← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17821

الثبات والشمول في الشريعة الإسلامية

عابد السفياني

Полный текст (594 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

ذات الوقت متحابون متآلفون لم يخالطهم مخلط ولا منافق فكانت أمورهم حينئذ تجري على الصلاح والتوفيق، والأخذ بالعزائم والإِيثار والصبر، فلم يكن بينهم ما يتقضى نزول الأحكام الخاصة لفض المنازعات والخصومات، لأن وقائعها لم تكن في الغالب في المرحلة المكية، ثم كانت بعد في المرحلة المدنية. (ب) أن هذا لا يعني أن ما نزل بالمدينة لم يكن له صلة بالكليات المكية، كلًا ومما يؤكد ارتباط ما بينهما ما ذكر الشاطبي مفصلًا من أن الأحكام التي نزلت بالمدينة ترجع إلى الأصول المكية (١). وتفسير كونها مرتبطة بتلك الأصول مع أنها لم تكن لها وقائع بين الصحابة يسير جدًّا والحمد لله، فالمنازعات والخصومات التي نزلت بخصوصها أحكام في المدينة مرتبطة بالكليات المكية وإن لم توجد بين الصحابة بالمرحلة المكية، وارتباطها يظهر من أن المنازعات والخصومات فيها ظلم واعتداء ولا شك، فنزلت لها تفصيلات مدنية، وأصلها في مكة موجود وذلك في الكليات التي تنهي عن الظلم والبغي والعدوان. ومن هنا تكون مرتبطة بالكليات المكية، وتكون غير واقعة بين الصحابة في المرحلة المكية، ومن هنا يصح قول الشاطبي: "وأما الأحكام المدنية فمنزلة في الغالب على وقائع لم تكن فيما تقدم من بعض المنازعات والمشاحات"، ومن هنا نعلم مقصده ﵀، وتبين لنا أنه لم يفرق في الثبات بين ما نزل بمكة وما أنزل بالمدينة، أي بين الكليات والجزئيات ولا بين ما يدخله الاجتهاد الخاص، ولا بين ما يدخله الاجتهاد العام. ٤ - عدم فهمه لقول الشاطبي: " ... فالأصول الأول باقية لم تتبدل ولم تنسخ لأنها في عامة الأمر كليات ضروريات وما لحق بها، وإنما وقع النسخ أو البيان على وجوهه عند الأمور المتنازع فيها من الجزئيات لا الكليات" (٢).

стр. 527

فليس فيه ما يدل على أن الجزئيات يقع عليها التغير بعد انقطاع الوحي، وحاصل ما فيه أن النسخ وقع بالمدينة ولم يقع بمكة. أما بعد انقطاع الوحي ووفاة الرسول ﷺ فلا نسخ ولا تغيير لا في الكليات ولا في الجزئيات .. وإليك ما قاله الإِمام الشاطبي وقد سبق: يقول ﵀ وهو يتحدث عن أوصاف الشريعة: "الثبوت من غير زوال فلذلك لا تجد فيها بعد كمالها نسخًا، ولا تخصيصًا لعمومها، ولا تقيدًا لإطلاقها ولا رفعًا لحكم من أحكامها لا بحسب عموم المكلفين ولا بحسب خصوص بعضهم، ولا بحسب زمان دون زمان ولا حال دون حال، بل ما أثبت سببًا فهو سبب أبدًا لا يرتفع وما كان شرطًا فهو أبدًا شرط، وما كان واجبًا فهو واجب أبدًا، أو مندوبًا فمندوب، وهكذا جميع الأحكام فلا زوال لها ولا تبدل ولو فرض بقاء التكليف إلى غير نهاية لكانت أحكامها كذلك" (١). وبهذا يتبين الصبح لكل ذي عينين، لنعلم بعد ذلك أن ما نُسب إلى هذين الإِمامين الجليلين الشاطبي وابن القيم ليس بشيء وإن إلصاق ما يسمى "بقاعدة تغير بعض الأحكام بتغير الزمان" بهما لا دليل عليه بل شُبه على هذين الباحثين كما شُبه على غيرهما، ودعوى اتباع المصالح أو الأعراف أو العوائد لا تصلح لتأسيس هذه "القاعدة" المحدثة، ولا بد أن يعلم جميع الخلق علماؤهم وعوامهم أن جميع الأحكام التي جاءت بها هذه الشريعة لا زوال لها ولا تبدل ولا تغير في جميع العصور والأزمان. وإنّ في هذه الشريعة المباركة منهجًا أصيلًا يحدد موقفها من إصلاح المجتمعات البشرية، وجميع ما فيها من انحرافات كلية أو جزئية - سواء انتشرت هذه الانحرافات تحت دعوى اتباع المصالح، أو اتباع العادات والأعراف. ونختم هذه الدراسة ببيان موقف الشريعة من إصلاح عادات البشرية وأعرافها، وكيف حددت للناس طريق التعرف على المصالح الحقيقية.

стр. 528

المطلب العاشر موقف الشريعة من العادات والأعراف والمصالح إن من الأعراف والعوائد ما يحتاجه الإِنسان بسبب ما يحيط به من بحار أو أنهار وما تحت يده من معادن .. وما يحتاجه من الصنائع والمتاجر، وقد سبق ذكر بعض الأمثلة كاستصناع الثياب ووقف بعض المنقولات .. ونحو ذلك .. ومنها ما لا يحتاجه بل صار عرفًا وعادة بسبب شهوة منحرفة وشبهة مغرضة كبدعة المولد التي خلفها الحكم الشيعي الفاطمي في مصر، وما ورثه الأبناء عن الآباء من عقائد الجاهلية. ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ (١). والعرف والعادة لهما من القوة في نفوس الناس حتى أن الأنبياء والمصلحين ليجدون من العنت والمشقة والجهد والصعاب، في طريق تصحيح الاعتقاد والعادات ما يثقل كواهلهم ويجعلهم يصابرون ويرابطون حتى يكرمهم الله بالتثبيت ويعينهم على أداء مهمتهم. ولقد جاء الإِسلام ليصحح للناس عوائدهم ما يتصل منها بالعقيدة - مثل ما اعتادوه من عبادة الأصنام والنجوم والأولياء، وما اعتادوه من التشريع من دون الله أو ما يتصل منها بالأعمال كشرب الخمر، والتطفيف في المكيال والميزان والتبايع بالربا، وزواج الأخدان، والتناصر على الظلم، والتفاخر بالقوميات، ونحو ذلك، من عادات الجاهلية. وهذه العادات وما شابهها أبطلها الإِسلام وأبدل المؤمنين به خيرًا منها، وألزمهم بمحاربتها ومقتها والبراءة منها. وهناك عادات أخرى عند الأمم، يأتي الإِسلام ويصلحها ويزينها ويطهرها من القصد الفاسد ويدخلها في نظامه التشريعي بعد أن يقوم بذلك كله، فتصبح

стр. 529

لها مكانة جديدة وقصدًا صالحًا، كعادة الكرم والشجاعة، فإذ انظرت لها في الإِسلام وجدتها تحمل معاني جديدة وصفات بديعة وطبيعة مستقلة حتى لكأنها ليست هي تلك العادة الموجودة عند الأمم الأخرى وإن كانت تأخذ الصورة نفسها، ولأن الانحراف والاستقامة والضلال والهدى يعتوران البشرية فلا ينقطع أحدهما، بل تارة يغلب هذا، وتارة يغلب ذلك - بقدر ما يبذله البشر من جهد نحو الاستقامة والهدى، أو بقدر ما ينحدرون فيه من الانحراف والضلال، فإن هذه العادات وتلك الأعراف التي تعيشها الأمم يعتورها الضلال والهدى والانحراف والاستقامة أيضًا ومن ثم كان للإِسلام موقفه المحدد منها تمامًا كما كان موقفه منها أول مرة، فيكون هو الحاكم عليها يبطل منها ما يبطل، ويقبل منها ما يقبل حسب منهجه ومفاهيمه ومقاصده ولذلك تجد الأعراف والعادات تخضع عند الفقهاء رحمهم الله تعالى لميزان الشريعة فما قبلته الشريعة حسب مفاهيمها ومقاصدها فهو عادة حسنة وعرف حسن، وما أبطلته فهو عادة قبيحة وعرف قبيح، تمامًا كما نقول فيما يظنه الناس مصلحة، فنقول هذه مصلحة لأن الشريعة حكمت بذلك، وهذه ليست مصلحة لأن الشريعة حكمت بأنها مفسدة، وهذا هو القدر المشترك بين المصالح والعادات والأعراف، وهو شديد الإتصال بقضية البحث، فإن أكثر الناس - وتابعهم على ذلك بعض الباحثين - قد حكموا ما يرونه مصالح وما درجوا عليه من العادات والأعراف، فجعلوها حجة على الشريعة، فغيروا منها ما غيّروا، وزعموا بذلك أنهم يطلبون الإِصلاح والتوفيق، والمصالح، ويتبعون العادات والأعراف، وما علموا أنهم بذلك ينحرفون عن الحق ويتنكبون طريق هذه الشريعة، ولو استقاموا عليها لنبذوا تلك الانحرافات العقائدية والعملية التي سموها عادات وأعرافًا ومصالح فإن الشريعة لم تُسلّم بدعوى الخلق أن هذه مصلحة أو عرف حسن أو عادة طيبة، بل وضعت الضوابط لتلك الأعراف والعادات التي لا يخلو منها مجتمع من المجتمعات فقبلت منها ما قبلت وأبطلت منها ما أبطلت، ووجهتها في القبول والإبطال تحقيق معنى العبادة لله وحده، وإلزام الناس بالحق، وتكليفهم بإقامة العدل الرباني في الأرض، وعلى ذلك ربى النبي ﷺ أصحابه وأبطل عادات

