Полный текст (678 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(وبه استعين) [٣ - أ]
الحمد لله المسبح بالغدو والآصال، المقدس عن مضاهاة الأمثال، الموصوف بالجمال والجلال، خالق الإنسان من الطين اللازب والصلصال، ومدبر الخلق بين دوري الأدبار والإقبال، وطوري الهداية والضلال، فـ «من يهد [الله] فماله من مضل». و «من يضال [الله] فماله من والٍ». والصلاة على محمد [رسوله] المصطفى وعلى آله خير آل.
أما بعد: فإن إلحاحك -إيها المسترشد -في اقتراحك، ولجاجك في إظهار احتياجك، إلى «شفاء الغليل»، في بيان مسالك التعليل: من
стр. 2
المناسب والمؤثر والشبه والطرد والمخيل -صرم لجاجي في التسويف والتساهل، وحل [عقدة] عزمي في المماطلة والتكاسل، فانجررت إلى تحقيق أربك، واستخرت الله تعالى في إسعافك بمطلبك، وأتيت فيه بالعجب العجاب، ولباب الألباب، وكشفت عن وجوه أسراره غمة الحجاب، وقشعت عن مغمضاته غواشي الارتياب.
وأنا أنبهك -أيها المسترشد -على شاكلة الصواب، قبل أن أخوض بك في غمرة الكتاب، وأقدم إليك نصيحة مشوبة بخشونة؛
стр. 3
فلا يزوينك عنها مرارة مذاقها، وخشونة ملمسها فنصيحة في تخشين خير من خديعة في لين.
وهي: أن هذا الكتاب لن يسمح بمضمون أسراره على مطالع، ولن يجود بمخزون أعواده على مراجع؛ إلا بعد استجماع شرائط أربع:
الشريطة الأولى: كمال آلة الدرك: من وفور العقل، وصفاء الذهن، وصحة الغريزة، واتقاد القريحة، وحدة الخاطر، وجودة الذكاء والفطنة.
فأما الجاهل البليد، فهو عن مقصد هذا الكتاب بعيد.
وهذه شريطة غريزية، وقضية جبلية، وهي من الله تعالى تحفة وهدية، ونعمة وعطية، لا تنال ببذل الجهد والاكتساب، وتنبتر دون دركها وسائل الأسباب.
الشريطة الثانية: استكداد الفهم، والاقتراح على القريحة،
стр. 4
[واستعمال الفكر]، واستثمار العقل بتحديق بصيرته إلى صواب الغوامض: بطول التأمل، وإمعان النظر، والمواظبة على المراجعة، والمثابرة على المطالعة، والاستعانة بالخلوة وفراغ البال، والاعتزال عن مزدحم الأشغال.
فأما من سولت له نفسه درك البغية بمجرد المشامة والمطالعة: معتلاً بالنظر الأول والخاطر السابق، والفكرة الأولى، مع تقسيم الخواطر، واضطراب الفكر، والتساهل في البحث والتنقير، والانفكاك عن الجد والتشمير -فاحكم عليه بأنه مغرور مغبون، وأخلق به أن يكون من ((الذين لا يعلمون الكتاب إلى أماني وإن هم إلا يظنون)).
فصاحب هذه الحالة سيحكم -لا محالة -على لفظ الكتاب بالإخلال: متى استغلق عليه، وعلى معناه بالاختلال: متى لم يبث أسراره إليه.
стр. 5
وكم من عائب قولاً سليماً ... وآفته من الفهم السقيم
الشريطة الثالثة: الانفكاك عن داعية العناد، وضراوة الاعتياد، وحلاوة المألوف من الاعتقاد، فالضراوة بالعادة، مخيلة البلادة؛ والشغف بالعناد، مجلبة الفساد؛ والجمود على تقليد الاعتقاد، مدفعة الرشاد. فمن ألف فنا، علما كان أو ظنا: نفر عن نقيضه طبعه، وتجافى عنه سمعه، فلا يزيده دعاؤك إلا فراراً أو نفارا، ولا يفيده ترغيبك إلا إصرارا واستكباراً:
стр. 6
ومن يك ذا فمٍ مرٍ مريضٍ ... يجد مراً به الماء الزلالا
الشريطة الرابعة: أن يكون التعريج على مطالعة هذا الكتاب، مسبوقاً بالارتياض بمجاري كلام الفقهاء في مناظراتهم، ومراقي نظرهم في مباحثاتهم، محيطاً بجليات كلام الأصوليين، محتوياً على أطراف هذا العلم، خبيراً بمنهاج الحجاج، كثير الدربة والمران بمصنفات أهل الزمان، متعطشاً إلى درك أسرارٍ شذت عن المصنفات، متشوقاً إلى الإطلاع على حقائق أخفاها عن بني الدهر طارق الآفات.
