← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17827

شفاء الغليل في بيان الشبه والمخيل ومسالك التعليل

أبو حامد الغزالي

Полный текст (678 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

ونقله على وجهه، لا يفتقر إلا إلى العقل والحفظ والعدالة المانعة من التغيير، فكذلك الجواب والخطاب. وأما ارتباط أحدهما بالآخر فيفهم بالقرائن، ويشترك في دركها كل من له حس سليم، وعقل مستقيم لا خبل ولا عته فيه. ولسنا ننكر مع ذلك تفاوت الناس في درك الأمور؛ ولكن ذلك أمر لا ينضبط؛ فيتطرق إلى العوام فيما يوافق القياس؛ فإنهم يتفاوتون أيضاً في فهمه، وليست القرائن مقصورة على المناسبات. ويتطرق أيضاً إلى الفقهاء فيما ينقلونه على مخالفة القياس. ولذلك قال ﵇: «نضر الله امرأً سمع مقالتي فوعاها وأداها كما سمعها؛ فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه». وقوله ﵇، أفقه منه: أشعر بكونه فقيهاً في نفسه، وبين أن المعاني يتفاوت دركها من الألفاظ، بتفاوت الناس في مراتب الفقه، مع الاشتراك في أصل الفقه. والظن بالعدل المتدين أن لا ينقل الشيء إلا كما سمعه، وإن غيره فلا يغيره إلا إذا

стр. 37

كان واثقاً بفهم المعنى. فإن تخيل أنه ربما يثق عند نفسه بفهم المعنى -وكل يعتقد في نفسه غاية الفطنة والذكاء -فهذا الخيار جار في حق الفقهاء؛ ولا سبيل إلى رد أقوالهم بالتهم. فهذا هو الوجه في دفع هذا الخيال. النوع الثالث: أن يذكر الشارع في الحكم وصفاً، ولم يصرح بالتعليل به، ولكن لو قدر ذلك الوصف غير مؤثر في الحكم وغير موجب له: لكان خارجاً عن الإفادة، ولم تظهر لذكر ذلك الوصف فائدة. فيكون ذكر الوصف تنبيهاً على أنه العلة. ولهذا القسم أنواع: أحدها: أن يقع السؤال المذكور في معرض الأشكال بذكر وصف.

стр. 38

كما روي: «أنه [ ﷺ دعي إلى ضيافة فأجاب، ودعي إلى أخرى فأمتنع فروجع في ذلك فقال: إن في تلك الدار كلباً، فقيل له: في تلك الدار هرة، فقال]: إنها ليست بنجسة، إنها من الطوافين عليكم والطوافات». فلم لم يكن للطواف والمخالطة في البيوت تأثير في الحكم، لكن كقوله: إنها ليست صفراء، وما يجري هذا المجرى. وقيل: «إنه قال ذلك لأبي قتادة لما تعجب من إصغائه الإناء لها» [فكان ذكر] هذا الوصف في دفع تعجبه، كذكره في دفع الإشكال.

стр. 39

من هذا القسم: أن يذكر وصفاً في محل الحكم لا حاجة إلى ذكره، وإن جرى ابتداء. كما روي: «أنه ﵇ توضأ بنبيذ التمر وقال: تمرةٌ طيبةٌ، وماء طهور». ولو لم يكن ذلك علة مؤثرة في جواز الوضوء الذي صدر منه، لم يكن له فائدة: إذ علم أن أصل النبيذ تمرة طيبة، وماء ظهور. فلم تكن الفائدة في ذكره تعريف عينه، بل هو تعريف كونه علة الجواز. فإن قيل: عندكم أن الحديث صحيح، وإن التوضوء بنبيذ التمر غير جائز [فكيف يجوز التمسك به]؟. قلنا: التوضوء بما توضأ به رسول الله ﷺ جائز، والحديث صحيح، ولكن المراد به: ما نبذ فيه تميرات لاجتذاب

стр. 40

ملوحته، على عادة العرب فيما يعدونه للشراب. فدلت هذه العلة على جواز التوضوء به سفراً وحضراً، وعلى جواز الغسل [به] وإن ورد في الوضوء: لاطراد العلة، إذ لو كان المبيح له هو السفر لما استقام هذا التعليل. ولا يحمل على النبيذ؛ إذ وصفه بهذه الصفة كوصف العصيدة بأنها تمرة طيبة وماء طهور. بل نحمله على ما يتميز فيه التمر بعينه عن الماء، ولم تجر بينهما إلا ملاقاة. ومن هذا القسم: قوله ﵇: «لعن الله اليهود: اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» نبه على أنه علة اللعن، وتنبهنا به على تحريم اتخاذ قبور الأنبياء مساجد. ولو لم يكن كذلك: لم يكن لذكر اتخاذهم [القبور] مساجد معنىً في هذا المقام. ومن الخيال الباطل، أن يقول القائل: أخبر عن لعنهم وهم ملعونون، ولم يذكر سببه: لأن سببه الكفر؛ وأخبر عن اتخاذ قبور أنبيائهم مساجد. فهما خبران عن مخبرين، لا اتصال لأحدهما بالآخر.

стр. 41

وفساد هذا الخيار غير خاف على ذي بصيرة، إذ فهم [منه] الإنكار عليهم باتخاذهم القبور مساجد، ومستند الفهم اللعن السابق ذكره، ففهم أنهم لعنوا بهذه العلة، وإن لعنوا أيضا بعلة الكفر. ومن هذا القسم، الاستنطاق بوصف مع التقرير عليه. كقوله ﵇: «أينقص الرطب إذا جف»؟ فلما قيل: نعم، قال: «فلا إذن». وفيه تنبيه من ثلاثة أوجه، أحدها: بالفاء، إذ قال مرتباً على ما ذكر: فلا [إذن] والآخر بقوله: [لا] إذن فإنه للتعليل. والآخر: بالاستنطاق والتقرير على الوصف المنطقوق به. فلو حذف الفاء وحذف قوله: إذاً، وقال بعد قولهم: «ينقص الرطب»: لا، مقتصراً عليه -كان التنبيه باقياً، إذ لو لم يكن النفي المذكور بقوله: لا، معللاً بالوصف المذكور، لم يكن الاستنطاق [به] فائدة. فقد تراكمت وجوه التنبيهات،

