← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17821

الثبات والشمول في الشريعة الإسلامية

عابد السفياني

Полный текст (594 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

١ - أن الرسول خان الرسالة. ٢ - معاندة الشرع. ٣ - رد أمر الشارع عليه. فبالنسبة للأول قال الإمام الشاطبي: "إن الشريعة جاءت كاملة لا تحتمل الزيادة، ولا النقصان لأن الله تعالى قال فيها: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَام دِينًا﴾ (١) " (٢). ثم قال: "وثبت أن النبي ﷺ لم يمت حتى أتي ببيان جميع ما يُحتاج إليه في أمر الدين والدنيا (٣) وهذا لا مخالف عليه من أهل السنة .. فإذا كان كذلك، فالمبتدع إنما محصول قوله بلسان حاله أو مقاله أن الشريعة لم تتم، وأنه بقي منها أشياء يجب أو يستحب استدراكها لأنه لو كان معتقداً لكمالها وتمامها من كل وجه لم يبتدع ولا استدرك عليها وقائل هذا ضال عن الصراط المستقيم" (٤). ونقل قول الإمام مالك ﵀: "من ابتاع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمداً ﷺ خان الرسالة" (٥). وأما بالنسبة للأمر الثاني فقد قال: "إن المبتدع معاند للشرع ومشاق له، لأن الشارع قد عين لمطالب العبد طرقاً خاصة على وجوه خاصة، وقصر الخلق عليها بالأمر والنهي والوعد والوعيد، وأخبر أن الخير فيها وأن الشر في تعديها إلى غير ذلك لأن الله يعلم ونحن لا نعلم وأنه إنما أرسل الرسول ﷺ رحمة للعالمين، فالمبتدع راد لهذا كله،

стр. 37

فإنه يزعم أن ثم طرقاً أخر ليس ما حصره الشارع بمحصور، ولا ما عينه بمتعين، كأن الشارع يعلم ونحن أيضاً نعلم، بل ربما يفهم من استدراكه الطرق على الشارع أنه علم ما لم يعلمه الشارع، وهذا إن كان مقصوداً للمبتدع فهو كفر بالشريعة والشارع، وان كان غير مقصود فهو ضلال مبين" (١). ويضيف الشاطبي أن الشارع قد انفرد بالتشريع للناس ليحكم بينهم فيما اختلفوا فيه، وألزمهم الجري على سننها، ومنعهم من حق التشريع لأن عقولهم لا تدركه، ولو كانت تدركه عقولهم لما بعث الله لهم الرسل ﵈، فمن أراد أن يكون له من هذا الحق شيء فإنما أراد أن يكون معانداً للشرع ونظيراً له ومضاهياً، وراداً لقصد الشارع في الانفراد بالتشريع (٢). وذكر الإمام الشاطبي في مواضع أخرى من كتابه الاعتصام أن البدعة إذا بلغت حد الاعتراض على الكتاب والسنة فصاحبها بالتكفير أحق، لأنه حينئذ في حكم المتبعين للهوى بإطلاق، والمتبعين لما تشابه من الكتاب ومن كل وجه وهذا "لا يتأتي .. من أحد في الشريعة إلّا مع رد محكماتها عناداً وهو كفر" (٣). وهذا كله في المبتدع وهو يقصد التقرب إلى الله ويدخل تحت أذيال التأويل (٤). أما الشرع من دون الله فهو منقطع عن الوحي منشئ للحكم مفتر على الله فهو حينئذ أحق وأولى بتلك الأوصاف التي وُصف بها المبتدع. وإنما كان المشرع من دون الله ملزماً بهذه الأوصاف لأنه معرض عن اتباع ما أنزل الله، ملتزم بما شرعه هو لنفسه من أحكام لم ينزل الله بها من سلطان فإذا حكم بهذه

стр. 38

الأحكام الباطلة انتشرت حينئذ البدع والمبادئ المنحرفة والمذاهب الباطلة وظهر الفساد، لأن الذي يحاربها ويطهر الأرض منها هو شرع الله، والمشرع لنفسه معرض عنه. بل إن المشّرعين من دون الله يطمعون في أكثر من ذلك ألا وهو تغير ملة الحق (١)، وقد أشار الإمام الشاطبي إلى الفرق بين التشريع المطلق وبين الهوى الذي يتبعه المبتدع فقال: " .. وقد ثبت أيضاً للكفار بدع فرعية ولكنها في الضروريات وما قاربها" ثم أخذ يعددها إلى أن قال: "حتى صار التشريع ديدناً لهم، وتغيير ملة إبراهيم ﵇ سهلاً عليهم، فأنشأ ذلك أصلاً مضافاً إليهم وقاعدة رضوا بها وهي التشريع المطلق لا الهوى .. " (٢). وبهذا تظهر لنا خطورة التشريع من دون الله وما يؤدي إليه من الانحراف عن شريعة الإسلام، وهو أشد خطورة من البدع الأخرى وإن كان لفظ البدع شاملاً له كما أشار الإمام الشاطبي. ولا تزال آيات القرآن تجلو هذه العقيدة، وتطهرها مما أصابها من الشبهات (٣) .. حتى تستقر في عقول الناس كافة، ويزداد الذين آمنوا إيماناً،

стр. 39

ولا يرتاب منها الدارسون لهذه الشريعة، بل عليهم أن يوقنوا أنها جوهر الإِسلام وحقيقته، وأنها هي الكلمة السواء التي جاء بها الرسل جميعاً (١)، وأن هذه العقيدة هي المفتاح الأول لدراسة الإِسلام عامة ومعرفة خصائص الشريعة الإسلامية بصفة خاصة، وهي الطريق لإِقامة الشريعة الإسلامية والالتزام بها وعدم التقديم من بين يديها ولا من خلفها. وإذا استُعمل هذا المفتاح علم الباحثون -بعد ذلك- أن هذا القرآن شاهد كما أن الرسل جميعاً شاهدون والمؤمنون من بعدهم على أن التشريع حق الله الخالص كما أن الملك -من الخلق والرزق والتدبير والإِحياء والإماتة ... - حقه الخالص أيضاً لا يشاركه فيه أحد سواه، وأن مقام البشر بعد ذلك هو مقام العبودية مقام الطاعة والاتباع والتسليم والإِذعان سواء كانوا من عامة المسلمين أو من المجتهدين فيهم، وبهذه العقيدة يجابه الإِسلام عقائد الجاهلية ويصححها، ويحارب عقائد المبتدعة داخل الأمة. وأكتفي بهذا القدر من نصوص أهل السنة في بيان أهمية هذه العقيدة التي تُعْتَبرُ هي القاعدة لفهم الإسلام عقيدة وشريعة، والتي هي من معنى: "لا إله إلا الله" الكلمة السواء التي دعا لها الرسل جميعاً عليهم الصلاة والسلام، والتي ما وقع انحراف في البشرية إلا بسبب عدم تحقيق ذلك المعنى الذي دعت إليه. فقد انحرفت البشرية قبل بعثة النبي ﵊ فاتبعت اليهود والنصارى ومشركو العرب والفرس والروم والهند أحكاماً وشرائع لم ينزل الله بها من سلطان، فانصرفوا عن عبادة الله، وأخذوا يتصرفون في أعراضهم وأموالهم وأولادهم وديارهم بغير شريعة الله، ويلتزمون في ذلك بما حكمت به عقولهم القاصرة فجاءوا بشرائع وأحكام وعقائد وآراء لا ينالون منها إلّا الشر والفساد

