← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17821

الثبات والشمول في الشريعة الإسلامية

عابد السفياني

Полный текст (594 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

وهذا المعنى لم يشهد له أصل شرعي بل على الضد من ذلك يعارضه الحكم الشرعي - سواء أكان القول بالتخير أو الترتيب - ومعارضة هذا الحكم لتلك المصلحة يجعلها مصلحة ملغاة، والعقل لايستقل بدرك المصلحة فإذا لم يشهد لها الشرع بل عارضها فهي مردودة (١). فإلزام الملك بالصيام مصلحة لا تحقق مقصود الشارع، و"كل مصلحة لا ترجع إلى حفظ مقصود فهم من الكتاب والسنة والإِجماع وكانت من المصالح الغريبة التي لا تلائم تصرفات الشرع فهي باطلة مطرحة ومن صار إليها فقد شرع ... " (٢). والمصلحة التي تصادم نصاً أو تتعرض له بالتغيير مصلحة مردودة لأنها ملغاة. ويصرح الغزالي أيضاً بذلك حيث يقول: "نحن مع المصالح بشرط ألا تهجم على نص الرسول بالرفع" (٣). ويحصل الدكتور حسين حامد في كتابه نظرية المصلحة، نصوصاً كثيرة من كتب الغزالي الثلاثة: المستصفى وشفاء الغليل والمنخول فيقول: "فالذي يؤخذ من هذه النصوص أن الغزالي [في مجموع كتبه] لا يعمل بمصلحة في مقابلة نص شرعي، كتابًا أو سنّة، إذا كان هذا النص لا يحتمل التأويل، لأن العمل بالمصلحة في مقابلة هذا النص "يغير النص" أو"يصدم النص" أو"يرفع حكم النص" أو"يناقض النص" أو"يخالف النص" أو "يحرف النص" وقد قرر الغزالي أن المصلحة التي هذا شأنها مصلحة ملغاة" (٤).

стр. 422

وهذا الإِجماع الذي نقله العلماء على رد المصلحة المخالفة للنص، يدل دلالة قاطعة على أن العمل بالمصلحة الشرعية ليس له أثر سلبي على ثبات حكم الشرع لأنها إما مقبولة عنده - وهو لا يقبل إلا ما وافق مقصودة ومقصوده يعلم بالنص والِإجماع - وإما مردوده وهي المخالفة له ولا عبرة بها البتة. وهذا المعنى الذي انعقد عليه الإِجماع بدهي من بدهيات الإِسلام لأن الله هو الشارع ولم يترك لأحد من خلقه هذا الحق لأنه سبحانه وهو الرحيم بهم يعلم ابتداء أن عقولهم -التي خلقها لهم- لا تطيقه وأنهم إن حكّموا العقل فستغلب عليه الأهواء والمصالح وتنقلب البشرية إلى أحزاب متناحرة .. تتبع ما فيه هلاكها .. من المذاهب والشرائع - وتعرض عما فيه نجاتها من الاستسلام لله وحده والخضوع لحكمه وإشاعة الأخوة الإِيمانية في الأرض والعدل الرباني، ولذلك سقط أكثر الناس في الأهواء لأن المسافة بين العقل والهوى قريبة جداً. فأما الذين رفضوا الإِسلام واستسلموا لحكم العقل مطلقاً فما زال يفرقهم ولا يجمعهم وينقلهم من مبدأ إلى آخر ومن نظام إلى نظام لا يُثَبتهم على مبدأ ولا يحفظ بنظامه عقلاً ولا روحاً ولا عرضاً ولا خلقاً، ومن بقي معه شيء من القيم ما زال يطاردها ليحل محلها "العلمانية" أي اللادينية وهكذا صنع بهم وهم به مؤمنون لأن هذا العقل لا يخضع لحكم الله سبحانه .. (١).

стр. 423

وأما من قبل الإِسلام وظن أن للعقل قدرة في إدراك المصلحة جاهلاً أو متأولًا - فماذا صنع بهم هذا الوهم؟ أما المعتزلة - وهم من فرق المبتدعة - فقد ابتدعوا مسلكاً جديداً في النظر يتقدمون به بين يدي الله ورسوله ﷺ ، ويتجافون به عما - تعلمه الصحابة والتابعون ومن تبعهم بإحسان - وهذا المسلك عملوا به متأثرين بفلسفة اليونان والإغريق - وهم - أصحاب مبدأ العبودية للعقل لا لله سبحانه (١)، ولذلك أصاب الفرق الضالة ما أصاب أولئك - والداء واحد فإن التفكك من التكاليف رغبة شديدة في النفس البشرية وهي إما أن تجعل صاحبها يرفض الإِسلام مطلقاً أو تصيبه المعصية .. أو تصيبه الأهواء - ولقد مالت المعتزلة إلى مجافة السنّة ثم

стр. 424

استقرت بعد ذلك على مسلك غريب عن منهج الاستدلال والاستنباط الذي عليه أهل الحق. ومن أبرز معالمه تقديم العقل على الشرع، ويكفي لمناقشة المعتزلة ما تقدم ذكره عن منزلة العقل ورد القول بظنية الأدلة القرآنية والسنّة، واربط به بعد ذلك رأي المخالفين للإِجماع القائلين بأن المصلحة تقدم على النص بل وتغيره، ليعلم أن مسلكهم هذا - وهو تقديم العقل ومجافاة السنّة وعدم الالتزام بمنهج السلف الصالح قد أهلك من قبلهم فأوقعهم في الشذوذ عن الإِجماع والطعن في الأئمة ووكلهم إلى جهدهم الحسير وقطع صلتهم بخير الأجيال وخير القرون ولعلهم يحذرون.

стр. 425

المبحث الرابع المصلحة ودلالتها على الشمول المقصود بهذا الفصل بيان كيفية تحقق الشمول من خلال العمل بالمصلحة الشرعية - وذلك بعد أن بينا أموراً مهمة: الأول: كمال الشريعة (١). الثاني: كونها جاءت بمصالح العباد (٢). الثالث: أن العقل ليس بشارع، ولا يستقل بإدراك المصالح والمفاسد (٣). وقلنا فيما سبق أن العقل البشري لما حاول الاستقلال بإدراك المصالح والمفاسد تفرق بأهله وأشقاهم، وأوقعهم في رد ما جاء به الأنبياء أوبعضه، سواء كانوا من أهل الملل الأخرى، أو من الفرق المنحرفة التي نشأت داخل الأمة الإِسلامية ومن هنا وجب علينا أن نكون حذرين حذراً شديداً من أن يؤدي مفهوم الشمول الواسع من خلال العمل بالمصلحة (٤) - إلى رفع ضوابط

стр. 426

العمل بها - فنسلك سبيل أولئك الذين وقعوا في ضلالات العقل البشري الذي لا يخضع لحكم الله ورسوله ﷺ بل يردهما، أو يقدم عليهما مع الانتساب إليهما، ولذلك جعلت موضوع "الشمول" رديفاً لموضوع "الثبات" ليكون له سنداً وضابطًا، أما كونه سندًا فلأنه لا شمول بغير ثبات كما تبين لنا فيما سبق (١)، وأما كونه ضابطاً فلأن منهج الاستنباط إن لم ينضبط بمقاصد الشريعة - ويراعي نصوصها - وينعزل عن تصرفات العقول المحضة انحرف لا محالة، وتأكيداً على مراعاة الضوابط جعلت للحديث عن قاعدة تغير الأحكام بتغير الزمان مبحثاً خاصة نختم به الحديث عن المصلحة من حيث صلتها بالثبات والشمول .. وإليك الآن الحديث عن أنواع المصالح الشرعية وبيان تحقق الشمول فيها وهي أنواع: النوع الأول - مصلحة شهد الشرع لنوعها: فإذا وجد أصل شرعي يشهد لجنس مصلحة ما فإنها حينئذ مصلحة شرعية، مثاله: تضمين السارق قيمة المسروق، وهذه المسألة لا تعلم عن طريق النص مباشرة ولا عن طريق القياس، لأنه ليس فيها نص معين، ولا يمكن قياسها على نص معين عن طريق علة القياس، فكيف يشملها الحكم إذاً؟ والجواب هو أن الشمول هنا يتحقق بتوفر أصل شرعي يشهد لنوع المصلحة، وذلك أن الشرع قد شهد لنوع المسألة السابقة، وهو مسألة تضمين الغاصب ما اغتصبه إذا تلف عنده لتعديه، والسارق قد تعدى على مال غيره، لسرقته وهي نوع من الغصب (٢). فكما حكم الشرع على الغاصب لتعديه فكذلك الحكم على السارق في تضمينه قيمة المسروق.

стр. 427

وهذا الحكم إنما هو عن طريق اعتبار مصلحة شهد الشرع لنوعها ولم يكن عن طريق نص معين أو إلحاق المسألة به عن طريق علة القياس. النوع الثاني - مصلحة شهد لها أصل كلي بالاعتبار: مثاله: حد الشرب: هذه مسألة لها حد مقدر في الشرع، فقد كان الشارب يُحدُ أربعين واستمر ذلك في زمن أبي بكر ﵁. ثم تتابع الناس فيه بعد ذلك في زمن عمر ﵁ فنظر الصحابة في حكم هذه المسألة. والمراد بالكلي هو الأصل الذي شهدت له مجموعة نصوص .. فمثلاً: اعتبار المظنة في الأحكام أصل شرعي كلي، والدليل عليه الاستقراء. إجراء الاستقراء: نظر أهل الاجتهاد في الشريعة فاستنبطوا منها: ١ - حرم الشارع الخلوة لأنها مظنة الزنا، وهو إقامة لمظنة الشيء مقام نفس الشيء، وإعطاء المظنة حكم المظنون. ٢ - ومثله جعل الشارع "الإِيلاج" في أحكام كثيرة يجري مجرى الإِنزال كما في إيجاب الغسل وغيره. ٣ - جعل من حفر بئرًا في محل العدوان فسقط فيها أحد، كالمردي رجلاً فيها، وإن لم يكن ثم مردي وهو إقامة السبب مقام المسبب وإعطاء المظنة حكم المظنون. ٤ - وعن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ نهى أن ينبذ التمر والزبيب جميعاً ونهى أن ينبذ الرطب والبسر جميعاً، وهذا نهي عن الخليطين لأن اجتمعهما مظنة السكر، فأقام المظنة مقام المظنون فأخذت حكمه. ٥ - ونهى عن بيع وسلف، وعن هدية المديان وعن ميراث القاتل وعن نكاح المحرم، وكل ذلك إعطاء المظنة حكم المظنون ..

