والبلاء والجهد والضنك ما لا يشكي إلا إليك، اللهم أنبت لنا الزرع، وأدر لنا الضرع، واسقنا من بركة السماء، وأنبت لنا من بركات الأرض، اللهم ارفع عنا الجهد والجوع والعري، واكشف عنا من البلاء ما لا يكشفه غيرك، اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفارًا، فأرسل السماء علينا مدرارًا" ويدعو مثل ذلك: اللهم إنك أمرتنا بدعائك، ووعدتنا إجابتك، فقد دعونا كما أمرتنا فاستجب لنا كما وعدتنا. وقيل: إنه يستقبل القبلة في أثناء الخطبة ويتمها مستقبل القبلة، ثم يردفها بالدعاء: والأولى ما قلنا من أنه إذا فرغ من الخطبة استقبل القبلة، لأن الخطبة وعظ وزجر وتخويف، وذلك إنما يحصل إذا واجه الناس واستقبلهم ليبلغ إلى أسماعهم وقلوبهم، وأما إذا استقبل القبلة فقد استدبرهم وقد كان بين أيديهم حين صلى بهم. * * * (فصل) وأما صلاة الكسوف: فهي سنة مؤكدة، ووقتها من حين الكسوف إلى حين التجلي ورد نورهما إليهما، يعني إذا كسفت الشمس وخسف القمر، فمن حين يبتدئ ظهور السواد والكدر ونقصان الشعاع يدخل وقت الصلاة إلى أن يزول ذلك، فإذا زال، زال وقت الصلاة. والسنة أن تصلي في الجامع موضع صلاة الجمعة، وينادي لها الصلاة جامعة، فيصلي بهم الإمام ركعتين، يحرم بالأولى ويستفتح ويستعيذ، ويقرأ الفاتحة، ثم يقرأ سورة البقرة، ثم يركع فيطيل الركوع، يكرر فيه التسبيح بقدر مائة آية، ثم يرفع رأسه قائلًا: سمع الله لمن حمده، ثم يقرأ الفاتحة وآل عمران، ثم يركع دون الركوع الأول، ثم يرفع رأسه كذلك، ثم يسجد سجدتين طويلتين يسبح في كل واحدة بقدر مائة آية، ثم يقوم إلى الثانية فيقرأ الفاتحة، ويقرأ سورة النساء، ثم يركع فيطيل، ثم يرفع ويقرأ الفاتحة والمائدة.

стр. 550

وإن لم يحسن هذه السور قرأ من غيرها من سور القرآن بعدد آياتها، فإن لم يحسن إلا ﴿قل هو الله أحد ...﴾ قرأها على التفصيل كذلك. فتكون قراءته في القيام الثاني كثلثي قراءته في القيام الأول، وتكون قراءته في القيام الثالث وهو إذا رفع من السجود إلى القيام كنصف قراءته في القيام الأول، وتكون قراءته في القيام الأخير وهو الرابع كثلثي القيام الثالث، وهو الذي قبله، وأما التسبيح فهو كثلثي قراءته في كل قيام، ويركع بعده من غير خلف، ثم يسلم، فتكون أربع ركعات وأربع سجدات، ويزيد في كل ركعة ركوعًا واحدًا، وإن انجلى والناس في الصلاة استحب تخفيفها ولا يقطعونها، ومن أراد أن يصليها وحده في بيته أو مع أهله جاز. والأولى ما ذكرنا. والأصل في صلاة الكسوف على ما بينا ما روى عن عائشة ﵂ أنها قالت: "كسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ فأتى النبي ﷺ المصلى، فكبر وكبر الناس، ثم قرأ فجهر بالقراءة، وأطال القيام، ثم ركع فأطال الركوع، ثم رفع رأسه فقال: سمع الله لمن حمده، فقرأ وأطال القراءة، ثم ركع فأطال الركوع، ثم رفع رأسه، ثم سجد، ثم رفع رأسه، ثم سجد، ثم قام، ففعل في الثانية مثل ذلك، ثم قال ﷺ : إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الصلاة". * * * (فصل) وأما صلاة الخوف: فجائز فعلها بشرائط أربع: أحدها: أن يكون العدو مباح القتال. والثاني: أن يكون في غير جهة القبلة. والثالث: ألا يؤمن هجومه. والرابع: أن يكون في القوم كثرة يمكن تفرقتهم طائفتين، فيحصل في كل طائفة ثلاثة فصاعدًا، فيجعل إحدى الطائفتين بأزاء العدو، والأخرى خلفه، فيصلي بها ركعة فإذا قام إلى الثانية فارقته الطائفة وصلت الركعة لأنفسها ناوية للمفارقة، لأنه لا يجور للمأموم أن يفارق إمامه إلا بنية، فتسلم وتمضي إلى وجه العدو، فتأتي الطائفة الأخرى