стр. 42

فلأجله ظهر حتى لا يسع خلافه لمنصف عاقل، وترقى في الظهور إلى رتبة التصريح والتنصيص. ومن هذا القسم، أنه يجيب على محل السؤال بذكر نظيره، فيعلم أن وجه التنبيه هو العلة في الحكم، إذ لولاه لم يكن ذكر النظير جواباً. وذلك كقوله ﵇ لعمر رضوان الله عليه -وقد سأل عن قبلة الصائم -: «أرأيت لو تمضمضت بماء ثم مججته»، تنبيهاً على أن القبلة مقدمة قضاء [شهوة الفرج]، وليس فيها قضاء شهوة الفرج، كما أن المضمضة مقدمة قضاء شهوة المعدة [وليس فيها قضاء شهوة المعدة]. فعدم قضاء الشهوة سبب عدم الإفطار، لأن سبب الإفطار قضاء الشهوة، فانتفى الحكم بانتفاء سببه. ففهم على الجملة تأثير الوجه الجامع بين محل السؤال والنظير المذكور في الحكم الواقع على الاشتراك.

стр. 43

[وهذا تنبيه من الشارع ﵇]-على أصل القياس في الشرع. وكذلك قال ﷺ لامرأة سألته عن الحج عن أبيها: أتجزيه لو أدته. فقال ﵇: «أرأيت لو كان على أبيك دينٌ فقضيتيه [أيجزيه ذلك] فقالت: نعم، فقال: «فدين الله أحق بالقضاء». فإن قيل: ألاقيس عليه الصوم والصلاة؛ وكل ذلك دين من جهة الله ثابت في الذمة، وقد ظهر علة جواز القضاء بزعمكم، وهو: كونه ديناً؟ قلنا: لأنه شبهه بدين عرف من جهة الشرع تطرق النيابة إلى أدائه، وعرف أن الحج أيضاً تتطرق النيابة إلى أدائه، وعرف أن الصوم

стр. 44

والصلاة لا مدخل للنيابة في تبرئة الذمة عنهما؛ فالأدلة المعرفة للجمع والفرق في النيابة تخصص العلة بالحج، وتقطع عنه الصوم والصلاة. وليس في ذلك إبطال العلل. كما أن السرقة خصصت بما فوق النصاب بدليل، ولم يدل ذلك على إبطال العلة. وكذلك كل علة ذكرت في محل واختص المحل بمزيد وصف يؤثر في الحكم، فلا سبيل إلى تعطيل ذلك الوصف. النوع الرابع: أن يفرق الشرع بين شيئين في الحكم، بذكر صفة فاصلة . فهو تبنيه على أن الوصف الفاصل هو الموجب للحكم الذي عرف به المفارقة. وهو ضربان: أحدهما: أن يقتصر في الحال على ذكر أحد القسمين، فيقطعه عن عموم ذكره ومهده. [وهذا] كقوله ﵇: «القاتل لا يرث». فإنه

стр. 45

تقرر أن القريب وارث، فإذ أبان أن القاتل لا يرث، علم أن القتل المذكور هو العلة في نفي الإرث، ولولاه لم يكن لإضافة الحكم إليه وتعريف محل الحرمان به، معنى. وليس هذا مأخوذاً من المناسبة. فإنه لو قال: الطويل لا يرث، والأسود لا يرث، لكنا نقول: الطول الفاصل والسواد الفاصل، مناط الفصل، ومتعلق حرمان الميراث. فإن قيل: إذا لم يعقل بين الطول والسواد وبين الحرمان للميراث مناسبة، ولا عرف له تأثير فيه، كيف يقال: إنه علة؟. قلنا: لا سبيل إلى جحد كونه أمارة للحكم ومناطاً له، فإن امتنع ممتنع عن تسميته علة: فلا مشاحة في الاطلاقات؛ والعلل الشرعية أمارات، والمناسب المخيل لا يوجب الحكم بذاته، ولكن يصير موجباً بإيجاب الشرع ونصبه إياه سبباً له. وتأثير الأسباب في اقتضاء الأحكام عرف شرعاً، كما عرف كون مس الذكر وخروج الخارج [من السبيلين] مؤثراً في إيجاب الوضوء وإن كان لا يناسبه، وكما عرف كون القتل والزنا والسرقة أسباباً لأحكامها إلى تناسبها. فإذا كان معرفة الأمارات تنبيهات أو تصريحات: لم يفارق المناسب غير المناسب، إلا أن المناسب أجلى وأسبق إلى الفهم مما لا يناسب.

стр. 46

وقد تكون المناسبة -على تجردها -شرطاً مستقلاً، لكون الحكم المجرد الثابت على وفقها تنبيها على اعتباره والتعليل به -عند فريق من العلماء، دون فريق. فالتنبيه إذا استند إلى مجرد ذكر الحكم، فارق المناسب غير المناسب. فإذا قال الشارع، حرمت عليكم شرب الخمر» فهو تنبيه على أن تحريمه لكونه مسكراً، مزيلاً للعقل: الذي هو ملاك التكليف، ومركب أمانة الشرع، ولا تنبيه على كونه معللاً بحمرتها القانية، ولا برائحتها الفائحة، ولا بتسمية العرب إياها خمراً، لأن هذه الأوصاف لا تناسب، ولا يحصل التنبه عليها بمجرد ذكر الحكم. فهذا مأخذ الفرق لا غير. وكذلك إذا فرق بينهما بذكر الغاية. كقوله تعالى: ﴿ولا تقربوهن حتى يطهرن﴾ لو اقتصر عليه. وكذلك قوله جل من قائل: «ولا جنباً إلى عابري سبيل حتى تغتسلوا﴾. وكقوله تعالى: ﴿فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره﴾ فهذا كله تنبيه على أن ما جعل غاية للحكم مؤثرٌ وسببٌ في ارتباطه. وكذلك ما يجري على صيغة الاستثناء، كقوله : لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم، ولكن يؤاخذكم بما عقدتم

