Полный текст (1 072 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.
стр. 806
فيصير (ركبت) قد تعدى في هذا الموضع إلى مفعولين؛ فهو غلط منك، وإنما غلطك في ذلك أنك رأيت (بعرانًا) اسمًا جامدًا لا يصح نصبه على الحال، وإنما ينصب على الحال عندك ما كان مشتقًا من فعل كـ (ضاحك) (ومسرع) وهذا وهم منك. وهب أنا سلمنا لك هذا التوجيه الذي وجهت به بيته هذا، فكيف تصنع في بيته الآخر:
بدت قمرًا ومالت خوط بان .... وفاحت عنبرًا ورنت غزالًا
أتراك تجعل هذه المنصوبات كلها مفعولات، وتتصيد في كل فعل من هذه الأفعال معنى يصير به متعديًا إلى مفعول به؟ وكيف تصنع في قولهم: بعت الشاء شاة بدرهم، وبينت له حسابه بابًا بابًا، وكلمته فاه إلى في؛ فهذا الأسماء الجامدة كلها عند النحويين أحوال، ويكون تقدير قوله: "بدت قمرًا": مضيئة كالقمر، و (مالت خوط بان): متثنية، و (فاحت عنبرًا) أي: طيبة النشر كالعنبر، و (رنت غزالًا) أي: مليحة المنظر كالغزال.
стр. 807
ومما يدلك على أنها أحوال دخول واو الحال عليها إذا صارت جملة، كقولك: بدت وهي قمر، ومالت وهي خوط بان. وكذلك بينت به حسابه بابًا بابًا، المعنى: مبوبًا مفصلًا [١٧٣/ ب]، وبعت الشاء شاةً بدرهم أي: مسعرًا، ويكون قول أبي الطيب على ذلك: ركبت الناس بعرانًا، بمعنى: مركوبين بي وحاملين. وعلى ذلك ما أنشده سيبويه لجرير:
مشق الهواجر لحمهن مع الشرى .... حتى ذهبن كلاكلًا وصدورًا
ويكون الذهاب ههنا بمعنى السير لا بمعنى الفناء.
وذهب أبو العباس وغيره إلى أن (كلاكلًا وصدورًا) نصب على التمييز، ويكون الذهاب بمعنى الفناء، ويكون لهزال قد خص الكلاكل والصدور لا غير، والمعنى الأول هو الصحيح.
ومما يدل على أن "بعرانًا" في بيت أبي الطيب حال لا مفعول ثان للجعل= كونه يجوز إسقاطه، ولو كان مفعولًا ثانيًا لم يجز إسقاطه.
стр. 808
ألا ترى أنه لو قال: ركبت الناس إلى سعيد لم يحتج إلى زيادة، ولو قال: جعلت الناس كلهم إلى سعيد وسكت لم يتم الكلام؛ فهذا مما يشهد بفساد ما ذهبت إليه. وأيضًا فإن الركوب لم يجيء في كلام العرب بمعنى الجعل، كما جاء الترك في مثل قول الشاعر:
وتركنا لحمًا على وضم .... لو كنت تستبقي على اللحم
فعدى (تركت) لما حمله على معنى (جعلت). فأما الركوب بمعنى الجعل فليس بموجود في شيء من كلام العرب.
стр. 809
المسألة السابعة
قال أبو نزار: وهذه المسألة سئلت عنها بـ (غزنة) لما دخلتها، فبيَّنت مشكلها للجماعة وأوضحتها، وذلك أنى سئلت عن قول الراجز:
وقول إلا ده فلا دهي
فذكرت أن هذه من باب كلمات نابت عن الفعل فعملت عمله، وبعضها في الأمر، وبعضها في الخبر؛ نحو: صه، ومه، وبله زيدًا، وهيهات بمعنى بعد.
و (ده) في كلام العرب بمعنى صح أو يصح، ألا ترى أن قومًا جاؤوا إلى سطيح الكاهن، وخبؤوا له خبأة، وسألوه فلم يصرح، فقالوا: لا ده، أي: لا يصح ما قلت، فقال لهم: إلا ده فلا ده، حيه بر في إحليل مهر [١٧٤/ ا]، فأصاب؛ فكأنه قال: إلا يصح
стр. 810
فلا يصح أبدًا، لكنني أقول في المستقبل ما تشهد له الصحة، وكان كما قال.
إلا أن التنوين الداخل على هذه الكلمة ليس هو على نحو التنوين الداخل على رجٍل وفرٍس، ولكنه تنوين دخل [دلالة] على نوع من تنكير. فقد دخل في كلامهم التنوين على أنحاٍء، منه: دخوله في القوافي تقييدًا حتى في الأفعال، في:
من طلٍل كالأتحمي أنهجًا
قال الراد عليه:
стр. 811
قولك: (ده) اسم من أسماء الفعل، ليس صحيح على مذهب الجماعة ومن له حذق بهذه الصناعة.
