← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 17823

سفر السعادة وسفير الإفادة

علم الدين السخاوي المقرئ

Полный текст (1 072 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

والإلباس. ثم أسألك أولا: ما معنى قولك في صدر مسألتك: (فأول ذلك أن تعلم أن نهوشا واحد قدر [أنه] جمع على نهابر) فإنه كلام لم يستعمله من أهل الجهل والغباوة إلا من ختم الله على سمعه وقلبه، وجعل على بصره غشاوة. وأقول: إن الرد الذي رد على أبي نزار في (نهاوش) ما ضربه قائله إلا جدلا ولم يسلم فيه من الإنصاف سبلا؛ لأنه تكلم على هذه اللفظة، وجعل لها مخرجا على تقدير وجودها وصحة ورودها، فكان وجه الرد عليه أن يبين أنه أخطأ في ذلك، وأن لها معنى غير ما ذكر، لا أن يقال له: ليس الإشكال في شيء سوى صحتها، وإن الواجب ألا تتكلم فيها إلا بعد ثبوتها؛ وهذا كلام لا يخفى ما فيه من الجور.

стр. 772

المسألة الثالثة قال أبو نزار: روى سيبويه في كتابه عن العرب أنهم قالوا: (ليس الطيب إلا المسك)، برفع المسك، والقياس نصبه؛ لأنه خبر (ليس) و (ليس) لا يبطل عملها بنقض النفي؛ إلا أن سيبويه والسيرافي تخبطا في هذا، وما أتيا بطائل. فأول ذلك أن سيبويه قال: لغة في (ليس) أنها لا تعمل وأنها مثل (ما) في لغة بني تميم [١٦٥/آ]؛ وهذا لا يعرف، فقد أخطأ سيبويه. ثم قال السيرافي: والصحيح أن اسمها الشأن والحديث في موضع رفع، والطيب مبتدأ، والمسك خبره. وقيل له: هذا باطل بأن (إلا) الناقضة خبر؛ إذ قد جاءت بين المبتدأ والخبر في الجملة الإثباتية. واعتذر السيرافي بأن قال: إلا أنها على الجملة قد تقدمها نفي؛ وهذا كله متهافت. والذي صح أن قولهم: (ليس الطيب): ليس واسمها، و (إلا)

стр. 773

ناقضة للنفي، والمسك: مبتدأ، وخبره محذوف، وتقديره: ليس الطيب إلا المسك أفخره؛ والحملة من المبتدأ والخبر في موضع النصب؛ لأنها خبر ليس، وفيه وجه آخر، وهو أن تكون (إلا) بمعنى (غير)، وذلك وجه في (إلا) معروف، والتقدير: ليس الطيب غير المسك مفضلا أو مرغوبا فيه، أو ما شابه ذلك فاعرفه. فقيل في الرد عليه: أيها المتعالي المتعالم، والمتعاطي المتعاظم قد نسبت سيبويه والسيرافي إلى أنهما تخبطا في هذه المسألة، ولم يأتيا بطائل، وقلت حكاية عنهما: (فأول ذلك أن سيبويه قال: لغة في (ليس) أنه لا تعمل، وأنها مثل (ما) في لغة بني تميم، وهذا لا يعرف) وكان تخبطك فيما عنه نقلته؛ وإليه نسبته بما أسقطته من كلامه وزدته هو عين التخبط الحقيقي. والذي ذكره سيبويه على فصه ومنقولا عن نصه هو: وقد زعم بعضهم أن (ليس) تجعل كـ (ما)، وذلك قليل لا يكاد يعرف، فهذا يجوز أن يكون منه: ليس خلق الله أشعر منه، وليس قالها زيد، وقول حميد بن ثور:

стр. 774

.. .. وليس كل النوى يلقي المساكين وقال هشام: هي الشفاء لدائي لو ظفرت بها .... وليس منها شفاء الداء مبذول والوجه والحد فيه أن تحمله على أن في (ليس) إضمارا، وهذا مبتدأ، كقوله: إنه أمة الله ذاهبة. إلا أنهم زعموا أن بعضهم قال: ليس الطيب [١٦٥/ب] إلا المسك وما كان الطيب إلا المسك). إلى هذا انتهى كلام سيبويه؛ فأحلت عبارته عن الصواب بتحريفك وتجزيفك، فقلت: (قال سيبويه: لغة في

стр. 775

(ليس) أنها لا تعمل) فبدأت بنكرة في اللفظ لم تأت لها بخبر، وزدت في كلامه أنها لا تعمل؛ ولم يذكر سيبويه ذلك ولا يصح أن يذكره؛ لأنه لم يقطع بكونها غير عاملة. ثم قلت عنه: (وأنها مثل (ما) في لغة بني تميم) فزدت ما لم يذكره. وكيف يجعلها مثل (ما) التميمية التي قد حصل القطع بإبطال عملها، وهو يقول بعد ذلك: (والوجه أن يكون فيها إضمار الشأن). ثم قلت عنه أيضا: (وهذا لا يعرف) فأسقطت (يكاد)، وبإسقاطها يتناقض الكلام؛ لأن سيبويه قد ثبت عنده معرفة هذا، وهو قولهم: ليس الطيب إلا المسك؛ بدليل قوله: إنه يجوز أن يكون عليه قولهم: ليس خلق الله أشعر منه. وصح ذلك بما حكاه الأصمعي، وأبو حاتم عن أبي عمرو بن العلاء. قال أبو حاتم حكاية عن الأصمعي: جاء عيسى بن عمر إلى