стр. 47

الأيمان» تنبيه على أن للتعقيد تأثيراً في المؤاخذة. وكذلك قوله ﷺ : «للراجل سهم، وللفارس سهمان» فهذا يدل على أن المؤثر في التفضيل ما بينهما: من التفرقة. وكذلك لما صلى رسول الله ﷺ -بعد العصر والفراغ من فرضه، فقيل له: يا رسول الله، أما كنت نهيتنا عن هذه الصلاة؟ فقال: «هما ركعتان كنت أؤديهما [بعد الظهر] فشغلني عنهما الوفد». [فعلم أنه] ذكره في معرض الفرق بينه وبين

стр. 48

المنهي عنه. فما وقع به التفرقة علة، وهو استنادها إلى سبب أو إلى فوات. فعلم أن كل ما له سبب خارجٌ عن النهي. وليس لقائل أن يدعي اختصاص الاستثناء بركعتي الظهر، إذ شغله عنهما الوفد على الخصوص، فإنه جمود على الصورة، وذهول عن المعقول بالكلية. النوع الخامس: النهي عما يمنع من الواجب ، تنبيهاً على أن تحريمه لكونه مانعاً من الواجب. كقوله تعالى: ﴿فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع﴾. فإنه

стр. 49

أوجب السعي، والتعريج على البيع مانع؛ فكان تحريمه لكونه مانعاً. فلا جرم انعقد [البيع] وفارق البيع المنهي عنه لعينه. فإن قيل: وبم عرف هذا، وهلا قيل: السعي إلى الجمعة مقصود بالإيجاب، والمنع من البيع أيضاً مقصود؟ قلنا: فهم ذلك [من] سياق الآية فهما لا يتمارى فيه. فإن قيل: «السياق عبارة مجملة، فما معنى السياق؟ وما مستند هذا الفهم؟ قلنا: المعنى به: أن هذه الآية في سورة الجمعة إنما نزلت وسيقت لمقصد: وهو بيان الجمعة، قال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم﴾ الآية، وما نزلت الآية لبيان أحكام البياعات ما يحل منها وما يحرم. فالتعرض للبيع -لأمر يرجع إلى البيع في سياق هذا الكلام -يخبط الكلام ويخرجه عن المقصود، ويصرفه إلى ما ليس مقصوداً به. [وإنما يحسن التعرض للبيع إذا كان متعلقاً بالمقصود]، وليس يتعلق به إلا من حيث كونه مانعاً للسعي الواجب؛ وغالب الأمر في العادات جريان التكاسل والتساهل في السعي بسبب البيع، فإن وقت الجمعة يوافي الخلق وهم منغمسون في المعاملات.

стр. 50

فكان ذلك أمراً مقطوعاً به لا يتمارى فيه. فعقل أن النهي عنه: لكونه مانعاً من السعي الواجب، فلم يقتض ذلك فساداً. ويتعدى التحريم إلى ما عدا البيع: من الأعمال والأقوال وكل شاغل عن السعي، لفهم العلة. ومن هذا القبيل، قوله تعالى: ﴿فلا تقل لهما أفٍ ولا تنهرهما﴾ فإن الآية سيقت لقصد معلوم، وهو: الحث على توقير الوالدين وإعظامهما واحترامهما، والبر والإحسان إليهما. والتأفيف

стр. 51

إيذاء، والإيذاء يناقض الأعظام الواجب؛ فالضرب وأنواع التعذيب يشتمل على مثل ذلك الإيذاء، فهو بمناقضة الواجب أولى؛ فقد وجد فيها العلة وزيادة؛ فكان ذلك اعتباراً بطريق الأولى. ولقد ثار بين الأصوليين خلاف في مستند هذا الفهم، بأن تحريم الضرب بتحريم التأفيف قياس أم لا؟ فقال قائلون: [هو] قياس. وقال آخرون: لا، بل هو مفهوم من نفس اللفظ. وقال قائلون: مفهوم من فحوى اللفظ. وقال آخرون: مفهوم من سياق الآية: وهو الذي كان يشير إليه إمامي ﵁. وهذه أقاويل محتملة. والذي يتحصل منه أن يقال: تحريم الضرب معلوم من تحريم التأفيف؛ فيحتل أن يحال [به] على دلالة نفس اللفظ عليه، ويحتمل أن يحال على دلالة معنى اللفظ؛ نعني به علة تحريم التأفيف. فإن استند إلى دلالة نفس اللفظ، فلا وجه لتسميته قياساً. وإن استند إلى فهم علة الملفوظ ووقوع المشاركة بين الضرب والتأفيف

стр. 52

في علة تحريمه، حسن تسميته قياساً، ولم يمنع [منه] كونه جلياً، سابقاً إلى الفهم، مستغنياً عن الاستنباط والنظر -بعد وقوع المشاركة. فكون القياس مظنوناً أو مشكوكاً فيه ليس من حد القياس؛ وإنما القياس عبارة عن «إثبات مثل حكم الأصل في الفرع، لمشاركته إياه في العلة». ثم ينقسم إلى معلوم إلى مظنون؛ والمظنون ينقسم إلى جلي وخفي؛ والمعلوم ينقسم إلى أولي بديهي، وإلى فكري نظري. فما كان مقدماته جلياً سابقاً إلى الفهم: لم يفتقر فيه إلى نظر وتفكر؛ وهذا -إن تخيل -استناد العلم به إلى نفس اللفظ، لا إلى فهم علة حكم الملفوظ [به]. ولم يخل إما أن تكون دلالته من حيث اللغة، وإما أن تكون دلالته من حيث العرف؛ وباطل أن يتخيل دلالته من حيث اللغة، إذ قول القائل: لا تقل له أف؛ ليس موضوعا للنهي عن الضرب لغة، إذ يجوز أن يقول الملك -المستولى على [واحد من] الأكابر -لغلامه: لا تقل له أف، ولا تنهره ولا تقطع يده، ولا تفقأ عينه، واقتله»،