والصحيح في هذه الكلمة أنها اسم فاعل من: دهي يدهى فهو ده وداه، والمصدر منه: الدهاء والداهي؛ فيكون المراد بـ (ده) أنه فطن؛ لأن الدهاء الفطنة وجودة الرأي. فكأنه قال: إن لا أكن دهيًا، أي فطنًا، فلا أدهى أبدًا. هذا أصله ثم أجريت هذه اللفظة مثلًا، إلى أن صارت يعبر بها عن كل فعل تغتنم الفرصة في فعله، مثال ذلك أن يقول الإنسان لصاحبه، وقد أمكنت الفرصة في طلب ثأر، إن لا ده فلا ده، أي إن لا تطلب الآن ثأرك فلا تطلبه أبدًا.
وهذا الرجز لـ (رؤبة)، وقبله:
فاليوم قد نهنهني تنهنهني
стр. 812
أول حلم ليس بالمسفه .... وقول إلا ده فلا دهي
ومعناه: إلا تفلح اليوم فمتى تفلح، أي: إن لا تنته اليوم فلا تنتهي أبدًا، فهذا معنى (ده) في هذا المثل.
وأما إعرابه فإنه في موضع نصب على خبر (كان) المحذوفة، تقديره: إن لا أكن داهيًا فلا أدهى. ونظير ذلك من كلام العرب: مررت برجل صالح إلا صالحًا فطالح، تقديره: إلا يكن صالحًا فهو طالح، ويروي، إلا صالحًا فطالحًا، على تقدير: إلا يكن صالحًا فقد لقيته طالحًا، ونحو [١٧٤/ ب] ذلك من التقديرات.
وإنما أسكن الياء، وكان من حقها أن تكون منصوبة، من قبل أن الأمثال تتنزل منزلة المنظوم. وهذه الياء حسن إسكانها في الشعر، وهو عندهم من الضرورات المستحسنة، كقول الشاعر:
стр. 813
يا دار هند عفت إلا أثافيها
وكقول الآخر
كفى بالنأي من أسماء كاف
فقد ثبت بهذا أن (ده) اسم فاعل لا اسمًا للفعل، وهي معربة لا مبنية، وتنوينها تنوين الصرف لا تنوين التنكير. ويدلك على أنها ليست من أسماء الأفعال كونها واقعة بعد حرف الشرط؛ ألا ترى أنه لا يحسن: إلا صه فلا صه، و: إلا مه فلا مه، و: إلا هيهات فلا هيهات؟!!
стр. 814
وأما قولك، في آخر المسألة: إن التنوين قد دخل في القوافي تقييدًا في نحو:
من طلل كالأنحمي أنهجًا
فهو غلط قبيح؛ لأن هذا التنوين بدل من ألف الإطلاق. وإذا صح أن الألف للإطلاق فالتنوين للإطلاق. ألا ترى أن القوافي المقيدة هي مالم يكن بعد الروي منها حركة ولا حرف؟!.
وقوله: (أنهجًا) الجيم منه حرف الروي وبعدها حركة وحرف، فعلمت بذلك أنه ليس بمقيد، وإذا لم يكن مقيدًا لم يكن إلا مطلقًا، فالنون إذًا حرف الإطلاق.
стр. 815
المسألة الثامنة
قال أبو نزار: أنشدنا شيخي الفصيحي- ﵀ للأعشى:
آنس طملًا من جديلة مشـ .... ـغوفًا بنوه بالسمار غيل
فسأل عن غيل فقلت: قد جاء: ماد بها ساعد غيل، للممتلئ. ألا ترى إلى قوله:
بيضاء ذات ساعدين غيلين
والسمار: اللبن. كأنه يقول: إن بني هذا الصائد امتلؤوا من شرب اللبن. إلا أن الواحد بناه على (فعال) فقدر (غيلا) على
стр. 816
زنة حمار وكتاب، ثم جمعه على غيل [١٧٥/ آ]، كما قالوا: حمر وكتب. فإن قيل: فما سمعنا (غيالًا) قيل: قد أسلفنا أن العرب قد تنطق بجمع لم يأت واحده فهي تقدره وإن لم يسمع.
فأجيب بأن قيل له: قد أتعبت الأسماع بلغطك وغلطك وأزعجت الطباع بخطائك وسقطك. يا هذا، إن تفسيرك للغيل بأنهم الذين امتلؤوا من شرب اللبن قياسًا على الغيل، وهو الساعة الممتلئ= شيء لم يذهب إليه أحد من أهل اللغة. وإنما ذهبوا إلى أن الغيل هي أن ترضع المرأة ولدها وهي حامل.