стр. 530

الجاهلية وأعرافها التي نشأوا عليها، من عبادة غير الله، كعبادة الأصنام، والتشريع من دون الله، وغير ذلك من أحكام وعادات الجاهلية كالتبايع بالربا، ولعب الميسر، والتبني وزواج الأخدان، ونحو ذلك، فلما استقام أصحابه - رضوان الله عليهم - على الحق ولم تعد تتحكم فيهم العادات والأعراف الجاهلية، كانت وجهتهم هذه الشريعة بأحكامها العامة والخاصة، إليها يتحاكمون وبها يوقنون، فأخضعوا مجتمعهم بجميع ما يجدّ فيه من أعراف وعادات - نتيجة إلتقائهم بالأمم الأخرى لهذه الشريعة، وعلموا أنها هي المصلحة والعدل، ولم يمنعهم من ذلك انتشار تلك الأعراف والعادات وتأصلها في الأمم الأخرى، بل أقاموا الملة دون التفاتٍ إلى ذلك، وهذا هو منهجهم القويم في نشر الإِسلام وتحكيم الشريعة، ولهم في رسول الله قدوة حسنة، وفي صاحبه وخليفته أبي بكر ﵁ من بعده، فإنه قد أقام الملة ولم يلتفت إلى العوارض الطارئة، كما قال الإِمام الشاطبي في الاعتصام (١)، وذلك منهم جهاد محمود وسنّة متبعة، لو استمسك بها المسلمون من بعدهم لاستقام أمر الدين وصلح حال الخلق، وقد حفظ سيرة الراشدين فقهاء الأمة المعتبرون من السلف الصالح، حيث حكموا الشريعة على الأعراف والعادات، فاشترطوا لقبول العادة الجارية بين الخلق والأعراف المتمكنة فيهم عدم مخالفتها لأحكام الشريعة الإِسلامية، ولا عليهم بعد ذلك من اجتماع الخلق على عرف أو عادة، فإن العبرة ليست بما يقرره المخلوقون (٢)، بل العبرة بما يقرره خالقهم، ولم يعتبر الفقهاء ما يراه الخلق مصلحة أو عرفًا حسنًا أو عادة مقبولة إذا كانت تعارض حكمًا من أحكام الشريعة، ولم يضرهم ويفت في عضدهم غلبة تلك الأعراف أو العادات، كما لم يفت في عضد أبي بكر ﵁ غلبة أهل الردة وما أرادوا إقراره من

стр. 531

الباطل وتغيير بعض أحكام الشريعة بدعوى تغير الحال بوفاة رسول الله ﷺ ومجيء زمن آخر وهوعهد أبي بكر ﵁، بل اجتهد أبو بكر ما استطاع في إقامة الملة وحفظ أحكام الشريعة، ولم يقبل من أهل الردة تغيير حكم من أحكامها ولا الامتناع عنه حتى ولو كان عقالًا كانوا يلتزمون بتقديمه إلى رسول الله ﷺ أي كانوا يعتبرونه دينًا ولم يعتبر الخليفة الراشد أبو بكر ﵁ العوارض الطارئة، من ارتداد العرب واجتماع الروم على حدود الجزيرة، ومشورة بعض المجتهدين حيث ظن أن المصلحة في ترك قتال بعض العرب - الذين أرادوا تغيير بعض أحكام الشريعة وامتنعوا عن الالتزام بها، لم يعتبر أبو بكر ﵁ شيئًا من ذلك البتة (١) بل صبر ﵁ على إقامة الملة والمحافظة على أحكام الشريعة وعدم التفريط في حكم منها، حتى اجتمعت معه على الحق القلوب، ونصر الله به هذه الشريعة، ولم يجد المغيرون لبعض أحكامها والممتنعون عن ذلك طريقًا إلى تحقيق مقاصدهم، وقد استن الفقهاء من السلف بهذا الفقه العظيم من أبي بكر ﵁ وحافظوا على أحكام الشريعة، وهذا الذي ينبغي أن يصير إليه علماء المسلمين في العصر الحاضر، فيحكّموا الشريعة على عادات وأعراف الجاهلية الحديثة المتمثلة في أفكار وعقائد ومذاهب فكرية وقوانين وضعية مخالفة للشريعة الإِسلامية، صدرها إلينا الغزو الفكري الحديث فما قبلته الشريعة فهو الحق (٢)، وما أبطلته فهو الباطل ولو اجتمع عليه عقلاء الأمم وحكماؤها، إنّ على علماء المسلمين أن يعلموا علم اليقين أن هذه الشريعة إنما جاءت لتصحح للبشرية كافةً جميع ما عرفته وتعودته من مفاهيم وعقائد وأحكام وأخلاق، جاءت لتفرق بين الحق والباطل، والإِسلام والجاهلية، والمصلحة والمفسدة، والمعروف والمنكر، هذه مهمتها، وهذه هي مهمة العلماء القائمين بحقها:

стр. 532

﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ (١). وبهذا الحق الذي تدعوا إليه هذه الشريعة والذي إلتزمه الصحابة والتابعون والأئمة المجتهدون من السلف الصالح تسقط تلك الاعتبارات الزائفة والأفكار الدخيلة فلا عبرة بمبدأ ولا عقيدة ولا مذهب ولا عرف ولا عادة تخالف هذه الشريعة، ولو ظنه أهل الأرض بعقولهم المجردة خيرًا ومصلحة، ولا يقال أن أهل الأرض لا يمكن أن تفوتهم المصلحة والخير، لأنا نقول قد فاتهم ذلك، فقد قال الرسول ﷺ : "إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلّا بقايا من أهل الكتاب" (٢) فهؤلاء جملة العرب والعجم ولم تسعفهم عقولهم بمعرفة المصلحة والخير، بل كانوا على ضلالة وبدع وانحراف في العقيدة والأحكام والأخلاق، ولم ينج من ذلك إلّا من كان لهم مصدر رباني يستقون منه ويرجعون إليه، ولا يقال أن من بعدهم من الأمم أعقل منهم، بل الناس في ملكة العقل مشتركون، ولم يمنع العقل البشرى في هذا العصر سقوط أكثر البشرية في جاهليات أقبح وأشنع من جاهلية العرب والعجم قبل الرسالة، إن العقل البشري لا يمكن أن يستقل بإدراك مصلحته ومن ثم لا يمكن أن يحدد منهج الحياة الطيبة المستقيمة، وإن فيما تقرر في ثنايا هذا البحث من أن الله سبحانه هو الذي ينزل العقائد والأحكام، وهو أعلم بمصلحة خلقه، والخلق لا يعلمون إلّا ما علمهم الله (٣)، وأنه ليس لأحد كائنًا من كان لا أمة ولا هيئة ولا كبير ولا صغير أن يعارض حكمًا من أحكام الشريعة، ولا أن يقدم عليه عرفًا أو عادة أو ما يزعم أنه مصلحة، لا في العقيدة ولا في الشريعة، وتستوي في ذلك أحكام الصلاة والجهاد، والأموال والدماء، وأحكام العلاقات الداخلية

стр. 533

والخارجية، العام منها والخاص، والرسل والعلماء والأمم أمام ذلك كله ملزمون بالخضوع والانقياد والطاعة والإِذعان، وإلا فهو الهلاك والفساد والضلال والانحراف، لا تنجي منه عقول العقلاء ولا حكمة الحكماء، وقد حقق الرسل واتباعهم تلك العقيدة فأقاموا العدل الرباني في الأرض واستقاموا على الطريقة المثلى، وبقدر ما انحرف الناس عن ذلك المنهج والطريق بقدر ما أصابهم من الفتنة والانحراف والفساد، ذلك أن مصدر الخير والسعادة والفلاح هو تلك الشريعة، وجعلها الحكم الأول والأخير على كل شيء، وأما العقول البشرية فهي مصدر الاضطراب والحيرة والشقاء والانحراف، وواقع البشرية - التي منحها الله نعمة العقل - خير شاهد قديمًا وحديثًا في كل فترة انحرف فيها العقل عن أحكام هذه الشريعة المصدر الرباني للهدى والعدل. وكون العقل وحده لم يأت للبشرية - في مجال العقيدة والأحكام - بخير، وكون الشريعة هي الخير كله، لك ذلك لا يمكن أن يتغير مفهومه وينقلب مهما تغيرت الأزمان والأمكنة، ومن هنا فإن نتاج العقل البشري الذي لا يلتزم بالشريعة لا يصلح معارضًا لأحكامها، ولا يُقدم عليها، وهذه عقيدة بينة لا يجوز لأحد أن يخالفها، ومن هنا تسقط تلك الشبهة العريضة من أن أحكام المعاملات والنظام الاجتماعي قد تتغير لتغير مصالحها ومن ثم لا بأس بتبديلها (١). والجواب الذي يقطع دابر هذه الشبهة، وقد سبق ما يكفي في ذلك - هو أن تغير الأحوال والأزمنة لم تغفله الشريعة بل وضعت له أحكامًا تخصه كما قلنا، فاختلاف الأزمنة التي تأتي على المسلمين فترة القوة، وفترة الضعف، جعل الله لكل زمن حكم يخصه في حال القوة، وكذلك في حالة المجاعة والحاجة وفي حال الاكتفاء، أمر في الأولى بعدم قطع السارق، وفي الثانية بالقطع، وهكذا ولا تعني مراعاة الشريعة للأزمان والأحوال والقدرات أنها تركت تحديد المصلحة وتشريع الحكم للعقل البشري، كلا فإنها لم تترك ذلك له لا في العبادات ولا في المعاملات ولا فيما يسميه بعض المحدثين النظام الاجتماعي، ولا وجه للتفريق

