Полный текст (678 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
والظن بأبي زيد أنه أراد ××: المناسب الملائم؛ ولم يشترط التأثير على التمثيل الذي قدمناه، بل اكتفى بالمناسبة مع الملائمة.
ويشهد لذلك ما ضربه: من الأمثلة للقياس؛ إذا قال:] قال [النبي ﵇: "أنها من الطوافين عليكم والطوافات"، على لسقوط النجاسة: بضرورة] الطوف علينا [؛ وللضرورات تأثير في إسقاط حكم الخطاب. وهذا ما نعنيه بالمناسبة؛ فإن الحاجة داعية إلى المخالطة، فوق ذلك على الرتبة الثانية من المناسبات التي ذكرناها. وهذا ملائم مجانس لتصرفات الشرع في توسيع الأمر، في مظان الحاجات.
ومن أمثلة قوله في مسح الرأس: أنه مسح، فلا يسن تثليثه كمسح الخف.
стр. 177
فهذا سماه مؤثرا؛ وهو واقع في التربة الأخيرة من المناسبات التي] ذكرنا أمثلتها [. ويكاد] ٣١ - أ [يلتحق -عند تمام البحث- بشبه مجرد، أو بمناسبة اقناعية ضعيفة.
وبيانه] هو أن يقال له [: ولم عللت سقوط التكرار في الأصل بكونه مسحا؟ ويطلب بإبداء أثره.
فان قال: لأن المسح في ذاته أخف من الغسل، ويلحق الناس في الغسل -من المشقة- ما لا يلحقهم في المسح؛ ولأن صفة المسح قد أثرت في إيجاب تخفيف هذا الركن، متى قوبل بالغسل في حق استيعاب محله. هذا ما ذكره أبو زيد في إبداء تأثيره.
ففيه نظر: إذا نسلم أن المسح في ذاته أخف] من الغسل [ولكن: لم يمتنع تكريره؟ وما وجه المناسبة؟ وأين ظهر في الشرع -لخفة الذات- تأثر في منع التكرار؟
стр. 178
يبقى قوله: انه ظهر تأثيره في التخفيف حيث لم يجب استيعاب محله؛ وهذا ×× إلى إظهار] أثر [عين العلة في جنس الحكم المتنازع فيه، وهو: التخفيف، فيقول: إذا عهد المسح مؤثرا في التخفيف من هذا الوجه_: ظهر كونه مؤثرا في الوجه الآخر من التخفيف.
فيقال: ومن سلم أن ذلك من أثر كونه مسحا؟ وبم عرفت ذلك: ولم يظهر إلا حكم مقرون بوصف؟ فلم جعلته معللا بذلك الوصف: وليس فيه نص ولا إجماع؟ وبم تنكر على من يقول: المسح على الرأس اكتفى فيه بالأقل: مما ينطلق عليه الاسم، لأنه واقع على الرأس؛ فهذا علته؟.
فان قال: يبطل بالمسح على الخف، فانه يساويه في الحكم، وليس واقعاً على الرأس.
قيل: هذا عكس، وليس بنقض؛ والعلة فيه: كونه على الخف؛ ويجوز إثبات الحكم في محلين بعلتين.
فان قال: وأي مناسبة -لكونه على الرأس، أو على الخف- في الاقتصار] على البعض [؟ قلنا: فهذا اعتراف بأن طريق المعرفة: المناسبة. فإذا ظهر مناسبة المسح للحكم، ولم تظهر مناسبة هذه الأوصاف، وجب التعليل بالمناسب؛ وإلا: فمن يتمكن من إبداء نص أو إجماع في
стр. 179
تعليل الحكم بكونه مسحا؟!. وإنما الطريق هي: المناسبة؛ فطلب التأثير، وطلب المناسبة واحد؛ وهما عبارتان عن معنى واحد. فأما الاقتصار، في الاستدلال، على إثبات العلة بالإجماع أو بالنص -فلا وجه له.
وهذه العبارة تداولها ×× من أبي زيد، وهو أن العلة: ما ظهر تأثيره بالنص أو الإجماع. وهذه الأمثلة لا تصير على هذه الترجمة، بل يضطرون إلى تفسير التأثير: بالمناسبة؛ ثم يكتفون بمناسبة ضعيفة؛ ومناسبة المسح للتخفيف في غاية الضعف، وحاصله يرجع إلى أنه خفيف بذاته، فينبغي أن يخف حكمه؛ وهذا تحكم محض، يكاد يلتحق] بأنواع الاقناعيات من [المناسبات، ويتقاعد عنه، وأي بعد في أن يقال: الاقتصار على الأقل نوع تخفيف لا تعقل علته، وليس ذلك لكونه مسحا؟
وان أرادوا الإنصاف، فسببه: أن المسح من المصادر التي لا تقتضي الاستيعاب في اللسان، بخلاف الغسل، فهذا مستنده.
وليس من غرضنا عين تلك المسئلة؛ وإنما غرضنا اضطراره -بهذا المثال- إلى القول بالمخيل المناسب، والمنع من الاقتصار -في إثبات العلة-
стр. 180
على الاستدلال بالنص أو الإجماع؛ فإن ذلك يعز وجوده في المسائل القياسية.
مثاله الآخر] قوله [: أنا متى قلنا: نكاح الأمة -مع طول الحرة- يجوز: لأنه معنى يجوز معه هذا النكاح للعبد؛ فيجوز للحر: قياسا على] الجهل بالغنا [ووجود حرة رضيت بغير مهر.
سمى هذا مؤثرا، وأورده في أمثلة المؤثرات، وأين يتصور ها هنا إثبات العلة] وتأثيرها [بنص أو بإجماع؟
والمطالبة عليه أن يقال: ولم قلت: أن ما لا يمنع العبد لا يصلح أن يكون مانعاً في حق الحر؟ ومن سلم أن] الجهل بالغنا [لا يمنع الحر لأنه لم يمنع العبد؟] بل لم [يمنع العبد: لأنه لم يمنع الحر،] بل [لم يمنع كل واحد منهما] لدليل دل [عليهما على وجه واحد. وهو الإنصاف.
стр. 181
فإن قال: لأن الشرع بني جواز النكاح على الحل، ونصف حكمه بالرق، وجواز] ٣٢ - ب [للحر أربع نساء، وللعبد اثنتين؛ فبقى العبد في النصف، على ما عليه الحر في الكل؛ فلا يفترقان إلا في هذا القدر، ويستويان فيما بقى. هذا ما ذكره أبو زيد من تأثيره.
