← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17821

الثبات والشمول في الشريعة الإسلامية

عابد السفياني

Полный текст (594 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

مصلحة أو دفع مفسدة وهو المقصد من التشريع، وحينئذ فالاعتماد عليه أولى من الوصف الظاهر (١). وعورض بأن الحكمة لا تظهر ولا تعرف في بعض المواطن ولذلك أناط الشارع الحكم بالوصف الظاهر المنضبط، وعند ذلك علمنا أن هذا هو المعتبر، وحتى إن تخلف الحكمة في بعض الأحيان لا يمنع اتباع الوصف الظاهر بالحكم، فالسفر وصف ظاهر يتبعه الحكم برخصة القصر حتى للملك المرفه الذي تحققنا أن المشقة لا تلحقه بسفره وكذلك الحمالين في شدة الحر قد تحققنا أن المشقة تلحقهم وأن الحكمة تحقق فيهم لكن لم يربط الشارع الحكم بها. الفرع الثاني • الرأي الثاني: عدم الجواز مطلقاً، ونسبه الآمدي للأكثرين (٢). واستدل أصحاب هذا المذهب. ١ - قالوا إنما جاز التعليل بالوصف الظاهر المنضبط لتعذر التعليل بالحكمة (٣). ٢ - أن الحكمة - وهي المصلحة أو المفسدة - متعلقة بالحاجات والأمور الباطنة، فلا يمكن الوقوف على مقاديرها لاختلاف الأشخاص والأحوال، ولذلك ربط الشارع الحكم بالوصف الظاهر المنضبط ولم يربطه بالحكمة لعدم إمكان ذلك. وأجيب عنه: بأنه لو لم يمكن العلم بها لما أمكن العلم بالوصف الظاهر

стр. 387

فإن الوصف لايُعلم إلا إذا عُلمت ثم إنه يجوز التعليل به اتفاقاً وكذلك الحكمة. فإذا ظن المجتهد ربط الحكم بهذا الوصف الظاهر المشتمل على جلب المصلحة أودرء المفسدة - وهي الحكمة - حصل الظن بمقدارها فيربط الحكم بالفرع لأن العمل بالظن واجب (١). ويرد على هذا الجواب أن الحكمة لما لم تنضبط ربط الشارع الحكم بما ينضبط وهو الوصف الظاهر فيكون هو المعتبر وإن تخلفت الحكمة كما في مثال سفر الملك المرفه (٢). وأُورد عليه: أن الحكم رُبط بالوصف المشتمل على المشقة وهو السفر ولم يُربط بكونه سفراً فقط (٣). والجواب: أننا علمنا ابتداء أن الحكم إنما رُبط بكونه سفراً فقط، ثم عرفنا بعد ذلك - استنباطاً - أن حكمته هي المشقة غالباً. وما ذكره الشلبي من قوله "مسألة السفر والقصر فيه التي جعلها مانعوا التعليل بالحكمة متكئاً لهم في الذهاب إلى الأوصاف وإهدار الحكم ليس فيها تعديه، ولم يجني المتكلمون فيها بعد طول الجدال فائدة، فلا عدى الحكم إلى غير المسافر ولا منع الملك المرفه" (٤). وهذه المناقشة لدليل المانعين لاتستقيم، لأنهم استدلوا بهذا المثال على إبطال التعليل بالحكمة وهو دليل لهم، على منع التعليل بها في حالة عدم الانضباط - كما هو في المثال السابق وهنا تتحقق الفائدة.

стр. 388

وأما على مذهب المؤلف - إذا اعتبر جواز التعليل بالحكمة مطلقاً فيلزمه التعدية إلى غير المسافر ويلزمه أيضاً منع الملك المرفه. الفرع الثالث • الرأي الثالث: التفصيل: يجوز التعليل بالحكمة إذا كانت ظاهرة منضبطة، وأما إذا كانت خفية مضطربة فلا وهو اختيار الآمدي. واستدل: بأن الحكم إنما ربط بالوصف الظاهر لأنه مشتمل على حكمة خفية، وإننا أجمعنا على ذلك، فإذا عرفت الحكمة وكانت مساوية له كانت أولى بربط الحكم بها (١). وأعترض عليه بأن إمكان ضبط الحكمة غير مسلم لرجوعها إلى جلب المصالح ودفع المفاسد، وهي مما تخفى وتضطرب فلا تكون منضبطة، وإن أمكن ذلك فلا يمكن إدراكه إلا بعسر ومشقة وحرج وهو مدفوع بقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾. أما منع التعليل بها إذا لم تكن ظاهرة منضبطة فلعدم إمكان الوقوف عليها لاختلاف الأشخاص والأحوال، فيجب ربط الحكم بالوصف الظاهر الذي هو المظنة، وبذلك يُرفع الحرج أيضاً. ومثاله الملك المرفه فإنه يقصر الصلاة وإن لم تتحقق المشقة في حقه (٢)، والحمالون في البلاد الحارة لا يقصرون في الحضر مع أنهم يجدون أضعاف ما يجده المسافر الذي يقطعِ فرسخاً في كل يوم وسبب ذلك عدم إمكان ضبط المشقة فربطت بالمظنة وجوداً وعدماً. وأورد عليه: أن الحرج وإن كان موجوداً في البحث عن الحكمة الخفية الا أن ذلك متحققاً عند البحث عنها لمعرفة الوصف الظاهر، بل هو أشق.

стр. 389

ورد بمنع التساوي في الحرج لأن معرفتها على ضابطها يسهل تحديدها، وأما إذا خلت عن الضابط فإن التعرف عليها فيه حرج شديد وممن رجح مذهب الآمدي الدكتور الشلبي حيث قال: "وقد أطال الآمدي في الاعتراض والجواب بما لا يخرج عن المناقشات في الأدلة السابقة ومن هذه المناقشة يتبين لنا رجحان مذهب المفصلين" (١). ونسب إلى الإِمام الشاطبي القول بمذهب المجوزين مطلقاً وقد اعتمد في ذلك على نص الشاطبي في تعريف العلة حيث قال: "أما العلة فالمراد بها الحكم والمصالح التي تعلقت بها الأوامر أو الإِباحة، والمفاسد التي تعلقت بها النواهي فالمشقة علة في إباحة القصر، والفطر في السفر، والسفر هو السبب الموضوع سبباً للإِباحة، فعلى الجملة: العلة هي المصلحة نفسها أو المفسدة نفسها لا مظنتها كانت ظاهرة أو غير ظاهرة، منضبطة أو غير منضبطة وكذلك نقول في قوله ﵊ "لا يقضي القاضي وهو غضبان" فالغضب سبب، وتشويش الخاطر عن استيفاء الحجج هو العلة، على أنه قد يطلق هنا لفظ السبب على نفس العلة لارتباط ما بينهما ولا مشاحة في الاصطلاح" (٢). وعلق عليه الشلبي بقوله: "فالناظر في كلامه يراه قد أطلق السبب على الأوصاف الظاهرة المنضبطة التي جعلها الأصوليون علة وعمم فيها حتى شملت الأسباب المشروعة لأحكام وضعية كالبيع الموضوع لانتقال الأملاك والأسباب الموضوعة لأحكام تكليفية كحصول النصاب لوجوب الزكاة، ونراه في العلة يقول: المراد بها الحكم والمصالح، ثم يقول: فعلى الجملة العلة هي المصلحة نفسها والمفسدة نفسها، ولم يشترط فيها الظهور والانضباط كما شرطوا ثم يصرح بأن المسألة اصطلاح" (٣). ويُناقش الكاتب كما يلي:

стр. 390

أولاً: قوله أن الشاطبي صرح بأن المسألة اصطلاح، يشعر بغير مقصوده، لأن اصطلاحه إنما هو خاص بالتسمية وهو يطلق لفظ "السبب على معنى" العلة عند الأصوليين، ويسمي الحكمة عندهم علة أما التعليل بهما او بأحدهما فهذه مسألة أصولية تحتاج إلى تقييد شرعي. ثانياً: قوله لم يشترط فيها الظهور والانضباط كما شرط الأصوليون، يريد الكاتب أن يقول أن الشاطبي لا يشترط الظهور والانضباط في التعليل بالحكمة وأن مذهبه هو مذهب القائلين بجواز التعليل بها مطلقاً، وعلل ذلك بقوله أنه لم يشترط لها شروطاً كما اشترطوا، وتابعه على هذا التفسير بعض الباحثين (١). وبعد بيان نظرة المؤلف ومن تابعه انتقل إلى بيان مذهب الشاطبي من كتابه الموافقات وقد حاولت ما استطعت استقراء المواضع التي تكلم فيها الشاطبي عن الحكمة لكي أتعرف على مذهبه دون الاقتصار على النص الذي نقله الشلبي. والمقصود من ذلك هو التأكيد على أن بعض الباحثين يتتبعون بعض نصوص الأئمة ويبنون عليها بعض آرائهم كما سيتبين لنا في هذا الموضع، وقد ذهب الكاتب إلى إطلاق المصلحة - وهي نوع من القياس - من ضوابطها، واستدل على ذلك بمجموعة نصوص لبعض الأئمة (٢) منها هذا النص المنقول عن الإِمام الشاطبي، وقد خصصت له هذا الموضع لأنه مرتبط بالتعليل بالحكمة وسأبني عليه عند الحديث عن المصلحة ومناقشة موقف الكاتب منها ومن نصوص الأئمة وفتاواهم. وإليك الأن تحقيق مذهب الإِمام الشاطبي.