стр. 53

والمعنى به، النهي عن الاستخفاف به مع الأمر بالإهلاك؛ فهو بوضع اللسان غير دال عليه. وإنما مظنة الخيال أن يضاف إليه من حيث العرف. فيقال: هذه الصيغة في العرف موضوعة مستعملة للنهي عن الإيذاء، [فالنهي عنه بصيغة تدل على تحريم الإيذاء في العرف]] ١١ - أ [فكأنه قال: لا تؤذ والديك ولا تستخف بهما؛ ولو قال ذلك لكان تحريم الضرب مأخوذاً من اللفظ -: لأنه يندرج تحت عموم الإيذاء -لا من القياس، فإن التأفيف أقل درجات الإيذاء، فالنهي عنه بصيغته يدل على تحريم الإيذاء في جنسه من حيث العرف. وهو كقول القائل: ليس لفلان حبة، يدل على نفي ما فوق الحبة عرفاً، وإن لم يتعرض له. وقوله ﴿فمن يعمل مثقال ذرةٍ خيراً يره﴾ يدل على أن من يعمل مثقال ذرات خير، يره أيضاً، لا بطريق اللغة والتعليل، بل بطريق العرف. وكذلك قول القائل: «فلان مؤتمن على قنطار» يدل بالعرف على كونه مؤتمناً على [دينار] فما فوقه، بطريق العرف، لا بطريق اللغة والتعليل.

стр. 54

فنقول: دلالة [الألفاظ على الشيء] أما أن تكون بطريق التعليل، أو اللغة، أو العرف؛ ولا يحكم بالإحالة على العرف إلا إذا امتنع إحالته على اللغة والتعليل: لأن التنبيه بطريق التعليل من اللغة، كما أنه بطريق الوضع من اللغة. وأما دعوى كونه مستعملاً من جهة العرف [فهذا تحكم] يصار إليه إذا حصل الفهم وامتنع له مدرك وضعي. وفي مسئلتنا، أمكن الإحالة بالتنبيه على التعليل: لظهور [إيجاب التوقير من الآية، وظهور كون التأفيف مناقضاً له بالعقل والعرف، وظهور] كون الضرب مشتملاً على ذلك الإيذاء وزيادة. فهذه مقدمات أولية استند إليها العلم بتحريم الضرب، وهو القياس بعينه. أما قوله: ليس لفلان حبة [فإنه] ينفي ما فوقه باللفظ؛ لأن ما فوقه حبة وحبات، وفي الحبات حبة، فلو كان له حبات، لكان كلاماً خلفاً، فهو من حيث الوضع دل عليه، لا دلالة له على ما دون الحبة. ولكن ما دون الحبة لا يوصف بالملك، فينتفي لذلك لا للفظ.

стр. 55

وقوله : ﴿فمن يعمل مثقال ذرةٍ خيراً يره﴾، من هذا القبيل، لأن في الكثير ذرات، وفي الذرات آحاد، ولا تعرض له لما دون الذرة، ولكن ما دون الذرة كأنه خارج عن التقدير والإمكان والتصوير؛ والذرة أقل القليل الذي لا أقل دونه في مقصود هذا الكلام؛ فما دون الذرة أن تصور في التقدير فهو ملحق به بطريق التعليل، وهو: أن السبب هو المجازاة على الحسنة والسيئة، وما دون الذرة حسنة وسيئة، فقد وجد سبب المجازاة، فيجازى. وقول القائل: فلان مؤتمن على قنطار: يتناول ما دون القنطار، إذ هو في القنطار موجود؛ ولا يتعرض لما فوقه، إذ يحتمل أن يكون الرجل أميناً على مقدارٍ نزرٍ، دون مقدار عظيم، فإن عرف بالقرينة أنه يريد ذكر أمانته مطلقاً، ويذكر القنطار للتكثير والمبالغة، فيكون دليلاً من حيث العرف بالقرينة. وقوله: ليس لفلان نقير ولا قطمير، لا يدل بالوضع على نفي الدراهم [والدنانير] ولا بالتعليل؛ إذ ليس في الدراهم والدنانير نقير ولا قطمير. ولا كالحبات والذرات، فإن فيها حبة وذرة، ففي نفي الآحاد نفي الجملة. ولا وجه للتعليل، إذ المنافي للنقير والقطمير

стр. 56

لا ينافي غيره. فما انحسم المسلكان [علم بالعرف أنه عبارة] عن أقل القليل، ثم إذا انتفى القليل فالكثير منتف لا محالة. فإن قيل: وبم تنكرون على من يقول: [إن] قوله تعالى: ﴿فلا تقل لهما أف﴾، عبارة عن النهي عن الإيذاء. قلنا: لأنه تحكم [لا مستند] له، إذ حمله على حقيقته -مع فهم علته، وإلحاق غيره به -ممكن، فتحويله إلى غير حقيقته -من غير ضرورة -لا وجه له، بخلاف النقير والقطمير. فإن قيل: لو كان هذا قياساً لامتنع منه من لا يرى القياس [في الشرع]، ولامتنعنا منه: لو ورد الحجر عن القياس. قلنا: إنما لا يمتنع، لأن هذا القياس معلوم، فإن مقدماته معلومة. فلو ورد الحجر عن القياس المعلوم ووجب الجمود على موضع النص، لقصرنا التحريم على التأفيف، وقلنا: الضرب لم يتعرض له النص. ولكنه يكاد يفضي إلى التناقض، إذ عرف وجوب التعظيم،