فهو تحكم. أما الفرق في العدد، فمسلم.
وأما قوله: بقى في الباقي مسوايا للعبد؛ فتحكم في محل النزاع، وليس ذلك مسلما، وعليه إقامة الدليل.
فان قال: استويا في] الجهل بالغنا [، فليستويا في القدرة.
قلنا: لم قلت ذلك، ولم يبعد أن يستويا من وجه ويفترقا من وجه، كما في العدد وغيره؟ وإنما استويا -فيما استويا فيه- لاقتضاء الدليل التسوية، لا لاستوائهما في حكم آخر. فما الدليل المقتضي التسوية ها هنا؟
فالمطالبة لا تنقطع عن هذا الكلام أبد الدهر، لأنه حاول تعليل
стр. 182
النفي الأصلي بعلة مؤثرة موجبة؛ وذلك محال كما سنشرحه من بعد. وإنما النافي يستدل أما بعموم أو بدلالة، أو] بسير حاصر لمدارك [الإثبات ونفيه. فإن الشافعي يجعل القدرة على الطول مانعاً؛ فهو المدعى، وكونه مانعاً يفتقر إلى موجب ومقتضى؛ فأما عدم كونه مانعا -وهو البقاء على الأصل- فلا يقتضي موجبا، بلا يكتفي فيه بانتفاء الدليل المغير، وإنما يستدل -في هذا الجنس- بعموم، كقوله تعالى "وانكحوا الأيامى منكم" مثلا؛ إلى أن يبين المدعى أن هذا مخصوص بالموانع، وأن القدرة من] جملة [الموانع. فذكر مأخذه، أو يستدل بطريق الدلالة] عليه [فيقول: لو منع الحر. فهذا الجنس من الدليل جار في النفي، ولكنه -في هذا المقام لا ينفك عن المطالبة. أو يستدل ×× -وهو الطريق الجاري في جميع هذه الأجناس-
стр. 183
فيقول: كونه مانعا إنما يتلقى من السمع، أو من القياس، ووجهه في القياس: افضاؤه إلى الارقاق، أو اقتباسه من منع الحرة تحته نكاح أمة. وهذه الطرق باطلة. وإذا انتفى دليل على تأثيره في المنع، لم يؤثر.
فهذا هو الطريق في أجناس ذلك، كما سنذكره. وغرضنا الآن أن نقول: من اجتزأ بمثل هذا الكلام، فكيف يحسن منه أن يترجم مذهبه في العلل، بأن العلة: ما دل النص أو الإجماع على كونه علة. فدل أنه في جميع ذلك يتشوف إلى المناسبة، وقد يشترط معها الملائمة. فكلامه -في هذه الأمثلة- يرجع إلى إظهار الملائمة، وهو مراده بالتأثير. ولذلك أورده في أمثلته عن الشافعي: أن النكاح ليس بمال، فلا يثبت بشهادة النساء وقال: هذا] مؤثر [، لأن المال خلق بذلة،
стр. 184
فتكثر فيه] وجوه [المعاملة؛ وفي تقييد الأمر فيه بالرجال نوع حرج، وهذا ما نعنيه بالمناسب] الملائم. وكذلك قال الشافعي: الزنا فعل يرجم عليه، فلا يساوي النكاح الذي يحمد عليه: في حرمة المصاهرة وقال: هذا مؤثر، وهذا الذي نعنيه بالمناسب [، كما تقدم.
وأما ما نقله -من أمثلة المؤثر، عن أبي حنيفة، أنه قال: المحجور] عليه [اذا استودع فاستهلك الوديعة- لا يضمن، لأنه لما أودعه: فقد سلطه عليه. وزعم أن هذا مؤثر -فالأمر على ما قال؛ ولكنه ليس من قبيل اثبات وصف علة الأصل، فإن هذا الكلام لا يفتقر إلى أصل لو ثبت؛ فليس هو على شكل هذا القياس] الذي حددناه: بالجمع بين الأصل والفرع برابطة [] ٣٢ - أ [وإنما هو
стр. 185
من قبيل دخول التفصيل تحت الجملة.
وسنذكر جنس هذا الدليل؛ وحاصله يرجع إلى أن التسليط مسقط، والإيداع ها هنا تسليط: فكان مسقطا؛ فهما مقدمتان ونتيجة، لا يتصور الخلاف في النتيجة مع تسليم المقدمات، وهو كقولنا: كل حيوان نام وكل انسان حيوان: فكل انسان نام. ومثاله من الفقه: كل مغصوب مضمون، والعقار مغصوب، فكان مضمونا.
فليس هذا على شكل القياس الذي نحن فيه؛ وإنما محل النظر إثبات الغصب في العقار؛ ومأخذه طلب حد الغصب؛ وذلك لا يعرف من القياس؛ ومحل النظر في الإيداع بيان] أن [الإيداع] تسليط [، ومأخذه طلب حد التسليط؛ ولا يؤخذ ذلك من القياس.
ومن هذا القبيل، ما أورده من قول أبي حنيفة: إذا اشترى نصف أبيه لم يغرم للبائع؛ لأنه أعتق برضاه.
وكذلك ما أورده] عن محمد بن الحسن، من قوله [، إذا قال لزوجته: إذا دخلت الدار فأنت طالق ثلاثا، ثم طلقها ثلاثا، ثم عادت إليه، ثم دخلت] الدار [لا تطلق، لأنه حيث طلقها ثلاثا فقد
стр. 186
ذهب طلاق ذلك الملك] كله [، لأن حاصله أن اليمين لم يتناول إلا طلاق ذلك الملك، ولم يبق: فلا يقع.
ومن سلم هذه المقدمات، لا يتصور خلافه في النتيجة، نعم: قد ينازع في المقدمات ثم ينجر الكلام -في إثباتها إلى كلام هو على شكل القياس الذي نحن فيه.
وقد بان -على الجملة- أن المناسب الملائم مقول به باتفاق القائسين؛ وإنما اختلاف القائسين في المناسب الغريب: الذي لا يلائم؛ أو المناسب الملائم: الذي لم يشهد له أصل معين. وهو الذي يلقب -في لسان الفقهاء- بالاستدلال المرسل؛ يعني به الاعتماد على المعنى المناسب المصلحي] الذي [يظهر في الفرع، من غير استشهاد بأصل معين. ومذهب مالك يشير إلى إتباع المصالح المرسلة؛ وللشافعي فيه تردد رأي.
