← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 17817

الغنية لطالبي طريق الحق

عبد القادر الجيلاني

Полный текст (666 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

وفي حديث آخر: يسبح ثلاثاً وثلاثين مرة، ويحمد ثلاثاً وثلاثين مرة، ويكبر أربعاً وثلاثين مرة، ويختمها بلا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيى ويميت وهو حي لا يموت، بيده الخير وهو على كل شيء قدير". هكذا يفعل بعد العصر وعند النوم. وحدثنا أبو نصر عن والده، بإسناده عن عروة بن الزبير، عن أبيه ﵁، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "غدوة أو روحة في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها، فقال رجل: يا رسول الله فمن لا يستطيع غزواً قال: من جلس حين يصلي المغرب يذكر الله تعالى حتى يصلي العشاء، كان مجلسه ذلك روحة في سبيل الله، ومن جلس حين يصلي الغداة يذكر الله تعالى حتى تطلع الشمس كانت مثل غدوة في سبيل الله". وحدثنا أبو نصر عن والده، بإسناده عن أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من عبد يقول في دبر صلاة الغداة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيى ويميت، بيده الخير وهو على كل شيء قدير، عشر مرات إلا كتب الله له بهن عشر حسنات، ومحا عنه بهن عشر سيئات، ورفع له بهن عشر درجات، كن عدل عشر رقاب، ولا يضره يومئذ ذنب يصيبه إلا أن يكون شركاً. وما من عبد أحسن الوضوء فغسل وجهه كما أمر الله تعالى، إلا حط الله عنه كل ذنب نظرت إليه عيناه، أو تكلم به لسانه، وما من عبد غسل يديه كما أمر الله إلا حد الله عنه ذنب بطشت به يداه، وما من عبد مسح رأسه وأذنيه إلا حط الله عنه ذنب استمعت إليه أذناه، ثم غسل رجليه كما أمره الله تعالى، إلا حط الله عنه كل ذنب مشت به رجلاه إلى خطيئة حتى يقوم إلى صلاته، فتكون تلك الصلاة فضيلة، وما من عبد نام على ذكر طاهراً، فأول ما ينتبه يدعو بدعوة غلا كانت دعوة مستجابة، وما من عبد رمى بسهم في سبيل الله فأصاب أو أخطأ إلا أعطي به تحرير رقبة، وما من عبد شاب شيبة في سبيل الله، إلا أعطي بها نوراً يوم القيامة، ومن أعتق رقبة كانت له فداء من نار جهنم، كل عضو بعضو". وحدثنا أبو نصر عن والده، بإسناده عن الحسن بن علي ﵄ أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من صلى الغداة في مسجده ثم جلس يذكر الله تعالى

стр. 492

إلى أن تطلع الشمس، فإذا طلعت حمد الله تعالى وقام فصلى ركعتين، أعطاه الله بكل ركعة ألف ألف قصر في الجنة، في كل قصر ألف ألف حوراء، مع كل حوراء ألف ألف خادم، وكان عند الله من الأوابين". وعن نافع عن ابن عمر ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ إذا صلى الفجر لم يقم من مجلسه حتى تمكنه الصلاة، وقال ﷺ : "من صلى الصبح وجلس في مجلسه حتى تمكنه الصلاة كانت بمنزلة حجة وعمرة متقبلتين" فكان ابن عمر ﵄ إذا صلى الغداة جلس حتى تطلع الشمس، فقيل له: لم تفعل هذا؟ فقال: أريد به السنة. وحدثنا أبو نصر عن والده، فإسناده عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "من صلى الفجر في جماعة، ثم اعتكف إلى طلوع الشمس، ثم صلى أربع ركعات متوالية، يقرأ في أول ركعة بفاتحة الكتاب وآية الكرسي ثلاث مرات، و ﴿قل هو الله أحد ...﴾ سبع مرات، وفي الركعة الثانية فاتحة الكتاب مرة، ﴿والشمس وضحاها ...﴾، وفي الركعة الثالثة فاتحة الكتاب، ﴿والسماء والطارق ...﴾، وفي الركعة الرابعة فاتحة الكتاب مرة، وآية الكرسي مرة، و ﴿قل هو الله أحد ...﴾ ثلاث مرات، بعث الله تعالى إليه سبعين ملكاً، من كل سماء عشرة أملاك، معهم أطباق من أطباق الجنة، ومناديل من مناديل الجنة، فيحملون تلك الصلاة على تلك الأطباق، ثم يصعدون بها، فلا يمرون بقوم من الملائكة إلا استغفروا لصاحبها، فإذا وضعت بين يدي الجبار قال الله تعالى: عبدي لي صليت، وإياي عبدت، فاستأنف العمل فقد غفرت لك". وهذه الصلاة هي تفسير ما روي عن النبي ﷺ عن ربه قال: "يا ابن آدم صل لي أربع ركعات من أول النهار أكفك آخره". وقد حمله بعضهم على صلاة الفجر فرضها ومسنونها، والصحيح ما ذكرنا. * * *

стр. 493

(فصل) وأما الورد الثاني: فصلاة الضحى . وهي صلاة الأوابين، وهل يستحب المداومة عليها أم لا؟ على وجهين عند أصحابنا. والأصل في ذلك ما حدثنا به أبو نصر عن والده، بإسناده عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "صلاة الضحى صلاة الأوابين". وبهذا الإسناد قال ﷺ : "صلاة الضحى أكثر صلاة دواد ﵇". وحدثنا أبو نصر عن والده، بإسناده عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "إن باباً من أبواب الجنة يقال له الضحى، فإذا كان يوم القيامة نادى مناد: أين الذين كانوا يصلون صلاة الضحى دائمين عليها، أدخلوهم برحمة الله". وكان الناس على عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وعلي ﵄ يصلون صلاة الصبح، ثم ينتظرون الوقت الذي يصلى فيه صلاة الضحى فيصلونها في المسجد. وعن الضحاك بن قيس عن ابن عباس ﵄ قال: لقد أتى علينا زمان لا ندري ما وجه هذه الآية ﴿يسحبن بالعشي والإشراق﴾ [ص: ١٨] حتى رأينا الناس يصلون الضحى. وقال ابن أبي مليكة ﵀: سئل ابن عباس ﵄ عن صلاة الضحى فقال: إنها لفي كتاب الله تعالى ثم قرآ: ﴿في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيه اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال﴾. وكان ابن عباس ﵄ يصلي ركعتي الضحى، ولكن لا يدمن عليها، ولهذا لما سئل عكرمة عن صلاة ابن عباس ﵄ الضحى قال: كان يصليها اليوم ويدعها العشرة. وقال النخعي ﵀: كانوا يكرهون أن يديموا صلاة الضحى فيصلون ويدعون لئلا تكون كالمكتوبة. * * *

стр. 494

(فصل) وأما عدد صلاة الضحى، فأقلها ركعتان، وأعدلها ثمان ركعات، وأكثرها اثنتا عشرة ركعة . فأما الركعتان فما أخبرنا به الشيخ أبو نصر عن والده، بإسناده عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "في الإنسان ثلثمائة وستون مفصلاً، فعليه أن يتصدق عن كل مفصل كل يوم بصدقة، قالوا: ومن يطيق ذلك يا رسول الله؟ قال ﷺ : النخامة يراها في المسجد فيدفنها، أو الشيء ينحيه عن الطريق، فإن لم يقدر فركعتا الضحى تجزيه". وحديث أبي هريرة ﵁: أوصاني خليلي أبو القاسم ﷺ بثلاث: الوتر قبل النوم، وصوم ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى. وروي أربع ركعات، وهو ما تقدم في الفصل الذي قبله من حديث عكرمة عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ الحديث. وما روت معاذة عن عائشة ﵂ "أن النبي ﷺ صلى صلاة الضحى أربعاً، ثم ست ركعات". وعن حميد الطويل عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ "أنه كان يصلي الضحى ست ركعات، ثم ثمان ركعات". وعن عكرمة بن خالد عن أم هانئ بنت أبي طالب ﵂ قالت: "لما قدم رسول الله ﷺ في الفتح، فتح مكة، نزل بأعلى مكة، فصلى ثمان ركعات، فقلت: يا رسول الله ما هذه الصلاة؟ قال ﷺ : صلاة الضحى" قال أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى: وهو ثبت. والاختيار عند أهل العلم ﵏ ثماني ركعات. وكذلك روى أبو سعيد ﵁ عن النبي ﷺ ، وعن عائشة ﵂ أيضاً أنها صلت الضحى ثمان ركعات.

стр. 495

وقال القاسم بن محمد ﵀: كانت عائشة ﵂ تصلي الضحى ثمان ركعات وتطيل ذلك، وكانت إذا صلتها غلقت الباب عليها، ثم عشر ركعات إن اختارت، ثم ثنتا عشرة ركعة وهو أفضلها، لما حدثنا به أبو نصر عن والده، بإسناده عن حمزة بن موسى بن أنس بن مالك الأنصاري، عن عمه ثمامة بن أنس، عن جده أنس بن مالك ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من صلى الضحى اثنتي عشرة ركعة بنى الله تعالى له قصراً من ذهب في الجنة". وحدثنا أبو نصر عن والده، بإسناده عن أم حبيبة ﵂ قالت: أن رسول الله ﷺ قال: "من صلى اثنتي عشرة ركعة من النهار بنى الله تعالى له بيتاً في الجنة". وحدثنا أبو نصر عن والده، بإسناده عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يا أبا ذر إن النهار اثنتا عشرة ساعة، فأعد لكل ساعة منها ركعة وسجدتين، يدرأ عنك ما فيها من ذنب، يا أبا ذر من صلى ركعتين لم يكن من الغافلين، ومن صلى أربعاً كتب من الذاكرين، ومن صلى ستاً لم يلحقه في يومه حنث إلا الشرك، ومن صلى اثنتي عشرة ركعة بني له بيت في الجنة، قلت: يا رسول الله أجمعاً أم شتى؟ قال ﷺ : لا عليك". (فصل) وأما وقتها: فلها وقتان: جائز، وهو بعد طلوع الشمس إلى صلاة الظهر، ومستحب، وهو حين ترمض الفصال عند قرب الزوال. والدليل على استحبابها في هذا الوقت ما روي أن زيد بن أرقم ﵁ رأى قوماً يصلون الضحى في مسجد قباء، فقال: لقد علموا أن الصلاة في غير هذه الساعة أفضل، إن رسول الله ﷺ قال: "صلاة الأوابين حين ترمض الفصال". ويجوز فعلها أيضاً بعد الزوال، لما روى عوف بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ساعة السبحة حين تزول الشمس من كبد السماء". وهي صلاة

стр. 496

المخبتين، وأفضلها في شدة الحر وإن هو لم يصلها إلا أن صلى الظهر قضايا على وجه الاستحباب. (فصل) وأما الذي يقرأ فيها: فما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "صلاة الضحى بسورة والشمس وضحاها والضحى". وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من صلى اثنتي عشرة ركعة صلاة الضحى، فقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب مرة، وآية الكرسي مرة، وثلاث مرات ﴿قل هو الله أحد ...﴾ نزل من كل سماء سبعون ألف ملك، معهم قراطيس بيض وأقلام من نور يكتبون له الحسنات إلى أن ينفخ في الصور، فإذا كان يوم القيامة أتته الملائكة مع كل ملك حلة وهدية، فيقومون على قبره ويقولون: يا صاحب القبر قم بإذن الله فإنك من الآمنين". (فصل) وقد ورد عن بعض الصحابة ﵃ إنكار صلاة الضحى: من ذلك ما روى ابن المنادي من أصحابنا، بإسناده عن ابن عمر ﵄ أنه قال: ما صليت الضحى منذ أسلمت، إلا أن أطوف بالبيت، وإنها لبدعة ونعمت البدعة، وإنها لمن أحسن ما أحدثه الناس. وكان ابن مسعود ﵁ يقول في صلاة الضحى: يا عباد الله لا تحملوا الناس ما لم يحملهم الله إياه، فإن كنتم لابد فاعلين فصلوها في بيوتكم. وكل هذا لا يدل على رد ما قدمنا ذكره من الفضائل الواردة في فعلها وإنما أرادوا بذلك لئلا تشبه بصلاة الفرض فيعتقد الناس وجوبها. وليس كل الناس سواء في نشاط العبادة فطلبوا الخفة عنهم، وتسهيل الطاعة عليهم، ولهذا المعنى روي عن عتبان بن مالك ﵁ قال: "إن رسول الله ﷺ صلى في بيته سبحة الضحى، فقاموا وراءه فصلوا". وكانت عائشة ﵂ إذا أرادت أن تصليها غلقت الباب، وابن عباس ﵄ كان يصليها يوماً ويتركها عشراً.