стр. 534

بين هذه الأحكام أو تلك، لأن ضابط شرعية المصلحة إما أن يكون حكم الشرع، أو حكم العقل أو مجموعهما، فإن كان حكم الشرع، راجعنا إلى الحق الذي جاء به الإِسلام وعمل به الصحابة والتابعون والأئمة المجتهدون. وإن كان هو العقل - فلا وجه للتفريق بين مصلحة ومصلحة وبين جانب من الشريعة وجانب آخر، فلعل العقل يغير أحكامها جميعًا فتكون الحجة له حينئذ والعقول متفاوتة فمنها ما سيحكم بتغير أحكام المعاملات، وبعض العقول يغير العبادات وهكذا، وإذا جاز إبطال حد واحد جاز إبطال سائر الحدود كما قال الشاطبي - وقد سبق (١). فإن قيل علمنا التفريق بين ما يمكن تغيره وما لا يمكن - من فعل الصحابة - رضوان الله عليهم - وفعلهم حجة، فالجواب أن هذا لم يثبت وفيما فصلته من البيان كفاية في إظهار الحق إن شاء الله. وإِمّا أن يكون حكم الشرع والعقل، وهنا نقول إِمّا أن يتفقا وِإمّا أن يختلفا، فإن اتفقا فالحكم للشرع، والعقل تابع كما تقرر من قبل (٢). ومما يدل عليه هنا ويؤكده الحالة الثانية، وهي إن اختلفا فإما أن يقدم الشرع وهو الأول، وإما أن يقدم العقل وهو باطل، وإن قدم فلا وجه للتفريق بين جانب من الشريعة وجانب آخر ولا مصلحة ومصلحة كما قلنا آنفًا، فلزم على قاعدة تغير الأحكام بتغير المصالح ما لزم من المفاسد، وبهذا يتبين أن هذه المقالة لا تقبلها الشريعة، لأنها تقتضي فيما تقتضي - أن نحكم بتغير حكم الحادثة الواحدة إذا زعم العقل أن مصلحتها تغيرت، فمثلًا لو حكم العقل بزعمه أن حكم قطع يد السارق - إذا تحققت شروط القطع - لم يعد يحقق - المصلحة كما كان يحققها في العصور الماضية، وعليه فيجب تغيير هذا الحكم، فإن هذا التغيير وإن دخل في معنى تلك القاعدة على ما قدمناه آنفًا إلّا أنه لايقول به مسلم عامي فضلًا أن يكون معنى شرعي يجوز نسبته إلى الفقهاء.

стр. 535

إن تغيِّرَ الفتوى إذا تغيّرَ تحقيقُ المناط لكي تنتظم كلُّ واقعةٍ تحت حكمها الشرعي، لا صلة له البتة بتغيّر أحكام الشريعة بزعم تغيّر المصالح بتغير الأزمنة، ومن هنا فإن الفقه الإِسلامي يتجدَّد ولا يجْمُدْ، حيث يأخذ كل واقعة بخصوصها فيدخلها تحت حكمها الشرعي حسب تحقق مناطها، فإن جاء زمن آخر تجددت تلك الواقعة على صورة أخرى وتغيّر تحقيق مناطها، وُضِعت تحت حكمها الخاص بها وهكذا، وإذا جاءت واقعة جديدة نُظر في حكمها الخاص بها حسب تحقق مناطها وهكذا، ولكل واقعة حكم، والاختلاف في الأحكام في الزمن الواحد وفي جميع الأزمان إنما هو اختلاف وقائع واختلاف تحقيق المناط، ولكل واقعة بحسب تحقق مناطها حكم ثابت يحقق المصلحة في جميع الأزمان إلا أن يتغير تحقيق المناط، أي تتغير الواقعة فَيُدْخلُها الفقهُ حينئذ تحت حكم يخصها، وسيأتي الحديث عن الفقه بين الجمود والتجديد في الفصل التالي والله المستعان.

стр. 536

الفصل الخامس مواطن الإِجماع ومواطن الخلاف وقضية الثبات والشمول توطئة: إن المنهج الرباني المتمثل في هذه "الشريعة" قد أخرج خير أمة للناس، من أهم خصائصها الإِيمان بالله، وملائكته، ورسله، وكتبه، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، تأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر .. والأمر بالمعروف لا يكون إلّا بعد معرفته، وكذلك النهي عن المنكر، وقد يسّر الله سبحانه لهذه الأمة طريق التعرف على ذلك، وجعل فيها ربانيين يعْلَمُون الحق وبه يعدلون، وهؤلاء هم قادتها المجتهدون من أهل العلم والبصيرة في الدين، القائمون بالعدل في تربية الأمة وحملها على الحق وبذل الجهد للحيلولة بينها وبين الشرك والشك والشقاق والنفاق والبدع وسوء الأخلاق، وهؤلاء هم ورثة الأنبياء، اكتسبوا هذه الوراثة بعملهم وعلمهم، وقد وفقهم الله لذلك - وعلم منهم صحة الاعتقاد وسلامة النية وصدق المتابعة للرسول ﷺ فجعل لهم عند الأمة مكانة طيبة ومنزلة عالية، فكان منهم أئمة الصحابة، وأئمة التابعين، وأئمة تابعي التابعين، ثم في كل جيل بعدهم أئمة هم محل القدوة، ومنهم تعرف الأمة حكم الله، حيث هم الأدلاء عليه، الذين يستنبطونه من المنهج الرباني، ويعرّفون الناس به، وهؤلاء الأئمة في كل جيل هم صفوته المختارة، وبهم يتم العقد والحل فيها، وهم أهل الاجتهاد، وبهم ينعقد الإِجماع. و"الأمة" الخيّرة ترتبط بهؤلاء ارتباطًا وثيقًا، يشده ويقويه إدراكها العميق أن هؤلاء هم أهل الجهاد والعلم والبصيرة، فقد علمت الأمة مكانتهم

стр. 537

لا بالأقوال ولا بكثرة الأموال، وإنما علمت مواطن جهادهم، وقوة صبرهم، ومواقفهم الثابتة في نصرة الحق، حتى قدموه على الأموال والأولاد، وعلى زينة الحياة الدنيا، فصبروا وصابروا ورابطوا، فأخذوا مكانتهم في الأمة لا رغبة منهم بل رغبة منها فهي التي حرصت عليهم، وجعلتهم في المقدمة تقتدي بهم وتنصرهم، وتعلم علم اليقين -كما علمها الله- أن هذه الصفوة من كل جيل لا يمكن أن تجتمع على طلب غرض من أغراض الدنيا، ولا على اتباع هوى وتفريط في الحق، لأن الله علم منها الصدق فجعل لها تلك المنزلة، فهي خلاصة منهج التربية المنبثق من تلك الشريعة، فلا يتصور أن يخالفوها مجتمعين، ومن ثم عصم الله جماعتهم من الخطأ وأيقنت الأمة بذلك فانقادت لما أجمعوا عليه وعلمت أنه حكم الله وشرعه. هذه هي طبيعة الأمة الخيرة وهذه هي منزلة المجتهدين، وذلك هو الطريق الذي توصلوا به إلى تلك المنزلة، وبه تم الارتباط الوثيق بينهم وبين الأمة، وهذه التوطئة مع ما فيها من إيجاز تعرفنا بحقيقة الإِجماع، ومعناه اللغوي والشرعي مواكب لما قدمته آنفًا، فهو في اللغة مصدر أجمع يجمع إجماعًا فهو مجمع، وجمع أمره عزم عليه، وأجمع القوم على كذا أي اتفقوا (١). وفي الاصطلاح الشرعي: "اتفاق مجتهدي الأمة بعد وفاة محمد ﷺ في عصر على أي أمر كان" (٢) وفيه دلالة على أنهم إن اتفقوا كان ذلك منهم إجماعًا، وإن

стр. 538

اختلفوا لم يكن إجماعًا، وهم في الحالين هم تلك الصفوة المختارة التي تحدثنا عنها ولا غرابة في وقوع التفاوت بينهم في الفهم، لأنهم يعملون من واقع الأرض من خلال الجهد البشري الملتزم بمنهج الله، الموقن به والمحافظ عليه، والجهد البشري يتفاوت في قوته وكماله، وضعفه ونقصه، فيبلغ أشده من الكمال والصفاء والوضوح فيكون حينئذ التعرف الكامل على حكم الله من هؤلاء المجتهدين والقطع بذلك في صورة جماعية، تتفق على استنباط ذلك الحكم من الشريعة لتلك الواقعة المطلوب معرفة حكمها، ولهذا الجهد منزلته في الشريعة وسيأتي الحديث عنها، وتارة يضعف الجهد وينقص فلا يبلغ أشده من الكمال والصفاء والوضوح، وذلك لأسباب بشرية منها ما يرجع إلى تفاوت إدراك المجتهدين، ومنها ما يرجع إلى طبيعة الحادثة التي يُراد بيان حكم الله فيها، فتكون من الخفاء والالتباس بحيث يختلف المجتهدون في تحديد حقيقته: فيقع بين المجتهدين الاختلاف في بيان حكمها الشرعي، ومن ثم فإن الشريعة جعلت لهذا الجهد منزلة دون المنزلة السابقة وسيأتي الحديث عنها إن شاء الله، وجهد هؤلاء المجتهدين - سواء حالة اجتماعهم واتفاقهم أو حالة عدم اتفاقهم - هو خلاصة أفهامهم الشرعية التي تكون منها الفقه الإِسلامي، فما اتفقوا عليه دخل في الإِجماع، وما سوى ذلك دخل في الاجتهادات المختلف فيها. وبهذا الاعتبار ندرس منزلة كل منهما ونتعرف على كيفية تحقق الثبات والشمول فيهما والله الموفق. * * *