стр. 776

أبي عمرو بن العلاء وأنا عنده، فقال لأبي عمرو: بلغني عنك شيء!! فقال أبو عمرو: وما هو؟ قال عيسى: بلغني أنك تجيز: ليس الطيب إلا المسك، وترفع. فقال أبو عمرو: نمت، يا عيسى، وأدلج الناس!! ليس في الأرض حجازي إلا وهو ينصب، ولا في الأرض تميمي إلا وهو يرفع. ثم قال: قم يا يحيى- يعني اليزيدي-، وأنت يا خلف- يعني الأحمر- فاذهبا إلى أبي المهدي فلقناه الرفع فإنه لا يرفع، واذهبا إلى المنتجع التميمي فلقناه النصب فإنه لا ينصب. قال اليزيدي وخلف الأحمر: فأتسينا أبا المهدي، فوجدناه يصلي فوق تل وقد غرس أمامه قصبة يستقبلها، وإذا هو يقول: اخسأنان عني- وكان به عارض- فأمهلناه حتى قضى صلاته، فقال: ما هذه القنمة كأن حولنا حششة؟ فقلنا: إنك منها لعلى ثبج ضخم، فقال: ما خطبكما؟ فقلنا: جئناك

стр. 777

لنسألك عن شيء من كلام العرب، فقال: هاتيا. فقلنا: كيف تقول: ليس الطيب إلا المسك؟ فقال: أتأمراني بالكذب على كبر سني؟ فأين الجادي، وأين بنة الإبل الصادرة [١٦٦/آ]، وأين كذا، وأين كذا؟. فقال له خلف: ليس الشراب إلا العسل، فقال: فما تصنع بسودان هجر؟ ليس لهم شراب غير هذا التمر. قال اليزيدي: فلما رأيت ذلك قلت: ليس ملاك الأمر إلا طاعة الله والعمل بها، ورفعت، فقال: هذا كلام لا دخل فيه، ليس ملاك الأمر إلا طاعة الله والعمل به، ونصب، فقلت: ليس ملاك الأمر إلا طاعة الله والعمل بها، ورفعت؛ فقال: ليس هذا من لحني ولا لحن قومي، فكتبنا ما سمعناه منه. ثم أتينا المنتجع التميمي فوجدناه رجلا يعقل، فلقناه النصب، وجهدنا به فلم ينصب، وأبى إلا الرفع. فأتينا أبا عمرو، وعنده عيسى لم يبرح، فأخبرناه بما جرى. فأخرج عيسى خاتمه من إصبعه، ورمى به إلى أبي عمرو، وقال:

стр. 778

هو لك، بهذا-والله- فت الناس. فقد ثبت من هذه الحكاية أن قولهم: ليس الطيب إلا المسك، بالرفع، معروف في كلام العرب؛ فلا يصح إذًا أن يكون كلام سيبويه إلا بزيادة (يكاد)، وذلك أنه إذا قال الإنسان لا يكاد يوجد في كلام العرب فعل وفيه الألف واللام كان [كلامه صحيحًا، فإن قال: لا يوجد في كلام العرب فعل وفيه الألف واللام كان] قوله غير صحيح؛ لوجود الفعل وفيه لام التعريف، فيما حكاه أبو زيد، وأنشد: يقول الخنا، وأبغض العجم ناطقًا .... إلى ربنا صوت الحمار البجدع ومثله قول الفرزدق: ما أنت بالحكم الترضى حكومته .... ولا الأصيل ولا ذي الرأي والجلد

стр. 779

وعلى هذا المنهاج جريت فيما حكيته عن السيرافي، وقلت عند فراغك من حكاية كلام سيبويه، بزعمك: (ثم قال السيرافي: والصحيح أن اسمها شأن وحديث في موضع رفع، والطيب مبتدأ، والمسك خبره. وقيل له: هذا باطل فإن (إلا) الناقضة خبر، إذ قد جاءت بين المبتدأ والخبر في الجملة الإثباتية. واعتذر السيرافي بأن قال: إلا أنها، على الجملة، قد تقدمها نفي) فإذا بك فيما حكيته عن السيرافي أيضًا قد مسخت ما نسخت، وغيرت ما عنه عبرت، وذلك أن نص [١٦٦/ ب] كلام السيرافي في هذه المسألة هو ذا: (وقد احتجوا له بشيٍء آخر هو أقوى من الأول، وهو قول بعض العرب: ليس الطيب إلا المسك، قالوا: فلو كان في (ليس) ضمير الأمر والشأن لكانت الجملة التي في موضع الخبر قائمًة بنفسها، ونحن لا نقول: الطيب إلا المسك، وليس الأمر كما ظنوا؛ لأن الجملة إذا كانت في موضع خبر اسم قد وقع عليه حرف النفي فقد لحقها النفي في المعنى، ألا ترى أنك إذا قلت: ما زيد أبوه قائم، فقد نفيت قيام أبيه كما لو قلت: ما [أبو]

стр. 780

زيد قائٌم؛ فعلى هذا يجوز أن تقول: ما زيٌد أبوه إلا قائٌم، كأنك قلت: ما أبو زيد إلا قائٌم) هذا كلام السيرافي ﵀. فأما توجيهك المسألة، على ما صح في زعمك، وهو أن تجعل الطيب اسم ليس، والمسك مبتدأ وخبره محذوٌف تقديره: ليس الطيب إلا المسك أفخره، أو على أن تكون (إلا) بمعنى (غير)، والتقدير: ليس الطيب غير المسك مفضلًا أو مرغوبًا فيه= فشيٌء لم يسبقك إليه أحد، ولم يخطر مثله قبلك ببال بشر، وهو تقديرك الاسم مبتدأ وحذف خبره، وهو أفخره، مع كون اللفظ لا يقتضي هذا الخبر ولا يدل عليه؛ وتقديرك، في الوجه الآخر، (إلا) بمعنى (غير) تشير إلى أنها وما بعدها صفة للطيب، على حد قوله :﴾ لو كان فيهما آلهة إلا الله ﴿، أي: غير الله، وجعلك الخبر محذوفًا، وهو (مفضلًا) أو (مرغوبًا فيه)، فيكون المعنى عندك: إن الطيب لا يرغب الناس فيه، وإنما يرغبون في المسك؛ لأن هذا تقدير قولك: ليس الطيب غير المسك مرغوبًا فيه. وعلى أن سيبويه ذكر في حكايتهم ما أوجب التوقف عما أجازه، من أن الوجه أن يكون في (ليس) إضمار، ولا يكون

