فهم لا يتبعون إلّا الظن ليس عندهم علم، ولو كانوا عالمين بأنّه ظن راجح لكانوا قد اتبعوا علماً لم يكونوا ممن لا يتبع إلّا الظن والله أعلم" (١).
والذي يتحصل من هذه المناقشة:
١ - الفقه الإِسلامي أحكامه معروفة لعلماء الأمة، منهم من عرفها على سبيل العلم، ومنهم من عرفها على سبيل الظن الذي علم رجحانه.
٢ - الفقه الإِسلامي يشمل الأمور المعلومة من الدين بالضرورة.
٣ - إنّ المجتهد إمّا أن يتبع الأدلة التي يتحصل له منها اليقين فهو حينئذ متبع للعلم، وما ينتج عن ذلك من الفقه يكون علماً، وإمّا أن يتبع الأدلة التي يتحصل له منها اعتقاد رجحان شيء على شيء فهو حينئذ متبع للاعتقاد الراجح وهو علم بالرجحان لا مجرد اتباع الظن وما يتفق للنفس بدون دليل مرجح، وما ينتج عن ذلك من الفقه يكون علماً أيضاً.
فالفقه الإِسلامي من المعلوم لا من المظنون.
وبعد تقرير هذا المعنى يستحسن التعرف على الأصل العلمي لمصطلح القطعي والظني، لمعرفة صحة ما نسبه المتكلمون لعلمهم "علم الكلام" حيث قالوا عنه إنّه قطعي.
الفرع الخامس
مقارنة بين "علم الكلام" و"علم الفقه "
تبين لنا مما سبق أن الرازي يجعل الفقه من الظنيات ويخص علم الكلام باسم العلم، وهذا بناء على ما شاع بين علماء الكلام ومن تأثر بهم أن "الكلام" من العلم القطعي الذي لا تداخله الظنون لأنه هو الطريق لإِثبات الاعتقاد، ولأن العقيدة لا تداخلها الظنون، بل هي جزم وقطع فإن ما يثبتها (٢) عندهم
стр. 72
وهو "علم الكلام" يتسم بالصفة نفسها، وفي المقابل شاع عن العلوم الأخرى ما يوحي بالتوهين من شأنها ومما نحن فيه علم الفقه.
وأناقش المعنى الذي تضمنه هذا المصطلح من حيث اللغة والشرع وموقف السلف وشهادة الواقع، لنرى مقدار ما يحمل من الصحة أو مقدار ما يحمل من الفساد، وقبل البدء في ذلك نشير إلى أنه مصطلح خاص بالمتكلمين.
قال أبو الخطاب: إن تخصيص لفظ العلم بالقطعيات هو اصطلاح المتكلمين، والتعبير هو باللغة لا بالاصطلاح الخاص (١)، وننظر الآن في دلالة اللغة والشرع وموقف السلف وشهادة الواقع.
١ - دلالة اللغة: تفيد اللغة أن لفظ العلم يتناول اليقين والاعتقاد الراجح .. ويشملها لفظ المعرفة، والعلم ضد الجهل، ومن عرف شيئاً فقد علم به، سواء عن يقين أو اعتقاد راجح فلا يقتصر لفظ العلم على الدلالة على "اليقين" بل يشمله ويشمل مطلق المعرفة فمن ارتفع جهله بشيء فقد علم به، والعلم بعد ذلك درجات سواء علمه يقيناً أو رجحاناً (٢).
٢ - الاصطلاح الشرعي: فقد ورد لفظ "المعرفة" و"العلم" في مواضع كثيرة في القرآن منها:
стр. 73
(أ) إطلاق لفظ "المعرفة" على العلم فقد وصف القرآن أهل الكتاب بأنهم يعرفون الحق الذي أُنْزل على نبينا محمد ﵊ كما يعرفون أبناءهم، قال تعالى:
﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ (١).
فيعلمون أنّ الإله وهو الله وأن النبي هو محمد بن عبد الله (٢)، ويعلمون أن قبلتهم وقبلة أبينا إبراهيم البيت الحرام (٣).
(ب) إطلاق لفظ العلم الذي هو ضد الجهل، كما في قوله تعالى:
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ﴾ (٤)
وهذا المعنى يؤكد ما ورد في لغة العرب من أن العلم ضد الجهل وما عرفه الِإنسان فقد علم به، والعلم بعد ذلك درجات، منه ما يكون يقيناً كاملاً ومنه ما يكون دون ذلك؛ أي اعتقاداً راجحاً، ودرجات اليقين تتفاوت تفاوتاً كبيراً (٥).
(ج) قوله تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ (٦).
فقد بينت هذه الآية أن الاستنباط من النصوص -التي مجموعها يمثل الكتاب والسنة- يفيد العلم. والفقه هو "العلم بالأحكام الشرعية العملية المُسْتَنْبطة من أدلتها التفصيلية".
стр. 74
وقد بينت آنفاً أن العلم درجات، والفقه الإِسلامي يشتمل على "العلم" سواء كان هذا العلم علم يقين أو علم رجحان، فتخصيص "الكلام" بالعلم لا دليل عليه من شرع ولا تشهد له اللغة.
وننتقل بعد هذا إلى بيان موقف السلف من "الكلام" -الذي يُراد له أن يختص باسم "العلم" ومن أجل ذلك نُزع اسم العلم عن "الفقه"- نعرض موقفهم لنرى أين يصنّفون ما يُسمى بـ"علم الكلام" هل يدخلونه في "العلم" أم يخرجونه من دائرته، وفي ذلك بيان لمنزلة "الفقه الإِسلامي" عند السلف من الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة ومن تبعهم بإحسان.
٣ - موقف السلف منه: إنّ ما يسمى "علم الكلام" الذي انتشر على أيدي بعض الفرق أَمْر حادث قد اجتمع أئمة العلم من السلف على التحذير منه وذم أهله، لأنه يخالف منهج الاستدلال الإِسلامي، الذي يقوم على القواعد الشرعية واللغوية ومقاصدهما وفهم العاملين بهما من الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم، بعكس علم الكلام فإنه مسلك عقلي مجاف لتلك القواعد، أصله الفكر اليوناني الفاسد المنحرف عن شرائع الأنبياء، والفساد لا يؤدي إلّا إلى مثله.
واليك أبرز نصوص الأئمة التي نهت عن "علم الكلام":
منها: ما نقله أبو حامد الغزالي في كتابه "إحياء علوم الدين" وقد نقله عنه ابن تيمية في كتابه الاستقامة: وفيه أن الناس قد اختلفوا في تعلّم علم الكلام، فقال جميع أهل الحديث من السلف وأئمة الفقهاء أمثال الشافعي ومالك وأبي حنيفة وأحمد بن حنبل وسفيان الثوري، ﵏ جميعاً أن علم الكلام بدعة وحرام (١).
ومن أقوالهم لأن يلقى اللهَ العبدُ بكل ذنب ما خلا الشرك خير له من
стр. 75
أن يلقاه بشيء من الكلام (١) وقال رجل للحسن بن زياد اللؤلؤي (٢) أكان زفر (٣) ينظر في الكلام، فقال سبحان الله ما أدركت مشيختنا زفر وأبا يوسف وأبا حنيفة ومن جالسنا وأخذنا عنهم همهم غير الفقه والاقتداء بمن تقدمهم (٤).
وقال ابن عبد البر: "أجمع أهل الفقه والآثار في جميع الأمصار أن أهل الكلام أهل بدع وزيغ ولا يُعدّون عند الجميع في جميع الأمصار من طبقات العلماء وإنّما العلماء أهل الأثر والتفقه فيه، ويتفاضلون فيه بالاتقان والميز والفهم (٥).
وهذه النقول الثابتة البينة تفيدنا أمرين:
الأول: أن علم الكلام بدعة.
الثاني: أن جميع أئمة السلف شهدوا بذلك.
ونعالج هنا شبهة كَثُر ترديدها مفادها أن ما لم يفعله السلف وأحدثه الخلف لا ينبغي رده لأن السلف لم يفعلوه، وأن البدعة لا تكون محرمة في كل حال.
والجواب عن ذلك أن يُقال ليس لازماً أن يكون عمل الخلف هو عمل السلف في كل شىِء. فإن عمل الخلف ينقسم إلى أقسام:
стр. 76
١ - ما كان من الأمور المادية العملية كبناء المجتمعات واستخدام إنتاج العلم المادي فهذا أخذ الخلف به -وإنْ لم ياخذ به السلف- أمر واجب أو مندوب شريطة أن لا يكون فيه مخالفة للشرع.