стр. 539

المبحث الأول كيفية تحقق الثبات والشمول في الحكم المجمع عليه إن الأدلة الشرعية تفيد إثبات عصمة الإِجماع من علماء الأمة المجتهدين، والعصمة تقتضي الثبات هذا الحكم المفرد كما اقتضت الثبات لجملة الشريعة كلياتها وجزئياتها كما سبق تقريره (١). ويفيد الشمول من ناحيتين: النَّاحية الأولى: وكما سبق أن قلنا أن الثبات هو قاعدة الشمول. والناحية الثانية: أن هذا الحكم المجمع عليه عبارة عن عمل اجتهادي من علماء الأمة سنده -كما سيأتي- إما النص أو المصلحة الشرعية، وهو نوع من الاجتهاد ينبني عليه إلحاق الوقائع الجديدة بأحكام الشريعة الإِسلامية وذلك بطريق قوي هو الإِجماع. فالاجماع إذن هو جهد المجتهدين، يبذلونه لكي يكشفوا عن حكم الله، ويستندون على سند معين، ويتحصلون في النهاية على اتفاق يعقدون عليه العزم لتقرير حكم الواقعة التي يُراد معرفة حكمها، فتأخذ حكمها الخاص بحسب مناطها فيشملها حكم الشريعة، ويتحقق الثبات لهذا الحكم ذلك لأنه اجتمع عليه علماء الأمة وهم معصومون شرعًا، والعصمة لهم هي عصمة لاجتهادهم، فالحكم معصوم حينئذ والعصمة تقتضي الثبات، لأن مقتضاه أن هذا الحكم هو الحق والحق ثابت، وهذا معنى تحقق الثبات والشمول في هذا القسم.

стр. 540

بقي أن نذكر الطريق المفيد لإِثبات الإِجماع، فقد دلت الأحاديث على ذلك منها: ما أخرجه الحاكم من حديث ابن عمر ﵄ بألفاظ متقاربة منها "لا يجمع الله هذه الأمة على الضلالة أبدًا .. " ومنها "لن يجمع الله أمتي على ضلالة أبدًا .... " (١). ورواه ابن أبي عاصم بلفظ: "ما كان الله ليجمع هذه الأمة على الضلالة أبدًا .... " (٢). وأخرج الحاكم حديث ابن عباس ولفظه: "لا يجمع الله أمتي أو قال هذه الأمة على الضلالة أبدًا، ويد الله على الجماعة" (٣). وقد أخذ العلماء من هذه الأحاديث أن هذه الأمة لا تضل عن الصواب، ولا تجتمع على الضلالة، وفي هذا عصمة لها عن الخطأ، فما أجمعت عليه فهو حجة لأنه هو الحق، فلا تجتمع أبدًا إلّا على موافقة الكتاب والسنّة، كما بين الإِمام الشاطبي ﵀ بعد أن عرض كلام أهل العلم في معنى الجماعة: فقال: "وحاصله أن الجماعة راجعة إلى الاجتماع على الإِمام الموافق للكتاب والسنّة، وذلك ظاهر في أن الاجتماع على غير سنّة خارج عن معنى الجماعة" (٤). ثم بين أن جميع أقوال أهل العلم في معنى الجماعة "دائرة على اعتبار أهل السنة والاتباع، وأنهم المرادون بالأحاديث" (٥) وهذا أصل محكم وعقيدة راسخة، وبنى عليها ﵀ أنهم هم المقصودون "بالسواد الأعظم" كما ورد في حديث أنس بن مالك مرفوعًا "أن أمتي لا تجمع على ضلالة فإذا رأيتم اختلافًا كثيرًا فعليكم بالسواد الأعظم" (٦) فقال: "فلنأخذ ذلك أصلًا ونبني عليه معنى

стр. 541

آخر وهي: المسألة السابعة عشر: وذلك أن الجميع اتفقوا على اعتبار أهل العلم والاجتهاد سواء ضموا إليهم العوام أم لا، فإن لم يضموا إليهم فلا إشكال، أَنَّ الاعتبار إنما هو بالسواد الأعظم من العلماء المعتبر اجتهادهم، فمن شذ عنهم فمات فميتته جاهلية. وإن ضموا إليهم العوام فبحكم التبع لأنهم غير عارفين بالشريعة فلا بد من رجوعهم في دينهم إلى العلماء، فإنهم لو تمالأوا على مخالفة العلماء فيما حدوا لهم لكانوا هم الغالب والسواد الأعظم في ظاهر الأمر، لقلة العلماء وكثرة الجهال، فلا يقول أحد: إن اتباع جماعة العوام هو المطلوب، وأن العلماء هم المفارقون للجماعة والمذمومون في الحديث، بل الأمر بالعكس، وأن العلماء هم السواد الأعظم وإن قلوا، والعوام هم المفارقون للجماعة إن خالفوا، فإن وافقوا فهو الواجب عليهم" (١). وبعد أن عرفنا أن "الأمة" التي لا تجتمع على الضلالة هي أهل العلم والاجتهاد المتمسكون بالسنّة والاتباع، وعرفنا أن إجماعهم حجة، نذكر بعض اعتراضات المعترضين عليه ونجيب عنها. المطلب الأول الاعتراض الأوّل وجوابه إن الإِجماع لم تثبت حجيته في الاستدلال إلّا بطريق ظني، لأن الأدلة المثبتة له أحادية، وعليه فإن عصمته ليست بثابتة (٢)، فكذلك الحكم الناتج عنه. ونجيب عن ذلك فنقول: لقد ثبت أن الأحاديث التي وردت بعصمة الأمة على الضلالة متواترة تواترًا معنويًا .. وذلك لأمرين:

стр. 542

الأول: ثبوت ظهورها من لدن الصحابة والتابعين ولم يدفعها أحد منهم حتى انقضى عصر الصحابة وعصر التابعين، فنقلها الخلف عن السلف، فلم تزل الأمة تحتج بها في أصول الدين وفروعه ويستحيل أن يكون ذلك وهي ليست بحجة. ثانيًا: وقوع العلم بأن رسول الله ﷺ عظّم شأن هذه الأمة وأخبر عن عصمتها عن الخطأ، ونحن نجد أنفسنا موقنين بذلك كما نوقن بشجاعة علي وكرم حاتم وميل رسول الله ﷺ إلى عائشة من نسائه وتعظيمه ﵊ لشأن صحابته - رضوان الله عليهم - (١). وهذه الطريقة في الاستدلال المفيدة للقطع ترجم لها الشاطبي بقوله: " ..... الأدلة المعتبرة هنا المستقرأة من جملة أدلة ظنية تضافرت على معنى واحد حتى أفادت القطع، فإن للاجتماع من القوة ما ليس للافتراق، ولأجله أفاد التواتر القطع وهذا نوع منه (يقصد أنه كالتواتر المعنوي). فإذا حصل من استقراء أدلة المسألة مجموع يفيد العلم فهو الدليل المطلوب وهو شبيه بالتواتر المعنوي، بل هو كالعلم، بشجاعة علي ﵁ وجود حاتم المستفاد من كثرة الوقائع المنقولة عنهما، ... ومن هنا اعتمد الناس في الدلالة على وجوب مثل هذا على دلالة الإِجماع، لأنه قطعي وقاطع لهذه الشواغب، واذا تأملت أدلة كون الإِجماع حجة أو خبر الواحد والقياس حجة فهو راجع إلى هذا المساق لأن أدلتها مأخوذة من مواضع تكاد تفوت الحصر، وهي مع ذلك مختلفة المساق لا ترجع إلى باب واحد، إلّا أنها تنتظم المعنى الواحد الذي هو المقصود بالاستدلال عليه، وإذا تكاثرت على الناظر الأدلة عضد بعضها بعضًا فصارت بمجموعها مفيدة للقطع ... " (٢). فالأحاديث التي وردت فيها إثبات العصمة للأمة وتناقلها الرواة من جيل الصحابة ومن بعدهم تجتمع على إفادة المقصود وهو حجية الإِجماع.

стр. 543

هذه هي جملة الأدلة التي يستدل بها على عصمة الإِجماع وهذه هي طريقة الاستدلال، فلا وجه للقول بأن الإِجماع لم تثبت حجيته وعصمته، أو التشكيك في ذلك، لأن القائلين بذلك إما أن يطلبوا التواتر المعنوي، وهو موجود والحمد لله، وهو المستقرأ من مقتضيات الأدلة بإطلاق (١)، وذلك يفيد عصمة الأمة عن الخطأ وإما أن يطلبوا شيئًا آخر لا نعلمه، ولعلهم يريدون نصًا من القرآن يدل على ذلك، وقد وجد، واستدل به الإِمام الشافعي وهو قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (٢). وهذه الآية بينة الدلالة على أن سبيل المؤمنين حجة (٣)، ومن تولى عنه