стр. 781

حذفًا، فقال بعد أن قدم الوجه في قوله: . وليس منها شفاء الداء مبذول وقولهم: ليس خلق الله أشعر منه=: (إلا أنهم زعموا أن بعضهم قال ليس الطيب إلا المسك، وما كان الطيب إلا المسك). ووجه توقفه عن أن يحمل (ليس) في لغتهم على ضمير الشأن والقصة [١٦٧/ آ] أنه وجدهم يرفعون المسك في (ليس) وينصبونه في (كان)، فيقولون: ما كان الطيب إلا المسك، فلو كان في (ليس) إضمار لوجب أن يكون في (كان) إضمار أيضًا، فكونهم يختصون الرفع بـ (ليس) دون (كان) حتى لا يوجد أحد منهم يرفع المسك في كان، ولا ينصب في ليس= دليل على أن (ليس) هنا حرف لا عمل لها، وبهذا يبطل قولك: إنه لو كان على

стр. 782

إضمار (أفخره) في الوجه الأول أو إضمار (مرغوبًا فيه أو مفضلًا) في الوجه الثاني لوجب مثل ذلك في (كان)، فيقال: ما كان الطيب إلا المسك، على تقدير: إلا المسك أفخره، أو على تقدير: غير المسك مفضلًا أو مرغوبًا فيه. ولو وجهت -أيها المتعسف- هذه المسألة على ما وجهه النحويون لأرحت واسترحت. وهو أن تجعل (الطيب) اسم (ليس)، و (إلا المسك) بدل منه، والخبر محذوف، وتقديره: ليس في الدنيا الطيب إلا المسك. وعلى ذلك حملوا قول الشاعر: لهفي عليك للهفة من خائف .... يبغي جوارك حين ليس مجير يريد: حين ليس في الدنيا مجير.

стр. 783

وقد أجاز أبو علي أن تكون اللام في (الطيب) زائدة على حد زيادتها في قولهم: ادخلوا الأول فالأول، فيصير: ليس الطيب إلا المسك، على تأويل: ليس في الوجود طيب إلا المسك، أي: إن كل طيب غير المسك؛ فليس بطيب، على طريق المبالغة في وصف المسك. وبالجملة؛ فإن هذا القول الذي ذهب إليه النحويون لا يصح بما حكاه سيبويه من قولهم: وما كان الطيب إلا المسك، على ما قدمت ذكره، وليس ذلك لغتين فيقال: إن (ليس الطيب إلا المسك) لغة قوم، و (ما كان الطيب إلا المسك) لغة قوم آخرين، بل القوم الذين يقولون: ليس الطيب إلا المسك، فيرفعون هم القائلون: ما كان الطيب إلا المسك، فينصبون، على ما حكاه سيبويه؛ وبهذا السبب توقف عن حمل (ليس) في لغتهم على أن فيها إضمارًا، وهذه اللغة ليست [١٦٧/ ب] هي المشهورة، وليس الشاذ النادر الخارج عن القياس يوجب إبطال الأصول. ثم قال الراد على أبي نزار: وأنا أكشف خبء هذه المسألة، وأوضح السبب الموجب لما تفرع عنها، فإنها من أشكل مسائل العربية التي اضطربت أقوال النحاة في تحقيقها.

стр. 784

وسبب ذلك تعارض الأدلة وتكافؤها في (ليس): هل هي فعل أو حرف؟ وقد حكي عن أبي بكر بن السراج، على مكانته في هذه الصناعة، أنه قام أربعين سنة يتردد في (ليس): هل هي فعل أو حرف. والصحيح فيها أنها فعل مشبه بالحروف، بمنزلة (نعم) و (بئس) و (عسى) ونحوها من الأفعال المضارعة للحروف. فمن الأدلة على أنها فعل: كونها تتصل بها ضمائر الرفع على حد اتصالها بالأفعال في نحو قولهم: لست، كضربت، ولسنا، كضربنا، ولستم. كضربتم، وليسوا، كضربوا، ولستن، كضربتن. وكونها يسكن آخرها عند اتصالها بضمير المتكلم والمخاطب في نحو: لست، ولست، كما تقول ضربت، وضربت. وكونها يستتر فيها الضمير الغائب كما يستر في الفعل وذلك في مثل قولك: زيد ليس قائمًا، ولا تقول: زيد ما قائمًا، حتى تقول: ما هو قائمًاً.

стр. 785

وكونها تنصب خبرها مقدمًا، ومؤخرًا، وموجبًا، ومنفيًا، ولا يجوز ذلك في (ما). وكونها تمتنع من أن تكون جوابًا للقسم، لا تقول: والله ليس زيد قائمًا، كما تقول: والله ما زيد قائمًا. وأما وجه شبهها بالحروف: فكونها لا تأتي إلا لمعنى في غيرها، كحروف المعاني، ولا تأتي لمعنى في نفسها؛ ألا ترى أنها تنفي الفعل الحاضر كما تنفيه (ما)؟. وكونها لا تدل على حدث وزمان محصل من صيغتها، ولا تدل على الزمان المحصل الذي قد جرد من الحدث كدلالة الأفعال الناقصة مثل (كان) وأخواتها. وما حكي أنه قد جاء في الشعر (ليسي) على حد قولهم (ليتي)، وذلك نحو قوله: قد ذهب القوم الكرام ليسي [١٦٨/ آ]