٢ - ما كان من الأمور الدينية الاجتهادية التي نُقل الخلاف فيها عن السلف فهذا لا بأس على الخلف أن يجتهدوا ويتخيروا الأقرب إلى الصواب مما نُقل إليهم من الأفهام.
٣ - ما كان من الأمور الدينية التي نص أئمة السلف على أنها بدعة (١) فهذه لا سبيل إلى المراجعة فيها وجعلها شرعاً وذلك لأنها على هذا النحو لا تكون سنة إلى يوم القيامة.
والدليل على هذا: أن علماء السلف إذا قالوا عن أمر من الأمور الدينية أنه بدعة فقد جزموا بأنه لا شاهد له من الشرع بتة، فلا يمكن أن يستنبط له معنى شرعي أبداً، فالكتاب وهو القرآن لا يشهد له، والسنة بمعناها العام (٢) لا تشهد له، والإجماع لا يشهد له، والقياس الشرعي لا يشهد له، وبالجملة فإنه لا يوجد شيء في الشريعة يشهد له.
وعلى هذا فإن الذين يحاولون إثبات شرعية أمر من الأمور قال أئمة السلف بأنه بدعة إنما يحاولون شططاً، ويتبعون سراباً، فإن أمراً اتفق أئمة السلف على أنه لا شاهد له في الشريعة يستحيل شرعاً أن يجد الناس بعدهم له أصلاً شرعياً، فإذا قالوا عن علم الكلام أنه "بدعة" فهذا يقتضي كونه بدعة إلى يوم القيامة، ومن حاول البحث من الخلف لإِيجاد شاهد له من الشرع فلن يجد أبداً، اللهم إلّا شبهة لا تنفعه في شيء، وهذا المعنى لا ينبغي التنازع فيه إذ أنه يستحيل شرعاً أن يكون شاهد من الكتاب أو السنة أو الإِجماع أو القياس -بما
стр. 77
فيه المصالح المرسلة - على أمر من الأمور ثمِ يقول أئمة السلف عنه أنه بدعة، فإذا وصفوه بذلك فقد جزموا أنه كذلك أبداً.
وهذا له شبيه عند الفقهاء فإن أئمة السلف من الصحابة والتابعين ومن تابعهم إذا نصوا على أن الزني حرام، وعقوق الوالدين حرام، والقذف حرام، فإنه كذلك إلى يوم القيامة، فكما لا يجوز لأحد أن ينظر في الكتاب والسنة والإِجماع والقياس والمصالح المرسلة لكي يجد شاهداً على جواز شيء من ذلك، فإنه لا يجوز لأحد أن ينظر فيها ليجد شاهداً على مشروعية أمر نص السلف على أنه بدعة، وهذا أصل عظيم جداً، ما خالفه أحد إلّا جانبه الصواب ودخل في أودية البدع أو تاه بقدر مخالفته لذلك الأصل (١).
وعليه فإن ما نقله أبو حامد الغزالي وغيره من أن أئمة السلف وصفوا علم الكلام بأنه بدعة يفيدنا يقيناً أنه كذلك إلى يوم القيامة ولا سبيل لإِيجاد شاهد له من الشرع بالصحة، وإن هذا الحكم يشمل بالتالي المصطلحات التي يقوم عليها هذا العلم وذلك لأن العلم لا ينفك عن مصطلحاته، بل هي زبدته وخلاصته، وأن كل ما بني على تلك المصطلحات فهو فاسد أيضاً أو قل إنه بدعة، ومن ذلك ما نحن فيه من إخراج "الفقه" عن مسمى العلم، وإخراج الأحكام المعلومة بالضرورة منه، وكذلك ربط الاجتهاد الناتج عن القياس وخبر الواحد والظواهر بغير الدليل الشرعي وجعله ظناً مبنياً على ما اتفق لنفس المجتهد دون اعتبار مرجح شرعي، وكل هذا الفساد ومثله كثير مما لا يتصل بمسألتنا هذه مبني على ذلك المصطلح الذي أفرزه ما سمّي بـ "علم الكلام" (٢).
٤ - شهادة الواقع: يقال إنّ مصطلح القطعي والظني إنما جيء به للمحافظة على كليات الشريعة وإبعاد الخلاف عن أصولها، وهنا نحتكم إلى
стр. 78
الواقع لنقرر في جزم أن هذه المقالة ليست بصواب، ذلك أنه من العلم الذي لا شك فيه بتة أن هذا المصطلح لا حفظ كليات الشريعة، ولا أبعد الخلاف عن أصولها، بل هو السبب في ذلك، والدليل الذي يثبت ذلك يتكون من شقين:
الأول: أن أصحاب هذا المصطلح من أهل الكلام هم أشد الناس اختلافاً وتنازعاً وتكفيراً وتبديعاً لبعضهم البعض، فإن فرق المتكلمين (١) المختلفة المتباغضة أثبتت بواقعها المشهود أن ما تزعم أنه علم قطعي إنما هو فساد وشر وظنون مرديات وأهواء متقلبات (٢)، أما "الفقه الإِسلامي" كما هو عند الصحابة وأئمة السلف ومن سار على نهجهم وتجافى عن أصول المتكلمين فإنه العلم الحقيقي، بل هو أحق باسم العلم من "الكلام" (٣). فقد غرق علم الكلام في خضم الفلسفات الأجنبية عن الإِسلام وسلم الفقه الإِسلامي من هذه المحنة، يقول د. محمد فوزي فيض الله: "إن الفقه الإِسلامي يمثل الفكر الإِسلامي الأصيل والروح الإِسلامية الأصيلة، فقد ابتنى على الكتاب والسنة وعلى غيرهما (٤) مما أقامه الشارع دليلاً يهتدى به في التشريع حينما لا يوجد نص فيهما.
وقد التزم الأئمة المجتهدون والفقهاء رحمهم الله تعالى هذه الأدلة التي نصبها لهم الشارع فلم يتأثروا في اجتهادهم وفقههم بمؤثرات أجنبية، وكانوا أمناء على هذه الشريعة وهذا الفقه العظيم فلم يدسوا فيه أفكاراً ولا أحكاماً دخيلة، وهذا بخلاف علم الكلام فقد دخلته الفلسفات الأجنبية في مادته وفي صورته وفي طريقة بحثه فانطوت فيه مباحث لا تمت إلى الدين بصلة ولا قرابة، كمباحث ما وراء الطبيعة، ومباحث الجوهر والعرض، والحسن والقبح، وقضايا المنطق وأشكاله وما إليها.
стр. 79
أما الفقه الإِسلامي فقد قام على الكتاب والسنة والأدلة التي نصبها الشارع نفسه لأحكامه فدار الفقه في مدارسه ومذاهبه كلها حول هذه الأدلة دون ما سواها، ومن يرجع إلى كتب الفقه يجد المصنفين التزموا أن يذكروا -في الغالب- إزاء كل حكم دليله من الكتاب والسنة أو الإِجماع أو القياس، ومن قبل أشرنا إلى أن الفقه هو العلم بالحكم الشرعي ودليله من الشرع، وأن الحكم المجرد من الدليل لا يسمى فقهاً بالاصطلاح العلمي الدقيق وإنما هو فتوى وتقليد" (١).
الثاني: أن هذا المصطلح قد أفسد كليات الشريعة خلاف ما كان أصحابه ينتظرون منه، وإليك بعض آثاره التطبيقية لتعلم صدق هذا القول من ذلك:
١ - أنه جعل أحكام الشريعة العملية من الظن لا من العلم.
٢ - أنه وهن من عمومات الشريعة وأغلبها عمومات (٢).
٣ - إنّ نفي التعليل وإنكار القياس إنّما هو بسبب الخوف من آثار علم الكلام (٣).
٤ - أن العقل دخل حكماً مضاهياً للشرع فنفى بعض الأصول العقائدية، ووضع مناهج للنظر فاسدة أدت إلى تغير الأحكام العملية ومن قبلها الأحكام العقدية حتى زعمت المعتزلة - وتبعتها متكلمة الأشاعرة أن أدلة القرآن والسنة ظنية، وما وقع ذلك كله إلّا بسبب علم الكلام (٤)!!!
٥ - أنه هو السبب في انتشار الفلسفة والجدل وانهيار الكليات الشرعية الآمرة بالألفة والمحبة والاجتماع وترك التنازع والفرقة.
стр. 80
ولقد كان موقف السلف من "الكلام" كافياً في درء خطره لو أن أنصاره قاموا وتفكروا في اجتماع أئمة السلف ومنهم مالك وأبو حنيفة والشافعي وأحمد وسفيان وغيرهم على ذم علم الكلام، وهل يُرجى منه حفظ لكليات الدين؟! وفي هذا موعظة لمن أراد أن يتوقى من الانحراف فيحذر من كل ما وصفه أئمة السلف بأنه بدعة.