стр. 428

فالبيع والسلف معًا وهديه المديان مظنة الربا، ونهى عن ميراث القاتل لكي لا يُتخذ القتل وسيلة لطلب تعجيل الإِرث، ونكاح المحرم حتى لا يقع الوطء في الحج فيفسده، وهكذا في أمثلة كثيرة .. وهذه المواضع - وغيرها مما ماثلها - جاءت بها النصوص الشرعية ودلت مجتمعة على إثبات أصل كلي وعام، ألا وهو أن المظنة تأخذ حكم المظنون، وهذه الدلالة قطعية لأنها ثبتت عن طريق استقراء مواطن كثيرة في الشريعة اجتمعت على معنى واحد، فكان هذا المعنى معتبرًا في الاستدلال، وهو لم يؤخذ من نص معين، وإنما ثبتت ملائمته لتصرفات الشرع من أدلة كثيرة وعلم أنه مقصود للشرع من دلالة الكتاب والسنة. ويبقى النظر - بعد ثبوت هذا الأصل الكلي - في شموله للمسألة السابقة وهي حد الشرب .. فالشرب -كما قال علي ﵁ وتابعه على ذلك الصحابة رضوان الله عليهم - مظنة للقذف، فإن الشارب إذا سكر هذي ولم يدر ما يقول ومظنة ذلك وقوع القذف منه، فجلده ثمانين يحقق المصلحة الشرعية، وهي مصلحة ملائمة لتصرفات الشارع وداخلة تحت الأصل الكلي السابق المشهود له بأنه أصلي شرعي كلي .. وهذه المصلحة وإن كانت مرسلة عن النص المعين الذي يشهد لعينها إلّا أنها ليست مرسلة عن مجموع النصوص التي شهدت لجنسها، فهي مصلحة معتبرة مشهود لها وليست ملغاة لأنها لا تعارض نصاً وليست مسكوتاً عنها (١). فاعتبار الشارع المظنة مطلقاً في الأحكام - وهو أصل كلي قد شهد لجنس تلك المصلحة - وهي جلد الشارب ثمانين - بالاعتبار، فهو إذاً استدلال بمجموع نصوص شرعية.

стр. 429

وهذا معنى أن المصلحة التي شهد لها أصل كلي بالاعتبار يعمل بها .. وبهذا يتحقق الشمول عن هذا الطريق الشرعي في الاستدلال، وتأخذ الحادثة - التي لا يمكن إدخالها تحت نص معين، ولا أصل معين حكمها من مجموعة نصوص شرعية وذلك هو الأصل الكلي، ولا تبقى خالية عن حكم الشرع لعدم وجود نص معين فيها: - قتل الجماعة بالواحد: إذا قتل جماعة متمالئون رجلًا قتلوا به، وهذا الحكم غير منصوص عليه في الشريعة، وإنما دخل تحت أصل كلي شرعي مأخوذ من نصوص كثيرة .. بيان ذلك: أن "النفس نهي عن قتلها وجعل قتلها موجباً للقصاص متوعداً عليه، ومن كبائر الذنوب المقرونة بالشرك، كما كانت الصلاة مقرونة بالإِيمان، ووجب سد رمق المضطر، ووجبت الزكاة والمواساة والقيام على من لا يقدر على إصلاح نفسه، وأقيمت الحكام والقضاة والملوك لذلك، ورتبت الأجناد لقتال من رام قتل النفس، ووجب على الخائف من الموت سد رمقه بكل حلال وحرام من الميتة والدم ولحم الخنزير إلى سائر ما ينضاف إلى هذا المعنى" (١). هذا هو الأصل الكلي الذي دل على قتل الجماعة بالواحد، ومستنده المصلحة المرسلة، وبيان ذلك: إنا إذا لم نوجب قتلهم على اعتبار أن كل واحد قد قتل تحقيقاً، لم يبق إلا وجه المصلحة الشرعية وهي أن المقتول معصوم وقد قتل عمداً فلو لم نقتل الجماعة التي تمالأت على قتله لَخُرِم أصل القصاص، واجتمع النفر من الناس على القتل بغير الحق لأنهم في أمن من عقوبة القصاص (٢). فالأدلة السابقة التي اجتمعت على إقامة هذا الأصل وهو وجوب المحافظة

стр. 430

على النفس هو المستند لقتل الجماعة بالواحد، فهو إذاً اجتهاد شرعي مبني على المصلحة التي دل عليها ذلك الأصل الكلي، وهو مذهب الصحابة رضوان الله عليهم (١). وهذه الأمثلة وغيرها كثير تُبين لنا أن منهج النظر الإِسلامي بشموله وحيويته قد سهل دخول الوقائع المتجددة تحت حكم الشريعة كل واقعة تدخل حسب الطريق المناسب لها، فمنها ما يدخل عن طريق النص مباشرة ومنها ما يدخل عن طريق القياس ... الخ، وإذا أضفت أن الوقائع التي تحدث للبشر متشابهة إما في أعيانها وإما في الأصول التي ترجع إليها علمنا حينئذ أن التشابه كما يقع في الكون يقع في البشر وأفعالهم، وأن هذا الإِعجاز في الخلق مناسب للإِعجاز في التشريع، فالوقائع مهما كثرت لا بد من وقوع شبه بينها، وتدخل تحت حكم الشريعة من طرق كثيرة منها وباب العمل بالمصالح من دعائم الشمول في الشريعة، لأن الشريعة - التي أنزلها الله سبحانه متصفة بصفة الإِعجاز من جهة اللفظ والمعنى، وقد اتسق فيها واستوى مفهوم الثبات والشمول في توازن عجيب بديع، تظهر ملامح هذا الإبداع وتبرز وتتعدد كما تظهر ملامح الإِعجاز الكوني وتتعدد، فإذا جمعنا مع هذا ما نعلمه من طبيعة الإنسان المخلوق في هذا الكون، المخلوق له هذا الكون، فإن الدليل على ما قلته آنفاً يتضح لنا فنجد حينئذ التشابه الكبير في حقيقة هذا الإِنسان الفطرية وفي طبيعة تعامله مع هذا الكون وطبيعة تعامل هذا الكون معه بأمر الله سبحانه وقد جعل الله "الناس" شعوباً وقبائل - وهم من هذه الناحية متشابهون، ويعيشون في أطراف من هذا الكون متشابهة، يتعاملون معه ويتعامل معهم بإذن الله بصور متشابهة، وكل صور هذا التعامل "الإِنسان مع نفسه، الإِنسان مع الإنسان، القبائل والشعوب مع القبائل والشعوب، وهؤلاء جميعاً مع الكون، والكون معهم كل هذه معالم متشابهة تجعل تلك الصور تتقارب في التشابه أو تتباعد وهي في كل حال متشابهة، ومن ثم يمكن جمعها وحصرها للتعرف على

стр. 431

حكم الله فيها، وردها إلى الشريعة الإِسلامية لتشملها بالعدل والرحمة. فإذا تصورنا أن ثلث تلك الوقائع المتجددة يدخل تحت حكم النصوص المباشرة -كما تقدم معنا في دراسة العموم في الشريعة - وثلثها الثاني يدخل تحت حكم النصوص عن طريق قياس "العلة" وهذا ما تقدم بيانه في باب القياس، وثلثها الأخير يدخل تحت حكم النصوص عن طريق "قياس المصالح" فماذا بقي بعد ذلك؟. ومن هنا ندرك الجواب عن شبهة طالما كثر ترديدها، حاصلها أن نصوص الشريعة محدودة متناهية، وحوادث الحياة والوقائع التي تتجدد غير متناهية. وهذه المقالة على ما فيها من مخالفة للعلم اسْتعملت في موضعين: الموضع الأول: استعملت فيه استعمالًا القصد منه مشروع وإن كان استعماله على هذا النحو الذي سنتحدث عنه غير مشروع، فالقصد مشروع والوسيلة بضده. ومن أمثلة هذا الموضع: ما ذكر الجويني في كتابه البرهان حيث نص على أن الوقائع غير متناهية والنصوص متناهية (١). وقد ذكر ذلك ليوطد به استدلاله على مشروعية القياس، فكأنه يقول: إذا كانت الوقائع لا تتناهى والنصوص تتناهى، والشريعة لا بد أن تحكم تلك الوقائع فلا سبيل - والحال كذلك - لإدخالها تحت حكم الشريعة إلّا عن طريق إعمال القياس، فالقياس ضروري. وهذا قصد مشروع ولا شك، ولكني أخالفه في استعمال هذه الوسيلة، ولذلك لم أستند عليها لإثبات حجية القياس، لأن الأدلة التي في حوزتنا كافية وقوية ولا نحتاج إلى غيرها، وإذا ثبتت الحجية بها فقد تحقق المقصود بوسيلة مشروعة.