فأما المناسب الغريب -الذي لا يلائم، ولا يشهد له أصل معين- فهو مردود: لا يعرف فيه خلاف. فينحل منه: أن ما لا يناسب
стр. 187
لا يجوز نصبه علة بالرأي؛ وإنما يعرف نصبه علة بدلالة النص أو الإيماء أو الإجماع.
فأما ما يناسب، فأربعة أقسام: مناسب جمع شهادة الأصل والملائمة، فهو ×× باتفاق القائسين. ومناسب عدم الملائمة وشهادة الأصل، فليس حجة بالاتفاق. ومناسب شهد له أصل معين، ولكنه غريب لا يلائم. ونعني بشهادة أصل معين: أنه مستنبط منه من حيث أن الحكم ثبت شرعاً على وفقه. ومناسب ملائم] لا [يشهد له أصل معين. وسنذكر أمثلة ذلك في المصالح المرسلة.
أما المناسب الغريب الذي لا يشهد له أصل معين، فمثاله ما] ذكرناه: من المناسبات [الغريبة لو قدر ابتداؤها لإثبات الحكم، لا لتعليل الحكم الوارد. كما لو لم يرد قوله: "القاتل لا يرث"،] فقال قائل [: لا نورثه، معارضة له بنقيض قصده في الاستعجال للميراث قبل أوانه. ويزعم أنه مناسب، ويريد إثبات الحكم به. فهذا لا وجه له.
والآن، فلابد وأن تفصل القول في المناسب الغريب المستنبط
стр. 188
من محل النص، وفي المناسب الملائم المرسل الذي لا يشهد له أصل] معين [.
أما المناسب الغريب، فالاعتماد عليه في محل الاجتهاد. وينقدح لمنكريه التمسك بأمرين:
أحدهما: أن مستند القول بالقياس] ٣٢ - ب [إجماع الصحابة؛ والمنقول عنهم: التعليل بالمعاني الملائمة، دون المناسبات الغريبة التي لا نظير لها في الشرع.
والثاني: أن نكشف عن مستند المستند، فنقول: حكم الصحابة بالرأي والقياس لا من] تلقاء [أنفسهم، بل فهموا -من مصادر الشرع وموارده، ومداخل أحكامه ومخارجه ومجاريه ومباعثه-: أنه ﵇ كان يتبع المعاني، ويتبع الأحكام الأسباب المتقاضية لها: من وجوه المصالح: فلم يعولوا على المعاني إلا لذلك، ثم فهموا: أن الشارع جوز لهم بناء الأحكام على المعاني التي فهموها من شرعه: لقوله ﵇ لمعاذ: بم تحكم؟ وتقرير على قوله:
стр. 189
أجتهد رأيي. ولقوله لعمر: "أرأيت لو تمضمضت"؟ ولقوله للخثعمية: "أرأيت لو كان على أبيك دين"؟ ولقوله: "أنها من الطوافين عليكم والطوافات". كل ذلك تنبيه على الحكم بالنظائر، والتسوية بينهما عند الاجتماع في المعاني المعقولة منها. فهذا مستندهم؛ ثم هو واضح فيما نبه على المعنى فيه تصريحا أو تعريضا، نطقا أو إيماء.
فأما ما ذكره ولم يذكر علته، فطريق التفطن لعلته: ملاحظة عادته المألوفة في إثبات الأحكام ونفيها. كالواحد منا إذا قال لغلامه: اضرب فلانا لأنه سرق مالي؛ فهم سببه بنصه. فلو قال: اضرب فلانا؛ واقتصر ولم يذكر سببه، ولكن علم الحاضرون أنه] قد [شتمه -غلب على ظنونهم أن الداعي له إلى] الأمر [بالضرب، شتمه. هذا: إذا عرف من دأبه وعادته مقابلة الإساءة بمثلها، على طريق العقاب والزجر والانتقام والتشفي. فأما الرجل الذي عرف من دأبه -على الطرد- مقابلة الإساءة بالإحسان، أو الإغضاء والتجاوز-
стр. 190
فإذا قال: اضرب فلاناً؛ وكنا قد علمنا شتمه، لا يتبين لنا أن ضربه للشتم: فإن الدواعي والصوارف تختلف بالطباع والعادات، فالرجل المنعم المتقي إذا تواضع له رجل: احتمل ذلك أن يكون تبركا منه بتقواه، واحتمل أن يكون طمعاً منه في نعماه، ودنياه. ولا يعرف ذلك إلا بعادة المتواضع. فإن عرف بالتكدي والسؤال وجمع المال، فبهذا الطريق ظهر أن سبب تواضعه ذلك ... وأن عرف من دأبه الزهد في الدنيا والإعراض عنها، والترفع عن التضمخ برذيلة السؤال -وهو مع ذلك ملازم سمت التقوى والسداد- ظهر أن تواضع: لتقواه، لا لغناه] ودنياه [. وان لم يعرف من عادة المتواضع شيء من ذلك، بقى الأمر محتملاً.
وكذلك معاني الأحكام، تعقل بمثل هذا الطريق؛ وكل ذلك يستمد من موافقته معاني الشرع وملحوظاته: من المصالح. لأنه كما راعى ضروباً من المصالح، أعرض عن أنواع من المصالح.
فهذه المصلحة المناسبة: إذا ظهرت أمكن أن يكون ملحوظاً، و] أمكن [أن لا يكون هو الملحوظ، وإنما] وقع [ذلك مقروناً
стр. 191
بالحكم وفاقاً كسائر الأوصاف. فما الذي رجح جانب الاعتبار، على جانب الإخلال؟
وإلى مثل هذا، ترجع تصرفات الصحابة ﵃: إذا سبرت مسائلهم.
فقد تكملوا في مسئلة الجد مع الأخ، وليس فيها نص؛ واحتمل التقديم، واحتمل التشريك. فعلموا أن الشارع -في الترجيح والتسوية -يلاحظ مراتب القرب، فقالوا: [الجد] أب [الأب]، والأخ ابن الأب؛ فكل واحد يدلي بواسطة واحدة، والواسطة الأب؛ فاستويا: فيشركان.