стр. 786

ومثال (ليتي) قول الشاعر: كمنية جابر إذ قال: ليتي .... أصادفه وأفقد بعض مالي وإنما قوى كونها فعلًا مضارعًا للحروف أنه قد توجد في كلام العرب أسماء كثيرة مضارعة للحروف، مثل: أين، وأنى، ومتى، وكيف، ونحو ذلك؛ وليست حروفًا على الحقيقة بمشابهتها للحروف. وكذلك في كلامهم أسماء قد شابهت الفعل في كونها تقع أمرًا ونهيًا، مثل: مناع، ولحاق، ودراك، ونزال، بمعنى: امنع، وأدرك، والحق، وانزل، ولم يوجبوا لذلك أنها أفعال، بل قطعوا على أنها أسماء. وليس مشابهة الشيء الشيء في معنى من المعاني يوجب أن تجعله نفس الشيء للشبه به.

стр. 787

المسألة الرابعة قال أبو نزار: قال الله :﴾ إن كان رجل يورث كلالة ﴿وقد ذكر، في نصب (كلالة)، أشياء كلها فاسدة. وخلط ابن قتيبية غاية التخليط. والذي يقال: إن الكلالة قد فسرت بتركة ليس فيها ولد. لا جرم أن الإعراب ينطبق على هذل، فإن المعتاد أن الإنسان إنما يدأب ليترك لولده بعد موته، فإذا حضر الموت ولا ولد له ظهر تعبه. فقوله: (يورث) يقدر بعده: كالا كلالة؛ فإن كلا قد جاء بمعنى تعب، فالمعنى: يورث في حال ظهور كلاله وتعبه. و (كلال) مصدر (كل)، وقد قال سيبويه إن تاء التأنيث تدخل على المصادر المجردة وذوات الزوائد دخولًا مطردًا، فهي

стр. 788

تدل على المرة الواحدة. فنصب (كلالة) لأنه مصدر منقلب عن حال، وما أكثر ذلك في كلامهم!!! ومنه: أرسلها العراك. فقال الراد عليه: يا هذا!! غلطت أولًا في التلاوة بإسقاط الواو من قوله :﴾ وإن كان رجل ﴿، ثم قلت: إن العلماء ذكروا في نصب (كلالة) أشياء جميعها عندك فاسد، وإن تخبيط ابن قتيبة فيها على تخبيطهم زائد. وسأبين صحة أقوال العلماء فيها، وأن الفساد إنما جاء من قلة فهمك لمعانيها [١٦٨/ ب] ومن يك ذا فم مر مريض .... يجد مرًا به الماء الزلالا اعلم أن الكلالة، فيما نحن بصدده، هي في الأصل مصدر قولك: كل الميت يكل كلالة فهو كل، وذلك إذا لم يرثه ولد ولا والد. وكذلك أيضًا يقال: رجل كل: إذا لم يكن له ولد ولا والد؛ فهذا أصل الكلالة، أعني كونها حدثًا لا عينًا، ثم يوقعونها على العين، ولا يريدون بها الحدث، كما يفعلون ذلك بغيرها من

стр. 789

المصادر فيقولون: هذا رجل كلالة، أي: كل. كما يقولون: عدل، أي: عادل. وعلى هذا الوجه حمل جمهور العلماء وأهل اللغة قول الله :﴾ وإن كان رجل يورث كلالة ﴿، فجعلوا الكلالة اسمًا للموروث، ولم يريدوا أنها بمعنى الحدث. فيكون نصب (كلالة) على هذا، من وجهتين: أحدهما: أن تكون خبر كان. والوجه الآخر: أن تكون حالًا من الضمير في (يورث)، على أن تقدر (كان) هي التامة، فيكون التقدير فيه: وإن وقع أو حضر رجل يورث وهو كلالة أي: كل. وعلى هذين الوجهين -أعني في نصب الكلالة- ذهب أبو الحسن سعيد بن مسعدة الأخفش. وأجاز غيره أن تكون الكلالة في الآية على بابها -أعني أن تكون اسمًا للحدث دون العين- فيكون انتصابها أيضًا من وجهين: أحدهما: أن تكون من المصادر التي وقعت أحوالًا، نحو:

стр. 790

جاء زيد ركضًا، والعامل فيه: يورث، على حد ما تقدم. وكلالة هنا مصدر في موضع الحال، كما كان قولهم: هو ابن عمي دنية. والوجه الآخر أن يكون انتصاب (كلالة) في الآية انتصاب المصادر التي لم تقع أحوالًا، ويكون في الكلام حذف مضاف تقديره: يورث وراثة كلالة، وعلى ذلك قولهم: ورثته كلالة؛ وقول الفرزدق: ورثتم قناة الدين غير كلالة .... عن ابني مناف: عبد شمس وهاشم [١٦٩/ آ] أي: ورثتموها عن قرب واستحقاق. فهذه أربعة أوجه من كلام العلماء في نصب الكلالة لا شبهة فيها، ولا إنكار على مستعملها. وقد أجاز قوم من أهل اللغة أن تكون الكلالة اسمًا للوارث، وهو شاذ. والحجة فيه ما روي عن الحسن أنه قرأ:﴾ وإن كان رجل يورث، (ويورث)، كلالة ﴿، وإذا صح هذا الوجه جاز

