← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17821

الثبات والشمول في الشريعة الإسلامية

عابد السفياني

Полный текст (594 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

والحق أن رفع ضوابط منهج الاستدلال - سواء ما يخص المصلحة أو غيرها - عمل جد خطير، ولا يهوّن من خطورته الخوف من أخطاء بعض الأصوليين الذين غرقوا في الجدل، وابتاع مسائل لا يبنى عليها عمل (١)، ولا الخوف من القائلين بمنع التعليل ونفي القياس، ولا الرغبة في أن تكون الشريعة شاملة لجميع المدنيات (٢) ولا أي شيء آخر. ذلك أن معالجة المسائل الشرعية ينبغي أن تضبط بمنهج متوازن وأن الأطراف المذمومة لا سبيل إلى الخروج عن أخطائها إلّا بإلتزام منهج وسط هو منهج أهل السنة في الاستدلال، ومن أبرز معالمه: ١ - أنه الطريق إلى المحافظة على ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه. ٢ - أنه الطريق المحقق في عالم الواقع ثبات الشريعة وشمولها. ٣ - أن فيه الجواب الشافي عن الآراء التي ترفض القياس. ٤ - أن فيه الجواب الشافي عن الآراء التي تتبع المصالح التي تعارض النص والإِجماع وتقول بتبديل الأحكام وتغييرها. ٥ - أن فيه السلامة من الوقوع في مسالك الفرق الضالة أو التأثر بها في التفكير والاستنباط (٣). وهذا المنهج هو الذي نحتاج إلى التعرف عليه، والتعريف به وردّ ما يخالفه لأنه هو الطريق الوسط الذي يحفظ لنا تلك المعالم. وإن هذا الذي نقول به وندعوا إليه، ليس فيه حجراً على من يريد التصحيح لما تضمنته كتب الأصول من أخطاء، لأنا نقول أن ذلك واجب ومتعين، وقد بينت في هذه الرسالة أن هناك من الأمور ما يحتاج إلى تصحيح،

стр. 492

واخترت في ذلك سبيل السلف الأول في تلك الأمور التي درستها (١)، ولكن الذي أنبه عليه هنا أن حاجتنا لتصحيح أصول الفقه حتى نميّز أصول أهل السنة عن أصول أهل الأهواء لا تعني أننا سنخبط خبط عشواء، ونقول أن الجدل غلب على أصول الفقه فلننصرف عن الضوابط ونتبع المصالح والآراء التي لا تشهد لها الشريعة بالقبول، كلّا، لأن أصول الفقه عند أهل السنة هو الأداة التي يحفظ بها العقل المسلم من الأهواء، ولذلك ضلت الفرق لما حادت عن أصول أهل السنة في ذلك واتبعت المسالك الفاسدة، ولا سبيل إلى سلامة الهدف - الذي هو تصحيح مسار أصول الفقه وإخراجه من آثار أهل الأهواء وطبيعتهم في الجدل ومخالفة السنة، لا سبيل إلى ذلك إلّا بالرجوع إلى الأمر الأول الذي كان قبل نشوء الأهواء، وفيه من الصحة والسلامة وحسن الأداء ووضوح الغاية واتباع السنة الخير الكثير، وقد وسع والحمد لله من قبلنا في أمورهم جميعاً فليسعنا ما وسعهم، ولنستمر في بيانه والبناء عليه دون أن نضل عنه. فمن طلب هذا الهدف وجب على كل أحد معونته، وقد حاولت أن أذكّر بأصول أهل السنة في الاستدلال في كل موضع بحسبه، وفي ذلك رد تطبيقي على مقالة صاحب كتاب "تعليل الأحكام" ومن سلك مسلكه، وطلَبِهِ التصحيح - بزعْمِهِ - ليرفع الضوابط وينشر المسالك الفاسدة، ويحيي الآراء الشاذة - متخذاً من الجدل الذي غلب على أصول الفقه - سلماً يصل بها إلى مبتغاه، فهذا لن نقبل منه هذه الوسيلة ولن ننخدع بهذه الغاية، فإنه لا بد من صدق الغاية وسلامة الوسيلة.

стр. 493

المطلب السادس مناقشة اعتباره المصلحة دليلاً مستقلاً يقول المؤلف: "إن المصلحة إذا ثبت كونها دليلاً شرعياً في الجملة -كما سنثبته بالأدلة في البحث الآتي- كانت كباقي الأدلة الأخرى .. " (١). أدلّته: ١ - أن القرآن دل على اعتبار المصالح مطلقاً .. من ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (٢). فهي كما قال العز بن عبدالسلام أجمع آية في القرآن للحث على المصالح كلها، والزجر عن المفاسد بأسرها، فإن اللام والألف في الألفاظ الواردة فيها للعموم والاستغراق (٣) .. ٢ - وقوله لرسول ﷺ : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (٤). " .. ومن الرحمة الأذن لهم على لسانه ﷺ في جلب المصالح ودفع المفاسد عنهم، ومعلوم أن للناس مصالح تتجدد بتجدد الأيام، فلو وقف الاعتبار على المنصوص فقط لوقع الناس في الحرج الشديد، وهو مناف للرحمة لأنه نقمة .. " (٥). ثم استدل بأدلة أخرى - من مثل التطبيقات التي سبق ذكرها - ليقرر أن

стр. 494

الصحابة كانوا يفتون بالمصلحة في مقابلة بعض النصوص ولم ينكر أحد منهم ذلك فكان إجماعاً (١). ٣ - دليل عقلي: حاصله أن الشارع راعى مصالح الخلق في المعاش فكيف لا يراعي لذلك في الأحكام الشرعية، إذ هي بالمراعاة أولى، فوجب القول بأن الشارع راعى المصلحة في الأحكام الشرعية، فحينئذ لا يجوز إهمالها بوجه من الوجوه. وإذا تتبعنا مقاصد الشارع في جلب المصالح ودرء المفاسد، قطعنا بأن المصلحة لا يجوز إهمالها، والمفسدة لا يجوز قربانها، وإن لم يكن فيها نص ولا إجماع ولا قياس خاص. ومثل ذلك - ولله المثل الأعلى - كمن عاشر إنساناً من الفضلاء الحكماء العقلاء وفهم عنه مايحبه وما يكرهه، في كل ورد وصدر، ثم جاءته قضية فيها مصلحة أو مفسدة لا يعرف فيها قوله: "فإنه يعرفه بمجموع ما عهد من طريقته وأَلِفَهُ من عادته أنه يؤثر تلك المصلحة ويكره تلك المفسدة، هذه الأدلة مجتمعة تنادي باعتبار المصلحة منصوصاً عليها أو غير منصوص، وليس لنفاة المصالح هنا متمسك .. " (٢). المناقشة: نسلم معه القول بأن نفاة العمل بالمصالح الشرعية مخطئون، ونسلم معه أن الشارع جاء بمصالح العباد، وأن هذا أمر مقطوع به، ونخالفه في تحديد الطريق الذي يوصل إلى المصلحة الشرعية .. فأقول: إن الشارع كما جاء بمصالح العباد، جاء بالطريق الذي يدلنا على ذلك، فجعل النصوص محققة للمصلحة ابتداء، وذلك لأنها هي رحمة للعالمين، فإن القرآن هدى ورحمة، فلو لم تحقق نصوصه المصلحة فكيف يكون هدى ورحمة.

стр. 495

وكذلك الرسول ﷺ رحمة للعالمين فلو لم تكن أحاديثه تحقق المصلحة والرحمة، فكيف يكون هو رحمة للعالمين، ومن ثم فإن أدلة المؤلف - وهي أدلة القائلين بالمصالح المرسلة - تدل دلالة قاطعة على أن هذه النصوص من الكتاب والسنة هي الهدى والرحمة والمصلحة. ألم يقل المؤلف أن الله أقام للناس مصالحهم في معاشهم، وهذا يقتضي أن يقيم لهم مصالحهم في الأحكام الشرعية؟ فكيف يتصور بعد ذلك أن النص يمكن أن لا يحقق المصلحة، ما دام أن الأحكام الشرعية تحقق المصالح في اعتقادنا وأن هذه النصوص من الكتاب والسنة هدى ورحمة فإذا لم تحقق المصلحة للناس فمن يحققها!! فالمصالح إذن جاءت بها الشريعة، والطريق للتعرف عليها جاءت ببيانه الشريعة أيضًا، ألم يبين الله لنا أن كتابه هو الصراط المستقيم، وأن سنة نبيه هي البيان له، وأن من اتبع هذا النبي ﵊ هُدِي إلى ذلك الصراط المستقيم. أفلا يقتضي هذا اتباع نصوصه ورفض الأهواء وعدم تحكيم العقول المخالفة لمقتضى تلك النصوص. كيف وقد جاءت هذه الشريعة بذم الأهواء، وذم التقديم بين يدي الله ورسوله ﷺ ... وجعلت المفارق للإِجماع المشاق للرسول ﷺ متبعًا غير سبيل المؤمنين ... أفلا يكفي كل ذلك للقطع بأن الهدى والخير والمصلحة والرحمة في اتباع هذه النصوص، فكيف تنكص أقلام هؤلاء الكتاب على أعقابها ثم يقولون أن المصلحة تقدم على النص، أو لم يكفهم إقرارهم أن الشريعة جاءت لإِقامة المصالح وأنها هدى ورحمة، فكيف يطلبون مصلحة فيما يخالفها .. وإذا قالوا: إن الوقوف عند المنصوص لا يكفي فإن هناك وقائع جديدة، قيل لهم هذا لا يعذركم في تقديم المصلحة على النص، لم لم تصنعوا صنيع الصحابة والتابعين والمجتهدين من بعدهم، لم يرجعوا إلى النصوص فيستشهدونها على ما ظنوه مصلحة، فإن شهدت قبلوا شهادتها راضين، أليست

стр. 496

شهادة من شريعة الرحمة والعدل، وإن لم تشهد بل ردتها، فلم لا يرضون بحكمها، أليست هي شهادة من شريعة الرحمة والعدل. ألم يقولوا: إن معاشرتك للإِنسان الفاضل الحكيم يدلك على مقصوده إذا جاءت واقعة جديدة وظننت أن هناك مصلحة ألا ترجع إلى استشهاد طريقته وعادته وِإلْفِه فإن شهد لك أقدمت ولم يشهد أحجمت. أفلا يرجعون إلى نصوص الشرع يستشهدونها فيما ظنوه مصلحة، فإن شهدت النصوص بالموافقة شهدوا وقبلوا، وإن شهدت بالرد شهدوا وردوا .. - وهذا هو المنهج الذي سار عليه الصحابة والتابعون وأئمة الاجتهاد وأجمعت عليه العلماء - فإن صنعوا ذلك تحقق لهم إدخال الوقائع المستجدة تحت نصوص الشارع وتحقق لهم شمول هذه الشريعة، والتزموا بمنهج الحق في الاستنباط وتركوا عقولهم وما تزينه لهم من الأهواء والشبهات .. وها هنا شبه متولدة عن الشبه السابقة، فإن المقدمين للمصلحة على النص - بطريق البيان والتخصيص كما يفعل الطوفي، أو بتعطيله كما يفعل الشلبي - إذا احتدم النقاش قالوا: تقدم المصلحة إذ كيف تهدرون الأدلة المبيحة للعمل بالمصلحة وهي في مجموعها تفيد القطع (١). وإني لشديد العجب أن يرى أمثال هؤلاء الكتاب أن تقديم مصلحة - ظنوا أنها مصلحة - سببه عندهم هو أن الأدلة دلت على اعتبار المصالح، وأن هذا يبرر لهم تقديمها على النص. وما علموا أن الاستدلال لم يتم لهم، وإلّا فكيف علموا أن المصلحة هذه قد دخلت في المصالح التي دلت الأدلة على اعتبارها، هل قال الشارع اعتبرت المصالح التي تدركها عقولكم بدون شهادتي لها، أم قال إن النصوص جاءت بالمصالح فانظروا كيف تتعرفون عليها من طريق هذه النصوص.