واسم ذلك اللبن أيضًا (الغيل)، ولم يقل أحد منهم: إن الغيل هو الامتلاء من شرب اللبن. وإنما فسرت لفظة الغيل في بيت الأعشى على غير هذا، وهو:
стр. 817
إني لعمر الذي حطت مناسمها .... تخدي وسيق إليه الباقر الغيل
على وجهين، أحدهما: أنها الكثيرة، من قولهم: [ماء] غيل، أي كثير. وقيل: الغيل ههنا السمان، من قولهم: ساعد غيل، أي: سمين. والغيل، بمعنى الكثير، هو المراد في البيت الأول، لأنه يصف هذا الصائد بالفقر، وكثرة الأولاد، وأنهم ليس لهم غذاء إلا السمار، وهو اللبن الرقيق.
وأما قولك: إن غيلا جمع غيال، واحد لم ينطق به= فمن أفحش غلطاتك، وأفضح سقطاتك. بل هو جمع غيل، والغيل: الماء الكثير وجمعه: غيل، ونظيره: سَقف وسُقف؛ وكذلك الغيل السمان واحدها غيل أيضًا. وإنما غلطك في ذلك أن الغالب في (فعل) أن يكون جمعًا لـ (فِعال) أو (فَعال) مثل حمار وحمر، وقذال وقذل، فقضيت أن غيلا جمع غيال.
وأما تفسيرك السمار بأنه اللبن على الإطلاق، فغلط يجوز على مثلك من أهل التحريف. وإنما صوابه أن تقول: السمار: اللبن الرقيق أو اللبن المخلوط بالماء؛ لأن تسمير اللبن هو خلطه بالماء [١٧٥/ ب]، فإن أكثر فيه الماء سموه (المضيح)؛ وعليه
стр. 818
قول الشاعر:
فبات ابن شماخ يفسخ عجوة .... ولم يسقنا غير السمار المضيح
وتفسير البيت على وجه الصواب أنه يصف حمار وحش أو ثور وحش آنس طملًا، أي صائدًا، والطمل: الذئب، شبهه به: والطمل أيضًا: اللص. يقول: هذا الثور الوحشي آنس صائدًا له عائلة وأطفال ليس لهم غذاء إلا اللبن المخلوط بالماء، فهو لذلك أشد الناس اجتهادًا في أن ينال صيد هذا الثور الوحشي ليشبع به عياله وأولاده.
стр. 819
المسألة التاسعة
قال أبو نزار: سئلت في بغداد، عن قول الشاعر:
غير مأسوف على زمن .... ينقضي بالهم والحزن
فلم يعرف وجه رفع (غير). وأول من أخطأ فيه شيخنا الفصيحي ﵀، فعرفته ذلك. والذي ثبت الرأي عليه أن المعنى: لا يؤسف على زمن، فـ (غير) مرفوع بالابتداء، وقد تم الكلام بمعنى الفعل، فسد تمام الكلام وحصول الفائدة مسد الخبر، ولا خبر في اللفظ، كما قالوا: أقائم أخواك؟ والمعنى: أيقوم أخواك؟ فـ (قائم) مبتدأ، وسد تمام الكلام مسد الخبر ولا خبر في اللفظ.
فقيل له: قد عجبنا أن أخطأت مرة بالصواب، وجريت في توجيه هذه المسألة على سنن الإعراب.
стр. 820
المسألة العاشرة
قال أبو نزار: تقول العرب: جئت من عنده؛ لأن من قضى وطرًا من شخص فقد صار المعنى عنده غير مهم في نظره؛ لأن الذي انقضى قد خرج عن حد الاهتمام به، وبقس اختصاص الشخص بالموضع المختص بمن كان الغرض متعلقًا به، فأردت أن تذكر انفصالك عن مكان يخصه، فقلت: (من عنده).
فأما إذا كان الإنسان قد اعتزم أمرًا يريده من شخص، فإن المكان القريب من ذلك الشخص لا يهمه، وإنما المهم ذكر الإنسان الذي حاجتك عنده، فالحكمة تقتضي أن يقول: (إليه)،ولم يجز (إلى عنده)؛ هذه حكمة العرب. فأما سيبويه فقال: استغنوا بـ (إليه) عن (إلى [١٧٦/آ] عنده)، كما استغنوا بـ (مثل) وشبهه عن (كـ).