стр. 40

ولا تحول بينهم وبين البدع والخرافة والضلالة والانحراف، وما زالوا على ذلك حتى جاءهم الإسلام يناديهم لهذه العقيدة والشريعة، التي توجب عليهم الاتباع لكل ما جاءهم من عند الله، فآمن من آمن وكفر من كفر، واستقر أمر الجيل الأول من المؤمنين على هذه العقيدة فلم يعودوا يتلَقّون إلا عن هذه الشريعة -كتاباً وسنة- لا يراجعونها في شيء، ولا يقدمون عليها شيئاً، ولا يخلطونها بغيرها من شرائع البشر وأفكارهم، يتلقون منها بصدق ويقين .. فاستقامت حياتهم، واستفادوا العلم والإيمان واليقين والثبات من هذه الشريعة - فلا تغيير ولا تبديل ولا نسخ ولا معارضة - والشريعة تشملهم برحمة الله وحكمته وعدله، قد سجدت عقولهم وقلوبهم وأسماعهم وأبصارهم لأحكامها، فخضعت مجتمعاتهم لحكم هذه الشريعة في جميع مجالاتها، ثم انتشرت هذه العقيدة تبشر الأمم الأخرى وتنذرها فآمن من آمن وكفر من كفر، وكانت الكلمة العليا لهذه الشريعة فحكمت المجتمعات الجديدة كما حكمت المجتمعات السابقة. وأمام هذه الانطلاقة العظيمة لهذه الشريعة نشط المكر وقوي العداء من أبناء الأمم الأخرى الذين لم يؤمنوا بالإسلام .. وكان من مكرهم أن حملوا ثقافتهم وأفكارهم الجاهلية ليغزوا الإسلام بها فانتشرت الأفكار الفلسفية القادمة من الأمم الأخرى .. وتم توزيعها عن طريق الفرق الضالة .. فبدأ الانحراف العقائدي ينتشر ويذكر بالجاهلية الأولى وانحرافها حين اتبعت العقل البشري وضلالته وعبدت غير الله، وقد تلبست الجاهلية الأولى بملة إبراهيم ﵇، وتلبس الفكر الجاهلي القادم من ثقافة اليونان بانتساب المعتزلة إليه (١)، وهي فرقة من الفرق التي انتشرت داخل الأمة الإسلامية، وكان من انحرافها أن جعلت العقل البشرى القاصر طريقاً وحيداً للتعرف على "الحق" فبدأ الفكر عند هؤلاء ينحرف عن أصوله الأولى، ويفقد خصائصه، فلم يصبِح الوحي هو مصدر التلقي عندهم لأنهم بزعمهم لا يستفيدون منه علماً ولا يقيناً، فتغيرت وجهة القوم فبعد أن كانت قبلتهم هذه الشريعة وتلك العقيدة أصبحت قبلتهم

стр. 41

الجديدة عقول الفلاسفة وأسس الفكر اليوناني الوثني الجاهلي (١). فتغير مصدر التلقي وهذه هي أول هزة للمجتمع الإِسلامي - ولو كان انحراف المعتزلة انحرافاً سلوكياً لهان الأمر وقد ينقطع بانقطاعهم، ولكن الأمر أشنع وأنكى، إنه انحراف عقدي أدى إلى تغيير مصدر التلقي عندهم وإثارة الشبه على مصدر التلقي عند الأمة الإسلامية، فبدأ التشكيك فيه من جهة وتمجيد المصدر العقلي عند المخالفين من جهة أخرى، ومهما كان من جهد علماء الأمة في الرد على المعتزلة فإن بقاءهم في داخل الأمة الإسلامية وهم يحملون هذا الانحراف كان له من الأثار السيئة على اتجاه الأمة الإسلامية ما نعاني منه حتى هذه اللحظة. وانظر إلى الفرق الضخم بين عقيدة الصحابة وعقيدة هؤلاء لتعرف مدى الخطورة التي يحملها الفكر الذي بُني على التراث اليوناني الجاهلي. إن أمر التشريع لله كما أن الخلق له، يستوي في ذلك ما صغر شأنه وما عظم في الخلق والأمر، فالخلق خلقه، حبة الزرع وجنة الخلد، والسحاب الذي بين السماء والأرض والكرسي الذي فوقه عرش الله ، والأمر له سبحانه في تحديد مواصفات الحياة الإسلامية على هذه الأرض ابتداء من أحكام الأسرة .. إلى أحكام الدولة .. والأمر أمره في بيان صفاته سبحانه وإنزال كلامه لا معقب لحكمه ولا مغير ولا مبدلْ، له الخلق والأمر - هذه هي عقيدة الجيل الأول رضوان الله عليهم، ومحمد ﵇ مبلغ ومبين ومبشر ومنذر وسراج منير وعبد الله ورسوله. ثم جاء الفكر المنحرف فأقر بالخلق وأشرك العقل في مصدر التلقي - وفي أبعد ما يكون عن إدراكه - أشركه في التعرف على صفات الله .. فبدأ من ذلك الحين مسلك جديد في الفكر والاعتقاد يغذيه الفكر اليوناني على يد الفلاسفة قديماً، وتغذيه المذاهب المادية حديثاً .. وهذه المرة سَهُل على المستشرقين وحملة الفكر الأروبي الدخول لزعزعة صفات الشريعة ومنها الثبات والشمول، والذي

стр. 42

سهّل عليهم ذلك هو الفكر المعتزلي - وإن شئت قل الفكر اليوناني الفلسفي - لأن الفكر الذي تحكم في إدراك صفات الله -فنفى منها ما نفى وأثبت منها ما أثبت كما يريد- هو نفسه الذي نفى من صفات الشريعة ما نفى وأثبت منها ما أثبت في هذا العصر الذي نعيشه. العقل مصدر في تلقي العقيدة كما زعم الفكر اليوناني .. والعقل مصدر لوضع القانون كما زعمت المذاهب الفكرية المعاصرة .. والمعتزلة حملة الفكر القديم وقد رباهم الفكر الفلسفي، والمذاهب المعاصرة وتلامذتها وقد رباهم الاستشراق .. ومهمة التلاميذ قديماً وحديثاً تلبيس المفاهيم الجاهلية بالصورة الإسلامية .. فمن داخل الشريعة الإِسلامية يطالبون بتغيير أحكامها ومن داخلها يشككون في شمولها ويقصرونها على بعض جوانب الحياة، ينفون ما شاءوا ويثبتون ما شاءوا باسم الإِسلام!! وقبل أن ندخل في تفصيلات البحث لنقرر منهج أهل الحق في المحافظة على صفات هذه الشريعة نذكر المخالفين بهذه العقيدة المسلمة البدهية التي عاش عليها الجيل الأول وهي عقيدة الرسل أجمعين: "إن الخلق لله والأمر لله" وأن الذي ينشئ الأحكام وينزّلها ويشرّعها، وينسخ منها ما شاء ويبدّلها بغيرها إذا شاء هو الله لأنه هو الخالق والرازق والمدبر .. فهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله، وإن مهمة البشر هي التلقي والفهم والاستنباط - والتطبيق -لا حسب أهوائهم- بل حسب منهج شرعي تعلمه الصحابة من الرسول ﵊ وتعلمه التابعون من الصحابة وهكذا من جيل إلى جيل تعلمه أهل الحق وعلّموه لمن بعدهم، وحينئذ تستقر صفات هذه الشريعة فلا تبديل ولا تغيير، ويعرف لها الناس منزلتها، فهي شريعة الحكمة والعدل والعلم والرحمة، كما أنها شريعة الثبات والشمول، فقد جاءت بالحق الثابت الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة مما يحتاجه الناس، ودلت عليه، وهذا البحث بيان من أوله إلي آخره لهذه العقيدة. ومن المفيد أن نقول هنا أن هذه العقيدة لو استقرت في قلوب البشر لآمنوا ولرجعت البشرية اليوم إلى الدين الحق وحكمت بهذه الشريعة.