стр. 497

ثم إن الأمر أسهل من ذلك كله، أفلا يلتفتون إلى أمر آخر، يقولون كيف نهدر الأدلة المبيحة للعمل بالمصلحة؟ أفلا يقولون كيف نهدر الأدلة التي أوجبت اتباع النصوص وجعلته دينًا وحذرت من سواه. أفلا يعلمون أنَّه كتابْ أنزل من لدن حكيم عليم، وبيانه من رسول كريم رحيم بوحي من الله، يحدد الخير والمصلحة ويرسم طريق السعادة، ويفصل بين الحق والباطل، ويكشف تزين الشيطان وشبهه للخلق - حيث يدعوهم إلى الفساد باسم المصلحة، وإلى الشرك باسم اتباع الأباء والأجداد، فما ترك الوحي شيئًا من شبه الشيطان إلا وكشفه، ثم يقال: إن المصلحة يمكن أن تكون في غيره، عجيبة من عجائب الفكر، وضلالة بينة حملها وزرها الطوفي وتَبِعَهُ عليها من تَبِعَهُ وذلك كله دليل على قصر العقل البشري وإن من ظن بنفسه أنه سيأتي بعلم جديد يخالف به الإِجماع، فإنما يحكم على نفسه بالوقوع في الآراء الساقطة ويذهب يخبط في عماية، ونسأل الله العافية والسلامة .. المطلب السابع عدم فهم بعض الباحثين لمعنى "التعبد" في الشريعة ومناقشته فيما نقله عن الشاطبي يعتبر صاحب تعليل الأحكام أن الشارع قصد بالعبادات - التي كلف بها الناس - الامتثال ولا دخل لاعتبار المصالح فيها. وأما المعاملات: فإنه نظر إليها أولًا من جهة تحصيل المصالح للأنام وهو الأصل فيها .. ثم أخذ في الاستدلال على التقسيم بثلاثة أدلة وهي: ١ - الاستقراء: فقد وجدنا أحكام المعاملات تحفظ على الناس مصالحهم وتدور معها حيث دارت، فترى الشيء الواحد يحرم في حال ويباح في حال أخرى كالدرهم بالدرهم إلى أجل يمتنع في المبايعة ويباح في القرض (١).

стр. 498

٢ - "أن الشارع توسع في بيان العلل والمصالح في تشريع هذا النوع، عكس العبادات، وهذا تنبيه منه سبحانه إلى أننا نسلك هذا الطريق ونسير بمعاملاتنا في وادي المصالح ولا نجمد على المنصوص الذي ربما ورد لمصلحة خاصة، وبطائفة خاصة وبإقليم خاص، وفي زمن خاص، وحاشا لشريعة الخلود أن تلزم الناس بهذا الأصر والأغلال التي صرحت في غير موضع بأنه رفع عنهم (١). ٣ - "إنّ أرباب العقل في زمن الفترات قد اعتبروا المصالح في كثير من العادات فلما جاءت الشريعة أقرت منها الشيء الكثير وعدلت ما انتابته عوامل متنازعة من الإِصلاح والإِفساد، ولم تبطل إلّا ما كان منشؤه هوى النفوس وطغيان الشهوات وأما عبادتهم فقد ضلت فيها عقولهم، ولهذا هدمت الشريعة غالبها إلّا ما نقل لهم من شريعة الخليل ﵇. بعد اتفاق العلماء على هذا القدر، اختلفت أنظارهم في أمر وراء هذا هو اعتبار التعبد فيها أوْلا، فمنهم من يخرج بها عن التعبد ويجعل الميزان الصحيح هو المصالح فقط، بيْدَ أنه لا يدعي خروجها عن التشريع، بل يعترف أنه ماض فيها، ولكن من هذا الطريق حسبما أرشدنا الشارع اجمالًا وتفصيلًا، ويرى فريق آخر أن التعبد له نصيب في هذا النوع لا يليق بالمكلف إهداره، فإذا ظهر التعبد في شيء وجب التسليم به والوقوف مع النصوص ... استند هذا الفريق في مدعاه "وهو أن المعاملات ملاحظ فيها التعبد التي أمور منها": ثم أخذ في ذكرها ومناقشتها .. وقبل ذكر هذه الأدلة ومناقشتها نحصّل ما يريد قوله من كلامه السابق، وهو كما يلي: ١ - أن العبادات قصد بها في الشرع - أولًا وآخرًا - الامتثال ولا دخل لاعتبار المصالح فيها.

стр. 499

٢ - أن المعاملات قصد بها في الشرع تحصيل المصالح أولًا، وهو الأصل فيها. ٣ - أن العلماء اتفقوا على هذا القدر واختلفوا فمنهم: (أ) "من يخرج بها عن التعبد ويجعل الميزان الصحيح هو المصالح فقط .. ". (ب) "ويرى فريق آخر أن التعبد له نصيب .. فإذا ظهر التعبد في شيء وجب التسليم به والوقوف مع المنصوص". وقبل أن أفصّل القول في ذكر أدلته ومناقشتها أقول أن حاصل ما ذكر في ست صفحات هو نقل عن كتاب الموافقات (١) للإِمام الشاطبي قسمه إلى أقسام: قسم استدل به على أن المعاملات الأصل فيها اتباع المصالح، وذكر الأدلة كما هي من الموافقات، وقسم استدل به على أن المعاملات ملاحظ فيها معنى التعبد - منكرًا لهذا الرأي - وقد ذكر أدلة الشاطبي وناقشها (٢). وفي كل ذلك لم ينسب شيئًا من ذلك إلى الإِمام الشاطبي لا في القسم الأول الذي استند عليه، ولا في الثاني الذي ناقشه. وأجمل ملاحظاتي على ترتيبه لهذا الذي نقله مع بيان مقصود الإِمام الشاطبي. ١ - أنه قال إنّ قصد الشارع أولًا وآخرًا في العبادات الامتثال ولا دخل لاعتبار المصالح فيها. ونضيف إلى ذلك أن الشريعة جاءت لمصالح العباد سواء ما يسمى

стр. 500

بالعبادات أو بالعاديات، وأن هذه المصالح متحققة في شريعة العبادات علمنا منها ما علمنا وجهلنا منها ما جهلنا، ومقصود المؤلف هنا أنه لا يجري فيها القياس ونحوه، والتنبيه هنا إنما هو تنبيه على العبارة، ذلك أن الشارع قصد في العبادات تحقيق مصالح الخلق، وأمرهم فيها بالامتثال، وعبارة الإِمام الشاطبي، هي: "الأصل في العبادات - بالنسبة إلى المكلف - التعبد دون الالتفات إلى المعاني" فبالنسبة للمكلف الوقوف عند حد الامتثال - وهو التعبد - دون النظر في المعاني، فيقف عند مجرد ما حده الشارع: "ولذلك كان الواقف من مجرد الاتباع فيه أولى بالصواب وأجرى على طريقة السلف الصالح .. " (١). مع التسليم بعد هذا كله أن العبادات جاءت رحمة للعباد محققة للمصالح في الدنيا والآخرة. ٢ - أنه قال أن المعاملات نظر الشارع فيها من جهة تحصيل الأصل فيها، فينبغي أن تتبع بها المصالح فقط. ومع التسليم بأنها جاءت لتحقق المصالح، إلّا أنه لا يقال أنها تتبع المصالح فقط، فإن من المعلوم أن الشارع أنزل شريعته لتحقيق مصالح العباد، ولم يقل أنها تتبع المصالح، ولم يستنبط أحد من المجتهدين هذه القاعدة فيقول: إن أحكام المعاملات تتبع المصالح: "ويجعل الميزان الصحيح هو المصالح فقط .. ". وانظر إلى ما يقوله الإِمام الشاطبي: "الأصل في العادات - بالنسبة إلى المكلف - التعبد دون الالتفات إلى المعاني، وأصل العادات الالتفات إلى المعاني". ومعنى الالتفات إلى المعاني: جواز التعدية إما بطريق القياس أو بطريق العمل بالمصلحة المعتبرة شرعًا.