وقال آخرون: كما عرف من دأب الشرع ملاحظة القرب، عرف ملاحظة القوة في الترجيح. ولذلك قدم من تقوت [٣٣ - أ] نسبته بالعصوبة، وقدم ابن العم -وإن سفل -على ابن الأخت وإن قرب وللجدودة قوة إفادة الولاية ليس ذلك للأخوة، والجد أب عند فقد الأب، وليس الأخ أباً؛ فيقدم.
وأجيب عنه: بأن البنوة أقوى من الأبوة؛ ولذلك فضل الابن
стр. 192
على الأب في الميراث. والأخ يدلي ببنوة الأب، والجد بأبوته؛ فتعادلت القوة.
وهلم جرا إلى جميع نظائره. وكل ذلك عرف من عادة الشرع اعتبارها، وملاحظة جنسها. وإنما تترجح جهة الاعتبار على جهة [التعطيل و] الإهمال، بملاحظة العادة المألوفة؛ وليس ذلك إلا بالملاءمة.
هذا طريق تقرير هذا الجانب، والذي نراه -والعلم عند الله تعالى -جواز التعليل بهذا المناسب، وإن لم يكن ملائماً، ولست أقول: إن المسئلة قطيعة، ولكنها اجتهادية. وإنما المقطوع به -في الشرع -أصل القياس. أما الحكم بهذا النوع من القياس، فهو في محل الاجتهاد. والظاهر عندي: جواز التعويل عليه، وأنه ملتحق بالمناسب الملائم وإن كان دونه في الظهور، ولكن للمعاني مراتب ودرجات، يظهر أثر تفاوتها عند التوارد، والتزاحم، والترجيح.
فالمؤتر الذي قدمناه، على التفصيل الذي حددناه [القياس] المؤثر به، -وهو: ما دل مسلك نقلي على اعتبار عينه -مقدم على المناسب الملائم.
стр. 193
والملائم مقدم على الغريب. ولكن المناسب الغريب -أيضاً - حجة؛ ويتضح وجهه بالانفصال عما نصرنا به الجانب الآخر. فأما التمسك بإجماع الصحابة، وأنه لم ينقل عنهم هذا الفن -فلا حجة فيه. ولا يستبين ذلك إلا بسبر جميع مسائلهم.
وعلى الجملة: المفهوم من الصحابة اتتباع المعاني، والاقتصار في درك المعاني على الرأي الغالب، دون اشتراط درك اليقين؛ فإنهم حكموا في مسائل مختلفة، بمسالك متفاوتة الطرق ومتباينة المناهج؛ لا يجمع جميعها إلا الحكم بالرأي الأغلب الأرجح؛ وهو المراد بالاجتهاد الذي قرر النبي ﵇ -معاذاً عليه. فعلينا أن نبين [أن] هذا يفد غلبة الرأي.
وأما ما ذكروه -: من أن الدواعي إنما تعرف بالعادة المألوفة، وأن من عرف منه مقابلة الإساءة بالإحسان، لا يعلل أمره بالضرب، بالشتم المعلوم -قلنا: نعم؛ وما عرف -أيضاً -من عادة الشرع نقيضه، فلا يجوز التعليل به. ولكن في هذا المقام ثلاث مراتب، لابد من التنبيه لتقاطعها؛
أحدها: أن يعرف من عادته الضرب والعقاب بجنسه، فيظهر التعليل بالشتم.
стр. 194
والثاني: أن يعرف من عادته مقابلة الإساءة بالإحسان، فيظهر -مع معرفة هذه العادة -بطلان التعليل.
والثالث: [أن] لا تعرف له عادة بنفي ولا إثبات؛ فإذا أمره بالضرب، وقد عرف الشتم -: غلب على الظن أنه الداعي إليه.
وكذلك عادة الملوك في معاملة الجاسوس منقسم؛ فمنهم: من يقتل الجاسوس للزجر، ومنهم: من [يعرض عنه] لإظهار الاستهانة بالخصم، أو يستميل ليستكشف عورات العدو منه.
فلو فرضنا ملكاً حديث العهد بالملك، عثر على جاسوس، فقتله -لم نسترب في أنه قصد [به مقصد] العقاب على تجسسه، ولو أعرض [عنه]-مع العلم والقدرة على العقاب -واستمال، ولم تسترب في أنه قصد به مقصد الاستمالة: للاستكشاف، ويتنبه العقل لداعيه تنبهاً ظنياً، [إن] لم يكن قطعياً.
فإن قيل: إنما يعرف ذلك بملاحظة سائر الملوك، وأن الغالب: أن مسالكهم تتفق في ذلك، [وكذلك] الأمر بالضرب للشتائم، يعرف أن
стр. 195
داعيته: جريمة الشتم، ملاحظة [لغالب ((٣٣ - ب)) عادة الخلق]؛ فإن الغالب: أن الناس -في إرادة التشفي والانتقام -لا يتفاوتون، فإن ذلك قضية جبلية [طبيعية]. فلم نستغن في فهم ذلك عن ملاحظة عادة [الناس] وملاءمة الفعل له.
قلنا: الملك الواحد: إذا عهد منه مرة قتل جاسوس، وعهد أخرى استمالته؛ فاتفق ثالث فقتله -نعلم أنه سلك مسلك العقاب؛ وإن كانت عاداته متعارضة، وعادات غيره من الملوك متعارضة. ولكن: إذا أثبت الحكم على وفقه، تيقناً أنه أجاب تلك الداعية المعينة.
فكذلك الشارع: إذا أثبت حكماً على وفق معنى يتقاضى ذلك الحكم ويستدعيه ويناسبه، غلب على الظن أنه [ملحوظة و] مقصوده، وأنه بحكمه مجيب تلك المناسبة الداعية المتقاضية.
فإذا فرض ميراث بين الأخ من الأب والأم والأخ من الأب: احتمل في منهاج النظر -لرعاية النصفة والمعدلة بين الجوانب -ثلاثة احتمالات كلها مناسبة:
أحدها [أن] تقديم الأخ من الأب والأم، لاختصاصه بمزيد
стр. 196
القوة، وترادف جهة القرابة عليه.
واحتمل أن يقال: لا يحرم الأخ من الأب؛ فإن فيه الحاقة بالأجانب؛ وهو يختص بقرابة لا ينبغي أن تعطل. [فيفصل القسم على تفاوت الأثلاث مثلاً].