стр. 544

فقد حقت عليه العقوبة .. فما بالك بسبيل المؤمنين وهم مجتمعون في مثل عصر الصحابة - رضوان الله عليهم -، وعصر التابعين، ومن بعدهم، أفلا يكون اجتماعهم حجة، بل ما بالك بإجتماع الأمة كلها على أمر وتلقيها له بالقبول، أفلا يكون كذلك، ومن عجب أن هذه الآية وتلك الأحاديث لم تسلم من الاعتراضات، فإن سلم الدليل عند بعض الأصوليين من الاعتراض على سنده، لم يسلم من الاعتراض على دلالته. ولعل في هذا الذي ذكره الإِمام الشاطبي ما يحول بينهم وبين هذه الطريقة التي تعودوها في الاستدلال والمعارضة والجدل. ولقد نعلم أن كثيرًا ممن لا يأخذون هذه المسألة مأخذ الشاطبي يعتقدون عصمة الأمة في عهد الصحابة بلا شك لأنهم معصومون في مجموعهم على الخطأ ﵃ ورضوا عنه. ونعلم أيضًا أن هؤلاء الأصوليين لو سلكوا مسلكهم ذلك في الاستدلال لم تسلم الأدلة لهم على عصمة الأمة في أي عصر كان، وهم كما قلت يعتقدون عصمة الصحابة وعدالتهم، فلو أنهم سلكوا مسلك الشاطبي في الاستدلال وبنوا عليه ما يعتقدون من عصمة الصحابة، وذلك يترتب عليه القول بعصمة الأمة في ذلك العصر، وعلموا أنه لا فرق في دلالة الأدلة على عصمة الأمة في العصر الأول والذي بعده وهكذا، لسلمت لهم الأدلة وبنوا عليها مطمئنين حجية الإِجماع، وزالت عنهم جميع الإِشكالات التي منها: ١ - أن الآيات ليست نصًا في إثبات الحجية وإن كانت تقوى من حيث الثبوت. ٢ - أن الأحاديث نص في إثبات الحجية وإن كانت لا تقوى من حيث الثبوت. وقد خرج بعض الأصوليين من هذا حيث قرروا أن الأحاديث تقوى على إثبات الحجية كما أسلفنا، وبهذا ثبتت عندهم الحجة للإِجماع (١). ومع هذا الذي توصلوا إليه، لا يمنع أن أقول أن أسلوبهم في الاستدلال

стр. 545

أدى إلى فتح الباب لدخول الشبهة على كثير من الباحثين (١)، ذلك أنهم كروا على الأدلة واحدًا واحدًا بكثرة الاعتراضات والاحتمالات. وإذا تقرر أن الأحاديث الواردة في عصمة الأمة عن الضلالة والخطأ والأحاديث الواردة في تعظيم شأنها تفيد حجية الإِجماع لم يبق بعد ذلك إلّا النظر في إفادتها العصمة نصًا، وهذا الأمر متفق عليه (٢)، فثبت أن الأمة معصومة وأن الحكم الناتج عن إجماعها معصوم كذلك، وهذا مذهب الأئمة الأعلام منهم الأئمة الأربعة وأتباعهم (٣). وإذا تحققنا من العصمة تحققنا من ثبات الحكم المجمع عليه. المطلب الثاني الاعتراض الثاني وجوابه إن الإِجماع لا يحتاج إلى سند، بل يمكن أن يلهم الله المجتهدين فيجمعون على حكم لا سند له إلّا الإِلهام، يؤكد ذلك أن الإِجماع لو كان سنده الكتاب

стр. 546

أو السنّة لم يكن دليلًا مستقلًا، إذ الدليل حينئذ إما الكتاب وإما السنّة، وقالوا إن هناك إجماعات وقعت من دون سند (١). وبالجواب عن هذا الاعتراض يثبت أنه لا بد للإِجماع من سند من الكتاب أو السنة، وفائدته حينئذ هو حرمة النظر في المسألة بعد ذلك والحكم الناتج عنه ثابت أبدًا. الجواب عن الاعتراض الثاني: إن الأصوليين اتفقوا على أن الإِجماع لا بد له من سند، قال الآمدي "اتفق الكل على أن الأمة لا تجتمع على الحكم إلّا عن مأخذ ومستند يوجب اجتماعها خلافًا لطائفة شاذة فإنهم قالوا بجواز انعقاد الإِجماع عن توفيق لا توقيف، بأن يوفقهم الله تعالى لاختيار الصواب من غير مستند" (٢). واستدل الأصوليون بدليلين: الأول: أن الإِلهام ليس بحجة، وإنما الحجة هي الكتاب والسنة والحمل عليهما بطريق من طرق الاستنباط، وحينئذ لا بد من مستند لأن عدمه يستلزم جواز الخطأ، ثم إن اتفاق الكل بدون مستند مستحيل، فلا بد من الدليل. الثاني: أن النبي ﷺ وهو الذي لا ينطق عن الهوى - لا يقول ولا يحكم إلّا عن وحي (٣) فالأمة أولى، لأن الدليل دل على أن كل مسلم يحرم عليه القول في الدين بغير مستند، وقد بينت ذلك عند الكلام في الرأي المذموم وذكرت الإِجماع على ذمّة، وهو في حقيقته قول بغير مستند.

стр. 547

وهذا المعنى موجود في تعريف الأصوليين للإِجماع، فقد اتفقوا على أن الاجماع إنما يقع من المجتهدين، فلا بد إذن من الاجتهاد، ولا بد للاجتهاد من مستند. وأما قولهم أن انعقاد الإِجماع عن دليل يلغي فائدته، ثم إنه قد وقع، والوقوع دليل الجواز، ومن أمثلة وقوع الإِجماع عن غير مستند بيع المراضاة وأجرة الحمام .. فالجواب عنه: أولًا: أن وقوع الإِجماع عن مستند فائدته أن الإِجماع على الاستدلال بهذا المستند يزيده قوة إلى قوته، ويسهل رفع الخلاف عن المسألة - إن كان ثم خلاف - ويمنع النظر فيها بعد ذلك، إذ أن النظر في الحكم الذي ثبت الإِجماع عليه حرام قطعًا (١). ثانيًا: أن ما ادعوه من أن بعض الأحكام مجمع عليها من غير سند مردود بل إن العلماء اعتمدوا فيها على سند وبيان ذلك: "أما الاستصناع فقد كان في زمن النبي ﷺ ولم ينكره، وتقريره ﷺ دليل وسند شرعي، وبيع المراضاة وهي المعاطاة لا إجماع فيها لأنها لا تصح عند الإِمام الشافعي على قول، وأجرة الحمام مقدرة بالعرف، وأخذ الخراج للإِمام تصرف بحسب المصلحة. ولا إجماع في زكاة الحلي" (٢) فهذه المسائل إما أن يكون لها سند شرعي، وإما أن لا تكون من مسائل الإِجماع، وقد بين شيخ الإِسلام ابن تيمية حكمة وجود مستند الإِجماع فقال: "وذلك لأن كل ما أجمع عليه المسلمون فإنه يكون منصوصًا عن الرسول، فالمخالف لهم مخالف للرسول كما أن المخالف للرسول مخالف لله ... فلا يوجد قط مسألة مجمع عليها إلّا وفيها بيان من الرسول ولكن قد يخفى ذلك على بعض الناس، ويعلم الإِجماع فيستدل به .. كما يقال: قد دل على ذلك الكتاب والسنة والإِجماع، وكل من هذه

стр. 548

الأصول يدل على الحق مع تلازمها، فإن ما دل عليه الإِجماع فقد دل عليه الكتاب والسنة .. " (١). وبهذا نتبين قوة الإِجماع وأنه مبني على الكتاب والسنة، فتحقق أنه لا بد من مستند، وأنه معصوم، ومن ثم تثبت الأحكام المبنية عليه لأنها معصومة كذلك. المطلب الثالث الاعتراض الثالث وجوابه ذهب بعض الأصوليين إلى أن الحكم المجمع عليه إذا كان سنده المصلحة الشرعية يمكن تبديله بإجماع آخر إذا تبدلت تلك المصلحة. قال صاحب كشف الأسرار: " .. ويتصور أن ينعقد إجماع لمصلحة ثم تتبدل تلك المصلحة فينعقد إجماع آخر على خلاف الأول" (٢). وقال في آخر باب الإِجماع: "فأما الأحكام الثابتة بالاجتهاد أو بالإِجماع بعد الرسول ﷺ فيجوز أن تنسخ، وهو مختار المصنف، بأن يوفق الله تعالى بعد ثبوت حكم بإجماع أو باجتهاد أهل عصر آخر أن يتفقوا على خلافه بناء على اجتهاد نسخ (٣) لهم على خلاف اجتهاد أهل العصر المتقدم ويكون هذا بيانًا لانتهاء مدة الحكم الأول كما في النصوص، ولا يقال هذا غير جائز لأنه لا مدخل للرأي في معرفة انتهاء مدة الحكم، لأنا لا ندعي أنهم يعرفون انتهاء مدة الحكم بآرائهم، بل نقول لما انتهى ذلك الحكم بانتهاء المصلحة من غير أن يعرفوا عند الاتفاق تبدّل المصلحة ومدة الحكم "وأما التضليل فلا يجب لأن الرأي كان حجة يومئذ" (٤).