стр. 501

فإذا عُلم المعنى الذي من أجله شُرع الحكم، وغلم وجوده في الفرع، عُرف هذا المعنى بطريق من طرق الاستنباط المعلومة .. أما أن فريقًا من العلماء قال أن المعاملات تتبع المصالح، والمصالح فقط وهي الميزان الصحيح، لأن الشارع نظر في تشريعه للمعاملات من جهة تحصيل المصالح، فهذا أمر لم ينسبه المؤلف إلى أحد من العلماء، وإنما هو مذهب الطوفي، الذي حاول الانتصار له بنصب هذه المسألة للبحث (١). والصواب كما تبين من قبل، أن الأئمة المجتهدين - نظروا في المعاملات فوجدوا أن الأصل فيها الالتفات إلى المعاني، فإذا علموا معنى معتبرًا في الشرع عدوه إلى الفرع بطريق معتبر من طرق الاستنباط. أما اتباع المعاملات المصالح فقط وبلا ضبط فهذا لم يقل به أحد من العلماء كما أشرت آنفًا، وما زعمه المؤلف فيما سبق أن الضبط أمر مخترع قد تبين بطلانه، وهو ما يزال يجادل على ذلك، ويستنكر أن تخضع المصالح إلى ضبط المسالك المعلومة في أصول الفقه، كما سيأتي معنا في مناقشته لكلام الشاطبي مع أنه لم ينسبه إليه. وإذا علم هذا - تبين خطؤه في قوله: وهذا القدر اتفق عليه العلماء، ومقصوده بالقدر الذي اتفق عليه العلماء هو أن العبادات قصد بها الشارع الامتثال أولًا وآخرًا ولا دخل لاعتبار المصالح فيها، وأن المعاملات شرعت أولًا من جهة تحصيل المصالح للأنام وهو الأصل فيها. بقي أن نقف عند قوله: "فمنهم من يخرج بها عن التعبد ويجعل الميزان الصحيح هو المصالح فقط بيد أنه لا يدعي خروجها عن التشريع، بل يعترف

стр. 502

أنه ماض فيها، ولكن من هذا الطريق حسبما أرشدنا الشارع إجمالًا وتفصيلًا (١). ويقصد بذلك أن هذا الفريق من العلماء يوافقه على أن المعاملات تتبع المصالح فقط وهو الميزان الصحيح، وهذا واضح من عبارته .. أما الطريق الذي نعرف به هذه المصالح فيحتاج إلى بيان، فإن كان مقصوده أن المصلحة لا ينبغي أنْ تخرج عن التشريع، بمعنى أنها لا تكون مصلحة إلّا إذا وافق عليها الشرع فهذا حق، وأن المصلحة هي ما أرشدنا الشارع إليها إجمالًا وتفصيلًا، فما فصلته النصوص من المصالح فلا نحيد عنه، إذ المصلحة متوفرة فيه، وما لم ينص عليه يعرف بمراجعة نصوص الشارع فما شهدت له بأنه مصلحة قبلناه وإن شهدت برده رددناه. فإن كان هذا مقصوده من هذه العبارة، فالصواب فيه ظاهر ويقتضي هدم ما ردده في رسالته هذه من أن بعض النصوص لا تحقق المصلحة، وأنها لهذا لا بد من تعطيلها مؤقتًا، لأن من الأحكام ما يتبدل بتبدل المصالح، وأن دعوى الأصوليين في اشتراط الضابط أمر مخترع، إلى آخر ما ردده في كتابه. والظاهر - والله أعلم -كما هو وارد في النصوص التي جاءت بعد ذلك أنه ما زال ينافح عن دعواه السابقة (٢)، وأن عبارته هذه ما هي إلّا علامة بينة على اضطرابه، إذ يقال له: إذا كانت المصلحة لا تخرج عن التشريع، فما بالك تصرح بأن النص قد لا يحقق المصلحة، وأن هذا يقتضي تعطيله مؤقتًا، وإذا كان الطريق الذي تعرف به المصالح في المعاملات هو طريق الشارع إجمالًا وتفصيلًا، فما بالك تصرح بأن الضبط أمر مخترع عند الأصوليين، وحاصل ما عندهم هو أن المصلحة لا بد من اعتبارها، إذا أرشدنا إليها الشارع إجمالًا كأن يشهد لها بالاعتبار، فإن لم يشهد لها فلا تعتبر، لأنا لم نعرف طريقا شرعيًّا يعتبرها.

стр. 503

ومقابل هذا الخلط والاضطراب وعدم الضبط ننقل عبارات الإِمام الشاطبي - التي نقل المؤلف بحثه الرابع منها انتصارًا لمذهب الطوفي - لنرى هل أحسن النقل حين نقل أم لا؟ وهل أحسن الفهم؟ وهل أحسن المناقشة؟ حاصل ما يريد الشاطبي تقريره في المسألة الثامنة عشر والتاسعة عشر أن: ١ - الأصل في العبادات - بالنسبة للمكلف - التعبد دون الالتفات إلى المعاني. ٢ - الأصل في العادات - بالنسبة للمكلف - الالتفات إلى المعاني (١). ٣ - الأول يقتضي الوقوف عند ما حده الشارع وهذا معنى التعبد. ٤ - الثاني - وهو أن الغالب في العادات الالتفات إلى المعاني فإذا وجد فيها التعبد فلا بد من التسليم والوقوف مع المنصوص، وذلك لأن التعبديات علتها مجرد الانقياد من غير زيادة ولا نقصان (٢). ٥ - "أن العاديات وكثير من العبادات لها معنى مفهوم وهو "ضبط وجوه المصالح" إذ لو ترك الناس والنظر، لانتشر ولم ينضبط، وتعذر الرجوع إلى أصل شرعي، والضبط أقرب إلى الانقياد ما وجد إليه سبيل ... " (٣). ٦ - كل ما ثبت فيه اعتبار التعبد فلا تفريع عليه. ٧ - كل ما ثبت فيه اعتبار المعاني دون التعبد فلا بد من اعتبار التعبد فيه. ثم أخذ في الاستدلال على ذلك وقال بعده: " ... وما أشبه ذلك من المسائل الدالة على اعتبار التعبد، وإنْ عُقِلَ المعنى الذي لأجله شُرع الحكم، فقد صار إذن كل تكليف حقًّا لله، فإن ما هو لله فهو لله، وما كان للعبد فراجع

стр. 504

إلى الله من جهة حق الله فيه، ومن جهة كون حق العبد من حقوق الله، إذْ كان لله أن لا يجعل للعبد حقًّا أصلًا" (١). وتبين من كلام الإِمام الشاطبي، أن مقصوده من بحث هذه المسألة، هو إثبات أن التكليف هو حق لله، سواء أكان من العبادات أو المعاملات، ولهذا ذكر الأدلة على أن "كل ما ثبت فيه اعتبار المعاني دون التعبد فلا بد من اعتبار التعبد ثم ذكر أربعة أوجه تدل على ذلك .. وبعد معرفة ما يريد الشاطبي تقريره في الموافقات، أعود إلى المقارنة بين ما هو موجود في الموافقات وما نقله الشلبي مع بيان الفوارق: أولًا: ذكر الإِمام الشاطبي ثلاثة أدلة على أن الأصل في العادات الالتفات إلى المعاني: أولها: الاستقراء: وهو ما ذكره الشلبي سابقًا. والفارق بينهما أن الشاطبي جعله دليلًا على ما ذكره وحرر الضوابط فقال مبينًا: إنا فهمنا من العادات اعتبار الصالح، وذكر لذلك أمثلة منها: جواز الدرهم بالدرهم في القرض مع حرمته في المبايعة، وحديث "لا يقضي القاضي وهو غضبان"، "ونهى عن بيع الغرر"، "ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب" ... إلى غير ذلك في لا يحصى وجميعه يشير - بل يصرح - باعتبار المصالح للعباد، وأن الإذن دائر معها أينما دارت حسبما بينته مسالك العلة فدل ذلك أن العادات مما اعتمد الشارع فيها الالتفات إلى المعاني" (٢). والشاطبي -كما هو واضح من عبارته- أحسن الاستدلال على مقصوده وحرر ضوابط اتباع المصالح، وهو أن الشارع أذن في ذلك، وضوابطه هي اتباع مسالك العلة.

стр. 505

والشلبي بضد ذلك نقل أول كلام الشاطبي وترك آخره الذي فيه هذه الضوابط. وقد سبق في أكثر من موضع استنكاره لها وزعمه أن الضبط أمر مخترع. ثانيًا: استدل الشاطبي بأن "الشارع، توسع في بيان العلل والحكم في تشريع باب العادات كما تقدم تمثيله، وأكثر ما علل فيها بالمناسب الذي إذا عرض على العقول تلقته بالقبول، ففهمنا من ذلك أن الشارع قصد منها اتباع المعاني لا الوقوف مع النصوص (١)، بخلاف باب العبادات فإن المعلوم فيه خلاف ذلك ... " (٢). وأضاف الشلبي - بعد أن لخص الدليل الذي ذكره الشاطبي - قوله: "وهذا تنبيه منه سبحانه إلى أننا نسلك هذا الطريق ونسير بمعاملاتنا في وادي المصالح، ولا نجمد على المنصوص الذي ربما ورد لمصلحة خاصة وبطائفة خاصة، وبإقليم خاص وفي زمن خاص، وحاشا لشريعة الخلود أن تلزم الناس بهذا الإصر والأغلال التي صرحت في غير موضع بأنه رُفع عنهم" (٣). وهذه الإِضافة من المؤلف تخدم القضية التي ينافح عنها في كتابه، وما زال يمفد لها، ويقوّي من شأنها، والشبهة التي أصابته ما زالت تلاحقه وهي ظاهرة في قوله: " ... ولا نجمد على المنصوص الذي ربما ورد لمصلحة خاصة ... " فهو يرى أن النص قد لا يحقق المصلحة، وبذلك يجب أن نتعرف عليها ولو خارج النصوص، ونسير بمعاملاتنا في وادي المصالح هكذا بغير حرمة للنص وبغير شهادة من الشرع لهذه المصالح المزعومة.

стр. 506

بل إنه يرى أن وضع هذه الضوابط نوع من الإِصر والأغلال. أمّا مسألة خصوص بعض الأحكام فلم يقل أحد من العلماء إن خصوصيات الرسول ﵊ تلزم المكلفين .. أمّا بقية الأحكام وهي معظم الشريعة فلم يقل أحد من أهل العلم أن من نصوصها ما ورد لمصلحة خاصة، وبطائفة خاصة، وبإقليم خاص، وفي زمن خاص وهذه الدعوى - مع خطورتها - لم يقدم لها المؤلف دليلًا إلّا قوله أن بعض المصالح تتغير، وأن النص لا يحقق المصلحة في بعض الأحيان، وهذه كما ترى دعوى أخرى، فلم يبق في يديه إلّا قوله: إن هذا عمل الصحابة فكان إجماعًا، وقد بينت في البحوث السابقة أن الصحابة لم يغيروا ولم يبدلوا وما فهمه واتبعد ما هو بيقين، ولكن شُبِّهَ له. والحاصل أن هذه الإِضافة على كلام الشاطبي - مع خطورتها - ليس لها وزن علمي لأنها مجرد دعوى، ووسعت البيان هنا ضرورة لإِبطال قوله بعد ذلك أن هذا قدر اتفق العلماء عليه!!! وفكرته هذه وما ينبني عليها لا يزيدها إدخالها مع كلام الشاطبي إلّا خذلانا، وذلك لما بينته من الفرق بين ما نقلته عن الأصوليين، ومنهم الشاطبي وهو الالتزام بالضوابط الشرعية، وتوقير النصوص، والشعور بحرمتها وأنها رحمة متضمنة للعدل والمصلحة والخير واتباع المعاني تحت العمل بالضوابط وبين شذوذ صاحب رسالة التعليل الذي يرى المصلحة ... خارجة عن النص في بعض الأحيان ويصر على عدم الضبط (١)، ويعطل بعض النصوص مؤقتًا، تجديدًا لشذوذ الطوفي، بل وزيادة عليه.