стр. 391

الفرع الرابع تحقيق مذهب الإِمام الشاطبي في التعليل بالحكمة يرى الإِمام الشاطبي تسمية "العلة" - التي يعتبرها الأصوليون الوصف الظاهر المنضبط - سبباً، وعرفه "بأنه ما وضع شرعاً لحكم لحكمة يقتضيها ذلك الحكم" مثل السفر، فإنه سبب لمشروعية قصر الصلاة فيه. ويرى تسمية "الحكمة" - التي يعتبرها الأصوليون - المناسبة التي اشتمل عليها الوصف الظاهر المنضبط - بالعلة، وهي عنده الحكم والمصالح التي تعلقت بها الأوامر والإِباحة، والمفاسد التي تعلقت بها النواهي. فالسفر سبب في قصر الصلاة، والمشقة هي العلة التي شرع من أجلها القصر، وقال: "وقد يطلق هنا لفظ السبب على نفس العلة لارتباط ما بينهما ولا مشاحة في الاصطلاح" (١). فالعلة هي الحكمة التي هي المصلحة أو المفسدة، والإِمام الشاطبي يرى أن المصلحة والمفسدة لا يمكن أن تستقل العقول بإدراكها: أولاً: لما تقرر أن العقل ليس بشارع، ولو أدرك المصلحة والمفسدة ولم يحتج إلى الأدلة الشرعية لكان مستقلاً في التشريع (٢).

стр. 392

ثانياً: أن المصالح والمفاسد مضطربة وضابطها هو عدم مخالفتها للشريعة، فدفع المشقة مثلاً بالنسبة للمسافر وغيره "تختلف بالقوة والضعف، وبحسب الأحوال وبحسب قوة العزائم وضعفها، وبحسب الأزمان وبحسب الأعمال، فليس سفر الإنسان راكباً مسيرة يوم وليلة في رفقة مأمونة وأرض مأمونة وعلى بطء وفي زمن الشتاء وقصر الأيام، كالسفر على الضد من ذلك في الفطر والقصر، وكذلك الصبر على شدائد السفر ومشاقه يختلف .. وكذلك الصبر على الجوع والعطش .. وكذلك المريض بالنسبة إلى الصوم والصلاة والجهاد وغيرها، واذا كان كذلك فليس للمشقة المعتبرة في التخفيفات ضابط مخصوص ولا حد محدود يطرد في جميع الناس، ولذلك أقام الشرع في جملة منها السبب مقام العلة .. فاعتبر السفر لأنه أقرب مظان وجود المشقة ... " (١). فالعبرة بالمظنة إذا لا بمجرد الحكمة. ثالثاً: صرح الشاطبي في موضع آخر بأن "المصالح في التكليف ظهر لنا من الشارع أنها على ضربين". (أ) "ما يمكن الوصول إلى معرفته بمسالكه المعروفة كالإِجماع والنص والإِشارة والسبر والمناسبة وغيرها، وهذا القسم هو الظاهر الذي نعلل به ونقول إن شرعية الأحكام لأجله" (٢). (ب) "ما لا يمكن الوصول إلى معرفته بتلك المسالك المعهودة ولا يطلع عليه الا بالوحي، كالأحكام التي أخبر الشارع فيها أنها أسباب للخصب والسعة وقيام أبهة الإِسلام" - وضرب أمثلة أخرى - وقال: "وإذا كان معلوماً من الشريعة في مواطن كثيرة أن ثم مصالح أخرى غير ما يدرك المكلف لا يقدر على استنباطها ولا على التعدية بها في محل آخر، إذ لا يعرف كون المحل الآخر

стр. 393

-وهو الفرع - وجدت فيه تلك العلة البتة، لم يكن إلى اعتبارها في القياس سبيل فبقيت موقوفة على التعبد المحض، لأنه لم يظهر للأصل المعلل بها شبيه إلا ما دخل تحت الإِطلاق أو العموم المعلل، وإذ ذاك يكون أخذ الحكم المعلل بها متعبداً به، ومعنى التعبد به الوقوف عند ما حد الشارع فيه من غير زيادة ولا نقصان" (١). ومقصود الشاطبي ظاهر من هذه النقول، وأذكر هنا مثالين تزيد المقصود وضوحاً: الأول - قصر الصلاة في السفر للملك المترفه: قرر المانعون للتعليل بالحكمة أن الشارع ربط الحكم وهو قصر الصلاة بالسفر وهو علة عندهم، ولا يشترط تحقق الحكمة. والشاطبي - باصطلاحه الخاص - يذهب المذهب نفسه، فالسفر سبب وهو المظنة ولا عبرة بالحكمة التي هي المشقة لعدم انضباطها كما بين سابقاً، وأضيف هنا ما قاله في موضع آخر: من أن المشقة بالنسبة للملك ممكنة، قال إن "انتفاء المشقة بالنسبة إلى الملك المترفه غير متحقق، بل الظن بوجودها غالباً، غير أن المشقة تختلف باختلاف الناس ولا تنضبط، فنصب الشارع المظنة موضع الحكمة ضبطاً للقوانين الشرعية" (٢)، وهذا النص - مثل النصوص السابقة يدل على أن الشاطبي يشترط للتعليل بالحكمة اتباع المظنة، أما اتباعها بغير شروط فليس في كلامه ما يدل عليه. الثاني - مثال آخر: قال الشاطبي: " .. كما جعل -أي الشارع- التقاء الختانين ضابطاً لمسبباته المعلومة، وإن لم يكن الماء عنه لأنه مظنة، وجعل الاحتلام مظنة حصول العقل القابل للتكليف لأنه غير منضبط في نفسه إلى أشياء من ذلك كثيرة" (٣).

стр. 394

فالسبب موجب لربط الحكم به سواء تحققت الحكمة أم لم تتحقق واسمع إليه يقول جواباً عن اعتراض أورد عليه، قال: "إن العامل -أي المتعاطي للسبب - قد تعاطى السبب الذي تنشأ عنه المفسدة أو تفوت به المصلحة وهو الشرب والإِيلاج المحرمان في نفس الأمر، وهما مظنتان للاختلاط وذهاب العقل، ولم يضع الشارع الحد بإزاء زوال العقل أو اختلاط الأنساب، بل بإزاء تعاطي أسبابه خاصة .. فالمولج والشارب قد تعاطيا السبب على كماله فلا بد من إيقاع مسببه وهو الحد، وكذلك سائر ما جرى هذا المجرى مما عُمل فيه بالسبب لكنه أعقم" (١). فالشريعة وضعت الحكم بإزاء السبب ولم تضعه بإزاء الحكمة، وذلك لأن السبب هو المظنة المنضبطة، والحكمة - وهي المصلحة أو المفسدة - تختلف مقاديرها باختلاف الأشخاص والأحوال ... فإن أمكن معرفتها وربطها بمظنة منضبطة فما الحكم عند الإِمام الشاطبي: فالجواب: أن الأحكام عنده قسمان: الأول: ما غلب عليه جهة التعبد. الثاني: ما غلب عليه جهة الالتفات إلى المعاني. فبالنسبة للأول قال الشاطبي ﵀: " .. علمنا من مقصد الشارع التفرقة بين العبادات والعادات وأنه غلب في باب العبادات جهة التعبد وفي باب العاديات جهة الالتفات إلى المعاني والعكس في البابين قليل .. " (٢). ثم قال: "وإذا ثبت هذا فمسلك النفي متمكن في العبادات وهو العمدة" (٣) أي فلا نتعدى بالحكم محالها. أما بالنسبة للثاني فقد قال: إذا كانت العلة معلومة منضبطة "وتعرف العلة