واحتمل أن يقال: إذا استويا في الدرجة من جهة الأبوة، وهي الجهة الأقوى في العصوبة؛ والأمومة لا مدخل لها في العصوبة -: فليستويا.
فإذا جاء الشرع بالتقديم: عقل [به] أنه سلك به ذلك المسلك؛ وإذا جاء بالتسوية: عقل أنه أسقط ملاحظة الأمومة؛ وإذا جاء بالقسمة مع التفاوت: عقل أنه سلك به المسلك الثالث، فالاحتمالات كلها مناسبة صالحة لأن تكون داعية، وإثبات الحكم على وفقها أمارة على ملاحظة الداعية المتقاضية [له].
فإن قيل: لأن هذا حكم بموجب المصلحة، وقد عرف من [عادة] الشرع ملاحظة المصالح.
قلنا: فهذا هو الحجة؛ إذ عرف من دأب الشرع اتباع المعاني
стр. 197
المناسبة، دون التحكمات الجامدة، وهذا غالب عادة الشرع. يدل عليه: أن المصالح المتناقضة في توريث الأخوين، لم تعرف جميعها من عادة الشرع. ثم ما من حكم إلا ولو ورد الشرع به: لعقل أنه إتباع للمناسبة المتقاضية له. كيف: ولو بعث نبي مثلاً، ولم ينقل عنه سوى هذه الواقعة الواحدة، فحكم فيها -فهم: أنه انقاد للمناسبة المتقاضية لها؛ قبل أن تعرف عادته، حتى أنه لو اخترمته المنية، ولم يتفق له حكم سواه -لبقى هذا الظن مستمراً لا محالة.
والذي يوضح وجه غلبة الرأي في هذا المقام، هو: أنه إذا ورد [حكم] احتمل أن يقال: أنه تحكم لا سبب [له]، ولا مصلحة فيه، ولا لطف. واحتمل أن يقال: أنه معلل بسبب خفي يستأثر بدركه الشارع ﵇، ولا يطلع عليه، والآخر أن يقال: أنه معلل [بالمعنى] المناسب الغريب الذي ظهر.
وأغلب هذه الظنون هو الأخير. إذ حمل تصرفات الشارع على التحكم، أو على المجهول الذي لا يعرف -نوع ضرورة يرجع إليها
стр. 198
عند العجز. فأما مع ظهور المعنى المناسب، فلا يتحقق العجز؛ فيغلب على الظن أنه اتبع المعنى الذي ظهر.
فإن قيل: من تصرفات الشرع، ما لم يعقل معناه، ولم يطلع عليه، فيحتمل أن يكون هذا التصرف من جملته؛ ويكون المناسب قد اقترن به وفاقاً غير مقصود.
قلنا: هذا كلام من ينكر أصل القياس؛ فإن هذا السؤال يتطرق إلى الملائم، فلعله وقع وفاقاً وملحوظ الشرع معنى آخر خفي لم يطلع عليه، أو هو تحكم لا سبب له، وقد عضدوا هذا [٣٤ - أ] بأن قالوا: عرف [من] الشارع أن [من] تصرفاته تحكمات لا تعقل معانيها؛ إذ سوى بين مختلفات، وفرق بين متماثلات؛ كحكمه بجواز النظر إلى شعر الأمة، وتحريم النظر إلى شعرة الحرة، ولو لم ينص على تجويز النظر إلى شعر الأمة لقال الفقهاء: الأمة في معنى الحرة، والمعنى [المقتضي] للتحريم، خوف الفتنة، وهما سيان.
وقال بغسل الثوب من بول الصبية، وبرش [الماء] على بول الغلام، ولو ذكر أحدهما، واقتصر عليه -لألحق القائسون الجانب
стр. 199
الآخر به.
إلى أمثال لذلك ضربوها، وهو وارد على جميع القياسين.
ووجه الانفصال؛ أن ذلك يجري من تصرفات الشرع مجرى [الشاذ] النادر. والغالب من عادته في التصرفات إتباع المعاني؛ والواقعة النادرة لا تقطع الغالب المستفاد من العادة المتكررة. كما أن من عرف من عادته المعاقبة على الإساءة، ففعل الإحسان منه مرة لا يقطع ظن الظان سلوكه مسلك الانتقام عند العود. وكذلك من رأى مركب الرئيس على باب السلطان، غلب على ظنه أنه في دار السلطان؛ وإن أمكن أن يكون المركب قد استعاره إنسان أو باعه بجميع آلته، أو أمسكه الركابي لغرض له وهو في دار أخرى. ولا يشوش هذا الظن عليه رؤيته ذلك مستعاراً مرة نادرة.
стр. 200
وكذلك: الغيم الركم الكدر في صميم الشتاء، يغلب على الظن استعقاب المطر؛ وإن كان الناظر قد عهد [في عمره] مرة أو مرتين الغيم الخالي عن المطر، على سبيل الندور.
وكذلك: إذا عرف أن عزيزاً من أعزة بيت قد أشرف على الموت. فسمع عند الاجتياز بباب الدار الصياح والصراخ [على الدأب المعتاد عند وفاة المحتضر]-غلب على الظن [أنه قد مات] وإن أمكن أن يكون سببه موت غيره فجاءة من غير مرض. وقد عهدت الفجاءة على الندور بالإضافة إلى المرض.
فبان أن الظن مع ما ذكروه حاصل؛ وقد ثبت بإجماع الصحابة إتباع الظن الغالب، ودلت عليه الأحاديث، حيث قال رسول الله ﷺ لعمر: ((أرأيت لو تمضمضت [بماء] ...))؟ معناه: هلا عرفت هذا بنظيره؟. فلو قال له: ومن عادتك الفرق بين النظيرين، كما في شعر الأمة والحرة، وبول الصبي والصبية؛ لكان ذلك مستنكراً.
وكذلك قوله ﵇: أرأيت لو كان على أبيك دين؟. فعلم
стр. 201
أنه عرفهم تعرف الأحكام بالنظائر، والتناظر؛ والتساوي يعرف بالتناظر في المعنى لا بالصورة، فلا مضاهاة بين القبلة والمضمضة في الصورة، وإنما اشتراكهما في المعنى، وهو: أن كل واحد [منهما] مقدمة قضاء الشهوة، وليس فيه قضاء الشهوة.