стр. 507

ثالثًا: قال الإِمام الشاطبي إن العقول قد تدرك بعض المصالح كما كان يصنعه أهل الفترات، حيث اتبعوا بعض الأحكام - اتباعًا لبعض المعاني - فجرت بذلك مصالحهم، وذلك ما كانوا يعملونه في الجاهلية، كالدية والقسامة، والاجتماع يوم العروبة - وهي الجمعة للوعظ - والقراض وكسوة الكعبة، وأشباه ذلك، ومع ذلك فإنهم قصّروا في جملة من التفاصيل فجاءت الشريعة لتتم مكارم الأخلاق، وأما في التعبديات فكان الصحيح منها نادرًا، وهو ما أخذوه من ملة إبراهيم ﵇ (١). ثم جاءت الشريعة وأقرت من هذه الأحكام ما أقرت، ورفضت منها ما رفضت، وما قبلته أصبح من نظامها لا على أنه حكم الجاهلية خالط حكم الإِسلام، وأن الإِسلام تأثر به، بل لأن الإِسلام اختاره وأقره، ولو لم يقره لم يكن منه البتة، وهو بهذا الإِقرار أصبح من شريعة الإِسلام، وأخذ شرعيته من إقرار الإِسلام به. وقد صرح الإِمام الشاطبي أن هذا الإِقرار لهذه المصالح من الشارع حيث قال: "ومن ها هنا أقرت هذه الشريعة جملة من الأحكام التي جرت في الجاهلية كالدية والقسامة ... " (٢). ونحن نطالب من يريد اتباع المصالح حيث كانت أن يأتي بإقرار من الشارع، على أن هذا الأمر مصلحة وليس بمفسدة لا نريد منه أكثر من ذلك. والمصالح حينئذ قسمان كما قرره الشاطبي نفسه: الأول: ما لا يمكن الوصول إلى معرفته بالمسالك المعهودة - ويقصد بالمسالك الإِجماع والنص والإِشارة والسير والمناسبة وغيرها - ولا يطلع عليه إلا بالوحي، فهو موقوف على التعبد المحض، ومعنى هذا أن من زعم أنه يدرك

стр. 508

المصلحة منه، ويريد أن يعديها إلى غير محلها فهو مخطئ وأمره مردود عليه لأنه لا سبيل إلى إدراكها. الثاني: "ما يمكن الوصول إلى معرفته بمسالكه المعروفة كالإِجماع والنص والإشارة والسبر والمناسبة وغيرها - وهذا القسم هو الظاهر الذي نعلل به ونقول أن شرعية الأحكام لأجله" (١). وهذه الضوابط المذكورة هنا هي من معنى قول الشاطبي سابقًا "ومن ههنا أقرت هذه الشريعة جملة من الأحكام". نعم لابد من الإِقرار من الشارع، وقد علمنا أنه قد كفنا عن طلب القسم الأول، وأمرنا بالقياس على القسم الثاني، والعمل به شريطة أن لا يخالف إجماعًا أو نصًا ذلك أن الإِجماع والنص .. وغيره هي الطرق التي بها تعرف المصلحة وهي الدلالة عليها فكيف يتصور أن تعارضها المصلحة أو تطلب خارجًا عنها. وإذا تحصل مقصود الشاطبي ننظر بعد ذلك في صنيع الدكتور الشلبي فإنه ذكر هذا الدليل مختصرًا فقال: "إنّ أرباب العقل في زمن الفترات قد اعتبروا المصالح في كثير من العادات، فلما جاءت الشريعة أقرت منها الشيء الكثير، وعدلت ما انتابته عوامل متنازعة من الإِصلاح والإِفساد، ولم تبطل إلّا ما كان منشؤه هوى النفوس وطغيان الشهوات، وأما عباداتهم فضلت فيها عقولها ولهذا هدمت الشريعة غالبها إلا ما نقل لهم من شريعة الخليل ﵇" ثم قال إن هذا القدر اتفق عليه العلماء (٢). والفارق بين معالجة الإِمام الشاطبي لهذه المسألة ومعالجة الشلبي واضح جدًا، فإن الإِمام الشاطبي بيّن إلتفات الشارع إلى المعاني في باب العادات فإذا

стр. 509

علمنا المعنى اتبعناه تحقيقًا للمصلحة، وأنه لا بد من إقرار الشارع وشهادته لهذا المعنى بالمناسبة، وإلّا تبينا أن هذا الذي ظنناه مصلحة ليس كذلك .. وأما الشلبي فإنه يسير فيما يخدم دعواه، ولذلك تجده لم يذكر الضوابط التي ذكرها الإِمام الشاطبي، ولم يحرر المسألة كما حررها، فبينما تجد الشاطبي يصرح بما أقرته الشريعة، ويبين أنه جملة من الأحكام، تجد الشلبي يقول: "أقرت منها الشيء الكثير ... ولم تبطل إلّا ما كان منشؤه هوى النفوس وطغيان الشهوات" هكذا على سبيل الحصر .. لم تبطل إلّا المصلحة التي حمل عليها هوى النفس وطغيان الشهوات، وأما التي حمل عليها العقل فشيء آخر، فإذا ما جاء أحد من العقلاء - في غير طغيان ولا هوى - وقال إن هذه مصلحة فاتبعوها فينبغي أن نتبعها لأن بعض المصالح التي جاءت بها بعض النصوص تتغير وما دام إقرار الشارع لها ليس شرطًا والضبط أمر مخترع فلا بد من اتْباعِ العقلِ بدون الرجوع إلى أصل معين. والحق أنه لا عبرة بمثل هذا النوع من المصالح ما لم يشهد له الشرع بعدم الرد، فإن رده فهو مردود سواء أكان الحامل عليه هوى نفس أو طغيان أو نية خالصة تريد النفع والخير (١) وذلك أنه قد تقرر على سبيل القطع أن العقل ليس بشارع، وأنه لا يستقل بإدراك المصالح ودفع المفاسد، وأنه لا بد من شهادة الشارع للمصلحة بأحد المسالك المعروفة فإن لم يشهد ورد - ذلك الذي ظنناه مصلحة - فإنه مردود بالإِجماع، والعبرة بما حده الشرع وبينه .. وأستطيع هنا أن أقول - نقضًا لما زعمه شلبي وبيانًا للحق - أن هذا

стр. 510

هو القدر الذي اتفق عليه العلماء، حاشا الطوفي الذي شذ عن الإِجماع، ثم جاء الشلبي من بعده فطم الوادي على القرى .. هذا بالنسبة للقسم الأول الذي نقله عن الشاطبي واتجه به إلى معنى آخر - لم يقصده الشاطبي ولا غيره من الأئمة - أراد به نصرة رأي الطوفي، وقد تبين الفرق بين منهج الشاطبي وصنيع المؤلف. المطلب الثامن الفرق بين العبادات والعاديات تشمل الشريعة الإِسلامية هذين القسمين: الأول: هو العبادات، ويدخل فيها من الشرائع أداء الصلوات والحج والنذر والصيام ونحو ذلك. الثاني: وهو العاديات أو المعاملات، ويدخل فيها من الشرائع القرض والقضاء والحكم في الخصومات ونحو ذلك. والأول يغلب عليه كونه حقًّا خالصًا لله أي بين العبد وربه، والثاني يغلب عليه كونه حقًّا للآدمي. هذا هو معنى التقسيم الذي ورثناه عن الفقهاء، بقي أن نتعرف على الفرق بينهما لصلة هذا البحث بما نحن فيه .. والفرق بينهما: أن العبادات توقيفية ليس للعبد معها إلّا مجرد الانقياد من غير زيادة ولا نقصان (١)، وأن المعاملات والعاديات إذا عُلم المعنى الذي شرعت من أجله وعُلم وجوده في محل آخر نقل إليه ذلك الحكم بطرق من طرق مسالك العلة المعلومة ... أما موضع الاتفاق بين العبادات والعادات فيظهر فيما يلي:

стр. 511

١ - أنهما جميعًا من أحكام الشريعة الإِسلامية، ويجب الالتزام بها لأنها من الدين الذي أمرنا الله باتباعه، ولا يجوز تبديلها ولا تغييرها ولا تعطيلها بل الواجب توقيرها وتعظيمها والانقياد لها لأنها من عند الله العزيز الحكيم. ٢ - أن المطيع لأمر الله في العبادات والعادات مثاب، لأنه أدى حق الله عليه، سواء بأداء الصلوات أو بأداء حقوق الناس كما أمره الله، فحق الله فيها ظاهر، ولذلك تشترك في معنى التعبد من هذه الجهة، فهي عبادة لله، فكما تتحقق عبادة الله بالتوحيد تتحقق بأداء الصلوات والحج والصوم والزكاة، وتتحقق بالتزام حكم الله في الاقتصاد والاجتماع والحكم والسياسة. فمن إلتزم في ذلك كله أمر الله - يرجوا بذلك وجه الله - فهو متعبد مأجور، ومن خالف فبحسب مخالفته، وإنما يتحقق الأجر في كل ذلك لأن فيه معنى التعبد أي معنى عبادة الله، وهذا حاصل ما قرره الشاطبي بأدلة واضحة بينة في المسألة التاسعة عشرة، ليقول لنا أن كل تكليف فيه حق لله (١). وبملاحظة مواضع الاتفاق والاختلاف يمكن معالجة هذه الشبهة التي يمكن أن يقع فيها بعض الناس وهي: أن ملاحظة معنى "التعبد" في العاديات من تلك الجهة وبذلك المقصود، مانع من اتباع القياس الشرعي والمصلحة المعتبرة أو بلفظ آخر مانع من التعدية. وهذا ما فهمه الشلبي حيث قال: "استند هذا الفريق في مدعاة أن المعاملات ملاحظ فيها التعبد" إلى أمور منها، ثم ذكر أدلة الإِمام الشاطبي على المسألة التاسعة عشرة التي أشرت إليها آنفًا، ثم حاول الإِجابة عنها (٢). ولا نحتاج هنا إلى مناقشته، فضلًا عن ذكر أدلة الشاطبي وتعليقه هو فإن ذلك لا ضرورة له، وذلك أن الإِمام الشاطبي لم يقصد بإثبات معنى التعبد في العاديات منع التعدية فيها، لأنه يقر بالفرق الذي ذكرته بين العبادات والعاديات