стр. 549

وبهذا الرأي قال بعض الباحثين المحدثين منهم الدكتور البوطي عند الحديث عن ضوابط المصلحة .. قال: "الأمر الأول: ضرورة سير المصالح في جوهر الدين المكون من صريح النصوص والأحكام وما تم عليه الإِجماع بمعنى أنه لا يجوز بناء حكم على مصلحة إذا كان في ذلك مخالفة لنص كتاب أو سنة أو قياس تم الدليل على صحته أو إجماع، إلّا إجماعًا تأسس أمره على مصلحة دنيوية غير ثابتة، فيجوز أن يتغيّر حينئذ ذلك الإِجماع بمثله إذا تغيّرت المصلحة الأولى وقامت مصلحة غيرها، مثال ذلك ما لو أجمع المسلمون في وقت ما على ضرورة قتل الأسرى، أو استرقاقهم، نظرًا لمصلحة تستدعي ذلك كالمعاملة بالمثل، ثم أجمعوا في وقت آخر على خلاف ذلك نظرًا لزوال الحالة السابقة، ومثاله أيضًا ما لو أجمع المسلمون في عصر ما على عقد الصلح بينهم وبين الكافرين لمصلحة تستدعي ذلك، ثم رأى من بعدهم وأجمعوا على عدم الصلح لزوال تلك المصلحة" (١). ومنهم صاحب كتاب تعليل الأحكام حيث قال: "وإذا رجعنا بالإِجماع إلى سنده الذي هو الدليل على الحقيقة وجدناه لا يخرج عن كونه نصًا أو قياسًا أو مصلحة (٢) فإن كان نصًا فقد علمت ما فيه (٣)، وإن كان قياسًا والأقيسة مختلفة، فقياس شبهي وآخر طردي، وثالث مناسب، وكل هذه لا تقوى على معارضة المصلحة التي ما شرع الحكم إلّا لتحصيلها، وإنْ كان مصلحة فقد تغيّرت فيجب الانتقال إلى ما يحصلها، وكون الاتفاق وقع على الحكم الأول بقصد أو بغير قصد لا يؤثر في الحكم إلّا بما قاله الفقهاء، أن الحكم

стр. 550

أصبح قطعيًا لا يصح فيه الاجتهاد بعد أن كان ظنيًا مجالًا لاختلاف الأنظار، وهذه كما ترى لا تخرج عن كونها دعوى ... والآن نعرض لبعض الأحكام التي خالف فيها الأئمة ما سماه الناس إجماعًا فيما بعد .. " (١) .. مناقشة هذا الرأي: إن هذا الرأي استنكره عامة الأصوليين قال صاحب كشف الأسرار في باب النسخ بعد أن ذكر رأي البزدوي: "ويتصور أن ينعقد إجماع لمصلحة ثم تتبدل تلك المصلحة فينعقد إجماع على خلاف الأول ولكن عامة الأصوليين أنكروا كون الإِجماع ناسخًا لشيء أو منسوخًا بشيء لما بينا أنه لا يصلح ناسخًا للكتاب والسنة ... وكذا لا يصلحِ ناسخًا للإجماع ولا منسوخًا به ... وكذا لا يصلح ناسخًا للقياس ولا منسوخًا به ... " (٢). وقوله "ولكن" استدراك على قوله: "ويتصور أن ينعقد إجماع لمصلحة ثم تتبدل" وكما هو ظاهر يفيدنا أن عامة الأصوليين ينكرون نسخ الإِجماع بالإِجماع سواء ما كان عن مصلحة أو قياس أو نص. ولننظر بعد ذلك في سبب إنكار عامة الأصوليين لهذا الرأي ثم أبين الوضع الصحيح لهذه المسألة بعد ذلك، وسبب الإِنكار يرجع إلى أمرين: الأول: أن من العلماء من منع وقوع الإِجماع عن قياس فضلًا أن يقع على مصلحة، ومنهم الإِمام الطبري وأهل الظاهر (٣). وقد رجح هذا المذهب صاحب رسالة "أصول الفقه وابن تيمية" وأثبت أن الإِجماع لم يقع عن قياس وذلك باستقراء المواضع التي ذكرها المجيزون، وأثبت وقوعها عن نص وقدم لذلك بقوله: " .. إنّ الحق هو أن الإِجماع لا بد له

стр. 551

من مستند وأن سنده نص من الكتاب أو السنة أو قياس جلي إذ هو في معنى النص، كما ذهب إلى ذلك شيخ الإِسلام ابن تيمية، أما إذا كانت علة القياس خفية لا تعلم إلّا بالنظر والاستنباط، والسبر والتقسيم، والترديد بين الأوصاف، وأوجه تأثيرها واستخراج أقواها تأثيرًا، وأوثقها اتصالًا بالحكم، فإن الاتفاق يندر بل يتعذر أن يحصل بذلك، فيتفق عليه الفقهاء في جيل من الأجيال في كل الأقاليم والأمصار (١). وباستعراض الأمثلة التي ذكرها المجيزون أدلة لهم على وقوع الإِجماع مستندًا إلى القياس والاجتهاد، وجدناها لا يخلوا واقعها من أحد أمرين: إما أن لا يكون فيها إجماع أصلًا بل فيها خلاف، - وإما أن يكون فيها إجماع لكنه مستند إلى نص لم يعلموه، وعدم علمهم بالنص لا يدل على عدمه، إذ أن السلف قد يكونون تركوا التصريح بالنص استغناء عنه بالإِجماع، ولشهرة الإِجماع جهل الكثير الذي هو مستند الإِجماع" (٢). ثم أخذ في تتبع الأمثلة وبيان رجوعها إلى النصوص أو عدم وقوع الإِجماع فيها منتصرًا في ذلك لما ذكره ابن تيمية في مجموع الفتاوى حيث يقول: "فلا يوجد قط مسألة مجمع عليها إلّا وفيها نص أو بيان من الرسول ﷺ (٣)، ولكن قد يخفى ذلك على بعض الناس ويعلم الإِجماع فيستدل به كما أنه يستدل بالنص من لم يعرف دلالة النص (إلى أن قال) ولا يوجد مسألة يتفق الإِجماع عليها بدون نص ... ". ويقول أيضًا: "لكن استقرأنا موارد الإِجماع فوجدناها كلها منصوصة وكثير من العلماء لم يعلم النص وقد وافق الجماعة كما أنه يحتج بقياس وفيها إجماع لم يعلمه فوافق الإِجماع" (٤).

стр. 552

وقد ذكر صاحب "أصول الفقه وابن تيمية" أمثلة كثيرة وبين فيها أنها لا تخلوا من أحد أمرين: إما أن يكون الإِجماع فيها عن نص أو لا إجماع فيها، ومن أمثلة ما كان الإِجماع فيها عن نص خلافة أبي بكر واستدل على ذلك بسبعة أدلة (١)، ومن المسائل التي ليس فيها إجماع حد الشرب، فإن الإِجماع لم ينعقد على أن حده ثمانين بل وما زال الخلاف في عهد الصحابة موجودًا ومن بعدهم (٢). وأما إجماعهم على جزاء الصيد فليس مستندًا إلى الاجتهاد بل هو مستند إلى النص (٣) وكذلك إجماعهم على قتال مانعي الزكاة، إنما مرجعه النصوص الدالة على ذلك، وأما شحم الخنزير فمحرم بالحديث الذي رواه الجماعة وهو مستند الإِجماع (٤). والحاصل أن هذا الفريق من العلماء يستبعدون وقوع الإِجماع عن علة خفية لا تعلم إلّا بالنظر والاستنباط والسبر والتقسيم والترديد بين الأوصاف فيبعد أن يقع الإِجماع عن مصلحة معتبرة من قبل الشارع وخاصة إذا كانت بواسطة الجنس البعيد المتحقق في الضروريات الخمس وهي المصلحة التي تسمى بالمرسلة. فالقول بأن الإِجماع الذي يتبع المصلحة يتغير بإجماع آخر غير وارد عندهم أصلًا لأنه غير متصور. ولذلك تجد الدكتور البوطي يميل في موضع آخر إلى عدم تصور التغيّر ويربط ما ذكر من الأمثلة بحق "الإِمامة" وحق الإِمامة: "هو أن يتصرف الإِمام في أمر أعطى الشارع له - أو لمن ينوب عنه من المجتهدين - صلاحية الحكم فيه " (٥).

стр. 553

وهذه الصلاحية: "ليست إلا حكمًا إلهيًا دائمًا" (١) لأن الإِمام مخيَّر على سبيل الدوام - وهو حكم ثابت - بين المن والقتل والفدية والاسترقاق. ومن هنا فقد نص البوطي على أن مثل هذه الأحكام لا تنطوي في الحقيقة على نسخ للإِجماع وأن الإِجماع الثابت شأنه كالنص الثابت من الكتاب والسنة لا يجوز الخروج عليه بحال" (٢). وهو بهذا يربط المثال الذي ذكره - استدلالًا أو مجاراة لما نقله عن البزدوي - بحق الإمامة بالحكم الثابت، ثم أخذ في ترجيح أن الخلاف بين الأصوليين - الذين يرون عدم النسخ والذين يرون النسخ أمثال البزدوي وصدر الشريعة - إنما هو خلاف لفظي (٣)، وهذا تقرير جيد يفيدنا هنا، أن الخلاف ليس مبنيًا على معنى معتبر عند الفريقين لأن منهم من لا يتصور انعقاد الاجتماع على مصلحة شرعية، ومنهم من يتصور انعقاده، ولكن لا يرى تغير الحكم المجمع عليه، لأنه يربطه بحق الإِمامة كما صنع الدكتور البوطي وحمل على ذلك كلام البزدوي وصدر الشريعة، وقرر أن الخلاف لفظي وسأتجه بالمسألة وجهة أخرى وأحاول بيان السبب الذي أدى إلى القول بالتغير وسيكون ذلك من خلال التطبيقات التي ذكروها وقبل ذلك أذكر الأمر الثاني .. الأمر الثاني: أن عامة الأصوليين أنكروا النسخ، وإنما أجازه البزدوي وصدر الشريعة كما أشار الدكتور البوطي آنفًا، وأنا أذكر هنا أدلة الجمهور على أن الإِجماع لا يَنْسخُ ولا يُنْسخ به. وهي: (أ) أن العصمة ثابتة للحكم المجمع عليه أيًا كان سنده، ولا نسخ بعد وفاة رسول الله ﷺ ، والإِجماع إنما يكون بعد وفاته ﷺ لأنه إن وقع في حياته فلا يعتبر إلا بموافقته وموافقته هي المعتبرة وحدها والحجة فيها لا في غيرها، فبعد وفاة النبي ﷺ قد انقطع الوحي فلا يمكن أن يقع النسخ.