стр. 432

أما الوسيلة التي استخدمها الجويني فهي عبارة عن دليل عليه بعض المؤاخذات منها: ١ - أن الوقائع تتناهى لأنها متشابهة كما أسلفت ويمكن رد بعضها إلى بعض، وهذا دليل قوي على أنها تتناهى لتصبح في آخر الأمر مجموعة وقائع - وإن كانت كثيرة جدًا، إلا أنها محصورة. ٢ - أن قوله أن النصوص تتناهى عبارة مجملة فإن أراد بها أن القرآن جمعها وكذلك كل ما صح من السنة دل عليها فهي إذن مجموعة معلومة فنعم، وإن أراد أن ما تضمنته من المعاني، وما جعل الله فيها من السعة والشمول محدود فلا يُسلم له وهو لا يقصد ذلك حتماً، ولأن العبارة موهمة فلا بد إذن من الجواب وأختصره بما يليق بالموضع دون محاولة تفسير الأسباب التي أدت إليها - ويكفيني ما قلته سابقاً من أن القصد المشروع لا يكفي بل لابد له من وسيلة مشروعة (١) - والذي يليق بالموضع وهو جواب حاسم إن شاء الله يكفي في إسقاط الشبه - فلا نحتاج إلى أجوبة أخرى مع توفرها. إن النظر في الشريعة الإِسلامية على أن مدلولاتها - ومعطياتها ومفاهيمها وأحكامها - تؤخذ منها نصاً نصًا غير سديد، ويحتاج إلى مراجعة وهو الذي إذا ما تبين فساده وانكشف سقطت تلك الشبهة وانكشفت. والذي يدل على فساده هو أن ذلك كله يؤخذ من الشريعة من أكثر من طريق منها ما يليق بهذا الموضع وهو أخذ الأحكام من مجموعة نصوص تتوافر على دلالة واحدة، كما يدل النص الواحد على دلالة واحدة، وهذا شبيه بالعموم المعنوي الذي تقدم الكلام عنه. ومثل هذه الشريعة كمثل البشرية والبحار، فهل إذا اتجهت كل أمة إلى بحر وأخذت منه ثم عادت وأخذت ثم عادت وأخذت إلى يوم القيامة هل

стр. 433

ينفد، كلًا، وكذلك أخذنا من هذه الشريعة تارة نأخذ منها عن طريق النص الواحد، وتارة نرجع إليها ونأخذ عن طريق جملة نصوص، ثم إن النص الواحد تارة يكون له مدلول واحد وتارة أوسع من ذلك، ثم ننتقل إلى القياس وهو إلحاق النظير بنظيره كما أسلفنا، ثم ننتقل إلى البناء على الأصل الكلي والقواعد العامة وهكذا، فهل يمكن أن يقال أن عطاء النصوص ينفد. والظن بابن الجويني أنه لا يقصد أنَّ دلالتها محصورة، بل قد نص في مواضع كثيرة على أنه لا تخرج حادثة ولا واقعة في عصر عن حكم الله (١). الموضع الثاني: إن المقالة السابقة قد طورت لتصبح شبهة حاصلها أن هذه النصوص المحدودة كيف تحكم وقائع البشرية المتجددة غير المتناهية في جميع العصور والأزمان، وقد استعملها قوم لا يعرفون طبيعة هذه الشريعة ومنزلتها الحقيقية، وقوم آخرون استعملوها كيداً ومكراً وصداً عن سبيل الله. ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (٢). والجواب الذي يكشف الشبهة ويصد كيد الماكرين فلا تعد شبهتهم ينفذ كيدها ومكرها بإذن الله، هو أن يعلم هؤلاء وهؤلاء أن وضع الشريعة الإِسلامية على هذه الصفة مقصود وخلق البشرية على هذه الصفة المتشابهة التي أشرت إليها مقصود كذلك، فالذي خلق البشرية جعلها على تلك الصفة .. وهو الذي أنزل كلامه على رسوله وجعله بتلك الصفة. ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (٣). فرب العالمين - رب هذه البشرية وخالقها - هو أعلم بها وهو الإِله الذي له الأمر والنهي وبيده مقاليد كل شيء جعل البشر يتشابهون في حياتهم الخلقية

стр. 434

والعملية وخلق لهم كوناً متشابهاً وقدّر التشابه على كل ما يقع في هذا الكون من تصرفات كونية وتصرفات بشرية وهذا من آياته سبحانه وهو من أدلة الإِعجاز، وأن هذه المخلوقات الكونية خلقتها إرادة واحدة هي إرادة الله، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (١). ومن تأمل في ذلك تعرف على قدرة الله سبحانه وجميل حكمته وإبداع خلقه، وبهذا يتأكد ما قلته في أكثر من موضع - نقصد بذلك إيضاح هذه الحقيقة الكونية البشرية - فلا يبقى بعد لهذه المقالة من سبب يُروّج لها، فإن وقائع البشرية مهما تجددت وتعددت يمكن ربطها بأصول متشابهة محصورة ترجع إلى أجناس معلومة، وقد حدث ذلك في الجيل الأول لما دخل الناس في دين الله أفواجاً وانتشرت معهم وقائع كثيرة ترجع إلى أجناس معلومة وتكلم فيها الفقهاء وبينوا حكم الله فيها، ولذلك قال الإِمام أحمد بهذا الاعتبار ما من مسألة إلّا وقد تكلم فيها الصحابة أو في نظيرها (٢). وذلك لتشابه المسائل الذي يرجع إلى تشابه الحياة والأحياء. ولنزيّن هذا الموضع ببعض الأمثلة التي تؤكد لنا هذه الحقيقة .. إن هذه البشرية ترجع إلى أصل واحد في المنشأ والمنهج، أب واحد وأم واحدة وخلقة واحدة بقدرات متشابهة في كون واحد لهدف واحد وهو إقامة الخلافة الربانية على الأرض - وذلك بأن تعمر الأرض بمنهج الله عقيدة وشريعة - الشريعة مسيطرة فيتحقق العدل، والعقيدة تجمع خير الدنيا والآخرة لمن أتاها طوعاً لا كرهاً. ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ (٣).

стр. 435

فلو أن الرجل الأوروبي والأمريكي اتبع هذه الشريعة وتخلق بأخلاقها وكذلك صنع الرجل الروسي والافريقي، هل ستختلف وقائعهم ومعاملاتهم مع أهليهم وجيرانهم ومجتمعاتهم في عالم القيم والأخلاق، أم لا بد أن تكون متشابهة لأنها مرتبطة بمنشأ واحد ومنهج واحد وهدف واحد. هل الرجل منهم في مزرعته - في المجتمع الزراعي - سيختلف عن الرجل الآخر في تعامله مع قواعد العمل وضوابطه وأهدافه وأخلاقه؟ هل الرجل منهم في مصنعه - في المجتمع الصناعي - سيختلف عن الرجل الآخر في تعامله مع قواعد العمل وأهدافه وأخلاقه كلا! هل مسؤولية الرجل هنا أو هناك عن بيته، ومسؤولية امرأته عن بيتها ستختلف في دوافعها وضوابطها؟! وقس على ذلك بقية جوانب الحياة ما يتصل منها بالأسرة إنشاء وحفظاً، وما يتصل منها بالعلم وتعمير الأرض، وما يتصل منها بأمور الجماعة - من حيث العلاقات العامة والخاصة - ولا يصعب تتبع بقية أمور الحياة إذا لاحظنا هذا التشابه في المنشأ والمنهج والكون ومهمة الإنسان، وإذا لم نلاحظ ذلك - حيث نفتقده في حياة أكثر البشر اليوم فلا علينا أن يقع ذلك الافتراق في تلك الأصول، ولا نعجب أن يصل الحال بالبشرية أن تفترق ذلك الافتراق العجيب وتختلف ذلك الاختلاف الكبير حتى أنها لتُقسّم في الحقيقة إلى أناسيّ ودواب، أناسيّ يعرفون وحدة منشأتهم ومنهجهم ويتعاملون مع هذا الكون لهدف محدد رباني تحكمه هذه الشريعة، ودواب تُشْبِهُ فيما تشبه تلك المخلوقات العجيبة التي تجمعها الغابات حتى لا تكاد تجد بينها شبهًا، وفيها جميع ملامح الحياة في الغابة من القوة والطغيان، والضعف والخور، والتكالب والتناحر، والانقسام على متاع الأرض، والختل والمكر، والخديعة والغدر، والاضطراب وعدم الشعور بالأمن وتوقع الهلكة كل حين، والعري والبهيمية، وكل سيء من الأخلاق، وكل ذلك مع انعدام المبادئ والأخلاق والعدل. وكما لا يمكن لأحد أن ينظم غابة على مبادئ العدل والأخلاق السماوية - إلّا أن تستسلم تلك الوحوش المستنفرة - فكذلك لا يمكن أن تُنظم حياة

стр. 436

الأمم الكافرة على مبادئ هذه الشريعة إلّا أن تستلم لله وحده وتتبع رسوله ﷺ وتتحاكم إلى هذه الشريعة وتحكم بها وترفض ما سواه (١)، ولعل هذا الذي أقوله هنا هو شيء من معنى قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ (٢). نعم إن الأمم الكافرة أضل من الأنعام، لأن الأنعام خُلقت وجُبلت على ذلك كله فلا يُنتظر منها غير ذلك - وفيه من الحكمة ما فيه - أما هذه الأمم الكافرة فلم تُخلق لهذا بل خُلقت وتلك الثوابت في وحدة المنشأ والمنهج والمصير في هذا الكون الرحيب الفسيح الذي خُلق لها لتعمره بهذه الشريعة، ولكنها