стр. 512

وبمواضع الخلاف، فهو يرى في وقت واحد أن: العاديات الأصل فيها اتباع المعاني، فيعدي المجتهد الحكم إلى غير محله بشرط أن يلتزم مسالك العلة فلا يؤدي به اجتهاده إلى رد ما جاء به الشرع، وسواء عدى الحكم أو لم يعده فإن أحكام العاديات كلها فيها معنى التعبد من جهة - لا تمنع التعدية - وإنما هي ضرورية لربط قلب المؤمن بالله، فهو إذ يلتزم بأحكام العاديات إنما يلتزم أمر الله فإذا أخذ ما أخذ، وترك ما ترك من تحت الإِذن الشرعي فإنه عابد مُتبعٌ مؤدٍ حق الله وهذا معنى قول الشاطبي: الأصل في العاديات الالتفات إلى المعاني وذلك لتتحقق التعدية، وأن فيها معنى التعبد وذلك لتحقق معنى العبادة والأجر والثواب عليها. فإذا كان الأمر كذلك فهل يجوز لباحث أن يناقش أدلة الشاطبي على أن العاديات وإن اعتبر فيها اتباع المعاني - فلا بد فيها من اعتبار التعبد، وذلك ليقول: إن الأدلة السابقة - ويقصد أدلة الشاطبي - فيها ضعف ظاهر ولا يصلح التمسك بها في مقام الحجاج (١). وأدلة الإِمام الشاطبي التي ناقشها د. شلبي هي الأدلة التي ذكرها على المسألة التاسعة عشرة - لإِثبات أن "كل تكليف فيه حق لله" (٢) ومن يناقش في هذا أو يجادل؟! وهذا دليل على أن الشلبي لم يفهم ما يريد الشاطبي أن يقوله في المسألة التاسعة عشرة فأخذ يناقشه في أربعة صفحات (٣). فإن قيل: إذا كان الشاطبي يقول بالتعدية والشلبي يجادل عنها ليثبت أن في العاديات تعدية فما الفرق بينها؟ والجواب أن الشاطبي متبع للإِجماع في الالتزام بالضوابط، وعدم التقديم على النص أي مصلحة، ولو اجتمعت عليها عقول العقلاء وأفهام الحكماء، ولا تغير ولا تبديل في المعاملات وأحكام النظام الاجتماع، وأما الشلبي فبضد ذلك وقد مر بيانه.

стр. 513

وأختم الجواب عن هذه الشبه بالإِشادة بمجهود الشاطبي المبارك في كتابه، ذلك أنه يتكلم عن الإِسلام وهو يلاحظ عقيدته ومنهجه في الاستدلال وأحكامه ومقاصده. فإن شئت أن تجد في كلامه اتباعًا للسلف ومفارقة للبدعة والمبتدعين وجدته، وإن شئت أن تجد - سلامة من آثار علم الكلام - يترتب عليه ضبطًا لمنهج الاستدلال وجدته، وإن شئت أن تجد إبرازًا لمقاصد الشارع، وإظهارًا لمعنى التعبد في جميع أحكامه وجدته، كما هو الحال في مسألتنا هذه (١). ومن يعلم مدى ما أدت إليه أمثال هذه الشبهة حتى فُهم الإِسلام على أنه عبادات لها الاحترام، ومعاملات يمكن أخذها من غير الشريعة أو يمكن التزامها بدون الشعور بمعنى العبادة فيها، حتى أصبح مفهوم التعبد مقصورًا على نوع خاص من الأحكام، من علم ذلك شعر بالجهد المبارك الذي بذله الشاطبي .. وشعر في الوقت نفسه بشدة حاجتنا إلى التعرف عليه وإظهاره. وهذا الجهد المبارك هو المدد الذي ييسره الله على أيدي العلماء الربانيين، فينقلونه من جيل إلى جيل، فيحفظ الله بهم الفهم الصحيح لهذا الدين، الذي عاش به النبي ﷺ وأصحابه ومن تبعهم بإحسان غير مبدلين ولا مغيرين في غير ما حرج ولا ضيق ﴿صِبْغَةَ اللهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾. وكلما أردنا أن نفهم هذا الدين .. كما فهمه جيل الصحابة والتابعين فلابد من أن نأخذه عن أولئك العلماء الذين هم ورثة الأنبياء الذين تابعوا الجيل القدوة وسلموا من آثار الفرق الضالة قديمًا وآثار الغزو الفكري حديثًا، وتحققوا بهذا الدين ونصروه، وهؤلاء هم العلماء الربانيون الراسخون نفعنا الله بهم ورزقنا ما رزقهم (٢).

стр. 514

المطلب التاسع مناقشة ما نسبه بعض الباحثين إلى الإِمامين: ابن القيم والشاطبي الفرع الأول فيما نسبوه إليهما نسب بعض الباحثين المحدثين إلى هذين الإِمامين القول بقاعدة تغير بعض الأحكام بتغير الزمان، معتمدين في ذلك على ما فهموه من نصوص وردت في كتاب أعلام الموقعين وكتاب الموافقات. وأبدأ بما ذكر الدكتور صبحي الصالح بعد أن ذكر بعض نصوص ابن القيم فقال: "وحين نذكر أن "المصلحة العامة" في القوانين الحديثة هي أساس كل تشريع، ونضع في مقابل ذلك ما اشترطه فقهاؤنا لسلامة الأخذ بالمصلحة المرسلة (المطلقة من كل قيد إلا قيد النفع) (١) لا يسعنا ونحن نسير روح الشريعة وأساسها إلا أن نستخدم هذه الوسيلة "التقنينية" التي هي مبنى هذه الشريعة وأساسها، فحيثما كان العدل والرحمة والحكمة والمصلحة فثم شرع الله" (٢). وهذا الذي نقلته هنا هو نتيجة بحثه للفصل الخامس بعنوان "روح الشريعة الإِسلامية" وقد نسب فهمه هذا إلى الإِمام الشاطبي حيث ابتدأ حديثه بتقرير أن الإِمام الشاطبي هو من أفضل الأئمة الذين تعرفوا على روح الشريعة. وقد أحسن الدكتور صبحي الصالح وهو يتحدث عن ثبات الشريعة حيث اعتبر انقطاع الوحي موجب لثبات الشريعة "غير قابلة للتعديل أو التطوير

стр. 515

إلا ما كان منها في حياة الرسول - أو في عصر الوحي - (١) داخلًا في اعتبار الناسخ والمنسوخ أو التخصيص بعد التعميم أو التقييد بعد الإِطلاق أو التفضيل بعد الإِجمال ثم اتخد في النهاية صورة "ثابتة" في جميع الأحوال كالآيات التي تعاقبت نزولها بشأن الخمر على سبيل المثال" (٢). ثم انتقل إلى أمر مهم جدًا ألا وهو كيفية التعرف على شمولية الشريعة واعتبر "المصلحة والعرف" هي من أهم الوسائل المؤدية إلى ذلك. وبعد هذا مباشرة انتقل إلى الحديث عن دور المصلحة وأخذ في التعريف بموقف ابن القيم منها - ونقل عنه قوله: "الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد وهي عدل كلها ورحمة كلها ومصالح كلها وحكمة كلها" ثم يضيف قائلًا: "فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور وعن الرحمة إلى ضدها وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل، فالشريعة عدل الله بين عباده، ورحمته بين خلقه، وظله في أرضه" (٣). ثم قال د. صبحي: وقد نصر ابن القيم رأيه في المصلحة بطائفة من الأمثلة في كتابه "أعلام الوقعين" ... وإليك بعضًا منها: ١ - عدم قطع الأيدي في الغزو. ٢ - إذا كان إنكار المنكر يستلزم ما هو أنكر منه لا يسوغ إنكاره (٤). ثم أكد المؤلف ما يذهب إليه من نسبة تلك القاعدة إلى ابن القيم بأن

стр. 516

ذلك هو منهج عمر بن الخطاب ﵁ في كثير من اجتهاداته مثل إسقاط الحد عن السارق عام المجاعة وإسقاط سهم المؤلفة قلوبهم ونحو ذلك (١) وقرر على هذا نتيجة بحثه التي ذكرتها في أول هذا المطلب. وعلى هذا المسلك سار بعض الباحثين حيث نسب إلى ابن القيم الانتصار لهذه المقالة "تغير بعض الأحكام بتغير الزمان" (٢). هذا ما فهموه عن الإِمام ابن القيم فماذا عن فهمهم لنصوص الإِمام الشاطبي، ينقل بعض الباحثين نصًا طويلًا للإِمام الشاطبي ويستنبط منه "أن أحكام الشريعة (عند الإِمام الشاطبي) إنما هي عبارة عن كليات وجزئيات، وأن الكليات تعتبر أصولًا باقية لا تتبدل ولم يحدث فيها نسخ بخلاف الجزئيات التي تجري فيها المشاحنات والمنازعات، وأن الأحكام المدنية منزلة في الغالب على وقائع غير الكليات المقررة بمكة، وكانت هذه الأحكام المدنية شاملة للرخص والتخفيفات وتقرير العقوبات في كل ذلك في الجزئيات لا الكليات التي أحكمت في مكة وبقيت على حالها" (٣). وحاصل ما فهمه الباحث من كلام الشاطبي ما يلي: ١ - أن الجزئيات تخالف الكليات من حيث تبدلها وتغيرها. ٢ - أن الأحكام المدنية منزلة في الغالب على وقائع غير الكليات المقررة بمكة. وكلام الباحث هذا في معرض حديثه عن قاعدة تغير الأحكام وصلتها بنقض الاجتهاد (٤)، ونحن نناقشه في فهمه لكلام الإِمام الشاطبي وذلك بعد مناقشة فهمه وفهم الدكتور صبحي لكلام ابن القيم.