стр. 43

ولو استقرت في عقول الباحثين وقلويهم لما نادى كثير منهم بتغيير الأحكام .. ولما حجر على الشريعة أن تحكم الدولة والاقتصاد والنظام الاجتماعي إلّا إذا تغيرت وتلبست بأحكام الجاهلية الحديثة. فإذا وجدت في كتب الأصول عند المعتزلة أن العقل مصدر للتلقي .. وأن الشريعة لا تفيد العلم فما ذلك إلّا لغياب تلك العقيدة، فلو حجزوا أنفسهم عن تقرير أمور العقيدة بأهوائهم وأخذوها مسلمة من عند الله لكان خيراً لهم. وإذا وجدت من المُحْدَثِينَ من يدعو إلى إبعاد الشريعة عن أمور الحياة كالدولة والاقتصاد .. فما ذلك إلا لغياب تلك العقيدة. ونقتصر على هذه الأمثلة لبيان أهمية إدراك تلك العقيدة وأنه لا بد من التذكير بها والتزامها في منهج البحث العلمي لمن أراد أن يتعرف على الحق أو يجادل عنه بعد معرفته، بل ينبغي لكل إنسان أن يلتزم بمقتضياتها ومنها: ١ - التسليم المطلق بكل ماجاء به الوحي ممثلاً في هذه الشريعة التي بلغها رسول الإِسلام ﵇، مع الاعتقاد الجازم بأن كل حكم فيها هو العدل والحكمة والرحمة والخير. ٢ - الاحتكام إليها في جميع شؤون الحياة، والإذعان لها، بحيث لا يُقدمُ عليها منهج آخر في الحكم، مع المحافظة على أحكامها ومقاصدها من محاولة التغيير والتبديل بشبهة اتباع العقل أو العرف أو اختلاف الزمان والمكان. ٣ - الاعتقاد الجازم بأنها حجة على الخلق كافة في جميع شؤونهم في الدنيا والآخرة. وأن كل ما ثبت منها حجة علينا لا نعارضه بهوى ولا نغيره بشبهة، ولا نقدم عليه شيئاً من أحكام البشر. ٤ - الاعتقاد الجازم بأن البشر أجمعين لا شأن لهم في وضع العقيدة ولا الشريعة ولا قدرة لهم على ذلك، وأن تدخلهم في هذا الأمر هو الشرك والانحراف والفتنة والمفسدة.

стр. 44

الباب الأول الشريعة الإِسلامية ثباتها وشمولها وحجيتها ويشتمل على هذه الفصول: الفصل الأول: الشريعة الإِسلامية والفقه الإِسلامي. الفصل الثاني: المقصود من الثبات والشمول والأدلة على ذلك. الفصل الثالث: الاحتجاج بالأدلّة النقلية.

стр. 45

الفصل الأول الشريعة الإِسلامية والفقه الإِسلامي توطئة: نتحدث في هذا الفصل عن تحديد المقصود من مصطلح "الشريعة" ونتعرف على معناه الشرعي ونبين وجه المناسبة بينه وبين المعنى اللغوي من حيث الثبات والشمول، ويشتمل ذلك على معرفة دلالة هذا اللفظ في الاستعمال القرآني وفي استعمال العلماء بحيث نستطيع أن نتصور ما يدخل تحت مصطلح "الشريعة". وفي المقابل نتحدث عن الفقه الإِسلامي لنتعرف على حقيقته ومنزلته والفرق بينه وبين "علم الكلام" من حيث قوة دلالتهما على "العلم" وحاجة المجتمع الإِسلامي لهما وهو يقوم بمهمة الخلافة في الأرض، وأيهما أحق باسم العلم وأقرب إلى طبيعة الشريعة التي أنزلها الله على رسوله محمد ﵇. ومن جهة أخرى نتعرف على أهم الفوارق بين "الفقه" و"الشريعة" لنتصور مهمة الاجتهاد وحدوده وآثاره الإِيجابية والسلبية على الثبات والشمول. وبهذا نستطيع أن نحدد -بمشيئة الله وتوفيقه- منزلة كل من "الشريعة" و"الفقه" و"الكلام".

стр. 46

المبحث الأول التعريف بمصطلح الشريعة الإِسلامية نتحدث في هذا المبحث عن المعنى اللغوي للفظ "الشريعة" ونتبعه ببيان المعنى الشرعي عند العلماء مع بيان وجه المناسبة بينه وبين المعنى اللغوي. وكل ذلك في مطالب: المطلب الأول المعنى اللغوي " الشريعة في كلام العرب مشرعة الماء. وهي مورد الشاربة التي يشرعها الناس فيشربون منها ويسقون" (١). "والعرب لا تسميها شريعة حتى يكون الماء عداً (٢). لا انقطاع فيه ويكون ظاهراً معيناً (٣) لا يسقى بالرشاء" (٤).

стр. 47

فاصل الشريعة في كلام العرب مورد الشاربة (١)، وقد ذكر بعض الباحثين المحدثين أن الشريعة تطلق ويراد بها معنيان: الأول: مشرعة الماء, والثاني: الطريقة المستقيمة (٢). والذي يظهر مما سبق أن لفظ "الشريعة" يطلق في الأصل ويراد به معنى واحد وهو: "مورد الشاربة" والطريق إليها يسمى الشرع، وهو "مصدر، ثم جعل اسماً للطريق النهج ثم استعير ذلك للطريقة الإِلهية من الدين" (٣). ومعنى لفظ شرع "أظهر" قاله ابن الأعرابي، ومثله قول الأزهري قال "شرع أي بين وأوضح" (٤). وفي الصحاح: "والشريعة الطريق الأعظم" (٥). وهو اختيار الطبري والقرطبي وابن كثير، قال القرطبي: "ومعنى شرع نهج وأوضح وبين المسالك وقد شرع لهم شرعاً أي سنّ" (٦).

стр. 48

وحاصل المعنى اللغوي: أن لفظ الشريعة يطلق على مورد الشاربة، والشرع مصدر ثم جعل اسماً للطريق النهج المستقيم، ومعنى شرع أي سنّ ونهج وأوضح وبين المسالك وكل ذلك فيه معنى الابتداء، قال ابن كثير "الشرعة والشريعة ما يبتدأ فيه إلى الشيء ومنه يقال شرع في كذا أي ابتدأ فيه" (١) فمن ابتدأ في سن أمر وأوضحه وبينه وجعله منهاجاً فقد شرعه. المطلب الثاني المعنى الشرعي استعمل القرآن لفظ "الشرعة" و"الشريعة" باستعمالات متعددة. ١ - أطلق لفظ "الشرع" على "التوحيد". مثاله قوله تعالى في سورة الشورى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ (٢). فالذي شرع هو الله، وقد شرع "التوحيد" وأمر الأنبياء والمؤمنين أن يجتمعوا عليه وأن لا يتفرقوا فيه. ٢ - واستعمل لفظ "الشرعة" في القرآن مراداً به "الفروع" وهي ما سوى التوحيد. مثاله آية المائدة: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ (٣).

стр. 49

وقد وردت هذه الآية بعد خطاب الله لنبيه ﷺ أن يحكم بين أهل الكتاب بما أنزل الله أو يعرض عنهم ثم بين سبحانه أنه قد جعل لكل من أمة محمد وأهل الكتاب شرعة ومنهاجاً أي شريعة خاصة وليس ذلك إلا للفروع وذلك لثبوت الاتفاق على التوحيد عند الرسل جميعاً عليهم الصلاة والسلام، فيؤخذ من آية المائدة أن القرآن استعمل لفظ "الشرعة" وأراد بها "الفروع" وهي الأحكام ما سوى "التوحيد". ٣ - الاستعمال الثالث: إطلاق لفظ "الشريعة" على الأصول والفروع. أي على التوحيد وسائر الأحكام، مثال ذلك ما ورد في سورة الجاثية في قوله تعالى خطاباً لنبيه ﵊: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (١). فالشريعة هنا أطلقت على "الوحي" كتاباً وسنّة، وذلك شامل للتوحيد وسائر الأحكام لأن الرسول ﷺ مأمور باتباع ذلك كله. ومن خلال هذه الأمثلة القرآنية يمكن القول بأن لفظ الشريعة مشترك لفظي استعمله القرآن الكريم باستعمالات ثلاثة، فأطلقه مرة على "التوحيد" ومرة على "الفروع" ومرة ثالثة عليهما معاً، فتكون دلالة اللفظ في الأصل اللغوي على معنى واحد وهو "مورد الشاربة" والطريق إليها يسمى "الشرع" ثم جعل اسماً للطريق النهج. واستعير ذلك للطريقة الإِلهية من الدين، فالطريقة الإِلهية تسمى شرعاً الأصول منها والفروع، ثم استعمل القرآن لفظ "الشرعة" و"الشرع" و"الشريعة" باستعمالات متعددة، فأصبح ذلك مشتركاً لفظياً مع بقاء دلالته في الأصل على معنى واحد، وعلى هذا فإنّ كل ما جاء به الدين يسمى في اللغة "شرعاً" كان من الأصول أو الفروع، ويجوز في الاصطلاح