فإني سقت الكلام في هذا الكتاب، على نهاية الانقباض عن التعرض لما اشتمل عليه كتاب «المنخول، من تعليق الأصول»، مع أنه النهاية في الوفاء بطريقة إمامي فخر الإسلام: إمام الحرمين، قدس الله
стр. 7
روحه. وأنحيت على تقرير أمور خلت عنها هذه الطريقة، وقد أحوج إلى استقصائها كلماتٌ تداولتها ألسنة المتلقفين من كتب القاضي أبي زيد الدبوسي ﵀، فغلبت على كلام الخصوم في مجاري الجدال والخصام، وقد انسدل على وجهها جلباب من التعقيد والإبهام، فأورث ذلك على المعترضين خبطاً في الكلام. فوقع الكشف عن عوارها، والتنبيه على غوائلها وأغوارها -من الكتاب - بعض المقصد والمرام.
* * *
стр. 8
ولقد أتيت فيه باليد البيضاء، والمحجة الغراء، والحجة الزهراء؛ وسيعترف لي به من له [؟ لم] تحركه رذالة الحسد إلى الطعن والإزراء.
ولست تعدم -أيها المسترشد -رهطا يستجمعون الشرائط التي قدمتها، ويستخرجون من هذا الكتاب الأسرار التي إياه ضمنتها وأودعتها، ثم يقابلونه بالجحود، والكتمان والكنود، ويستدرون فوائده باطنا وهم في الظاهر يذمون، و ((إن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون)). والمعجب بنفسه إذا لاح له الحق [لا يزداد] ما استطاع في غلوائه إلا غلواً. ((وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً)):
يذمون دنيا لا يريحون درها ... فلم أر كالدنيا: تذم وتحلب
стр. 9
فلا يخذلنك -أيها الطالب - خذلانهم، ولا يغرنك جحودهم وكتمانهم: فالدر الأزهر، والياقوت الأحمر، والزبر جد الأخضر، والمسك الأذفر؛ لا يخشى على أسواقها الكساد، بتهجينات] ٤ - أ [الحساد. فنسترزق الله الهدى لسبل الرشاد والسداد، ونعوذ به من دواعي الضلال والعناد.
وها أنا أفصل لك من مضمون هذا الكتاب تراجمه، ومن مقاصده معاقده ومناظمه.
ولقد قدمت لك مقدمة في صدر الكتاب، على نهاية الإيجاز، في بيان معاني القياس والعلة والدلالة. ثم قسمت مقصود كتاب القياس إلى خمسة أركان:
الركن الأول: في طرق إثبات علة الأصل. الركن الثاني: في العلة. الركن الثالث: في الحكم. الركن الرابع: في الأصل الذي عليه القياس. الركن الخامس: في الفرع الملحق بالأصل.
فأما الركن الأول: فقد نصلت فيه طرق إثبات العلة: بالتنصيص والتنبيه والإيماء، على نهاية الاستقصاء.
ثم ذكرت بعده إثبات العلة، بالتأثير، وذكرت معنى المؤثر.
стр. 10
ثم ذكرت [بعده] إثبات العلة: بالمناسبة، وذكرت معنى «المناسب» وحده وأقسامه، وخيال الفرق بينه وبين المؤثر. وأردفته بيان الاستدال المرسل، وكثفت الغطاء فيه بتكثير الأمثلة.
ثم ذكرت طريق إثبات العلة: بالاطراد والانعكاس. ثم انحدرت منه إلى بيان «الشبه» وطريق إثباته. ثم نزلت منه إلى بيان «الطرد» وما يتعلق [منه] بالجدال، وما يرتبط بالاجتهاد. ونبهت على غلطات بني الزمان في الفرق بين الشبه والطرد.
ثم أتبعت ذلك بباب في بيان ما تعدد العامة من الشبه وليس منه. وذكرت في هذا الباب تفصيل القول في الشبه في جزاء الصيد، والفرق بينه وبين الشبه المعروف في لسان الفقهاء. وذكرت كيفية النظر في التغليب عند ازدحام مناطين للحكم، أو عند تركب المسئلة من شائبتي مناطين متعددين. وأظهرت وجه لفرق بين الجنسين، ووجه انقطاعهما عن قياس الشبه.
واختتمت الباب بيان فن من التصرف، عبرت عنه: بتنقيح مناط الحكم. وذكرت في الباب الأخير أشكال المقاييس، وانقسامها
стр. 11
إلى برهان الاعتلال، وبرهان الخلف، وبرهان الاستدلال. وبينت انحصار طرق الأدلة في الاستدلال بالخاصية والنتيجة والنظير. ورددت برهان الاعتلال -على انتشار أقسامه -إلى مقدمتين ونتيجة، و [بينت] أن النزاع إما أن يقع في المقدمة الأولى، وإما أن يقع في الثانية؛ وأنه إن وقع في الأولى: لم يقع الدليل عليه إلا شرعيا، وإن وقع في الثانية: أمكن أن يكون [الدليل] شرعياً عقلياً ولغوياً.
وأما الركن الثاني في العلة، [فقد] ذكرت فيه وجه إضافة الحكم إلى العلة، فأفضى سياق الكلام إلى استقصاء مسئلة تخصيص العلة،
стр. 12
ومسئلة الجمع بين العلتين لحكم واحد، ومسئلة العلة القاصرة، ومسئلة تعليل الحكم في محل النص بالعلة.