стр. 517

الفرع الثاني المناقشة إن مما أناقش فيه هذين الباحثين أمرين مهمين: الأول منهما: أن المصلحة - التي أخذ بها فقهاؤنا واشترطوا شروطًا لسلامة الأخذ بها هي المصلحة المرسلة (المطلقة من كل قيد إلّا قيد النفع). وأسندا العمل بالمصلحة المرسلة إلى الإِمام ابن القيم ومن قبله عمر بن الخطاب ﵁، ومما ذكر من الأمثلة عدم قطع الأيدي في الغزو وعدم إنكار المنكر إذا أدى إلى مفسدة عظيمة .. وإسقاط الحد عام المجاعة. الثاني منهما: إن الأحكام المدنية في الغالب غير منزلة على وقائع الكليات المقررة بمكة، وأن تلك الأحكام الجزئية التي نزلت بالمدينة تخالف الكليات المكية من حيث البقاء والتبدل، هكذا على الإِطلاق. مناقشة الأمر الأول: نبدأ في المناقشة في هذا الموضع من حيث انتهينا سابقًا حيث تقرر أن ما قيل عن "تغير الأحكام بتغير المصالح والأعراف والعادات والأزمنة" ليس مبنيًا على أساس علمي، وحاصل ما عند القائلين به أنه "قاعدة" حدثت عند نشوء المجلة العدلية، وكان يكفيهم ذلك، لو أنهم تريثوا وتساءلوا لمَ لمْ ينص السلف على أنها قاعدة؟ وحينئذ سيعلمون الجواب الذي سيحملهم على إعادة النظر فيها والتعرف على حقيقتها، غير أنهم لم يصنعوا شيئًا من ذلك، بل سارع بعضهم إلى محاولة إضافة معناه إلى فقه السلف، وقد تبين لنا بما فيه الكفاية، أن الصحابة - رضوان الله عليهم - لم يغيروا الأحكام ولم يبدلوها، وبقي هنا أن نناقش ما نسب إلى ابن القيم سواء من هذين الباحثين أو من غيرهما (١)، ونقول هنا كما قلنا من قبل إن إطلاق المصلحة من ضوابطها مخالف لوضع الشريعة ولفهم

стр. 518

السلف من الصحابة والتابعين وأئمة الفقهاء من بعدهم، وما يقوله الأستاذ صبحي الصالح هنا يأخذ الحكم نفسه. وإن مما يعفيه من هذه المؤاخذة أن يقيد تفسيره للمصلحة المرسلة بما أشرت إليه سابقًا من كلام الأئمة، فليس عند فقهاء السلف مصلحة مرسلة (مطلقة من كل قيد إلّا قيد النفع) إن هذه المصلحة هي المصلحة التي تدور عليها القوانين الوضعية كما يقول الباحث، والشرط الذي تضيفه الشريعة هنا هو أن تشهد نصوصها الجزئية أو الكلية لهذا النفع بعدم الرد، ذلك أن هذه الشريعة وضعت في الأصل لتكون صراطًا مستقيمًا يهتدي به الناس، ومن مقتضى اهتدائهم بها أن يستشهدوها على ما يظنونه "نفعًا" فإن شهدت بأنه كذلك ولم ترده فهو كذلك، ويترتب على ذلك أن يتبعوه ويعتبروه، لأن الشريعة أمرتهم بذلك، ومن هنا يتحقق الخير وتتحقق العبودية وذلك باتباع هذه الشريعة، وإن لم تشهد له بل ردته، فهو حينئذ ليس "نفعًا" ويجب عليهم أن يبتعدوا عنه مهما شهدت له العقول القاصرة والعادات المتكاثرة، أما أن يقال المصلحة المرسلة - التي أمرت الشريعة باتباعها - هي المطلقة من كل قيد إلّا قيد النفع - ثم نتبع ما يقال أنه "نفع" فليس ذلك بصواب، ولا يضرنا إذا اهتدينا أن تتبع القوانين الوضعية المصلحة التي أطلقت من كل قيد إلّا قيد النفع، لا يضرنا ذلك لأن هؤلاء القانونيين ليس عندهم صراطٌ مستقيمٌ من لدن العزيز الحكيم يهتدون به، بل غاية ما عندهم اتباع الأعراف والعادات والأفكار البشرية، فالنفع عندهم ما حددته أعرافهم وعاداتهم وعقولهم والنفع عندنا ما لم ترده الشريعة وهذا فرق عظيم بيننا وبينهم، ولا يضرنا من ضل إذا اهتدينا، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ (١). وكان ينبغي - على الباحث أن يختم بحثه بما ذكره هو نفسه من شروط الفقهاء (٢)، لا أن يختم بحثه بما يتبعه القانونيون من المصلحة.

стр. 519

وما ذكره من شروط الفقهاء لاتباع المصلحة يرجع في النهاية إلى اشتراط عدم معارضة الشريعة لها، فإذا لم تشهد الشريعة بالرد فقد أصبح لتلك المصلحة موضعًا فيها، ولو أكد على ذلك وختم به بحثه لعلم حينئذ أن المرسلة ليست هي المطلقة من كل قيد إلّا قيد النفع، بل هي التي لا تعارض الشريعة، وليس النفع هو ما يحدده البشر بل هو ما يحدده رب البشر .. وبهذا الذي أقول كان يمكنه تفسير ما ذهب إليه عمر بن الخطاب أمير المؤمنين وما قاله ابن القيم في كتابه أعلام الموقعين. ولقد تحدثنا عن مسألة عدم قطع الأيدي في الغزو وفي عام المجاعة، وما بنا حاجة إلى إعادته، وتقرر هناك أن هذا ليس فيه تغيير ولا اتباع لمصلحة مطلقة من شهادة الشرع (١) - ولا مطلقة من كل قيد إلّا قيد النفع - ليس شيء من ذلك كله، بل إن ذلك تحقيق مناط الأدلة الشرعية بدون تقديم ولا تأخير ولا تبديل ولا تغيير - وأما عدم إنكار المنكر إذا أدى إنكاره إلى منكر أعظم منه فذلك إعمال لقاعدة سد الذريعة، وقد سبقت الإِشارة إليها (٢). ونحن مع جميع هذه الأمثلة وغيرها نجزم أن ذلك الاجتهاد من الصحابة والتابعين وأئمة السلف من الفقهاء من بعدهم، ليس فيه تغيير ولا تبديل، ولا اتباع لمطلق النفع، أو العرف والعادة، أو الاحتكام إلى العقل، بل هو اتباع لهذه الشريعة وتحقيق لمناطات أحكامها. مناقشة الأمر الثاني: وهو ما نسب إلى الإِمام الشاطبي من أن الأحكام المدنية، غير منزلة على وقائع الكليات المقررة بمكة، وأنها تخالفها من حيث البقاء، وأناقش هذه النسبة من خلال نصوص الإِمام الشاطبي ومن كتابه الذي اعتمد "صاحب رسالة تغير الأحكام " على نص واحد منه ولم يتبين المعنى الحقيقي له (٣).

стр. 520

ولا بأس بأن نتذكر بعض المعالم البارزة في منهج الإِمام الشاطبي والتي أشرت إليها من قبل ومنها: ١ - إدراكه العميق لحاكمية هذه الشريعة وثباتها وشمولها وأنها قطعية. ٢ - إدراكه لخطورة مسلك المبتدعة وأنه مؤد إلى رفع الضوابط الشرعية وتحكيم العقل والهوى في الشريعة ومن ثم مؤد إلى تبديلها وتغيرها كلها أو بعضها. وأضيف هنا ما يكشف حقيقة ما نسب إليه، وأبدأ بنقل النص نفسه الذي اعتمده "صاحب رسالة تغير الأحكام" مع الإشارة إلى موضع آخر من كتاب الموافقات ولا بد من نقل النص كاملًا مع ما فيه من طول (١): يقول الإِمام الشاطبي في معرض حديثه عن بعض معالم منهج التربية الإِسلامية وعن حقيقة الاجتهاد الخاص بالعلماء، والعام لجميع المكلفين: "إن المشروعات المكية - وهي الأولية كانت في غالب الأحوال مطلقة غير مقيدة وجارية على ما تقتضيه مجاري العادات عند أرباب العقول، وعلى ما تحكمه قضايا مكارم الأخلاق من التلبس من كل ما هو معروف في محاسن العادات، والتباعد عن كل ما هو منكر في محاسن العادات، فيما سوى ما العقل معزول عن تقريره جملة من حدود الصلوات وما أشبهها، فكان أكثر ذلك موكولًا إلى أنظار المكلفين في تلك العادات، ومصروفًا إلى اجتهادهم، ليأخذ كل بما لَاقَ به وما قدر عليه من تلك المحاسن الكليات، وما استطاع من تلك المكارم في التوجه بها للواحد المعبود من إقامة الصلوات فرضها ونفلها، حسبما بينه الكتاب والسنة، وإنفاق الأموال في إعانة المحتاجين، ومواساة الفقراء والمساكين، من غير تقدير مقرر في الشريعة، وصلة الأرحام قربت أو بعدت على حسب ما تستحسنه العقول السليمة في ذلك الترتيب ومراعاة حقوق الجوار، وحقوق الملة الجامعة بين الأقارب والأجانب، وإصلاح ذات البين بالنسبة إلى جميع الخلق، والدفع

стр. 521

بالتي هي أحسن، وما أشبه ذلك من المشروعات المطلقة التي لم ينص على تقييدها بعد، وكذلك الأمر فيما نهى عنه من المنكرات، والفواحش على مراتبها في القبيح فإنهم كانوا مثابرين على مجانبتها مثابرتهم على التلبس بالمحاسن، فكان المسلمون في تلك الأحيان آخذين فيها بأقصى مجهودهم، وعاملين على مقتضاها بغاية موجودهم، وهكذا بعد ما هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة، وبعد وفاته، في زمان التابعين، إلّا أن خطة الإِسلام لما اتسعت ودخل الناس في دين الله أفواجًا ربما وقعت بينهم مشاحات في المعاملات، ومطالبات بأقصى ما يِحَقُّ لهم في مقطع الحق، أو عرضت لهم خصوصيات ضرورات تقتضي أحكامًا خاصة، أو بدت من بعضهم فلتأت في مخالفة المشروعات وارتكاب الممنوعات، فاحتاجوا عند ذلك إلى حدود تقتضيها تلك العوارض الطارئة، ومشروعات تكمل لهم تلك المقدمات، وتقييدات تفصل لهم بين الواجبات والمندوبات، والمحرمات والمكروهات، إذ كان أكثرها جزئيات لا تستقل بإدراكها العقول السليمة فضلًا عن غيرها، كما لم تستقل بأصول العبادات وتفاصيل التقربات ولا سيما حين دخل في الإِسلام من لم يكن لعقله ذلك النفوذ من عربي أو غيره أو من كان على عادة في الجاهلية وضرى على استحسانها فَرِيقُهُ ومال إليها طَبْعهُ، وهي في نفسها على غير ذلك، وكذلك الأمور التي كان لها في عادات الجاهلية جريان لمصالح رأوها، وقد شابها مفاسد مثلها أو أكثر، هذا إلى ما أمر الله به من فرض الجهاد حين قووا على عدوهم، وطلبوا بدمائهم الخلق إلى الملة الحنيفية، وإلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فأنزل الله تعالى ما يبين لهم كل ما احتاجوا إليه بغاية البيان، تارة بالقرآن، وتارة بالسنة، فتفصلت تلك المجملات المكية، وتبينت تلك المجملات، وقيدت تلك المطلقات، وخصصت بالنسخ أو غيره تلك العمومات، ليكون ذلك الباقي المحكم قانونًا مطردًا وأصلًا مستنًا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وليكون ذلك تمامًا لتلك الكليات المقدمة، وبناء على تلك الأصول المحكمة فضلًا من الله ونعمه، فالأصول الأولى باقية لم تتبدل ولم تنسخ، لأنها في عامة الأمر كليات ضروريات وما لحق بها، وإنما وقع النسخ أو البيان على وجوهه عند الأمور المتنازع فيها من الجزئيات لا الكليات،