стр. 497

(فصل) وأما الورد الثالث: فالصلاة قبل الظهر وبعدها: حدثنا أبو نصر عن والده، بإسناده عن أم حبيبة ﵂ عن رسول الله ﷺ أنه قال: "من صلى أربع ركعات قبل الظهر وأربعاً بعدها، حرم الله تعالى لحمه على النار". وقيل: إن أبواب السماء والجنة تفتح من بعد الزوال على أن يصلى الظهر، ولهذا قيل: إن الدعوات تستجاب في هذه الساعة، فيستحب ملازمة العبادة والدعاء والذكر فيها، وفي ذلك حديث مروي عن أبي أيوب الأنصاري ﵁ قال: "إن النبي ﷺ كان يواظب على أربع ركعات قبل الظهر، فسئل فقال ﷺ : "إن أبواب الجنة تفتح عند زوال الشمس فلا ترتج حتى تقام الصلاة، فأحب أن أقدم". وسئلت عائشة ﵂: أي صلاة كانت أحب إلى رسول الله ﷺ أن يواظب عليها؟ فقالت ﵂: "كان يصلي أربعاً قبل الظهر يطيل فيهن القيام، ويحسن فيهن الركوع والسجود". (فصل) وأما الورد الرابع: ففيما بين الظهر والعصر: حدثنا أبو نصر عن والده، قال: حدثنا أبو محمد، حدثنا عمر بن أحمد، قال: أنبأنا عبد الله بن محمد، قال: حدثنا صالح بن مالك، قال: حدثنا جعفر بن عمر، قال: حدثنا يونس بن أبي عمرة عن عطاء، عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "من أحيا ما بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء غفر له وشفع له ملكان". وعن ابن عمر ﵄ أنه كان يحيي ما بين الظهر والعصر، وعن إبراهيم النخعي ﵀ أنه قال: كانوا يشبهون الصلاة بين العشاءين وفيما بين الظهر والعصر بصلاة الليل، كان ذلك دأب كثير من العباد فيصلون أورادهم بين الظهر والعصر، ينفردون عن الخلق وينقطعون إلى الحق في هذه الساعة، وهي ساعة شريفة للخلوة

стр. 498

بالرب ذكره، وهي صلاة الغفلة. ويستحب العكوف في المسجد بين الظهر والعصر للصلاة والذكر، ليجمع بين الاعتكاف والانتظار للصلاة، وقد كان ذلك دأب السلف، إلا أن يكون قد فاته النوم قبل الزوال، فلينم في هذه الساعة ليتقوى به على قيام الليل، فإن نومه قبل الظهر لليلة الماضية وبعد الظهر لليلة المستقبلة. ولا يستحب أن يزيد في النوم على ثمان ساعات، وقيل إن نقص في النوم عن هذا المقدار اضطرب بدنه، لأن النوم قوت البدن وراحته. وحدثنا أبو نصر عن والده، بإسناده عن سهيل عن أيه، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "من صلى اثنتي عشرة ركعة كل يوم بنى الله له بيتاً في الجنة، اثنتين قبل الفجر، وأربعاً قبل الظهر، واثنتين قبل الظهر، واثنتين قبل العصر، واثنتين بعد المغرب". وعن سعيد بن المسيب عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "لا يزال المصلون لأربع قبل العصر حتى يغفر الله لهم مغفرة حتماً"ز (فصل) وقد ورد حديث جامع للنوافل في هذه الأوقات ، وهو ما حدثنا به أبو نصر عن والده، قال: حدثنا محمد بن أحمد الحافظ، قال: حدثنا محمد بن بدر الحمامي، قال: حدثنا حماد بن مدرك، قال: حدثنا عثمان بن عبد الله الشامي، قال: حدثنا محمد بن إبراهيم، عن عبد الله بن أبي سعيد عن طاوس، عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "من صلى بعد المغرب أربع ركعات قبل أن يكلم أحداً رفعت له في عليين، وكان كمن أدرك ليلة القدر في المسجد الأقصى". يعني مسجد بيت المقدس "وهي خير من قيام نصف ليلة"، وهي قول الله ﵎: ﴿كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون﴾ [الداريات: ١٧]، وهي قول الله تعالى: ﴿تتجافى جنوبهم عن المضاجع﴾ [السجدة: ١٦]، وهي قول الله تعالى: ﴿ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها﴾ [القصص: ١٥].

стр. 499

ومن صلى أربعاً بعد العشاء الآخرة، كان كمن أدرك ليلة القدر في المسجد الحرام". "ومن صلى أربعاً قبل الظهر وأربعاً بعدها حرم الله تعالى جسده على النار أن تأكله أبداً". "ومن صلى أربعاً قبل العصر كتب له براءة من النار". وعن نافع عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "ركعتا الفجر أحب إلى من الدنيا وما فيها". وحدثنا أبو نصر عن والده، بإسناده عن علي كرم الله وجهه أنه سئل عن تطوع النبي ﷺ فقال: "ومن يطيق ذلك، كان يمهل حتى إذا كانت الشمس عن يساره مقدارها عن يمينه في العصر صلى ركعتين، فإذا كانت عن يساره مقدارها عن يمينه في الظهر صلى أربعاً، فإذا زالت الشمس صلى أربعاً، فيصلي بعد الظهر ركعتين وقبل العصر أربعاً". وفي الجملة يغتنم العبد الصلاة بين الأذان والإقامة والدعاء والتضرع، فإنها ساعة مرجو إجابة الداعي فيها على ما تقدم. (فصل) وأما الورد الخامس، بعد صلاة العصر إلى غروب الشمس . فهو الذكر من التسبيح والتهليل، والاستغفار والتفكر في الملكوت، وقراءة القرآن، لأن صلاة النافلة منهي عنها فيه، ويقرأ قبل غروب الشمس: ﴿والشمس وضحاها ...﴾، ﴿والليل إذا يغشى ...﴾، والمعوذتين يختم نهاره، ويستفتح ليله بالقرآن والاستعاذة. وروي عن الحسن ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال فيما يذكر من رحمة ربه : أن الله تعالى قال: "يا ابن آدم اذكرني من بعد صلاة الفجر ساعة، وبعد صلاة العصر ساعة، أكفك ما بينهما". * * *

стр. 500

باب في الصلوات الخمس وبيان أوقاتها وأعدادها وسنتها وفضائلها (فصل) الصلوات المكتوبة خمس: الفجر وهي ركعتان، والظهر وهي أربع ركعات، والعصر وهي أربع ركعات، والمغرب وهي ثلاث ركعات، والعشاء الآخرة وهي أربع ركعات، فذلك سبع عشرة ركعة. وقد كانت فرضت خمسين صلاة ليلة أسري بالنبي ﷺ ليلة المعراج، ثم أعيدت إلى خمس حكمة من الله ، يتبين بذلك التخفيف وسهولة ما أبقى مما أسقط عن عبادة المؤمنين، كما أسقط عنهم ثبوت واحد لعشرة من المشركين في القتال إلى ثبوت واحد لاثنين منهم، وكما أسقط تحريم الأكل والشراب والجماع بعد النوم في ليالي الصيام بقوله: ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود﴾ [البقرة: ١٨٧] بعد أن كان ذلك محرماً عليهم. (فصل) والأصل في وجوبها: قوله : ﴿وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين﴾ [البقرة: ٤٣]. والأصل في بيان أوقاتها آيات وأخبار: أما الآيات: فقوله : ﴿فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون * وله الحمد في السموات والأرض وعشياً وحين تظهرون﴾ [الروم: ١٧ - ١٨]. فسبحان الله: أي صلوا الله حين تمسون صلاة المغرب والعشاء، وحسن تصبحون صلاة الفجر، وعشياً صلاة العصر، وحين تظهرون صلاة الظهر. وقال : ﴿إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً﴾ [النساء: ١٠٣]. وقال تعالى: ﴿وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفاً من الليل﴾ [هود: ١١٤]. وقال تعالى: ﴿أقم الصلاة لدلوك الشمس﴾ [الإسراء: ٧٨] أي عند غروبها، وقيل:

стр. 501

عند زوالها. وقال جلت عظمته: ﴿وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ومن آناء الليل فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى﴾ [طه: ١٣٠]. قال قتادة ﵀: قبل طلوع الشمس: هي صلاة الفجر، وقبل غروبها: صلاة العصر، ومن آناء الليل: صلاة المغرب والعشاء، وأطراف النهار: صلاة الظهر. وأما الأخبار: فما روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "أمَّني جبريل ﵇ عند البيت، فصلى بي الظهر حين زالت الشمس، وكانت بقدر الشراك، ثم صلى بي العصر حين صار ظل كل شيء مثله، ثم صلى بين المغرب حين أفطر الصائم، ثم صلى بي العشاء حين غاب الشفق، ثم صلى بي الفجر حين حرم الطعام والشراب على الصائم، ثم صلى بي الظهر حين صار ظل كل شيء مثله، ثم صلى بي العصر حين صار ظل كل شيء مثليه، ثم صلى بين المغرب حين أفطر الصائم، ثم صلى بي العشاء إلى ثلث الليل الأول، ثم صلى بي الفجر حين أسفر، ثم التفت إلي فقال: يا محمد هذا وقت الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين من قبلك، فيما بين هذين الوقتين". وهذا الخبر هو أصل المواقيت. وفي هذا الباب أحاديث وردت كلها ترجع إلى معناه فلم تذكرها. (فصل: في ذكر من صلى هذه الصلوات أولاً قبل نبينا ﷺ -) روي في بعض الأخبار "أن رجلاً من الأنصار سأل النبي ﷺ عن صلاة الفجر- من صلاها أولاً؟ فأخبره أن من صلاها أولاً آدم ﵇، والظهر صلاها إبراهيم ﵇ حين نجاه الله تعالى من نار نمرود، والعصر صلاها يعقوب ﵇ حين أخبره جبريل ﵇ بسلامة يوسف ﵉، والمغرب صلاها داود ﵇ حين تاب الله عليه، وصلاة العتمة صلاها يونس ابن متى ﵇ حين أخرجه الله من بطن الحوت كالفرخ الذي لا ريش له، فجاء جبريل ﵇ فقال: إن الله تعالى يقرئك السلام ويقول لك: إني مستح منك كيف عذبتك في دار الدنيا،