стр. 554

(ب) أن الإِجماع لا ينسخه إجماع آخر، لأن هذا الاجماع الثاني، إما أن يكون عن دليل، وإما أن يكون عن غير دليل ولا يتصور ذلك، وإن كان عن دليل فيستلزم أن يكون الإِجماع الأول خطأ وذلك منتف، فيستحيل شرعًا أن يكون الإِجماع ناسخًا للإِجماع آخر. (ج) والقياس لا يعارض الإِجماع ولا ينسخه وذلك لأن من شرط العمل بالقياس أن لا يكون مخالفًا للإِجماع (١). وحفظ الشرع من النسخ والتبديل أمر مقطوع به، لأن هذه الشريعة معصومة، كما أن نبيها معصوم ﵊، والأمة فيما أجمعت عليه معصومة (٢). ولذلك نرى الأصوليين يصرحون بعصمة الإِجماع وأبدية الشريعة، "وهذا بخلاف الشرائع المتقدمة فإن نسخها لما كان جائزًا، لم تقع الحاجة فيها إلى عصمة الأمة عن الخطأ، فأما شريعتنا هذه فلا يجوز عليها النسخ بل هي شريعة مؤبدة، فَعُصِمْت أمتُها عن الخطأ ليبقى الشرع فإجماع الأمة محفوظٌ" (٣). والقول بأن الإِجماع يَنْسَخْ ولا يُنْسَخْ به من هذا المعنى المقطوع به. ولقد أحسن الأستاذ البوطي في ربطه المسألة بحق الإِمامة، وتخريج سبب الخلاف فيها، وأحاول هنا إزالة بعض الإِشكالات وذلك بالنظر فيما أوردوه من تطبيقات، وترجع إلى ثلاثة أمثلة: الأول: الإِجماع على قتل الأسرى، وقد تبين ما فيه سابقًا (٤)، وأضيف هنا أن هذا لا يسمى إجماعًا، لأن النص قد جاء بتخيير الإِمام بين الأسر والفداء والقتل وهو قوله تعالى:

стр. 555

﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ (١). وهنا التخيير حكم ثابت لا يتغير ولا يتصور وقوع الإِجماع على قتل الأسرى وأنه ملزم للحاكم نفسه ومن يجيء بعده. وذلك لأن الأمة معصومة من مخالفة النص الثابت الذي دل على التخيير ولم ينسخ، فلا يقال والحال هذه أن الإِجماع قد تحقق على وجوب قتل الأسرى، لأن معنى تحقق الإِجماع أنه ملزم لمن بلغه حكمه، وهذا مقتضى العصمة، وكيف يتحقق الإلزام مع أن التخير حكم ثابت قطعًا، وهل يقول من ظن أن المسألة مجمع عليها أن على المسلمين وجوب قتل الأسرى في الجهاد وأن هذا حكم مجمع عليه!. بل يُقال إنّ الإِمام قد اختار هو ومن معه من المسلمين أحد الأحكام التي خُيروا فيها بنص القرآن، ولغيره من بعده أن يختار أحدها أيضًا، وليس في ذلك إجماعًا ولا تغيرًا ولا تبديلًا. ولذلك ظهر من كلام الأستاذ البوطي: جعل الخلاف بين القائلين بالنسخ وعدمه لفظيًا، وأقول هنا على ما بينته آنفًا أن الخلاف فرع عن صحة هذه التطبيقات إذْ هي عمدة المخالف ومسألة اختيار المسلمين قتل الأسرى هي أحد هذه التطبيقات وهي ليست مسألة من مسائل الإِجماع فلا تصلح دليلًا على القول بتغيّر حكم الإِجماع. الثاني: ومثلها قولهم: "الإِجماع على الصلح مع الكافرين لصلحة فإنه إذا رأى المسلمون بعد ذلك عدم الصلح مع الكافرين لزوال تلك المصلحة فإن لهم ذلك (٢). وأجيب هنا بما أجبت به آنفًا، فإنه لا يقال عن هذا الحكم أنه من مسائل الإِجماع. بيان ذلك: أن القرآن أوجب على المسلمين جهاد الكافرين ابتداء، وذلك

стр. 556

بتخييرهم بين ثلاثة خصال وهي: الدخول في الإِسلام، أو دفع الجزية، أو القتال، ثم أجاز القرآن - ولهذا تطبيقات في عمل الرسول ﷺ أن يصالح المسلمون أعداءهم بشرطين اثنين: الأول: تحقق الضرورة والمصلحة. الثاني: أن لا يكون الصلح مؤبدًا (١). فالحكم الشرعي الثبات في علاقة المسلمين بأعدائهم وجوب التخير بين ثلاثة خصال أو الدخول في صلح معهم بشروطه المعلومة. فإذا جاء على المسلمين وقت وكان لهم من القوة والسلطان ما يخيرون به أعدائهم بين تلك الثلاثة الخصال فلا يجوز لهم إلّا ذلك وهم في ذلك منفذون لحكم الله الذي هو ثابت في حقهم إلى يوم القيامة ما داموا في تلك الحالة (٢). وإذا جاء وقت آخر ولم يكن لهم من القوة والسلطان ما يخيرون به الكافرين .. ودخلوا معهم في صلح بشروطه الشرعية فإنهم في ذلك منفذون لأمر الله الذي هو ثابت في حقهم إذا كانوا في حالة لا يستطيعون بها قتال أعدائهم" (٣). هذه صورة الحكم الشرعي، بقي بعد ذلك تحقيق المناط، وهو النظر في

стр. 557

حال المسلمين في وقت ما، هل يمكنهم تخيير أعدائهم وقتالهم إذا لم يستجيبوا أم لا يمكنهم ذلك؟ فإن أمكنهم لزمهم الحكم الأول، وإن لم يمكنهم لزمهم الثاني مع وجوب الاعتقاد أن الكفار هم أعداء الله ورسوله والمؤمنين، يجب تخييرهم بين تلك الخصال الثلاثة عند القدرة على ذلك. فإذا عمل المسلمون بالحكم الثاني باعتبار الحالة الثانية فهل يقال إن عملهم هذا هو إجماع على وجوب الصلح مع الكافرين، فإذا جاء وقت آخر وأمكنهم قتال أعدائهم قيل أنهم تركوا الحكم المجمع عليه لمصلحة، ثم يقال بعد ذلك أن حكم الإِجماع - الذي هو الدليل الشرعي - قد تغير وتبدل. والحق أن عمل المسلمين في عقد الصلح في الحالة الثانية تحقيق لمناط الحكم الشرعي الثابت، وأن جهادهم لأعدائهم في الحالة الأولى تحقيق لمناط الحكم الشرعي الثابت، ولا يعتبر اتفاقهم على تحقيق المناط في الأولى والثانية إجماعًا على حكم شرعي، نُسخ به حكم شرعي آخر. فخرجت هذه المسألة عن أن تكون تطبيقًا للقول بأن حكم الإِجماع الذي يكون سنده المصلحة يتغير بتبدل تلك المصلحة. ٣ - إن الإِجماع على الصلاة في رمضان على إمام واحد قد تغير بعد ذلك، فصلى الناس وراء أئمة متعددين، وهذا يدل على أن حكم الإِجماع قد يتغير بتغير المصلحة التي بني عليها (١). والجواب: بنفي ثبوت الإِجماع، فإنه قد صح أن عمر ﵁ قد جمع الناس في الصلاة في رمضان على إمام واحد فكانت سنّة يعمل بها المسلمون من بعده، وهي كذلك، ولكن أين الدليل على أن الناس كانوا يصلون على إمام واحد، ومن المعلوم أن جمع عمر للناس إنما كان في المدينة، وأهل القرى والمدن الأخرى كانوا يصلون خلف أئمة آخرين، أفليس في ذلك دليلًا على أن الصلاة تجوز خلف أئمة متعددين إذا اقتضى الأمر ذلك، وهذا في الوقت الذي يقال فيه

стр. 558

إن الإِجماع انعقد على الصلاة خلف إمام واحد، ثم ما الفرق بين الصلاة خلف أكثر من إمام في مدينة صغيرة حولها قرى كثيرة وبين الصلاة خلف أئمة متعددين في مدينة كبيرة. ومن المعلوم أن الناس لم يكونوا يجتمعون كلهم من المدينة ومن حولها للصلاة خلف إمام واحد في عهد عمر ﵁، غاية ما فعله عمر ﵁ أنه جمعهم على إمام واحد بعد أن كان هناك أكثر من إمام في مسجد واحد، وهو مسجد رسول الله ﷺ . فأين الإِجماع على الصلاة خلف إمام واحد حتى يقال أن ذلك قد تغير فأصبح الناس يصلون خلف أئمة متعددين. نعم لو أجمع المجتهدون على جواز الصلاة خلف أكثر من إمام في مسجد واحد صح أن يقال أن هذا مخالف لما أجمع عليه المسلمون، ولكن ذلك لم يحدث قطعًا. والحاصل أن هذه التطبيقات وما ماثلها لا تصلح قاعدة لدعوى النسخ (١) ولايخالف بها ما اتفق المجتهدون عليه، وغاية ما يقال فيها أنها إما تطبيق وهو ما يسميه الأصوليون بتحقيق المناط وإما أن المسألة لا إجماع فيها أصلًا. وهي مماثلة لما زعمه بعض الباحثين (٢) من أن الصحابة غيروا بعض الأحكام التي وردت بها النصوص مثل "سهم المؤلفة قلوبهم" ونحو ذلك من الأمثلة التي بينت أنها من تحقيق المناط وليست تغييرًا ولا تبديلًا.