стр. 57

وعرف تحريم التأفيف: لكونه ضداً، وعلم أن الضرب أقوى منه في المضادة. ولا سبيل إلى دفع [علم] مقدماته معلومة على القطع. هذا تمام القول في طرق التنبيهات، ولا مطمع في حصر الآحاد: فإنها كثيرة، وقل ما يخلو كلام الشارع عن تنبيهات يفطن لها ذوو البصائر، وتكل عن فهما أفهام معظم المتوسمين بالعلم. وما ذكرناه كاف لتنبيه الفطن على أجناس هذه المدارك؛ والبليد لا يغنيه مزيد الاستقصاء، ولو استوعبت له آحاد الصور. وعلى الجملة: لكل صورة من آحاد هذه الصور مذاق مخصوص، وللعقل فيها مجال مضطرب على وجه يخص تلك الصورة. فخصوص النظر في الآحاد ليس من شأن الأصوليين، وإنما [على الأصوليين] ضبط القواعد، وتأسيس الأجناس. ثم إدخال التفاصيل في الجمل من شأن الفقهاء الناظرين في تفاصيل المسائل. وشفاء الغليل في هذه القاعدة، بذكر خيالات وتنبيهات على وجه الكشف فيها، نوردها في معرض الأسئلة والأجوبة، منعطفة على الأمثلة التي أوردناها. فإن قيل: إذا ذكر الشارع وصفاً، وأضاف الحكم إليه، ونبه على

стр. 58

التعليل به من الوجوه التي أوردتموها -فهي صريحة في التعليل بها؟ أم هي ظاهرة يتطرق التأويل إليها، ويجوز تغييرها بمسالك الأدلة؟ قلنا: جملة الصفات المذكورة في الأمثلة -التي نبهنا عليها، وأشرنا إلى إضافة الحكم إليها -صريح في اقتضاء كون الوصف معتبراً في الحكم على الجملة، فأما اعتباره بطريق كونه علة، أو سبباً متضمناً للعلة بطريق الملازمة والمجاورة، أو شرطاً يظهر الحكم [عنده] لسبب آخر أو يعتبر الوصف على تجرده حتى يعم، أو يضم إليه وصف آخر حتى يختص ببعض المحال -فمطلق الإضافة ليس صريحاً فيها، ولكن قد يكون ظاهراً في وجه ويحتمل غيره، وقد يكون متردداً بين الوجهين. والمتبع في ذلك موجب الأدلة، وإنما الثابت بالإيماء والتنبيه كون الوصف المذكور معتبراً على الجملة في إثبات الحكم على وجه لا يجوز إلغاؤه، بحال؛ ثم [ما] لا يجوز إلغاؤه ويتعين اعتباره فله وجوه؛ وليس من ضرورة الإيماء الدلالة عليه، بل قد يدل عليه، وقد لا يدل عليه. وهذا يحرك جملة من أسرار هذا الفصل، لا تتبين بهذا الإطلاق والإجمال، وإنما ينكشف الغطاء عنها بذكر آحاد الخيالات والأسئلة والانفصال عنها.

стр. 59

خيال وتنبيه: فإن قال قائل: قال رسول الله ﷺ : «لا يقض القاضي وهو غضبان» ورأيتم أن ذكر وصف الغضب -بعد ورود الأمر بالقضاء -فاصل بين حالة الإباحة والتحريم، فدل أنه علة التحريم؛ ويتجه [فيه] أن يقال: أن الغضب ليس سبباً للتحرير، ولكن [سبب التحريم] ما يتضمنه الغضب: من اختباط العقل، وما يعتريه: من الدهشة المانعة من استيفاء الفكر، والاهتداء إلى وجه الصواب. حتى أن الغضب اليسير المنفك عن هذا الأثر لا يحرم؛ وحتى يلحق به الحاقن والجائع والذي توالي عليه ألم مبرح مدهش، وغير ذلك من الأحوال المشوشة لنظر العاقل. وفي ذلك إلغاء الغضب بالكلية، وإخراج له عن كونه علة: إذ الحكم صار منوطاً بغيره، وصار الغضب ساقط الاعتبار نفياً وإثباتاً. فكيف قلتم: إنه صريح في أصل الاعتبار؟.

стр. 60

فالجواب: [أن هذا] المسلك في التصرف غير منقطع عن الصفات المذكورة التي أضيف الحكم إليها، ويطرد ذلك في الأحكام المضافة إلى الأسباب: كالقطع المضاف إلى السرقة، وكذلك: الرجم المضاف إلى الزنا، والكفارة المضافة إلى [قتل الخطأ، وكذلك: الأحكام المذكورة عقيب] الأسباب الحادث، كالكفارة عند إخبارا لأعرابي عن جماعة أهله، إلى غير ذلك من الأمثلة التي أوردناها. وليس فيه تعطيل الإيماء، ولا إخراج الوصف المذكور عن كونه معتبراً في الحكم. فأصل التعليل عقل من الإضافة، ولكن احتمل أن يقال: [التحريم معلل بالغضب] لعينه، واحتمل أن يقال: هو معلل به لمعنى بتضمنه ويلازمه لا لعينه، وهو: ضعف العقل في الغضب. وكذلك روي: أنه ﵇ «سها فسجد» فهو صريح في إضافة السجود إلى السهو وتعليقه به. ولكنه يتعلق بالسهو لعينه، أو لمعنى يتضمنه، وهو: ترك بعضٍ من أبعاض الصلاة، فتنتقص الصلاة بسببه، حتى يتعدى إلى تركه عمداً؟ فإن علق بالسهو لعينه: لم يتعد إلى العامد، وإن تعلق بالنقصان: تعدى إليه.