واختتمت هذا الركن ببيان الفرق بين العلة والمحل، وخرجت] ٤ - ب [عليه مسئلة شريك الأب، وشراء القريب، ورجوع شهود الإحصان مع شهود الرجم، وتقديم الكفارة على الحنث، واختصاص المردي عن الحافر بالضمان، وتعليق الطلاق بالملك. إلى غير ذلك: من مسائل يتشعب النظر فيها عن هذا الأصل.
وأما الركن الثالث -وهو ركن الحكم -[فقد] ذكرت فيه بيان ما يجوز أن يثبت بالقياس: من الأحكام، وما لا يجوز [وأن نصب الأسباب للأحكام أحكام يجوز تعليلها]، على خلاف ما تشبث به المتلقفون عن أبي زيد، فإن ما ذكروه-: من أن الأحكام تناط بالأسباب،
стр. 13
لا بالحكم -لا طائل له.
وذكرت فيه طريق الكلام في النفي الأصلي في الأحكام، وأن القول فيه بقياس العلة محال، وأن المسلك فيه محصور في الاستدلال؛ وأن الطريق فيه إما سبر، وإما دلالة، وإما استصحاب. وذكرت طريق الاستصحاب، ووجه التعلق به.
وأما الركن الرابع -وهو ركن الأصل -[فقد] ذكرت فيه شرائط الأصل الذي يقاس عليه. وأنه إذا نبت حكمه بالعقل أو اللغة أو القياس: امتنع القياس عليه. وأن الأصل المعدول به عن القياس كيف يقاس عليه. وما معنى قول الفقهاء: «إن هذه المسئلة خارجة عن القياس؟» وأين يجوز أن يدعى ذلك؟ وأين تمتنع هذه الدعوى؟
وأما الركن الخامس -وهو ركن الفرع -[فقد] ذكرت فيه مسئلتين، أحداهما: تقدم الأصل على الفرع كالوضوء مع التيمم. والأخرى: [في] أن شرطه أن لا يكون منصوصاً عليه، وأن قياسنا في كفارة الظهار في شرط الإيمان، وقتل العمد في إيجاب الكفارة -لا يناقض هذا الشرط.
وبه وقع اختتام الكتاب. وسميته: شفاء الغليل، في بيان الشبه والمخيل ومسالك التعليل.
وسأضيف إليه -إن ساعدوني التوفيق -كتاباً على مذاقه: في طرق التخصيص والتأويل.
стр. 14
واقتصرت الآن على مقاصد القياس. وما أخللته من كتاب القياس: مما لم اتعرض له؛ فهو منقسم إلى ما رأيته جليا يستغنى بكتاب المنخول عنه، وإلى ما لا تمس الحاجة إليه في المناظرات إلا نادراً. فقصرت همي على الأغمض، ثم اجتزيت منه بالأهم.
وإني لأرجو أن يعم جدواه، وينكشف للطلبة مغزاه، ويفوح
стр. 15
لهم رياه. وآمل من الله غفراناً لا يدرك أقصاه، وعفوا لا ينتهى مداه، إذا عنت الوجوه وخرست الألسن وجفت الشفاه، وخضعت الرقاب، وجحظت الأعين، وسجدت الجباء! فما أحسن عبد بربه ظنه إلا أرضاه، وآتاه سؤله ووفاه، فهو الجواد الكريم الفرد الصميد الإله.
* * *
стр. 16
ال مقدمة المرسومة قبل الأركان الخمس
فلابد من ذكر مقدمة في حد القياس وصورته، [وبيان معنى العلة والدلالة]، وبيان قسمته، والتنبيه على مجاري النظر فيه.
أما حده، فقد اختلفت فيه الصيغ والعبارات. ولسنا للتطويل في هذا الكتاب، فيما لا يتعلق به كبير فائدة.
والعبارة المعرفة للمقصد المطلوب، أن يقال: «القياس: عبارةٌ عن إثبات حكم الأصل في الفرع، لاشتراكهما في علة الحكم».
стр. 17
فهذا القدر كاف في البيان.
وإن أردت عبارة محترزة عن الاعتراضات -[التي تهدف الحدود لأمثالها في عبارة المتكلمين وأرباب الصناعات] في الحدود -قلت: هو: حمل معلوم على معلوم في إثبات حكمٍ أو نفيه، بالاشتراك في صفة أو انتفاء صفة، أو حكم أو انتفاء حكم. فهذا أحوى لجميع أقسام الكلام، وأحصر لجملة الأطراف.
وفي الأول غنية عنه: فإنه مفيد للبيان الذي نبغيه، وهو بيان قياس المعنى، إذ هو المشتمل على بيان علة الحكم.
فإن أردت أن تضم إليه قياس الشبه والطرد -عدلت إلى العبارة الأخرى: فإن جميع ذلك على شكل القياس وإن كان ينقسم إلى صحيح وفاسد، فإن الفاسد أيضاً قياس.
وعلى الجملة [أيضاً] لابد من التسوية بين الشيئين: لتتحقق صورة القياس، فإن مشتق من قول العرب: قاس الشيء بالشيء، إذا حذا به حذوه وسواه عليه، يقال: قاس النعل بالنعل، إذا سواه عليه.