وإن هذه الشواهد لكفيلة بأن تمنحنا دفعة قوية وعزيمة صادقة لتنقية مصطلحاتنا العلمية من آثار "علم الكلام".
ولنعلم بعد ذلك أن ما يسميه علماء الكلام بـ "العلم" لم يعرفه الصحابة، وأن ما وصفوه بأنه "ظن "علم" وهو "الفقه" هو الأمر المعلوم عند الصحابة رضوان الله عليهم، علموا أحكام أفعال العباد من الوحي، وعلموها للناس، ونشروها، وأخذها عنهم تلامذتهم، وعلموها لمن بعدهم، يعرفونها بأدلتها، ويعلمون وجه ارتباطها بالشريعة علماً بيّناً يفرّقون به بين الحق والباطل ويحكمون به مجتمعاتهم في جميع المجالات ...
وهذا هو العلم الذي بنى عليه الأئمة المعتبرون أمثال مالك وأحمد والشافعي وأبو حنيفة وغيرهم أصولهم، فقد عرفوا الأحكام بأدلتها وانتشر الفقه الإِسلامي على أيديهم في بقاع الأرض، وكانت أحكامه معلومة قطعاً عند الأمة، وخفاء بعضها على بعض أهل العلم لا يلزم منه أن تلك الأحكام ليست معلومة، ولذلك لم يفقد من علم الفقه شيء، ولم يصبح الحق مضيعاً في هذه الأمة بل إن ما يجهله أحد العلماء يعرفه الآخر، وما يعرفه أحدهم على وجه الظن، يعرفه آخر على سبيل العلم وهكذا.
ولما نشأ علم الكلام واشتغل الناس به اتبعوا الظنون والأهواء وتفرقت بهم السبل، حتى حق عليهم قول رسول الله ﷺ فيما رواه أبو هريرة: "تفرقت اليهود على إحدى وسبعين أو اثنتين وسبعين فرقة والنصارى مثل ذلك، وتفترق
стр. 81
أمتي ثلاثاً وسبعين فرقة" (١)، ولا نجد هذه الفرق في الفقه الإِسلامي (٢)، ولوكان ظناً كظنون علم الكلام لافترق الناس فيه ذلك الافتراق الواسع الذي محق الأصول والفروع، ولم يكن الخلاف بين أهل الفقه في بعض الجزئيات يحمل تلك النتيجة التي أفرزها علم الكلام، ذلك أن الفقهاء كانت تجمعهم أصول فقهية عظيمة، ويتفقون على جملة الأحكام الشرعية، فأصول المسائل الدينية بيّنة ظاهرة معلومة لا خلاف فيها، ويبقى الخلاف في بعض مسائل الاجتهاد وذلك لأسباب كثيرة معلومة (٣)، ومع ذلك فإن الصواب لم تجهله الأمة في هذه المسائل بل الحق فيها معلوم وإن اختلف فيها الناس وتفاوتت فيها مداركهم.
وقد شبه الإِمام ابن تيمية الخلاف بين أهل الفقه من أهل السنة بالخلاف في الجزئيات الذي وقع في شرائع الأنبياء، فأصول الأنبياء واحدة في التوحيد وأصول الشرائع، وخلافهم في تلك الجزئيات لا يخرجهم عن مسمى الأمة الواحدة، لأن الأصول الثابتة بالكتاب والسنة والإِجماع هي بمنزلة الدين المشترك بين الأنبياء ليس لأحد خروج عنها، ومن دخل فيها كان من أهل الإِسلام المحض وهم أهل السنة والجماعة (٤)، وذلك كله من بركة اتباع العلم لا اتباع الظن، ووقوع الخلاف في بعض الجزئيات لا يُغيّر من هذا المعنى، ولذلك فإن الفقه الإِسلامي الذي تلقته الأمة عن علماء الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة
стр. 82
المشهورين ومن حذا حذوهم واتبع آثارهم علمٌ أوجب لأهله الهداية والألفة وأبعدهم عن الضلالة والفرقة والظنون، وهذا معلوم من سيرة فقهاء الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة، فإنك لا تجدهم متباغضين متفرقين يتبعون الظن، بل تجدهم متوالين متحابين أهل سنة واحدة في الاعتقاد ومتفقين على فهمهم لأصول الشريعة وإن تفاوتت علومهم وإدراكاتهم لبعض مسائلها الجزئية، وذلك على الضد من حال علماء الفرق الجدليين فإن الخلاف بينهم أشبه بالخلاف بين أهل الشرك من اليهود والنصارى كما أشار إلى ذلك الحديث، فهو خلاف في أصول الشريعة تبعه فرقة وتباغض وتكفير وتبديع واختلاف في أصول الأحكام، وذلك كله ناتج عن مخالفة السنة في الاعتقاد والعمل، واتباع علم الكلام، وشتان بين العلم الذي تورثه هذه الشريعة لأهلها وبين ما ورثه علم الكلام للفرق الضالة (١).
ولعل في هذا تذكرة لمن أراد أن يعرف الفرق بين علم "الفقه" وعلم "الكلام" وأن أصحاب تلك المذاهب المقصّر منها والغالي قد جهلوا حقيقة الفقه، وأوقعتهم مصطلحات علم الكلام في تلك المقالات.
ولا يقال أن "للكلام" منفعة وهي دفع الشبه عن العوام، وقد بين الغزالي أنه ليس له سوى هذه المنفعة (٢).
ولا يمنعني انتشار سلطان المتكلمين في قرون كثيرة أن أقول أن إثم علم الكلام أكبر من نفعه، وقد أشار الغزالي إلى وجوب الحيلولة بين العوام وبين
стр. 83
"الكلام" ولم يستثني إلّا بعضاً منهم أصابته البدعة ولا يمكن رفعها إلّا بالمجادلة، ومع ذلك فقد تحفظ في ذلك خوفاً من شرور علم الكلام (١)، وهو شبيه باستعمال بعض الأئمة له عند ضرورة مناظرة أئمة البدع، وليس له بعد ذلك من منفعة، يقول الغزالي: "وأما منفعته فقد يظن أن فائدته كشف الحقائق ومعرفتها على ماهي عليه، وهيهات، فليس في الكلام وفاء بهذا المطلب الشريف، ولعل التخبط فيه أكثر من الكشف والتعريف، وهذا إذا سمعته من محدث .. ربما خطر ببالك أن الناس أعداء ما جهلوا فاسمع هذا ممن خبر الكلام ثم قلاه بعد حقيقة الخبرة وبعد التغلل فيه إلى منتهى درجة المتكلمين ... " (٢).
وبعد فقد أطلت في إقامة هذا الأصل وتوطيده لأن كثيراً من مسائل البحث الخاصة بمنزلة الفقه الإِسلامي سوف تبنى عليه، ولكل منها موضع يناسبه .. ونسأل الله العون والسداد.
* * *
стр. 84
المبحث الثالث
الفرق بين "الفقه" و "الشريعة "
عرفنا مما سبق أن الشريعة هي "نصوص الكتاب والسنّة"، وأن الفقه هو العلم بالأحكام العملية المجمع عليها والمختلف فيها التي استنبطها المجتهدون من الأدلة الشرعية التفصيلية، وبناء على هذا فإن "الشريعة" غير "الفقه".
وأناقش هنا أموراً، في ثلاثة مباحث:
الأول: جواز إطلاق لفظ "التشريع" على "الاجتهاد" ولفظ الشريعة على "الفقه":
ذلك أنه إذا جاز إطلاق لفظ "التشريع" على "الاجتهاد" فكان "المجتهد" "مُشرعاً" فإنه يجوز أيضاً أن نطلق لفظ الشريعة على "الفقه" لأنه ثمرة الاجتهاد الذي هو عمل المجتهد. والصواب عدم جواز ذلك والدليل عليه أن الأصوليين قد اتفقوا على أن محل "الاجتهاد" (١) هو الأدلة الشرعية، وأن عمل المجتهد
стр. 85
هو الاستنباط والكشف، يُعرف ذلك من النظر في تعريفات الأصوليين، منها:
الاجتهاد "استفراغ الجهد في درك الأحكام الشرعية" (١).
الاجتهاد "استفراغ الفقيه الوسع لتحصيل ظن بحكم" (٢).
الاجتهاد "بذل المجهود في العلم بأحكام الشرع" (٣).
الاجتهاد "بذل المجتهد وسعه في طلب العلم بأحكام الشريعة" (٤).