стр. 395

هنا بمسالكها المعلومة في أصول الفقه فإذا تعينت علم أن مقصود الشارع ما اقتضته تلك العلل من الفعل أو عدمه، ومن التسبب أو عدمه، وإن كانت غير معلومة فلابد من التوقف عن القطع على الشارع أنه قصد كذا وكذا، إلّا أن التوقف هنا له وجهان من النظر" (١). الوجه الأول: "أن لا نتعدى المنصوص عليه في ذلك الحكم المعين أو السبب المعين، لأن التعدي مع الجهل بالعلة تحكم من غير دليل، وضلال على غير سبيل .. فالتوقف هنا لعدم الدليل". الوجه الثاني: "أن الأصل في الأحكام الموضوعة شرعاً أن لا يتعدى بها محالها حتى يعرف قصد الشارع لذلك التعدي، لأن عدم نصبه دليلًا على التعدي دليل على عدم التعدي، إذْ لو كان عند الشارع متعدياً لنصب عليه دليلاً ووضع له مسلكاً، ومسالك العلة معروفة ... " (٢). فهذان الوجهان كلاهما متجه، والأول: يقتضي التوقف من غير جزم بأن التعدي غير مراد، ويقتضي إمكان أنه مراد فيبقى الأمر في قصد الشارع له بالنسبة للمجتهد محتملاً. والثاني: يقتضي الجزم بنفي التعدي من غير توقف ويحكم علماً أو ظناً بأنه غير مقصود للشارع. فإذا كان هذان الوجهان متجهين صار عمل المجتهد معهما كعمله عند تعارض الدليلين، والاحتياط هنا أولى (٣). وصرح الشاطبي بمثل هذا في موضع آخر فقال: " ... فعلى هذا إذا

стр. 396

كانت العلة غير منضبطة ولم يوجد لها مظنة منضبطة فالمحل محل اشتباه، وكثير ما يرجع هنا إلى أصل الاحتياط فإنه ثابت معتبر" (١). ومن الأمثلة التي تنضبط فيها الحكمة: قوله ﵇ "لا يقضي القاضي وهو غضبان" (٢). فإذا "نظر -أي المجتهد- إلى علة منع القضاء فرآها الغضب وحكمته تشويش الذهن عن استيفاء الحجاج بين الخصوم، فألحق بالغضب الجوع والشبع المفرطين والوجع وغير ذلك مما فيه تشويش الذهن" (٣). والتعدية هنا بالحكمة بالمظنة المنضبطة التي عُلمت في الفرع، وهذا معنى قوله: "إذا كانت العلة غير منضبطة ولم يوجد لها مظنة منضبطة فالمحل محل اشتباه" فالشرط إذًا في التعليل بالحكمة أن يكون لها مظنة منضبطة وإلّا فالمحل محل اشتباه الاحتياط فيه معتبر. والحاصل أن مذهب الإِمام الشاطبي يتضمن أموراً: الأول: أن ما يسميه الأصوليون علة يسميه سبباً، وأن ما يسميه الأصوليون حكمة يسميه علة. الثاني: أن الحكم -وهي المصالح والمفاسد- مختلفة المقادير ومتفاوتة والمعول عليه في إدراكها هوما عول عليه الشرع من اعتبار المظنة المنضبطة. الثالث: أن من الحكم والمصالح التي تدخل تحت التعليل العام المطلق ما لا يصح ربط الحكم بها، لأنه لا يُعرف أن "الفرع" متضمن لها فلا يتعهد بها موضعها، ومقصود الشارع حينئذ الوقوف عندما حده من غير زيادة ولا نقصان. الرابع: أن مسلك نفي التعدي متمكن في العبادات.

стр. 397

الخامس: أن التوقف والاحتياط متمكن في العادات لأن العلة إذا لم يوجد لها مظنة منضبطة فالمحل محل اشتباه. وبعد: فهذا هو مذهب الإِمام الشاطبي، وتعلق الشلبي وغيره بنص واحد من الموافقات لا يفيده شيئاً فيما قاله ونسبه إلى الشاطبي (١)، لأن النص الذي نقله ليس فيه إلا أن الشاطبي يعتبر العلة "هي المصلحة نفسها أو المفسدة نفسها لا مظنتها كانت ظاهرة أو غير ظاهرة منضبطة أو غير منضبطة، وكذلك نقول في قوله ﵊ "لا يقضي القاضي وهو غضبان" فالغضب سبب وتشويش الخاطر عن استيفاء الحجج هو العلة، على أنه قد يطلق هنا لفظ السبب على نفس العلة لارتباط ما بينهما ولا مشاحة في الاصطلاح" (٢). فإذا أردنا أن نأخذ من هذا النص أن الشاطبي يسمي الحكمة سواء انضبطت أو لم تنضبط "علة" فنعم، أما إن أردنا أن نقول أنه لا يشترط في التعليل بالحكمة كما اشترط بعض الأصوليين فذلك لا يدل النص عليه. فقول الدكتور شلبي: "فعلى الجملة العلة هي المصلحة نفسها والمفسدة نفسها ولم يشترط فيها الظهور والانضباط كما اشترطوا" غير مستقيم، لأن النص لا يفيد أن الشاطبي يعلل بمطلق الحكمة، ومعرفة مذهبه تكون بدراسة موقفه:

стр. 398

١ - من شروط التعليل بالحكمة وهل يشترط انضباط المظنة أم لا؟ ٢ - من شرطه في اعتبار المصلحة دليلًا شرعيًا. وقد تبين من مجموع نصوصه أن موقفه من التعليل بالحكمة غير ما فهمه الشلبي وأما المصلحة فسيأتي لها زيادة بيان إن شاء الله .. فالحاصل أن التعليل بالحكمة مشروط بانضباط المظنة, فإذا انضبطت المظنة هنا كما انضبطت في ربط الشارع القصر بالسفر, والحد بالإيلاج أو شرب المسكر فيجوز حينئذ التعليل بها. الفرع الخامس بيان أثر ذلك على الثبات والشمول إن الشمول يتحقق لنا في الأحكام القياسية لأنا لم نقتصر على ربط الحكم بالعلة فقط, ولكن ربطناه بالحكمة بشرطها المذكور, وهذا يجعل أداة القياس أقدر على تحقيق الشمول من مجرد ربطه بالوصف الظاهر وهنا ينبغي أن نأخذ بالعدل ونلاحظ عدم الاضطراب والاختلاف حتى لا نقع فيه, فإذا خرجت الحكمة عن الانضباط لم يمكن ربط الحكم بها حينئذ لأنها تؤدي إلى اختلاف الحكم واضطرابه وهو ينافي الثبات. ولذلك لا بد من ملاحظة الثبات والشمول في آن واحد فلا نعلل بمطلق الحكمة .. ولا نمنع التعليل بها إذا انضبطت, وقد تبين من خلال تلك الدراسة والمناقشة أن مذهب المفصلين هو الصواب وأن مذهب الشاطبي تبع لمذهب المفصلين. ونحن في هذا وذاك نعمل "الأصل" الثابت ونحافظ عليه, وأما إعماله والاستفادة منه فيكون بنقل حكمه إلى "الفرع" الذي عملنا مشابهته للأصل إما عن طريق "العلة" أو "الحكمة" بشرطها, وهنا نكون قد حققنا الاجتهاد وأدركنا شمولية الشريعة عن طريق أداة القياس, وهي إلحاق الفرع بالأصل .. وجميع العادات والأحوال التي تمر بها البشرية متشابهة ولذلك تكاد تكون

стр. 399

محصورة من حيث إمكان تحديد أوجه الشبه بينها -حتى وإن لم يكن حصرها من حيث كونها جزئيات ووقائع- وإذا لحظنا المشابهة وهي أمر مسلم به لأن أفراد البشر يشتركون في طبيعة الإِنسان عقلاً وروحاً وجسدًا، ويشتركون في تفاعلهم مع هذا الكون من حولهم، ويتتابع عليهم -في الجملة- الليل والنهار والشمس والقمر وفصول السنة، ويقع عليهم تشابه كبير في متاجرهم ومصانعهم وفي تعاملهم مع غيرهم، وترد عليهم الأمراض المتشابهة، والأحزان المتماثلة، وأفراحهم متقاربة، نعم يختلفون بعد ذلك في المنهج الذي يلتزمون به .. ويبقى بعد ذلك وقوع التشابه في ذلك كله في الجملة، وهذا يعني أن جميع الوقائع والأحوال تأخذ من التشابه فيما يتصل من الأحداث والوقائع بحياة البشر في جميع تلك الأمور -وإن لم يمكن حصرها من حيث الجزئيات- إلّا أنه يمكن حصرها من حيث التشابه وهذا هو المقصود، فإذا كانت محصورة -وهي كذلك- أمكن ربط المتشابهات والمتماثلات بالأصل الشرعي المشابه لها، فتضيق تلك الدائرة التي يُظن أنها لا تنحصر أبداً لتصبح هي في ذاتها محصورة وذلك على مرحلتين: الأولى: أن وقائع البشرية وأحداثها ترجع إلى طبيعتها المتشابهة في جميع أقطار الأرض، فهي على سعتها تضيق حتى يمكن جمع أطرافها وجزئياتها عن طريق رد المتماثلات إلى بعضها البعض، فإذا هي وقائع وأحداث يمكن حصرها. الثانية: أخذ هذه الوقائع والأحداث وربطها بالأصول الشرعية كل حسب ما يشبهه. ويتحقق لنا هذا الشمول ونحن محافظون على الثبات لأننا لم نعمل الأصل ونستفد منه بغير ضابط، بل لاحظنا الضابط الشرعي وحددناه من خلال التعرف على موقف الشرع منه، فوجدنا أن اتباع العلة والحكمة بشرطها هو الضابط فتمسكنا به، ولم نتعده إلى التعليل بمطلق الحكمة، والضوابط هي أداة الثبات كما يتبين ذلك من خلال موضوعات البحث جميعها، فأداة القياس الشرعي على الصورة التي قدمناها وهي الوسط بين مسلك المتوسعين والمانعين