стр. 50

القرآني أن يطلق لفظ الشرع والشرعة والشريعة تارة على التوحيد، وتارة على الفروع وتارة على الكتاب والسنّة معاً أصولاً وفروعاً. استعمال اللفظ في كلام العلماء: استعمل العلماء لفظ "الشريعة" باستعمالات متعددة وذلك حسب المقام، فمنهم من أطلقها على التوحيد وما سواه من الفروع، ومنهم من أطلقها وأراد بها "التوحيد" فقط، ومنهم من أطلقها وأراد بها "الفروع فقط" وإليك من الأمثلة ما يبين ذلك. أولاً: إطلاق لفظ "الشريعة" على التوحيد. وذلك كما فعل الإِمام الشيخ أبو بكر الآجري حيث سمى كتابه في العقيدة "الشريعة" (١)، ومثله كتاب أبي عبد الله بن بطة واسمه "الإِبانة عن شريعة الفرق الناجية" (٢) أي عن عقيدة الفرقة الناجية، وهذا الإطلاق مشابه للإِطلاق الوارد في سورة الشورى. ثانياً: إطلاق لفظ "الشريعة" على الأحكام العملية فقط وهي "الفروع" التي اختلفت فيها الرسالات السماوية، وقد أشار الإمام ابن كثير إلى هذا المعنى، مثاله: ما ورد في سورة المائدة فقد استعمل القرآن لفظ "الشرعة" وخص بها الأوامر والنواهي والحدود والفرائض، وهو تفسير قتادة ﵁ (٣)، ونقله عنه أيضاً ابن جرير مال: "الدين واحد والشريعة مختلفة" (٤)، وهذه

стр. 51

"الفروع" هي التي لحقها النسخ. وتسمى "شرعة"، وأما التوحيد فلم يلحقه نسخ البتة إذ لا يتصور فيه ذلك، ويدل على ذلك حديث أبي هريرة كما رواه البخاري "قال قال رسول الله ﷺ أنا أولى الناس بعيسى بن مريم في الدنيا والآخرة، والأنبياء أخوة لعلّات (١) أمهاتهم شتى ودينهم واحد" (٢). قال الإِمام ابن كثير عند تفسير آية الشورى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ الآية "أي القدر المشترك بينهم هو عبادة الله وحده لا شريك له وإن اختلفت شرائعهم ومناهجهم كقوله ﷻ : ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ (٣). ثالثاً: إطلاق لفظ "الشريعة" على التوحيد وسائر الأحكام، قال الإمام القرطبي "فالشريعة ما شرع الله لعباده من الدين" (٤)، وقال في موضع آخر: "ولا خلاف أن الله تعالى لم يغاير بين الشرائع في التوحيد والمكارم والمصالح وإنما خالف بينهما في الفروع حسب علمه سبحانه" (٥). وقال شيخ الإِسلام ابن تيمية: "والشريعة إنما هي كتاب الله وسنّة رسول الله ... " (٦) وحكاه عن الأئمة الفقهاء وعامة أهل الحديث (٧)، وهذا

стр. 52

الاستعمال يناسب المعنى الوارد في سورة الجاثية وهو الاستعمال القرآني الثالث. وبعد أن عرفنا أوجه استعمال اللفظ في كلام العلماء نضيف إلى ما تقرر سابقاً أن العلماء استعملوه بتلك الاستعمالات وذلك حسب المقام وكل ذلك جائز. وإذا أردنا بعد هذا كله أن نحدد ما يدخل تحت مصطلح "الشريعة" علمنا أنه التوحيد وسائر الأحكام وهو الاستعمال الثالث، والتوحيد وسائر الأحكام هو عبارة عن الوحي فتكون "الشريعة" هي الكتاب والسنة فقط، مع جواز الاستعمال الأول والثاني لأن "الشريعة" مشترك لفظي كما تقرر، وأما في كلام أهل العلم فبحسب المقام (١)، وقد كثر الاستعمال الثالث في كتب المحدثين (٢)

стр. 53

وهو الاستعمال العام، ثم كل موضع بحسبه ولكل مقام مقال (١). والله أعلم. وجه المناسبة بين المعنى اللغوي والمعنى الشرعي: وأبدأ بذكر ما أشار إليه بعض المحدثين ثم أذكر ما يظهر لي وذلك كما يلي: أشار بعض المحدثين إلى أن الشريعة -التي هي مورد الماء- حياة الأبدان فكذلك الشريعة الإِسلامية حياة النفوس والأرواح، ومنهم من قال إن "مورد الشاربة" سمي شريعة لشروع الناس فيه وكذلك شرائع الإِسلام وذلك لشروع أهلها فيها. ومنهم من قال إن الشرع: هو الطريق النهج الظاهر المستقيم والشريعة الإِسلامية طريق واضح ونهج ظاهر مستقيم لمن أراد معرفة الحق واتباعه (٢). وأضيف إلى ذلك ما يلي: ١ - إن العرب لا تسمي مشرعة الماء "شريعة" حتى يكون الماء عداً لا انقطاع فيه، والشريعة الإِسلامية لا تزال أحكامها شاملة لكل الحوادث المستجدة إلى يوم القيامة لا ينقطع عطاؤها، ولا يزال المجتهدون يجدون فيها كل حكم لكل حادثة. ٢ - "والشريعة الطريق الأعظم". والشريعة الإِسلامية - دون ما سواها من الشرائع البشرية هي الطريق الأعظم الموصل للحياة الطيبة الجامع بين مصالح الناس على التمام والكمال في الدنيا والآخرة.

стр. 54

٣ - إن معنى شرع في كذا أي ابتدأ فيه، وكذلك الشريعة الإِسلامية سميت بهذا الاسم والله أعلم لأن الله هو الذي ابتدأها سبحانه. فابتداء الخطاب من الله -إما لفظاً كالقرآن أو معنى كالسنّة- هو التشريع وسيأتي بيان أن عمل المجتهد وإن كان يكشف عن الحكم ويستنبطه إنما يسمى اجتهاداً واستنباطاً ولا يسمى تشريعاً لأنه لم يبتدئه بل أخذه من الشريعة.

стр. 55

المبحث الثاني تعريف "الفقه الإِسلامي" وبيان الفرق بينه وبين "علم الكلام " وفي هذا المبحث نتحدث عن تعريف الفقه في اللغة والاصطلاح وهل هو من العلم أو من الظن. المطلب الأول تعريفه في اللغة الفقه في اللغة هو الفهم للشيء والعلم به، فمن فهم شيئاً فقد علمه سواء أكان ذلك الشيء ظاهراً أو خفياً. ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (١). ومعنى ليتفقهوا فيه أي ليكونوا علماء به (٢) "وفقه فقهاً بمعنى علم علماً" (٣) وهو دليل على أن الفقه يطلق على "العلم".