стр. 551

فتحرم بالصلاة خلف الإمام فتصلي معه الركعة، ويجلس الإمام وتقوم هي فتصلي الركعة الأولى، وتجلس وتتشهد ويسلم بهم الإمام، غير أنه يطيل القراءة في الركعة الثانية بقدر ما تتم الطائفة الأولى الركعة الثانية وتمضي إلى أصحابها، وتأتي الطائفة الأخرى فتحرم معه، ويطيل التشهد في حق الطائفة الثانية حتى تتم الركعة التي عليها وتدركه في التشهد، فيسلم بها، وتحصل له فضيلة السلام مع الإمام وللأولى فضيلة التحريم مع الإمام، هكذا صلاها رسول الله ﷺ بالمسلمين في العزات بذات الرقاع. وقد قال ﷺ في حديث سهل بن أبي خيثمة ﵁ "يقوم الإمام وصف خلفه، وصف بين يديه، فيصلي بالذين خلفه ركعة وسجدتين، ثم يقوم قائمًا حتى يصلوا لأنفسهم ركعة أخرى، ثم يتقدم أولئك مكان هؤلاء، ثم يجيء أولئك فيقومون مقام هؤلاء، فيصلي بهم ركعة وسجدتين، ثم يقعد حتى يقضوا ركعة أخرى، ثم يسلم بهم". وقد روي عن إمامنا ﵀ ما يدل على جواز تأخير الصلاة في حالة التحام القتال والمطاردة إلى حين زوالها ووضع الحرب أوزارها. فهذا الذي ذكرناه من صفة صلاة الخوف في صلاة الفجر، والرباعية إذا قصرت في السفر. وأما المغرب فيصلي بالطائفة الأولى ركعتين، وبالثانية ركعة، ولا ينقص منها شيء لأنها لا تقصر. فإذا جلس في التشهد الأول فهل تفارقه الطائفة أو حين يقوم إلى الثالثة؟ على وجهين، وإن خاف بالحضر صلى بكل طائفة ركعتين، وتقضي لأنفسها ركعتين، وإن فرقهم أربع فرق لم تصلح صلاته وصلاة الفرقة الثالثة والرابعة، وهل تبطل صلاة الأولى والثانية؟ على وجهين. هذا الذي ذكرناه إذا كان العدو وراء القبلة أو عن يمينها وشمالها، وأما إذا كان في جهة القبلة فيرى بعضهم بعضًا، ولا يتوهم هناك كمين لهم، جاز أن يصلي بهم صلاة الخوف، فيجعلهم صفين أو ثلاثة على قدر كثرتهم وقلتهم، ويحرم بهم أجمعين،

стр. 552

فيصلي الركعة الأولى، فإذا أراد السجود وسجد الجميع إلا الصف الأول الذي يليه، فإنه يقف فيحرسهم حتى يقوموا إلى الركعة الثانية ثم يسجد فيلحقهم قيامًا، فإذا سجد الإمام في الركعة الثانية وقف الصف الأول الذي سجد معه في الركعة الأولى، فيحرسهم إلى أن يجلس الإمام في التشهد، ثم يلحقه في التشهد فيتبعه، فيسلم بالجميع هكذا روي عن النبي ﷺ أنه صلاها بعسفان". وإن تأخر في الركعة الثانية الصف الأول وتقدم الصف الثاني إلى مكان الأول فيحرس جاز. وإن اشتد الخوف والتحم القتال صلوا جماعة وفرادى على أي حال أمكنهم، رجالًا، وركبانًا، مستقبلي القبلة، ومستدبريها، إيماء وغير إيماء، وهل عليهم افتتاح الصلاة متوجهين إلى القبلة أم لا؟ على روايتين. فإن حصل الأمن وانكسر العدو بنوا على صلاتهم ونزلوا من دوابهم متوجهين، وإن شرعوا في الصلاة مطمئنين ثم اشتد الخوف ركبوا وأتموا صلاة خوف، وإن احتاجوا إلى الضرب والطعن والكر والفر. وتجوز هذه الصلاة لكل خائف من عدو، كالسبع والسيل وقطاع الطريق وغير ذلك. وكذلك إذا كان طالبًا للعدو ويخاف فوته عند هزيمته يصليها على إحدى الروايتين. * * * (فصل) وأما قصر الصلاة: فجائز إذا جاوز بيوت قريته أو خيام قومه، فيقصر الرباعية فيصليها ركعتين إذا كان سفره طويلًا، وهو ستة عشر فرسخًا أربعة برد، وهي ثمانية وأربعون ميلًا بالهاشمي، والبريد الواحد أربعة فراسخ، فيقصر مارًا وجائيًا. فإن دخل بلدة أو قرية فنوى الإقامة فيها اثنتين وعشرين صلاة أتم، وكان حكمه حكم المقيم، وإن نوى إحدى وعشرين صلاة فعلى روايتين، ودون ذلك قصر. وإن نزل بلدة ولم يدر متى يرتحل ولا نية له بل قال اليوم أخرج، وغدًا أخرج قصر بهما، لما روي "أن النبي ﷺ أقام بمكة ثمانية عشر يومًا، وقيل: خمسة عشر يومًا يقصر".