стр. 400

-مع ما ذكرناه في التعليل بالحكمة- تجمع بين المحافظة على الثبات والشمول في آن واحد، وهذه الطريقة تجمع بين خصوصيات الألفاظ واعتبار معانيها منفردةً ومجتمعةً فلا هي تقف عند خصوصيات الألفاظ، وتجمد عليها وتهمل اعتبار المعاني - ومن صنع ذلك لم يدرك شمول الأحكام القياسية ولم يستفد من مدلول النص الاستفادة المطلوبة، ولم يسهل عليه حصر الوقائع في أشباه متقاربة وإدخالها تحت أحكامها الشرعية عن طريق حمل "الفرع" على "الأصل" وعسر عليه الخروج عن التناقض والاضطراب ووقع في الحرج - ولا هي تتبع المعاني معرضة عن الالتفات إلى خصوصيات الألفاظ فإن ذلك يوجب رفع الضوابط الشرعية، لأنها لا تعرف من تتبع المعاني وحدها، بل تعرف من مجموع خصوصيات الألفاظ، واعتبار المعاني، فإذا اعتبرنا المعاني الشرعية فإن هذا الاعتبار وإن كان مطلوبًا إلّا أن تحديده ومعرفة مداه لا بد له من ضابط يحفظه من اتباع مجرد الحكم والأوصاف الملغية والمعاني التي يظنها الناس مصالح وهي في حقيقتها مفاسد، والضابط في الحقيقة هو خصوصيات الألفاظ، فإذا علمنا أن مايظنه المجتهد معنى شرعياً - يخالف نصاً شرعياً حكمنا عليه حينئذ بأنه ليس من المعاني الشرعية التي يعمل بها، فخصوصيات الألفاظ ركن ركين يجب اعتباره فهي الشاهد بالصحة والسلامة أو بالفساد على اجتهاد المجتهد، فقد يظن أن هذا الأمر مصلحة - إذا تتبع المعاني الشرعية كما يفهمها - وهنا تحتمل صحة اجتهاده أو خطأه، فإذا رجعنا إلى خصوصيات الألفاظ فلم نر تصادمًا بينها وبين اجتهاده علمنا أن تتبعه للمعاني معتبر شرعاً، فالقياس هو العمل بمجموع الأمرين معاً، "الأصل ثابت الحكم" و"العلة" ثابتة والحكمة المعتبرة في معناها، وخصوصيات الألفاظ معتبرة والمعاني متبعة، فيوصل المجتهد مقصد الشارع إلى "الفرع" في صورة حكم محدد، فالمعاني مادة تصل بين الفرع والأصل، وخصوصيات الألفاظ مصدر وشاهد، منه يستقي المجتهد وعليه يصحح اجتهاده فإن عاد اجتهاده على الأصل بالإِبطال فاجتهاده باطل، وكذلك "الإِجماع" يعتبر أصلًا وهوفي حكم "النص" لا بد من المحافظة عليه، لأن الإِجماع لايكون إلّا عن نص -كما سيأتي في باب الإِجماع- فهو معصوم كما أن النص معصوم، فكما يكون النص مادة القياس تكون ثمرته التي هي الحكم المجمع عليه كذلك،

стр. 401

وهذه المادة لا بد من المحافظة عليها تمامًا كما نحافظ على خصوصيات الألفاظ لأنها مصدر وشاهد، فما خالفها من القياس فهو باطل. ومن هنا تأتي خطورة الجمود على خصوصيات الألفاظ، أو الإِغراق في اتباع المعاني وإهمال خصوصيات الألفاظ، ولذلك قررت طريقة ابن القيم والشاطبي لأنها تمثل الوسط والعدل في إعمال القياس الشرعي، كما عمل به الصحابة - رضوان الله عليهم - (١). وننتقل إلى معنى آخر مهم جداً ألا وهو الأمر الثاني وهو: هل القياس مسلك عقلي أم منهج شرعي؟ المطلب الثالث القياس منهج شرعي لا مسلك عقلي ومعنى ذلك أن القياس أداة شرعية محكومة بالضوابط الشرعية فلا يتصور أبداً أن تخرج عنها إلّا إذا رُفعت عنه صفة "الشرعية" وحينئذ لا تلزمنا نتيجته. أما إذا كان مسلكًا عقلياً فمعنى ذلك أنه حاكم على الشرع ويأخذ صلاحيته من صلاحية النظر العقلي، فإذا حكم العقل بشيء أصبح حكمه حجة وما يعارضه -وإن كان من الشرع- لا عبرة به، فإذا كان القياس مسلكاً عقلياً فقد خرج حينئذ عن الالتزام بضوابط الشرع لأنه حجة مستقلة بنفسه، هو فيها حاكم ورائد، فإذا كان الأول أخذناه المأخذ الذي حددنا سماته في أول الباب وعرفنا ضوابطه وكيف يتحقق من خلالها الشمول والثبات، وهو لا يأتي حينئذ إلّا بخير، لأن قاعدة المنهج الشرعي هي الإِعجاز كما بيناه سابقًا، وهذا الإِعجاز من سمته الثبات والشمول وهو متحقق في باب القياس، فالنصوص يستفاد منها في تتبع معانيها ويكون منها المصدر والشاهد في الوقت نفسه ويستمر هذا الاستثمار ولا ينقطع أبداً، كل ما جاء جيل من أجيال البشرية - وهو مهتد

стр. 402

بأحكام هذه الشريعة - وجد له علماؤه المجتهدون فيها ما يحتاج إليه من الأحكام فيتجدد الاستنباط مع المحافظة على "الأصل"، وهو المصدر والشاهد على سلامة ذلك الاستنباط، ولا يمكن "للعقل" أن يقوم بهذه المهمة، لأنها في حقيقتها هي عبارة عن إنزال الوحي - الذي هو مجموع النصوص - والنص الواحد هو عبارة عن "الأصل" الذي هو أحد أركان القياس، وهذا الوحي متضمن لمعاني وحكم مناسبة منضبطة منصوص عليها أو متضمنة فيه وهي ما يطلق عليها العلل والحكم، وهذه هي مادة القياس، فمن يستطيع أن يقوم بهذه المهمة وهي إنشاء "الأصل" المتضمن للعلل والحكم إلّا الشارع الحكيم؟ ولهذا كان القياس منهجاً شرعياً لا مسلكاً عقلياً، أي أنه لا يُبنى على حكم العقل، وإنما يُبنى على حكم الشرع، وحينئذ يتحقق فيه الثبات والشمول على ما بيناه سابقاً، ويسلم من ضد ذلك، إذ لو كان عقلياً لوقع في الاختلاف والاضطراب والقصور. بقي أن نفسر عمل المجتهد في نقل الحكم من الأصل إلى الفرع وهو عمل بشري أداته العقل، فكيف والحال كذلك يكون القياس منهجًا شرعياً، ونذكر جواب الإِمام الشاطبي في هذا الموضع ثم نبني عليه، وحاصله: أن القياس نظر في أمر شرعي، مأخوذ من الأدلة الشرعية يُبنى عليها ويُضبط بها، فإذا ألحقنا المسكوت عن حكمه وهو "الفرع" بالمنصوص عليه وهو "الأصل" فإن العقل لا دخل له في إنشاء حكم الأصل الذي هو المنصوص عليه، ولا في حكم "الفرع" الذي هو المسكوت عنه، فإن الأول عُلم بالنص وهو من عند الله سبحانه، والثاني عُلم بعد أن تتبع المجتهد علة الحكم فوجدها في "الفرع" فَنَقَل الحكم إليه التزامًا بأمر الشارع حيث طلب منه أن يسوي بين "الفرع" و"الأصل" في الحكم إذا استويا في العلة، والعقل لم يُنشئ الحكم في النص، ولم يحكم بوجوب إلحاقه بالفرع، وهذا معنى قولنا القياس منهج شرعي، لا عقلي، فهو وإن كان فيه جهد عقلي إلّا أنه كما يقول أبو إسحاق الشاطبي: "مهتد فيه بالأدلة الشرعية يجري ما أجرته ويقف حيث وقفته" (١).