فقد بان بطلان هذا الملك على منكري القياس [ولا خفاء ببطلان هذا السؤال من القائلين بالقياس]؛ إذ ينعكس عليهم في الملائم والمؤثر، ويقال لهم: بم تنكرون على من يقول: لعل الشارع خصص اعتبارهما بمحل النص تحكماً: فلا تجوز تعديته؛ أو لعل المعنى وقع وفاقاً، والحكم تحكم أو له سبب آخر لا يعرف.
فإن قيل: التحكمات - التي لا تعقل معانيها - ليست نادرة، وأنتم بنيتم ما ذكرتموه على ندور التحكم بالإضافة إلى المعاني واتباعها.
قلنا: ما يتعلق من الأحكام بمصالح الخلق -: من المناكحات والمعاملات، والجنايات والضمانات؛ وما عدا العبادات - فالتحكم فيها نادر؛ وأما العبادات والمقدرات، فالتحكمات فيها غالبة، واتباع المعنى نادر.
لا جرم رأي الشافعي [فيه] الكف عن القياس في العبادات، إلا إذا ظهر المعنى ظهوراً: لا يبقى معه ريب؛ ولذلك لم يقس على التكبير
стр. 202
والتسليم والفاتحة والركوع والسجود - غيرها؛ بل لم يقس على الماء في الطهارات غيره، ولم يقس الأبدال والقيم في الزكوات على المنصوصات، ولم يقس في مسألة الأصناف. ومال في جميع مسائلها إلى الكف عن القياس، ورعاية الاحتياط، لأن مبنى العبادات على الاحتكامات ، ونعني بالاحتكام: ما خفي علينا وجه اللطف فيه [٣٤ - ب]؛ لأنا نعتقد أن لتقدير الصبح بركعتين، والمغرب بثلاث، والعصر بأربع - سراً، وفيه نوع لطف وصلاح للخلق، استأثر الله بعلمه، ولم نطلع عليه. فلم نستعمله، واتبعنا فيه الموارد.
ولسنا نقول ذلك: لأنا نرى رعاية الصلاح واجباً على الله تعالى، ولكنا عرفنا من أدلة الشرع أن الله تعالى -[ببعثه الرسل، وتمهيد] بساط الشرع - أراد صلاح أمر الخلق في دينهم ودنياهم؛ والله [ منزه] عن التأثر بالأعراض، والتغير بالدواعي والصوارف، ولكنها شرعت لمصالح الخلق، نعقل ذلك من الشرع لا من العقل؛ كيلا يظن بنا ظان استمدادنا - في هذه التصرفات - من معتقدات أرباب الضلال،
стр. 203
وطبقات الاعتزال.
فإن قال قائلٌ: فما قولكم في الاقناعيات من المناسبات؟
قلنا: ذلك - أيضاً - من المعتبرات في إثبات الأحكام؛ لأن جميع المناسبات - عند البحث - لا ترجع إلى اقتضاء المعاني الموجبات بذاتها، وإنما هو نوع من المناسبة يستدعى الحكم بالعادات المطردة؛ ولا يرجع ذلك إلى الذوات، مثل العلل في المعقولات، وللعادات التفات إلى المعاني الخطابية الإقناعية؛ وللشرع ملاحظة لجنسه؛ وهو من الدواعي المتقاضية بالعادة أيضاً، فإحالة الحكم عليه أغلب على الظن من اعتقاد التحكم الجامد الذي لا معنى له ولا سبب؛ وكأن العقول مشيرة إلى إحالة كل حكم على معنى؛ والاعتراف بالتحكم ضرورة العجز؛ فإذا فقد وجه سوى الوجوه الخفية الضعيفة، وجب التعليل بها. إلا أن الإقناعيات لا ينتفع بها غالبا في تعدية الأحكام؛ إذ يمكن أن يذكر لاختصاصها بمحل النص، معنى على ذلك المذاق: يخصها، ويمنعها من التعدي.
стр. 204
بيانه: أن من علل تحريم بيع الخمر مثلا بنجاسته، بالطرق الذي قدمناه؛ وعداه إلى السرقين وسائر النجاسات - أمكن أن يقال في معارضته: أن [للشرع اعتناء] بنوع خسة أثبتها للخمر وخصصها بها: تنبيها على فسادها، وتحريضا على استقذارها واجتنابها؛ فتحريم البيع يختص بها ولا يتعدى إلى السرقين: لاختصاصها بهذا المعنى.
وكذلك لو علل تحريم بيع الكلب بنجاسته، بالطريق الذي قلنا - أمكن أن يقال في معارضته: أنه معلل بنوع خسة ورذالة تختص بالكلب في العادة؛ ولذلك يشبه الخسيس - من سائر الحيوانات - به: كما يشبه الشجاع بالأسد، والمنافق بالثعلب.
فيقابل الاحتمال بهذا القدر، لأن أمثال هذه المعاني لا يصفو عن التخييلات مذاقها، فيتسع نطاقها، ولا تحصل الثقة بها؛ فإن حصل به الثقة، وسلم عن المقابلة بمثله - جاز للمجتهد التعويل عليه: أن رآه؛ فإنا رأينا هذا الجنس في محل الاجتهاد، ويختلف ذلك بآحاد المسائل؛ فيجوز للمناظر الاحتجاج به: أن قدر إيراده في قالب المناسبة وشكله.
стр. 205
هذا ما أردنا أن نذكره في المناسبات المستنبطة من الأصول المنصوصة، ولم نتعرض فيه لأدلة إثبات القياس على منكريه، مقصوداً لغرضين.
أحدهما: أن اعتناءنا في هذا الكتاب بما تمس [إليه حاجة] القائسين المتناظرين؛ وقبول أصل القياس - فيما بينهم - كالمفروغ منه.
والآخر: أن كلامنا - في هذه الترديدات والمرادات - أشتمل على اللباب من أدلة [إثبات] القياس، فلم يسترب من تأمل في مجارى هذه الكلمات - في مأخذ أصل القياس، وكونه حجة في الشرع.
وقد تم غرضنا من بيان المناسب الملائم والغريب: إذا ثبت حكم على وفقه.
أما المناسب المرسل: إذا ظهر في نفس المسألة على مذاق المصالح - وهو الذي يعبر عنه الفقهاء: بالاستدلال المرسل؛ وهو: التعلق بمجرد المصلحة من غير استشهاد بأصل معين، - فهذا ما اختلفت فيه رأي العلماء.