стр. 56

والفقه هو مطلق الفهم وقد استعمل القرآن الكريم الكلمة وأراد بها مجرد الفهم وذلك في قوله تعالى: ﴿فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ (١). فالفقه في لغة العرب يطلق على العلم بالشيء ظاهراً كان أو خفياً. المطلب الثاني تعريف الفقه في الاصطلاح وهل هو علم أو ظن للعلماء تعريفات كثيرة للفقه تتفق على بعض القيود، وتختلف في البعض الآخر. والمقصود هنا هو بيان الفرق بين الشريعة والفقه، ويتحقق ذلك بمشيئة الله بإبراز أهم خصائص الفقه من التعريفات التي ذكرها الأصوليون مع بيان ما اتفقوا عليه واختيار الصواب فيما اختلفوا فيه من كون "الفقه" من باب العلم أو الظن. أما مناقشة جميع هذه التعريفات وبيان مؤاخذات بعض الأصوليين على بعض، واختراع تعريفات جديدة للفقه فقد أعرضت عنه وذلك للأسباب الآتية: ١ - إن المقصود يتحقق بدون ذلك والحمد لله. ٢ - ما صرح به ابن الجويني في البرهان من أن الوفاء بشرائط الحدود شديد وحق المسؤول عن ذلك أن يقول أقرب عبارة في البيان عندي كذا وكذا (٢). ٣ - أن "كل هذه الحدود لا تخلوا عن مؤاخذات وأجوبة يطول الكتاب بذكرها من غير طائل" (٣).

стр. 57

٤ - "أولع الكثير بالتعاريف المتكلفة التي تورث العبارة غموضاً والقارئ حيرة .. ولا يكاد يخلص لهم -المقصود هنا الأصوليون- تعريف من الأخذ والرد والواقع أصدق شاهد" (١). ولذلك اخترت طريقة تبعد القارئ عن هذه الحيرة وتأخذ بنا إلى المقصود بعيداً عن التكلف والخوض فيما لا فائدة فيه، وتتلخص هذه الطريقة كما يلي: ١ - ذكر أهم التعريفات عند الأصوليين. ٢ - استخراج القيود المتفق عليها من تلك التعريفات. ٣ - استخراج أهم القيود المختلف فيها، وبيان وجه الحق في اختلاف الأصوليين في كون الفقه من المعلومات أو من المظنونات. ٤ - ثم بعد ذلك أقرر الفروق بين "الشريعة" و"الفقه" وأناقش بعض الآراء منها القديم ومنها الحديث وذلك في فروع: الفرع الأول ذكر أهم التعريفات الأول: ما قاله أصحاب الإمام الشافعي من أن الفقه هو "العلم بالأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية" (٢) وزاد بعضهم في التعريف قيد "المكتسبة" بعد قيد "العملية" (٣).

стр. 58

الثاني: ما ذكره الآمدي حيث قال: "الفقه مخصوص بالعلم الحاصل بجملة من الأحكام الشرعية الفرعية بالنظر والاستدلال" (١). الثالث: تعريف الرازي حيث قال"وفي اصطلاح العلماء عبارة عن العلم بالأحكام الشرعية العملية المستدل على أعيانها بحيث لا يعلم كونها من الدين بالضرورة" (٢). الرابع: وعرفه الفتوحي بقوله الفقه: "معرفة الأحكام الشرعية الفرعية بالفعل أو القوة القريبة" (٣) قال: "وهذا الحد لأكثر أصحابنا المتقدمين" (٤). الفرع الثاني القيود المتفق عليها القيد الأول "الشرعية": وهو قيد ثابت في جميع التعريفات سواء فيما ذكرته أو لم أذكره (٥). والمقصود بهذا القيد إخراج اللغويات والمحسوسات والعقليات، والمقصود بالعقليات: أي ما دل عليه العقل المجرد الذي لا يستند إلى الوحي فهذا ليس من الفقه قطعاً، وعلى هذا فإن الفقه الإِسلامي هو ما اسْتُنْبط من طريق الاجتهاد الشرعي. القيد الثاني: أن الفقه مُسْتَنْبط من "الأدلة الشرعية التفصيلية" والتقييد

стр. 59

بالتفصيلية يقوي المعنى السابق على إخراج ما لم يؤخذ من الأدلة الشرعية، ويخرج أيضاً ما هو مستنبط من الأدلة الإِجمالية كالمسائل الأصولية (١). والقيد الثالث: أن الفقه مخصوص بالعمليات، فقيد "العملية" مخرج للأمور الاعتقادية (٢). القيد الرابع: إن الفقه هو استنباط المجتهدين، وهذا ظاهر في تقيد التعريفات السابقة بهذه القيود "قيد المكتسبة"، قيد "النظر والاستدلال"، كما في الثاني، وبقيد "المستدل على أعيانها" كما في التعريف الثالث، وبقيد "بالفعل أو القوة القريبة" كما في الرابع. ومثلها قول أصحاب الشافعي: "من أدلتها التفصيلية" فإنه لا يأخذ من الأدلة التفصيلية إلا "المكتسب"، و"المستدل" أو "المتهيء لهما" (٣). فالفقه الاسلامي إذاً هو ما استنبطه المجتهدون من الشريعة، أو قل إنْ شئت ما استدلوا عليه بالشريعة فالمعنى واحد، وهذا يؤكد ما دل عليه القيد الأول من أن الفقه الإِسلامي إنّما هو ما اسْتُنْبط عن طريق الاجتهاد الشرعي، ويخرج أيضاً علم المقلد فإنه لا يعد فقهاً مُسْتَنْبطاً من الأدلة، وإنّما هو علم أخذه من المجتهد الذي استنبطه من الشريعة (٤).

стр. 60

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 61

الفرع الثالث استخراج أهم القيود المختلف فيها وهل الفقه من المعلومات أو من الظنيات إن قيد "العلم" الذي جاء في تلك التعريفات يفيد بظاهره أن الفقه علم لا ظن، وإذا علمنا أن الأصوليين اختلفوا في تفسيره احتجنا أن نحدد ذلك ونتعرف عليه، والحاصل أنهم اختلفوا على مذهبين: المذهب الأول: أن الفقه من الظنيات والقطعيات ليست منه، وقد صرح الرازي بهذا المذهب وفسر قيد "العلم" في التعريف بقوله: "العلم بوجوب العمل" فكان تعريف الفقه عنده هو: "العلم بوجوب العمل بالأحكام الظنية" فالفقه من الظنيات، ونحن نعلم قطعاً وجوب العمل بها، وذلك ما جاء في قوله: "فإن قلت: الفقه من باب الظنون فكيف جعلته علماً؟ قلت المجتهد إذا غلب على ظنه مشاركة صورة لصورة في مناط الحكم قطع بوجوب العمل بما أدى إليه ظنه، فالحكم معلوم قطعاً والظن واقع في طريقه" (١). وعلى هذا فقد أخرج الأمور المعلومة من الدين بالضرورة من الفقه كالعلم بوجوب الصلاة والصيام، وعلل ذلك بقوله: "إن العلم الضروري حاصل بكونهما من دين محمد ﵇" (٢). المذهب الثاني: أن الفقه منه المعلوم ومنه المظنون، وهو مذهب الجويني والآمدي وكثير من الأصوليين (٣).