стр. 553

وفي حديث عمران بن الحصين ﵄: "شهدت الفتح مع رسول الله ﷺ ، فكان لا يصلي إلا ركعتين، ثم يقول لأهل البلد: صلوا أربعًا فإنا قوم سفر". وأقام ﷺ بتبوك عشرين يومًا يقصر، وكذلك الصحابة ﵃. قال أنس بن مالك ﵁: أقام أصحاب رسول الله ﷺ برامهرمز سبعة أشهر يقصرون الصلاة. وروي أن ابن عمر ﵄ أقام بأذربيجان ستة أشهر يصلي ركعتين. وإن أحرم بالصلاة وهو مقيم ثم صار مسافرًا بأن كان بمركب إلى جنب بلده في حدودها داخلًا من حيطانها وسورها، ثم دفع الملاح المركب فخرج من حدودها لزمه الإتمام. وكذلك لو أحرم في السفر ثم أقام ببلد أو ائتم بمقيم أو بمن يشك هل هو مقيم أو مسافر، ولم ينو القصر عند شروعه فيها لزمه الإتمام في جميع ذلك. ولا يجوز القصر إذا كان قاضيًا للصلاة لأنها قد ثبتت في ذمته كاملة، ولا يؤثر السفر إلا في الأداء خاصة. وإذا أحرم بنية القصر ثم نوى الإقامة أتم، وكذلك إن أحرم وهو مقيم ثم نوى السفر أتم، وكذلك إن كان سفره معصية أو لعبًا ونزهة لا يستبيح رخص السفر، ولا يستبيح ذلك إلا إذا سافر لواجب كالحج والجهاد، أو مباح كتجارة أو طلب غريم وما شاكله، وإذا أبحنا للعاصي رخص السفر فقد أعناه على معصية ربه، وعلى قتل نفسه فإن هلاكه بمعصية ربه وبقاءه وصلاحه بطاعته، فلا نقويه على ذلك، ولا نعينه، بل نمنعه ونكسره. والقصر عند إمامنا أحمد ﵀ أفضل من الإتمام، وله الإتمام والقصر كما له الصيام والفطر، وترك التجلد على الله في جميع ذلك واتباع رخصه ورفقه أولى. ولو لم يكن في إتمامه للصلاة وصيامه في السفر غير رؤيته للنفس وعجبه وماهاته وتعظيمه ذلك، وفي قصره وإفطاره من ذل النفس وانكسارها وخضوعها لترك تمام العبادة والعزيمة، لكان بالحرى أن يقال: إن القصر والفطر أولى، كيف وقد قال ﷺ لما قيل له في قصر الصلاة: "ما لنا نقصر وقد أمنا، فقال ﷺ : تلك صدقة تصدق الله بها

стр. 554

على عباده فاقبلوا صدقته". وقال ﷺ : "إن الله يحب أن يؤخذ برخصه كما يحب أن يؤخذ بعزائمه". فالعجب كل العجب ممن يتم الصلاة في السفر ويصوم فيه، ويترك الرخص، وهو يرتكب الكبائر من أكل الحرام وشرب المسكر ولبس الحرير والزنا واللواطة، واعتقاد السوء في الأصول وغير ذلك من العظائم. * * * (فصل) وأما الجمع بين الصلاتين: فجائز بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء في السفر، بشرط أن يكون السفر طويلًا، وهو ستة عشر فرسخًا على ما بينا. ولا يجوز ذلك في القصير، وهو ما دون ذلك، وهو مخير بين تأخير الأولى إلى تقديم الثانية، إلى وقت الأولى. والاستحباب في التأخير وهو أن يؤخر الأولى ويقدم الثانية، فيصليها في أول وقت الثانية، فإن صلاهما في وقت الأولى قدم الأولى منهما ثم الثانية، ونوى الجمع عند الإحرام بالأولى، ولا يفرق بينهما إلا بقدر الإقامة والوضوء إن انتقض وضوءه، وإن صلى بينهما سنة الصلاة بطل الجمع في إحدى الروايتين، والأخرى: لا يبطل، والأولى أن يؤخر السنة إلى بعد الفراغ من الفرض، ولا يفصلها بشيء، وإن جمع في وقت الثانية فنيته في وقت الأولى تجزيه، ولا يفتقر إلى تجديد النية عند فعلهما، لأنه ما أخر الأولى إلا ليجمع بينها وبين الثانية ولا فرق بين أن ينوي ذلك في أول وقت الأولى، أو إذا بقى منه مقدار فعلها، فإن خرج وقت الأولى من غير نية الجمع لم يجز الجمع بينهما، وإذا جمع في وقت الثانية قدم الأولى ثم الثانية، كما لو صلاهما في وقت الأولى، وهي يشترط ألا يفرق بينهما بسنة وغيرها على وجهين، ومن أصحابنا من قال إن الجمع والقصر لا يفتقران إلى نية، وهو أبو بكر ﵀. وأما الجمع لأجل المطر فيجوز بين المغرب والعشاء، وهل يجوز بين الظهر والعصر على وجهين.