فقال الراد عليه: يا هذا، كانت إصابتك في مسألتك آنفًا فلتة
стр. 821
اغتفلتها، وجميع ما وجهت به في مسألتك هذه خارج عن الأصل المنقول، ولم يذهب إليه أحد من ذوي العقول. وذلك أن الذي ذهب إليه المحصلون من أهل هذه الصناعة هو أن الظروف التي ليست بمتمكنة مثل: عند، ولدن، ومع، وقبل، وبعد، حكمها ألا يدخل عليها شيء من حروف الجر، لعدم تمكنها وقلة استعمالها استعمال الأسماء. وإنما أجازوا دخول (من) عليها توكيدًا لمعناها وتقوية له، ولما لم يجز في شيء منها أن يكون انتهاء إلا بذكر (إلى) لم يجز دخولها عليه تأكيدًا لمعناه، كما كان ذلك في (من)، وقد قدمت أن حكم هذه الظروف ألا يدخل عليها شيء البتة من حروف الجر، للزومها الظرفية وقلة تصرفها. ولولا قوة الدلالة فيها على الابتداء، وقوة (من) على سائر حروف الجر بكونها ابتداءً لكل غاية= لما جاز دخول (من) عليها. ألا ترى أنه قد جاء في كلامهم كون (من) يراد بها الابتداء والانتهاء في مثل: رأيت الهلال من خلل السحاب؟ فخلل السحاب هو ابتداء الرؤية ومنتهاها، فهذا مما يدل على قوة (من) وضعف (إلى)؛ فلذلك أجازوا: من عنده، ومن معه، ومن
стр. 822
لدنه، ومن قبله، ومن بعده، ولم يجيزوا: إلى عنده، وإلى قبله، وإلى بعده؛ فهذه خمسة الظروف لا يدخل عليها شيء من الحروف الجارة سوى (من)، وسبب ذلك ما تقدم ذكره.
وأما قولك: إن سبب ذلك هو أن من قضى وطرًا من شخص فقد صار ذلك الشخص عنده غير مهم في نظره، وخرج عن حد الاهتمام فلم يبق إلا أن يذكر موضعه المختص به، فلهذا قلت: جئت من عنده. وإذا عزم الإنسان على أمر يريده من شخص فإن المكان القريب [١٧٧/ ب] من ذلك الشخص لا يهمه، وإنما المهم ذكر الإنسان الذي حاجتك عنده. فالحكمة تقتضي أن يقول: (إليه)، ولا يقول [إلى] (عنده) = فهذيان المبرسمين دعوى المتحكمين. وذلك أنه لو كان الأمر على ما ذهبت إليه لامتنع أن تقول: رجعت إلى داره [وعدت إلى منزله]، فينبغي على هذا أن يكون الصواب: رجعت إليه، وعدت إليه، ويكون قول من قال: رجعت إلى منزله، وعدت إلى داره، لا يصح كما لا يصح: رجعت إلى عنده؛ لأن المهم إنما هو الشخص دون محله، وإذا امتنع ذلك مع (عنده) فكذلك يمتنع
стр. 823
مع البيت والمنزل وغيرهما.
وأما قولك: (إن المكان القريب من ذلك الشخص لا يهمه)
فإن هذا الكلام يقتضي انه إذا بعد مكانه منه احتيج إلى ذكره، فيقال: رجعت إلى عنده. وذلك أنه إنما جاز إسقاطه لقرب المكان الذي فيه الشخص فاستغنى عن ذكره لقربه، فيلزمه ألا يسقط عند بعده، ولو قدرنا أن جميع ما ذكرته من جواز دخول (من) على (عند)، وامتناع دخول (إلى) عليها صحيح لوجب عليك أن تستأنف جوابًا آخر عن امتناع دخول (إلى) عليها صحيح لوجب عليك أن تستأنف جوابًا آخر عن امتناع دخول (إلى) على (قبل وبعد)، و (مع)، و (لدن)، وجواز دخول (من) عليها وليس في جميع ما ذكرته ما يكون جوابًا عن ذلك، وليس الجواب عند النحويين إلا ما قدمناه؛ فافهم ذلك.
стр. 824
ذكر طرف من أحكام المبنيات
زعم بعض النحاة أن البناء هو الأصل، وأن الإعراب إنما وقع للضرورة. وقد غلط؛ لأن البناء في الأسماء لم يكن الأصل ثم خرجت عنه إلى الأعراب للضرورة؛ لأن الكلام إنما وضع للتفاهم.