стр. 62

والفرق بين هذا المذهب ومسلك الرازي أن الأخير أخرج المعلوم من الفقه وهؤلاء أثبتوه، وجعلوا الفقه علماً، فما كان علماً فهو داخل في التعريف وماكان ظناً فالمقصود من دخوله في التعريف العلم بالعمل به، وهذا ما جاء في قول الآمدي: "فالعلم احتراز عن الظن بالأحكام الشرعية، فإنه وإن تُجوز بإطلاق اسم الفقه عليه في العرف العامي فليس فقهاً في العرف اللغوي والأصولي بل الفقه العلم بها أو العلم بالعمل بها بناء على الإدراك القطعي وإن كانت ظنية في نفسها" (١)، وقوله: "وإن كانت ظنية في نفسها" الظاهر أنه يرجع إلى القسم الثاني من القسمين المذكورين في قوله السابق وهما: ١ - العلم بالأحكام الفقهية. ٢ - العلم بالعمل بها .. وإن كانت ظنية في نفسها (٢). فعلى هذا التفسير يكون الفقه شاملًا لما هو معلوم وما هو مظنون، وقد وافق القاضي أبو بكر الباقلاني (٣) جمهور الأصوليين فيما ذهبوا إليه، وخالفهم من وجه آخر، ولذلك لا بد من تحقيق مذهبه خاصة أنه شديد الصلة بما نحن فيه. تحقيق مذهب القاضي أبي بكر الباقلاني: يتكون مذهب القاضي من شقين: الأول: أن الفقه ليس مقتصراً على الظن، فقد أدخل المعلوم في الفقه وجعل الظن مقتصراً على الظواهر وخبر الواحد والأقيسة المظنونة. الثاني: يتمثل في مخالفته جمهور الأصوليين في أن الظنون التي تنتجها هذه الأدلة لا مرجح لبعضها على بعض، بل الترجيح بالاتفاق، وليس هناك دليل يوجب ترجيح ظن على ظن.

стр. 63

ولقد نقل عنه الجويني والغزالي مذهبه وناقشه ابن تيمية والجويني، وسأورد من الشواهد ما يثبت ما قدمته آنفاً. ١ - قال الغزالي في المستصفى: "ليس في الواقعة التي لا نص فيها حكم معين يطلب بالظن بل الحكم يتبع الظن وحكم الله تعالى على كل مجتهد ما غلب على ظنه وهو المختار وإليه ذهب القاضي" (١). ٢ - قال ابن تيمية: "وقال الغزالي وغيره ممن نصر قوله -أي قول القاضي - قد يكون بحسب ميل النفس إلى أحد القولين دون الآخر كميل ذي الشدة إلى قول وذي اللين إلى قول، وحينئذ فعندهم متى وجد المجتهد ظناً في نفسه فحكم الله في حقه اتباع هذا الظن" (٢). ٣ - وقال ابن الجويني: "قال القاضي: ليس في الأقيسة المظنونة تقديم ولا تأخير وإنما الظنون على حسب الاتفاقات" ثم ذكر الأصل الذي بنى عليه القاضي مذهبه فقال: "وهذا بناه على أصله في أنه ليس في مجال الظن مطلوب هو تشوف الطالبين ومطمع نظر المجتهدين، قال بانياً على هذا: إذا لم يكن مطلوب فلا طريق إلى التعين وإنما الظنون على حسب الوفاق" (٣). وذكر ابن تيمية أن الأصل الذي بنى عليه القاضي مذهبه هو أن "كل مجتهد مصيب وليس في نفس الأمر أمر مطلوب ولا على الظن دليل يوجب نرجيح ظن على ظن، بل الظنون عنده بحسب الاتفاق" (٤).

стр. 64

وقد أنكر الجويني هذا القول إنكاراً بليغاً وقال ابن تيمية: "وهم معذورون في إنكاره" (١). والذي يظهر من هذه النصوص مجتمعة أن مذهب القاضي أبي بكر أن: الأقيسة المظنونة وما ماثلها من الظنيات لا سبيل إلى ترجيح ظن على ظن إذا اختلفت الأنظار وتكاثرت الظنون على المجتهد إلا باتباع ما تميل إليه النفس حسب الاتفاق. هذا حاصل مذهب القاضي وسأذكر مناقشة الجويني وابن تيمية لهذا المذهب وردهما له. وقبل ذلك أقرر هنا أن ما تحصل من هذه النصوص لا يفيد أن الفقه كله من باب الظنيات -كما قال الرازي- وغاية ما في الأمر أن الأقيسة المظنونة وما ماثلها للقاضي فيها مذهب خاص كما ذكرته آنفاً. والسؤال الذي يحتاج إلى جواب في هذا الموضع هو: أن القاضي أجاب عن تفسير من فسر قيد "العلم" في التعريف بأنه العلم بوجوب العمل (٢)، وعارضه بأن العلم بوجوب العمل حكم أصولي لا حكم فقهي. قال ابن تيمية: "لكم يقال العمل بهذا الظن هو حكم أصول الفقه ليس الفقه هو ذاك الظن الحاصل بالظاهر وخبر الواحد والقياس، والأصول تفيد أن العمل بهذا الظن واجب، وإلا فالفقهاء لا يتعرضون لهذا، فهذا الحكم العملي الأصولي ليس هو الفقه، وهذا الجواب جواب القاضي أبي بكر" (٣).

стр. 65

ويجاب عن هذا: أن اعتبار القاضي أبي بكر ما يقتضيه الظاهر والقياس حكماً ظنياً يجب العمل به قطعاً، مع أنها طريقة تخالف طريقة الرازي كما ذكر شيخ الإِسلام ابن تيمية، فهي كذلك تخالف النتيجة التي توصل إليها الرازي وهي قوله أن الفقه من الظنيات، ولا يُعكّر على هذا ما ذكره القاضي من أن الظاهر والقياس يفيدان ظناً، لأن الأدلة ليست كلها ظواهر وأقيسة، بل فيها النص وفيها المتواتر وفيها الإِجماع المقطوع به. وعلى هذا يمكن أن يكون القاضي من أصحاب المذهب الثاني، فما ينتج عن طريق الظواهر والأقيسة يكون ظناً، وما ينتج عن النص وما في حكمه يكون علماً أي قطعاً، فيشتمل الفقه على المعلوم والمظنون، ويبقى حينئذ الرازي متفرداً بما ذهب إليه وقد نص ابن تيمية على ذلك (١). وعلى هذا التقرير لا بد من تحديد موضع النزاع، فقد تبين من جملة هذه النصوص أن هناك قضيتين متداخلتين: الأولى: أن الفقه كله من الظنيات وهو مذهب للرازي تفرد به. الثانية: أن القاضي صرح بأن ترجيح الظنون بعضها على بعض إنما يكون بالاتفاق ولا مرجح وقد أنكر عليه الجويني وابن تيمية هذا القول والأُولى خاصة بالرازي ولا يشاركه فيها القاضي أبو بكر، مع أن هناك تداخلًا بين القضيتين وقد أبنت عن سببه. وأبدأ هنا بمناقشة الأولى - بعد أن تقرر تفرد الرازي بها وأن الآمدي وغيره لم يخرجوا المعلوم من الدين بالضرورة من الفقه (٢).

стр. 66

الفرع الرابع المناقشة وتقع في ثلاث فقرات: الفقرة الأولى: سبب نشوء هذا القول. الفقرة الثانية: الأسباب التي ساعدت على انتشاره. الفقرة الثالثة: الأدلة على بطلانه. الفقرة الأولى: وأختار ما ذكره ابن تيمية سبباً لنشوء هذا القول فإنه الخبير باصول المتكلمين والعارف بمثالبها، قال في كتابه الاستقامة "إنّ طوائف كبيرة من أهل الكلام من المعتزلة وهم أصل هذا الباب (١) ... ومن اتبعهم من الأشعرية كالقاضي أبي بكر وأبي المعالي وأبي حامد والرازي ومن اتبعهم من الفقهاء يعظمون أمر الكلام الذي يسمونه أصول الدين حتى يجعلون مسائله قطعية ويوهنون من أمر الفقه الذي هو معرفة أحكام الأفعال حتى يجعلوه من باب الظنون لا العلوم، وقد رتبوا على ذلك أصولاً انتشرت في الناس حتى دخل فيها طوائف من الفقهاء والصوفية وأهل الحديث لا يعلمون أصلها ولا ما تؤول إليه من الفساد، مع أن هذه الأصول التي ادعوها في ذلك باطلة واهية كما سنبينه في فروع (٢) " (٣).