стр. 791

أن يكون انتصابها على ما انتصبت عليه أولًا، وهو أن تكون خبر كان، أو حالًا من الضمير في يورث، إذا جعلت (كان) تامة. إلا أنه لابد من تقدير حذف مضاف تقديره: وإن كان الميت ذا كلالة؛ وهذا كله واضح بين بعيد من التخليط والإشكال كما زعمت أيها المتشبع المختال، بل عين التخليط المحض، والكلام الذي هو جدير بالنبذ والرفض هو قولك: (إن الكلالة قد فسرت بتركة ليس فيها ولد، وإن المعتاد أن الإنسان إنما يدأب ليترك لولده بعد وفاته فإذا حضر الموت ولا ولد له ظهر تعبه). ثم ذكرت بعد ذلك أنها من المصادر المنصوبة على الحال، فنقضت كلامك، وأوجبت على سامعك ملامك، وذلك أنك زعمت أن الكلالة قد فسرت بتركة الميت، وهذا مذهب من يجعل الكلالة اسمًا للوارث دون الموروث، فيكون على هذا اسمًا للشخص دون الحدث؛ ثم قلت إنها من المصدر المنصوبة على الحال، وإذا كانت مصدرًا فهي اسم للحدث، فهذا تناقض بين.

стр. 792

وقلت: إن الكلالة مشتقة من كل: إذا تعب، وإن التقدير: يورث ذا كلالة، فغلطت، ووهمت، وفي مهامه الجهالة همت. فلو كانت الكلالة مصدر كل: إذا تعب، لكان اسم الفاعل منها كالًا أو كليلًا، ولجاز في المصدر أن يقال: كلًا؛ وكلولًا. والمعروف عند أهل اللغة إنما [١٦٩/ ب] هو كل؛ لأنه يقال رجل كل: لا ولد له ولا والد، وقد كل يكل كلالة؛ فلما ألزموا المصدر بالكلالة واسم الفاعل بالكل علم أن الكلالة ليست مصدرًا لـ (كل): إذا تعب. وأما قولك: (إن المعتاد في الإنسان أنه إنما يدأب ليترك لولده، فإذا حضر الموت وليس له ولد ظهر تعبه) = فهو، بحمد الله، كلام غير محصل، وذلك أنه إذا كان إنما يتعب لولده فينبغي إذا ورث كلالة ألا يكون له تعب؛ إذ لا ولد له!!!. وأقول أنا أيضًا: إن كلام أبي نزار هذا ضرب من الهذيان؛ فإن الذين يضربون في الأقطار ويركبون الأخطار منهم خلق كثير وجم غفير ليس لهم أولاد، ولا يفكرون في شيء مما أراد. ولو كان الأمر كما ذكر لرأيت من لا ولد له وادعًا غير متحرك في

стр. 793

جمع مال، ولا ممتطيًا، في ذلك، متون الأهوال. وقوله: (ظهر تعبه) كلمة سخيفة وعبارة ضعيفة. ثم نعود إلا كلام الراد عليه. قال: وأما قولك: (إن سيبويه قال: إن تاء التأنيث تدخل على المصادر المجردة، وذوات الزيادة دخولًا مطردًا فهي تدل على المرة الواحدة) فهذا منك غلط فاضح، وطريق وهمك فيه بين واضح؛ وذلك أنك بينت أن الكلالة مصدر (كل): إذا تعب، ثم وقع في نفسك أنه لا يجوز أن يكون مصدر كل إلا الكلال، فقلت: لا ينكر دخول الهاء؛ لأن سيبويه قد أجاز دخولها على المصادر، فغلطت في ذلك من جهتين: إحداهما: أن المرة الواحدة في باب المصادر الثلاثية إنما بابها (الفعلة): نحو ضربته ضربة، وقتلته قتلة؛ وذلك هو المطرد فيها؛ وأن المصدر الذي هو الجنس يختلف إلى أوزان مختلفة، ألا ترى أنك تقول: قعدت قعودًا، وجلست جلوسًا، [فإذا أردت المرة قلت: قعدت قعدة وجلست جلسة] لا يجوز غير ذلك؛ لا تقول: جلست جلوسة، ولا: [١٧٠/ آ]

стр. 794

قعدت قعودة، ولو كانت الكلالة يراد بها المرة الواحدة لم يجز هنا إلا الكلة. والجهة الأخرى من غلطك هو جهلك بكون الكلالة جنسًا لا واحدًا من جنس يراد بها المرة؛ وذلك قول الأعشى: فآليت لا أرثي لها من كلالة .... ولا من حفى حتى تزور محمدًا إلا ترى أن الكلالة هنا بمعنى الكلال، وليس يراد بها المرة الواحدة؟. وأما قولك: (إن كلالة مصدر منقلب عن حال) فكلام بين الاضطراب مبني على غير الصواب؛ إذا المصدر إذا صار حالًا فإنما يقال: انقلب إليها لا انقلب عنها؛ لأنه منتقل عن انتصابه على أنه مفعول مطلق إلى انتصابه على أنه حال.

стр. 795

المسألة الخامسة قال أبو نزار: قال سيبويه: لو بنيت من (شوى) مثل (عصفور) لقلت: (شووي). ووجه مذهبه أن الأصل: (شويوي)، لا خلاف فيه، فهو يقلب الياء الأولى واوًا، كما يفعل في (رحى) فإنه (رحوي)، ثم يفتح الواو قبلها، وما قبلها واوًا إلا معتزمًا كسرها، كما في النسب، فلما فعل ذلك انقلبت الواو التي بعدها ياء. وهذا لا يليق بصنعة البناء، ولا يجوز أن يتظاهر بهذا من له صنعة تامة وقوة في علم التصريف، والذي ذكره سيبويه لا يشهد له أصل، ولا يناسب الصنعة، وإنما هو تحكم منه. والصحيح أن يقال إن الأصل: (شويوي)، ويجب أن يمضى القياس في قلب الواوين يائين، لاجتماعهما مع اليائين وسبقهما بالسكون، فصار إلى (شيء) فاختزلت حركة الياء