стр. 502

فهل أنت راضٍ عني؟ فقام فصلى أربع ركعات ثم قال: إني عن ربي راض، إني عن ربي راض". (فصل) وأول ما وجب من الصلوات على نبينا ﷺ وأمر بفعلها، صلاة الفجر والمغرب ، فكان ﷺ يصلي ركعتين بالغداة وركعتين بالعشي، وهو قوله : ﴿وبسح بحمد ربك بالعشي والإبكار﴾ [غافر: ٥٥] إلى أن أسري به ﷺ إلى السماء ليلة المعراج، ففرض عليه خمس صلوات على ما بينا. وصلاة الفجر هي أول صلاة النهار ثم الظهر. وإنما بدأ العلماء في بيان صفة الصلوات بالظهر اتباعاً للسنة، وهو قوله ﷺ في حديث ابن عباس ﵄ "أمَّني جبريل عند البيت فصلى بي الظهر ... " إلى آخر الحديث، فبدأ ببيان وقتها، فجعل أول المواقيت وقتها، لأنها فرضت أولاً. وقد بينا أن الفجر هي التي صلاها آدم ﵇، وهو أول نبي أرسل في الأرض من الإنس، فعلم أنها أول صلاة فرضت في الجملة. (فصل: في بيان وقت صلاة الفجر) فأول وقتها انصداع الفجر الثاني المعترض بالضياء في أقصى المشرق ذاهباً من القبلة إلى دبرها حتى يرتفع فيعم الأفق، وينتشر على رؤوس الجبال والقصور المشيدة، وآخر وقتها الإسفار النير الذي إذا سلم منها بدأ حاجب الشمس، وما بين هذين الوقتين وقت واسع. والمستحب أن تسمى هذه الصلاة صلاة الصبح أو الفجر ولا تسمى صلاة الغداة، لأن الله تعالى قال: ﴿وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهوداً﴾ [الإسراء: ٧٨] يعني صلاة الفجر تشهدها ملائكة الليل وملائكة النهار، فتحصل في آخر صحيفة ملائكة الليل وأول صحيفة ملائكة النهار ﵈. والأفضل التغليس بها، خلاف ما قال الإمام أبو حنيفة من أن الإسفار بها أفضل. وإنما قلنا ذلك لما روي عن عائشة ﵂ أنها قالت: "كان النساء يخرجن على عهد رسول الله ﷺ يصلين الفجر معه، ثم يرجعن متلفعات بمروطهن لا يعرفن

стр. 503

من الغلس". وعن إمامنا أحمد ﵀ رواية أخرى: أن المعتبر بحال المأمومين، فإن أسفروا فالأفضل الإسفار لتكثير الجمع والثواب. وأما الفجر الأول فلا عبرة به، لأنه لا يحرم شيئاً ولا يوجد شيئاً لما روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: الفجر فجران، فالذي تحل به الصلاة ويحرم فيه الأكل والشرب الذي ينتشر على رؤوس الجبال، وقال: هما فجران فالذي يسطع في السماء سطوعاً فليس بشيء ولا يحل ولا يحرم ولكن الذي ينتشر على رؤوس الجبال هو الذي يحرم. وقد وصف بعض العلماء بالله الفجرين وحدهما بحدين فقال: الفجر الأول، وهو بدو سلطان شعاع الشمس إذا ظهرت من وراء الأرض الخامسة ليسطع ضوؤها في وسط السماء حتى يقطع بمقدار بقاء الفجر الأول، فذلك الضياء الذي يظهر في السماء في الثلث الأخير من الليل هو الفجر الأول، ثم يعود سواد الليل كما كان، لأن الشمس تغرب في الفلك الأسفل المتجانف، وتحجبها الأرض السادسة، فيذهب ذلك الضوء الذي ظهر في السماء. وأما الفجر الثاني، فهو انشقاق شفق الشمس وهو بدو بياضها الذي تحت الحمرة، وهو الشفق الثاني، وهو أول سلطانها من آخر الليل وبعده طلوع قرص الشمس، وذلك أن الشمس إذا ظهرت على وجه أرض الدنيا التي هي السابعة وانفجر شعاعها من الفلك الأسفل، وهو ذيل السماء سترت عينها الجبال والبحار والأقاليم العالية، وظهر شعاعها منتشراً إلى وسط السماء عرضاً مستطيراً. (فصل) وأما الظهر: فأول وقتها إذا زالت الشمس، وآخره إذا صار ظل كل شيء مثله، والأفضل تعجيلها إلا في شدة الحر، ومع الغيم في حق من أراد الخروج إلى الجماعة لقول النبي ﷺ :

стр. 504

"أبردوا بالظهر، فإن شدة الحر من فيح جهنم". ولما روي عن بلال ﵁ قال: "آذنت رسول الله ﷺ بصلاة الظهر، فقال: أبرد، ثم أذنته ثانية فقال: أبرد، ثم آذنته ثالثة فقال: أبرد، حتى رأيت فيء التلول، ثم قال: إن شدة الحر من فيح جهنم، فإذا اشتد الحر فأبردوا". وبيان معرفة الزوال أن الشمس إذا وقفت فهو قبل الزوال، فإذن زالت أقل القليل فذلك وقت الظهر. وجاء الحديث "أن الشمس إذا زالت بمقدار شراك فذاك وقت الظهر" فإذا صار ظل كل شيء مثله فهو آخر وقت الظهر وأول وقت العصر. فإذا أردت أن تعرف ذلك فقس الظل بأن تنصب عموداً، أو تقوم قائماً في موضع من الأرض مستوياً معتدلاً، ثم علم على منتهى الظل بأن تخط خطا، ثم انظر أينقص أو يزيد، فإن رأيته ينقص علمت أن الشمس لم تزل بعد، وإن رأيته قائماً لا يزيد ولا ينقص، فذلك قيامها وهو صف النهار لا تجوز الصلاة حينئذ، فإذا أخذ الظل في الزيادة فذلك زوال الشمس، فقس من حد الزيادة إلى طول ذلك الشيء الذي قست به طل الظل، فإذا بلغ إلى آخر طوله فهو آخر وقت الظهر، فإذا زاد شيئاً يسيراً فقد دخل وقت العصر حتى يزيد الظل طول ذلك الشيء مرة أخرى، فذلك آخر وقت العصر، ثم يبقى وقت الضرورة إلى قبل غروب الشمس. وكذلك تفعل بقيامك فتعلم على موضع ظللت، فإن نقص علمت أنه لم تزل الشمس، وإن وقف فهو حال القيام، وإن زاد فهو الزوال. وأما معرفتك المثل بقيامك وطولك، فإن طولك سبع أقدام بقدمك سوى قدمك التي تقوم عليها، فإنك تقوم مستقبل الشمس بوجهك، ثم تأمر إنساناً يعلم طرف ظلك بعلامة، ثم تقيس من عقبك إلى تلك العلامة، فإن كان بينهما أقل من سبعة أقدام سوى ما زالت الشمس عليه من الظل، فتعلم أنك في وقت الظهر، وأن وقت العصر لم يدخل بعد، فإذا زاد الظل على سبع أقدام علمت دخول وقت العصر.

стр. 505

(فصل) وهذا الذي ذكرنا من الأقدام ونصب العمود، يختلف في الشتاء والصيف ، فيزيد الظل وينقص، فالزيادة تكون في الشتاء، لأن الشمس تكون في مسامتة الشخص، لأنها تسير في ذيل السماء ولا ترتفع في الجو، ونقصانه يكون في الصيف لأن الشمس ترتفع إلى الجو فتشرف على الأشخاص، لأنها أول ما تصعد تكون من جانب السماء، فيمتد ظلها لمقابلة قرصها، فكلما صعدت قصر الظل إلى أن تنتهي في الارتفاع فتصير في كبد السماء، وهو حالة قيامها، فإذا أخذت في السيران وهو النزول نحو ما يلي مغربها، فيأخذ الظل في الطول وهو الزوال. وكذلك يختلف ذلك في البلدان، فما كان منها تحت وسط الفلك كمكة وما حواليها من البلدان قصر ظل الشمس فيه حتى لا يبقى للشخص ظل أصلاً، وما كان بعيداً عن وسط الفلك كخراسان وما والاها من النواحي فإن ظل الشمس يطول صيفاً وشتاء، فيكون صيفها كشتاء غيرها في طول الظل، فقد يزول في تلك البلاد على قدم واحد. (فصل: في معرفة الأقدام) اعلم أن أقل ما تزول عليه الشمس على ما ذكره القدماء من أهل هذا العلم في حزيران على قدمين، وأكثر ما تزول عليه في كانون على ثمانية أقدام، وتزول في أيلول على خمسة أقدام، وفي تشرين الأول على ستة أقدام، وفي تشرين الآخر على سبعة أقدام، وفي كانون الأول على ثمانية أقدام، وذلك منتهى قصر النهار، وطول الليل، وهو أكثر ما تزول عليه الشمس، ثم ينقص الظل ويزيد النهار، فتزول الشمس في كانون الآخر على سبعة أقدام، وتزول في شباط على ستة أقدام، وتزول في آذار على خمسة أقدام، وذلك استواء الليل والنهار، وتزول في نيسان على أربعة أقدام، وفي أيار على ثلاثة أقدام، وفي حزيران على قدمين، فذلك منتهى طول النهار وقصر الليل، وهو أقل ما تزول الشمس عليه، فيكون النهار خمس عشرة ساعة، والليل تسع ساعات، وتزول في تموز على ثلاثة أقدام، وفي آب على أربعة أقدام، وفي أيلول على خمسة أقدام، وفيه يستوي الليل والنهار. وروي عن سفيان الثوري ﵀ أنه قال: "أكثر ما تزول عليه الشمس سبعة أقدام، وأقل ما تزول عليه قدم واحدة". وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: كانت صلاتنا الظهر مع رسول الله ﷺ -