стр. 67

ثم ذكر من هذه الفروع: "أنهم صنفوا في أصول الفقه وهو علم مشترك بين الفقهاء والمتكلمين فبنوه على أصولهم الفاسدة حتى أن أول مسألة منه وهي الكلام في حد الفقه لما حدّوه: بأنه العلم بأحكام أفعال المكلفين الشرعية، أورد هؤلاء كالقاضي أبي بكر والرازي والآمدي (١) ومن وافقهم من فقهاء الطوائف كأبي الخطاب (٢) وغيره السؤال المشهور هنا وهو أن الفقه من باب الظنون لأنه مبني على الحكم بخبر الواحد والقياس والعموم والظواهر وهي إنّما تفيد الظن فكيف جعلتموه من العلم حيث قلتم: العلم" (٣) أي في التعريف ثم ذكر مذهب الرازي كما نقلته سابقاً، وبهذا نعلم أن السبب هو اعتقادهم أن العلم مخصوص بدراسة "علم الكلام"، أمّا الفقه فأكثره ظنون كما أشار القاضي وغيره أو كله كما قال الرازي. الفقرة الثانية - الأسباب التي ساعدت على انتشار هذا الرأي: ١ - كثرة التقليد والجهل: إن بعض أتباع المذاهب المشهورة قد ينقل أقوالها ويعتمد على دليل ضعيف من قياس أوظاهر، أو يكتفي كل تابع بنقل المذهب مجرداً عن الدليل إنْ كان حسن الفهم وإلّا نقله على غير وجهه إذا لم يحفظ من المذهب إلّا حروفه، فتطرق الظن والتوهم إلى أذهان كثيرين ممن وقعوا في التقليد ولم يكن ما حصل لهم من الفهم علماً وإنْ كان العالم الذي نقلوا عنه عنده دليل يفيد العلم، ثم قال شيخ الإِسلام منبهاً ومحذراً "وهذا الأصل الذي ذكرته أصل عظيم، فلا يصد المؤمن، العليم عنه صاد، فإنه لكثرة التقليد والجهل والظنون في المنتسبين إلى الفقه والفتوى والقضاء استطال عليهم أولئك

стр. 68

المتكلمون حتى أخرجوا الفقه الذي نجد فيه كل العلوم من أصل العلم لما رأوه من تقليد أصحابه وظنهم" (١). ومما يؤكد ذلك أن من أحكام الفقه ما يعلمه بعض المجتهدين ويقطعون به لعلمهم بالنص ومنهم من يجهله أصلًا، أو يتكلم فيه بنوع من الظن، إمّا لعدم العلم بالنص أو الشك فيه، وإما بعدم فهمه، أو يذهل عنه فيقع الظن بسبب ذلك عند بعض المجتهدين وينقل أتباعهم المذهب على هذه الصورة وتجده عند إمام آخر مقطوعاً به إما لعلمه بالنص، أو لمعرفته لدلالته وقطعه بها .. وهكذا. فهذا الظن في مثل هذا الموضع لا يصبغ الفقه بهذه الصبغة وإنْ كَثُر لأنه في الحقيقة محمول على أسباب خاصة لا يلزم وقوعها لكل مجتهد، فإن من المجتهدين من يتوفر له القطع في تلك المسائل التي وقع فيها الظن عند غيره (٢). ومن نظر في الفقه من زاوية خاصة وقع في تلك الشبه وألحق الفقه بالظنيات وهذا سبب يؤكد السبب السابق. ٢ - انتشار باع المتكلمين فقد كان ذلك سبباً في التوهين من أمر الفقه ووصفه بانه ظن وأن العلم والقطع إنّما هو عند المتكلمين حتى مال كثير من الطلاب لدراسة الكلام والفلسفة فإن النفس تطلب ما هو علم وتنفر مما هو ظن (٣). الفقرة الثالثة - الأدلة على بطلانه: ١ - إن جمغ الفقهاء يذكرون في كتب الفقه الأحكام المقطوع بها مثل وجوب الصلاة والزكاة والحج والصوم واستقبال القبلة ووجوب الوضوء والغسل

стр. 69

من الجنابة وتحريم الخمر والزنى والسرقة واللواط والقتل والفواحش مطلقاً، وكل ذلك مما هو معلوم لا مظنون (١). ٢ - إن غالب أحكام الفقه والحمد لله معلومة، أي أن العلم بها ممكن وإنْ لم يكن حاصلاً لكل أحد بل ولا لغالب المتفقهة المقلدين لأئمتهم (٢). وكثير من العلماء يعلم بالضرورة أن النبي ﷺ سجد للسهو وقضى بالدية على العاقلة (٣)، وأن الولد للفراش، وغير ذلك مما يعلمه الخاصة بالضرورة وأكثر الناس لا يعلمه بتة، فالشيء المعلوم بالضرورة إضافي. فإن الرجل الذي نشأ ببادية أو كان قريب عهد بجاهلية قد لا يعلم ذلك بالكلية (٤)، فكثير مما يعتبره بعض أهل العلم من المظنون إنّما هو باعتبار فهمهم له، وإلّا فإنه من المعلوم عند غيرهم، بل إن أكثر الأفعال أحكامها معلومة وإنْ وقع الظن فيها عند بعض العلماء. وهذا لا يعني أنّ الفقه كله من المقطوع به عند شيخ الإِسلام بل منه ما هو معلوم ومنه ما هو مظنون، يقول "الفقه هو معرفة أحكام أفعال العباد سواء كانت المعرفة علما أو ظناً أو نحو ذلك" (٥). مناقشة مذهب القاضي ومن وافقه: وبعد أن تبين لنا بطلان مذهب الرازي، ننتقل إلى بيان موقف الجويني وابن تيمية من مذهب القاضي أبي بكر، وحاصل مذهبه أن المسائل التي لا نص فيها إنّما يتبع فيها المجتهد ظنه ولا مرجح عنده، إلّا ما أشار إليه الغزالي

стр. 70

-وهو ممن نصر قول القاضي- من ميل النفس إلى أحد القولين دون الآخر كميل ذي الشدة إلى قول وذي اللين إلى قول، وأما الأمارات فليست من المرجحات لأنها لا تفيد علماً (١). وقد أنكر أبو المعالي ابن الجويني هذا القول إنكاراً بليغاً، فقال: إن مذهب القاضي يئول إلى أنه لا أصل للاجتهاد، وكيف يستجيز مثله أن يثبت الطلب والأمر به ولا مطلوب؟ وهل يستقل طلب دون مطلوب مقدّر ومُحقّق؟ ... وقال: " ... فإنّا على اضطرار نعلم من عقولنا أنّ الأولين كانوا يقدمون مسلكاً على مسلك ويرجحون طريقاً على طريق" (٢). وهذا الذي نص عليه الجويني هو مذهب السلف والأئمة الأربعة كما حكاه ابن تيمية حيث يقول: "وأما السلف والأئمة الأربعة والجمهور فيقولون: بل الأمارات بعضها أقوى من بعض في نفس الأمر، وعلى الإِنسان أن يجتهد ويطلب الأقوى فإذا رأى دليلاً أقوى من غيره ولم ير ما يعارضه عمل به ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها" (٣). وقال في موضع آخر: "الظنون عليها أمارات ودلائل يوجب وجودها ترجيح ظن على ظن، وهذا أمر معلوم بالضرورة، والشريعة جاءت به ورجّحت شيئاً على شيء" ثم قال بعد كلام طويل: فقد تبين أن الظّن له أدلة تقتضيه وأنّ العالم إنّما يعلم بما يوجب العلم بالرجحان لا بنفس الظن إلّا إذا علم رجحانه، وأمّا الظن الذي لا يعلم رجحانه فلا يجوز اتباعه، وذلك هو الذي ذم الله به من قال فيه: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ (٤).