стр. 437

أعرضت عن ذلك كله واختار لها أئمتها السياسيون والمفكرون .. غير الإِسلام عن علم وعناد يبتغون بذلك الارتكاس في حمأة الشهوات والطغيان. فلا عجب أن تفترق البشرية هذا الافتراق ويحل بها ما حل .. والِإسلام حينئذ ليس مسؤولاً عن طبائعها وتصرفاتها العجيبة الغريبة كما أنه ليس مسؤولًا عن تصرفاتها الحيوانية، ويوم تتبع تلك الأمم الإِسلام وترجع إلى وحدة المنشأ والمنهج والمصير حينئذ لن تكون بتلك الصورة التي لا يمكن أن توجد إلّا في الغابات، بل ستعيش صورة إنسانية جديدة الملامح، من أبرز ملامحها تلك الوحدة والتشابه - فيقوم العدل الرباني في الأرض ويسيطر عليها الإنسان الصالح الذي يكوّن الأمة الواحدة ويتعامل في كل مكان بمنهج واحد له سماته الثابتة وطبيعته المتشابهة ويمكن حينئذ جمع وقائعه وحاجاته وترتيبها وتنسيقها وتحديد هدف واحد متشابه تقوده المصلحة الشرعية التي تحقق العدل الرباني في واقع الناس. ولعل في هذا البيان ما يُجَلِّي تلك الحقيقة، ويقارب بين طبائع البشرية - عندما تتحول عن شرائعها ومفاهيمها إلى شريعة الله سبحانه خالقها وبارئها، وتسقط تلك الشبهة التي طالما نفخ فيها أعداء الإِسلام ليحولوا بين البشرية وبين هذه الشريعة الربانية (١). وننتقل بعد هذا إلى مناقشة شبهة أخرى تتصل بموضوع المصلحة بعد أن تبين لنا أن الشمول الرباني يتسق مع مفهوم الثبات فيتحقق لنا - بعدل من الله ورحمة - سعة في هذه الشريعة تمدنا بما نحتاج إليه من أحكام شرعية، يحفظها لنا مفهوم الثبات في الوقت نفسه لأنه يحفها بالضوابط التي تعيننا ونحن نعيش في عدالة الشريعة ورحمتها أن نكون ملتزمين بالعبودية ومقتضياتها، فلا نغتر ونجهل وننسى ونخرج عن تلك الضوابط والأطر، فننسلخ من آيات الله، ونبعد عن

стр. 438

رحمته وخاصة وأن سعة هذه الشريعة ورحمتها وسماحتها لتخيل للذين لا يعلمون أن هذه الشريعة لا يمكن تحديدها، بل ويمكن إدخال كل شيء فيها. وهذا سببه أمران: الأول: عدم معرفتهم بطبيعة هذا الدين عقيدة وشريعة. إن هذا الدين يريد من البشرية أن تذعن له وتخضع، وتتجرد عن كل تعلق بغير الله فتعبده وحده وتتجه إليه وحده وتسأله وحده وتقدم له أنواع الطاعات وحده، ومنها أن تحكم مصالحها وغاياتها بهذه الشريعة عن طريق الرد إلى أحكامها، وهي حينئذ ستجد بلا ريب السعة والرحمة والفرج. وهذه حال المؤمنين إذ قالوا سمعنا وأطعنا، شريطة أن يأتوا مذعنين مستبشرين، يعتقدون كمال هذه الشريعة وأنها هي التي تنقذهم من الظلمات إلى النور، وأنها هي الحياة والحضارة والرقي والسعادة، وأنها هي الأمن والعدل والخير كله، ويعتقدون في المقابل أنهم لو خُلوا وعقولهم لهلكوا، وأن جميع ما تشقى به البشرية إنما جاءها لما حسنت الظن بالعقل وردت ما جاء به الرسل وأعرضت عنه وقدمت عليه أهوائها. إن هذا الإِيمان عندما يتحقق ويأتي صاحبه إلى الشريعة سيجد من الفسحة والسعة ما لا يتصوره أبداً (١)، وإن الذين ينظرون إليه وهم من خارج دوحة الإِيمان - ولا يعلمون حقيقته - لا يستطيعون أن يفسروا هذه السعة والشمول في الرحمة والعدل إلّا بذلك التفسير الغريب العجيب. الأمر الثاني: إن كل خير عند هذه البشرية مرجعه ولا شك "الإِسلام" فإن هذا الدين هو العقيدة الأولى التي أُنزلت على هذه الأرض وبقيت دهراً طويلًا غير متلبسة بما يناقضها، ثم انحرفت البشرية شيئاً فشيئاً، وتلبست هذه العقيدة بما يناقضها من عبادة غير الله واتباع غير منهجه.

стр. 439

ولم يكن الانحراف ليقدر على سلخ البشرية من أصلها العقائدي سلخاً كاملًا، ولا على سلخها من أحكامه وقيمة وأخلاقه فبقي شيء غير قليل ينتقل بين أجيالها حتى مع تطور الشرك واتّباعه - بزعم المصلحة - وحتى مع تطور الظلم واحترافه - بدعوى المصلحة - مع ذلك كله بقي شيء غير قليل ينتقل مع الأجيال التي انحرفت عن "الإِسلام" دين الرسل جميعاً. وإذا تذكرنا أن الفطرة البشرية مهما فسدت لا بد أن يكون لها أثر على سير خط الانسان، وإذا تذكرنا رغبة الإِنسان الذي يريد بها أن يزعم لنفسه أنه يعيش الحياة الصالحة ويحقق المصالح المشروعة (١). إذا تذكرنا هذا وذاك استطعنا أن نعلل ذلك الانحراف البشري في العقيدة والشريعة الذي ما زال يتلون ويتدسس تحت عباءة الإِصلاح والتوفيق. ومن هنا نشأت في البشرية مذاهب ونظم تزعم الإِصَلاح، ولأن الانحراف لا يقع على كل شيء، ولأن الفطرة لا يقع عليها الإِعدام الكامل، ولأن الرغبة في دعوى الإِصلاح والتستر به طبيعة كامنة في النفس البشرية لذلك كله نشأت تلك النظم وفيها بعض الجوانب الخيرة. فالشيوعية فيها من الكفر والإِلحاد والظلم والِإرهاب والقسوة، ومع ذلك يأتي أولئك الذين لا يعلمون فيقولون إن المصلحة في النظام الاشتراكي، ألا ترى كيف يسوي الإِسلام بين الناس في الضرورات ... والرأسمالية يتراءى فيها جانب خيّر ضئيل مع ما فيها من الكفر والظلم، ظلم الانحراف عن المنهج الرباني - فيقول أولئك أيضاً أن المصلحة في هذا النظام ألا ترى للإسلام كيف حقق الحرية الاقتصادية. وقس على ذلك الموقف من "الرهبانية" و"العقلانية"، وغير ذلك من المذاهب الفكرية والأنظمة التشريعية الوضعية.

стр. 440

وهؤلاء الذين لا يعلمون لا نعجب أن يُخيّل إليهم أن هذه الشريعة لا يمكن تحديدها، بل يمكن أن يدخل فيها كل شيء، ولو علم هؤلاء طبيعة البشرية وأدركوا تلك الأحوال التي ذكرتها لما تخيلوا ما تخيلوه. إن تخيّل المصالح وبدون ضابط من الشريعة يمنع تحقق العبودية ويوقع في الشبهات، إن العبرة ليست بتحقق جزء من الخير في جانب ما - ردة فعل لجانب آخر - في نظام من الأنظمة كلا، وإنما العبرة في تحقيق ذلك النظام لمهمة الخلافة في الأرض وسلامته من الفساد كله، وأبرز معالم الخلافة في الأرض التي أمر الله بها هي: ١ - تحقيق العبادة لله وحده بلا شريك. ٢ - تحقيق وحدة الجنس البشري بإقامة الأمة الواحدة. ٣ - تعمير الأرض وإقامة العدل الرباني فيها. فهل يمكن أن يحقق هذا غير الشريعة الإِسلامية، كلا، إن البشرية حينئذ ستدرك وتعيش في الوقت نفسه وحدة المنشأ والمنهج والمصير، وستسقط تلك الأنظمة التي تتراءى فيها بعض المصالح، وسيعلم المنحرفون عن الشريعة الإِسلامية أن العقل لا يستقل بإدراك المصالح، ولو أمكنه لأخرج الوثنيين عن وثنيتهم، والشيوعيين عن إفكهم وظلمهم وإلحادهم، والرأسماليين عن إعراضهم عن العدل الرباني في الأرض، وعن صدهم عن سبيل كثيراً، ولأخرج اليهود من قوميتهم وحقدهم وكفرهم، ولأخرج الفرق الضالة قديماً وحديثًا عن تناقضها واختلافها ولحقق في النهاية إقامة الأمة الواحدة والعدل الرباني في الأرض، وهؤلاء وأولئك عقلاء بل وفيهم حكماء، فأين عقولهم من تحديد المصالح ودفع المفاسد. إن هذه الشريعة جاءت لتحكم "العقل" البشري وتحقق للناس كافة جميع مصالحهم وتحول بينهم وبين أهواء عقولهم، فكيف ينقلب الأمر ليتحكم العقل المحدود بالزمان والمكان، المتصف بالبشرية والضعف وقصور العلم في هذه الشريعة التي لا يحدها زمان ولا مكان، وهي التي لم يسطّر فيها الأولون

стр. 441

ولا الآخرون سطرًا واحداً بل هي وحي يوحى تنزيل من حكيم حميد، ولذلك فهي ليست إقليمية ولا محلية ولا زمانية كلا، بل أنزلها الله لتكون حجته على عقول عباده من الأولين والآخرين والعرب والعجم .. ومن ثم كانت حاكمة على كل شيء، تفرق بين المصالح الموهومة المتخيلة، والمصالح الحقيقية الشرعية، فما حكمت بأنه مصلحة فهو كذلك علمه من علمه وجهله من جهله، وما حكمت بأنه مفسدة فهو كذلك علمه من علمه وجهله من جهله، وبهذا الإدراك لطبيعة هذه الشريعة - ومن قبل ذلك - لحقيقة الإِيمان تجعل المؤمن وغير المؤمن يشعر بتلك السعة، حتى ليخيل لغير المؤمن أنها يمكن أن يدخل فيها كل شيء فلا يمكن تحديدها، ويضل الله من يشاء ويهدي من يشاء، يضل بذلك الذين لا يعلمون، ويزداد الذين آمنوا إيمانًا .. وبعد أن علمنا بتوفيق من الله سبحانه حقيقة الثبات والشمول، وكيف اتسعا ليحققا لنا في النهاية - بفضل من الله - حسن العبودية له وتعمير الأرض بمنهج الله الذي لا يغادر كبيرة ولا صغيرة إلّا شملها بحكمه في جمال وكمال واستقامة وطهر، ننتقل بعد ذلك لمعالجة فكرة خرجت عن هذه القاعدة وخَيّل لأصحابها مفهوم الشمول بما فيه من سعة أن الأحكام تتغير بتغير الزمان، وإنما عند هؤلاء مفهوم الثبات واختلت ضوابطه، وحسّنوا الظن بالعقل البشري في مجال إدراك المصالح، وقذموا حكمه على حكم الشرع، إما بإخراج بعض أفراد النص وإما بإيقافه مطلقاً، وقد استندوا إلى شبه كثيرة، وسأعرض أفهامهم وأناقش أعظم شبههم مؤكدًا في الوقت نفسه على تعميق مفهوم الثبات والشمول .. والله الموفق والمعين.