стр. 555

وكذلك الحكم في الوحل المجرد من غير مطر أو ريح شديدة باردة، هل يجوز الجمع لأجله؟ على وجهين. فإذا جمع نظرنا، فإن كان ذلك في وقت الأولى لأجل المطر اعتبر أن يكون المطر موجودًا عند افتتاح الأولى، وعند الفراغ منها وافتتاح الثانية، وإن كان ذلك في وقت الثانية جاز، سواء كان المطر قائمًا أو قد انقطع لأنه قد أخر الأولى، بسبب العذر، فلا يؤثر زواله، لأن أول الوقت قد فات وانقضى فلا يمكن تلافيه وإدراكه. وإنما جوزنا له الجمع لأجل المشقة اللاحقة بالناس من بل الثياب والحذاء والأذية، فيشق على الناس الدخول والخروج، وقد قال النبي ﷺ : "إذا ابتلت النعال فالصلاة في الرحال" مروي ذلك في الصحيحين. وكذلك عندنا حكم المريض حكم المسافر في الجمع، لأن الله تعالى جمع بينهما وذكرهما في كلام واحد، فقال : ﴿فمن كان منكم مريضًا أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾ [البقرة: ١٨٤] فالعلة في التخفيف: العجز والمشقة، وذلك في المريض آكد وأظهر وبه أحق، لأن المسافر قد يكون مرفهًا مدللًا محمولًا متفرجًا قويًا نشيطًا في سفره أكثر مما كان في الحضر لغناه وسلطته وقدرته، ومع ذلك تتباح له الرخص، والمريض بخلافه، فكان أولى بالرخص من المسافر. * * * (فصل) وأما الصلاة على الجنازة: فهي فرض على الكفاية، وأولى الناس بها عندنا وصية ثم السلطان، ثم الأقرب فالأقرب من عصباته، فيقف الإمام حذاء صدر الرجل ووسط المرأة، وإن كانوا جماعة سوى بين رؤوسهم، وإن كانوا أنواعًا قدم أفضلهم مما يلي الإمام، مثل أن يكونوا رجالًا ونساء وعبيدًا وخناثى وصبيانًا، قدم الرجال ثم العبيد ثم الصبيان ثم الخناثى ثم النساء، وروي عنه تقديم الصبيان على العبيد. ثم ينظر في الأنواع فيقدم مما يلي الإمام من كل نوع أفضلهم في العلم والقرآن والدين والورع.

стр. 556

وقيل: إذا اجتمع رجل وامرأة جعل وسط المرأة حذاء صدر الرجل. وإذا وقف الإمام التفت يمينًا وشمالًا وسوى الصفوف كفعله في بقية الصلوات، واستغفر الله تعالى وتاب من ذنوبه وذكر مصرعه والدار الآخرة، ويتحقق أنه كأس لابد من شربه، وأنه سيدور إليه ولا يفوته، فليحضر قلبه وليخشع جوارحه ليكون أسرع لإجابة دعائه، ثم يصلي على الميت. وصفتها أن يقول: أصلي على هذا الميت فرضًا على الكفاية، ولا يحتاج أن يذكر ذكرًا أو أنثى، فيكبر أربع تكبيرات يقرأ في الأولى الفاتحة، لما روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: "أمرنا رسول الله ﷺ أن نقرأ بفاتحة الكتاب على الجنازة". وفي لفظ آخر كان النبي ﷺ يقرأ على الجنازة بفاتحة الكتاب. ثم يصلي على النبي ﷺ في الثانية كما يصلي عليه في التشهد، لما روى مجاهد ﵀ قال: سألت ثمانية عشر رجلًا من أصحاب رسول الله ﷺ عن الصلاة على الجنازة، فكلهم يقول: كبر ثم اقرأ فاتحة الكتاب ثم كبر، ثم صل على النبي ﷺ ، ثم كبر، وادع للميت في الثالثة بما تحسنه وتيسر عليك من أنواع الدعاء ولنفسك ولوالديك وللمسلمين. غير أن المستحب أن يقول: "اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذكرنا وأنثانا، اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام والسنة، ومن توفيته منا فتوفه عليهما، إنك تعلم منقلبنا ومثوانا وأنت على كل شيء قدير. اللهم إنه عبدك وابن عبدك، نزل بك وأنت خير منزول به، ولا نعلم إلا خيرًا. اللهم إن كان محسنًا فجازه بإحسانه، وإن كان مسيئًا فتجاوز عنه. اللهم إنا جئناك شفعاء له فشفعنا فيه، وقه من فتنة القبر وعذاب النار، واعف عنه وأكرم مثواه، وأبدله دارًا خيرًا من داره، وجوارًا خيرًا من جواره، وافعل ذلك بنا وبجميع المسلمين، اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تفتناً بعده".