стр. 18
فإن قيل: فهل من فرق بين القياس والعلة؟
قلنا: نعم؛ فإن العلة في تصورها لا تستدعي أصلاً وفرعًا، ولكن إذا ذكرت السبب المؤثر في الحكم، فقد ذكرت [علة الحكم].
والعلة [في الأصل]: عبارة عما يتأثر المحل بوجوده، ولذلك سمي المرض: علة.
وهي في اصطلاح الفقهاء على هذا المذاق.
نعم: قد يسمى القياس علة، لأنه يشتمل على علة الحكم، وهي الركن الأعظم من مقصود القياس، كما يسمى القياس: نظراً واجتهاداً ودليلاً واعتلالاً؛ لأنه يستدرك بالنظر والاجتهاد، ويدل على الحكم، ويشتمل على ذكر العلة: فيسمى اعتلالاً.
وتسمية العلة بمجردها قياساً، لا وجه له. وإن تسامح بعض الفقهاء بإطلاقه، فذلك لتقسيمهم المسائل -في عرفهم - إلى الخبرية والقياسية؛ فما لا يتعلق منه بالخبر تسمى قياسية: لأن الغالب في المسائل التي ليس خبرية، فيعنون بكونه قياسا: أنه ليس خبريا.
فإن قيل: فهي من فرق بين الدلالة والعلة؟
قلنا: نعم؛ فكل علة يجوز أن تسمى دلالة، لأنها تدل على الحكم، فالمؤثر أبداً يدل على الأثر. ولا تسمى كل دلالة علة، لأن الدلالة [قد] يعبر بها عن الأمارة التي توجب: فلا تؤثر، فالغيم
стр. 19
الركم دليل على المطر وعلته أيضاً، لأنه يؤثر فيه. والكوكب دليل على القبلة، وليس علة فيها. فما للدلالة حظ في الإيجاب.
والعلة موجبة؛ أما العقلية فبذاتها، وأما الشرعية فبجعل الشرع إياها [علة] موجبة، على معنى إضافة الوجوب إليها، كإضافة وجوب القطع إلى السرقة، وإن كنا نعلم أنه إنما يجب بإيجاب الله تعالى؛ ولكن ينبغي أن نفهم الإيجاب كما ورد به الشرع، وقد ورد بأن السرقة توجب القطع، والزنا يوجب الرجم. ففي هذا تفترق الدلالة والعلة.
وسنتقصى [وجوه] الدلالات -التي ليست من قبيل الأقيسة، ولا من قبيل العلل -في الباب الثاني [إن شاء الله تعالى].
стр. 20
أما الأمارة، والآية، والبينة، والحجة، والبرهان -فإنها من الأسامي العامة ولا غرض لنا في بيان اشتقاقاتها وحدودها. وإنما [الغرض و] المقصود تمييز العلة عن الدلالة والأمارة.
وأما القياس: فإنه مشتمل على العلة، إذا العلة بعض أجزائه، كالبيت: يشتمل على الجدار ويتضمنه.
هذا حد القياس وصورته [وما اتصل به: من الفرق بين العلة والدلالة وغيره].
وأما قسمته، فهي -في غرضنا -تنقسم إلى قياس الشبه، وقياس المعنى. والباب معقود لبيان القسمين، وشرائطهما، ووجه الفرق بينهما.
والنظر فيهما في خمسة أركان: الأصل، والفرع، والحكم، والوصف الجامع، وطريق معرفة كون الوصف الجامع علة للحكم. لأنا ذكرنا أن القياس عبارة: عن «إثبات حكم الأصل في الفرع، بالاشتراك في علة الحكم» فتعرضنا لهذه الأمور الخمسة. ولابد من استقصاء النظر فيها.
стр. 21
الركن الأول في طريق معرفة كون الوصف الجامع علة لحكم الأصل
حتى يترتب على وجودها الحكم في الفرع
فذهب ذاهبون: إلى أن إقامة الدليل على علة الأصل غير واجب. إذ [قد] تحقق صورة القياس بمجرد الجمع؛ والأصل أن كل وصف يذكر في الأصل علة، إلا أن يمنع [منه] مانع.
وهذا هذيان لا حاصل له: فإن الأصول تنقسم إلى ما يعلل، وإلى ما لا يعلل. ومع الاتفاق على صحة [تعليل حكم] الأصل، اتفقوا على صحة هذا الانقسام. فيحتمل أن لا يكون الأصل معللاً؛ [وأن كان معللاً: احتمل أن لا يكون معللاً] بهذا الوصف المذكور. فلابد من دليل يميز هذا الوصف عن سائر الأوصاف الموجود في الأصل، لينبني على الاشتراك فيه الاشتراك في الحكم.