стр. 442

المبحث الخامس القول بتغير (١) بعضر الأحكام بتغير الزمان عرض ونقد - مع دراسة تطبيقية توطئة: يكثر الكلام عند بعض الباحثين على أن هناك قاعدة شرعية إسمها "تغير الأحكام بتغير الزمان" ويقصدون بعض (٢) الأحكام المتصلة بالمعاملات دون العبادات، والتغير أوجبه عندهم تغير المصالح والأعراف والعادات. فالأحكام الشرعية المتصلة بمعاملات الناس وعاداتهم وأعرافهم جاءت لتحقق مصالح معينة، وهذه المصالح تتغير في كثير من الأحيان بسبب تغير الزمان، وحينئذ ينبغي -كما يرى أصحاب هذا الرأي- أن تتغير تلك الأحكام ما دام قد تغيرت مصالحها، ومن هنا وضعوا تلك المقالة وسموها قاعدة. وفي هذا الفصل نحدد موضع النزاع بيننا وبينهم ونحرره وخاصة أنه شديد الالتباس، واهتم بعد ذلك بتصوير رأي المخالفين وذكر مستندهم ومناقشتهم مع تتبع كثير من التطبيقات التي هي موضع النزاع وبيان وجه الصواب في تفسيرها، وبذلك أصل إلى تحديد حجم هذه المقالة وما فيها من

стр. 443

حق أو باطل، وسأحاول الوصول إلى المقصود دون إغراق البحث بالتفصيلات التي لا حاجة لنا بها. المطلب الأول تحرير موضع النزاع المقصود "بالتغير" في الحكم الشرعي هو انتقاله من حالة كونه مشروعاً فيصبع ممنوعًا، أو ممنوعاً فيصبح مشروعاً باختلاف درجات المشروعية والمنع. فهذه حادثة حكمها الشرعي المنصوص عليه أو المستنبط كذا، ثم تصبح في زمن آخر تحت حكم مخالف للحكم الأول، هذا هو جملة ما يصوره البحث عند المطلقين لتلك القاعدة أو المقيدين لها (١). وإلى هنا يبقى كثير من اللبس في تحرير موضع النزاع، أكشف عنه بإضافة أمر مهم جداً ألا وهو النظر في تلك الحادثة التي تغير حكمها هل هي في الحالين سواء؛ هل الحادثة التي أخذت الحكم الأول ثم أخذت الحكم الثاني هي هي بالخصائص نفسها وبجميع الملامح والاعتبارات والحيثيات أم أنها تختلف في خصائصها .. من حالة إلى حالة؟. وبالجواب عن هذا السؤال ينكشف لنا اللبس الذي أحاط بهذه القضية حتى كثر فيها القول وتشعب .. إن تلك الحادثة التي تغيّر حكمها إما أن تكون هي هي عند تغيّر الحكم بجميع خصائصها والحيثيات التي تكتنفها، وإما أن تختلف في بعض خصائصها وحيثياتها. فإن كانت الأولى فنحن ننازع أشد المنازعة في تغيّر حكمها لأن ذلك

стр. 444

هو النسخ والتبديل المنهي عنهما كما سيأتي بيانه، وإن كانت الثانية فليست في موضع النزاع، لأنها حينئذ حادثتان متميزتان من حيث خصائصهما والاعتبارات التي تحفهما وحادثتان لهما حكمان ليس غريباً ولا عجيباً، ولا يقال له تغيّر ولا تبدل. فإذا خرجت الثانية عن موضع البحث رجعنا لدراسة الأولى، وهي أساس القول ومحل النزاع والدعوى التي عنون لها أصحابها بقولهم: "تغيّر بعض الأحكام بتغير الزمان" ومقصدهم حادثة وواقعة لها حكم منصوص عليه أو مستنبط تغير حكمها في وقت آخر والحادثة هي الحادثة بجميع خصائصها واعتباراتها .. فإن قيل كلا لا يتغير حكمها إن لم تتغير خصائصها واعتباراتها، قلت: فإذا تغيرت خصائصها واعتباراتها أصبحت حادثتين لا حادثة واحدة وهذه لا ينازع في اختلاف حكمهما أحد البتة. ونرجع مرة أخرى لمحل النزاع وننظر في أدلة القائلين بالتغير بعد تصوير مذهبهم .. وإنما قدمت بهذه المقدمة رجاء أن تُحدد نقطة البحث ويمسك القارئ القضية من أول خيط فيها، ونضرب مثالًا يوضح المقصود، فأقول: قتل زيد خالداً عمداً عدواناً فحكم هذه الحادثة أن زيداً عليه القصاص إن لم يعفوا أولياء الدم، تكررت هذه الحادثة بين رجلين آخرين بالصورة نفسها في أي عصر من العصور، يكون حينئذ الحكم هو القصاص إن لم يعفوا أولياء الدم. فها هنا حادثتان بخصائص واحدة تحفهما اعتبارات واحدة أخذت حكماً واحداً، ولا سبيل لتغييره أبداً. خذ الحادثة بطرفيها القاتل والمقتول وافرض وقوعها مرة أخرى لكن بدون عمد ولا عدوان، بل خطأ، يختلف الحكم حينئذ فلا قصاص بل دية مسلمة، ولكن الحادثتين ها هنا مختلفتان فاختلف حكمهما، في الأولى قصاص إن لم يعفوا

стр. 445

أولياء الدم، وفي الثانية لا قصاص بل دية مسلمة إلى أولياء الدم إلّا أن يصدقوا. فلا عجب إذن أن يكون لحادثتين تختلف خصائصهما حكمان مختلفان، وإن كانت الصورة بادئ ذي بدء تبدوا واحدة (١). وهذه ليست في محل النزاع قطعاً، لأنه لا ينازع أحد فيها على الإطلاق، فحادثتان - وإن كانتا في الصورة واحدة - لكنهما في الجوهر مختلفتان - طبيعي أن يختلف حكمهما. ونعود مرة أخرى لتحديد موضع النزاع فأقول: إن تغير حكم الحادثة إذا تغير جوهرها وأصبح لها خصائص مغايرة لطبيعتها الأولى أمر طبيعي لا ينبغي أن ينازع فيه أحد. ويبقى النزاع في تغير حكم الحادثة التي لم يتغير جوهرها ولا شيء من خصائصها وحيثياتها. نقول هذا ونؤكد عليه لأن هناك خلطًا بين هاتين القضيتين لا يمكن أن نَخْلص من آثاره السلبية إلّا أن ندخل في دراستنا لهذه المسألة من هذا المدخل وحينئذ نستطيع أن نفرّق بين حكم الحادثة الواحدة ذات الخصائص والحيثيات الواحدة، وإن مرت عليها عصور متتابعة - ونجزم بأن حكمها الأول في العصر الأول ينبغي أن يكون هو حكمها نفسه في العصور الأخرى، لأن شيئاً من خصائصها وحيثياتها لم يتغير، وإذا أردنا أن نغيّر حكمها من المشروعية إلى المنع علمنا أنه لا بد لنا من القول بالنسخ، والنسخ ليس لأحد من البشر، وإنما الذي ينسخ الأحكام هو الشارع، وقد انقطع بعد انقطاع الوحي، وبهذا نستطيع أن نفرق بين هذه الصورة - وبين الصورة الأخرى وهي انتقال الحادثة في الزمن

стр. 446

الأول - لتصبح ذات خصائص أخرى تختلف عن خصائصها الأولى وهذه يختلف حكمها ويتغير لأن الأولى تعتبر حادثة مستقلة لها حكم خاص وذلك مثل حكم المؤلفة قلوبهم، وهم نفر من الناس لم يستقر الإِيمان في قلوبهم، جعلت الشريعة لهم حق في مال الصدقة، يتألفهم الإِمام به، ليثبتوا على الإِسلام فَيُسْلِمْ من ورائهم ويسْلَمْ المسلمون من فتنتهم وشرهم، وهذا المعنى لا يخاف منه إلّا عند ضعف الإِسلام وحاجته لنصرتهم ومؤالفتهم، فالنص يوجب إذاً إعطاء هؤلاء المؤلفة لهذا المعنى، فيأتي الإِمام ليطبق هذا المعنى فيجد أمامه حالتين: الأولى: حالة ضعف الإِسلام، وقوم يحتاجون لهذا التأليف. الثانية: حالة قوة الإِسلام، وقوم يزعمون أنهم من المؤلفة قلوبهم. فيطلق حكم الله على الحالة الأولى فيعطيهم سهمهم، ويطبق حكم الله على الحالة الثانية فلا يعطيهم لأنهم ليسوا ممن أمر الله بإعطائهم، وهذا ما يسميه العلماء تحقيق المناط (١). فهما إذاً حادثتان لكل حادثة حالة خاصة تحتاج إلى حكم خاص ثابت لها لا يتغير، وحادثتان لها حكمان كما قلنا ليس غريباً ولا عجيباً، وكلا الحكمين من الشرع. ومن خلال هذا التحليل ينكشف لنا خطأ من أراد أن يفرق بين التغيير والنسخ (٢)، حيث جعل النسخ حق الشارع، وقد انقطع بانقطاع الوحي، وعلل ذلك بأنه قد يكون النسخ إلى غير بدل، وأما التغيير فيكون إلى بدل، وفرق آخر وهو أن النسخ يمكن أن يكون في جوانب متعددة في الشريعة، وأما التغيير فمحصور في بعض الجوانب كالمعاملات ونحوها، وذلك لأن التغيير هنا