стр. 557

ويقول في الرابعة: ﴿ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار﴾ [البقرة: ٢٠١]. ومن أصحابنا من قال: يقف قليلاً ولا يقول شيئاً، ويسلم تسليمة واحدة عن يمينه، وإن سلم بتسليمتين جاز، وهو مذهب الإمام الشافعي ﵀. والتسليمة الواحدة الاختيار عند إمامنا أحمد ﵀، قال ﵁: يروى عن ستة من الصحابة ﵃ أنهم سلموا على الجنازة تسليمة واحدة فهم علي ابن أبي طالب، وعبد الله بن عباس، وابن عمر، وابن أبي أوفى، وأبو هريرة، وواثلة ابن الأسقع ﵃. وروي أيضاً عن النبي ﷺ "أنه صلى على جنازة فسلم عن يمينه". وإن أراد غير هذا الدعاء دعا وقال: الحمد لله الذي أمات وأحيا، والحمد لله الذي يحيي الموتى، له العظمة والكبرياء والملك والقدرة والثاء، وهو على كل شيء قدير. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت ورحمت وباركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. اللهم إنه عبدك وابن عبدك وابن أمتك، أنت خلقته ورزقته، وأنت أمته وأنت تحييه وأنت تعلم بسره، جئناك شفعاء له فشفعنا فيه. اللهم إنا نستجير بحبل جوارك له، إنك ذو وفاء وذمة. اللهم قه من فتنة القبر ومن عذاب جهنم. اللهم اغفر له وارحمه وعافه واعف عنه، وأكرم مثواه ووسع مدخله، واغسله بماء وثلج وبرد، ونقه من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، وأنزله داراً خيراً من داره، وزوجاً خيراً من زوجه، وأهلاً خيراً من أهله، وأدخله الجنة ونجه من النار. اللهم إن كان محسناً فجازه بإحسانه، وإن كان مسيئاً فتجاوز عنه. اللهم إنه قد نزل بك وأنت خير منزول به، وهو فقير إلى رحمتك وأنت غني عن عذابه. اللهم ثبت عند مسألته منطقه، ولا تبتله في قبره بما لا طاقة به.

стр. 558

اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده. وإن كان امرأة قال: اللهم إنها أمتك وابنة عبدك وأمتك، ثم يتم الدعاء. وأحق الناس عند إمامنا أحمد ﵀ بالصلاة عليه، من أوصى أن يصلى عليه، ثم الوالي، ثم أقرب العصبة الأب، وإن علا، ثم الابن وإن سفل، ثم أقرب العصبة. وهل يقدم الزوج على الابن؟ على روايتين. وقد أوصت الصحابة ﵃ بالصلاة عليهم، فروى أن أبا بكر ﵁ وصى أن يصلى عليه عمر، وعمر ﵁ وصى أن يصلى عليه صهيب ﵁، وكان ابنه عبد الله ﵁ موجوداً، وأوصى أبو شريحة أن يصلى عليه زيد بن أرقم، وأوصى أبو ميسرة أن يصلى عليه شريح، ووصت عائشة ﵂ إلى أبي هريرة ﵁، ووصت أم سلمة ﵂ أن يصلى عليها سعيد بن جبير. وأما دعا الطفل فيقول: اللهم إنه عبدك وابن عبدك وابن أمتك، أنت خلقته ورزقته، وأنت أمته وأنت تحييه. اللهم اجعله لوالديه سلفاً وذخراً وفرطاً وأجراً، وثقل به موازينهما وعظم به أجورهما، ولا تحرمنا وإياهما أجره، ولا تفتنا وإياهما بعده. اللهم ألحقه بصالح سلف المؤمنين في كفالة إبراهيم، وأبدله داراً خيراً من داره، وأهلاً خيراً من أهله، وعافه من عذاب جهنم. اللهم اغفر لأفراطنا وأسلافنا ومن سبقنا بالإيمان، اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام، ومن توفيته منا فتوفه على الغيمان، واغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات. وإنما يصلى على السقط ويغسل إذا كان قد تبين فيه خلق الإنسان، وأما إذا كان قطعة لحم لم يتبين فيها شيء من الخلقة فلا يغسل ولا يصلى عليها، بل يدفن. والذي يشرع غسله من ذلك لا فرق بين أن يغسله رجل أو امرأة، لما روى أن إبراهيم ابن النبي ﷺ توفى وهو ابن ثمانية عشر شهراً فغسلته النساء. * * *

стр. 559

فصول فيما يفعل بمن حضره الموت وكيفية غسله وتكفينه وتحنيطه ودفنه (فصل) يستحب لكل مؤمن موقن بالموت عاقل محصل أن يكثر ذكر الموت . ويستعد له، ويكون على أهبة وترقب بتجديد التوبة كل ساعة، ومحاسبة نفسه والخروج من المظالم والديون، وكتب وصية معدة، ولا يكون غافلاً عن هذا الأمر المتيقن العام الشامل في حق جميع الأنام، الذي لابد من مجيئه وقدومه، وهو كأس لابد من شربه. وإنما قلنا يستحب له ذلك لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "أكثروا من ذكر هادم اللذات". وفي لفظ آخر "أكثروا ذكر الموت فإنكم إن ذكرتموه في غنى كدره عليكم، وإن ذكرتموه في ضيق وسعه عليكم". وقال ﷺ : "أتدرون أي الناس أكيس وأحزم؟ أكيسهم أكثرهم ذكراً للموت، وأحزمهم أكثرهم استعداداً له، قالوا: يا رسول الله وما علامة ذلك؟، قال: التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود". وقال لقمان ﵇ لابنه: يا بني لا تؤخر التوبة إلى غد، فإن الموت يأتيك بغتة. وقال النبي ﷺ : "ما حق امرئ له مال أن يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده". وجاء في الحديث "حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوها قبل أن توزنوا". وقال عبد الله بن عمر ﵄: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "اعمل