وإذا كانت الأسماء لا يفهم المراد بها إلا بالإعراب لم يكن الإعراب طارئًا عليها. فإن قيل: فإنها قبل التركيب مبنية، فدل ذلك على أن الأصل البناء؛ لأن التركيب إنما هو بعد الإفراد= قيل: الأصل هو التركيب؛ لأنها إنما وضعت ليخبر بها وعنها، والإفراد بعد ذلك. وإيرادها غير مركبة ليس الأصل إنما هو خارج عن المقصود الأكبر الذي هو فائدة الكلام. ولو كان البناء في [١٧٧/آ] الأسماء الأصل لم يقل: لم بني (يا زيد) مثلًا؟ لأنه جاء على الأصل؛ فعله البناء في (قبل) و (بعد)، في نحو قول
стр. 825
الله : ﴿لله الأمر من قبل ومن بعد﴾ أنهما لما قطعا من الإضافة، مع أنها مرادة فيهما أشبها في قطعهما عن الإضافة الإتيان ببعض حروف الكلمة فبنيا لذلك.
وإنما بنيا على حركة؛ لأنهما قد كانا معربين في حال الإضافة، فجعل بناؤها على الحركة تنبيهًا على حال الإعراب.
فإن قيل: فلم كانت ضمة؟ قيل: أريد بناؤهما على حركة لم تكن لهما في حال الإعراب؛ لتحالف حال البناء حال الإعراب. وكذلك القول في (أسفل) و (من عل) و (وراء) و (قدام)، وجميع الغايات إذا قطعت عن الإضافة.
وحيث مشبهة بالغايات، لأنها مبهمة في جميع الجهات، والجهات كلها مضافة إلى ما بعدها، وأوقعت (حيث) عليها كلها فبنيت لذلك. وإنما بنيت على حركة هربًا من اجتماع الساكنين، وكانت ضمة؛ لما ذكرته من شبهها بالغايات. ومنهم من بناها على الكسر لالتقاء ساكنين، ومنهم من فتح استثقالًا للضمة
стр. 826
والكسرة مع الياء.
*ومنذ: لابتداء الغاية في الزمان، فبنيت لشبهها بـ (من).
ولا يقال لم بنيت (من)؟ لأن البناء للحروف وبنيت على الضم إتباعًا لحركة الميم.
فإذا قيل: (مذ)، زال الموجب لبنائها على الحركة، وبنيت على السكون الذي هو أصل البناء.
*ويازيد: بني لوقوعه موقع المبني، وهو (أنت)؛ قال:
يامر يابن واقع ياأنتا
أنت الذي طلقت عام جعتا
حتى إذا اصطبحت واغتبقتا
أقبلت مرتادًا لما تركتا
قد أحسن الله وقد أسأتا
وبني على الضم لأنه وقع موقع الضمير المرفوع، والضم
стр. 827
يناسب الرفع.
*وكذلك نحن، بني على حركة لسكون الحاء، وكانت الحركة ضمة لأنه ضمير المرفوع [١٧٧/ ب]. وأما علة بنائه فلأنه ضمير، والضمائر كلها مبنية؛ لافتقارها إلى ما ترجع إليه، فشابهت الحرف في الافتقار، فبنيت.
*وبنيت، قط لأنها مشابهة لـ (قط) الخفيفة؛ لأنك إذا قلت: ما رأيته قط، فقد قطعت الطمع عن الرؤية، فقرب في المعنى من قولك: قط، أي اكتف. وبني على حركة للإدغام، وكانت ضمة؛ لأن بناءه على الكسر يلبس بفعل الأمر؛ لأنه يكون مثل: غط، وبناؤه على الفتح أيضًا يلبس بالفعل الماضي وبفعل الأمر.
*و (أين) و (كيف) بنيا لما تضمناه من الاستفهام، فأشبها حرف الاستفهام. وبنيا على الفتح، لأن السكون لا يمكن،
стр. 828
والضم والكسر مع الياء ثقيل.
*والأفعال الماضية كلها مبنية، ولا يقال لم بنيت؛ لأن أصل البناء للأفعال والحروف. وإنما أعرب الفعل الذي أعرب لمشابهة الاسم. وإنما بني على حركة لأنه قد يقع موقع المعرب في قولك: إن أكرمتني أكرمتك ويقع موقع الاسم المعرب في قولك: ممرت برجل ضحك، كما تقول: مررت برجل ضاحك. وبنيت على الفتح، لأنه أقرب الحركات إلى السكون من قبل الخفة.
*و (أيان) بني لما فيه من معنى الحرف، وهو الاستفهام. وكانت الحركة فتحة من أجل ثقل الكسرة فيه، والضمة من أجل الياء، والألف غير حاجز حصين.
*و (الآن) بني لمخالفته ما عليه الأسماء؛ لأن الأسماء إنما تقع نكرة ثم تتعرف، ووقع هذا من أول أحواله معرفًا بالألف واللام فلما خرج عن شبه الأسماء بني. وبني على حركة
стр. 829
لسكون ما قبل آخره، وكانت فتحة لأتها تناسب ما قبلها.
*شتان وسرعان بنيا لأنهما اسم لـ (بعد) و (سرع). وبنيا على الفتح لما ذكرناه في (الآن). وكذلك علة بناء (هلم) و (هيهات).