стр. 506

في الصيف على ثلاثة أقدام إلى خمسة أقدام، وفي الشتاء على خمسة أقدام إلى ستة أقدام. (فصل) وذكر بعضهم صفة أخرى: فقال: تزول الشمس في تسعة عشر يوماً من آذار وظل الإنسان ثلاثة أقدام، وكذلك كل شيء تنصبه، فإن الشمس تزول يومئذ وظل ذلك الشيء ثلاثة أسباعه، ثم ينقص الظل قدماً حتى ينتهي طول النهار وقصر الليل في تسعة عشر من حزيران، فتزول الشمس يومئذ، وظل الإنسان نصف قدم وذلك أقل ما تزول عليه الشمس، ثم يزيد الظل، فكلما مضت ستة وثلاثون يوماً، زاد الظل قدماً حتى يستوي الليل والنهار في تسعة عشر ويماً من أيلول، فنزول الشمس يومئذ والظل على ثلاثة أقدام، ثم يزيد الظل، فكلما مضى أربعة عشر يوماً، زاد الظل قدماً حتى ينتهي طول الليل وقصر النهار، وذلك في تسعة عشر يوماً من كانون الأول، فنزول الشمس يومئذ على سبعة أقدام ونصف قدم، وذلك أكثر ما تزول الشمس عليه، ثم كلما مضى أربعة عشر يوماً زاد الظل قدماً، حتى ينتهي إلى تسعة عشر يوماً من آذار، فذلك استواء اليل والنهار، وتزول الشمس على ثلاثة أقدام، وذلك دخول الصيف وزيادة الظل ونقصانه الذي ذكرناه في كل ستة وثلاثين يوماً قدم في الصيف والقيظ، وزيادة في كل أ ﴿بعة عشر يوماً قدم في الربيع والشتاء. (فصل) وقد ذكر بعض شيوخنا لذلك صفة أخرى: وهو أن قال: تزول الشمس في حزيران كله على ثلاثة أقدام، والقدم سبع كل شخص منتصب، وأول وقت العصر فيه تسعة أقدام ونصف، وأول وقت الظهر في تموز كله أربعة أقدام، وأول وقت العصر فيه عشرة أقدام ونصف، وأول وقت الظهر في آب كله خمسة أقدام، وأول وقت العصر فيه أحد عشر قدماً ونصف، وأول وقت الظهر في أيلول كله ستة أقدام، وأول وقت العصر فيه اثنا عشر قدماً ونصف، وأول وقت الظهر في تشرين الأول كله سبعة أقدام، وأول وقت العصر فيه ثلاثة عشر قدماً ونصف، وأول وقت الظهر في تشرين الآخر كله ثمانية أقدام، وأول وقت العصر فهي أربعة عشر قدماً ونصف، وأول وقت الظهر في كانون الأول كله عشرة أقدام ونصف، وأول وقت العصر فيه سبعة عشر قدماً سواء، وأول وقت الظهر في كانون الثاني كله تسعة أقدام،

стр. 507

وأول وقت العصر فيه خمسة عشر قدماً، وأول وقت الظهر في شباط كله سبعة أقدام ونصف، وأول وقت العرص فيه أربعة عشر قدماً ونصف، وأول وقت الظهر في آذار كله ستة أقدام، وأول وقت العصر فيه اثنا عشر قدماً ونصف، وأول وقت الظهر في نيسان كله أربعة أقدام ونصف، وأول وقت العصر فيه أحد عشر قدماً، وأول وقت الظهر في أيار كله ثلاثة أقدام ونصف، وأول وقت العصر فيه عشرة أقدام، فهذه مقادير ما تزول عليه الشمس في شهور السنة كلها، والله أعلم بما لا تدركه إحساسنا، ولا تنتهي نحو علومنا. (فصل) ومعرفة الزوال على هذه الصفات والتحديد ليس هو بأمر حتم . بل هي جهة من جهات الوصول إلى معرفة الزوال. وليس كل أحد يدرك ذلك، بل كل من غلب على ظنه ويقينه زوال الشمس وجب عليه فعل صلاة الظهر. وذلك أن الناس في الأوقات على ثلاثة أضرب: - من فرضه اليقين، وهو من يعرف الدقائق والساعات وسير الكواكب، يستدل بذلك ليحصل له يقين الوقت. - ومن فرضه الاجتهاد والتقدير بالعمل أو تقليد من يعمل، وهم الصناع الجهال بالأوقات، فإن اجتهدوا فقدروا بأعمالهم، مثل الخباز عادته أن يخبز العجنتين أو ثلاثة إلى الظهر، أو الطحان يطحن القفيز إلى الظهر، استظهر بالتأخير وصلى، لأن في يوم الغيم كان الوقت يقصر بغيبة الشمس فيغفل الإنسان عن مراعاة الوقت أو يتشاغل عنه، فإن سمع الأذان من عارف بالأوقات بنى على أذانه وصلى إذا علم أنه عارف بالأوقات أو أنه لا يؤذن إلا بإذن عارف للوقت. والثالث: من فرضه التحري والتأخير بجهده إلى أن يغلب على ظنه دخول الوقت، وهو المطمور والمحبوس في الأمكنة التي لا يتوصل إلى معرفة الوقت بدلالة ولا خبر ولا سماع ولا أذان لقول النبي ﷺ : "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم". (فصل) ومعرفة الزوال على التحقيق أمر يدق ويصعب . وقد ورد في الحديث "أن النبي ﷺ سأل جبريل ﵇. أزالت الشمس؟

стр. 508

فقال: لا، نعم، فقال: كيف هذا؟ فقال: من قولي لك: لا، نعم، قطعت الشمس من الفلك خمسين ألف فرسخ، فكأن النبي ﷺ سأله عن زوالها على علم الله تعالى. لكنك إذا استقبلت القبلة فكانت الشمس على حاجبك الأيمن في الصيف فقد زالت الشمس بلا شك، فصل الظهر، فإذا صار ظل كل شيء مثله فهو وقت العصر، فإذا كانت الشمس على حاجبك الأيسر في الصيف أيضاً وأنت مستقبل القبلة، فاعلم أنها لم تزل بعد، فإذا كانت بين عينيك فهو قيامها واستواؤها في كبد السماء، وقد يجوز أنها قد زالت إذا كانت في أول الشتاء وقصر النهار. وأما إذا كانت في أول الشتاء على حاجبك الأيمن فتكون قد زالت في جميع الأزمنة، لأنه إذا كان ذلك في الصيف فهو أول وقت الظهر، وإن كان في الشتاء فهو آخر وقت الظهر، وإذا كانت على حاجبك الأيسر في الشتاء فقد يجوز أنها قد زالت لقصر النهار في أول الشتاء، ولا يجوز في أول الصيف لامتداد النهار وطوله، وإذا كانت بين عينيك في الشتاء فقد زالت بلا شك، فإذا صارت إلى حاجبك الأيمن فهو آخر وقت الظهر، وهذا لأهل إقليم العراق وخراسان الذين يصلون إلى الركن الأسود وباب البيت من جهة الكعبة، وأما أهل اليمن والمغرب ومن يليهم، فعلى ضد ذلك، لأنهم يصلون إلى الركن اليماني ومؤخر الكعبة، فلذلك اختلف التقدير. (فصل) فإذا عرفت الزوال وأردت أن تعرف القبلة فاجعل ظلك على يسارك ، فإنك تكون حينئذ مستقبل القبلة فاعلم ذلك مختصراً بلا تعب. وإنما طولت في ذكر معرفة الزوال لأنه أشكل الأوقات وأدقها، وقد ورد ذكر الأقدام في خبر ابن مسعود ﵁، والتنبيه على معرفة ذلك على ما تقدم بيانه والله أعلم. (فصل) وأما وقت العصر ، فأوله على ما ذكرنا أدنى زيادة على المثل، وآخر وقتها إذا صار الظل مثليه، ووقت الضرورة إلى قبل أن تغيب الشمس، وقد تقدم ذكره والأفضل تعجيلها. (فصل) وأما صلاة المغرب فإذا غربت الشمس، وهو إذا تدلى حاجب الشمس الأعلى، وهو غيبتها عن الأبصار دخل وقتها، ولها وقتان: أحدهما الغروب، والثاني

стр. 509

غيبوبة شفق الشمس وهو الحمرة في أصح الروايتين. (فصل) فإذا غاب الشفق دخل وقت العشاء الآخرة ، ووقت الفضيلة مبقى إلى ثلث الليل في إحدى الروايتين، والثانية إلى نصف الليل، ووقت العذر والضرورة ما لم يطلع الفجر الثاني. ولها اسمان. أحدهما عتمة، والثانية العشاء الآخرة، لأن النبي ﷺ قال: "؟؟؟؟؟؟ الأعراب على اسم صلاتكم هذه فسموها عتمة" يعني أن اسمها العشاء الآخرة، والأعراف يسمونها عتمة، فوافقوهم في ذلك، والأفضل تأخيره إلى آخر وقتها، وهو الثلث الأول أو النصف الأول على ما ذكرنا، وأفضل ما صليت إذا غاب البياض الغربي وأظلم مكانه، وهو الشفق الثاني، فيؤخر إلى ربع الليل أو الثلث أو النصف، كل ذلك ما لم ينم المصلي قبل أن يصليها، فإنه يكره النوم عنها، فمن خاف غلبة النوم، فالأفضل أن يصليها ثم ينام، ولهذا الأفضل عند الشافعي ﵀ أن يصلي في أول الوقت. وإنما قلنا الأفضل تأخيرها لأن النبي ﷺ قال: "أعتموا بالعتمة". وخرج ﷺ ليلة وقد أعتم فقال: "لولا أن أشق على أمتي أمرتهم أن يصلوها" هكذا فالنبي ﷺ أخرها وحث على تأخيرها. (فصل) وأما السنن الراتبة مع هذه الصلوات الخمس فثلاث عشرة ركعة: ركعتان قبل صلاة الفجر، وركعتان قبل الظهر، وركعتان بعدها، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء الأخرة، ويوتر بثلاث، وهو مخير إن شاء صلاها بتسليمه واحدة كصلاة المغرب، وإن شاء فصل بينها، فيسلم عن كل ركعتين، ويوتر بالآخرة، وهو الأفضل، فيقرأ في الأولى من الثلاث بعد الفاتحة ﴿سبح اسم ربك الأعلى ...﴾، وفي الثانية بـ ﴿قل يا أيها الكافرون ...﴾، وفي الثالثة بعد الفاتحة بـ ﴿قل هو الله أحد ...﴾، ويقرأ في أول الركعتين من سنة الفجر بـ ﴿قل يا أيها الكافرون ...﴾، وفي الثانية بـ ﴿قل هو الله أحد ...﴾، ويستحب فعلها في منزله، ثم يخرج، ويستحب

стр. 510

الاشتغال بذكر الله تعالى وترك الكلام إلا أن يكون واجباً بعد أن يصليها حتى يدخل في الفريضة، والقراءة في الركعتين بعد المغرب كالقراءة في ركعتي الفجر، روي عن ابن عمر ﵄ أنه قال: "سمعت رسول الله ﷺ أكثر من عشرين مرة يقرأ في الركعتين بعد المغرب: ﴿قل يا أيها الكافرون ...﴾، و ﴿قل هو الله أحد ...﴾ ". وروي عن طاوس ﵀ أنه كان يقرأ في الأولى منهما: ﴿آمن الرسول ...﴾، وفي الثانية: ﴿قل هو الله أحد ...﴾. ويستحب تعجيلها لما روي حذيفة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "عجلوا بالركعتين بعد المغرب ليرفعا مع المكتوبة" فيستحب تخفيفها لذلك. وفي حديث آخر قال ﷺ : "من صلى ركعتين بعد المغرب قبل أن يتكلم رفعت صلاته في عليين". وقد جاء ما يدل على استحباب تطويلهما، وهو ما روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: "كان رسول الله ﷺ يطيل القراءة في الركعتين بعد المغرب حتى يتفرق أهل المسجد". وروي كذلك عن حذيفة ﵁ أنه قال: "أتيت رسول الله ﷺ فصليت معه صلاة المغرب، ثم قام فصلى إلى العشاء الآخرة، ثم انتقل إلى منزله". وقد ورد أيضاً أن الاستحباب في فعلها في المنزل، وهو ما روي عن عائشة ﵂ قالت: "إن النبي ﷺ كان يصلي الركعتين اللتين بعد المغرب في بيتها". وكذلك عن أم حبيبة ﵂. وروي عن ابن عمر ﵄ قال: "كان رسول الله ﷺ لا يصلي ركعتين بعد المغرب إلى في بيته".