الاجتهاد "بذل المجهود في استخراج الأحكام الشرعية، فيما لا يلحقه فيه لوم مع استفراغ الوسع فيه" (٥).
الاجتهاد "استنفاذ الطاقة في طلب حكم النازلة حيث يوجد ذلك الحكم" ومصدر ذلك هو الشرع (٦).
الاجتهاد "بذل الطاقة من الفقيه في تحصيل حكم شرعي ظني" (٧).
الاجتهاد "استفراغ المجهود في استنباط الحكم الشرعي الفرعي من دليله" (٨).
والذي يظهر من هذه التعريفات مجتمعةً، أن الاجتهاد الشرعي لا يمكن
стр. 86
تصوره إلّا بوجود المجتهد، وبالرجوع إلى أدلة الشرع. فلا بد من بذل الجهد واستفراغه وهذا عمل المجتهد، ولا بد من وجود أدلة شرعية لرجوع المجتهد إليها، أمران ضروريان لا يتحقق الاجتهاد بدونهما، فالاجتهاد إذاً طريق للكشف عما تضمنته "الشريعة" من أحكام فالمجتهد سواء كان إماماً كأبي بكر ﵁ أو مفتياً كأحد علماء الصحابة ليس له إلّا الكشف عن الحكم وتطبيقه، ولا يملك أي سلطة تشريعية، ومهمته حراسة أحكام الله تعالى من أن تُضيّع أو تُبدّل (١)، ولذلك فإن إقامة الكتاب شرط لطاعة الإِمام في اجتهاده، وكذلك في طاعة المجتهد في قضائه وفتواه، وهذا محل إجماع بين المسلمين (٢).
وفي هذا دليل يؤيد ما ذكرته سابقاً من أن مهمة المجتهد سواء كان إماماً أو قاضياً أو مفتياً هي الاجتهاد في التعرف على حكم الله من مصدره الذي هو الشريعة ثم تطبيقه (٣)، وليس لأحد منهم حق التشريع، وسواء أكان المجتهد فرداً أو جماعة كأهل الحل والعقد وهم المجمعون على أمر من الأمور الشرعية "فالحاكم هو من صدر منه الخطاب وهو الله تعالى، فهو الذي يشرع الحكم
стр. 87
وينشئه وعمل الرسول ﷺ هو تبليغ هذا الحكم إلى الناس، وعمل المجتهدين من بعده هو اقتباس هذا الحكم من الأدلة التي نصبها الشرع لمعرفته" (١).
فعمل المجتهد إذاً لا يتعدى هذه الصورة، فهو إما أن يستنبط الحكم أو يطبقه على الواقعة (٢).
ولهذا نصب د. الأفغاني -في رسالته "الاجتهاد ومدى حاجتنا إليه في هذا العصر"- فصلاً عنوانه "الاجتهاد ليس تشريعاً" قرر فيه -بعد أن بيّن تعريف الاجتهاد وأورد كلام الأصوليين فيه- أن الاجتهاد هو الاستنباط من الأدلة فقال:
"يتضح مما قدمنا من تعريف الاجتهاد أنه ليس بتشريع للأحكام وإنشائها (٣) وأن المجتهد ليس مشرعاً ومنشئاً لها، فإن الاجتهاد هو بذل الجهد من الفقيه في استخراج الحكم الشرعي من دليله الشرعي، والمجتهد هو: الذي يبذل جهده في استخراج الحكم الشرعي من الدليل الشرعي فوظيفته الكشف والإِبانة" (٤).
والآن بعد هذه الدراسة يمكنني أن أذكر أهم الفروق بين التشريع والاجتهاد -وهي مبنية على قواعد متفق عليها كما بينته سابقاً.
١ - إن المشرع -وهو الله سبحانه- منشئ للأحكام، وإن المجتهد مستنبط للحكم وكاشف عنه.
٢ - إن المشرع -وهو الله له الطاعة والاتباع لذاته،
стр. 88
وأن ما سواه في مقام العبودية سواء أكان رسولًا، أو من المجتهدين إماماً أو قاضياً أو مفتياً فرداً أو جماعة فالشارع متبوع والمجتهد تابع.
٣ - أن الشريعة معصومة ورسولها معصوم، والمجتهد ليس بمعصوم إلّا إذا أجمع المجتهدون على أمر من الأمور الشرعية (١).
٤ - أن المشرع لا يُسْأل عما يفعله، والمجتهد يسأل عما يفعل (٢)، ذلك أن الله هو الحق وهو العليم الحكيم.
﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ (٣).
أما البشر فهم غير معصومن إلّا الرسل ﵈.
٥ - أن المشرع له حق النسخ والتبديل -كما كان له حق التشريع- وقد انقطع هذا بانقطاع الوحي - وأما المجتهد فليس له شيء من ذلك لا تغير ولا تبديل ولا نسخ ولا تعطيل، بل عليه الانقياد والإِذعان لحكم الله سبحانه، وذلك فرض على البشر أجمعين.
وبهذا يتضح خطأ بعض الباحثين الذين يقسّمون التشريع إلى قسمين: تشريع ابتداء وهو حق الله، وتشريع ابتناء وهو حق المجتهدين (٤).
والصواب أن عمل المجتهدين لا يسمى تشريعاً ابتناء بل هو اجتهاد مبني على التشريع الذي هو الوحي، وهذا مقتضى المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي للاجتهاد.
стр. 89
ولعل بعض من يذهب إلى هذا التقسيم قد تأثر بما ورد عند بعض المحققين من تجويز إطلاق لفظ "المشرع" على "المجتهد" وتقسيم الشرع إلى ثلاثة أقسام:
الأول: شرع منزل وهو الكتاب والسنة.
الثاني: شرع مؤول وهو اجتهادات العلماء المجتهدين.
الثالث: شرع مبدل "وهو الكذب على الله ورسوله أو على الناس بشهادات الزور ونحوها، والظلم البين، فمن قال هذا من شرع الله فقد كفر بلا نزاع كمن قال أن الدم والميتة حلال، ولو قال هذا مذهبي ونحو ذلك" (١).
وأبدأ بالتعرّف على وجهة نظر الشاطبي وذلك من كتابه الموافقات، عنون الإمام الشاطبي بقوله مسألة "المفتي قائم في الأمّةِ مقام النبي ﷺ " (٢). ثم بيّن أن هذا المقام هو مقام التعليم والإِنذار وتبليغ الأحكام والاجتهاد في استنباطها وتطبيقها على الحوادث.
واستدل على إثبات هذا المقام بأن العلماء هم ورثة الأنبياء كما ورد في الحديث (٣)، فهم ورثته ونائبون عنه في التبليغ كما في الحديث "ألا ليبلغ الشاهد منكم الغائب" (٤) ثم بين خطورة منزلة المفتي حيث ذكر أن الأمة ترجع إلى علمائها ويجب عليها اتباعهم لأنهم يأمرونها بالمعروف، فالعالم الذي يأمر
стр. 90
بالمعروف يجب اتباعه، والمفتي في هذه المنزلة، فلا بد أن يطابق فعلُه قولَه (١) وبنى على هذه المسألة مسألة أخرى بين فيها ما يجب على المفتي ليكون قدوة لغيره وأسوة طيبة (٢).
فالمسألة الأولى في بيان منزلته، والتي بعدها في بيان ما يجب عليه وقد وضعه الشارع في هذه المنزلة.
وتقسيم الشاطبي في بيان منزلة المفتي وأنه وارث مُعَلِّمْ ونائب مُبلّغ لا كلام فيه، ثم قال: "المفتي شارع من وجه، لأن ما يبلغه من الشريعة إمّا منقول عن صاحبها، وإمّا مستنبط من المنقول، فالأول يكون فيه مبلغاً، والثاني يكون فيه قائماً مقامه في إنشاء الأحكام، وإنشاء الأحكام إنما هو للشارع" (٣).
وإلى هنا - فإن النص في غاية الأحكام وهو حاصل ما تقرر سابقاً من أن إنشاء الأحكام إنّما هو للشارع، وأن عمل العالم الوارث لعِلْم النبي هو التعليم والإنذار والتبليغ واستنباط الأحكام وتطبيقها على الحوادث الجديدة، وعمله هذا هو الاجتهاد بالمعنى العام (٤) الذي يجمع ذلك كله.
ثم إنّ الشاطبي عرض بعد هذا التقرير الحسن إلى النظر في جواز إطلاق لفظ "الشرع" على عمل المجتهد، فقال: بعد النص السابق مباشرة "فإذا كان للمجتهد إنشاء الأحكام بحسب نظره واجتهاده فهو من هذا الوجه شارع واجب اتباعه ... " (٥).