*وأسماء العدد من أحد عشر إلى تسعة عشر مبنية إلا اثني [١٧٨/آ] عشر. وإنما بنيت لتضمنها واو العطف؛ إذا كان الأصل عطف الاسم الثاني على الأول. ولم يبن اثنا عشر؛ لأن الألف فيها علامة التثنية، وهي علامة الإعراب، وما أعرب بالحرف لا يصح بناؤه، لأن الحرف لازم له. وبني على اخف الحركات لطوله. وكذلك حضر موت، ورامهرمز، ومارسرجس.
وتقول في المؤنث من العدد: ثماني عشرة، فتفتح الياء، كما تقول: ثلاث عشرة. ومنهم من يسكنها تشبيهًا بـ (معدي كرب).
وقول الشاعر:
ولقد شربت ثمانيًا وثمانيًا .... وثمان عشرة واثنتين وأربعًا
حذف الياء من (ثماني)، وبقيت النون على كسرتها.
стр. 830
*وأمس مبني، وبني لأنه خالف ما عليه الأسماء من لزوم مسمياتها.
*وذا لا يخص يومًا بعينه، ولأنه أشبه المبهم. لأنك إذا قلت: (ذا) أشرت إلى حاضر، ثم لا يلزم المشار إليه بل يزول عنه وينتقل إلى غيره. وكذلك إذا قلت: أمس، أشرت إلى اليوم الذي قبل يومك، ثم يزول عنه كما زال (ذا). وبني على الكسر هربًا من التقاء الساكنين. أو بني على السكون، ثم كسر لالتقاء الساكنين، واختير الكسر لالتقاء الساكنين دون غيره؛ لأن الكسرة إذا كانت إعرابًا كان معها التنوين ولابد، وليس كذلك غيرها؛ فاختيرت هذه الحركة لالتقاء الساكنين؛ لحصول العلم بأنها غير حركة الإعراب لمفارقتها التنوين.
وأيضًا فإن الكسر يناسب السكون، من أجل اختصاص كل واحد منهما ببابه وانفراده به؛ فلما افتقروا إلى تحريك الساكن حركوه بنظيره.
стр. 831
وأيضًا فإن الساكن قد يقع في الفعل. وقد علم أن الفعل لا يدخله الكسر. فلو حرك بالضم أو الفتح لتوهم أن ذلك حركة إعراب لأنهما يدخلانه في حالة الإعراب. وإنما حرك الأول من الساكنين دون الثاني، لأن سكون الأول منع من النطق بالثاني.
*ونزال وأخواته مبني، لأنه اسم لفعل الأمر، ومعناه: انزل.
*والمعدول عن المصدر نحو: فجار وعن الصفة نحو: حلاق، وفساق، وعن فاعله نحو: حذام؛ كل ذلك أشبه نزال فبني.
*ومن بنيت لمضارعتها الحرف في أحوالها: من الاستفهام، والجزاء، وكونها موصولة لأنها بعض اسم [١٧٨/ ب].
*وكم بنيت لمضارعة حرف الاستفهام وفي الخبر شابهت (رب) لأنها للتكثير، و (رب) للتقليل.
*وقط بالسكون اسم للفعل بمعنى: اكتف، وكذلك قد التي في معناها.
*وإذ وإذا بنيتا لمشابهة الحرف في الافتقار إلى ما يوضحهما
стр. 832
مما يضافان إليه. وقيل: لمضارعة (الذي).
*والمبهمات والمضمرات علتهما في البناء سواء، وهو أنهما لا يلزمان ما يرجعان إليه ويقعان عليه، وليس كذلك الأسماء؛ فلما خرجا عما عليه الأسماء بنيا. وإن شئت قلت: شابها الحرف فبنيا، وذلك لافتقارهما. والضمائر كالمبهمات. والأصوات مبنيات كلها، لأنها مدات كأصوات المزامير.
стр. 833
ذكر شيء من أحوال الحروف
من الحروف مالا يتغير ولا تراه زائدًا أبدًا، وهي أوائل هذين البيتين:
ثم زارت حسناء دار شبيب .... خل عنها جاءت صباحًا ذلولا
طالعات ظعونها غائرات .... ضاحيات راحت قليلًا قليلًا
طرف من علم القوافي
للقوافي مخمسات ثلاث: .... حركات، وأحرف، وفساد
فابتداها: رس، وحذو، وإشبا .... ع، ومجرى، وفي النفاذ المراد
стр. 834
والحروف: الروي، والردف، والتأ .... سيس، والوصل، والخروج العماد
والعيوب: الإيطا، والأقوا، والأكفا .... ء، ومنها التضمين، ثم السناد
الرس: هو حركة الحرف الذي قبل ألف التأسيس، ولا تكون هذه الحركة إلا فتحة؛ لأن ما قبل الألف لا يكون إلا مفتوحًا، كقوله:
هجرتك إشفاقًا عليك من الأذى .... وخوف الأعادي واتقاء النمائم
فجركة الميم من (النمائم) هي الرس.