стр. 61

وكذلك [الزنا: علق الرجم عليه] لكونه زنا، حتى لا يتعدى إل اللواط: إذا لم تثبت تسميته زنا، أو لمعنى يتضمنه، وهو إيلاج فرج في فرج مشتهى طبعاً، محرم قطعاً؟ وكذلك السرقة: مناط الحكم لعينها، أو لمعنى تتضمنه، هو: أخذ مال محترم من حرز مثله، حتى يتعدى إلى النباش، وإن سلم تقديراً أنه لا يسمى سارقاً؟. وكذلك أوجب الكفارة على الأعرابي المجامع -بالجماع لعينه، أو لمعنى يتضمنه، وهو: إفساد صوم رمضان، حتى يتعدى إلى كل مفطر؛ أو إفسادٌ بجهة مقصودة، حتى يتعدى إلى المأكولات والمشروبات، ولا يتعدى إلى ابتلاع الحصاة والنواة، على ما اختلف فيه المجتهدون من الأئمة؟

стр. 62

وكذلك قوله تعالى: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾، فهو تنبيه على إضافة الإباحة إلى العدم، ولكن [إلى] العدم لعينه حتى يقتصر عليه، أو لمعنى يتضمنه، وهو: العجز الحاصل به، حتى يتعدى إلى من وجد ماء ومنعه [منه] حائل [أو افتقر إليه للسقية] ن أو افتقر في تحصيله إلى تفويت مال [كثير] أو ارتكاب خطر غيره؟ وهلم جراً إلى كل مسلك من مسالك التنبيهات دل على إضافة الحكم إلى وصف، فهذا الوجه من النظر جار فيه، وليس فيه تعطيل. فإنا نقول: الحكم معلل بالغضب، ولكن لا لعينه، بل لمعنى يتضمنه. فأصل التعليل قائم ولكن جعل الغضب -بحكم الدليل -كناية عن ضعف العقل، لأنه يلازمه غالباً. فلم يكن ذكره لغواً، بل كان مفيداً معتبراً بهذا الطريق. وغرضنا أن التنبيه الذي [ذكرناه صريح في أن الوصف] المذكور لا سبيل إلى جعله لغواً، بل لابد من اعتباره. [نعم] لاعتباره طرق، وجعله كناية عن معنى يتضمنه ليس في إلغاؤه، وهذا كما أن النهي عن الشيء مطلقاً صريح في تحريم المنهي [عنه] أو كراهيته؛ ولكن قد يدل

стр. 63

الدليل على أنه لم ينه لعينه، وإنما نهى عنه لغيره، وليس في ذلك إبطال [أصل النهي]. بل النهي في أصله باق، وإنما هو حوالة على معنى يتضمنه. فإن قيل: فإذا ترددت الإضافة [بين جهتين]، فمن المفتقر إلى الدليل؟ الذي يضيفه إلى عينه، أو الذي يضيفه إلى معنى يتضمنه؟ قلنا: الدليل على من يدعي إضافته إلى معنى يتضمنه؛ لأن المنطوق به هو الغضب مثلاً، فالظاهر أنه العلة، فمن يدعي أنه معلل بمعنى يتضمنه الغضب -وهو كالمكنون فيه، وكالمستنبط بالنظر -فعليه إظهاره. وهذا كما أن النهي عن الشيء ظاهره يقتضي التحريم ذلك الشيء لعينه؛ فمن أراد أن يصرفه إلى غيره فعليه الدليل] ١٣ - أ [والمتعلق بعين الصفة معول على الظاهر. فإن قيل: وما الدليل الذي يجوز الاكتفاء بمثله في ترك هذا الظاهر، وإحالة التعليل إلى المعنى الذي تتضمنه صورة الصفة المصرح بها؟ قلنا: ليس يمكن حصر مدارك الأدلة، فكل مسلك دل على هذا المقصد وجب قبوله. ومداركه مختلفة، ولسنا لذكره، ولكن ننبه بأدنى الدرجات على أعلاها. فقد قال الله تعالى: ﴿فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع﴾ فهو

стр. 64

نهى عن البيع، وحكمنا بأنه غير منهي عنه لعينه، بدلالةٍ عرفت من سياق الآية فقط، وهو: أن الآية سيقت لمقصد، وهو: بيان أمر الجمعة، فلا يليق به أن يذكر إباحة البيع [وحظره] لأمرٍ يرجع إلى البيع في إدراجه؛ فكان العرض للبيع من الوجه الذي يتعلق به، وهو: تضمنه ترك السعي الواجب؛ فيتعدى التحريم إلى الإجارة والنكاح والأقوال والأعمال المانعة، مع الحكم بصحة البيع وسائر التصرفات: لأن النهي لا يلاقيها، ولا دليل سوى ما عرف من سياق الآية. ومن الطرق المسلطة على هذا النوع من التصرف، طلب المناسبة. إذ يقال: الغضب لا يخلو، إما أن يناط تحريم القضاء [به] لعينه أو يناط بما يتضمنه: من دهشة وضعف نظر، وتعليله بعينه تحكمٌ محض لا مناسبة فيه، وإضافته إلى ما يتضمنه مناسب لتصرفات الشرع ورعايته مصالح الخلق؛ فكانت الإضافة إلى ما يتضمنه أولى. وهذا القدر من الدليل كاف في مثل هذا المقام. فإن قيل: فهلا رد هذا التصرف: من حيث إنه لا يبعد أن يحكم الشرع باعتبار دهشة تصدر عن الغضب على الخصوص، [كما يحكم

стр. 65

باعتبار مشقة تصدر من السفر] على الخصوص، ولم يلحق به مشقة المرض وغيره؟ قلنا: هذا الخيال فاسد، ولو فتح هذا الباب، لا نحسم مسلك القياس، فيقال: رجم رسول الله ﷺ ماعزاً لزناه، ولكن زنا ماعز على الخصوص [سبب في الحكم] دون زنا غيره -تحكماً -. وجماع الأعرابي أهله سبب [في] الكفارة حتى لا يتعدى إلى جماع غيره، ولا إلى جماع الأجنبية، ولا إلى جماع الأمة؛ ويترقى ذلك إلى التخصيص بالزمان والمكان. ويقال: لعل الشرع يحكم [بأن الزمان والمكان معتبر]. وكذلك: الربا يجري في البر لطعمه أو للكيل، ولكن المتبع الكيل في البر أو طعم البر -تحكماً -. وكل ذلك باطل لا وجه له. أما السفر، فله تأثير خاص لا يشاركه المرض فيه، إذ المجوز للقصر والجمع فيه سبب الحاجة، فإنه لو أدى الصلاة في أوقاتها وأداها بكمالها، فربما انقطع عن الرفقة، فهو سبب الجمع. والتفريق في حق