فإذا تبين أن ذلك لابد منه، فكون الوصف علة لحكم الأصل -يعرف بمسالك:
المسلك الأول: النص في جهة الشارع، وذلك: بأن يأتي بصيغة
стр. 22
التعليل، كقوله: العلة كذا، أو الأجل كذا، أو لسبب كذا؛ أو ما يقوم مقامه، ويفيد معناه. فهو صريح في التعليل [به] [وذلك] كقوله تعالى: ﴿كيلا يكون دولة بين الأغنياء منكم﴾، وهذا صريح في التعليل [به]. [و] كقوله ﵇ في النهي عن لحوم الأضاحي: «إنما نهيتكم لأجل الدافة» وكقوله ﵇ في الأعرابي المحرم الذي وقصت به راحلته: لا تخمروا رأسه ولا تقربوه طيبا، فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً» وهو صريح في التعليل، ولذلك] ٦ - أ [نطرده في كل محرم سوى ذلك الأعرابي. ويبطل قول أبي حنيفة ﵀: إن ذلك [كان] من
стр. 23
خصائص [ذلك] الأعرابي، إذ اطلع رسول الله ﷺ من حاله، على ما أخبر عنه، لنوع ورع وفضيلة اختصت به.
قلنا: ليس الأمر كذلك؛ إذ التخمير والتطييب مأمور به في حق الموتى، ومنهى عنه في حق المحرمين. والذي يسبق إلى الأفهام، أن الموت قاطع للإحرام، وإذا انتفى الإحرام رجع التخمير إلى الأصل المعهود؛ فنهى عن التخمير، وذكر أن علته بقاء الإحرام بعد الموت، فكان التخمير منهيا عنه: لبقاء علته؛ وعرف بقاء العلة [بقوله ﵇]: فإنه يحشر يوم القيامة ملبيا» فإن [الإحرام باق بعد الموت شرعا. وعرف به أيضاً أنه] علل النهي ببقاء الإحرام، ونزل ذلك منزلة قوله ﵇ -في الشهداء: «زملوهم بكلومهم
стр. 24
ودمائهم، فإنهم يحشرون يوم القيامة وأوداجهم تشخب دما» فبين أن أثر الشهادة يبقى بعد الموت، وأن المنع من الغسل معلل بتضمنه إبطال أثر الشهادة.
وهذا القدر كاف في هذا القسم، فإن صرائح التعليل ليست مما يخفى.
ولما كانت العلة الشرعية معلومة بالشرع، ولم تنحصر الطرق الشرعية في البيان والتعريف على النصوص -بل من طرق التنبيهات، ومن طرقه الاستنباط والنظر -: جاز أن يعرف كون الشيء علة بتعريف الشرع بألفاظ وأفعال هي منبهة على العلة وإن لم يكن صريحا [به] وجاز أن يعرف بطرق النظر والاستنباط، كما أن الأحكام في أنفسها لما كانت شرعية: جاز معرفتها بجميع هذه الطرق، فنصب الشيء علة حكم من جهة الشرع، كما أن إثبات الحرمة والحل في فعل من الأفعال حكم [من جهة الشرع] فجاز أن تعرف بكل طريق تعرف به الأحكام.
* * *
стр. 25
المسلك الثاني: في إثبات العلل بالتنبيهات من [جهة] الشارع، ووجوهها مختلفة ومراتبها في إفادة الظن متقاربة، وإن كانت لا تنفك عن ضروب من التفاوت في الخفاء والجلاء؛ وهي أنواع:
النوع الأول منها: أن يرتب الحكم على الفعل بفاء التعقيب والتسبيب؛ فهو تنبيه على تعليل الحكم بالفعل الذي رتب عليه.
كقوله تعالى: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾، وكقوله جل من قائل: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا﴾ وقوله تعالى: ﴿فإن كان الذي عليه الحق سفيهاً أو ضعيفاً أو لا يستطع أن يمل هو فليممل وليه العدل﴾ وقوله ﵇: «من أحيا أرضاً ميتة فهي له»، وقوله تعالى ﴿ومن لم يستطع منكم
стр. 26
طولاً أن ينكح المحصنات المؤمنات، فمما ملكت أيمانكم من فتياتكم] ٦ - ب [المؤمنات﴾، وقوله تعالى: ﴿فلم تجدوا ماءً فيتمموا﴾ وقوله ﵇: «ملكت نفسك فاختاري» وقوله: «لعن الله اليهود: حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها».
فدل ذلك على أن القطع معلل بالسرقة، وأنها سببه. وأن سبب الوضوء الصلاة. وسبب تكفل الولي بإملاء الحق ضعف المولى عليه وسفهه وعجزه. وسبب ملك الموات الأحياء. وسبب إباحة نكاح الإماء العجز. وسبب جواز التيمم فقد الماء. [وسبب التخيير العتق. وسبب اللعنة أكلهم أثمان الشحوم].
стр. 27
فكل ذلك تبنيه على إضافة الأحكام إلى الأسباب، ونصب الأسباب عللاً فيها، حتى يقال: تكفل الولي بالإملاء وإن ورد فيه التداين، فالحكم غير مقصور على التداين، بل يجرى في سائر التصرفات المتعللقة بالمصلحة، لتعدي العلة في أمثال ذلك.
ومن هذا القسم: دخول الفاء في كلام الراوي، كقوله: «زنا ماعز فرجم» و «سها رسول الله ﷺ -فسجد»، و «رضخ يهودي رأس جارية فرضخ رسول الله ﷺ رأسه».
стр. 28
تدل هذه الصيغة من الراوي، على أنه فهم الحكم، وفهم سببه أيضاً.