والظاهر من عبارة الشاطبي: أنه جزم بأن "إنشاء الأحكام إنما
стр. 91
هو للشارع" على سبيل الحصر ثم قال: "فإذا كان للمجتهد إنشاء الأحكام ... " وهذا فيه شيء من الاحتمال لسببين:
الأول: أنه خلاف ما جزم به من قبل على سبيل الحصر.
الثاني: أنه علّقَهُ بقوله "فإذا كان ... ".
وبهذا يتبين أن الشاطبي يجزم على سبيل الحصر بالقضية الأولى دون الثانية وسبب ذلك أن القضية الأولى مقطوع بها عنده، وإنما ذكر ما بعدها ليبين خطورة منزلة المجتهد وأنه يجب اتباعه لأنه إمّا مبلغ عن الشرع وإما مستنبط منه، ولذلك ختم مسألته بقوله: "وعلى الجملة فالمفتي مخبر عن الله كالنبي (١) وموقع للشريعة على أفعال المكلفين بحسب نظره (٢) كالنبي ونافذ أمره في الأمة بمنشور الخلافة كالنبي ولذلك سموا أولي الأمر، وقُرنت طاعتهم بطاعة الله ورسوله في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (٣) والأدلة على هذا المعنى كثيرة" (٤) وبَيّنٌ في هذا النص أن الإِمام الشاطبي لم يصف المجتهد بأنه منشئ للأحكام وشارع لها، بل وصفه بأنه مخبر ومطبق للأحكام على الحوادث، وتجب طاعته كما تجب طاعة أولى الأمر بشرطها (٥).
وقد سبق جزمه بأن إنشاء الأحكام إنما هو لله، وتعليقه للمسألة بقوله: "فإذا كان للمجتهد إنشاء الأحكام .. " وبهذا يتبين لي أن مقصود الشاطبي
стр. 92
هو ما قرره في آخر النص وإنّما عرض للمجتهد بتلك الطريقة ليبين خطورة منزلته وأن عليه أن يحكم الوحي على نفسه اعتقاداً وعملاً على التمام والكمال، وبهذا يتبين أن تسميته "شارع من وجه" بهذا التقييد إنّما هي تسمية لفظية لا تناقض قوله من أنّ إنشاء الأحكام وشرعها إنّما هو لله سبحانه. هذا من وجهة قصد الإمام الشاطبي ﵀.
وأما من وجهة النظر المطلق في التسمية فإني لا أرى صحتها لا من الناحية اللغوية ولا من الناحية الاصطلاحية وذلك لما بينته سابقاً (١).
ولا يقال لا مشاحة في الاصطلاح إذا سلم المقصد، بل فيه مشاحة وخاصة في المصطلحات التي تختص بالأمور الاعتقادية ومنها مسألتنا هذه (٢) بل إن المشاحة تنبغي فيما هو أهون من ذلك، فإن مخالفة المصطلح للمعنى اللغوي والمعنى الشرعي توجب رده وتصحيحه، أما بالنسبة للتقسيم المذكور في كلام ابن تيمية فهو ليس تقسيماً مستنداً على أصل علمي، بل صرح هو في موضع بأنه مما جرى به عرف الناس وفي الموضع الآخر ذكر أنه مما ورد في كلام الناس (٣)، ولم يصرح بأنه مذهب أحد من أهل العلم.
والصحيح خلاف هذا التقسيم، فأما القسم الأول فإطلاق لفظ الشريعة عليه ظاهر، وأما القسم الثاني وهو آراء العلماء المجتهدين فالذي ينبغي أن يُطلق عليه هو اصطلاح "الفقه الإِسلامي" (٤).
стр. 93
الثاني: مناقشة القول بأن الشريعة والفقه بينهما العموم والخصوص من وجه:
فقد ذهب بعض الباحثين إلى أن "النسبة بين الفقه والتشريع العموم والخصوص من وجه، فيجتمع الفقه والتشريع في الأحكام التي أصاب المجتهد فيها حكم الله ويفترق الفقه عن التشريع في الأحكام التي أخطأ فيها المجتهد، وتفترق الشريعة عن الفقه في الأحكام التي تتعلق بالناحية الاعتقادية والأخلاقية وبقصص الأمم الماضية" (١).
ويُناقش هذا الكلام حسب ما قررته سابقاً، وحاصله أن الشريعة هي نصوص الكتاب والسنة. وإصابة المجتهد للحكم لا تجعله من نصوص الكتاب والسنة بل إن ما أصاب فيه المجتهدون وما أخطأوا إنما هو الفقه، والمؤلف صرح بذلك حيث قال بعد هذا الذي قرره: "أما الفقه فهو آراء المجتهدين من علماء الأمة" (٢).
وهناك من الباحثين من ذهب إلى خلاف الرأي السابق وذكر أن في التسوية بين الفقه والشريعة في إطلاق لفظ أحدهما على الآخر، أو أن يكون بينهما العموم والخصوص من وجه تساهل: ثم قال: "ومرد ذلك هو أن المجتهدين لا يقصدون التشريع باجتهاداتهم وإنما يستهدفون الوصول إلى وجه الصواب في احكام المسائل التي تُعرض عليهم ويرومون محاولة الوقوف على مراد الشارع في كل مسألة اجتهادية لأنهم يؤسسون اجتهادهم على مبادئ الشريعة العامة (٣) وقواعدها الأصولية" (٤).
стр. 94
وعلى هذا الذي اخترته يجب الاقتصار على إطلاق لفظ الشريعة والتشريع الإِسلامي على كلام الله وكلام رسول ﷺ ، وأما ما يستنبطه المجتهدون منهما فهو من "الدين" ومعنى ذلك أنه ملزم للمجتهد ومن تابعه على ذلك (١)، أما من ناحية التسمية فيسمى "الفقه" ولا يشارك الكتاب والسنة في اسم "الشريعة" لأنها إنما وردت خاصة بكلام الله وسنة رسوله ﷺ ، فما أوحاه الله لرسوله ﵇ هو "الشريعة" وما استنبطه المجتهدون منها هو "الفقه".
الثالث: وصف "الفقه" بأنه تشريع إلهي أو بأنه تشريع إسلامي، أو بأنه تشريع إسلامي وضعي:
وقد أشار بعض الباحثين إلى هذا فقال (٢):
"ويطلق على التشريع المستمد من مصدره الإلهي التشريع السماوي بينما يوصف التشريع الذي يسنه الإِنسان بأنه تشريع وضعي وبناء على هذا المعنى فإن التشريع الإِسلامي ينقسم من حيث مصدره إلى قسمين: تشريع إلهي محض: ويشمل القواعد التشريعية المستمدة من النصوص الثابتة كالقرآن والسنة (٣) ... وتشريع إسلامي وضعي ويشمل الاَراء الفقهية الواردة عن الفقهاء المجتهدين ...
وحاصل ما جاء في هذا النص ما يأتي:
١ - أن التشريع السماوي هو المستمد من المصدر الإِلهي.
٢ - أن التشريع الوضعي هو ما يسنه الإِنسان.
стр. 95
٣ - أن القواعد التشريعية من التشريع الآلهي المحض، وأن اجتهادات المجتهدين من التشريع الإِسلامي الوضعي.
٤ - أن معنى إسلامي وضعي -كما ورد في النص السابق عند المؤلف- أي من التشريع الإِسلامي ومن وضع الإِنسان.
والجواب عن هذا القول كما يلي:
أولاً: أن "القواعد التشريعية" هي "من الفقه الإِسلامي" وهي مستمدة من القرآن والسنة فكيف تكون تشريعاً إلآهياً محضاً؛ وقد بينت سابقاً أن الشريعة هي "نصوص الكتاب والسنة" والفقه هو استنباط المجتهدين من الأدلة، والقواعد من الفقه، والكاتب يؤكد على أنه من التشريع المحض وهو خلاف الصواب وخطأ محض.