стр. 66

المريض على الأوقات قد يكون أيسر، إذ حاجته إلى القعود والاضطجاع وترك القيام، لا إلى ترك بعض الركعات، ولا إلى التعجيل والتأخير، فذلك افتراقاً. وأما المسح والتيمم والفطر، فكل ذلك يجوز بعذر المرض، على الوجه الذي يليق به كما في السفر. فإن قيل: أليس صورة السفر تتبع في التسليط على الترخيص وإن لم تتحقق عين المشقة، فلا ينظر إلى المشقة في نفسها، وينظر إلى السبب المتضمن لها؛ فلم يبعد أن ينظر إلى الغضب في صورته، لا في المعنى الذي يتضمنه؟ قلنا: لسنا نبعد ذلك، ولكن الأصل: أن ما علقت علته اتبعت العلة، إلى أن يدل [دليل] على إتباع السبب المتضمن للعلة، دون نفس العلة، وقد دل الدليل في السفر، ولم يدل في هذا المقام. فإن قيل: فالأحكام منقسمة في الشرع إلى ما أديرت على نفس المعاني، وإلى ما أديرت على أسباب المعاني، مع الإعراض عن جوهر المعاني؛ فما الضبط فيها؟ وكيف نفصل أحد القسمين عن الآخر؟

стр. 67

قلنا: هذه مغاصة عظيمة، والخوض فيها جر بنا إلى الخروج عن المقصد الخاص بالفصل الذي تصدينا لبيانه، ولعلنا نعود إلى بيانه ونذكر فيه ما يشفي الغليل: إذا ذكرنا كيفية تحديد مناط الأحكام، وقسمنا الأوصاف إلى ما يلغي ويعطل، وإلى ما يراعى ويعتبر، وذكرنا فيه دستوراً يرجع إليه في مظنة الغموض، فإنه فصل مغبوط تكثر إليه الحاجة، ويقل في كبار أهل العلم من يستقل به. والآن ننعطف على الغرض الذي كنا بصدده، ونقول: إذا ظهرت المناسبة لمتضمن الوصف، وانقطع أثر صورة الوصف، وكان اعتباره على مذاق التحكمات الجامدة التي لا تترشح منه مخايل المعنى -وجب إحالة الحكم على متضمن الوصف. فإن كان للوصف خصوص تأثير، فلا سبيل إلى إلغائه. كما أن الشافعي ﵁ يدعي أن للإفطار بالجماع على

стр. 68

الخصوص تأثيراً في اقتضاء الكفارة، لأنها مشروعة للزجر عما تتشوف النفس إليه، ولا ينزجر الطبع عنه بمجرد تحريم الشرع. وهذه خاصية تثبت للجماع، ولا يشاركه الأكل والشرب. ولا يتمكن أبو حنيفة ﵀ من تعطيل هذا الوصف، إلا ببيان سقوط هذا الأثر الذي ذكره الشافعي ﵀. وكذلك يقول الشافعي وأبو حنيفة جميعاً لمالك ﵃ -إذا علق مالك الكفارة بكل مفطر، حتى ابتلاع الحصاة أو النواة: [إن لم يقصد تأثيراً] في تشوف النفس ومسيس الحاجة إلى الزجر. فلا نتجاسر على تعطيل هذا الوصف المؤثر. إلى غير ذلك من الأمثلة. فإن قيل: فإذا كانت المناسبة تسلط على التعليل بالمعنى، حتى يثبت الحكم وإن لم يثبت الوصف المذكور، كما يثبت من تحريم القضاء الآلام المتوالية والجوع] ١٤ - أ [، المفرط وغيره -: فهل تسلط على نفي

стр. 69

الحكم مع وجود الوصف، لانفكاك الوصف المذكور عن المعنى الذي يتضمنه؟ قلنا: نعم، فإن الغضب اليسير -الذي لا يمنع من استيفاء الفكر -لا يحرم. وأمثال ذلك كثيرة. منها: قوله ﵇ «القاتل لا يرث»، فإن الصحيح أن القاتل قصاصاً وحداً يرث، لأنا فهمنا من القتل: أن ذلك مخصوص ببعض أنواع القتل، فإنا نقول: ليس يخلو، إما أن يناط الحرمان بالقتل لصورته، أو لمعنى يتضمنه كما ذكرناه؛ وذلك المعنى -إن كان مناسباً -لابد من اعتباره. وقد اضطرب رأي المجتهدين في مناط الحكم من القتل، وفي تعيين المعنى الذي يتضمنه. وظهر ذلك باختباطهم في التفصيل. فالقتل ينقسم إلى عمد وخطأ، والخطأ ينقسم إلى مباشر ومتسبب. فذهب عثمان البتي إلى أن الخاطئ لا يحرم، تشوفاً [منه] إلى رعاية معنى القصد، ومعارضة القاتل بنقيض مقصوده

стр. 70

عند تعديه وتعمده. وخالفه في الشافعي وأبو حنيفة وعامة الفقهاء. ووافقه [فيه] مالك، فقال: لا يحرم إلى من الدية التي لزمت بفعله، [واستبعد أن يكون] هو المأخذ والمصرف، فيصير كالواجب له على نفسه. ثم الخطأ ينقسم إلى مباشر ومتسبب. فالشافعي عمم الحرمان، وأبو حنيفة خصص بالمباشرة، وقال: من حفر بئراً في محل عدوان، فتردى فهي قريبه -لم يحرم ميراثه. فكأنه يقول: ليس قاتلاً تحقيقاً، فإن هلاكه حصل بتخطيه ووقوعه [فيه] لا بالحفر. والشافعي يقول: هو قاتل بدليل الدية والكفارة، فيحرم الميراث. والقتل -في حق القاتل -ينقسم إلى ما يصدر من مكلف، وإلى ما يصدر من غير مكلف. فالشافعي عمم الحرمان بقتل الصبي والمجنون. وأبو حنيفة تخيل أن هذا عقوبة، جزاء على القتل فيشترط أن يكون القاتل أهلاً

стр. 71

لإيجاب الجزاء، وزعم أن الخاطئ أهل بتقصيره، ولذلك يكفر. ثم القتل العمد -أيضاً -ينقسم إلى محظور، وغير محظور؛ فالمحظور -لا محالة -يندرج تحت العموم. وغير المحظور ينقسم إلى مباح: كالقتل قصاصاً، وكدفع الصائل، وقتل العادي الباغي. وإلى واجب: كالقتل حداً من جهة القاضي. فتردد الشافعي في هذه المسائل وقطع بأن كل قتل مضمون -إما بدية، أوكفارة، أو قتل -فهو موجب للحرمان. وما لا يوجب شيئاً [في هدر أو] في معنى الموت في حقه. فيتحمل التوريث، ويحتمل تعميم الحرمان: نظراً إلى الصيغة. ثم ثار -بعد هذا -اختلاف في الوصية للقاتل: فمنهم: من منع؛ وهو رأي «للشافعي»، ومذهب أبي حنيفة.