стр. 560

لدنياك كأنك تعيش أبداً، واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً". فليجتهد العاقل المؤمن في خلاص نفسه من الحقوق اللازمة عليه قبل الموت من الذنوب والمظالم والديون، فإن لم يفعل فليقطع وليتيقن أنه سيكون مرتهناً بها ومؤاخذاً ومعاقباً غداً في قبره حين تنقطع القوى وتبطل الحيل والحواس ويهجره الأهل والجيران، ويتظافر على ماله الأعداء والخلان من الرجال والنساء والولدان، فلا ينجيه من تبعتها إلا الأداء في الدنيا والاستحلال والتوبة والإذعان، أو تغمد الرحيم برأفته ورحمته إذ هو أرحم الراحمين، فيعوض أصحابها بما يشاء في دار الخلود والجنان. روى عن سمرة بن جندب ﵁ أنه قال: "كنا مع رسول الله ﷺ فصلى على جنازة، فلما انصرف قال: هل هاهنا من آل فلان أحد؟ فقال رجل: أنا، فقال له ﵊: إن فلاناً مأسور بدينه، قال: فلقد رأيت أهله ومن يتحرق عليه قاموا يقضون عنه حتى ما بقي أحد يطلبه بشيء" وفي لفظ آخر قال: "إن فلاناً محبوس بباب الجنة بدين عليه". وعن علي ﵁ أنه قال: "مات رجل من أهل الصفة فقيل: يا رسول الله ترك ديناراً ودرهماً، فقال ﷺ : كيتان، صلوا على صاحبكم وكان ديناً عليه". وفي حديث آخر "شهد رسول الله ﷺ جنازة رجل من الأنصار فقال: أعليه دين؟ فقالوا: نعم، فرجع، فقال علي ﵁: أنا ضامن ما عليه، فرجع فصلى عليه، فقال ﷺ : يا علي فك الله رقبتك كما فككت عن أخيك المسلم، ما من رجل يفك عن رجل دينه إلا فكه الله به يوم القيامة". وقال ﷺ : "لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يؤخذ للشاة الجماء من الشاة القرناء". وقال ﷺ : "إياكم والظلم فإنه ظلمات يوم القيامة، وإياكم والفحش فإن الله لا

стр. 561

يحب الفحش، وإياكم والشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم، أمرهم بالقطيعة فقطعوا ثم أمرهم بالظلم فظلموا". (فصل) فإذا مرض المؤمن استحبت عيادته . فإذا عاده أخوه المسلم نظر في حاله فإن رجا خلاصه من مرضه دعا له وانصرف، وإن خاف موته رغبة في التوبة من الذنوب والوصية بثلث ماله لمن لم يرثه من الأقارب الفقراء منهم، فإن كانوا أغنياء فللفقراء والمساكين وأهل العلم والفضل والدين المنقطعين عن الأسباب الذي قطعهم عنها القدر، وضيق الورع عليهم التحرك فيها، فانقلبت الأسباب عندهم أرباباً، فتركوها ونزهوا الرب سبحانه عن أن يكون له شريك، يرجعون إليه في الرزق، فصار مالهم الثقة بالحق ، واليأس مما في أيدي الناس، فسلم توحيدهم وانساقت أقسامهم إليهم صفواً عفواً من غير تبعة في الدنيا ولا عقوبة في الأخرى، فيا طوبى لمن أنالهم بنوال، أو حذاهم بحذايا، أو واصلهم بفضل، أو خدمهم يوماً من الأيام، أو أمن على دعائهم ساعة من الساعات، أو أحسن القول فيهم حالة من الأحوال، طوبى له طوبى له، وذلك لأنهم أهل الله وخاصته، فهل يدخل على الملك إلا خاصته، وهل يحذى من السلطان إلا بطريق حواشيه وخدمه من صادق الحواشي والخدم وأحسن إليهم وخدم، يوشك أن يوقفوه على الملك الأعظم، ثم كل منهم يذكر ما عنده من خير خصاله ومآثره، ثم ينعم الملك عليه بما يراه من نعمه وفضائله. فإذا ظهرت إمارة الموت استحب لأهله أن يلزموه أرفقهم به وأعرفهم بأخلاقه وسياسته، وأتقاهم لربه، ليذكره بالله ، ويحثه على ما ذكرنا من طاعته، ويتعاهد بل حلقه بأن يقطر فيه ماء أو شراباً ويندى شفتيه بقطنة، ويلقنه قول لا إله إلا الله مرة، ولا يزيد على ثلاث لئلا يضجر ويسأم، فتخرج روحه وهو متكره لذلك، فإن لقنه ثم تكلم بشيء غيره، أعاد تلقينه ليكون آخر كلامه. قال النبي -صلى لله عليه وسلم-: "من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة". ويكون تلقينه بلطف ومداراة.