стр. 511

وروى سهل بن سعد الساعدي ﵁ قال: "لقد أدركت زمان عثمان بن عفان ﵁ وإنه ليسلم من المغرب، وما أرى رجلاً واحداً يصليهما يعني الركعتين في المسجد، بل كانوا يبتدرون باب المسجد فيخرجون فيصلونها في بيوتهم". * * * (فصل: في فضائل الصلوات الخمس) روي عن أبي سلمة عن أبي هريرة ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ قال: "أرأيتم لو أن نهراً بباب أحدكم يغتسل كل يوم منه خمس مرات هل يبقى من دونه شيء؟ قالوا: لا، قال: فذلك مثل الصلوات الخمس، يمحو الله تعالى بها الخطايا". وعن أبي ثعلبة القرظي قال: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ : "يحترقون فإذا صلوا الصبح غسلت الصلاة ما كان قبلها، ثم يحترقون فإذا صلوا الظهر غسلت الصلاة ما كان قبلها، فإذا حضرت صلاة العصر غسلت ما كان قبلها، حتى ذكر ﷺ الصلوات الخمس". وعن الحرث مولى عثمان بن عفان ﵀ قال: "جلس عثمان بن عفان ﵁ ثم دعا بماء فتوضأ، ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ توضأ وضوئي هذا، ثم قال: فمن توضأ وضوئي هذا ثم قام فصلى الظهر غفر له ما بينها وبين صلاة الصبح، ثم قام فصلى صلاة العصر غفر له ما بينها وبين صلاة الظهر، ثم صلى المغرب غفر له ما بينها وبين صلاة العصر، ثم صلى العشاء الآخرة غفر له ما بينها وبين صلاة المغرب، ثم لعله يبيت يتمرغ ليله، ثم إذا قام فصلى الصبح غفر له ما بينها وبين العشاء الآخرة، فإن الحسنات يذهبن السيئات، قالوا: هذه الحسنات، فما الباقيات الصالحات؟ قال: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم".

стр. 512

وعن جعفر بن محمد، عن أبيه عن جده ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الصلاة مرضاة الرب، وحب الملائكة، وسنة الأنبياء صلوات الله عليهم، ونور المعرفة، وأصل الإيمان، وإجابة الدعاء، وقبول الأعمال، وبركة في الرزق، وراحة الأبدان، وسلاح على الأعداء، وكراهية الشيطان، وشفيع بن صاحبها وبين مالك السموات، وسراج في قبره، وفراش تحت جنبه، وجواب منكر ونكير، ومؤنس زائر معه في قبره إلى يوم القيامة، فإذا كان يوم القيامة كانت الصلاة ظلاً فوقه، وتاجاً على رأسه، ولباساً على بدنه، ونوراً يسعى بين يديه، وستراً بينه وبين النار، وحجة المؤمنين بين يدي الرب ، وثقلاً في الميزان، وجوازاً على الصراط، ومفتاحاً للجنة، لأن الصلاة تسبيح وتحميد وتقديس وتعظيم وقراءة ودعاء، وإن أفضل الأعمال كلها الصلاة لوقتها". وعن ابن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الصلوات الخمس عماد الدين، لا يقبل الله الإيمان إلا بالصلاة". وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رجل: يا رسول الله كم افترض الله على عباده من الصلوات؟ قال: خمس صلوات، قال: فهل قبلهن أو بعدهن شيء؟ قال: افترض الله عباده صلوات خمساً ليس قبلهن أو بعدهن شيء، فحلف الشل بالله لا يزيد عليهن ولا ينقص منه، فقال رسول الله ﷺ : "إن صدق دخل الجنة". وعن تميم الداري ﵁: قال: إن رسول الله ﷺ قال: "أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة صلاته، فإن هو أكملها كتبت له كاملة، وإن لم يكن أكملها قال الله للملائكة: انظروا هل تجدون لعبدي من تطوع فأكملوا له ما ضيع من ذلك". وعن أنس بن حكيم الضبي قال: لي أبو هريرة ﵁: إذا أتيت أهلك فأخبرهم أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن أول ما يحسب به العبد يوم القيامة صلاته المكتوبة، فإن أتمها وإلا نظر فإن كان له تطور أكملت الفريضة بها، ثم يفعل

стр. 513

بسائر الأعمال كذلك". وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أول ما يحاسب به العبد الصلاة، وأول ما افترض الله تعالى على هذه الأمة الصلاة". * * * (فصل: في الخروج إلى المسجد، وفضل الجماعة والخشوع في الصلاة) وعن أبي هريرة ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ قال: "إذا توضأ العبد ثم خرج إلى المسجد كتب الله بكل خطوة حسنة، ومحا عنه سيئة، ورفع له درجة، ويستبشر الله تعالى به كما يستشر بالغائب الطوير غيبة إذا قدم على أهله". وعن ابن عثمان النهدي عن سلمان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يقول الله : من توضأ في بيته فأحسن الوضوء ثم زارني في بيت من بيوتي فإياي زار وحق على المزور أن يكرم الزائر". وعن سالم بن عبد الله عن أبيه عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: "جاء جبريل إلى النبي ﵉ فقال: بشر المشائين في ظلم الليل إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة". وعن أبي الدرداء ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "من مشى في ظلم الليل إلى المساجد أتاه الله تعالى نوراً يوم القيامة". وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "صلاة

стр. 514

الجماعة تفضل على صلاة الفذ بخمس وعشرين درجة". وعن نافع عن ابن عمرو ﵄ قال: إن رسول الله ﷺ قال: "ما بين صلاة الجماعة والفذ سبع وعشرون درجة". وعن أنس بن مالك ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ قال: "يا عثمان بن مظعون من صلى الصبح في جماعة كانت له حجة مبرورة وعمرة متقبلة، يا عثمان من صلى الظهر في جماعة كان له خمس وعشرون صلاة كلها مثلها وسبعون درجة في جنة الفردوس، يا عثمان من صلى العصر في جماعة ثم ذكر الله تعالى حتى تغرب الشمس فكأنما أعتق نسمة من ولد إسماعيل، مع كل رجل منها اثنا عشر ألفاً، يا عثمان من صلى المغرب في جماعة كانت له خمس وعشرون صلاة كلها مثلها، وسبعون درجة في جنة عدن، يا عثمان من صلى العشاء الآخرة في جماعة فكأنما قام ليلة القدر. ويستحب للرجل إذا أقبل إلى المسجد أن يقبل بخوف ووجل وخشوع وخضوع، وأن تكون عليه السكينة والوقار، وأن يحدث لنفسه فكراً وأدباً غير ما كان عليه، وفيه قبل ذلك من حالات الدنيا وأشغالها، وليخرج برغبة ورهبة وذل وتواضع وانكسار من غير عجب وتكبر وافتخار ورؤية الناس والخلق، وينوي بذلك التوجه إلى الله إلى بيت من بيوته التي ﴿أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال * رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله﴾ [النور: ٣٦ - ٣٧] فما أدرك من الصلاة صلى مع الجماعة، وما فاته قضى، كذا جاء في الحديث عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا جاء أحدكم وقد أقيمت الصلاة فليمش على هينته، فليصل ما أدرك وليقض ما سبقه"، وفي لفظ آخر "فليمش وعليه السكينة والوقار". فليحذر العجب في المواظبة على العبادات والمداومة عليها، لأن ذلك يسقطه من عين الله ، ويبعده من قربه، ويعمى عليه حالته، ويزيل نور بصيرته وحلاوة ما كان يجده من قبل في عبادته، ويكدر صفاء معرفته، وربما رد عليه عمله وقصم، ولأنه روي أنه ﵎ لا يتقبل من المتكبرين عملاً حتى يتوبوا.

стр. 515

وقد جاء في الحديث: إن إبراهيم خليل الرحمن ﵇ أحيا ليلة، فلما أصبح أعجب بقيام ليله فقال: نعم الرب رب إبراهيم، ونعم العبد إبراهيم فلما كان غداؤه لم يجد أحد يأكله معه، وكان ﷺ يحب أن يأكل معه غيره، فأخرج طعامه إلى الطريق ليمر به مار فيأكل معه، فنزل ملكان من السماء فأقبلا نحوه فدعاهما إبراهيم ﵇ إلى الغداء، فأجاباه، فقال لهما: تقدما بنا إلى هذه الروضة، فإن فيها عيناً وفيها ماء فنتعدى عندها، فتقدموا إلى الروضة، فإذا العين قد غارت وليس فيها ماء، فاشتبه ذلك على إبراهيم ﵇ واستحيا مما قال، إذ لم ير عين ماء، فقالا له: يا إبراهيم فادع ربك واسأله أن يعيد الماء في العين، فدعا الله فلم ير شيئاً فاشتد ذلك عليه، فقال لهما: ادعوا الله، فدعا أحدهما فرجع الماء في العين، ثم دعا الآخر فأقبلت العين، فأخبراه أنهما ملكان، وأن إعجابه بقيام ليله رد دعاءه عليه فلم يستجب له. فإذا كان هذا فعله بخليله إبراهيم ﵇، فكيف فعله بغيره؟ بل يعتقد العبد أن جميع ما هو فيه من الطاعة والمسارعة إليها توفيق من الله ونعمة وفضل ورحمة ومنة، فليقم بين يديه محترماً خاضعاً ذليلاً، كأنه يشاهده، كما قال النبي ﷺ : "اعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك". وقد ورد في الحديث "أن الله أوحى إلى عيسى ابن مريم ﵉ إذا قمت بين يدي فقم مقام الخائف الذليل الذام لنفسه فإنها أولى بالذم، وإذا دعوتني فادعني وأعضاؤك تنتفض" وكذلك روى أن الله تعالى أوحى مثل ذلك إلى موسى ﵇. وروي أن ابن سيرين ﵀ كان إذا قام إلى الصلاة ذهب دمه وجهه خوفاً من الله وفرقاً منه. وكان مسلم بن يسار ﵀ إذا دخل في الصلاة لم يسمع حساً من صوت ولا غيره، اشتغالاً بالصلاة وخوفاً من الله . وقال عامر بن عبد قيس: لأن تختلف الخناجر بين كتفي أحب إلي من أن أتفكر في شيء من أمر الدنيا، وأن في الصلاة. وقال سعد بن معاذ ﵁: ما صليت صلاة قط فحدثت نفسي فيها بشيء

стр. 516

من أمر الدنيا حتى انصرفت. وقال مجاهد ﵀: كان ابن الزبير ﵄ إذا قام في الصلاة كأنه عود من الخشوع. وكان وهب بن الورد ﵀ إذا قام يصلي كأنما يطلع في جهنم. وكان عتبة الغلام ﵀ إذا قام في الصلاة في الشتاء ينصب العرق منه، فسألوه في ذلك، فقال: حياء من الله . وكان مسلم بن يسار ﵀ يصلي فوقع الحريق في داره وهو في بيت منها، ففزع أهل البصرة حتى خرجوا فأطفأوه، فما عقل مسلم إلا بعد ما أطفأوها. وقيل: إنه أيضاً كان يصلي في الجامع، فسقطت سارية إلى جنبه ففزع منها أهل اسوق وهو لم يعقل بها. وعن عمار بن الزبير ﵀: أنه كان يصلي ونعله بين يديه، وكان شسع نعله جديداً فالتفت في صلاته إلى الشسع، فلما فرغ من صلاته رمى بنعله ولم يلبس بعد ذلك نعلاً حتى مات ﵀. وحكى عن الربيع بن خيثم ﵀ أنه كان يصلي تطوعاً وبين يديه فرس له يساوي عشرين ألف درهم، فجاء لص فحله وذهب به، فجاء الناس من الغداة يعزونه، فقال: أما إني كنت أرى من يحله، ولكن كنت في شيء أحب إلي منه، فلما كان في بعض النهار فإذا الفرس قد أقبل حتى قام بين يديه. وروي عن النبي ﷺ "أنه صلى في شملة سوداء فيها خيط أحمر فلما سلم قال: إن هذا الخيط ألهاني عن صلاتي". وقد وصف الله تعالى الخاشعين في الصلاة في قوله تعالى: ﴿الذي هم في صلاتهم خاشعون﴾ [المؤمنون: ٢]. قال الزهري ﵀: هو سكون المرء في صلاته، وقيل: هو الذي لا يعلم من عن يمينه وشماله في الصلاة لاشتغاله بالصلاة، ولهذا قال النبي ﷺ : "إن في الصلاة شغلاً".