стр. 71

فهم لا يتبعون إلّا الظن ليس عندهم علم، ولو كانوا عالمين بأنّه ظن راجح لكانوا قد اتبعوا علماً لم يكونوا ممن لا يتبع إلّا الظن والله أعلم" (١). والذي يتحصل من هذه المناقشة: ١ - الفقه الإِسلامي أحكامه معروفة لعلماء الأمة، منهم من عرفها على سبيل العلم، ومنهم من عرفها على سبيل الظن الذي علم رجحانه. ٢ - الفقه الإِسلامي يشمل الأمور المعلومة من الدين بالضرورة. ٣ - إنّ المجتهد إمّا أن يتبع الأدلة التي يتحصل له منها اليقين فهو حينئذ متبع للعلم، وما ينتج عن ذلك من الفقه يكون علماً، وإمّا أن يتبع الأدلة التي يتحصل له منها اعتقاد رجحان شيء على شيء فهو حينئذ متبع للاعتقاد الراجح وهو علم بالرجحان لا مجرد اتباع الظن وما يتفق للنفس بدون دليل مرجح، وما ينتج عن ذلك من الفقه يكون علماً أيضاً. فالفقه الإِسلامي من المعلوم لا من المظنون. وبعد تقرير هذا المعنى يستحسن التعرف على الأصل العلمي لمصطلح القطعي والظني، لمعرفة صحة ما نسبه المتكلمون لعلمهم "علم الكلام" حيث قالوا عنه إنّه قطعي. الفرع الخامس مقارنة بين "علم الكلام" و"علم الفقه " تبين لنا مما سبق أن الرازي يجعل الفقه من الظنيات ويخص علم الكلام باسم العلم، وهذا بناء على ما شاع بين علماء الكلام ومن تأثر بهم أن "الكلام" من العلم القطعي الذي لا تداخله الظنون لأنه هو الطريق لإِثبات الاعتقاد، ولأن العقيدة لا تداخلها الظنون، بل هي جزم وقطع فإن ما يثبتها (٢) عندهم

стр. 72

وهو "علم الكلام" يتسم بالصفة نفسها، وفي المقابل شاع عن العلوم الأخرى ما يوحي بالتوهين من شأنها ومما نحن فيه علم الفقه. وأناقش المعنى الذي تضمنه هذا المصطلح من حيث اللغة والشرع وموقف السلف وشهادة الواقع، لنرى مقدار ما يحمل من الصحة أو مقدار ما يحمل من الفساد، وقبل البدء في ذلك نشير إلى أنه مصطلح خاص بالمتكلمين. قال أبو الخطاب: إن تخصيص لفظ العلم بالقطعيات هو اصطلاح المتكلمين، والتعبير هو باللغة لا بالاصطلاح الخاص (١)، وننظر الآن في دلالة اللغة والشرع وموقف السلف وشهادة الواقع. ١ - دلالة اللغة: تفيد اللغة أن لفظ العلم يتناول اليقين والاعتقاد الراجح .. ويشملها لفظ المعرفة، والعلم ضد الجهل، ومن عرف شيئاً فقد علم به، سواء عن يقين أو اعتقاد راجح فلا يقتصر لفظ العلم على الدلالة على "اليقين" بل يشمله ويشمل مطلق المعرفة فمن ارتفع جهله بشيء فقد علم به، والعلم بعد ذلك درجات سواء علمه يقيناً أو رجحاناً (٢). ٢ - الاصطلاح الشرعي: فقد ورد لفظ "المعرفة" و"العلم" في مواضع كثيرة في القرآن منها:

стр. 73

(أ) إطلاق لفظ "المعرفة" على العلم فقد وصف القرآن أهل الكتاب بأنهم يعرفون الحق الذي أُنْزل على نبينا محمد ﵊ كما يعرفون أبناءهم، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ (١). فيعلمون أنّ الإله وهو الله وأن النبي هو محمد بن عبد الله (٢)، ويعلمون أن قبلتهم وقبلة أبينا إبراهيم البيت الحرام (٣). (ب) إطلاق لفظ العلم الذي هو ضد الجهل، كما في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ﴾ (٤) وهذا المعنى يؤكد ما ورد في لغة العرب من أن العلم ضد الجهل وما عرفه الِإنسان فقد علم به، والعلم بعد ذلك درجات، منه ما يكون يقيناً كاملاً ومنه ما يكون دون ذلك؛ أي اعتقاداً راجحاً، ودرجات اليقين تتفاوت تفاوتاً كبيراً (٥). (ج) قوله تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ (٦). فقد بينت هذه الآية أن الاستنباط من النصوص -التي مجموعها يمثل الكتاب والسنة- يفيد العلم. والفقه هو "العلم بالأحكام الشرعية العملية المُسْتَنْبطة من أدلتها التفصيلية".

стр. 74

وقد بينت آنفاً أن العلم درجات، والفقه الإِسلامي يشتمل على "العلم" سواء كان هذا العلم علم يقين أو علم رجحان، فتخصيص "الكلام" بالعلم لا دليل عليه من شرع ولا تشهد له اللغة. وننتقل بعد هذا إلى بيان موقف السلف من "الكلام" -الذي يُراد له أن يختص باسم "العلم" ومن أجل ذلك نُزع اسم العلم عن "الفقه"- نعرض موقفهم لنرى أين يصنّفون ما يُسمى بـ"علم الكلام" هل يدخلونه في "العلم" أم يخرجونه من دائرته، وفي ذلك بيان لمنزلة "الفقه الإِسلامي" عند السلف من الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة ومن تبعهم بإحسان. ٣ - موقف السلف منه: إنّ ما يسمى "علم الكلام" الذي انتشر على أيدي بعض الفرق أَمْر حادث قد اجتمع أئمة العلم من السلف على التحذير منه وذم أهله، لأنه يخالف منهج الاستدلال الإِسلامي، الذي يقوم على القواعد الشرعية واللغوية ومقاصدهما وفهم العاملين بهما من الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم، بعكس علم الكلام فإنه مسلك عقلي مجاف لتلك القواعد، أصله الفكر اليوناني الفاسد المنحرف عن شرائع الأنبياء، والفساد لا يؤدي إلّا إلى مثله. واليك أبرز نصوص الأئمة التي نهت عن "علم الكلام": منها: ما نقله أبو حامد الغزالي في كتابه "إحياء علوم الدين" وقد نقله عنه ابن تيمية في كتابه الاستقامة: وفيه أن الناس قد اختلفوا في تعلّم علم الكلام، فقال جميع أهل الحديث من السلف وأئمة الفقهاء أمثال الشافعي ومالك وأبي حنيفة وأحمد بن حنبل وسفيان الثوري، ﵏ جميعاً أن علم الكلام بدعة وحرام (١). ومن أقوالهم لأن يلقى اللهَ العبدُ بكل ذنب ما خلا الشرك خير له من

стр. 75

أن يلقاه بشيء من الكلام (١) وقال رجل للحسن بن زياد اللؤلؤي (٢) أكان زفر (٣) ينظر في الكلام، فقال سبحان الله ما أدركت مشيختنا زفر وأبا يوسف وأبا حنيفة ومن جالسنا وأخذنا عنهم همهم غير الفقه والاقتداء بمن تقدمهم (٤). وقال ابن عبد البر: "أجمع أهل الفقه والآثار في جميع الأمصار أن أهل الكلام أهل بدع وزيغ ولا يُعدّون عند الجميع في جميع الأمصار من طبقات العلماء وإنّما العلماء أهل الأثر والتفقه فيه، ويتفاضلون فيه بالاتقان والميز والفهم (٥). وهذه النقول الثابتة البينة تفيدنا أمرين: الأول: أن علم الكلام بدعة. الثاني: أن جميع أئمة السلف شهدوا بذلك. ونعالج هنا شبهة كَثُر ترديدها مفادها أن ما لم يفعله السلف وأحدثه الخلف لا ينبغي رده لأن السلف لم يفعلوه، وأن البدعة لا تكون محرمة في كل حال. والجواب عن ذلك أن يُقال ليس لازماً أن يكون عمل الخلف هو عمل السلف في كل شىِء. فإن عمل الخلف ينقسم إلى أقسام:
следующие страницы →