стр. 562

وينبغي أن يقرأ عده سورة يس لتكون عونا على خروج روحه وتسهيله عليه. فإذا خرجت روحه وجهه إلى القبلة على ظهره طولاً، بحيث إذا أقعد كان وجهه إليها، ثم يبادر فيغمض عينيه لما روى شداد بن أوس ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا حضرتم موتاكم فأغمضوهم، فأن البصر يتبع الروح وقولوا خيراً، فإنه يؤمن على ما قال أهل البيت ثم يشد لحييه". وصفته ما روى أن عمر بن الخطاب ﵁ قال لابنه عبد الله ﵁ حين حضرته الوفاة ادن مني، فإذا رأيت روحي قد بلغت لهاتي فضع كفك اليمنى على جبهتي واليسرى تحت ذقني وأغمضني، ثم يلين مفاصله بأن يرد ذراعيه حتى يلصقهما بعضديه، ثم يردهما ويرد ساقيه إلى فخذيه، وفخذيه إلى بطنه، ثم يردهما ويخلع ثياببه ويسجيه بثوب يستر جميعه، لأنه يصير جميعه عورة بالموت، ولهذا يجب ستر جميعه بالكفن، ويجعل على بطنه مرآة أو سيفاً، لأن الميت إذا خرجت روحه يعلو وينتفخ، ثم يوضع على سرير غسله متوجهاً منحدراً نحو رجليه، ثم يسارع إلى قضاء دينه وإبراء ذمته من الديون والوصايا حتى يلقى ربه برئ الذمة من المظالم، مخلصاً من الحقوق والجواذب. (فصل) ثم يسارع في غسله وتجهيزه وتكفينه ودفنه . إلا أن يكون موته فجأة، فيتوقف عن ذلك حتى يتيقن موته، فتنفصل كفاه وتسترخي رجلاه، ويسيل أنفه، وتنخسف صدغاه، ثم يسرع في ذلك. أما صفة الغسل فيبدأ الغاسل فيجرد الميت ويستره من سرته إلى ركبتيه، لأنه أمكن له وأعون على مبالغة غسله، ويغض بصره مهما أمكن لاسيما من عورته. وقيل إن الأفضل أن يغسله في قميص خفيف واسع، وإن كان ضيقاً فتق رأس الدخاريص، ثم يلين مفاصله برفق إن سهلت عليه، وإلا فليدعها لأنه ربنا آل ذلك إلى كسرها، وقد قال النبي ﷺ : "كسر عظم الميت ككسره حياً" ثم يحنيه قليلاً إلى أن يبلغ به قريباً من الجلوس، ثم يعصر بطنه عصراً رفيقاً، ثم يلف على يده خرقة وينحيه كي لا يباشر عورته بيده، ولأن الخرقة أبلغ في إزالة النجاسة لخشونتها، فكذلك

стр. 563

يستحب ألا يباشر بقية بدنه إلا بخرقة، ويتابع في صب الماء على يده، ثم يرمى بالخرقة ويأخذ غيرها نظيفة، كذلك إلى ثلاث، ثم يلقى الخرقة ويغسل يده ثم يوضئه وضوءه، للصلاة مرتباً، فينوي ويسمي ويدخل أصبعيه مبلولتين بالماء بين شفتيه، فيمسح أسنانه، وكذلك في منخريه فينظفهما، ويصب الماء على فيه وأنفه كالمضمضة والاستنشاق، من غير أن يدخل الماء في فيه وأنفه إلى آخر الأعضاء. فإذا فرغ من ذلك غسل رأسه بماء وسدر، ثم لحيته، ولا يسرح شعره، ثم يصب عليه الماء القراح من رأسه إلى رجليه، ويغسل شقه الأيمن، ثم يقلبه شمالاً فيغسل شقه الأيسر، وكذلك يغسل سائر جسده بالماء والسدر في الغسلات كلها، ولكن ينظفه عقيب كل غسلة بالسدر وبالماء القراح، فإن احتاج إلى أشنان لغسل وسخ وخلال لتنقية ما تحت الأظافير استعملها، ويلف القطن على الخلال فيزيل ما بأنفه وصماخيه من الأذى وينظفهما، ثم يرجع فينحيه، ثم يعيد وضوءه ثانية على ما ذكرنا ثم يغسله الأخيرة بماء فيه كافور، ثم ينشفه بثوب. وأقل ما يغسل الميت ثلاث مرات، وأكثره سبع مرات، فإذا لم ينق بثلاث؟ إلى سبع، ولا يقطع إلا على وتر، ثلاث أو خمس أو سبع. وإن خرج منه شيء بعد ذلك أعيد عليه الغسل إلى سبع مرات، فإن لم يمنع ذلك خروجه حشي بالقطن وألجم به وبالطين الحر. وقال بعض أصحابنا: لا يحشى لأن الإمام أحمد ﵀ كرهه. وقيل: إنه إذا خرج شيء منه بعد تمام الغسل لم يعد إلى الغسل، بل يغسل موضع النجاسة ثم يوضأ وضوءه للصلاة وكفن وحمل. والأولى أن يغسل المرة الأولى بماء وسدر، وبقية الغسلات بالماء القراح كغسل الجنابة، ويكون الكافور في الآخرة، ثم ينشف ويكفن. وأما تكفينه فإنه يكفن في ثلاثة أثواب، يدرج فيها إدراجاً، وتكون لفائف بيض لا يكون فيها قميص ولا مئزر ولا سراويل ولا شيء مخيط، إلا اللفائف فتخاط لضيق عرض الثوب وصغره، فيبسط بعضها فوق بعض بعد أن تجمر بالعود والند والكافور، ويجعل الطيب بين كل لفافتين. وقيل: إنه يكفن في قميص ومئزر ولفافة، ويكون المئزر مما يلي جلده، ولم يزر