стр. 522

وهذا كله ظاهر لمن نظر في الأحكام المكية مع الأحكام المدنية فإن الأحكام المكية مبنية على الإِنصاف من النفس وبذل المجهود في الامتثال بالنسبة إلى حقوق الله أو حقوق الآدميين. وأما الأحكام المدنية فمنزلة في الغالب على وقائع لم تكن فيما تقدم من بعض المنازعات والمشاحات والرخص والتخفيفات، وتقرير العقوبات في الجزئيات لا الكليات فإن الكليات كانت مقررة محكمة بمكة، وما أشبه ذلك، مع بقاء الكليات المكية على حالها وذلك يؤتي بها في السور المدنيات تقريرًا وتأكيدًا فكملت جملة الشريعة والحمد لله بالأمرين وتمت واسطتها بالطرفين، فقال الله تعالى عند ذلك: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ وإنما عُنيَ الفقهاء بتقرير الحدود والأحكام الجزئيات التي هي مظان التنازع والمشاحة، والأخذ بالحظوظ الخاصة، والعمل بمقتضى الطوارئ العارضة، وكأنهم واقفون للناس في اجتهادهم على خط للفصل بين ما أحل الله وما حرم، حتى لا يتجاوزوا ما أحل إلى ما حرم الله فهم يحققون للناس مناط هذه الأحكام بحسب الوقائع الخاصة حين صار التشاحّ ربما أدى إلى مقاربة الحد الفاصل، فهم يزعونهم عن مداخلة الحمى، وإذا زل أحدهم يُبين له الطريق الموصل إلى الخروج عن ذلك في كل جزئية آخذين بحجزهم، تارة بالشدة وتارة باللين" (١). ويشتمل هذا النص على المعاني الآتية: ١ - المشروعات المكية غير محددة، لكي يجتهد المكلفون ويأخذ كل بما يليق به من المقدار الذي يستطيعه، وقد كان الصحابة يثابرون عليها ويبلغون بها غاية مجهودهم. ٢ - أنه لمّا اتسعت خطة الإِسلام ودخل فيه الناس أفواجًا ووقعت منهم بعض المخالفات لبعض المشروعات وارتكاب بعض المنهيات، ولاحت بينهم

стр. 523

المشاحات والخصومات، انتقل منهج التربية الإِسلامية - المتمثل في الكتاب والسنة - إلى مراعاة هذه الوقائع الجديدة، ونزلت أحكام الشريعة بما يفض الخصومات، ويفصل أحكام المكروهات والمحرمات والمندوبات والواجبات. ٣ - أن الفقهاء عنوا أشد العناية بهذه المرتبة، وهي التي تليق بالجمهور فاستنبطوا الأحكام الجزئية الخاصة بها، وقاموا بحماية الحد الفاصل بين الحلال والحرام، وأمَّا ما يخص الأخلاق والارتفاع إلى المنازل العالية فيها، وبذل غاية الجهد في تحقيقها والمحافظة عليها، فقد تركه الفقهاء ﵏ لجهد المكلف لأنه في أكثر الأحيان يستقل بمعرفته وتطبيقه، ومتروك لجهده الذاتي وقوة إيمانه ولا تلزمه الشريعة بالمراتب العالية، إلّا أن يلتزمها بنفسه .. وهذه مراتب الإحسان التي حققها الصحابة، وتابعهم فيها أئمة الهدى من التابعين وتابعيهم ومن اقتدى بهم فيها، وبهذا النوع اهتم الزهاد والعباد من أهل العلم، من أمثال مالك وأحمد وغيرهم كثير من العلماء ومن اقتدى بهم (١)، وهذه المراتب هي ما يسميه الشاطبي العزائم المكيات، وهذه هي التي ثبت عليها الصحابة - رضوان الله عليهم - وأولو العزم ممن اقتدى بهم من بعدهم، ولم تزحزحهم عنها الرخص المدنيات، واستمروا في بذل الجهد على التمام (٢).

стр. 524

هذا هو مقصود الإِمام الشاطبي الذي أدرك بعمق حقيقة منهج التربية الذي دعت إليه هذه الشريعة، وحددت جميع معالمه بما اشتملت عليه من أحكام، والذي واكبت فيه القدرات الفذة للنفس البشرية التي بلغت الذروة في اقامة الحق والإِحسان، وواكبت فيه أيضًا في المرحلة المدنية طبيعة النفس البشرية، وهي وإن لم تلزمها بمراتب الإحسان إلّا أنها لم تقبل منها تضييع الحق والإِعراض عنه. وهذا كلام محكم دقيق تلوح منه معالم منهج التربية الإِسلامية ممتزج بأصول الفقه وهذا ليس فيه أن الكليات ثابتة والجزئيات متغيرة كما فهم بعض الباحثين، بل في النص المنقول ما هو صريح بثبات النوعين، حيث يقول الإِمام الشاطبي عن المرحلة المدنية التي تبعت المرحلة المكية " ... فتفصلت تلك المجملات المكية وتبينت تلك المجملات وقيدت تلك المطلقات وخصصت بالنسخ أو غيره تلك العمومات ليكون ذلك الباقي المحكم قانونًا مطردًا وأصلًا مستنًا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وليكون ذلك تمامًا لتلك الكليات المتقدمة وبناء على تلك الأصول المحكمة فضلًا من الله ونعمة ... " (١). فالمجموع من الكلي والجزئي، محفوظ ثابت، وقانون مطرد في جميع العصور والأزمان، والمدني مبني على الكليات المكية المتقدمة ومتمم له. بقي أن ننظر في السبب الذي حمل الباحث على أن يستنتج ذلك المعنى الفاسد فنجد ذلك يرجع إلى عدم فهمه لقول الإِمام الشاطبي: " ... وأما الأحكام المدنية فمنزلة في الغالب على وقائع لم تكن فيما تقدم من بعض المنازعات والمشاحات ... " (٢). فنقل النص من معنى صحيح إلى معنى فاسد، والمعنى الصحيح كما قدمت آنفًا، أن من أسباب تفصيل الأحكام الجزئية في المدينة هو حدوث وقائع لم تكن فيما تقدم - في المرحلة المكية - وقد علل الشاطبي ذلك تعليلًا حسنًا.

стр. 525

والمعنى الفاسد الذي استنتجه الباحث هو كما قال: "إن الأحكام المدنية منزلة في الغالب على وقائع غير الكليات المقررة لمكة ... " (١)، وأنها تخالفها من حيث الثبات (٢). ودخل عليه الفساد من أوجه عدة منها: ١ - عدم ملاحظته للمعنى الجلي الذي يدل عليه كلام الشاطبي ومنه: (١) أن الأحكام الكلية بمكة والجزئية بالمدينة أصبحت بعد انقطاع الوحي قانونًا مطردًا وأصلًا ثابتًا إلى يوم القيامة (٣). (ب) أن الأحكام المدنية الجزئية إنما جاءت لتكون تمامًا لتلك الكليات المكية المتقدمة (٤). ٢ - عدم ضبطه لمعنى النص وذلك لزيادته فيه عبارة أخلت بالمعنى المقصود عند الشاطبي، فالنص الذي في الموافقات هو: "وأما الأحكام المدنية فمنزلة في الغالب على وقائع لم تكن فيما تقدم" وبالمقارنة مع استنتاج الباحث يتبين أنه أدخل فيه معنى زائد وهو قوله: "وقائع غير الكليات المقررة بمكة" وخطأه يعرف بأن نفرق بين ارتباط الأحكام المدنية بالكليات المكية، وبين عدم تنزل الأحكام المدنية على وقائع مكية، وذلك يعرف بالوجهين الثالث والرابع. ٣ - عدم فهمه لمقصود الإِمام الشاطبي من التفريق بين المكي والمدني في هذا الموضع ومقصوده أمران: (أ) أن أحوال الصحابة - رضوان الله عليهم - في مكة من حيث قلة العدد وانشغالهم الكامل بإقامة الحق، وكونهم قاعدة الحق الذي أشرف الرسول ﷺ على تربيتها بنفسه، وكونهم في أعلى المنازل عبادة وجهادًا، وكونهم مطاردين معذبين، يتوقد إيمانهم ويتوهج، وهم في

стр. 526

ذات الوقت متحابون متآلفون لم يخالطهم مخلط ولا منافق فكانت أمورهم حينئذ تجري على الصلاح والتوفيق، والأخذ بالعزائم والإِيثار والصبر، فلم يكن بينهم ما يتقضى نزول الأحكام الخاصة لفض المنازعات والخصومات، لأن وقائعها لم تكن في الغالب في المرحلة المكية، ثم كانت بعد في المرحلة المدنية. (ب) أن هذا لا يعني أن ما نزل بالمدينة لم يكن له صلة بالكليات المكية، كلًا ومما يؤكد ارتباط ما بينهما ما ذكر الشاطبي مفصلًا من أن الأحكام التي نزلت بالمدينة ترجع إلى الأصول المكية (١). وتفسير كونها مرتبطة بتلك الأصول مع أنها لم تكن لها وقائع بين الصحابة يسير جدًّا والحمد لله، فالمنازعات والخصومات التي نزلت بخصوصها أحكام في المدينة مرتبطة بالكليات المكية وإن لم توجد بين الصحابة بالمرحلة المكية، وارتباطها يظهر من أن المنازعات والخصومات فيها ظلم واعتداء ولا شك، فنزلت لها تفصيلات مدنية، وأصلها في مكة موجود وذلك في الكليات التي تنهي عن الظلم والبغي والعدوان. ومن هنا تكون مرتبطة بالكليات المكية، وتكون غير واقعة بين الصحابة في المرحلة المكية، ومن هنا يصح قول الشاطبي: "وأما الأحكام المدنية فمنزلة في الغالب على وقائع لم تكن فيما تقدم من بعض المنازعات والمشاحات"، ومن هنا نعلم مقصده ﵀، وتبين لنا أنه لم يفرق في الثبات بين ما نزل بمكة وما أنزل بالمدينة، أي بين الكليات والجزئيات ولا بين ما يدخله الاجتهاد الخاص، ولا بين ما يدخله الاجتهاد العام. ٤ - عدم فهمه لقول الشاطبي: " ... فالأصول الأول باقية لم تتبدل ولم تنسخ لأنها في عامة الأمر كليات ضروريات وما لحق بها، وإنما وقع النسخ أو البيان على وجوهه عند الأمور المتنازع فيها من الجزئيات لا الكليات" (٢).