*والحذو: الحركة التي قبل الردف كقوله:
. ..... .... العتابا .... ... ... ... ...
فحركة التاء حذو. وكذلك الكسرة قبل الياء، والضمة قبل الواو إذا كانا ردفين، كقوله:
стр. 835
ولقد نظرت إلى شموس ودونها .... حرج من الرحمن غير قليل [١٧٩/آ]
قد كنت أحسبني كاغنى واحد .... ورد المدينة عن زراعة فول
فكسرة اللام، وضمة الفاء حذو.
*والإشباع: حركة الدخيل، كقوله:
قإن لم تجد من دون عدنان والدًا .... ودون معد فلتزعك العواذل
فكسرة الذال، من (العواذل) هي الإشباع.
*والمجرى: حركة حرف الروي، ككسرة الدال في قوله:
стр. 836
ببرقة ثهمد .... ... ... ... ...
وضمة الميم في قوله:
دمن ألم بها فقال: سلام .... ... ... ... ...
*والنفاذ حركة الوصل، نحو الفتحة في هاء:
... .... ... مقامها .... ... ... ...
والكسرة في هاء:
.. .. .. .... .. .. .. سودائه
стр. 837
وتسمى الحركة قبل الرؤى المقيد التوجيه، كقول رؤبة:
. .... خاوي المخترق
وأما الرؤى فهو الذي تبنى القصيدة عليه. وجميع الحروف تكون رويًا إلا الألف والواو، والياء اللواتي يتبعن ما قبلهن، نحو الألف في قوله:
.. .. .. .. .... قلت: يا ريح بلغيها السلاما
والياء في نحو:
.. .. .. .... .. .. .. منزلي
والواو في نحو:
стр. 838
.. .. .... سقيت الغيث أيها الخيامو
وكذلك ألف التثنية وواو الجمع وياء ضمير المؤنث؛ نحو: قاما، وقاموا، وقومي، لا يكن رويًا إلا إذا انفتح ما قبل الواو والياء، نحو: عتوا، وغزوا، واخشى يا امرأة واسعي؛ فإنهما ههنا يكونان رويًا.
والهاء أيضًا تكون رويًا إذا سكن ما قبلها، ولا تكون رويًا إذا تحرك ما قبلها، نحو (غلامهو) و (صاحبها) و (حمزه) و (طلحة) و (فيمه) و (لمه).
*وأما الردف فالألف أو الياء أو الواو تكون قبل حرف الروي مجاورة له، كالذي يردفه الراكب خلفه.
فإذا كان الردف ألفًا لم يجز معها الواو ولا الياء كقوله:
... ... .... أيها الطلل البالي ....... .... ... ... ...
стр. 839
وأما الواو والياء فغنهما تترادفان في القصيدة الواحدة، كما قال الشاعر [١٧٩/ ب]:
أأن ترسمت من خرقاء منزله .... ماء الصبابة من عينيك مسجوم
كأنها بعد أحوال مضين لها .... بالأشيمين يمان فيه تسهيم
وتستعملان أيضًا ردفًا إذا سكنتا وانفتح ما قبلهما، ولم تخرجا عن حروف المد. وإن اجتمعا في قصيدة واحدة على هذه الحال فذلك جائز أيضًا نحو: (خود) و (زيد). ولكن لا يجوز أن تأتي كل واحدة منها ردفًا وقد انضم ما قبلها، أو انكسر مع مثلها إذا انفتح ما قبلها. ولا تكون واوان ردفًا إحداهما مضموم ما قبلها، والأخرى مفتوح ما قبلها؛ ولا ياءان إحداهما مكسور ما قبلها، والأخرى قبلها فتحة. لا يجتمع في القصيدة الواحدة: (ثوب) مع (حوب)، ولا (عير) مع (عِير)، ويجوز اجتماع (راس)
стр. 840
مع (فلس)، والألف المبدلة من الهمزة تجيء ردفًا، كقول امرئ القيس:
.. .. .. .. .. .... كأن مكان الردف منه على رال
ويجوز أن يكون الردف في كلمة، وحرف الروي في أخرى، كقول الأعشى:
رحلت سمية غدوة أجمالها .... غضبي عليك، فما تقول بدا لها؟
ولا يكون المدغم ردفًا، لعدم المد فيه؛ ولهذا أجاز الخليل (غيا) مع (ظبيا).