стр. 447

يكون سببه تغيّر المصالح والأعراف والعادات، فإذا انقطع النسخ لا ينقطع التغيير. وبمراجعة ما تقدم ذكره يتبين أن هذا التفريق لا ينبني عليه فقه ولا يحمل شيئاً من الصحة. وندلل على ذلك بما يلي إضافة لما ذكرته آنفاً: ١ - أن التغير عند المؤلف هو التبديل والتحويل (١)، والنسخ هو التبديل، أي تبديل الحكم الأول بحكم آخر، فالمشروع يُجعل ممنوعاً والممنوع مشروعاً، أو نسخه مطلقاً إلى غير بدل، وهذا تغيير لصفته الشرعية، فبعد أن كان شرعاً صار غير ذلك، فمن جهة المعنى الأصلي لهما لا تجد كبير فرق بينهما. وقد جعل المؤلف التغيير مضمونه "عبارة عن ترك الحكم الأول إلى الحكم الثاني" (٢). ٢ - ما سبق وقد ذكرته من أن تغير خصائص الحادثة لتغير الأزمنة إنما هو عبارة عن تجدد حادثة أخرى غير الحادثة السابقة، وحادثتان لهما حكمان ليس غريباً ولا عجيباً كما أسلفت ولا يسمى ذلك نسخاً ولا تغييراً. أما أنه لا يسمى نسخاً فظاهر ذلك أن النسخ هو رفع حكم الحادثة نفسها أما إلى بدل - والحادثة هي الحادثة - وأما إلى غير بدل. وأما أنه لا يسمى تغييراً في الحكم فظاهر أيضاً لأن حكم تلك الحادثة نفسها لم يتغيّر كما قلنا في مشروعية إعطاء المؤلفة قلوبهم، وإنما الذي تغيّر هو طبيعة الحادثة، لتصبح حادثة جديدة لها حكم جديد، ولا يقال هنا تغيّر في

стр. 448

الحكم، وإنما يقال تغيّر في طبيعة الحادثة، لتصبح حادثة جديدة، فالمجموع حادثتان مختلفتان فيكون لهما حكمان مختلفان. ولم يبق سوى هاتين الصورتين: • إما أن تكون الحادثة هي هي مع اختلاف الأزمان فلا يمكن تغيّر حكمها إلّا بالقول بالنسخ ولا سبيل إلى ذلك. • وإما أن تكون الحادثة في الزمن الجديد غير الحادثة في الزمن القديم واختلاف حكمهما حينئذ لايقال له نسخ ولا تغيير، وهنا يتضح ما قلته أن مقابلة النسخ بالتغيير لا ينبني عليه فقه، والقول بأن النسخ قد انقطع والتغيير لم ينقطع لأن هناك فروقًا بينهما ليس صحيحاً. ومن هنا يتبين موضع النزاع وهو الصورة الأولى والتغيير فيها هو النسخ والتبديل المنهي عنهما. وأما الصورة الثانية فليست في موضع النزاع ولا ينبغي أن تقترب منه. وبهذا يتضح لنا السبيل ونحن ندرس هذه المسألة الخطيرة في الدين .. ونستطيع أن نعلم السبب في عدم التفات فقهاء السلف إلى أمثال هذه المقالة، التي أسماها بعض الباحثين "قاعدة"، ذلك أنهم من الفقه والبصيرة، بحيث لا يلتفتون إلى القول بالتغيير، لأنه لا يخرج عن أحد أمرين: إما أن يكون نسخاً وتبديلًا وهذا ليس لأحد من البشر، وإما أن لا يكون تغيراً ولا نسخاً ولا تبديلًا، وإنما هو اختلاف وقائع وتحقيق مناط، ومن هنا نبدأ مناقشة هذه المقالة، لنتعرف على صحة القول بتغيّر الأحكام بتغيّر الزمان، وننظر هل هو قاعدة شرعية، وما هو موقف فقهاء الصحابة وفقهاء السلف منها ونقدم لذلك بذكر أسباب التغيير عند هؤلاء الباحثين، ثم بعد ذلك نفصّل القول في تصوير حقيقة هذه المقالة، ونعتمد في ذلك على أهم الكتب التي انتصرت لها، ثم نناقش ذلك ونتبعه بمناقشة بعض الباحثين فيما نسبوه إلى الإِمامين الجليلين ابن القيم والشاطبي.

стр. 449

المطلب الثاني أسباب التغير وتصوير مذهب المخالفين التغيير عندهم سببه تغيّر المصالح والأعراف (١) والعوائد (٢) وقبل أن أتحدث عن صلاحية هذه الأسباب لتغيّر الأحكام يحسن بي أن أصور مذهب المخالفين ..

стр. 450

تصوير مذهب المخالفين: يرى بعض الباحثين المحدثين أن الصحابة عللوا الأحكام سواء بالعلل المستنبطة أو المنصوص عليها، وعملوا بالمصلحة والحكمة - وهي ما يترتب على الفعل من نفع أو ضرر، ولم يسيروا وراء الأوصاف الظاهرة وكان من نتيجة تعليلهم هذا أن غيّروا بعض الأحكام تبعاً لتغيّر المعنى الذي لأجله شُرع الحكم وفي هذا رد على من منع تبدل الأحكام بتبدل المصالح، ووقف عند المنصوص، وإن أصبح لا يحصل المقصود منه أو لحق الناس من أجله الحرج والمشقة. والسر في ذلك - والله أعلم - أن أصحاب رسول الله نظروا إلى الشريعة في مجموعها، ملاحظين مبادئها العامة، وقواعدها الشاملة كلها في آن واحد، فلم يجمدوا، وأما هؤلاء المانعون (١) فنظروا إلى النصوص الجزئية مفككة كأن كل واحد منها جاء بشرع أبدي لا يتغير، ولكن الأمر الذي لا يغفل عنه هنا، هو أن المتتبع لمسالكهم في هذا التغير يجدهم لم يندفعوا فيه بمجرد ما يلوح أنه مصلحة، بل كانوا يجعلون الأصل هو مادل عليه النص، وأنه الذي يجب التمسك به، كما يؤخذ ذلك من عباراتهم: "كيف نفعل شيئاً لم يفعله رسول الله"، أو "كيف نفعل ذلك مع أن النص يفيد كذا" الخ .. ولا يعدلون عن هذا الأصل إلّا إذا دعت حاجة ملحة، ولا يسلمون التغير إلّا بعد تقليب الأمر على وجوهه، والموازنة بين مصالحه ومفاسده حتى إذا ما بان لهم الراجح عملوا به والله أعلم" (٢). والأحكام - فيما سوى العبادات - تتغير بتغير المصالح والأزمان (٣)، ويقول في موضع آخر: "وشيء جديد لم يظهر في تعليل القرآن وهو أن من

стр. 451

الأحكام ما يدور مع المصلحة ويتبدل بتبدلها، والسبب في ذلك - على ما يظهرِ والله أعلم - أن هذا النوع من الأحكام مفوض لرأي الرسول ﷺ باعتباره إماماً للمسلمين ... " (١). ثم يتحدث عن هذا التبدّل فيقول أنه تبدل في التطبيق فقط، فالرسول ﷺ فُوض إليه الحكم في كثير من الأشياء "وخاصة ما يتعلق بالهيئة الاجتماعية كالمعاملات والعادات وما شابههما حسبما يراه ملائماً للمصلحة، وهو مع ذلك لم يخرج عن كونه شرعاً أصله محكم لا يتبدّل، والذي يتبدل فيه إنما هو التطبيق فقط ... " (٢). وقال في موضع آخر تحت عنوان تبذل الأحكام بتبدل المصالح: نتيجة البحث: "عُلم مما سبق موقف المصلحة من النص، وأنها إذا تعارضت معه في أبواب المعاملات والعادات التي تتغير مصالحها أُخذ بها، وليس هذا إهداراً للنص بمجرد الرأي بل هو عمل بالنصوص الكثيرة الدالة على اعتبارها، وأما إذا كانت المصلحة المستفادة من النص لا تتغير فلا يترك النص أصلاً، وأنه لا يتصور تعارض بينهما فضلًا عن أن يترك النص بها ... " (٣). ثم استدل على إثبات مراده هنا بأن هذا هو مذهب الصحابة وذكر لذلك تطبيقات من فروعهم أراد بها إثبات هذه النسبة، واستدل بوقائع كثيرة وقرر مستنبطاً منها ما يلي: ١ - "ولقد وجدنا أصحاب رسول الله يعارضون أمره بما يترتب عليه من ضرر يلحق المسلمين بسببه فيقرهم على ذلك ﷺ " (٤). ٢ - "أن من الأحكام ما يدور مع المصالح ويتبدل بتبدلها، ومن أنكر