стр. 527

فليس فيه ما يدل على أن الجزئيات يقع عليها التغير بعد انقطاع الوحي، وحاصل ما فيه أن النسخ وقع بالمدينة ولم يقع بمكة. أما بعد انقطاع الوحي ووفاة الرسول ﷺ فلا نسخ ولا تغيير لا في الكليات ولا في الجزئيات .. وإليك ما قاله الإِمام الشاطبي وقد سبق: يقول ﵀ وهو يتحدث عن أوصاف الشريعة: "الثبوت من غير زوال فلذلك لا تجد فيها بعد كمالها نسخًا، ولا تخصيصًا لعمومها، ولا تقيدًا لإطلاقها ولا رفعًا لحكم من أحكامها لا بحسب عموم المكلفين ولا بحسب خصوص بعضهم، ولا بحسب زمان دون زمان ولا حال دون حال، بل ما أثبت سببًا فهو سبب أبدًا لا يرتفع وما كان شرطًا فهو أبدًا شرط، وما كان واجبًا فهو واجب أبدًا، أو مندوبًا فمندوب، وهكذا جميع الأحكام فلا زوال لها ولا تبدل ولو فرض بقاء التكليف إلى غير نهاية لكانت أحكامها كذلك" (١). وبهذا يتبين الصبح لكل ذي عينين، لنعلم بعد ذلك أن ما نُسب إلى هذين الإِمامين الجليلين الشاطبي وابن القيم ليس بشيء وإن إلصاق ما يسمى "بقاعدة تغير بعض الأحكام بتغير الزمان" بهما لا دليل عليه بل شُبه على هذين الباحثين كما شُبه على غيرهما، ودعوى اتباع المصالح أو الأعراف أو العوائد لا تصلح لتأسيس هذه "القاعدة" المحدثة، ولا بد أن يعلم جميع الخلق علماؤهم وعوامهم أن جميع الأحكام التي جاءت بها هذه الشريعة لا زوال لها ولا تبدل ولا تغير في جميع العصور والأزمان. وإنّ في هذه الشريعة المباركة منهجًا أصيلًا يحدد موقفها من إصلاح المجتمعات البشرية، وجميع ما فيها من انحرافات كلية أو جزئية - سواء انتشرت هذه الانحرافات تحت دعوى اتباع المصالح، أو اتباع العادات والأعراف. ونختم هذه الدراسة ببيان موقف الشريعة من إصلاح عادات البشرية وأعرافها، وكيف حددت للناس طريق التعرف على المصالح الحقيقية.

стр. 528

المطلب العاشر موقف الشريعة من العادات والأعراف والمصالح إن من الأعراف والعوائد ما يحتاجه الإِنسان بسبب ما يحيط به من بحار أو أنهار وما تحت يده من معادن .. وما يحتاجه من الصنائع والمتاجر، وقد سبق ذكر بعض الأمثلة كاستصناع الثياب ووقف بعض المنقولات .. ونحو ذلك .. ومنها ما لا يحتاجه بل صار عرفًا وعادة بسبب شهوة منحرفة وشبهة مغرضة كبدعة المولد التي خلفها الحكم الشيعي الفاطمي في مصر، وما ورثه الأبناء عن الآباء من عقائد الجاهلية. ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ (١). والعرف والعادة لهما من القوة في نفوس الناس حتى أن الأنبياء والمصلحين ليجدون من العنت والمشقة والجهد والصعاب، في طريق تصحيح الاعتقاد والعادات ما يثقل كواهلهم ويجعلهم يصابرون ويرابطون حتى يكرمهم الله بالتثبيت ويعينهم على أداء مهمتهم. ولقد جاء الإِسلام ليصحح للناس عوائدهم ما يتصل منها بالعقيدة - مثل ما اعتادوه من عبادة الأصنام والنجوم والأولياء، وما اعتادوه من التشريع من دون الله أو ما يتصل منها بالأعمال كشرب الخمر، والتطفيف في المكيال والميزان والتبايع بالربا، وزواج الأخدان، والتناصر على الظلم، والتفاخر بالقوميات، ونحو ذلك، من عادات الجاهلية. وهذه العادات وما شابهها أبطلها الإِسلام وأبدل المؤمنين به خيرًا منها، وألزمهم بمحاربتها ومقتها والبراءة منها. وهناك عادات أخرى عند الأمم، يأتي الإِسلام ويصلحها ويزينها ويطهرها من القصد الفاسد ويدخلها في نظامه التشريعي بعد أن يقوم بذلك كله، فتصبح

стр. 529

لها مكانة جديدة وقصدًا صالحًا، كعادة الكرم والشجاعة، فإذ انظرت لها في الإِسلام وجدتها تحمل معاني جديدة وصفات بديعة وطبيعة مستقلة حتى لكأنها ليست هي تلك العادة الموجودة عند الأمم الأخرى وإن كانت تأخذ الصورة نفسها، ولأن الانحراف والاستقامة والضلال والهدى يعتوران البشرية فلا ينقطع أحدهما، بل تارة يغلب هذا، وتارة يغلب ذلك - بقدر ما يبذله البشر من جهد نحو الاستقامة والهدى، أو بقدر ما ينحدرون فيه من الانحراف والضلال، فإن هذه العادات وتلك الأعراف التي تعيشها الأمم يعتورها الضلال والهدى والانحراف والاستقامة أيضًا ومن ثم كان للإِسلام موقفه المحدد منها تمامًا كما كان موقفه منها أول مرة، فيكون هو الحاكم عليها يبطل منها ما يبطل، ويقبل منها ما يقبل حسب منهجه ومفاهيمه ومقاصده ولذلك تجد الأعراف والعادات تخضع عند الفقهاء رحمهم الله تعالى لميزان الشريعة فما قبلته الشريعة حسب مفاهيمها ومقاصدها فهو عادة حسنة وعرف حسن، وما أبطلته فهو عادة قبيحة وعرف قبيح، تمامًا كما نقول فيما يظنه الناس مصلحة، فنقول هذه مصلحة لأن الشريعة حكمت بذلك، وهذه ليست مصلحة لأن الشريعة حكمت بأنها مفسدة، وهذا هو القدر المشترك بين المصالح والعادات والأعراف، وهو شديد الإتصال بقضية البحث، فإن أكثر الناس - وتابعهم على ذلك بعض الباحثين - قد حكموا ما يرونه مصالح وما درجوا عليه من العادات والأعراف، فجعلوها حجة على الشريعة، فغيروا منها ما غيّروا، وزعموا بذلك أنهم يطلبون الإِصلاح والتوفيق، والمصالح، ويتبعون العادات والأعراف، وما علموا أنهم بذلك ينحرفون عن الحق ويتنكبون طريق هذه الشريعة، ولو استقاموا عليها لنبذوا تلك الانحرافات العقائدية والعملية التي سموها عادات وأعرافًا ومصالح فإن الشريعة لم تُسلّم بدعوى الخلق أن هذه مصلحة أو عرف حسن أو عادة طيبة، بل وضعت الضوابط لتلك الأعراف والعادات التي لا يخلو منها مجتمع من المجتمعات فقبلت منها ما قبلت وأبطلت منها ما أبطلت، ووجهتها في القبول والإبطال تحقيق معنى العبادة لله وحده، وإلزام الناس بالحق، وتكليفهم بإقامة العدل الرباني في الأرض، وعلى ذلك ربى النبي ﷺ أصحابه وأبطل عادات

стр. 530

الجاهلية وأعرافها التي نشأوا عليها، من عبادة غير الله، كعبادة الأصنام، والتشريع من دون الله، وغير ذلك من أحكام وعادات الجاهلية كالتبايع بالربا، ولعب الميسر، والتبني وزواج الأخدان، ونحو ذلك، فلما استقام أصحابه - رضوان الله عليهم - على الحق ولم تعد تتحكم فيهم العادات والأعراف الجاهلية، كانت وجهتهم هذه الشريعة بأحكامها العامة والخاصة، إليها يتحاكمون وبها يوقنون، فأخضعوا مجتمعهم بجميع ما يجدّ فيه من أعراف وعادات - نتيجة إلتقائهم بالأمم الأخرى لهذه الشريعة، وعلموا أنها هي المصلحة والعدل، ولم يمنعهم من ذلك انتشار تلك الأعراف والعادات وتأصلها في الأمم الأخرى، بل أقاموا الملة دون التفاتٍ إلى ذلك، وهذا هو منهجهم القويم في نشر الإِسلام وتحكيم الشريعة، ولهم في رسول الله قدوة حسنة، وفي صاحبه وخليفته أبي بكر ﵁ من بعده، فإنه قد أقام الملة ولم يلتفت إلى العوارض الطارئة، كما قال الإِمام الشاطبي في الاعتصام (١)، وذلك منهم جهاد محمود وسنّة متبعة، لو استمسك بها المسلمون من بعدهم لاستقام أمر الدين وصلح حال الخلق، وقد حفظ سيرة الراشدين فقهاء الأمة المعتبرون من السلف الصالح، حيث حكموا الشريعة على الأعراف والعادات، فاشترطوا لقبول العادة الجارية بين الخلق والأعراف المتمكنة فيهم عدم مخالفتها لأحكام الشريعة الإِسلامية، ولا عليهم بعد ذلك من اجتماع الخلق على عرف أو عادة، فإن العبرة ليست بما يقرره المخلوقون (٢)، بل العبرة بما يقرره خالقهم، ولم يعتبر الفقهاء ما يراه الخلق مصلحة أو عرفًا حسنًا أو عادة مقبولة إذا كانت تعارض حكمًا من أحكام الشريعة، ولم يضرهم ويفت في عضدهم غلبة تلك الأعراف أو العادات، كما لم يفت في عضد أبي بكر ﵁ غلبة أهل الردة وما أرادوا إقراره من
следующие страницы →