ثانياً: أما قوله بان الفقه الإِسلامي "إسلامي وضعي" أي من المصدر الآلهي "التشريع السماوي" ومن وضع الإِنسان أي "التشريع الوضعي" فمضطرب جداً، وما يذهب إليه هذا الكاتب مناقض صراحة لإِجماع المسلمين لأن الفقه الإِسلامي مصدره الكتاب والسنة فمنهما يُؤخذ وبهما يُصحح ولا شرعية له بغير ذلك بته، بل لم يكن فقهاً إسلامياً إلّا برجوعه إلى شريعة الإِسلام، فإذا لم يرجع الفقهاء إلى هذين المصدرين الكتاب والسنة فلا عبرة بما يقولونه ولا شرعية له، بل إن ما يذهب إليه البشر من "فهم" لا يستمدونه من هذين المصدرين يعتبر فهماً غير إسلامي، أي لا شرعية له في دين الله، ولهذا كانت القوانين الوضعية وما تزال خارجة عن الشرع الإِسلامي والسبب في ذلك أنها اتستمد من الوحي، فهي ملغية ابتداء (١). فما كان من وضع البشر أي من وضع "العقل" أو كما يسميه الكاتب "التشريع الذي يسنه الإِنسان" أي التشريع
стр. 96
الوضعي لا يمكن أن يسمى "تشريعاً إسلامياً" ولا "فقهاً إسلامياً". وحينئذ يمكن أن نتصور هذا الاضطراب الشديد، والاختلال في الفهم عندما نقول عن "الفقه الإِسلامي" الذي هو مستنبط من الأدلة الشرعية بالإِجماع أنه "تشريع إسلامي وضعي"!!
والحق أن الفقه الإِسلامي فقه مستمد من الشريعة، وقيد الشرعية في نعريفه متفق عليه كما أسلفنا (١) ولا صلة له بالتشريع الوضعي، ولا يجوز لأحد أن يصفه بأنه "إسلامي وضعي"، فهذه عبارة خاطئة، ومناقضة لتعريف "الفقه الإِسلامي" وحقيقته، ولا بأس بالتذكير بأقوال بعض أهل العلم وإن كان ما ذكر سابقاً كافياً في الرد على مثل هذه الآراء، قال ابن تيمية: "وليس لأحد من المجتهدين غرض في أن يثبت للأفعال أحكاماً باعتقاده ولا أن يشرع ديناً لم يأذن به الله ... وإنما مطلوبه أن يعتقد حكم الله ودينه" (٢) فـ "الفقه اسم للعلم الحاصل للمجتهدين المستنبطين للأحكام من أدلتها التفصيلية" (٣).
وأذكّر هنا أيضاً بما قلته سابقاً من أن تحديد المصطلحات أمر ضروري وكذلك ربطها بمعناها اللغوي والاصطلاحي دون مجاوزته، حتى تستقيم المصطلحات وتستقر المعاني الشرعية، ويسد الباب سداً محكماً في وجه التأثيرات الفكرية للمذاهب المخالفة للإِسلام (٤).
стр. 97
ولا بأس هنا من التنبيه على ما أشار إليه البعض من مقارنة خفية بين الفقه الإِسلامي والقوانين الوضعية، فقال عن "الفقه الاسلامي" وله صفة الشمول ولكن على نحو أقل مما للشريعة وأكثر مما للقوانين الوضعية" (١).
وهذا القول غير صواب لأن الفقه مظهر من مظاهر الشمول (٢) لهذه الشريعة فكما لا يجوز عند هذا الباحث أن تقارن الشريعة الإِسلامية من حيث شمولها بالقانون الوضعي، فكذلك الفقه (٣)، لأنه ثمرة من ثمارها فهي قاعدة له وأصل وهو ثمرة لها وفرع.
والحاصل أن إدراك خصائص الشريعة وخصائص الفقه الإِسلامي أمر ضروري جداً لكي نخلص من التأثيرات الفكرية للمذاهب المعاصرة، ولكي نبتعد ونحذر من الوقوع في الخلط بين خصائص الفقه الإِسلامي والقوانين الوضعية حتى مجرد شعورنا بتقارب طبيعتهما وأهدافهما.
وبعد هذه الدراسة يتبين لي الأمور التالية:
١ - أن الشريعة هي الوحي كتاباً وسنة، والفقه أفهام المجتهدين.
٢ - أن الشريعة معصومة، لأنها هي الوحي، والوحي بقسميه الكتاب والسنة معصوم، أما الكتاب فلأنه كلام الله، وأما السنة (٤) فلأنها وحي من عند الله معنىً، واللفظ من عند رسوله ﷺ .
стр. 98
٣ - أن الفقه الإِسلامي علم يشمل مسائل الإِجماع والخلاف.
٤ - أن الفقه الإِسلامي غير معصوم من الخطأ في مسائل الخلاف وأما مسائل الإِجماع فهي معصومة وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله.
٥ - أن الفقه الإِسلامي مصدره الشريعة كتاباً وسنة، وقيد "الشرعية" متفق عليه بين الأصوليين، فهو يستمد شرعيته من الإِسلام، بخلاف القوانين الوضعية وغيرها من الأفهام البشرية.
* * *
стр. 99
الفصل الثاني
المقصود من الثبات والشمول والأدلّة على ذلك
تمهيد وتوطئة:
إن جيل الصحابة - رضوان الله عليهم - قد أدرك صفات هذه الشريعة وآمن بها إيماناً لم يبلغ قمته جيل آخر من أجيال المسلمين، ويرجع ذلك إلى أنهم أوفر الأجيال حظاً في العربية والقدوة، فقد انطلقت دعوة التوحيد على لسان الرسول ﷺ وهو يتلو القرآن معرفاً الناس بربهم الواحد سبحانه، وأنزل الله سبحانه في هذا القرآن أكثر من الثلثين من آياته كلها تتحدث عن التوحيد (١)، وأخذ الرسول ﵊ في تبليغ هذه الدعوة على تلك الطريقة الربانية والصحابة - رضوان الله عليهم - أشد ما يكونون تأثراً بها واستجابة لها.
وكان من معالم تلك الطريقة الحديث الواسع المستمر عن صفات الله ، وتجديد معرفة الناس بهذه الصفات وتذكير الفطرة بها وإزالة الشبهات عنها، واستمرار الخطاب والتربية على ذلك حتى تصح معرفة الناس بربهم وتتعمق وترسخ فيستقر الإِيمان في القلوب في رضى وطمأنينة وقبول لأحكام هذه الشريعة ويتحقق الاستسلام لها والإِذعان، فتارة يحدثهم القرآن عن
стр. 100
قدرة الله التي ليس كمثلها شيء، ويستدل على ذلك بما في هذا الكون من مشهد السماء المرفوعة بغير عمد والأرض الممهودة، والجبال المنصوبة، والزروع والثمار، والشجر والدواب، والبحار والرياح، والشمس والقمر، والليل والنهار، والأحياء والأموات، والقبض والبسط، والتصريف والتدبير، كل ذلك في نظام محكم دقيق لا تدبره وتُمْسكه إلّا قدرة عظيمة لا يمكن للعقل أن يتصور حدودها حيث لا يعجزها شيء ولو لم تُمْسِكْهُ تلك القدرة العظيمة لانفرط عقد هذا الكون وانقطع التصريف والتدبير وانقطعت الحياة على الأرض:
﴿إِنَّ اللهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ (١).
﴿وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (٢).
فمن علم ما في هذا الكون من مشاهد وأيقن أنها تحتاج إلى تصريف وتدبير بعد الإِيجاد والخلق والحفظ عرف من قدرة الله سبحانه ما يحمله على الإِيمان بها وبصفة أخرى تلازمها وهي صفة العلم المحيط الذي لا يند عنه شيء في الأرض ولا في السماء، إذْ لا يتحقق ذلك التصريف والتدبير والحفظ إلّا عن طريق علم واسع محيط لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض.
وجميع المشاهد في الأرض تدل على ذلك، فكما عرض القرآن تلك المشاهد الأنفة الذكر على العقل البشري وهز بها الوجدان البشري ليقرر حقيقة القدرة التي ليس كمثلها شيء ولا يعجزها شيء .. كذلك استحدم المشاهد نفسها ليقرر حقيقة العلم الذي ليس كمثله شيء ولا يند عنه شيء. فالسماء المرفوعة
стр. 101
بغير عمد بجميع مجراتها تحتاج إلى علم واسع محيط يُدبرها ويصرفها .. والرزق الذي ينزل من السماء يحتاج أيضاً إلى ذلك العلم الواسع المحيط، فالمطر ينزل على الأرض بِقَدَرٍ معلوم ويحفظ فيها بقدر معلوم، والرياح تُسيّرهُ إلى بقاع الأرض المختلفة بقدر معلوم .. ويجتمع هذا النوع من الرزق وغيره كثير في هذه الأرض بقدر معلوم.
وكل هذه الدلائل تدل على أن الله هو الإِله المتصف بجميع صفات الكمال لا يستحق العبادة إلّا هو ولذلك استنكر القرآن على الكفار إعراضهم عن هذه الدلائل البينات كما قال تعالى:
﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (١٠) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ (١).
وهنا تظهر آثار التقدير والتدبير في الدلالة على صفات الله العليم الحكيم ومثل هذه الآيات قوله تعالى:
﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ﴾ (٢).