стр. 452

ذلك فقد خالف إجماع الصحابة" ويقصد إجماعهم على تغير الأحكام تبعاً لتغير المصالح (١). ٣ - قال عن عمر ﵁: "فقد منعهم -أي أهل الذمة من العمل -أي في الذبح للمسلمين - مع نص الكتاب على حل ذبائحهم" (٢). ويقصد أن عمراً أوقف العمل بنص الآية. ومع أنه يصف الصحابة بمعارضة الرسول ﷺ ... إلّا أنه يفسر مقصوده فيقول: "والذي نقصده هو إثبات أنهم -أي الصحابة- فعلوا شيئاً لم يكن في زمن رسول الله ﷺ تبعاً لاقتضاء المصلحة، ولا يليق بهم أن يخالفوا فعل رسول الله إلّا إذا علموا أن هذا مقصد الشريعة، ففعلهم هذا عين الموافقة، ولكنا سميناه مخالفة في موطن محاجة الخصم الذي لو سلّم معنا هذا المبدأ "مبدأ التعليل وإن بعض الأحكام يتبع المصلحة لما أطلقنا لفظ المخالفة على شيء من فعلهم" (٣). ٥ - " .. أن من تتبع أحوال الصحابة الذين هم القدوة في كل شيء بعد رسول الله ﷺ لم ير لواحد منهم في مجالس الاستشوار تمهيد أصل واستثارة معنى ثم بناء الواقعة عليه، ولكنهم يخوضون في وجوه الرأي من غير التفات إلى الأصول كانت أو لم تكن" (٤). وقد جاء كلامه هذا في معرض الرد على من اشترط إرجاع المصلحة إلى أصل معين ليشهد لها مبيناً أن هذا أمر مخترع لم ينقل عن أحد من الصحابة (٥). ٦ - " ... ولكن الواقع الذي لا ينكر أن أصحاب رسول الله ﷺ عملوا بالمصلحة في أبواب المعاملات وما يتعلق بالنظام الاجتماعي، وإن كانت

стр. 453

في مقابلة النصوص، واشتهر ذلك عنهم في وقائع كثيرة وهم في ذلك لم يكونوا جناة على الشريعة كيف وهم الذين أقامهم الله حراساً عليها بعد رسول الله ﷺ ، وتبعهم في ذلك التابعون وتابعوهم ثم الأئمة من ورائهم". "فإن قيل إن ما وقع من ذلك لم يصح النص فيه عند الصحابي ولا الإِمام أو صح ولكنه رآه غير حتم، أو كان حتماً ولكن المخالفة راجعة إلى وصف منفك، قلنا مجرد احتمالات ممكنة، وليس كل ما ورد من هذا النوع يمكن تخريجه على هذه الوجوه وتلك الدعوى لا تسلم إلّا إذا صحبها استقراء وحصر لذلك، وهو لم يوجد بعد" (١). ويفهم المؤلف بعد ذلك كله أن المصلحة دليل كباقي الأدلة، فهو لا يتصور وجود مصلحة ملغية في هذا الباب "لأن المصلحة -كما يقول هو- إذا ثبت كونها دليلاً شرعياً في الجملة -كما سنثبته بالأدلة في البحث الآتي - كانت كباقي الأدلة الأخرى، في أن مجرد المعارضة لا يسوغ تسمية الدليل بالملغي .. " (٢). وحاصل ما في هذه النصوص أن المؤلف يقرر الآتي: أولاً: أن الصحابة عللوا الأحكام وعملوا بالمصلحة والحكمة ولم يسيروا وراء الأوصاف الظاهرة، وكانوا يخوضون في وجوه الرأي من غير التفات إلى الأصول كانت أو لم تكن، مع اضطراب في تقرير هذه القضية عنده ستأتي الإِشارة إليه. ثانياً: أن الصحابة عملوا بالمصلحة في أبواب المعاملات وما يتعلق بالنظام

стр. 454

الاجتماعي وإن كانت في مقابلة النصوص، وهذا يدل على أن المصلحة دليل كباقي الأدلة الأخرى. ثالثاً: أن من المصالح ما يتغير بتغير الزمان ولذلك فإن الصحابة بدلوا بعض الأحكام لتبدل الزمان والمصالح، وتارة يقول أن هذا التبديل إنما هو في التطبيق، ويستدل على ذلك بوقائع متفرقة، ويرى مخالفة النص بهذه المصلحة لأنه قد ثبت حجية المصلحة كدليل شرعي بمجموع نصوص. رابعاً: يعتبر هذا المنهج - الذي فهمه من تلك التطبيقات - هو المنهج الحق وأن الأصوليين حادوا عنه واشترطوا شروطاً لم يثبت عليها دليل. ومما تنبغي الإشارة إليه أن الاعتماد على تصوير هذا المذهب من هذا الكتاب خاصة سببه أن هذا الكتاب يعتبر عمدة في الانتصار لهذا الرأي ومنه يغترف أولئك الباحثون الذين جاءوا من بعده، وستكون المناقشة في المطلب الثالث والرابع والخامس والسادس والسابع والثامن حسب الترتيب الآتي (١) والله المستعان. المطلب الثالث مناقشة القول بأن الصحابة عملوا بالمصلحة والحكمة ولم يسيروا وراء الأوصاف الظاهرة بل اتبعوا وجوه الرأي من غير التفات إلى الأصول، وأنهم منعوا العمل ببعض الأحكام، وخالفوا قول رسول الله ﷺ حيث غيروا بعض الأحكام لتغير المصالح واشتهر ذلك بينهم فكان إجماعاً:

стр. 455

١ - منع عمر ﵁ سهم المؤلفة قلوبهم: قال الدكتور مصطفى شلبي: "أحكام وردت مطلقة أو معللة بعلة فلما بحثوها وجدوا تلك العلل قد زالت، أو ما شرع له الحكم قد تغير، فغيروا الأحكام تبعاً لذلك .. من ذلك: حكم المؤلفة قلوبهم شرع الله إعطائهم من الزكاة وأعطاهم رسول الله ﷺ من مال الله كثيراً، وقال في بعض المواضع: "إني لأعطي الرجل وغيره أحب إليّ تأليفاً لقلبه" هؤلاء المؤلفة قلوبهم منهم من كان مسلماً ضعيف الإِيمان ومنهم من كان على دينه، أعطاهم ليقوي إيمان الأول، ويحبب الثاني في الإِسلام، مضى زمن رسول الله ﷺ والأمر على ذلك، ثم حدث في زمن أى بكر ﵁ ما رواه الجصاص في تفسيره عن ابن سيرين عن عبيدة قال: جاء عيينة بن حصن والأقرع بن حابس إلى أبي بكر فقالا: يا خليفة رسول الله إن عندنا أرضاً سبخة ليس فيها كلأ ولا منفعة، فإن رأيت أن تعطيناها فأقطعها إياهما، وكتب لهما عليهما كتاباً فأشهد، وليس في القوم عمر، فانطلقا إلى عمر ليشهد لهما، فلما سمع عمر ما في الكتاب تناوله ثم تفل فيه فمحاه!، فتذمرا وقالا مقالة سيئة، فقال: إن رسول الله ﷺ كان يتألفكما والإِسلام يومئذ قليل، وإن الله قد أغنى الإِسلام، اذهبا فاجهدا جهدكما لا يرعى الله عليكما إن رعيتما ... ! فترك أبو بكر الإِنكار عليه" (١). قال الدكتور: "وهذا دليل على أن من الأحكام ما يدور مع المصالح ويتبدل بتبدلها ومن أنكر ذلك فقد خالف إجماع الصحابة الذي كثيراً ما يحتج به، وقد اعترف بكون إجماعهم حجة كل من قال بحجية الإِجماع. مناقشته: نسلم أن إجماع الصحابة حجة، ونخالف في تفسير النص المنقول عن عمر بهذا التفسير، والاستنتاج السابق من المستدل غير صحيح. والدليل على ذلك أن الآية الواردة في المؤلفة قلوبهم والتي أمرت بإعطائهم تتضمن حكمين في آن واحد وهما:

стр. 456

الأول: أن المؤلفة قلوبهم يعطون من بيت المال. الثاني: وهو ضده أن غير المؤلفة قلوبهم لا يعطون. فعاد الأمر إلى تحديد من هم المؤلفة؟ .. والمؤلفة: هم أولئك الذين يكون الإِسلام بحاجة إليهم لأنهم زعماء في قومهم فإذا أسلموا أسلم من ورائهم مثل عيينة بن حصن والأقرع بن حابس فقد كانا من زعماء تميم فإذا أسلم أمثال هؤلاء تقوى الإِسلام بمن ورائهم. ولعله يدخل في هذا المعنى ما أشار إليه المستدل من أن الرسول ﷺ يعطي الرجل وغيره أحب إليه منه حتى لا يضعف أو يُفتن ويكل الآخرين إلى إيمانهم. فالأول من معنى التأليف لتقوية الإِسلام .. والثاني من معنى التأليف لمنع الفتنة أو الضعف. وإذا وقفنا عند القصة المذكورة نجد أن التأليف لتقوية الإِسلام غير متحقق، فالإِسلام حينئذ كثير، وهذا معنى قول عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يتألفكما والإِسلام يومئذ قليل، أما أنتما اليوم فتريدان أن نتألفكما والإِسلام كثير، فأنتما لستما من المؤلفة قلوبهم اليوم وإن كنتم منهم من قبل، وهذا من عمر هو الفقه، وهو ما يسميه الأصوليون "بتحقيق المناط" (١). فإذا أراد الفقيه أن يطبق النص على حادثة حقق مناطها سواء أكان الفقيه صحابياً أو غير صحابي، فإذا وجد أنها تدخل في حكم النص أعطاها حكمه، وإلّا منعها من الدخول تحته، وهذا ما فعله عمر ﵁ .. فقد حقق في شأن الرجلين، وشأن الإِسلام فعلم أنهما ليسا من المؤلفة قلوبهم، فمنعهم من الدخول تحت الآية ولم يعطهم .. والنص الوارد في القرآن هو هو لم يُبدل ولم يُغيّر، فمن أعطى المؤلفة قلوبهم كما فعل رسول الله، أو ظنهم مؤلفة كما فعل أبو بكر فقد أعمل الآية .. ومن منعهم لأنهم غير مؤلفة فقد أعمل الآية، ولا تغيير ولا تبديل.