فالمنقول عن مالك ﵀: الحكم بالمصالح المرسلة، ونقل عن الشافعي [فيه] تردد. وفي كلام الأصوليين [٣٥ - أ]- أيضاً - نوع
стр. 206
اضطراب فيه. ومعظم الغموض في هذه القواعد منشؤه: الاكتفاء بالتراجم والمعاقد، دون التهذيب بالأمثلة.
ونحن نمهد - في مبدأ [هذا] الكلام - قاعدة، ثم نهذبها بالأمثلة. فنقول:
قد رتبنا المناسب [فيما تقدم] على ثلاث مراتب، وذكرنا أن منها: ما يقع في رتبة [الضرورات، ومنها: ما يقع في رتبة الحاجات، ومنها: ما يقع في رتبة] التحسينات والتزيينات.
فالواقع منها في هذه الرتبة الأخيرة، لا يجوز الاستمساك بها: ما لم يعتضد بأصل معين ورد من الشرع الحكم فيه على وفق المناسبة؛ ثم إذا اتفق لك، فنحه منه على علالة كما قدمناه، فأما إذا لم يرد من الشرع حكم على وفقه، فاتباعه وضع للشرع بالرأي والاستحسان؛ وهو منصب الشارعين، لا منصب المتصرفين في الشرع، وإنما إلينا التصرف في
стр. 207
[هذا] الشرع الموضوع؛ فأما ابتداء الوضع: فليس لأحد من الخلق التجاسر عليه.
ومثال هذا الجنس: الحكم بأن ما حكم الشرع بنجاسته مثلا [فنحن نحرم] بيعه، ونقدر عدم وقوع الاتفاق على تحريم بيع بعض النجاسات.
وكذلك القول في الأمثلة التي ضربناها لهذه المناسبات: إذا قدر الابتداء بها في الفرع دون الاعتضاد بأصل، أو قدر عدم وجود الأصل.
فكل ذلك مثال لهذا الفن. ولا يخفي سقوط التمسك به، فإنا - بأنواع التكليف - توصلنا بإثبات الحكم على وفقه، إلى إثباته؛ وقدرنا الحكم شاهدا له، فإذا انقطعت الشهادة: لم يبق إلا الاستحسان والوضع بالرأي؛ وذلك باطل على القطع.
أما الواقع من المناسبات في رتبة الضرورات أو الحاجات، كما فصلناها - فالذي نراه فيها: أنه يجوز الاستمساك بها، أن كان ملائما لتصرفات الشرع. ولا يجوز الاستمساك بها: أن كان غريبا لا يلائم القواعد. ونقسمها نوعا آخر من التقسيم، فنقول: هي تنقسم إلى
стр. 208
ما يلغى في الشرع ملاحظة جنسها، فهو المعتبر. وإلى ما يصادم في محل نصا للشرع، يتضمن اعتباره تغيير الشرع؛ فهو باطل عندنا. وإلى ما تسكت شواهد الشرع ونصوصه عنه - فلا يناقضه نص، ولا يشهد لجنسه شرع - فهي: المصلحة الغريبة التي يتضمن اتباعها أحداث أمر بديع لا عهد بمثله في الشرع.
هذا وجه انقسامها: من حيث الإضافة إلى شواهد الشرع.
وتنقسم قسمة أخرى: [بالإضافة] إلى مراتبها في الوضوح والخفاء. فمنها: ما يتعلق بمصلحة عامة، في حق الخلق كافة. ومنها: ما يتعلق بمصلحة الأغلب. ومنها: ما يتعلق بمصلحة شخص معين في واقعة نادرة.
وتتفاوت هذه المراتب [بتفاوت مصالحها في الظهور]. وكل ذلك حجة: بشرط أن لا يكون غريباً بعيداً، وبشرط أن لا يصدم نصا،
стр. 209
ولا يتعرض له بالتغيير.
وهذه التقسيمات تتخايل مجملة إلى الناظر، [ونحن]- أيضاً - نهذبها بالتمثيل والتفصيل. وقل ما تلفى هذه [القاعدة في كتب الأصوليين مفصلة ممثلة] ونحن نشفى [فيها] الغليل ونكشف الغطاء عن محل الغموض، ونستقصى ذلك على وجه ينكشف به المقصود، إن شاء الله. ونرى أن نورد أمثلة القاعدة في معرض الأسئلة، ونتكلم عليها في معرض الانفصال، وننبه على ما يشتمل عليه كل مثال.
فإن قال قائل: لم قلتم: إن هذا الجنس حجة؟. وما وجه التمسك؟ وما الدليل عليه؟ وقد اضطربت فيه مسالك العلماء، وقد قطعتم القول بقبوله؟
قلنا إنما دلنا عليه ما دلنا على قبول أصل القياس؛ فإنا بينا أن خاصا، ذلك كله راجع إلى [القول بالرأي الأغلب في] فهم مقاصد الشرع.
стр. 210
وإلى هذا يرجع ما يجوز التمسك به؛ وكل مثال نذكره ففيه دليل على قبوله: إذا أظهرنا وجه الرأي فيه. ويشهد على جنس ذلك أمر كلي، [وهو مثال منقول عن الصحابة: اشتهر بين أئمتهم، وتطابقوا عليه]. وذلك [ما روى]: أن الناس لما تتابعوا في شرب الخمر، واستحقروا الحد المشرع فيه - جمع عمر ﵁ الصحابة، واستشارهم [واستطلع آرائهم]، فضربوا فيه بسهام الرأي؛ حتى قال علي ﵁: "من شرب سكر، ومن سكر هذي، ومن هذى افترى؛ فأرى عليه حد المفترى". فأخذوا بقوله واستصوبوه واستمروا عليه. وهذه هي المصلحة المرسلة التي يجوز اتباع مثلها.
стр. 211
فإن قيل: شرطتم في المصالح أن تكون ملائمة؛ وليست هذه ملائمة: فالشرب جناية متميزة عن القذف، وليست كل من يسكر يقذف؛ فايجاب حد جريمة على من [لم يجترمها] أمر غريب [في الشرع]، ولا يشهد له نظير، ولا تلائمه قاعدة.