وقوله سبحانه: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ (٣).
والخَلْق بعد ذلك الذي قدّر الله له أن يعيش على هذه الأرض يعيش
стр. 102
بقدرات متفاوتة وصور مختلفة، وألسنة مختلفة، وآجال محددة، وكل ذلك بقدر معلوم، يقرره ويقدّره ذلك العلم الواسع المحيط:
﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (١).
وما يحتاجه ذلك الخلق مما يعقل ومما لا يعقل من أنظمة كونية ثابتة راسخة تتحقق بها الحياة على الأرض وتتيسّر وتعيش بها الأحياء من أناس ودواب وغير ذلك من خلق الله، كل ذلك جعله الله في هذا الكون مستقراً إلى يوم القيامة بقدر معلوم، وهو من أعظم آياته كما قال تعالى:
﴿إِنَّ اللهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٩٥) فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٩٦) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (٢).
ثم تحدثت الآيات عن طبيعة هذا الإنسان:
﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾ (٣).
وهذا الإنسان الذي كرمه الله وجعل منه قبائل وشعوباً جعل له نظاماً خاصاً لسمعه وبصره وعقله وقلبه وجميع جوارحه يستعين به على إقامة الخلافة في الأرض وتعميرها .. وكل ذلك بقدر معلوم، وقد عرض القرآن هذه الآية على العقل والقلب البشري ليؤمن:
стр. 103
﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٢٠) فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (٢١) إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢٢) فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ (٢٣) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ (١).
ثم أرسل له رسله وأنزل كتبه لكل جيل من الأجيال يُعلّمُه ما يحتاج من عقائد وقيم وأخلاق وأحكام وكل ذلك بعلم واسع محيط.
وختم ذلك بإرسال رسوله محمد ﵊ بشريعة الإِسلام لِيُعلّم هذا الإِنسان جميع ما يحتاجه من عقائد وقيم وأخلاق وأحكام في كل قطر وعصر وحال، ما يختص به وحده وما يخصه مع الجماعة في السر والعلن والظاهر والباطن، كل ذلك بقدر معلوم، يقرره ويقدره ذلك العلم الواسع المحيط.
وقد استمر منهج التربية الإِسلامية يذكّر المؤمنين بهذه الآيات التي تدل على "الصفات" ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم، فإلآههم هو الله الذي خلق كل شيء وأحاط علمه بكل شيء وقدّره تقديراً ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، ومن جهة أخرى استمر "الوحي" في إقامة الحجة على الكافرين في مثل قوله تعالى:
﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (٢) وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا﴾ (٢).
وفي هذه الآيات تبرز طريقة القرآن في الدعوة فقد ذكر من صفات الله سبحانه - الخلق والتفرد بالملك، والغنى عن الخلق والتدبير والتقدير - ما يحمل القلب البشري على طاعة هذا الإِله واتباع شريعته .. وفي المقابل أثبت صفات
стр. 104
العجز والحاجة والافتقار لمن يتبعهم الكفار -من دون الله أو مع الله- وهذا المنهج في الدعوة والتربية إذا استعمل على هذا النحو وعرض على القلب البشري فإنه لا بد أن تزول عنه الجهالة ويبصر الحق فإن رغب (١) في اتباعه سجد قلبه لعظمة هذا الخالق سبحانه ثم تسجد جوارحه بعد ذلك لكل ما يجيء من عند الله.
تسجد وقد شهدت هذا الإِعجاز والإِبداع في خلقه سبحانه لهذا الملكوت العظيم ويزداد إيمانها بهذا الإعجاز والإِبداع بعد أن تشهد ثباتهما وشمولهما لكل ذلك الملكوت وما فيه من مخلوقات.
ثم تسجد مرة أخرى لشريعة الله فتشهد فيها ذلك الإِعجاز والإِبداع كما شهدته في ذلك الملكوت في ثبات وشمول.
وقد استطاع منهج التربية القرآنية أن يعرف الناس بصفات الله على هذا النحو حتى أخرج خير أمة للناس تتمثل في الجيل الأول ومن تبعه بإحسان، فأدرك الناس هذه المعاني وشهدوها بعقولهم وأسماعهم وأبصارهم وقلويهم فاستسلموا لكل ما يجيء من عند الله، معرضين عما سواه، مطمئنين لمظاهر الإِعجاز في هذه الشريعة والثبات والشمول لكل ما يحتاجونه لإِقامة الخلافة على الأرض، وقد آمنت قلويهم بهذه الحقيقة وأعرضوا عما سواه -أمام الحديث المستمر الذي حققه منهج التربية القرآني- قبل أن تنزل تلك الأحكام التفصيلية، فلما نزلت ازدادوا إيماناً مع إيمانهم، فأقاموا الخلافة في هذه الأرض تحكمها هذه الشريعة المعجزة المبدعة وسط هذا الملكوت المعجز المبدع، وشعار ذلك الإِعجاز الإِبداع والشمول والثبات.
وهذا شيء يسير يصّور لنا منهج التربية الذي تربى عليه ذلك الجيل فأدرك أول ما أدرك صفات الإِله المعبود بحق على الكمال والتمام وحمله ذلك على تحقيق توحيد الألوهية فآمن وأذعن واستسلم لشريعة الله الواحد القهار
стр. 105
وهو يعرف حق المعرفة صفاتها -صفات الكمال- فلم تدع شيئاً من حياته إلّا حكمته ولم يدع شيئاً من أحكامها إلاّ خضع له، فكانت الشريعة الثابتة الشاملة وكان الجيل القدوة لكل الأجيال:
﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (١).
نعم لو شاء الله سبحانه لهدى الناس أجمعين، ولكنه أراد أن يبتلي عباده ويختبرهم ليكون الجزاء على ما يقع منهم .. وجعل الهداية محتاجة من الإِنسان إلى تسبب يقع منه فبقدر ما يبذل البشر من جهد للاستقامة وبقدر ما يصبرون عليها يكون نصيبهم منها، ولقد بلغ الصحابة - رضوان الله عليهم - في بذل الجهد والصبر على الاستقامة والمحافظة عليها مبلغاً لم يبلغه جيل آخر من أجيال المسلمين، فكان لهم من السلامة في الاعتقاد وإقامة الخلافة ما جعلهم قدوة لمن بعدهم، بل وجعلهم الحجة على الخلق بعد كتاب الله وسنة رسوله (٢)، ولقد نعلم أن خيار هذه الأمة سلّموا الأمانة كاملة إلى الجيل الذي بعدهم .. وما زالت الأمة في سلامة في الاعتقاد مجتمعة على إقامة الخلافة في الأرض .. حتى بزغت الأهواء - عند قوم لا خلاق لهم جاءتهم تلك الأمانة - وهم لم يجهدوا فيها شيئاً فردوها ولم يأخذوها نقية صافية فالتفتوا إلى مناهج أخرى يلتمسون فيها النور والحق، بهرهم زخرفها فوقعوا في مخالفة الصحابة واستدبروا منهج الصفاء والنقاء الرباني الذي عاش عليه ذلك الجيل القدوة وهو يتعرف على صفات إلآهه ومعبوده، ومن ثم يتعرف على صفات شريعته .. فأصابهم من الضلال ما جعل تفكيرهم سفسطة وجدلاً، وحياتهم من ثم مزرعة للبدع ومتاهة يضيع فيها الجهد النفسي والعقلي ولتكون نقلتهم الأخيرة نقلة بعيدة عن منهج التلقي عند الجيل الأول، استقر عليها بعد ذلك مسلكهم في التربية والتأليف .. وكان على قمة القيادة لأهل الأهواء -في هذا الشأن- طائفة المعتزلة، ولم يلتفتوا إلى مثل قوله تعالى:
стр. 106
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (١).
والصادقون هم أصحاب رسول الله ﷺ ، فأبوا إلّا مخالفتهم فذاقوا وبال أمرهم .. وأصاب المجتمع الإِسلامي بسبب تغييرهم وتبديلهم وتلقيهم من روافد خارجية وعدم اكتفائهم بالوحي فتن أشدها الاضطرابات الفكرية .. ولولا أن قيّض الله لهذا الدين من ينفي عنه تأويل وتحريف أهل الأهواء ويذكّر المسلمين بثبات هذا الدين عقيدة وشريعة وكفايته عن جاهليات الأرض لعصفت تلك الأهواء بالمجتمع الإِسلامي، وقد كان من آثارها أن انشغل الناس بما يضرهم ولا ينفعهم وذهب جهد المصلحين في درء هذا الخطر الجديد -ولو أن المجتمع الإِسلامي سلم من شر الأهواء والفتن لتوفّر جهد المصلحين وانطلق بالأمة لنشر الحق في الأرض- ومن يدري فلعل هذا الجهد لو سلم من تلك العقبات لكفى في إقامة الخلافة في جميع بقاع العالم .. ولكن الأمر كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (٢).