стр. 796

الثانية، وهي الضمة، ثم حذفت لالتقاء الساكنين، ثم حذفت الياء الأخرى، لأنه بقي ساكنان أيضًا، فبقي (شيء) فقلبت الضمة التي على الشين إلى الكسرة، فصارت إلى (شيء)، كما فعلوا في (بيض) جمع (أبيض)، وإنما هو (بيض)، بضم الباء، ثم كسرت الباء لمجاورة الياء. فإن قيل: فقد أجحفت بالكلمة بهذه الحذوف قلت [١٧٠/ ب]: العرب تمضي القياس وإن أفضى إلى حذف معظم الكلمة، وشواهد ذلك كثيرة. قال الراد عليه: يا هذا!! لقد خضت بحرًا لست من واضه، وركبت جامحًا لست من رواضه. إنك قلت هذه المسألة عن سيبويه فحرفت وجزفت، وأحلت؛ إذ عليه بخطائك أحلت. وأنا أنص كلام سيبويه، ثم أظهر بعد ذلك فساد ما ذهبت إليه، وأوجه هذه المسألة على الوجه الصحيح المطرد الجاري على طريق كلام العرب بمشيئة الله وعونه.

стр. 797

أما نص كلام سيبويه فيها فهو: (وتقول في فعلول من (شويت) و (طويت): شووي وطووي، وإنما حدها، وقد قلبوا الواوين: طيي وشيي، ولكنك كرهت الياءات كما كرهتها في (حيي) حين أضفت إلى (حية) فقلت: حيوي). وهذا كلام قد جمع مع لاختصار البيان، واستغنى عما أوردته في توجيهك، بزعمك، من الهذيان!!. أمل قولك: (والصحيح في هذا، شويوي، ويجب أن يمضى في القياس في قلب الواوين ياءين، فيصير: شيي، ثم تختزل حركة الياء الثانية، وهي الضمة، ثم تحذف لالتقاء الساكنين، ثم تحذف الياء الأخرى لالتقاء الساكنين، فيصير إلى: شي، ثم تكسر الشين فيصير إلى: شي، كما فعلوا في بيض) = فإنك صرفت في هذا التصريف عن وجه الصواب، وأتيت فيه بما لا يصدر مثله عن ذوي الألباب، ما خلا قولك: (إن الوواين قلبنا ياءين لاجتماعهما مع الياءين وسبقهما بالسكون) وهو قول سيبويه الذي بدأنا به.

стр. 798

ألم تعلم أنه تقرر عند جميع النحويين أن كل اسم كانت فيه ياء أو واو، وسكن ما قبلها، أن حركتها لا تختزل لامًا كانت أو عينًا؟ فمثال اللام قولنا: ظبي، ودلو، وكرسي، وعدو؛ ومثال العين: أبيت، وأعين [١٧١/ آ]، وأدور، وأسوق، وأعينة، وأخونة، ومخيط، ومقول، وربما نقلوا حركة الياء أو الواو إلى الساكن الذي قبلها إذا كان يقبل الحركة، وذلك مثل: معيشة، ومشورة. ولهذا قياس يذكر في التصريف؛ فيعلم بهذا فساد قولك: "إن حركة الياء اختزلت" مع كون ما قبلها ساكنًا، وقد تقرر أنه إذا سكن ما قبل الياء والواو في هذا النحو صحتا. وإنما تختزل حركة الياء إذا انكسر ما قبلها في مثل (القاضي)، فإن الياء تكون ساكنة في الرفع والجر؛ لثقل الحركة عليها مع كسر ما قبلها، ولو سكن ما قبلها لصحت. وكذلك الواو أيضًا تختزل حركتها إذا انضم ما قبلها في مثل "يغزو" والأصل فيها أن تكون متحركة بالضم، إلا أنه كره ذلك فيها لثقل الضمة عليها مع تحرك ما قبلها.

стр. 799

وإذا ثبت فساد هذه المقدمة فسد ما بنيته عليها من الحذوف المجحفة الملبسة التي يمنعها جميع النحاة. ثم قلت: (العرب تمضي القياس وإن أفضى إلى حذف معظم حروف الكلمة) فليس هذا القول بصحيح على الإطلاق إنما ذلك في مثل الأمر من (وعى) و (وشى)؛ فإنه يرجع إلى حرف واحد، من قبل أن فعل الأمر من كل فعل معتل اللام لابد من حذف لامه؛ وكل واوا وقعت بين ياء وكسرة في مثل (يعد) و (يزن)، فلا بد من حذفها، فالضرورة قادت إلى ذلك. مع زوال اللبس. وأما مثل (قاول) (وبايع) وما يجري مجراه فليست فيه ضرورة موجبة للحذف، كوجوبها في الأمر من وعى، ووشى. ثم قال الراد: اعلموا أن معرفة هذه المسألة إنما تصح بعد معرفة النسب إلى (حية)، فإذا عرف كيف ينسب إليها عرف كيف يبنى من (شوى) [١٧١/ ب] مثل (عصفور). وذلك أن قياس النسب إلى (حية) يوجب أن يقال فيها على الأصل: (حيي)، فتدخل ياء النسبة المشددة على ياء حية المشددة، فتجتمع أربع ياءات، إلا أن العرب كرهت اجتماع الياءات ففتحوا