ولو لم يفهم كون الرجم موجب الزنا، وكون السجود موجب السهو، وكون الرضخ موجب الرضخ -: لما جاز له أن يروى على هذا الوجه، ولكان كلامه كقوله: أكل ماعز فرجم، وقام النبي ﵇ في الصلاة فسجد.
فإذا قيل له: كيف ذلك؟ قال: «أكل ماعز فرجم لا لأجل الأكل، ولكن لأجل الزنا. وسجد لا لأجل القيام، ولكن لأجل السهو. ولكن جرى الرجم والسجود عقيب الأكل والقيام، كما جرى عقيب الزنا والسهو».
فقال: هذا من هجر الكلام وألغازه. فالصيغة المذكورة موضوعة للتنبيه على التعليل، فاستعمالها لإرادة الجريان عقيبها من غير تعليل -خبط من الكلام لا يصدر إلا من [غرٍ] غبيٍ، أو ممن يؤتى عن حصرٍ وعيٍ.
فإن قيل: بم تنكرون على من يقول: مستند معرفة العلل المناسبة والإخالة والإشعار المعنوي، دون التنبيه اللفظي؛ وهذه الأسباب التي ذكرتموها جميعها مناسب لمسبباتها، ففهم التعليل لذلك، لا للتنبيه من جهة اللفظ؟
стр. 29
قلنا: ليس الأمر كذلك. فإن هذه الصيغ للتعليل بالأسباب المذكورة وإن كانت الأسباب لا تخيل، وهذا كقوله ﵇: «من مس ذكره فليتوضأ» [فهو] تنبيه على تعليل الوضوء بالمس ونصبه سبباً فيه، وإن كان لا يخيل.
وكذلك إذا قال: من أكل شيئًا مما مسته النار فليتوضأ»، و «من قاء أو رعف أو أمذى فليتوضأ».
فكل ذلك لا مناسبة فيه: فإن الأكل والمس لا ينبئان عن الوضوء؛ بل خروج المذي من المنفذ لا يناسب غسل الوجه واليدين، فإنه غسل في غير محل النجاسة؛ ويفهم بالصيغة -من حيث التنبيه -
стр. 30
جعله إياه سبباً.
وإن أردنا أن نبعد في التصوير، حتى لا يتشوف موسوس في الفكرة إلى تكللف استنباط مناسبة من هذه الصور، فلو قال: من مس ثوباً أو جداراً أو حجراً فليتوضأ، لفهم من السببية كما يفهم من هذه الصور.
فدل أن الصيغة بوضع اللغة منبهة على التعليل، دون المناسبة. ولسنا ننكر أنها إذا كانت مناسبة: كان ذلك أظهر في الظن، وأسبق إلى الفهم، وأجدر باجتلاب طمأنينة النفس. ولكن أصل التعليل لابد من فهمه.
النوع الثاني: أن يعلم النبي ﷺ أمراً حادثاً، فيحكم عقيبه بحكم. فجريان الحكم عقيبه وجودا، كالترتيب عليه بفاء التعقيب.
ومثاله: أن يقول له واحد: أفطرت يا رسول الله، فيقول ﵇: عليك كفارة. فذكر الكفارة عقيب معرفته بالإفطار بإخباره: تنبيه على أن علة الكفارة هو الإفطار. وقد قال الأعرابي: «[يا رسول الله] هلكت وأهلكت، واقعت أهلي في نهار رمضان». فقال [له النبي]
стр. 31
عليه السلام: «أعتق رقبة» ففهم منه أنه واجب بالوقاع.
وهذا مرتبته دون المرتبة السابقة، إذ لا يفهم التعليل في هذا المقام إلا إذا عرف أنه أجاب به عن سؤاله، وأنه لم يذكر ذلك ابتدأ بعد الإعراض عن كلامه .. إذ الغلام المنصوب لا سراج الدابة قد يقول لسيده: دخل فلان، فيقول السيد: أسرج الدابة، أي اشتغل بشغلك، فمالك وذكر ما لا فائدة لك في ذكره، وليس هو من شغلك؟ وذلك يفهم منه بقرينة الحال. فبقرينة الحال يعلم أن المذكور مسبب ما ذكره المبتدى. وقد تكون المناسبة فيه قرينة ظاهرة.
وفي هذا، يفارق ذكر الحكم مرتباً على الفعل بفاء التعقيب؛ فإن الفعل المذكور لو لم يكن سبباً: لاختل نظم الكلام؛ وقد انتظم الكلام من [ذكر] الأمرين جميعاً: الفعل والحكم. والمتقاطعات لا يجوز نظمها وترتيبها على هذا الوجه، كما ضربناه: من مثال
стр. 32
الأكل والرجم، والقيام والسجود] ٧ - ب [.
فأما إذا لم يذكر الشارع إلا أحد القسمين [فقد احتمل أن يكون جواباً]، واحتمل أن يكون ابتداء منقطعاً عن سؤاله.