стр. 559

ولذلك لا أجدني في حاجة إلى الجواب عن القول بأن الإِجماع ينسخ النص استدلالًا بأن الصحابة أجمعوا على منع المؤلفة قلوبهم من سهمهم، وأن ذلك تغير للنص بالإِجماع. وقد أجبت عن أصل المسألة في موضع سابق وهو الجواب عن القول بنسخ النص بالإِجماع (١). نعم إذا كان هناك نص منسوخ فإن الناسخ له ليس هو الإِجماع، وإنما هو السند الذي انبنى عليه ذلك الإِجماع علمه من علمه وجهله من جهله (٢). والجواب عما ذهب إليه هؤلاء الباحثون هو الجواب عما قاله الدكتور شلبي وأضيف هنا أن الأمثلة التي ذكرها والتي قال عنها: "والآن نعرض لبعض الأحكام التي خالف فيها الأئمة ما سماه الناس إجماعًا فيما بعد ... " (٣) ثم ذكر بعض الأمثلة منها مسألة التسعير، وإعطاء المؤلفة قلوبهم في عهد عمر بن عبد العزيز ﵀ ... إن هذه الأمثلة يمكن الجواب عنها من وجهين: الأول: إن المستدل بها قال إنها مما سماه الناس إجماعًا، فهي إذن ليست إجماعًا مقطوعًا به، وليس كل ما يسميه الناس إجماعًا يكون كذلك، ونحن نتحدث عن الإِجماع الثابت ونقول إنه معصوم وحكمه كذلك، ولا يجوز تغييره ولا تبديله. الثاني: إن مسائله المذكورة مشابهة لما ناقشته فيه عند الحديث عن المصلحة فمسألة المؤلفة قلوبهم تحقيق مناط بحسب حالتهم في زمن أبي بكر أو زمن عمر بن الخطاب أو زمن عمر بن عبد العزيز وليست تغييرًا ولا تبديلًا في الحكم الشرعي (٤).

стр. 560

ومسألة التسعير مسألة مختلف فيها والخلاف فيها مشهور وليست من مواضع الإِجماع (١). ونقول هنا كما قلنا من قبل عند الرد على القائلين بتغيير الأحكام، إنّ الحادثة الواحدة المجمع على حكمها لا يتصور أن يتغير حكمها إلّا إذا أسقطنا حجية الإِجماع كدليل شرعي، تمامًا كما قلنا أن الحادثة الواحدة التي حكمت فيها السنّة أو حكم فيها القرآن لا يمكن أن يتغير حكمها، إلّا إذا أسقطنا حجية القرآن أو حجية السنّة، ولا يقول بذلك أحد من المسلمين، فآل الأمر إلى أن الحادثة قد نقع بصورة جديدة وخصائص أخرى غير خصائصها الأولى - ومن ثم فهي حادثة متميزة غير الحادثة الأولى التي أجمع عليها، وحينئذ تأخذ حكمًا خاصًا بها بحسب مناطها، وحادثتان لها حكمان كما قلنا ليس غريبًا ولا عجيبًا. وأما الإِجماع الذي لم يُتيقن من ثبوته، فهو إجماع مظنون لا يجزم المجتهد به، وهو مع كونه حجة إلّا أنه ليس في منزلة الإِجماع المتيقن، ومرتبته أن يُستدل به ويُقدم على ما دونه من الظن (٢)، أي أنه من مسائل الاجتهاد، بحيث يمكن للمجتهد أن يقدم عليه ما هو أقوى منه من الأدلة، بخلاف الإِجماع المُتَيَقَّنُ من ثبوته فهذا لا كلام فيه، ولا يجوز أن يقدم عليه، أو أن يبدل لأنه معصوم وحكمه الناتج عنه له صفة الثبات، ذلك أن الشريعة معصومة والأمة فيما اجتمعت عليه معصومة، ولا تجتمع إلّا على الحق، ويستحيل أن تجتمع على خطأ أبدًا، ومن معنى حفظ الشريعة وعصمتها، عصمة الأمة أن تجتمع على ضلالة، تغيّر بها أو تبدل حكمًا واحدًا من أحكام الله، أو تقر التقديم عليه أو الإِعراض عنه، ولذلك فإن الانحراف مهما كثُر وعظُم وتفاوتت مراتبه من كفر أو شرك

стр. 561

أو بدعة أو معصية فإنه يظل انحرافًا يشار إليه بحسب جهد المصلحين والمنكرين له، ويستحيل شرعًا أن يجد إقرارًا من الأمة بأجمعها لأنها لا تجتمع على إقرار الباطل، وهكذا القول في ثبات أحكام الشريعة ما كان منها حجته الكتاب أو السنّة أو الإِجماع، فالعصمة ثابتة لهذه الشريعة ولجماعة العلماء، وهذا من أبرز معالم الثبات التي حفظت الشريعة من التغيير والتبديل - ولو في حكم واحد من أحكامها - وحفظت الأمة من أن يضيع الحق فيها، فـ "لا تزال طائفة .. قائمة بالحق لا يضرهم من خالفهم ... " وبثبات هذا المصدر الرباني وعصمة جماعة العلماء أهل السنّة والاتباع أمكن لهذه الأمة أن تعالج انحرافاتها، وتصمد أمام الغزو الفكري الجاهلي وتيار البدع الداخلي، وتتسلم قيادة البشرية مرات عديدة بعد أن كادت تسلم قيادها للانحراف العقدي لولا رحمة الله سبحانه المتمثلة في ثبات ذلك المصدر الرباني، وبقاء تلك الطائفة القائمة بالحق. والأمة في عصرها الأخير ما زال المصلحون يعتمدون في معالجة الانحرافات فيها على ثبات ذلك المصدر، وعصمة جماعة العلماء، والأعداء ما زالوا يكدحون دون أن يتمكنوا من هدفهم الأخير، وهو القضاء على هذه الأمة، ولن يتمكنوا لأن العصمة مكفولة لهذه الشريعة، ومكفولة لجماعة العلماء، وهي عصمة الإِجماع، ولا يزال الأعداء في ياس أمام هذا القدر الرباني (١) مهما بلغوا في الكيد من القوة

стр. 562

ومن مهارة التخطيط ... ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (١). وبهذا نتبين حفظ الله لهذا الدين كتابًا وسنّة وعصمة الأمة من أن تضيعه أو تبذله، وعلى هذا الأساس يقوم مفهوم الشمول، وقد تبين - فيما سبق - أن الثبات قاعدة الشمول، فلا شمول بغير ثبات. وأن المجتهد وهو يؤسس اجتهاده، على ما علمه من الكتاب والسنّة وما أجمعت عليه الأمة ليجد فيها من الأصول المتيقنة، وخاصة تلك التي تفهمها العلماء وأجمعوا عليها ما يجعله يبني اجتهاده عليها وهو متبع لعلم راسخ، يزيده قوة ورشدًا في استبانة الحق ورد الفروع إلى الأصول، وإعطاء النظير حكم نظيره. وإن هذا الذي أجمع عليه المجتهدون إمَّا أن يكون حكمًا جزئيًا وإمّا أن يكون أصلًا شرعيًّا، وكلاهما من قواعد الشمول كما بينا سابقًا فلا نعيده هنا (١). وننقل البحث بعد ذلك إلى المواطن التي لم يتحقق فيها إجماع. * * *

стр. 563

المبحث الثاني كيفية تحقق الثبات والشمول في الأحكام التي لم يتحقق فيها إجماع إن "الاجتهاد" الذي تحدثت عنه سابقًا، ثم تعرفنا على أهم طرقه ابتداء من العمل بالعموم، والقياس، ثم العمل بالمصالح المرسلة، وتبينا كيفية تحقق الثبات والشمول من خلال العمل بها، إن هذا الاجتهاد منه ما يؤدي إلى الاتفاق على معرفة الحكم الشرعي، ومن ثم الإِجماع عليه - وقد سبق بيان منزلته من الشريعة وكيفية تحقق الثبات والشمول فيه - ومنه ما لا يؤدي إلى الاتفاق، بل تتفاوت أنظار المجتهدين وذلك للأسباب التي أشرت إليها من قبل (١). وهذه الأحكام المتفق عليها وغير المتفق عليها تكوّن في مجموعها "الفقه الإِسلامي" ونتحدث هنا عن الجزء الثاني من هذه الأحكام ونتعرف على كيفية تحقق الثبات والشمول فيها، ومن خلال ذلك نتعرف على منزلة الفقه الإِسلامي تأصيلًا على ما سبق بيانه من الفرق بين "الشريعة" و"الفقه"، ويتضح لنا الموقف الوسط من بين مواقف التفريط والإِفراط التي وقع فيها بعض الدارسين "للفقه الإِسلامي" (٢).

стр. 564

ويدخل تحت هذا العنوان الأحكام التي تعددت فيها الأقوال نتيجة لتفاوت أنظار المجتهدين وتفاوت قدراتهم، سواء منها ما اختلف فيها على قولين (١) أو ثلاثة أو أكثر، وبلفظ آخر يدخل تحته ما سوى المجمع عليه.

стр. 565

وقبل أن ندرس ونبين منزلة هذا القسم نشير بإيجاز إلى الفرق بين الخلاف المذموم شرعًا وغير المذموم وكيف يقع غير المذموم مع وجوب الرد إلى الكتاب والسنّة. فأقول: الخلاف المذموم هو ما حمل عليه الهوى والتعصب، ولم يلتزم فيه الناظر ضوابط منهج الاستدلال الشرعية، أو إلتزمها ولم يستفرغ وسعه في طلب الحق. وغير المذموم هو ما كان بضد ذلك، والدليل على عدم ذمه وقوعه بين
следующие страницы →