стр. 800

الياء الأولى الساكنة، لتنقلب الياء الثانية ألفًا، لكونها قد تحركت وانفتح ما قبلها، فإذا صارت ألفًا على هذه الصورة وهي (حياي) وجب قلب الألف واوًا، لأن ياء النسبة لا يكون ما قبلها إلا مسكورًا، والألف لا تقبل الحركة، وإذا لم يمكن تحريكها وجب أن تقلب إلى حرف يقبل الحركة، وهو الواو، كما فعلوا ذلك في (رحى) و"عصًا"، حين قالوا: (رحوي) و (عصوي)، وإنما لم يقلبوها ياء كراهة اجتماع ثلاث ياءات فقد صار الأصل في (حيوي): (حيي)، ([و (حييي)] و (حياي) ثم (حيوي)؛ فهذا هو الأصل المطرد الجاري في كلام العرب. وعلى هذا يصح لكم كيف يبنى من (شويت) مثل (عصفور)، وذلك أن حقه إذا جاء على الأصل (شويوي)، ثم يجب قلب الواوين ياءين لاجتماعهما مع الياءين وسبقهما بالسكون، فيصير (شيي) مثل قولك: (حيي)؛ و (حيي) قد وجب فيه تحريك الياء الساكنة بالفتحة، ثم قلب الياء الثانية ألفًا، ثم قلبها واوًا بعد ذلك إلى أن صارت إلى قولنا: (حيوي). وكذلك في قولهم: (شيي) فتحوا الياء الأولى الساكنة، فلما تحركت عادت إلى أصلها؛ إذ أصلها أن تكون واوًا، لأنها عين الكلمة من (شوى)، وإنما قلبت

стр. 801

ياءً لسكونها فقلت: (شووي)، ثم قلبت الياء الثانية ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها، فصارت (شواي)، ثم وجب قلب الألف واوًا لمشابهة الياء المشددة التي بعد الألف الياء المشددة التي للنسب. فلما كانت ياء النسبة تقلب الألف التي قبلها واوًا في مثل " (حوي)، إذا نسبت إلى (رحى)، فكذلك تقلب هذه الياء [١٧٢/ آ] المشددة الألف واوًا وإن لم تكن للنسب؛ لأنها صورتها في مثل هذا الموضع؛ فلذلك قلت: شووي، والأصل: (شيي) ثم (شويي)، ثم (شووي) على مساق الأمر في النسب إلى حية. فهذا الذي عليه جميع فضلاء النحاة ولم نعلم أن أحدًا منهم تعداه إلى سواه.

стр. 802

المسألة السادسة قال أبو نزار: قد شاع في كلام العرب حمل الشيء على معناه لنوع من الحكمة، وذلك كنير في القرآن العزيز. ومنه قوله عز اسمه:﴾ لقد أحسن بي ﴿بمعنى: لطف بي، وكذلك قوله عز اسمه:﴾ وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها ﴿قال ابن السراج: حمله على المعنى؛ لأن من بطر فقد كره، والمعنى: كرهت معيشتها، وهذا أكثر من أن يحصى، وعليه قول المتنبي: لو استطعت ركبت الناس كلهم .... إلى سعيد بن عبد الله بعرانا قالوا: معناه: لو استطعت جعلت الناس بعرانًا فركبتهم إليه؛ لأن في (ركبت) ما يؤدي معنى (جعلت)، وليس في (جعلت)

стр. 803

معنى (ركبت). فقيل في جوابه: غيرت لفظ التلاوة، ونقلت معنى الكلمة عما وضعت له. أما لفظ التلاوة فهو:﴾ وقد أحسن بي ﴿. وأما نقل الكلمة فهو تأؤلك (أحسن بي) على (لطف بي. وإنما حملك على ذلك أنك وجدت (أحسن) يتعدى بـ (إلى)، فهي مثل قول القائل: قد أحسنت إليه، ولا تقول: أحسنت به. وجهلت أن الفعل قد يتعدى بعدة من حروف الجر على مقدار المعنى المراد من وقوع الفعل؛ لأن هذه المعاني الكامنة في الفعل، وإنما يثيرها ويظهرها حروف الحر؛ وذلك أنك إذا قلت: خرجت، فأردت أن تبين ابتداء خروجك، قلت: خرجت من الدار فإن أردت أن تبين أن خروجك مقارن لاستعلائك قلت: خرجت على الدابة؛ فإن أردت المجاوزة للمكان قلت: [١٧٢/ ب] خرجت عن الدار، وإن أردت الصحبة قلت: خرجت بسلاحي؛ وعلى ذلك قول المتنبي:

стр. 804

أسير إلى إقطاعه في ثيابه .... على طرفه من داره بحسامه فقد وضح بهذا أنه ليس يلم في كل فعل ألا يتعدى إلا بحرف واحد. ألا ترى أن (مررت) المشهور فيه أنه يتعدى بالباء نحو: مررت به، وقد يتعدى بـ (إلى) و (على)، فتقول: مررت إليه ومررت عليه؟ وكذلك قوه سبحانه:﴾ وقد أحسن بي ﴿، وذلك أن الباء قد جاءت متصلة بـ (حسن) و (أحسن) فتقول: حسن به ظني، ثم تنقله بالهمزة: أحسنت به الظن؛ وكذلك في الإساءة، فيكون التقدير في الآية: وقد أجسن الصنع بي، ثم حذف المفعول لدلالة المعنى عليه، وحذف المفعول كثير في العربية. من ذلك قوله سبحانه:﴾ وأمر بالمعروف وانه عن المنكر ﴿يريد: وأمر الناس بالمعروف وانههم عن المنكر وكذلك قوه :﴾ ربي الذي يحيي ويميت ﴿أي: يحيي الموتى ويميت الأحياء. فيصير المعنى في قوله: (أحسن بي) أي: أوقع جميل صنعه بي. وإذا عديته بـ (إلى) يصير المعنى فيه الإيصال، كأنه قال: أوصل إحسانه إلي، والمعنى متقارب، وإن كان تقدير كل واحد منهما غير تقدير الآخر؛ فليس ينبغي أن يحمل فعل على