стр. 403

وإليك شرح هذه العبارة وذلك بمراجعة أركان القياس: "الأصل" و"الفرع" و"حكم الأصل" و"العلة"، أما الأصل وحكمه وعلته فهو عبارة عن "النص ومعناه" وهذا من وضع الشارع لا دخل للعقل فيه البتة. وأما "الفرع" فوجوب تعدية الحكم إليه إن كان محلًا له أمر شرعي أيضاً لا حكم عقلي. فالشارع أنزل أصلاً وحكماً وضمنه علة أو نص عليها وأمر بنقل الحكم اذا وُجِدتْ تلك العلة في موضع آخر، والمجتهد يبذل جهده - وهو مهتد بهذه الأوامر الشرعية فيجري حيث أجرته ويقف حيث وقفته، فإذا أمرته بتعدية الحكم تبين علته وحددها واستنبطها من النص إن لم يكن منصوصاً عليها ثم ينظر بجهده العقلي في الفرع ليتحقق من كونه محلًا للحكم، فإن وجده كذلك نقل الحكم إليه وهذا النقل استجاب فيه لحكم الشرع، وإن لم يجده كذلك قصر الحكم على الأصل ولم ينقله وهو مستجيب في ذلك لحكم الشرع أيضاً، فيجري حيث أجراه ويقف حيث أوقفه. فالسلطان إذاً للشرع في إنزال النص ومعناه، وفي الأمر بالتعدية، وهو الذي يُجري عقل المجتهد أو يوقفه حسب أوامره وضوابطه، وهذا معنى قولنا أن العقل ليس بشارع وإنما يسرح حيث سرحه المشرع ويقف حيث أوقفه (١)، وإذا كان منهج القياس منهجاً شرعياً لا عقلياً تحقق ما قدمناه آنفاً من أن هذا المنهج معجز يجمع بين الثبات والشمول، والعقل - وطبيعته القصور والضعف - لا حكم له في عملية القياس لأنه غير مستقل بل هو محل للعبودية محكوم بحكم الشرع يسرح حيث يسرحه ويقف حيث يوقفه، تماماً كما يدرك القافة شبهًا بين غلام ورجل فتحكم أنه منه وينسب إليه، فإنها تعمل بأمر الشرع وإدراكها لوجود الشبه لا يعني أنها أنشأته في الأول أو الثاني، وترتب الحكم لم يكن شرعياً لو لم يأمر الشرع بتعديته.

стр. 404

فكذلك إدراك الشبه بين "الأصل" و"الفرع" وإن كان أداته العقل إلّا أنه لم ينشئه ولم يرتب حكماً ولا يمكنه ذلك لو لم يأمر الشرع به. فإذا عزل تصرف العقل عن ذلك كله استقر الحكم الشرعي وسلم من نناقضات العقول وضعفها، وكان لزاماً على العقل أن يتعبد بأحكام الشريعة، وهو مما شُرف الإنسان به، فإن لم يخضع أحسن ما في الإنسان كيف تتحقق العبودية إذاً (١)، وبهذا يتحقق الإِعجاز - على ما قدمنا - من خلال منهج شرعي متوازن، ويُعزل عنه المسلك العقلي وجميع سلبياته لتستقر قاعدة الثبات والشمول في توازن واتساق والله أعلم. * * *

стр. 405

الفصل الرابع المصلحة وقضية الثبات والشمول توطئة: تقرر فيما سبق أن الشريعة جاءت لتعطي كل حادثة وواقعة حكماً، فهي موضوعة على نحو يحقق هذه الغاية وهذا هو الإِعجاز التشريعي، الذي لا ينقطع أبداً. وأبرز مظاهر هذا الإِعجاز - كما سبق - هي العموم سواء كان العموم اللفظي أو العموم المعنوي، ويدخل تحت كل منهما من الحوادث ما لا حصر له إلى يوم القيامة .. ، وإذا لم تدخل الواقعة تحت العموميين اللفظي أو المعنوي .. دخلت تحت القياس الشرعي، ذلك أن النص المعجز مشتمل على معنى مناسب يصلح أن يحمل عليه غيره، إما عن طريق القياس الشرعي الذي هو مساواة فرع لأصله في علة الحكم، وإما عن طريق اتباع المصالح المرسلة التي شهد الشرع لنوعها أو لجنسها، سواء بالاستناد إلى أصل معين أو أصل كلي. وقد تحدثت عن العموم المعنوي والعموم اللفظي والقياس الشرعي في الفصول السابقة، وهذا الفصل يختص بدراسة المصلحة وقضية الشمول والثبات. وسأقدم لصلة المصلحة بالشمول والثبات بأمرين مهمين: الأمر الأول: بيان تعريف المصلحة والتأكيد على الضوابط الشرعية فيه. الأمر الثاني: بيان أن العقل لا يستقل بإدراك المصالح والمفاسد.

стр. 406

ثم أبين كيفية تحقق الشمول من العمل بالمصلحة الشرعية، وأضع لذلك بعض التطبيقات، لكي يتصور القارئ أن هناك وقائع لم يكن لتدخل تحت العموم ولا القياس العادي فدخلت تحت المصلحة الشرعية. ثم أبين كيفية تحقق الثبات مع القول باتباع المصلحة الشرعية، وأناقش الآراء المخالفة التي تذهب إلى تغيير الحكم - في المعاملات والنظام الاجتماعي - بتغيّر مصلحته. وأشير في هذا الموضع إلى أن البحث في المصلحة إنما هو مكمل لما كتبه الباحثون في المصلحة، والمعتدلون منهم قليل، فإن كثيراً منهم قد سعى إلى تغيير الأحكام بدعوى المصلحة ولذلك سأهتم كثيراً بهذا الجانب لأنه يحتاج إلى زيادة تصحيح وبيان والله المستعان.

стр. 407

المبحث الأول تعريف المصلحة والتأكيد على الضوابط الشرعية فيه تعريف المصلحة: المصلحة في اللغة: الصلاح ضد الفساد والمصلحة: الصلاح هي واحدة المصالح، والاستصلاح نقيض الاستفساد (١). "وأصلح أتى بالصلاح وهو الخير والصواب، وفي الأمر مصلحة أي خير والجمع المصالح ... " (٢). المصلحة في الشرع: لها تعريفات كثيرة، أقتصر هنا على ذكر بعض منها: وقد ذكر الباحثون المحدثون في "المصلحة" هذه التعريفات، وغرضي هنا الإشارة إليها - لتجلية معنى المصلحة - من جانب وللإِشارة لتعريف الإِمام الشاطبي للمصلحة والتنبيه عليه وبيان أهميته .. وقد ذكر الغزالي والطوفي (٣) وغيرهما تعريفات للمصلحة كل بحسب نظره

стр. 408

للمعنى الشرعي، ومن المحدثين صاحب رسالة ضوابط المصلحة وصاحب رسالة تعليل الأحكام. وأقتصر هنا على ذكر هذه التعريفات وأعقب بما لاحظه أستاذي الدكتور حسين حامد - موافقاً على ذلك ومؤيداً له - ثم أنبه على تعريف الإِمام الشاطبي، وأهميته. ١ - عرف الغزالي المصلحة فقال: "أما المصلحة فهي عبارة في الأصل عن جلب منفعة أودفع مضرة، ولسنا نعني به ذلك، فإن جلب المنفعة ودفع المضرة مقاصد الخلق، وصلاح الخلق في تحصيل مقاصدهم، لكننا نعني بالمصلحة: المحافظة على مقصود الشرع" (١). ويقصد بمقصود الشرع محافظته على الدين والنفس والعقل والنسل والمال. فكل ما حفظها فهو مصلحة، وكل ما فوت شيء منها فهو مفسدة ودفعه مصلحة. وظاهر من تعريف الغزالي أن ما شهد الشارع برده فليس مصلحة وإن قال الناس أنه مصلحة دنيوية. ٢ - عرفها الطوفي بأنها، هي السبب المؤدي إلى مقصود الشارع عبادة أو عادة ... " (٢). ويرى أستاذي الدكتور حسين حامد حسان أن الطوفي بهذا التعريف لا يعتبر الشروط الشرعية للمصلحة، ولا يقسمها بعد ذلك - كما قسمها الغزالي وغيره - إلى معتبرة وملغية - بل لا يشترط إلّا أن تؤدي إلى مقصود الشارع (٣). فقال: "والنقطة الهامة التي يجب التنبيه عليها في هذا المقام هو أن الطوفي