قلنا: ليس الأمر كذلك؛ فإنهم أبوا أولاً أن يعاقبوه بعقوبة لم تعهد مشروعة من جهة الشرع؛ ولو كانوا يسوغون ذلك: لما افتقروا إلى التشبيه بحد مشروع ولو كل ذلك إلى رأي الولاة حتى يفعل [كل وال] في كل شخص ما يراه زاجراً في حقه، لائقا بحاله، جامعا لمصلحته؛ فطلبوا أولا حدا مشروعا، وتشوفوا فيه إلى أحط الدرجات في الحدود: اكتفاء بالأقل ما أمكن. ففي شرع العقوبات نوع من الخطر، وألفوا أقل على من لم [يجترمها]: ما لم يطلبوا مناسبة بين جريمته وبين تلك الجريمة؛ فإن ذلك يؤدي إلى إبداع أمر غريب لا يلائم [نظائر] الشرع، فطلبوا المناسبة، بأن قالوا: من سكر وهذى، ومن هذى افترى؛ فعليه حد المفترى: من حيث أن السكر مظنة الهذيان والافتراء وإطلاق اللسان بالسخف. وقد عهد في الشرع إقامة مظان الأمور مقام الأمور المقصودة: في إفادة الأحكام؛ فأقيم النوم - الذي هو مظنة خروج الحدث - مقام الحدث،
стр. 212
و "العينان وكاء السه" فإذا نامت العينان: استطلق الهواء، ثم - سواء استطلق [الوكاء] أو لم يستطلق - ثبت حكم الحدث، ووجب الوضوء.
وكذلك تغييب الحشفة مظنة نزول الماء، فعلق به وجوب الغل وإن لم ينزل مع قوله السلام: "الماء من الماء" فكان وجوبه من مظنة الماء، كوجوبه من الماء، فكان مساقه: أن من غيب الحشفة أنزل، ومن أنزل اغتسل؛ فمن غيب اغتسل. وأن من نام أحدث، ومن أحدث توضأ؛ فمن نام توضأ. [كقوله بعينه]: من سكر هذى ومن هذى افترى.
وكذلك القول في إقامة مظنة العقل مقال العقل، وهو: البلوغ، وإقامة مظنة شغل الرحم مقام شغل الرحم: في إيجاب العدة، وهو الوطء.
[ولو ذهبنا نستقصى نظائر ذلك لسودنا به أوراقا، ولم نذكر منها إلا أطرافاً وآحاداً].
стр. 213
فطلبهم هذه المناسبة هي الدلالة [الظاهرة] على أنهم لم يروا الاختراع للمصالح؛ بل تشوفوا إلى التصرف في موارد الشرع، بضروب من التقريب والمناسبة.
فإن قيل: ومن سكر اقتحم جميع الفواحش؛ فلم خصص القذف بالاعتبار؟
قلنا: لمعنيين، أحدهما: التشوف إلى الأقل؛ والثاني: أن خاصية السكر الهذيان وانطلاق اللسان؛ فإنه الفاحشة اللازمة لذات السكران، التي تستتب من غير أداة منفصلة، وآلة زائدة عليه. فالزنا والسرقة والقتل، كل ذلك: يتعلق بالغير، ولا يستتب إلا بأنواع من الحيل عمادها الحزم والعقل. ولا ينتظم ذلك من السكران. فأما الهذيان، فهو الذي يغلب على السكران. فاختلال العقل لا يمنع انطلاق اللسان؛ [وأخص الفواحش بالسكر: الهذيان، والجناية المخصوصة باللسان]؛ فكان مظنة له بهذا الطريق.
فإن قيل: فالردة من فواحش اللسان، ومن جملة الهذيان؛ وقل ما ينفك عن اللهج به من غلبه السكر.
قلنا: لم يجعل مظنة له من وجهين:
أحدهما: أن الواجب بها القتل، وهو أعلى العقوبات، وشرع
стр. 214
القتل خطر عظيم؛ ووقع جناية السكر في الشرع، دون وقع الردة بدرجات، ولا هجوم على سفك الدم [٣٦ - أ] لمقصود الزجر، مع العلم بحصول الزجر - غالباً - بما دون القتل.
والآخر: أن عقوبة الردة تسقط بالتوبة؛ والسكران يعاقب بعد الإفاقة؛ وهو في الحال ليس مرتدا، ومن ليس بمرتد لا يقتل وإن سبقت منه الردة، فكيف يقتل: إذا سبقت منه مظنتها؟، وبه يتبين أن عقوبة الردة ليست حدا بإزاء الجريمة؛ وإنما هو إرهاق إلى العود إلى الإسلام؛ فإن عاد: خلى سبيله. فلابد من طلب المناسبة مع حد تجب [عليه] عقوبة.
فإن قيل: قد شرطتم في المصلحة المرسلة أن لا تتضمن تغير النص؛ ولقد كان حد الشرب في الشرع أربعين، فزادوا عليه بالمصلحة، فكان ذلك تغييرا للنص.
قلنا: ليس الأمر كذلك؛ فلم يكن حد الشرب مقدرا في الشرع، بل "أتى النبي ﵇ بشارب، فأمر حتى ضرب بالنعال وأطراف الثياب وحثى عليه التراب". ولما آل الأمر إلى أبي
стр. 215
بكر ﵁: قدر ذلك بأربعين؛ ورآه قريبا مما كان يأمر به النبي ﵇، وحكم بذلك عمر مدة؛ ثم توالت عليه الكتب من أطراف البلاد، بتتابع الناس في الفساد وشرب الخمر، واستحقار هذا القدر من الزجر، فجرى ما جرى في معرض الاستصلاح: تحقيقا لزجر الفساق.
فإن قيل: فما ذكرتموه -: من أمثلة الشرع في إقامة المظنة مقام الشيء - أصول لهذا القياس؛ فيرجع النظر إلى رد فرع إلى أصل، بمعنى مناسب جامع، وليس ذلك استدلالا مرسلا.
قلنا: كل مصلحة ملائمة، فيتصور إيرادها في قالب قياس بجمع متكلف: يعتمد التسوية في قضية عامة لا تتعرض لعين الحكم؛ فإن أراد السائل بما ذكره - من رد الفرع إلى الأصل، بمعنى مناسب - هذا القدر، فهو الذي نريده بالاستدلال المرسل. وكيف لا ينتظم هذا الشكل: وما من مسئلة إلا ويمكن أن يقال: هذه مصلحة على وجه كذا، فينبغي أن تراعي قياسا على مسئلة كذا؛ والمصلحة عبارة تشتمل قضايا مختلفة؛ فيندرج تحتها المتباعدات، وتنتظم بالتحرير فيها صورة القياس.
следующие страницы →