стр. 517

(فصل: في المحافظة عليها وما ورد من العقوبة على من ضيعها) روى الأعمش عن شقيق بن سلمة عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا صلى العبد في أول الوقت صعدت إلى السماء، ولا نور حتى تنتهي إلى العرش، تستغفر لصاحبها إلى يوم القيامة وتقول: حفظك الله كما حفظني، وإذا صلى العبد في غير وقتها صعدت إلى السماء لا نور لها، فتنتهي إلى السماء فتلف كما يلف الثوب الخلق، فيضرب بها وجهه ثم تقول: ضيعك الله كما ضيعتني". وفي حديث عبادة بن الصامت ﵁ قال: إن النبي ﷺ قال: "من توضأ فأبلغ الوضوء، ثم قام إلى الصلاة فأتم ركوعها وسجودها والقراءة فيها قالت الصلاة: حفظك الله كما حفظتني، ثم صعد بها إلى السماء ولها ضوء ونور، فتفتح لها أبواب السماء حتى تنتهي إلى الله ، فتشفع لصاحبها، وإذا ضيع ركوعها وسجودها والقراءة فيها: قالت الصلاة: ضيعك الله كما ضيعتني، ثم صعد بها ولها ظلمة حتى تنتهي إلى السماء، فتغلق أبواب السماء دونها، ثم تلف كما يلف الثوب الخلق فيضرب بها وجه صاحبها". وعن ابن مسعود ﵁ قال: "سألت رسول الله ﷺ : أي الأعمال أفضل؟ قال: الصلوات لوقتها، وبر الوالدين، والجهاد في سبيل الله ". وعن إبراهيم بن أبي محذورة المؤذن عن أبيه عن جده ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أول الوقت رضوان الله، وأوسط الوقت رحمة الله، وآخر الوقت عفو الله". وقال الله تعالى: ﴿فويل للمصلين * الذين هم عن صلاتهم ساهون﴾ [الماعون: ٤ - ٥]. قال ابن عباس ﵄: "والله ما تركوها ولكن أخروها عن أوقاتها". وقال سعد ﵁: "سألت النبي ﷺ عن قوله : ﴿الذين هم عن صلاتهم ساهون﴾ قال ﷺ : هم الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها".

стр. 518

وعن البراء بن عازب ﵄ في قوله تعالى: ﴿أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غياً﴾ [مريم: ٥٩] قال: هو واد في جهنم، وقال ابن عباس ﵄: لا يدخله إلى من أشاع أوقات صلاته. وروي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عن رسول الله ﷺ أنه ذكر الصلاة يوماً فقال: "من حافظ عليها كانت نوراً له وبرهاناً ونجاة يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها لم تكن له نوراً ولا برهاناً ولا نجاة من النار، وكان يوم القيامة مع قارون وفرعون وهامان وأبي بي خلف". وعن الحرث عن أمير المؤمنين على بن أبي طالب ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: "من تهاون بصلاته فإن الله يعاقبه بخمس عشرة عقوبة: ست منها قبل الموت، وثلاث عند الموت، وثلاث في القبر، وثلاث عند خروجه من القبر. فأما الست التي قبل الموت فأولها: أنه يرفع عنه اسم الصالحين، والثانية ترفع عنه بركة الحياة، والثالثة ترفع عنه بركة الرزق، والرابعة لا يقبل منه شيء من أعمال الخير حتى يكمل صلاته، والخامسة لا يستجاب دعاؤه، والسادسة لا يجعل له في دعاء الصالحين نصيباً. وأما الثلاث التي عند الموت، فأولها: يموت عطشاناً ولو صبت في حلقة سبعة أبحر ما روى، والثانية أنه يموت بغتة، والثالثة كأنه قد أثقل بحديد الدنيا وخشبها وأحجارها عرى رقبته وكتفه. وأما الثلاث التي في القبر: فيضيق عليه قبره، والثانية يظلم عليه القبر، والثالثة يصير عيياً بالقول. وأما الثلاث التي عند خروجه من القبر فأولها: يلقي الله وهو عليه غضبان، والثانية يكون حسابه شديداً، والثالثة رجوعه من بين يدي الله إلى النار إلا أن يعفو الله عنه". * * *

стр. 519

(فصل) الصلاة خطرها عظيم، وأمرها جسيم ، وبالصلاة أمر الله ﵎ رسوله محمداً ﷺ وأول ما أوحى الله بالنبوة، ثم بالصلاة قبل كل عمل، وقبل كل فريضة في آيات كثيرة: منها قوله تعالى: ﴿اتل ما أوحي أليك من الكتاب وأقم الصلاة﴾ [العنكبوت: ٤٥]. وقال : ﴿إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر﴾ [العنكبوت: ٤٥]. وقال جل وعلا: ﴿وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقاً نحن نرزقك﴾ [طه: ١٣٢]. وخاطب جميع المؤمنين فأمرهم بالاستعانة على طاعاته كلها، بالصبر والصلاة، فقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين﴾ [البقرة: ١٥٣] ﴿وسلاماً على إبراهيم ...﴾ [الأنبياء: ٦٩] إلى قوله: ﴿ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة ...﴾ [الأنبياء: ٧٢] إلى قوله: ﴿وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة﴾ [الأنبياء: ٧٣] فذكر الخيرات كلها جملة وهي جميع الطاعات مع اجتناب جميع المعاصي، فأفرد الصلاة بالذكر وأوصاهم بها خاصة. وبالصلاة أوصى النبي ﷺ أمته عند خروجه من الدنيا، فقال: "الله الله الله في الصلاة وفيما ملكت أيمانكم" فهي آخر وصيته ﷺ . وجاء في الحديث "أنها آخر وصية كل نبي لأمته، وآخر عهده إليهم عند خروجه من الدنيا". فالصلاة أول فريضة فرضت عليه ﷺ وعلى أمته، وهي آخر ما أوصى به أمته وآخر ما يذهب من الإسلام، وأول ما يسأل العبد عنه من عمله يوم القيامة، وهي عمود الإسلام وليس بعد ذهابها دين ولا إسلام. وجاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: "أول ما تفقدون من دينكم الأمانة، وآخر ما تفقدون منه الصلاة، وليصلين أقوام لا خلاق لهم". فتارك الصلاة يكفر عند إمامنا أحمد ﵀ إذا تركها جاحداً لوجوبها ووجب

стр. 520

قتله لا خلاف في مذهبه، وأما إن تركها تهاوناً وكسلاً مع اعتقاد وجوبها ودعى ليفعلها، فإن لم يفعلها حتى تضايق الوقت الذي يليها كفر وقتل بالسيف لكفره، وبعد أن ستتاب ثلاثة أيام كالمرتد في الحالتين، ويكون ماله فيئاً يوضع في بيت مال المسلمين، ولا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين، وعنه: لا يجب قتله في التهاون حتى يترك ثلاث صلوات ويتضايق وقت الرابعة، ويقتل حداً كالزاني المحصن، وحكمه حكم أموات المسلمين يرث ماله ورثته من المسلمين. وقال الإمام أبو حنيفة ﵀: لا يقتل ولكن يحبس حتى يصلي فيتوب أو يموت في الحبس. وقال الإمام الشافعي ﵀: يقتل بالسيف حداً ولا يكفر، والدليل على كفره ما ذكرنا فيما تقدم من الآيات والأخبار. ونزيد عليها بما روي عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: إن رسول الله ﷺ قال: "ما بين الرجل وبين الكفر والشرك إلا ترك الصلاة". وروي عن عبد الله بن زيد عن أبيه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "بيننا وبينهم ترك الصلاة، فمن تركها فقد كفر". وروي عن جعفر بن محمد بن أبيه ﵁ قال: "إن رسول الله ﷺ أبصر رجلاً ينقر كما ينقر الغراب، فقال: لو مات هذا مات على غير دين محمد ﷺ ". وعن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا ترك الرجل صلاته متعمداً كتب اسمه على باب النار فيمن يدخلها". وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الا من نام عن صلاته العتمة ولم يصلها تقول الملائكة: لا نامت عيناك ولا قرتا، حبسك الله بين الجنة والنار كما حبستنا".

стр. 521

(فصل) مروي عن الحسن البصري ﵀ أنه قال: كان العلماء من أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: خمس وأربعون خصلة مكروهة منهي عنها في صلاة الفريضة. وهي: التنحنح عمداً، والتشاغل عمداً، والتعاطي عمداً، وإقناع الرأس إلى السماء، لما روي عن النبي ﷺ "أنه كان يقلب بصره إلى السماء فنزلت ﴿الذين هم في صلاتهم خاشعون﴾ [المؤمنون: ٢] فطأطأ رسول الله ﷺ رأسه، فكانوا يستحبون للرجل أن لا يجاوز ببصره مصلاه". ومنها إلصاق الحنك بالصدر، وفلى الثوب، والتمطي، وتنفس الصعداء، وتعميص العينين، والالتفات في الصلاة لما روى عقبة بن عامر ﵁ في قوله تعالى: ﴿الذين هم على صلاتهم دائمون﴾ [المعارج: ٢٣] قال: إذا صلوا لم يلتفتوا يميناً ولا شمالاً". وقالت عائشة ﵂: "سألت رسول الله ﷺ عن التفات الرجل في صلاته، فقال: إنما هي اختلاسة يختلسها من صلاة العبد". وقيل: جاء طلحة، يعني ابن مصروف إلى عبد الجبار بن وائل وهو في القوم، فساره ثم انصرف، فقال عبد الجبار: أتدرون ما قال؟ قال: رأيتك أمس التفت وأنت تصلي، وقد جاء في الحديث عن رسول الله ﷺ : "إن العبد إذا افتتح الصلاة استقبله الله بوجهه، فلا يصرفه حتى يكون العبد هو الذي نصرف أو يلتفت يميناً وشمالاً". وفي حديث آخر "إن العبد ما دام في صلاته فله ثلاث خصال: البر يتناثر عليه من عنان السماء إلى مفرق رأسه، وملائكة يحفون من لدن قدمه إلى عنان السماء، ومناد ينادي: لو يعلم المصلي من يناجي ما انفتل ... " أي التفت وانصرف، والالتفات مكروه جداً، وقد قيل: إنه يقطع الصلاة، وفيه استخفاف بحرمة الصلاة وآدابها. ومن ذلك الإقعاء في القعود فيها، والرد على الإمام، وافتراش الذراعين في السجود، ووضع الصدر على الفخذين في السجود، وضم الإبطين إلى الجنبين في السجود، بل يفرق بينهما ولا يلصقان، لأن مروي عن النبي ﷺ "أنه كان إذا سجد لو