стр. 409

يعرف المصلحة كدليلِ شرعي في حين أن الغزالي يعرف مطلق المصلحة الشرعية ثم يشترط فيها شروطًا بعد ذلك حتى يجوز الاعتماد عليها بمفردها كدليل شرعي على حكم الوقائع غير المنصوص عليها" (١). وأزيد الفرق وضوحاً فأقول: إن الغزالي لا يرى تحقق المصلحة المعتبرة في خلاف مقصود الشارع، فلا بد من شهادة الشرع لها بعدم المعارضة حتى نعلم أن هذه المصلحة محافظة على مقصوده، بخلاف الطوفي فإنه يرى أن وجود النص الشرعي أو الإِجماع - المخالف للمصلحة - في نظره - لا يدل على عدم اعتبارها، وعلى مخالفتها لمقصد الشارع، بل يرى تخصيص النص والإِجماع بها (٢). ٣ - عرفها صاحب ضوابط المصلحة، فقال: "المصلحة فيما اصطلح عليه علماء الشريعة يمكن أن تعرف بما يلي: هي المنفعة التي قصدها الشارع الحكيم لعباده من حفظ دينهم ونفوسهم وعقولهم ونسلهم وأموالهم طبق ترتيب معين فيما بينها والمنفعة هي اللذة، أوما كان وسيلة إليها ودفع الألم أو ما كان وسيلة إليه" (٣). واشترط عدم مخالفة هذه المصلحة للنص ليخرج الملغاة، واشترط أيضًا عدم مخالفتها للقياس أو لمصلحة أهم منها (٤). ويلاحظ الدكتور حسين حامد أنه لم يشترط في المصلحة أخص من مطلق الناسبة العامة، والمقصود أن المصلحة قد تدخل تحت المقاصد العامة، وقد تدخل تحت جنس اعتبره الشارع في الجملة دون أن يثبت عن طريق نص معين، أو تدخل تحت أصل شرعي ثبت بالاستقراء من نصوص متوافرة.

стр. 410

ومن هنا فإنه يخالف الطوفي ويشترط لحجية المصلحة المرسلة عدم معارضة النص أو القياس المعتمد على الأصل المعين (١). وبعد الإشارة إلى هذه التعريفات ومعرفة الفوارق بينها، أذكر هنا ما أشار اليه الدكتور حسين حامد حسان من أن بعض المحدثين لم يعرفوا المصلحة لأنها عندهم من "الظهور والوضوح بحيث لا تحتاج إلى تعريف" (٢). واكتفى الدكتور الشلبي بسرد تعريفات الغزالي والطوفي، وبذكر المعنى اللغوي المجازي والحقيقي فقال: "فهذه العبارات وغيرها تفيد أن المصلحة في اصطلاح الفقهاء والأصوليين تطلق بإطلاقين: الأول مجازي، وهو سبب الوصول للنفع، والثاني حقيقي، وهو نفس المسبب الذي يترتب على الفعل من خير ومنفعة ويعبر عنه باللذة أو النفع أو الخير أو الحسنة" (٣). وهذا المسلك - الذي سلكه الدكتور الشلبي في رسالته تعليل الأحكام وهو السرد لأقوال العلماء دون التحقيق فيها مسلك ظاهر في مواضع كثيرة من رسالته (٤). ومنها هذا الموضع، ومع أن أستاذي الدكتور حسين حامد قد أحسن في بيان الفوارق بين التعريفات السابقة - وميّز للقارئ بين تعريف الغزالي والطوفي وبين موقف الطوفي والشلبي من جهة أخرى، كما ستأتي الإِشارة إلى ذلك - إلا أن موقف الدكتور شلبي هذا يحتاج إلى زيادة مناقشة في هذا الموضع، فإنه انصرف هنا عن بيان شروط العمل بالمصلحة الشرعية سواء في تعريفها أو عند الاستدلال عليها. فعند تعريفها انصرف عن المعنى الشرعي - ومن المعلوم أن النظر في هذه المصطلحات - أمثال القياس أو المصلحة أو الإِجماع - وغيره من المصطلحات

стр. 411

نظر شرعي، ولا يكتفي فيها بالنظر اللغوي ولا يستقيم إطلاقها من غير ضابط شرعي أيضاً، ودعوى وضوحها لا تصلح لإبعاد النظر الشرعي عنها وتحديد الضوابط، ولو كانت المصلحة ظاهرة معلومة لا تحتاج إلى ضابط أو تعريف فلماذا اختلفت فيها الأنظار سواء أنظار العامة أو العلماء، وهذا الطوفي يخصص بها النص والإجماع - مخالفاً في ذلك إجماع أهل العلم - وهذا الشلبي نفسه يذهب إلى تقديم المصلحة المتغيرة على النص والإِجماع. ولهذا فإن المحققين من الأصوليين - أمثال الغزالي والشاطبي - يشترطون شروطاً شرعية للعمل بالمصلحة وتابعهما الدكتور حسين حامد حسان وذكر أن المصلحة التي تدخل تحت مقاصد الشارع العامة يشترط لها أحد أمرين: إما أن يثبت الشارع حكماً على وفقها .. وإما أن تكون ملائمة لجنس تصرفات الشارع. وبهذا النظر الشرعي لا يتصور أن يترك نص بمصلحة قط، وأما إذا قيل أن المصلحة ظاهرة لا تحتاج إلى تعريف، أو وقفنا عند المعني اللغوي - فإن حاصل هذا النظر - هو ترك المصلحة بغير ضوابط لكي تُقدم على النص والإِجماع إما بطريق التخصيص والبيان لهما كما زعم الطوفي وإما عن طريق تغييرهما كما زعم الشلبي. والبحث في هذا الموضع مقتصر على أهمية تعريف المصلحة لأن النظر فيها نظر شرعي .. وأضيف هنا - للأهمية - تعريف الإِمام الشاطبي لها: يقول: "المراد بالمصلحة عندنا" ما فهم رعايته في حق الخلق من جلب المصالح ودرء المفاسد على وجه لا يستقل العقل بدركه على حال" ثم قال: "فإذا لم يشهد الشرع باعتبار ذلك المعنى بل برده كان مردوداً باتفاق المسلمين" (١). وهذا التعريف يحدد منهج النظر في "المصلحة" وهو أدق التعريفات وأحكمها، والضوابط الشرعية ظاهرة فيه، فهو يقرر أن النظر في تحديد المصلحة

стр. 412

المعمول بها نظر شرعي، والعقل ليس بشارع، ولا يستقل بدركها على حال وحينئذ لا بد من إحالة - المصلحة - على الشرع ليشهد لها بالاعتبار فإن لم يشهد بل ردها كانت مردودة باتفاق المسلمين (١). وبعد النظر في تعريف المصلحة - وبيان أن النظر فيه نظر في أمر شرعي نذكر الأدلة على أن العقل ليس بشارع .. ولا يستقل بإدراك المصالح والمفاسد. * * *

стр. 413

المبحث الثاني العقل لا يستقل بإدراك المصالح والمفاسد إن الأدلة القرآنية - كما مر سابقاً - بينت كمال هذه الشريعة، وكذلك أثبت الاستقراء أنها جاءت لتحقق مصالح العباد، والعقل لاحق له في التشريع، لا في إنشاء الأحكام ابتداء ولا في درك المصالح والمفاسد. ولأهمية هذه المسألة في أصول الفقه ولأن عدم إدراكها على حقيقتها سبب من أهم الأسباب التي أدت لرفع ضوابط المصلحة في الشرع، فترى بعض الباحثين يحكمون المصلحة في النص فيقدمون عليه ما يخالفه، بل إن بعضهم بذهب إلى تغيير النصوص بها، ولهذا كان من المستحسن أن نبين أن العقل لا يتقدم بين يدي النقل، ولا يمكن أن يستقل بإدراك المصالح والمفاسد (١). والأدلة على ذلك كثيرة وقد سبق ذكر بعضها منها: أولًا: ما تقرر فيما سبق أن التشريع - وهو إنشاء الأحكام - إنما هو حق الله الخالص لا يشاركه فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل، وذلك لأن عقول البشر لا يمكن أن تدركه، وإلّا لما بعث الله الرسل مبشرين ومنذرين (٢). ثانياً: إن الشرع إذا حد حداً فإنما قصد أن يقف الإِنسان عنده بعقله