стр. 457

ومناط الآية ثابت إلى يوم القيامة، وهو: إعطاء المؤلفة قلوبهم ومنع غير المؤلفة، والتطبيق بحسب الواقعة والحال فأين التبديل والتغيير للحكم، بل أين الإِجماع على ذلك؟ فهذا المثال لا يثبت من دعوى المؤلف شيئاً، وهو مثال يكثر الباحثون من استعماله على الدعوى نفسها .. وأضرب مثالاً آخر يوضح المقصود ولا أحد يخالف فيه إن شاء الله، فأقول: لو أن إنساناً وقف مالاً على الفقراء من طلبة العلم في مسجد معين وجعل لكل منهم قسماً محدداً، ثم إن الناظر أعطى الفقراء ومنع غير الفقراء فهل يعتبر مغيّراً لشرط الواقف ومطلبه، كلا. ثم لو أن بعض هؤلاء الفقراء أصبح غنياً فارتفع عنه وصف الفقر، فلم يعطه الناظر شيئاً هل يعتبر قد غير من شرط الواقف أو مطلبه شيئاً؟ كلا. ثم إن هؤلاء الذين ارتفع وصف الفقر عنهم، لو أنه عاد لهم، ثم عاد الناظر، فأعطاهم أفلا يكون ذلك عملاً بشرط الواقف وقصده؟ إن عمل عمر ﵁ لا يعدو هذه الصورة، ولم يغير ولم يبدّل. إذا عُلم ذلك فلا يجوز لمسلم أن يقول أن عمراً أوقف حكم الآية، ولا أنه ألغاه فالحكم هو الحكم، وعمر هو عمر الوقّاف عند كتاب الله ﵁ وأرضاه .. ٢ - استدل على دعوى تغيّر الأحكام بتغير الزمان فقال: "مثال آخر: أباح رسول الله ﷺ للنساء الخروج إلى المساجد للصلاة كما رواه أبو داود بسنده إلى أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله، ولكن ليخرجن وهن تفلات" (١).

стр. 458

هذا ما كان في زمن رسول الله، ثم حدث بعد ذلك أن تغيرت حالة النساء وأحدثن ما لم يكن في عصر النبوة، حتى قالت عائشة ﵂ ما رواه أبو داود: "لو أدرك رسول الله ﷺ "ما أحدث النساء لمنعهن المساجد كما مُنعت نساء بني إسرائيل" قال: "فقد رأت أن ما حدث يقتضي تغيّر الحكم السابق حينما كان الصلاح عاماً والقلوب عامرة بالإِيمان، ولم يوجد الدخل في بعض النفوس فلو استمر الحكم مع تغير الحال لأدى إلى مفسدة عظيمة تزيد على ما يجلبه الخروج من المصلحة من تعليم الدين وإدراك فضل الجماعة .. ثم ذكر محاورة بين عبد الله بن عمر وابن له رواها أبو داود: قال ابن عمر: قال رسول الله ﷺ : "ائذنوا للنساء إلى المساجد بالليل" فقال ابن له والله لا نأذن لهن فيتخذنه دغلًا والله لا نأذن لهن!! فسبه وغضب، وقال: "أقول قال رسول الله: ائذنوا لهن وتقول: لا تأذن لهن" (١). قال المؤلف: "ولا غرابة في موقف ابن عمر هذا فذلك موقفه غالباً إزاء النصوص فلم يكن من أهل المعاني عكس والده ﵁، وذاك ابنه قد سلك مسلك جده من اعتبار المعاني التي شرعت لها الأحكام فيشرح لوالده السبب مع قسمه بالله، فهل ترى أنه يقسم مرتين وهو يسمع قول رسول الله ويرى غضب والده عليه وسبه له من أجل المخالفة من غير فائدة؟ لا شيء إلّا أنه دين الله والمحافظة عليه بدفع المفاسد عنه. فماذا يقول نفاة التعليل في هذا الموقف؟ لعلهم يتعلقون بأذيال ابن عمر!!! ويقولون مقالته وقد رأوا فساد الأخلاق عم كل مكان وتهتك النساء فاق كل حد وتنطع الشبان بلغ الغاية" (٢) .. مناقشته: نسلم مع المؤلف الرد على نفاة التعليل ونعمل بالقياس والمصلحة التي شهد الشرع لها، ونسلم معه السعي للمحافظة على دين الله بدفع المفاسد عنه، ونخالفه في تحديد الطريق الذي يوصل إلى ذلك، وبيانه:

стр. 459

١ - أن درء المفاسد مطلب شرعي وذلك للمحافظة على الدين، ولكن من أين نعلم أن هذا مفسدة؟ والجواب: من الشارع لأنه كما تقدم لا يستقل العقل بدرك المصلحة والمفسدة، فإذا قلنا هذا مفسدة فلا بد من شهادة الشرع لا نقول، وكذلك إذا قلنا أنه مصلحة. ٢ - موقف ابن عبد الله عمر يدل على أن الخروج إذا ترتب عليه مفسدة يمنع، وهذا لم يدركه بالعقل، بل شهد له الشرع. وهذه الشهادة موجودة في النص نفسه، ألا ترى إلى اشتراط رسول الله ﷺ لعدم منع النساء من الخروج - خروجهن غير متزينات حيث قال: "ولكن ليخرجن تفلات" فإذا لم يتحقق الشرط وهو الخروج تفلات لا يؤذن لهن لأنهم لم يلتزمن به. فمن منع من الخروج علم أن الخروج غير تفلات مفسدة بالنص .. فالقول إذاً بأن هذا مفسدة ليس اعتماداً على العقل وإنما هو بشهادة الشرع .. فلا يقال: "فقد رأيت أن ما حدث يقتضي تغير الحكم السابق" لأن الحكم السابق هو: عدم جواز منع النساء من الخروج إلى المساجد إذا خرجن نفلات وأما إذا لم يخرجن كذلك فقد تركن العمل بالشرط الذي يجيز الخروج لهن فيمنعن، وهذا حكم ثابت لم يتغير ولن يتغير إلى يوم القيامة .. بقي تحقيق المناط هل هذه المرأة تفلة فتخرج أو غير تفلة فلا تخرج .. وهذا وإن تغير فليس هو الحكم .. وإذا تبين هذا سقطت دعوى المؤلف وغيره ممن يعتمد على هذه الآثار في القول بتغير الأحكام بتغير الزمان .. بقي أن نشير هنا إلى خطأ المؤلف في تصويره لمذهب ابن عمر ﵄ حيث قال: "فماذا يقول نفاة التعليل في هذا الموقف، لعلهم يتعلقون بأذيال ابن عمر ويقولون مقالته" وهذا الكلام لا ينبغي أن يقال في حق أحد من الصحابة، بل الواجب على كل مسلم التأدب معهم.

стр. 460

ومع أن نفاة التعليل لا يملكون هذا فإن ابن عمر ليس ممن لا يتبع المعاني، حاصل ما في الأمر أنه شديد الحرص على المتابعة لرسول الله ﷺ حتى في مواطن صلاته في سفره ونحو ذلك. أما أنه معروف بأنه "لم يكن من أهل المعاني" فهذا ليس في النص المذكور دليلاً على ذلك .. ويدل على ذلك أن الصحابة يعملون بقاعدة سد الذرائع .. قال أستاذي الدكتور حسين حامد في كتابه نظرية المصلحة تعليقاً على محاورة ابن عمر لأبيه: "وهذا لا يفسر خلاف الصحابة حول قاعدة الذرائع، فإن أحداً لا يقول بأن الشارع إذا نهى عن مفسدة فإنه يبيح لعباده الطرق والأسباب والذرائع الموصلة إليها، وإلّا كان ذلك تناقضاً، وكان مؤدياً إلى مخالفة مقصود الشارع من دفع المفاسد ما أمكن الدفع، وسد كل طرق الشر ومسالكه، ولكنه يفسر الخلاف - والله أعلم - في تحقيق مناط هذه القاعدة، فبينما ترى عائشة وابن ابن عمر أن الزمن قد تغير، وأن الدين قد ضعف سلطانه على النفوس وأن الخروج إلى المساجد بالليل يتخذ ذريعة إلى المفاسد غالباً، ولذلك يجب أن يمنع محافظة على قصد الشارع الذي عرف من نصوصه، يرى ابن عمر أن العصر الذي يعيش فيه لا زال عصر طهر وعفاف، وأن حصول مفسدة من خروج النساء نادر أو في حكم المعدوم، وأن في شهود النساء المساجد والجماعات مصالح محققة لا تترك لمفاسد معدومة، ولا يمكن القول بأن ابن عمر يجيز خروج النساء إلى المساجد بالليل، وإنْ كثر حدوث الفسق، وغلب وقوع الفاحشة ممن يتذرعن بهذا الخروج إلى أغراضهن الخبيثة، فإن الشارع لا يرضى بالفاحشة ولا يفتح الطرق إلى الفسق قط .. فالخلاف في تحقيق مناط القاعدة وتطبيقها على الجزئيات (١) .. فابن عمر ﵄ من أتباع المعاني والمحافظين على نصوص الشرع ومقاصده. ثم أن اتِّباع الصحابة ﵃ أمثال ابن عمر وغيره والتمسك
следующие страницы →