*وأما التأسيس فالألف الساكنة التي بينها وبين حرف الروي حرف متحرك أي حرفٍ كان، إلا أنه لا بد منه؛ ولا يجوز أن يكون التأسيس غير ألف، وذلك نحو: (السمالق)، و (المفارق).
وهذا الحرف الذي بين التأسيس وبين الروي هو الدخيل، وحركته
стр. 841
في أكثر الشعر كسرة. وأجاز قوم أن تكون فتحة وضمة أيضًا، وأجازوا الجمع بين الضم والكسر، نحو: التفاخر، والمحابر.
فأما أن يدخل الفتح معهما فذلك مستقبح يجري مجرى السناد في العيوب. وإنما أجيز اجتماع الضم والكسر كما جاز اجتماع الواو والياء ردفين. وقد تقدم أن هذه الحركة تسمى الإشباع [١٨٠/آ].
ولا تكون الألف تأسيسًا إلا إذا كانت مع حرف الروي في كلمة واحدة. فإن كانا في كلمتين لم تكن تأسيسًا، وجاز حينئذ مع الألف غيرها، كما قال عنترة:
.. .. .. .. .. .... والناذرين، إذا لم القهما دمي
فالألف ههنا غير تأسيس؛ لما ذكرنا. إلا أن تكون الكلمة الأخرى التي فيها الروي معه فيها حرف إضمار، فحينئذ يجوز في الألف أن تكون تأسيسًا فلا يقع معها غيرها، ويجوز أن تكون غير تأسيس فيقع معها غيرها.
стр. 842
*وأما الوصل فهو الحرف الذي يكون بعد حرف الروي، ألفًا إن كانت حركة الروي فتحة، أو واوًا إن كانت ضمة، أو ياءً إن كانت كسرة، نحو:
.. .. .. .. ..... جديدًا
و:
.. .. .. ...... اسلمي
و:
ودع هريرة إن الركب مرتحل .... .. .. .. .. ..
وتكون الهاء وصلًا، وهي ثلاثة أضرب:
стр. 843
هاء الضمير، كقوله:
لما رأيت الدهر جمًا حيلة
أخطل والدهر كثير خطله
وهاء التأنيث، كقولي:
لا تقنطن واسأل إله الورى .... تيسيره إن كنت في عسره
والهاء اللاحقة في الوقف لبيان الحركة، كقوله:
بالفاضلين ألي النهي .... في كل أمرك فاقتده
وهاء الضمير وحدها تأتي ساكنة ومتحركة، وغيرها لا يكون إلا ساكنًا فمجيئها متحركة كقوله:
стр. 844
عفت الديار محلها فمقامها .... .. .. .. ..
وحركتها تسمى العماد.
ولا يكون وصلًا إلا هذه الأربعة. والأصل في الوصل حروف المد؛ لاحتياجهم إليها في الترنم والحداء والغناء، واستعملت الهاء معهن لقربها منهن. أما هاء التأنيث فلها بالألف شبه خاص لأن ما قبلها لا يكون إلا مفتوحًا. وأما هاء السكت فإنها تقع معها في محل واحد، كقولك: أنا، وأنه؛ وكلها يشبه الألف وأخواتها في الرخاوة والخفاء.
*وأما الخروج: فما وقع من حروف المد واللين الثلاثة بعد هاء الإضمار التي تكون وصلًا لا غير، نحو: (مالها)، و (أجمالهوا)، و (وصالهي).
*وأما الإيطاء فهو تكرير القافية [١٨٠/ ب]، وذلك إذا تحد اللفظ والكعنى، وزاد الخليل في ذلك (دخول العامل) يعد
стр. 845
ذلك إيطاء وإن اختلف المعنى. مثال ذلك: أن (الثغر) من الفم و (الثغر) من ثغور الإسلام متى أتيا في شعر واحد قافية فذلك إيطاء، لأن العامل يدخل عليها جميعًا. فأما (ذهب)، الذي هو فعل و (ذهب) الذي هو اسم، فإن وقعا قافية نحو:
ليس يرد الزمان ما ذهبا .... ولو بذلنا في رده ذهبا
فذلك عنده ليس بإيطاء.
وأما غير الخليل نحو النضر بن شميل، والأخفش، والجرمي، ومؤرج، وكل أصحاب القوافي= فإنهم لا يعدون اتفاق اللفظ مع اختلاف المعنى إيطاء.
ومتى اتفق اللفظ والمعنى فذلك قبيح. إلا أن الأخفش يقول: إذا كان أحدهما معرفًا، والآخر نكرة فليس بإيطاء.
*وأما الإقواء فهو أن يرفع آخر البيت، ويجر آخر الآخر،
следующие страницы →