فهذا وجه التفاوت في الرتبة. وهذا كما أن الرجل إذا قال لزوجته: طلقتك على ألف، فقبلت المرأة [ذلك] فقال الرجل: أرددت طلاقاً على غير ألف، ليكون رجعياً: لم يقبل [منه]، لأنه تعطيل لنظم الكلام المصرح به. ولو قالت المرأة: طلقني على ألف، فقال: طلقتك، ثم قال: أرددت بكلامي الابتداء، دون الجواب-: سمع، وكان الطلاق رجعياً: لأنه يحتمله.
فإن قيل: إذا احتمل الابتداء واحتمل الجواب، فهو متردد بين التعليل وعدمه. فكيف يجوز التمسك به، ولا يبعد أن يذكر الذاكر لرسول الله ﷺ الإفطار، فلا يجيبه عنه في الحال، ويقول له: كفر، وهو يعني: كفارة وجبت عليه لسبب سابق عرفه الرسول ﷺ ، وعرفه المخاطب، وذكر ذلك في معرض الابتداء: تجديدًا لأمر سابق، وابتداء بيان وجوب الكفارة بسبب سابق، اعتماداً -في الاقتصار على قوله كفر -على فهم المخاطب، بقرينة [الحال]، وهذا الاحتمال أيضاً لا يندفع بالمناسبة. فليس كل
стр. 33
ما يذكر بين يدي رسول الله ﷺ -مما ينسب الأحكام -يترتب عليه ما يناسبه. فكم من المناسبات والإخالات [التي] عطلها الشرع، ولم يلتفت إليها، ولم يحكم بموجبها، ولا أقام لها في نظره وزنا؟
قلنا: نعم، المناسبة لا تدفع هذا الاحتمال، ولكنها قد تنتهض قرينة للمشاهد الحاضر. وقد يكون عدم المناسبة معرفاً كونه مبتدئاً غير مجيب، فيبقى قوله: «كفر» في حقه، كما لو ابتدأ بالكلام [و] قال لداخل عليه: كفر؛ فالسامع يعلم أن هذا اعتماداً على فهم المخاطب لأمر سابق.
فمن شاهد الحال يحكم عقله وذهنه. وإنما النظر فينا؛ فإنا نعتصم بالمنقول، والقرائن لا تنقل.
ومع هذا، يجوز التعلق بمثل هذه الواقعة في التعليل. لأن الراوي شاهد الحال وعرفه؛ فإذا روي لنا: «أن أعرابياً قال: هلكت وأهلكت، واقعت أهلي في نهار رمضان؛ فقال ﵇: أعتق رقبة»، فهم من أنه فهم الجواب؛ إذ نقله بهذه الصيغة، وهو: ترتيب كلامه على كلامه بفاء التعقيب.
стр. 34
وإذا قال: «دخل فلان وقال: أفطرت يا رسول الله، فقال ﵇: «كفر»؛ أشعر قوله «فقال» إنه قال جواباً فهمه بقرينة الحال، فصار كما لو قال الراوي: «فأجابه الرسول ﷺ وقال: «كفر»، ولو نقل صريح الجواب: لفهم التعليل. فإذا قال: «فقال كفر» نبه على أن ما ذكره جواب ولو لم [يكن] جواباً: لكان نظم الكلام من الراوي] ٨ - أ [خبطاً؛ كقوله من يقول ابتداء: من أفطر فعليه كفارة؛ ثم قال: لم أرد وجوب الكفارة بالإفطار. فينسب إلى الخبط في الكلام، والعدول عن الطريق الموضوع المتقرر في الأفهام.
فإن قيل: فما وجه الإنكار على أبي حنيفة ﵀، إذ قال: «الراوي إذا لم يكن فقيهاً، وروى ما يخالف القياس -لم يقبل وإن كان عدلاً» وما ذكرتموه يقرر مذهبه ويوجهه؛ فإن المناسبة -إذا انتهضت -قرينة؛ حتى لم يكن ذكر الكفارة عقيب ذكر السائل حكاية منام -ضرباً للمثل -كذكره عقيب الإفطار الذي هو جناية جدير بأن يمحى
стр. 35
ويكفر، في فهم الحاضر المشاهد. بل إذا جرى عقيب منام حكاه السائل، فهم [أنه ذكره وابتدأ كلاماً]: اعتماداً على معرفة سابقة بينه وبين المخاطب. وإذا كان مناسباً، فهم أنه جواب. فهذا يختص بدركه الفقيه المطلع على المناسبات الشرعية، والمعاني الملائمة لمعتبرات الشرع، والعادات المدركة منه في مصادر أموره وموارده. فأما العامي: فقد ينخدع بخيالٍ يظنه مناسباً، وليس كذلك. فالعدالة لا تعني في هذا المقام، بل لابد من الفقه والعلم ودرك مآخذ الشرع. فإذا نقله العامي، فلينظر: فإن وجد موافقاً لقياس الشرع عمل به؛ لأنه عدل في النقل، وما أدركناه من موافقة القياس [عدلٌ دل على فهمه] أيضاً، وأن ما فهمه كان على وجهه. وإن خالف القياس: ترك عليه، وتطرقت إليه الشبهة؟.