стр. 522

مرت بهيمة تحت ذراعيه لنفذت" وذلك لشدة مبالغته في رفع مرفقيه عن ضبعيه. وفي حديث آخر "كان رسول الله ﷺ إذا سجد يجافي بين ضبعيه". ومن ذلك تفريق الأصابع في السجود، بل يضمها، ووضع اليدين دون الركبتين في الركوع، ووضع القدمين إحداهما على الأخرى، وتعليقهما من الأرض، والسدل على الإزار والسراويل، والتخليل والتلمظ، واستراط الطعام الحبة والحبتين، والقلس أن يردد ويبلع، والنفث باللسان والنفخ في السجود، والمشي عرضاً ورفع الصوت على جليسك في التشهد، ومعرفتك من عن يمينك ومن عن شمالك، والإيماء، والإشارة، وبلع الجشاء، أو ما يخرج من الحلق، والاستعال، والتمخط، والتبزق، والنظر في الثياب، ومسح التراب عن الجبهة قبل أن ينصرف وتسوية الحصى أكثر من مرة واحدة، ونفض موضع السجود، والدعاء بعد التشهد إذا كنت إماماً، والقعود في المحراب بعد التسليم حتى ينحرف من مكانه إلى يساره، والعقد باليد بالأصابع في الصلاة، والعبث باللحية والثوب فيها، لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "لا ينظر الله إلى صلاة لا يحضر الرجل فيها قلبه مع بدنه". وأبر رسول الله ﷺ رجلاً يعبث بلحية في الصلاة فقال: "لو خشع قلب هذا خشعت جوارحه". ونظر الحسن ﵀ إلى رجل يعبث بالحصى وهو يقول: اللهم زوجني من الحور العين، فقال: بئس الخاطب أن تخطب وأنت تعبث. وقال عبد الرحمن بن عبد الله عن عبد الله ﵁ أنه قال: "لينتهين أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء أو لا ترجع إليهم أبصارهم" يعني في الصلاة. وقال الأوزاعي ﵀: يكون الرجلان في الصلاة وبين أحدهما وبين الآخر كما بين السماء والأرض، هذا مقبل على الله تعالى بقلبه، وهذا لاه وساه".

стр. 523

وقد صح الخبر عنه ﷺ أنه قال: "للمصلي من له من صلاته نصفها، فذكر إلى عشرها" يعني بذلك ما عقل منها وحضر قلبه فيها. وفي حديث آخر أنه قال ﷺ : "لمصل أربعمائة صلاة، ولمصل مائتا صلاة، ولمصل مائة وخمسون صلاة، ولمصل سبعون صلاة، وصلاة بخمسين صلاة، وصلاة بسبع وعشرين صلاة، وصلاة بعشر صلوات، وصلاة بصلاة واحدة". فالذي يكتب له أربعمائة صلاة فهو الذي يصلي بمكة في البيت الحرام مع الإمام في الجماعة بعد ألا تفوته التكبيرة الأولى. والذي يكتب له مائتا صلاة فهو الإمام الذي يؤم الناس بعد أن يعرف أحكام الصلاة. والذي يكتب له مائة وخمسون صلاة فهو المؤذن. والذي له سبعون صلاة فهو الذي يستاك ويسبغ وضوءه ويصلي في الجامع في الجماعة. والذي يكتب له خمسون صلاة فهو الرجل الذي يصلي في الجامع مع الإمام في الجماعة، ويكون قد فاتته تكبيرة الإحرام. والذي يكتب له سبع وعشرون صلاة فهو الرجل الذي يسبغ وضوءه ويصلي في المسجد في الجماعة ولا تفوته تكبيرة الإحرام. والذي يكتب له عشر صوات فهو الرجل الذي يلحق الجماعة وقد فاتته تكبيرة الإحرام. والذي يكتب له صلاة واحدة فهو الذي يصلي وحده في غير جماعة. والذي لا صلاة له هو الذي يصلي وينقر كنقر الديك ولا يتم ركوعها وسجودها، وهو الذي تطوى صلاته كالثواب الخلق ويضرب بها وجه صاحبها، ويقال له: لا حفظ الله كما لم تحفظ صلاتك". (فصل) وينبغي لكل مصلٍ أن يقدم النية لصلاته ، ويمثل الكعبة البيت الحرام أمامه ونصب عينيه على ما تقدم بيانه في أول الكتاب. ويتيقن قيامه بين يدي الله تعالى، ولا

стр. 524

يشك أنه بعين الله منتصب حيث يراه لقوله تعالى: ﴿الذي يراك حين تقوم * وتقلبك في الساجدين﴾ [الشعراء: ٢١٨ - ٢١٩]. ولقول الرسول ﷺ : "اعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فهو يراك". وينوي الصلاة الفريضة بعينها ويصفها بالأداء والقضاء، فهو أولى، ويرفع يديه إلى فروع أذنيه أو حذو منكبيه، وقد بينا صفة ذلك في أول الكتاب. وهل يضم الأصابع بعضها إلى بعض أن يفرجها على روايتين، وإذا رفع يديه وكبر كأنه رفع الحجاب الذي بينه وبين الله تعالى، فيحصل في المكان الذي لا يجوز التلفت فيه ولا التشاغل عنه، ولعلمه أنه بعين من يرى حركته، ويعلم ما يتلجلج في نفسه، وينطوي عليه سره وقلبه، فينظر موضع سجوده ولا يلتفت يميناً وشمالاً، ولا يرفع رأسه إلى السماء. وإذا قال: سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك، علم أنه يخاطب من هو سامع منه مقبل عليه ناظر إليه، ولا يخفى عليه موضع شعرة ولا حركة جارحة عنه. وكذلك قوله: ﴿إياك نعبد وإياك نستعين * اهدنا الصراط المستقيم﴾ [الفاتحة: ٥ - ٦] يعقل ما يقول ويدري من يخاطب بهذا الخطاب، ولا ينسى مع ذلك الخضوع والتحفظ حذراً من وقوع السهو عليه فيما هو قائم له وماثل فيه، ويأتي بإحدى عشرة تشديدة في الفاتحة، ويحذر اللحن الذي يغير المعنى فيها، فإن قراءتها فريضة، وهي ركن تبطل الصلاة بتركها، ومع ذلك يرى كأنه واقف على الصراط، وأن الجنة عن يمينه بصفتها والنار عن شماله بما فيها، وأنه بصلاته يستنجز ما وعد الله بها إذا صحت صلاته من ثواب الجنة، ومستحصن بها من وعيد الله بعقاب النار، كل ذلك بيقن من قلبه، وحضور من عقله، ويعتقد مع ذلك أنه يصلي صلاة مودع لا يشك أنها تعرض على الله تعالى، وأنه لا يصح له منها إلا ما يصح له عند الله فقط، ثم يأتي بقراءة ما يسر من السور الكوامل، وهي أول من قراءة أواخرها وأواسطها، ويكون ناصتاً إلى ما يقرأ متفهماً إلى ما يلفظ ويتلو. وكذلك إن كان مأموماً ينصت إلى قراءة الإمام ويفهمها ويتعظ بمواعظها وزواجرها،

стр. 525

ويعتقد امتثال أوامرها هكذا إلى أن تنتهي السورة. فإذا فرغ من القراءة ثبت قائماً وسكت حتى يرجع إليه نفسه قبل أن يركع، ولا يصل قراءته بتكبيرة الركوع، ثم يكبر ويرفع يديه إلى فروع أذنيه أو حذو منكبيه على ما بينا في أول الكتاب. فإذا انقضى التكبير حط يديه، ثم انحط في قيامه للركوع، ويلقم راحته ركبتيه، ويفرق يبن أصابعه، ويعتمد على ضبعيه وساعديه، ويسوي ظهره، ولا يرفع رأسه، ولا يخفض فينكسه، فقد جاء عن النبي ﷺ "أنه كان إذا ركع لو كانت قطرة ماء على ظهره ما تحركت عن موضعها". وجاء عنه ﷺ "أنه كان إذا ركع لو كان قدح من ماء على ظهره ما تحرك عن موضعه". وذلك لاستواء ظهره ومبالغته في ركوعه ﷺ ، ويقول: سبحان ربي العظيم ثلاثاً وهو أدنى الكمال. وقال الحسن البصري ﵀: التسبيح التام سبع، والوسط من ذلك خمس، وأدناه ثلاث تسبيحات. ثم يرفع رأسه مسمعاً فينتصب معتدلاً فيطمئن مترسلاً يديه، ثم ينحط للسجود فيبدأ بوضع ركبتيه على الأرض ثم يديه ثم جبهته وأنفه، ويتمكن من الأرض ويطمئن في سجوده، ويتوجه بكل عضو منه وجزء إلى القبلة. وجاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: "أمرت بالسجود على سبع أعظم". وي حديث آخر "إن العبد يسجد على سعة أعضاء، فأي عضو منها ضيعه لم يزل ذلك العضو يلعنه". ويكون في سجوده منقبضاً لا ينبسط على الأرض، ولا يفرش ذراعيه وينام عليهما ولا على فخذيه بل يضع أصابع يديه على الأرض حتى يحاذي بها أذنيه أو منكبه الموضع الذي يستحب رفع اليد إليه في التكبير في حال القيام، ولا يضعهما حداء رأسه، ويضم أصابعه ويوجهها نحو القبلة، ويبين العضدين عن الجنبين، والفخذين عن

стр. 526

الساقين، والبطن عن الأرض على ما تقدم بيانه. ويقول في سجوده: سبحان ربي الأعلى ثلاثاً كالركوع، ثم يرفع رأسه مكبراً، ويجلس على رجله اليسرى، وينصب اليمنى ويقول: رب اغفر لي ثلاثاً، ناظراً إلى حجره، ثم يسجد ثانية كذلك، ثم يرفع رأسه مكبراً من الأرض ثم يديه ثم ركبتيه معتمداً على ركبتيه، فينهض على صدور قدميه، ولا يقدم إحدى رجليه فإنه مكروه. وقيل: إنه يقطع الصلاة مروي ذلك عن ابن عباس ﵄، ويفعل كذلك في الركعة الثانية، فإذا جلس للتشهد الأول جلس على رجله اليسرى، وينصب رجله اليمنى ويوجه أصابعه نحو القبلة، ويضع يده اليسرى على فخذه اليسرى، ويده اليمنى على فخذه اليمنى، ويشير بأصبعه التي تلي الإبهام وهي السبابة، ويحلق الإبهام مع الوسطى، ويقبض الخنصر والبنصر، وتكون عينه إلى إصبعه من أول تشهده إلى آخره، لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا كان أحدكم في الصلاة فجلس فلا يعبث بشيء، فإنه يناجي ربه"، ولكن يجعل يده اليسرى على فخذه اليسرى، ويده اليمنى على فخذه اليمنى، ثم ليكن قلبه وبصره إلى أصبعه فإنها مذبة للشيطان، ويتشهد فيقول: "التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله". ثم يقوم مكبراً فيقرأ الفاتحة فحسب، ويركع ويسجد كذلك، ثم يصلي الركعة الرابعة كذلك، ثم يجلس للتشهد فيأتي به على ما ذكرنا. فإذا بلغ عبده ورسوله قال: "اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم، إنك حميد مجيد". وعن إمامنا أحمد رواية أخرى: أنه يذكر إبراهيم ثم يذكر آله فيقول على إبراهيم وعلى إبراهيم، وهذا آخر التشهد.