стр. 805

معنى فعل آخر إلا عند انقطاع الأسباب الموجبة لبقاء الشيء على أصله، كقوله :﴾ فليحذر الذين يخالفون عن أمره ﴿، والشائع في الكلام: يخالفون أمره، فحمل على معنى: يخرجون عن أمره؛ لأن المخالفة خروج عن الطاعة، وكذلك قوله :﴾ وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له ﴿، والشائع في الكلام: فاستمعوه، وإنما حمل على معنى: أنصتوا. وأقول: إن حمل (فاستمعوا [١٧٣/ آ] له) ههنا على (أنصتوا) لا يحسن، لاسيما وقد قال بعد ذلك: (وأنصتوا)، وإنما المعنى: فاستمعوا له، أي: لما يقول، كما تقول، تكلم زيد فاستمعت له؛ لأن القرآن العزيز المخاطب الآمر الناهي المرشد المحذر. وقد قيل: إن الهاء في (له) تعود على النبي ﷺ . وقيل: معنى (فاستمعوا له) فاعلموا به، كما تقول: قال فما استمعت له، أي: لم أحفل بقوله، ولم ألتفت إليه. رجع الكلام إلى قول الراد على أبي نزار، قال: وأما قولك في بيت أبي الطيب: إنه على معنى (جعلت)

стр. 806

فيصير (ركبت) قد تعدى في هذا الموضع إلى مفعولين؛ فهو غلط منك، وإنما غلطك في ذلك أنك رأيت (بعرانًا) اسمًا جامدًا لا يصح نصبه على الحال، وإنما ينصب على الحال عندك ما كان مشتقًا من فعل كـ (ضاحك) (ومسرع) وهذا وهم منك. وهب أنا سلمنا لك هذا التوجيه الذي وجهت به بيته هذا، فكيف تصنع في بيته الآخر: بدت قمرًا ومالت خوط بان .... وفاحت عنبرًا ورنت غزالًا أتراك تجعل هذه المنصوبات كلها مفعولات، وتتصيد في كل فعل من هذه الأفعال معنى يصير به متعديًا إلى مفعول به؟ وكيف تصنع في قولهم: بعت الشاء شاة بدرهم، وبينت له حسابه بابًا بابًا، وكلمته فاه إلى في؛ فهذا الأسماء الجامدة كلها عند النحويين أحوال، ويكون تقدير قوله: "بدت قمرًا": مضيئة كالقمر، و (مالت خوط بان): متثنية، و (فاحت عنبرًا) أي: طيبة النشر كالعنبر، و (رنت غزالًا) أي: مليحة المنظر كالغزال.

стр. 807

ومما يدلك على أنها أحوال دخول واو الحال عليها إذا صارت جملة، كقولك: بدت وهي قمر، ومالت وهي خوط بان. وكذلك بينت به حسابه بابًا بابًا، المعنى: مبوبًا مفصلًا [١٧٣/ ب]، وبعت الشاء شاةً بدرهم أي: مسعرًا، ويكون قول أبي الطيب على ذلك: ركبت الناس بعرانًا، بمعنى: مركوبين بي وحاملين. وعلى ذلك ما أنشده سيبويه لجرير: مشق الهواجر لحمهن مع الشرى .... حتى ذهبن كلاكلًا وصدورًا ويكون الذهاب ههنا بمعنى السير لا بمعنى الفناء. وذهب أبو العباس وغيره إلى أن (كلاكلًا وصدورًا) نصب على التمييز، ويكون الذهاب بمعنى الفناء، ويكون لهزال قد خص الكلاكل والصدور لا غير، والمعنى الأول هو الصحيح. ومما يدل على أن "بعرانًا" في بيت أبي الطيب حال لا مفعول ثان للجعل= كونه يجوز إسقاطه، ولو كان مفعولًا ثانيًا لم يجز إسقاطه.

стр. 808

ألا ترى أنه لو قال: ركبت الناس إلى سعيد لم يحتج إلى زيادة، ولو قال: جعلت الناس كلهم إلى سعيد وسكت لم يتم الكلام؛ فهذا مما يشهد بفساد ما ذهبت إليه. وأيضًا فإن الركوب لم يجيء في كلام العرب بمعنى الجعل، كما جاء الترك في مثل قول الشاعر: وتركنا لحمًا على وضم .... لو كنت تستبقي على اللحم فعدى (تركت) لما حمله على معنى (جعلت). فأما الركوب بمعنى الجعل فليس بموجود في شيء من كلام العرب.

стр. 809

المسألة السابعة قال أبو نزار: وهذه المسألة سئلت عنها بـ (غزنة) لما دخلتها، فبيَّنت مشكلها للجماعة وأوضحتها، وذلك أنى سئلت عن قول الراجز: وقول إلا ده فلا دهي فذكرت أن هذه من باب كلمات نابت عن الفعل فعملت عمله، وبعضها في الأمر، وبعضها في الخبر؛ نحو: صه، ومه، وبله زيدًا، وهيهات بمعنى بعد. و (ده) في كلام العرب بمعنى صح أو يصح، ألا ترى أن قومًا جاؤوا إلى سطيح الكاهن، وخبؤوا له خبأة، وسألوه فلم يصرح، فقالوا: لا ده، أي: لا يصح ما قلت، فقال لهم: إلا ده فلا ده، حيه بر في إحليل مهر [١٧٤/ ا]، فأصاب؛ فكأنه قال: إلا يصح

стр. 810

فلا يصح أبدًا، لكنني أقول في المستقبل ما تشهد له الصحة، وكان كما قال. إلا أن التنوين الداخل على هذه الكلمة ليس هو على نحو التنوين الداخل على رجٍل وفرٍس، ولكنه تنوين دخل [دلالة] على نوع من تنكير. فقد دخل في كلامهم التنوين على أنحاٍء، منه: دخوله في القوافي تقييدًا حتى في الأفعال، في: من طلٍل كالأتحمي أنهجًا قال الراد عليه:
следующие страницы →