стр. 414

وقلبه وجوارحه - فلا يتعداه، فلو جاز للعقل أن يتخطى ما حده الشرع لما كان لما حده الشرع فائدة، فإذا تعدى العقل ما قرره الشرع كان الحكم للعقل وذلك في الشريعة باطل فما أدى إلى مثله. فلا يجوز للعقل أن يتخطى ماحده الشرع زاعماً أنه إنما يتبع المصلحة ويريد الإحسان والتوفيق، بل الحكم الأول والأخير للشريعة. ثالثاً: إن المحسن والمقبّح هو الشرع، فما جعله الشرع حسناً فهو حسن ومصلحة فهو مصلحة - وما جعله قبيحاً فهو قبيح .. وما جعله مفسدة فهو مفسدة، والعقل البشري لكي يحقق الاستسلام لمنهج الله لا بد أن يخضع لحكم الشريعة ويستسلم، فلو تعدى العقل ما حده الشرع لكان محسناً ومقبحاً - ومدركاً للمصلحة والمفسدة، وهذا باطل فما أدى إليه يأخذ الحكم نفسه، فالعقل إذاً لا يحسن ولا يقبح ولا يتعدى ما حكمت به الشريعة. رابعاً: إنه لو جاز للعقل أن يتعدى ما حده الشرع لأدى ذلك لِإبطال الشريعة بالعقل، فلو حكم العقل ببطلان حكم الشرع (١) في مسألة واحدة وأمضينا حكمه وجاز له أن يتعدى حدًا واحداً - ويبطل حكماً واحداً - لجاز له تعدي جميع الحدود لأن الشريعة حدت حدوداً للمكلفين - في الأقوال والأفعال والاعتقادات فإذا جاز تعدى حداً واحداً جاز تعدي سائر الحدود لأن ما ثبت للشيء ثبت لمثله، وإبطال الشريعة بالعقل محال فما أدى إليه مثله في الحكم. وهذه العقيدة - وهي أن العقل ليس بشارع فلا يجوز له إبطال الشرع البتة - يقررها الإِمام الشاطبي ويجزم بأن العقل لا يتعدى ما حده الشرع ولا يبطله - قال ﵀: فلو جاز للعقل إبطال حد واحد جاز له إبطال سائر الحدود وهذا لا يقول به أحد لظهور محاله (٢).

стр. 415

وأجاب ﵀ عن الاعتراضات التي يمكن أن ترد على هذا التقرير وترجع إلى ثلاثة أمور. الأول: أن هذا يتضمن إبطال القياس، لأن الوقوف مع ظواهر النصوص من غير زيادة ولا نقصان هو مذهب الظاهرية وهذا يقتضي رد القياس. وأجاب ﵀: وقد سبقت الإِشارة إلى شيء منه - بأن القياس الشرعي نظر في أمر شرعي، مأخوذ من الأدلة الشرعية، يُبنى عليها ويُضبط بها، فإذا ألحقنا المسكوت عن حكمه بالمنصوص عليه، فإن الثاني منصوص عليه بحكم الشرع - فأين حكم العقل - وكذلك إذا أخذ المسكوت عنه حكماً يماثل حكم المنصوص فإنما يأخذ حكماً شرعياً - فأين حكم العقل - وإذا كان للعقل هنا تصرف وهو معرفة وجود علة الحكم في المسكوت عنه بعد استنباطها من المنصوص عليه، فإن هذا تصرف تحت نظر الشرع وليس العقل فيه مستقلًا ولا منشئاً "بل هو مهتد فيه بالأدلة الشرعية يجري ما أجرته ويقف حيث وقفته" (١). الثاني: أن الأصوليين قد أثبتوا للعقل التخصيص مثاله قوله - تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فخصص العقل العموم هنا فلم تدخل ذات البارئ سبحانه، وتصرف العقل في النقص من النص كالتصرف بالزيادة عليه لأنها بمعناه، والنقص والزيادة إبطال للحد الذي حده الشرع إما بالنقص منه أو بالزيادة فيه، فإذا لم يكن النقص منه - بتخصيص عمومه - إبطال للحد فكذلك الزيادة (٢). الثالث: أن من القواعد الأصوِلية جواز تخصيص النص أو الزيادة عليه، إذا كان المعنى المناسب واضحاً وسابقًا للفهم عند ذكر النص.

стр. 416

مثاله: قوله ﵇ "لا يقضي القاضي وهو غضبان" (١)، فالمعنى الجلي السابق للفهم هو"المنع لأجل التشويش" فألحقوا به جميع المشوشات وخصوا يسير الغضب من الحديث فأجازوا القضاء معه، وهذا تصرف بالعقل في النقل، فإنكار تصرفات العقول في أمثال هذا إنكار للمعلوم في أصول الفقه (٢). ويجيب الشاطبي بجوابين: الأول: أن الأصوليين يلحقون المسكوت عنه بالمنطوق، وهذا شائع في باب القياس، وقد ألحقوا كل مشوش بالغضب قياساً، وأما إخراج يسير الغضب عندهم فسببه فهم معنى التشويش "ومعلوم أن الغضب اليسير غير مشوش فجاز القضاء مع وجوده بناء على أنه غير مقصود في الخطاب هكذا يقول الأصوليون في تقرير هذا المعنى وإن مطلق الغضب يتناوله اللفظ لكن خصصه المعنى" (٣). وليس في هذا تحكيماً للعقل، بل إنما هو اتباع للمعنى الوارد في النص. الثاني: وهو جوابه واعتمد فيه على وضع اللسان، وحاصله: أن معنى الحديث "أن القاضي لا يجوز أن يقضي وهو شديد الغضب أو ممتلئ من الغضب" ودليله من وضع اللسان: أن غضبان - اللفظ الوارد في الحديث - على زنة فعلان، وهو يقتضي الامتلاء، لأن أسماء الفاعلين تقتضي الامتلاء مما اشتقت منه، فالغضبان هو الممتلئ غضباً، ومثله "ريان"، و"عطشان" وأشباه ذلك (٤). فالشارع إنما نهى عن قضاء الممتلئ غضباً، وأما الغضب اليسير فلا يمنع من القضاء وهذا بمقتضى اللفظ لا بحكم المعنى فلا تخصيص.

стр. 417

وأما إلحاق كل مشوش بالغضب فعن طريق القياس الشرعي، فأين نصرف العقل هنا (١). وبهذا يتقرر أن النظر في الأدلة نظر في أمر شرعي والعقل ليس بشارع فلا ينبغي له أن يتعدى النص الشرعي، بل العقل تابع للشرع وخاضع تحت حكمه، وليس له أن يستقل بإدراك المصالح والمفاسد، فلا حق له في إنشاء الحكم، أو تخصيص نص الشارع فضلًا عن إيقافه أو إلغاء مدلوله أو نسخه. * * *

стр. 418

المبحث الثالث المصلحة ودلالتها على الثبات والمقصود بهذا المبحث هو دراسة أثر العمل بالمصلحة على ثبات الشريعة، ومن ضوابط المصلحة أن لا تخالف مقصود الشارع، ومقصود الشارع يُعرف من الكتاب والسنة والإِجماع .. فإذا خالفت المصلحة نصاً من كتاب أو سنّة أو إجماع فهي مصلحة ملغاة .. والمصلحة أقسام ثلاثة عند الجمهور: الأول: مصلحة شهد الأصل الشرعي لنوعها أو جنسها. الثاني: مصلحة شهد نص شرعي بخلافها. الثالث: مصلحة لم يشهد الشرع ببطلانها ولا باعتبارها وهو غير موجود في الشريعة وليس له مثال واقع. وقسمها الغزالي إلى أربعة أقسام: الأول: مصلحة شهد الشارع لنوعها وهي تدخل في باب القياس. الثاني: مصلحة شهد نص شرعي بخلافها. الثالث: مصلحة تناقض نصاً شرعياً، وهي الباطلة والملغاة. الرابع: المصلحة المسكوت عنها في الشرع، وهي الغريبة. والقسمان الثالث والرابع مردودة بإجماع أهل العلم كما حكاه الغزالي (١).

стр. 419

وبهذا يتبين أن المصلحة التي تعارض نصاً شرعياً مردودة بإجماع أهل العلم، وتسمى هذه المصلحة مصلحة باطلة أو ملغاة. وقد قسم الإِمام الشاطبي المناسب إلى ثلاثة أقسام: الأول: ما شهد له الشرع بالقبول فمقبول بلا خلاف. الثاني: ما حكم الشارع برده فلا قبول له، لأن كونه مناسباً لا يقتضي حكما بنفسه وإنما ذلك مذهب أهل التحسين والتقبيح العقليين وهما مردودان (١)، وقد تبين فيما سبق أن العقل ليس بشارع ولا محسن ولا مقبح وأنه تابع للشرع فلا يتقدم بين يديه. الثالث: ما سكتت عنه الشواهد الخاصة فلم تعتبره ولم تلقه وهو قسمان: (أ) "أن يرد نص على وفق ذلك المعنى كتعليل منع القتل للميراث فالمعاملة بنقيض المقصود، تقدير أن لم يرد نص على وفقه مناسب غريب" (٢). وهذا المثال الفرضي من الشاطبي وهو القول بحرمان القاتل من الميراث إذا فرض أنه لم يوجد نص يقضي بالمنع إنما هو باعتبار المعاملة بنقيض المقصود. ويعلق الدكتور حسين حامد في رسالته نظرية المصلحة - عند ذكره لتقسيم الجمهور - على ما قاله الشاطبي مبيناً أن المعاملة بنقيض المقصود أصل شرعي شهدت له النصوص في الجملة، وإذا كان الحال كذلك فإن هذه المصلحة مردودة إلى أصل شرعي تدخل تحت جنس تصرفات الشارع (٣). وبهذا الجواب يتأكد ما قاله قبل ذلك من "أن الغزالي أنكر وجود هذا النوع من المصالح، على أساس أنه لا يتصور أن توجد واقعة مسكوت عنها في