стр. 564

القميص عليه، وثلاثة أثواب أفضل لما روى عن عائشة ﵂ قالت: "إن رسول الله ﷺ كفن في ثلاث أثواب بيض سحولية، ليس فيها قميص ولا عمامة" وقد صحح الإمام أحمد ﵀ حديث عائشة ﵂ وبني مذهبه عليه. ثم يجعل الطيب وهو الحنوط والكافور في قطن فيجعل منه بين إليتيه ويشد فوقه خرقة، ويجعل باقية في مواضع سجوده ومغابنه كالفخذين وتحت إبطيه ومنافذ وجهه وصماخيه وجبينه وركبتيه وكفيه وظاهر عينيه، ولا يدخله في عينيه، وإن خاف الانتقاض وخروج ما في الباطن إلى الظاهر حشا داخل أنفه وصماخيه بالقطن والكافور، وإن طيب جميع جسده بالكافور والصندل كان أحسن. وروى نافع أن ابن عمر ﵄ كان يتبع مغابن الميت ومرافقة بالمسك، ثم يأتي بالميت وبطرحه على اللفائف ويثنى طرف اللفافة العليا على شقه الأيمن ثم يرد طرفها الآخر على شقه الأيسر ويدرجه فيه إدراجاً ثم يفعل بالثانية والثالثة كذلك، فيجعل ما عند رأسه أكثر مما عند رجليه، ثم يجمع ذلك جمع طرف العمامة فيعيده على وجهه ورجليهن إلا أن يخاف انتشارها فيعقدها، ثم إذا وضع في القبر حلها ولم يخرق الكفن. وأما المرأة فإنه تكفن في خمسة أثواب: إزار، ودرع، وخمار، ولفافتين، تدرج فيها إدراجاً، والإزار يعمها. قال بعض أصحابنا: يستحب أن يعمل لها خامة تشد بها فخاذها، فيكون ذلك بدل إحدى اللفافتين، ويضفر شعرها ثلاثة قرون، ويسدل من خلفها ويفعل بها وبالرجل كما يفعل بالعروس. فإن تعذر في حقهما جميع ما ذكرنا، اجتزئ بثوب واحد، وأما المحرم فيغسل بماء وسدر، ولا يقرب طيباً ولا يخمر رأسه ولا رجلاه، ولا يلبس مخيطاً، ويكفن في ثوبيه، لما روي أن ابن عباس ﵄ قال: "بينما رسول الله ﷺ واقف بعرفة ورجل واقف إذ وقع من راحلته فوقصته، فقال رسول الله ﷺ : اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه ولا تخمروا رأسه، فإن الله يحشره يوم القيامة ملبياً".

стр. 565

وأما السقط إذا ولد لأكثر من أربعة أشهر غسل وصلى عليه، وإن لم يتبين أذكر هو أم أنثى، سمى اسماً يصلح للذكر والأنثى، ولا فرق في غسله بين الرجل والمرأة، لأن النساء غسلن إبراهيم ابن النبي ﷺ وكان عمره ثمانية عشر شهراً، مذكور ذلك في حديث أم عطية ﵂. ويغسل الرجل الرجل والمرأة والمرأة، فإن غسلت المرأة زوجها جاز بلا خلاف في المذهب. وهل يغسل الرجل امرأته؟ على روايتين، وكذلك الحكم في أم الولد، وقد غسل على فاطمة الزهراء ﵄. وكفن الرجل مقدم على الدين والوصية، فإن لم يكن له مال فعلى من تلزمه نفقته، فإن لم يكن فمن بيت المال، وكذلك كفن المرأة، ولا يجب على زوجها، والأولى أن يتولى دفنه من يتولى غسله. ويعمق القبر قدر قامة وبسطة، ويكون طوله ثلاثة أذرع وشبراً في عرض ذراع وشبر كما قال النبي ﷺ لعمر بن الخطاب ﵁: "يا عمر كيف أنت إذا أعد لك من الأرض ثلاثة أذرع وشبر في عرض ذراع وشبر، ثم قام إليك أهلك فغسلوك وكفنوك وحنطوك ثم حملوك حتى يغيبوك فيه، ثم يهيلوا عليك التراب، ثم انصرفوا عنك ... " الحديث. ويستحب أن يسل الميت من قبل رأسه سلاً وإن عسر ذلك فمن جنب القبر أو أسهل الجهات، وهو رواية عن الإمام أحمد ﵀. وأما المرأة فيتولى دفنها النساء كما ولين غسلها، فإن تعذر فذو أرحامها من الرجال، فإن تعذر فالشيوخ من الأجانب. ويستحب أن يسجى قبرها خلاف الرجل، لأنها عورة، وقد مر علي ﵁ بقوم وقد بسطوا على قبر رجل ثوباً، فجذبه وقال: إنما يصنع هذا بالنساء، فإذا حصل في القبر مستقبل القبلة حثى عليه التراب ثلاث حثيات، بذلك جاءت السنة، ثم يهال عليه التراب، ويرفع القبر من الأرض قدر شبر ويرش عليه الماء ويضع عليه الحصى وإن طين جاز وإن جصص كره. ويسن تسنيم القبر دون تسطيحه، لما روى عن الحسن ﵀ قال: رأيت قبر النبي
следующие страницы →