قلنا: أبو حنيفة ﵀ يطرد هذا فيما ينقله الراوي من تمهيدات الشرع وابتداآته، كقوله ﵇: «من اشرى مصراة فهو بخير النظرين» إلى آخره. ولا يجري ما ذكره فيه. فإن حفظ الكلام
стр. 36
ونقله على وجهه، لا يفتقر إلا إلى العقل والحفظ والعدالة المانعة من التغيير، فكذلك الجواب والخطاب.
وأما ارتباط أحدهما بالآخر فيفهم بالقرائن، ويشترك في دركها كل من له حس سليم، وعقل مستقيم لا خبل ولا عته فيه. ولسنا ننكر مع ذلك تفاوت الناس في درك الأمور؛ ولكن ذلك أمر لا ينضبط؛ فيتطرق إلى العوام فيما يوافق القياس؛ فإنهم يتفاوتون أيضاً في فهمه، وليست القرائن مقصورة على المناسبات.
ويتطرق أيضاً إلى الفقهاء فيما ينقلونه على مخالفة القياس. ولذلك قال ﵇: «نضر الله امرأً سمع مقالتي فوعاها وأداها كما سمعها؛ فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه». وقوله ﵇، أفقه منه: أشعر بكونه فقيهاً في نفسه، وبين أن المعاني يتفاوت دركها من الألفاظ، بتفاوت الناس في مراتب الفقه، مع الاشتراك في أصل الفقه. والظن بالعدل المتدين أن لا ينقل الشيء إلا كما سمعه، وإن غيره فلا يغيره إلا إذا
стр. 37
كان واثقاً بفهم المعنى.
فإن تخيل أنه ربما يثق عند نفسه بفهم المعنى -وكل يعتقد في نفسه غاية الفطنة والذكاء -فهذا الخيار جار في حق الفقهاء؛ ولا سبيل إلى رد أقوالهم بالتهم. فهذا هو الوجه في دفع هذا الخيال.
النوع الثالث: أن يذكر الشارع في الحكم وصفاً، ولم يصرح بالتعليل به، ولكن لو قدر ذلك الوصف غير مؤثر في الحكم وغير موجب له: لكان خارجاً عن الإفادة، ولم تظهر لذكر ذلك الوصف فائدة. فيكون ذكر الوصف تنبيهاً على أنه العلة.
ولهذا القسم أنواع:
أحدها: أن يقع السؤال المذكور في معرض الأشكال بذكر وصف.
стр. 38
كما روي: «أنه [ ﷺ دعي إلى ضيافة فأجاب، ودعي إلى أخرى فأمتنع فروجع في ذلك فقال: إن في تلك الدار كلباً، فقيل له: في تلك الدار هرة، فقال]: إنها ليست بنجسة، إنها من الطوافين عليكم والطوافات». فلم لم يكن للطواف والمخالطة في البيوت تأثير في الحكم، لكن كقوله: إنها ليست صفراء، وما يجري هذا المجرى.
وقيل: «إنه قال ذلك لأبي قتادة لما تعجب من إصغائه الإناء لها» [فكان ذكر] هذا الوصف في دفع تعجبه، كذكره في دفع الإشكال.
стр. 39
من هذا القسم: أن يذكر وصفاً في محل الحكم لا حاجة إلى ذكره، وإن جرى ابتداء.
كما روي: «أنه ﵇ توضأ بنبيذ التمر وقال: تمرةٌ طيبةٌ، وماء طهور». ولو لم يكن ذلك علة مؤثرة في جواز الوضوء الذي صدر منه، لم يكن له فائدة: إذ علم أن أصل النبيذ تمرة طيبة، وماء ظهور. فلم تكن الفائدة في ذكره تعريف عينه، بل هو تعريف كونه علة الجواز.
فإن قيل: عندكم أن الحديث صحيح، وإن التوضوء بنبيذ التمر غير جائز [فكيف يجوز التمسك به]؟.
قلنا: التوضوء بما توضأ به رسول الله ﷺ جائز، والحديث صحيح، ولكن المراد به: ما نبذ فيه تميرات لاجتذاب
стр. 40
ملوحته، على عادة العرب فيما يعدونه للشراب. فدلت هذه العلة على جواز التوضوء به سفراً وحضراً، وعلى جواز الغسل [به] وإن ورد في الوضوء: لاطراد العلة، إذ لو كان المبيح له هو السفر لما استقام هذا التعليل. ولا يحمل على النبيذ؛ إذ وصفه بهذه الصفة كوصف العصيدة بأنها تمرة طيبة وماء طهور. بل نحمله على ما يتميز فيه التمر بعينه عن الماء، ولم تجر بينهما إلا ملاقاة.
ومن هذا القسم: قوله ﵇: «لعن الله اليهود: اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» نبه على أنه علة اللعن، وتنبهنا به على تحريم اتخاذ قبور الأنبياء مساجد. ولو لم يكن كذلك: لم يكن لذكر اتخاذهم [القبور] مساجد معنىً في هذا المقام.
ومن الخيال الباطل، أن يقول القائل: أخبر عن لعنهم وهم ملعونون، ولم يذكر سببه: لأن سببه الكفر؛ وأخبر عن اتخاذ قبور أنبيائهم مساجد. فهما خبران عن مخبرين، لا اتصال لأحدهما بالآخر.
следующие страницы →