стр. 420

الشرع لأن هذا يتضمن أن الله قد ترك الناس سدى وأن الدين لم يكمل والنعمة لم تتم وهذا خلاف ما أخبر به الشارع " (١). (ب) أن يشهد لذلك المعنى جنس اعتبره الشارع في الجملة دون أن يرد عليه دليل معين، وهو الاستدلال المرسل و"المصلحة المرسلة". وحاصل ما يقرره الإِمام الشاطبي - من مذهب مالك ﵁ أن ما لم يشهد الشرع للمعنى المناسب بالقبول سواء بدليل معين أو بغير دليل معين - بحيث يشهد لذلك المعنى جنس اعتبره الشارع في الجملة - فهو مردود قطعاً، وحكى بالإِجماع ﵀ على أن المصلحة المعتبرة شرعاً هي ما لم يعارض مقاصد - الشرع ولا أصلًا من أصوله ولا قاعدة من قواعده والمردودة بضد ذلك (٢) مثال: إلزام الملك الذي جامع أهله في نهار رمضان بصيام شهرين متتابعين. فقد وردت الشريعة بأن كفارة الوطء في نهار رمضان إيجاب أحد ثلاث خصال: العتق أو صيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستين مسكيناً، والعلماء ما بين قائل بالتخير وقائل بالترتيب، فمن قال بالترتيب قدم العتق على الصيام ومن قال بالتخير فلا مانع من تقديم أحد الخصال الثلاث (٣). والمصلحة التي يريد الشرع تحصيلها تتحقق بأحد الأمرين: إما التخير أو الترتيب. وأفتى بعض العلماء ملكاً جامع أهله في نهار رمضان بخلاف ما سبق، حيث أوجب عليه الصيام زجراً له عما ارتكب، يطلب بذلك تحصيل مصلحة مبنية على معنى مناسب عنده وهو زجر الملك عن فعله، ولا يتحقق ذلك إلّا إذا ألزمه بالصيام، أما العتق، أو إطعام ستين مسكيناً فإنه يسهل عليه ولا ينزجر به.

стр. 421

وهذا المعنى لم يشهد له أصل شرعي بل على الضد من ذلك يعارضه الحكم الشرعي - سواء أكان القول بالتخير أو الترتيب - ومعارضة هذا الحكم لتلك المصلحة يجعلها مصلحة ملغاة، والعقل لايستقل بدرك المصلحة فإذا لم يشهد لها الشرع بل عارضها فهي مردودة (١). فإلزام الملك بالصيام مصلحة لا تحقق مقصود الشارع، و"كل مصلحة لا ترجع إلى حفظ مقصود فهم من الكتاب والسنة والإِجماع وكانت من المصالح الغريبة التي لا تلائم تصرفات الشرع فهي باطلة مطرحة ومن صار إليها فقد شرع ... " (٢). والمصلحة التي تصادم نصاً أو تتعرض له بالتغيير مصلحة مردودة لأنها ملغاة. ويصرح الغزالي أيضاً بذلك حيث يقول: "نحن مع المصالح بشرط ألا تهجم على نص الرسول بالرفع" (٣). ويحصل الدكتور حسين حامد في كتابه نظرية المصلحة، نصوصاً كثيرة من كتب الغزالي الثلاثة: المستصفى وشفاء الغليل والمنخول فيقول: "فالذي يؤخذ من هذه النصوص أن الغزالي [في مجموع كتبه] لا يعمل بمصلحة في مقابلة نص شرعي، كتابًا أو سنّة، إذا كان هذا النص لا يحتمل التأويل، لأن العمل بالمصلحة في مقابلة هذا النص "يغير النص" أو"يصدم النص" أو"يرفع حكم النص" أو"يناقض النص" أو"يخالف النص" أو "يحرف النص" وقد قرر الغزالي أن المصلحة التي هذا شأنها مصلحة ملغاة" (٤).

стр. 422

وهذا الإِجماع الذي نقله العلماء على رد المصلحة المخالفة للنص، يدل دلالة قاطعة على أن العمل بالمصلحة الشرعية ليس له أثر سلبي على ثبات حكم الشرع لأنها إما مقبولة عنده - وهو لا يقبل إلا ما وافق مقصودة ومقصوده يعلم بالنص والِإجماع - وإما مردوده وهي المخالفة له ولا عبرة بها البتة. وهذا المعنى الذي انعقد عليه الإِجماع بدهي من بدهيات الإِسلام لأن الله هو الشارع ولم يترك لأحد من خلقه هذا الحق لأنه سبحانه وهو الرحيم بهم يعلم ابتداء أن عقولهم -التي خلقها لهم- لا تطيقه وأنهم إن حكّموا العقل فستغلب عليه الأهواء والمصالح وتنقلب البشرية إلى أحزاب متناحرة .. تتبع ما فيه هلاكها .. من المذاهب والشرائع - وتعرض عما فيه نجاتها من الاستسلام لله وحده والخضوع لحكمه وإشاعة الأخوة الإِيمانية في الأرض والعدل الرباني، ولذلك سقط أكثر الناس في الأهواء لأن المسافة بين العقل والهوى قريبة جداً. فأما الذين رفضوا الإِسلام واستسلموا لحكم العقل مطلقاً فما زال يفرقهم ولا يجمعهم وينقلهم من مبدأ إلى آخر ومن نظام إلى نظام لا يُثَبتهم على مبدأ ولا يحفظ بنظامه عقلاً ولا روحاً ولا عرضاً ولا خلقاً، ومن بقي معه شيء من القيم ما زال يطاردها ليحل محلها "العلمانية" أي اللادينية وهكذا صنع بهم وهم به مؤمنون لأن هذا العقل لا يخضع لحكم الله سبحانه .. (١).

стр. 423

وأما من قبل الإِسلام وظن أن للعقل قدرة في إدراك المصلحة جاهلاً أو متأولًا - فماذا صنع بهم هذا الوهم؟ أما المعتزلة - وهم من فرق المبتدعة - فقد ابتدعوا مسلكاً جديداً في النظر يتقدمون به بين يدي الله ورسوله ﷺ ، ويتجافون به عما - تعلمه الصحابة والتابعون ومن تبعهم بإحسان - وهذا المسلك عملوا به متأثرين بفلسفة اليونان والإغريق - وهم - أصحاب مبدأ العبودية للعقل لا لله سبحانه (١)، ولذلك أصاب الفرق الضالة ما أصاب أولئك - والداء واحد فإن التفكك من التكاليف رغبة شديدة في النفس البشرية وهي إما أن تجعل صاحبها يرفض الإِسلام مطلقاً أو تصيبه المعصية .. أو تصيبه الأهواء - ولقد مالت المعتزلة إلى مجافة السنّة ثم

стр. 424

استقرت بعد ذلك على مسلك غريب عن منهج الاستدلال والاستنباط الذي عليه أهل الحق. ومن أبرز معالمه تقديم العقل على الشرع، ويكفي لمناقشة المعتزلة ما تقدم ذكره عن منزلة العقل ورد القول بظنية الأدلة القرآنية والسنّة، واربط به بعد ذلك رأي المخالفين للإِجماع القائلين بأن المصلحة تقدم على النص بل وتغيره، ليعلم أن مسلكهم هذا - وهو تقديم العقل ومجافاة السنّة وعدم الالتزام بمنهج السلف الصالح قد أهلك من قبلهم فأوقعهم في الشذوذ عن الإِجماع والطعن في الأئمة ووكلهم إلى جهدهم الحسير وقطع صلتهم بخير الأجيال وخير القرون ولعلهم يحذرون.

стр. 425

المبحث الرابع المصلحة ودلالتها على الشمول المقصود بهذا الفصل بيان كيفية تحقق الشمول من خلال العمل بالمصلحة الشرعية - وذلك بعد أن بينا أموراً مهمة: الأول: كمال الشريعة (١). الثاني: كونها جاءت بمصالح العباد (٢). الثالث: أن العقل ليس بشارع، ولا يستقل بإدراك المصالح والمفاسد (٣). وقلنا فيما سبق أن العقل البشري لما حاول الاستقلال بإدراك المصالح والمفاسد تفرق بأهله وأشقاهم، وأوقعهم في رد ما جاء به الأنبياء أوبعضه، سواء كانوا من أهل الملل الأخرى، أو من الفرق المنحرفة التي نشأت داخل الأمة الإِسلامية ومن هنا وجب علينا أن نكون حذرين حذراً شديداً من أن يؤدي مفهوم الشمول الواسع من خلال العمل بالمصلحة (٤) - إلى رفع ضوابط
следующие страницы →