стр. 72

وهذا زيادة على ما تناولته الصيغة بطريق الإلحاق بالمعنى: إما تشوفاً إلى معنى الاستعجال والمعارضة بنقيض القصد، أو مصيراً إلى أن المال المستحق بالموت المطلق كله باب واحد. ولكن يستحق مرة بقرابة، وأخرى بزوجية، وتارة بوصية. والكل باب واحد. فما كان علة لإسقاط شيء منها، كان علة لإسقاط الكل. ومنهم: من فرق بين الوصية للجارح، وبين جرح [الجارح] الموصى له. نظراً إلى معارضة المستعجل بنقيض قصده. فهذه آراء مختلفة، بعضها: في الزيادة على المنصوص [كما في الوصية]، وبعضها: في النقصان من المنصوص من حيث الصيغة كما ذكرناه. ومستند الزيادة والنقصان معنى فهم من نفس النص. وكل ذلك من سبيل المجتهدين.

стр. 73

فأما أن نقول في جميعها: أنه صواب في حق من أدى اجتهاد إليها، مصيراً إلى تصويب المجتهدين. أو نقول: الحق عند الله واحد لا بعينه، وطريق التعيين محسوم، إذ لا مطمع في العلم ولا في الدليل، وإنما المنتهى أمارة طنية تعبد الخلق باتباعها. وحظ الأصول من جملة ذلك أن شيئاً من هذه المسالك ليس باطلاً على القطع بطريق أصولي، لا في طرف الزيادة ولا في طرف النقصان، وأن شيئاً من هذه المسالك ليس مبطلاً لأصل التعليل الذي وقع عليه التنبيه عليه بإضافة الحكم إلى القتل؛ ولكن رجع حاصل النظر إلى أن الحكم منوط بالقتل لعينه أو لمعنى يتضمنه؟. فإن نيط به لمعنى يتضمنه، فما عين ذلك المعنى وحده، وقد اشتمل القتل على معان؟. وكل ذلك في محل الاجتهاد، وليس خارجاً منه. نعم: للمجتهدين أن يتجاذبوا أطراف الكلام في ترجيح بعض هذه المعاني على بعض. فما لا يناسب من جملة متضمنات القتل -لا يجوز أن يجعل مناطاً، حتى نستخرج بسببه بعض مسميات القتل عن العموم؛ لأن

стр. 74

الربط بما لا يناسب تحكم محض، ومن قنع بالتحكم، فالتعلق بالصيغة أولى معتصم في حقه. فلا يجوز مخالفة الصيغة في ظاهرها بزيادة ولا نقص، إلا بظن غائب [أعلى من الجمود على الصيغة، ولا غلبة للظن إلا على معنى مناسب]. ثم إذا اشترك معنيان في المناسبة، وانتقض أحدهما أو كلاهما -فالمنقوض مردود، والرجوع إلى ظاهر الصيغة متعين. كما يقال لمن اعتبر معارضة المستعجل بنقيض قصده: هذا منقوض بالمستولدة تقتل سيدها، فتعتق وفاقاً، ومستحق الدين يقتل من له الأجل، فيتنجز استحقاقه وفاقاً. فانتقض هذا المعنى. ولو كانت هذه العلة سديدة: لجاز طردها، والقول بموجبها في المستولدة ومن عليه الدين. وإذا لم نوجد بينهما فرقاً معنوياً، انتقض معناه، ولم يصلح التعويل عليه في الفرق بين الوصية للجارح، وجرح الموصى [له]، وجرح الوارث المحجوب بقريب آخر: إذا مات حاجبه، وجرح من ليس محجوباً. ولم يجز اعتماده في إخراج الخطأ عنه، من حيث أنه لا ينسب إلى قصد الاستعجال. ومن يدعي معنى العقوبة: ينتقض كلامه بالخطأ، فإنه غير معاقب

стр. 75

شرعاً، فلم يصلح معناه لإخراج القتل خطأ عن العموم. وكذلك نصنع] ١٥ - أ [بآحاد المعاني المنقوضة. فإن فرض معنيان مناسبان لا ينتقضان، رجح أحدهما على الآخر] ١٥ - أ [بالتأثير: بأن يدل دليل آخر في الشرع على كون أحد المعنيين مؤثراً في جنس هذا الحكم، فهو أولى من الآخر. كقول أبي حنيفة ﵁: إن الحرمان نوع عقوبة، والقتل نوع جناية، فهو محروم بسببه، فيخرج منه القتل المباح، والقتل الواجب، وقتل الصبي»:: إذ العقوبات محطوطة عنه، ولذلك لا يوجب الكفارة عليه، لأن فيها معنى العقوبة. ويوجب الكفارة على الخاطئ: لأن في فعله معنى الجناية. فيترجح هذا على قول من ينظر إلى مقابلة المستعجل بنقيض قصده إن سلم من النقض، ولم يستعمل على طريق العقاب؛ وعلى قول من يقول: الإرث اضطراري، ولو حصل بالقتل لصار كسباً، وكان ذلك تغييراً لوضعه، حتى نطرده في كل قتل مختار مكتسب حقاً كان أو باطلاً. إذ هذه المعاني وإن كانت تناسب بعض المناسبة، فلم يظهر في الشرع
следующие страницы →