ولقد استمر المجتمع الإِسلامي في أداء مهمته ومتابعة الجيل الأول وإنْ لم يبلِغ مبلغه .. وما زالت الأهواء يحرسها الشيطان ويربي لها أتباعه فهي تَكْمُن حيناً وتظهر حيناً آخر لعلها تجعل الانحراف أصلاً وخاصة بعد أن جاءت ثقافات الأمم الجاهلية المتمثلة في المذاهب الفكرية المعاصرة تنادي بتغيير الدين وتبديله وتدعوا للتلقي من روافد خارجية عن الإِسلام -تتمثل في المذاهب المعاصرة وأنظمتها الوضعية- التي يُطلق عليها "الغزو الفكري" فجاء الغزو الحديث يريد أن يسعى لتغيير المفاهيم والأحكام كما سعى من قبل الغزو القديم فغير منهج التلقي عند أتباعه في قاعدة هي عمدة المنهج القرآني في التربية ألا وهي تذْكِير الناس بصفات الله سبحانه وصفات شريعته .. فإلى الحديث عن معنى الثبات والشمول في الشريعة، وتجلية موقف السلف من المفسرين والفقهاء والأصوليين من خلال دراسة بعض الآيات القرآنية والقواعد المقررة من الشريعة.
* * *
стр. 107
المبحث الأول
المقصود من الثبات والأدلة على ذلك
وفيه مطالب:
المطلب الأول
معنى الثبات في اللغة
جاء في لسان العرب: "تقول ثبت الشيء يثبت ثباتاً وثُبوتاً فهو ثابت" (١). وكل ذلك مأخوذ من الثبات، وجاء في الصحاح للجوهري: "ثبت الشيء ثباتاً وثبوتاً وأثْبَتَهُ غيره وثبّته بمعنى" (٢) .. ومنه قولهم: "قول ثابت" (٣).
قال ابن القيم: "ومادة التثبيت أصله ومنشأه من القول الثابت .. والقول الثابت هو القول الحق والصدق وهو ضد القول الباطل الكذب، فالقول نوعان:
ثابت له حقيقة، وباطل لا حقيقة له، وأثبت القول كلمة التوحيد ولوازمها" (٤).
فقول الله سبحانه وقول رسول الله ﷺ هما الحق الثابت الذي لا يتغير ولا يتبدل، وقد ختم الله سبحانه شرائعه بهذه الشريعة التي أرسل بها نبيه - عليه
стр. 108
الصلاة والسلام -، فأحكمها سبحانه فهي موصفة بصفة الثبات والبقاء" (١).
هذا ما ورد في اللغة عن معنى الثبات، وهو المعنى الشرعي الذي أقصده هنا، فما جاء به الوحي من عند الله سواء باللفظ أو المعنى دون اللفظ وانقطع الوحي عن الرسول ﷺ وهو لم ينسخ فهو ثابت محكم له صفة البقاء والدوام لا تغيير له ولا تبديل، وهو كذلك أبداً إلى يوم القيامة، وإليك الأدلة في المطالب الآتية.
المطلب الثاني
الدليل الأول على ثبات الشريعة
قوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (٢).
قال الإِمام ابن كثير ﵀ مبيناً معنى هذه الآية: "صدقاً فيما قال وعدلاً فيما حكم، يقول: صدقاً في الأخبار وعدلاً في الطلب، فكل ما أخبر به فحق لا مرية فيه ولا شك وكل ما أمر به فهو العدل الذي لا عدل سواه، وكل ما نهى عنه فباطل، فإنه لا ينهى إلّا عن مفسدة، كما قال تعالى:
﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (٣). إلى آخر الآية.
﴿لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ أي ليس أحد يعقب حكمه تعالى لا في الدنيا ولا في الأخرة، ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ﴾ لأقوال عباده ﴿الْعَلِيمُ﴾ بحركاتهم وسكناتهم الذي يجازي كل عامل بعمله" (٤).
وهذا الحق والصدق والعدل الثابت التام الذي لا مبدّل له والذي تمثله هذه "الشريعة الربانية" يقابله الضلال والظنون والباطل الذي تحمله شرائع
стр. 109
البشر وأهوائهم. فبعد أن قرر الله سبحانه أن كتابه هو الحق الثابت الذي لا مبدّل له. بيّن سبحانه أن أكثر أهل الأرض لا يتبعون إلّا الظن والأوهام والباطل والضلال.
﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ (١).
وهذا الظن والوهم باطل وضلال لا قرار له ولا ثبات.
وترجم الأستاذ سيد قطب هذا المعنى في تفسيره فقال: "لقد تمت كلمة الله سبحانه صدقاً فيما قال وقرر، وعدلاً فيما شرع وحكم فلم يبق بعد ذلك قول لقائل في عقيدة أو تصور أو أصل أو مبدأ أو قيمة أو ميزان ولم يبق قول لقائل في شريعة أو حكم أو عادة أو تقليد ...
إنه ليس "المجتمع" هو الذي يُصْدر هذه الأحكام وفق اصطلاحاته المتقلبة ... ليس المجتمع الذي تتغير أشكاله ومقوماته المادية فتتغير قيمه وأحكامه ... حيث تكون قيم وأخلاق للمجتمع الزراعي، وقيم وأخلاق أخرى للمجتمع الصناعي، وحيث تكون هناك قيم وأخلاق للمجتمع الرأسمالي البرجوازي، وقيم وأخلاق أخرى للمجتمع الاشتراكي أو الشيوعي ... ثم تختلف موازين الناس وموازين الأعمال وفق مصطلح هذه المجتمعات!
الإِسلام لا يعرف هذا الأصل ولا يقره .. الإِسلام يعين قيماً ذاتية له يقررها الله - سبحانه - وهذه القيم تثبت مع تغيّر "أشكال" المجتمعات" (٢).
هذا هو الأصل الذي يقرره القرآن، وهذه هي العقيدة التي يتميز بها الإِسلام عن سائر المذاهب البشرية، وتتميّز به شريعته كذلك عن سائر القوانين
стр. 110
البشرية ... إن البشر وهم يضعون الأحكام لا يدركون طبيعتهم ولا حقيقة الفطرة ولا حقيقة الإِنسان ولا حقيقة الكون ومن ثم تحملهم الظنون والأوهام فيضعون الأحكام التي تحكم الإِنسان والمجتمع على غير علم ولا بصيرة .. ويلجؤون أمام هذا الوهم والظن والجهل إلى تغيير هذه الأحكام وتبديلها حسب تغيّر نظرتهم للإِنسان وفطرته ... وُيصرّون على أن يدركوا حقيقة الفطرة وحقيقة الكون والحياة وهم لا يملكون القدرة على ذلك .. فلا يزالون يخرجون من قانون إلى قانون ومن فكرة إلى فكرة ومن مذهب إلى مذهب يتخبطون وتتخبط معهم مجتمعاتهم وتضطرب أفئدتهم ونفوسهم فلا يزالون منحرفين تلعب بهم رياح المذاهب المختلفة المتناقضة المضطربة المتبدلة المتغيّرة لا تأوي بهم إلى قرار ولا تخرجهم من حيرة ولا تمنعهم من شقوة.
والله العليم الخبير الحكيم الرحيم يدعوهم -وهو العليم بهم وبما حولهم من خلق السماوات والأرض- يدعوهم إلى الكلمة الثابتة والمنهج المستقر التام الذي شرعه الله لنفوسهم وعقولهم وأرواحهم وأبدانهم ومجتمعاتهم يكفل لهم ولفطرهم ولهذه الحياة والأحياء العدل والصدق في العقيدة والشريعة .. فلا ظنون ولا أوهام ولا جهل ولا ضلال ولا ضياع ولا تغيير ولا تبديل .. "وتمت كلمة ربك عدلًا وصدقاً لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم".
المطلب الثالث
الدليل الثاني
وهو دليل يتكون من مقدمتين:
الأولى: أن هذه الشريعة شرعها الله العليم الحكيم لتحقيق مصالح العباد.
الثانية: يلزم من ذلك أن لا يختل لها به نظام لا بحسب الكل ولا بحسب الجزء، وهذا معنى الثبات.
دليل المقدمة الأولى:
استقرأ الإِمام الشاطبي الشريعة من أكثر من موضع، فوجد أن تفاصيل