стр. 527

ويستحب له أن يستعيذ من أربع فيقول: "اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المسيح الدجال، ومن فتنة المحيا والممات". ثم يدعو فيقول: "اللهم إني أسألك من الخير كله ما علمت منه وما لم أعلم، وأعوذ بك من الشر كله ما علمت منه وما لم أعلم، اللهم إني أسألك من خير ما سألك عبادك الصالحون، وأعوذ بك من رش ما استعاذك منه عبادك الصالحون. اللهم إني أسالك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل، وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل، ﴿ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار﴾ [البقرة: ٢٠١]، ﴿ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار * ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد﴾ [آل عمران: ١٩٣ - ١٩٤]. وإن زاد على ذلك جاز، إلا أن يكون إماماً فيطول ذلك على المأمومين، فالمستحب الاقتصار حفظاً لقلوبهم، لعل أن يكون فيهم ذو الحاجة، ثم يسلم ويدعو لنفسه ولوالديه وللمسلمين، ويكون في جميع ذلك متخوفاً من عاقبتها، كيف وقد وقعت عند الله الداعي إليها الآمر بها المثيب عليها والمعاقب عليها عند إساءتها، فإذا خرج منها عرضها على العلم. فإن شهد لها ببراءة الساحة وسلامة المنزلة حمد الله تعالى وأثنى عليه إذ جعله أهلاً لذلك، وأن وجد فيها نقصاناً وخللاً تاب إلى الله واستغفر الله وتأهب واجتهد في التحفظ على التي بعدها. وللصلاة المقبولة علامة بينة وللمردودة علامة بينة فعلامة المقبولة نهيها وكفها لصابحها عن الفواحش والمناكر، وترغيبه في الخير، وتجديد نيته في الصلاة والازدياد من الطاعات وفعل الخيرات، والرغبة في المثوبات، وارتداعه عن الاسواء وكراهة المعاصي والخطيئات، لقول الله : ﴿وإن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر والبغي ولذكر الله أكبر﴾ [العنكبوت: ٤٥] وهذا الذي ذكرنا يشترك فيه الإمام والمأموم والمنفرد. فأما شرائط الصلاة وواجباتها ومسنوناتها فقد ذكرناها في أول الكتاب. * * *

стр. 528

(فصل: فيما يختص بالإمام) ولا ينبغي للرجل أن يكون إماماً حتى تكون فيه هذه الخصال التي نذكرها. وهي ألا يحب أن يتقدم وهو يجد من يكفيه ذلك، ولا يتقدم وهناك من هو أفضل منه، لأنه جاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا أم القوم رجل وخلفه من هو أفضل منه لم يزالوا في سفال". وقال عمر بن الخطاب ﵁: لأن أقدم فترض عنقي ولا يقربني ذلك من إثم خير من أن أتقدم قوماً فيهم أبو بكر الصديق ﵁، وأن يكون قارئاً لكتاب الله، فقيهاً في دين الله، بصيراً بسنة رسول الله ﷺ لأنه جاء في الحديث "اجعلوا أمر دينكم إلى فقهائكم، وأئمتكم قراؤكم"، وقال النبي ﷺ : "يؤمكم خياركم فإنهم وفودكم إلى الله ". وإنما خصهم ﷺ بذلك لأنهم أهل الدين والفضل والعلم بالله والخوف من الله تعالى، الذي يعنون بصلاتهم وصلاة من خلفهم، ويتقون ما يلزمهم من وزر أنفسهم ووزر من خلفهم إن أساؤوا في صلاتهم، وما أراد ﷺ بالقراء الحفظة للقرآن فحسب من غير أن يعملوا به، وإنما أراد ﷺ العمال بالقرآن مع حفظه، وقد جاء في الحديث: "إن أحق الناس بهذا القرآن من كان يعمل به وإن كان لا يقرؤه". وقد يحفظ القرآن من لا يعمل به ولا يعبأ بإقامة حدوده مما فرض الله عليه من العمل به وما نهاه من النهي عنه، فلا نعنى نحن به ولا كرامة له، قال النبي ﷺ : "ما آمن بالقرآن من استحل محارمه". فلا يجوز للناس أن يقدموا عليهم في صلاتهم إماماً إلا أعلمهم بالله وأخوفهم له، فإن خالفوا وقدموا غيره لم يزالوا في سفال وإدبار وانتقاص في دينهم وبعد من الله تعالى ومن رضوانه وجنته. فرحم الله قوماً عنوا بدينهم وصلواتهم، فقدموا خيارهم واتبعوا في ذلك سنة نبيهم

стр. 529

- ﷺ وطلبوا بذلك القربة إلى ربهم ﵎. وينبغي أن يكون الإمام حافظاً للسانه من عيب الناس عليه وغيبتهم إلا من الخير، ويكون يأمر بالمعروف ويفعله، وينهى عن المنكر ويجتنبه، ويحب الخير وأهله، ويبغض الشر وأهله، عارفاً بمواقيت الصلاة محافظاً عليها، مقبلاً على شأنه، عفيف البطن والفرج، منقبض اليد عن الحرام، قليل السعي إلا في ابتغاء مرضاة الله ، وقوراً حمولاً صبوراً على الأذى، يغضى عن الشر ويحتمل ممن يتكلم فيه، ويصبر على من يجهل عليه، ويحسن إلى من أساء إليه، ويكون غضيض الطرف عن المحارم، إن رأى عورة سترها، وإن رأى مخزية دفنها، يعرض عن الجاهلين ويقول لهم: اللهم سلاماً، الناس منه في راحة، وهو من نفسه في عناء، حريصاً على فكاك رقبته، مجداً في خلاص نفسه، ويعلم أنه قد بلي بشيء عظيم جليل خطره، كبير شأنه. وليكن همه ما قد كلف به من عظيم قدر الإمامة وخطر قدرها وخيرها، وليكن قليل الكلام إلا فيما يعنيه، له حال وللناس حال، إذا قام في محرابه علم أنه قائم في مقام النبيين، وخليفه سيد المرسلين، ويناجي رب العالمين. يتحرى الاجتهاد لتمام الصلاة وليسلم من خلفه، ممن تقلد إمامته، خفيف الصلاة في تمام، يصلي بصلاة أضعفهم، فيرى في نفسه أنه دونهم وأنه مبتلى بإمامتهم، وأن الله تعالى يسأله عن أداء الفرائض عن نفسه وعنهم. وهو بتقدمه باك على خطيئته، نادم على ما سلف من تفريطه وقديم أيامه، وما انقضى من أوقاته، لا يتكبر على من خلفه، ولا يتجبر على من هو دونه، ولا يغضب حمية لنفسه، إذا قيل ما فيه وما هو عنه بريء، ولا يحب حمدهم ولا يكره ذمهم، فتكون الجماعة عنده في الحالتين سواء، لم يجرب عليه كذبة، طيب الطعام، نظيف اللباس، متواضعاً في لبسه متخاشعاً في جلسته، غير محدود في الإسلام، ولا ذا ريبة في الأنام، ولا غمازاً على أخيه عند السلطان، ولا هو ساع إلى الشر، ولا ذي غمز في حقه، ولا خائن في وديعة وتجارته وعاريته، ولا يتقدم وهو خبيث المطعم والمكسب، ولا يتقدم وهو يشتهي الإمامة، ولا يتقدم وهو يعلم أن فيه حسداً ولا بغياً ولا حقداً ولا إحنة ولا غلاً ولا رجاء ولا طالباً لثأر، ولا منتصراً لنفسه، ولا متشفياً من غيظ، ولا متتبعاً عورة رجل مسلم، ولا غاشاً لأحد من أمة محمد ﷺ .

стр. 530

ولا يتكلم في فتنة ولا يسعى فيها ولا يقويها، بل يعين أهل الحق على أهل الباطن بيده ولسانه وقلبه، يقول الحق وإن كان مراً، لا تأخذه في الله لومة لائم، ولا يحب مدح الناس له، ولا يكره ذمهم، ولا يخص نفسه بشيء من الدعاء، بل يعمم الدعاء له ولهم وقت ما يدعو عقيب الصلاة بهم، فإن أفرد نفسه بذلك كان خيانة منه لهم، ولا يؤثر بعضهم على بعض إلا أولى العلم، كما قال النبي ﷺ : "ليليني أولو الأحلام والنهي". وكذلك الذين يلونهم وراء ظهره، ولا يقرب الغنى ويزري بالفقير، ولا ينبغي له أن يتقدم بقوم وفيهم من يكره إمامته، فإن كان فيهم من يكره ومن لا يكره نظر، فإن كان الأكثر يكرهونه اعتزل المحراب ولا يقربه، هذا إذا كانت كراهتهم له بعلم وحق، وإن كانت بجهل وباطل ورعونة نفس وعصبية لمذهب أو هوى لم يلتفت إلى كراهتهم، ولا يترك الصلاة بهم إلا أن يخاف الفتنة في القوم لأجله، فيتنحى ويعتزل المحراب لذلك حتى يصطلحوا أو يرضوا، ولا ينبغي له أن يكون ممارياً ولا حلافاً ولا لعاناً، ولا يدخل مداخل السوء والتهم، ولا يأنف ولا يخالط من الناس إلا الصالحين، ولا ينبغي له أن يكون إماماً وهو يحب الفتنة وأهلها، والعصبية وأهلها، والرياسة وأهلها، وينبغي أن يكون صبوراً على أذية الناس متودداً إليهم، طالباً لمنفعتهم، مجتهداً في نصيحتهم، لا يماري على الإمامة ولا يقاتل عليها من كفاه عظيم مؤنتها. ولقد نقل عن الأكابر ممن تقدم من السلف الصالحين أنهم كرهوا الإمامة وقدموا من ليس هو مثلهم في الشرف والديانة ابتغاء حمل المؤنة عنهم وتخفيفاً، وخيفة من تقصير يقع لهم. وينبغي للإمام إذا حضر عنده ذو سلطان ألا يتقدم عليه في الصلاة إلا بإذنه، وكذلك لا جلس إلا بإذنه، وإذا نزل بقرية أو محلة أو قبيلة أو حي من أحياء العرب لا يؤمهم إلا بإذنهم، وكذلك إذا اتفق مع قوم في قافلة وسفر ومجمع لا يؤمهم إلا بإذنهم. وينبغي للإمام ألا يطيل الصلاة بل يخففها مع التمام لما روي عن أبي هريرة رضي
следующие страницы →