← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17827

شفاء الغليل في بيان الشبه والمخيل ومسالك التعليل

أبو حامد الغزالي

Полный текст (678 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

على ظني هذا، فللخصم أن يقول: لم يغلب على ظنى. فتحكيم القلب] إنما يجوز [عند فقد الأدله الظاهرة، وعند تصادم الأدله وانحسام مسالكها، للضروره الداعيه إليه. ثم هو مقيِّد في حق المجتهد، ولا ينتصب حجة على الخصم بحال. وهذا الذي ذكره هو مساعد عليه ولكن ليس المراد بالمعنى المخيِل المناسب ما ظنه وتخيله؛ ولكن نعنى بالمناسبه معنى معقولاً ظاهراً في العقل، يتيسر إثباته على الخصم بطريق النظر العقلي: بحيث ينسب الخصم في جحده-بعد الإظهار بطريقه - إلى النكر والعناد. فإذن منشأ الأشكال بيان حدّ المناسبه؛ والإخالةُ عباره عنها. وقد أطلق الفقهاء المؤثر، والمناسب، والمخلِ، والملائم، والمؤذن بالحكم، والمشعرِ به. واستبهم على جماهير العلماء والأفاضل -إلا من شاء الله-دِرك الميز والفصل بين هذه الوجوه، واعتاص عليهم طريق الوقوف على حقائقها، بحدودها وخواصها. واتصل بأذيال

стр. 142

هذه الأجناس قياس الشبه والطرد، وهي المغاصه الكبرى، والغمره العظمى. فلقد عز على بسيط الأرض من يعرف معنى الشبه المعتبر، ويُحسن تمييزه عن المخيل والطرد، وإجراءه على نهج لا يمتزج بأحد الفنين. ونحن-] بعون الله وحسن توفيقه [-نفضل هذه الأجناس، -] ونشفى فيه الغليل [ونوجز القول في قياس الشبه. ونندفع الآن في بيان ما ترشحنا له: من-] أنواع [قياس المعنى. فنقول: الحاصل من جمله هذه العبارات ثلاثة] أنواع [. المؤثر، والمناسب، والملائم . أما المشعر والمؤذن والمخيل، فهى فى حكم العبارات المكررة عن] ٢٦ - أ [المناسب. أما المؤثر، فما ذكرناه، وهو: الذي دل النص أو الإجماع على كونه علة الحكم فى محل النص] أو في غير محل النص [. فهذا الذي رأينا تلقيبه: بالمؤثر، ليتميز الجنس] عن الجنس]، وإلا فتسمية المناسب

стр. 143

والملائم مؤثراً وتسميه المؤثر مناسباً وملائماً] متجة. فكان ماجعل عله للحكم، فإنما جعل علة: لأن الشارع جعله علة؛ لا مناسبته [؛ ولكن المناسبه قد تكون تعريفاً وتنبيهاً على جعل الشرع اياه علة - عند بعض العلماء. وما عرف جعل الشرع] اياه [علة، فقد عرف تأثيره: إذ لا معنى للتأثير إلا حصول الحكم من أثره وبسببه. ولكن: لما انقست المعاني ثلاثه أقسام، أحببنا أن نفرد كل قسم - على حسب اصطلاح الفقهاء - بعبارة معرفه. وإنما الغرض تعريف وجه التميز والإنقسام. ثم إذا عرفت: فلتتخذ هذه العبارات أعلاماً معرفه لها. فالعبارات هي التي تتبع المعاني وتُسوى عليها؛ فأما تسويه المعاني على العبارات- فهو من دواعي الخَبَط، وجوالب الضلال. فنقول: هذه المراتب تتبين بضرب الأمثلة: أما المؤثر، فقد ذكرنا مثاله. وأما المناسب، فمثاله: تحريم الخمر، فأنه يظهر تعليله بكونه مسكراً مزيلاً للعقل، حتى يقاس عليه النبيد. ولكن فى الكتاب تعرض للتعليل بهذا المعنى؛ فهو- من هذا الوجه- يلتحق بالمؤثر؛ إذ ظهر بالنص تأثير هذا الوصف: حيث نبَّه على إثارته العداوة والبغضاء، ولكن:

стр. 144

لو لم يكن فى القرآن التعرض لهذا، واقتصر عى ذكر التحريم على تجرده - لكان تعليله بالإسكار وإزالة العقل: تعليلاً بكلام مناسب. ومعنى مناسبته: استدعاء هذا المعنى من وجة المصلحه هذا الحكم، واقتضاؤه له. فإن العقل ملاك أمور الدين والدنيا. فبقاؤه مقصود، وتفويته مفسده. فحرم لما فيه: من الإفضاء الى الفسده. وهذا كلام جلى معقول يمكن إثباته على الخصم. فأين هذا من قول أبى زيد: أنه يرجع الى قبول القلب، وطمأنينه النفس؟. ولا نشك في تمييز هذا عن قول القائل: أنه حرم لرائحته الفائحة المخصومه، أو لحمرته، إذ لا تناسب الحمرة التحريم، ولاتستدعيه، ولا تتقاضاه عقلاً. وهذا يتقاضى التحريم لما ذكرناه؛ فتميز عن الطرد بالمناسبه العقليه بين المعنى وبين الحكم. وتميزه عن المؤثر، بأن يقال: لم يعهد قط في الشرع، في موضع آخر- لا بالنص، ولا بالإجماع- كون الإسكار مؤثراً فى التحريم، حتى يكون التعليل به تعليلاً] بمعنى [عرف تأثيره، ولنقدر عدم انباء النص التعليل بهذه العله، حتى يستدَّ التمثيل، وينقطع عن المؤثر، فإن المستدل بالمناسبه يدعى الإستغناء عن النص وإيمانه ودلالة الإجماع على كونه مؤثراً؛ ويزعم: أن المناسبه كافية في التعريف، على ما سنذكر وجه حصول المعرفه بها. وكذلك إذا قلنا: إن الجماعة قتلوا بالواحد، كيلا يتخذ الظلمة

стр. 145

الاستعانه ذريعة إلى قتل الأعداء-كان ذلك تعليلاً بمخيل مناسب ظهر وجه استدعائه للحكم، واقتضائه له في العقل. ولم يدل دليل على تأثيره: لا من جهة النص؛ ولا من جهة الإجماع. بخلاف التعليل بالصغر فإنه- مع المناسبه المعقولة - ظهر تأثيره في الولاية المالية، وولاية التزويج - في حق الأبن، بالإتفاق. وكذلك إذا قلنا: حط قضاء الصلوات عن الحائض، لما فيه: من الحرج والمشقة والكُلفة مع تكرر الصلاه في اليوم والليله؛ بخلاف قضاء الصوم -كان] هذا [الكلام مناسباً] ٢٦ - ب [مخيلاً، متميزاً عن تعليله: بأن الصوم يقضى لأنه لا تجب فية الطهاره مثلاً، بخلاف الصلاه. فإن هذا الفرق لايناسب، ولا ينسى عن الحكم في قضيه العقل بحال. فهذا بيان المناسب. وليس يتميز عن المؤثر بذاته، وإنما يتميز عن المؤثر بأن ليس من جهة النص والإجماع دلالة على كونه علة، بل لا دلالة عليه سوى مناسبته. وما دل الإجماع على كونه عله] وسبباً]، قد يناسب: كالصفر يناسب الولاية، ومزيد

стр. 146

الاختصاص في القرابة يناسب الترجيح والتقديم، الى غير ذلك مما تقدم: من الأمثله. وقد لا يناسب: كخروج النطفة الطاهره، جُعل سبباً للغسل ولا يناسبه، وكذلك مس الذكر: يبعد تخيل المناسبة فيه. هذا وجه تمييز المناسب عن المؤثر والطرد. أما تمييزه عن الملائم، فوجهه: أن المناسب ينقسم إلى ما يلائم معاني الشرع، ويجانس تصرفاته فى ملاحظة المعاني. والى ما يكون غريباً: لا يلفى له جنس. فالذي ذهب اليه الجماهير: أن المناسب لا يكون علة الا بشرط الملائمه] كما سنذكره. ومنهم من اكتفى بمجرد المناسبة ولم يشترط الملائمة [، فكل مناسب عهد جنسه في تصرفات الشرع: فهو ملائم؛ وما لم يعهد جنسه: فهو المناسب الغريب الذى لا نظير له في تصرفات الشرع. وهذا] الأن [مزله قدم؛ فقد يشتبه على الناظر الفرق بين الملائم والمؤثر، فيقول: المؤثر هو: الذي عهد في الشرع معتبراً كما في الصغر؛ والملائم أيضاً كذلك. فما الفرق بين من شرط التأثير، وبين من شرط الملاءمه مع المناسبه؟ فنقول: الفرق بينهما: أن المؤثر هو: الذى ظهر تأثير، عينه في عين

стр. 147

الحكم المتنازع فيه - بالإجماع أو النص، في محل النزاع، أو غير محل النزاع. كقول الحنفي: إن الثيب الصغيرة تُزوج لصغرها؛ ويبين أن عين الصغر ظهر تأثير بالإجماع في الولاية في حق الأبن، وفي ولاية المال. فقد ظهر تأثير عين هذا المعنى فى عين هذا الحكم، في محل آخر غير محل النزاع؛ فعدى ذلك الحكم بعينه، وهو: الولاية بتلك العلة بعينها، وهي: الصغر - الى محل النزاع، وهو: الثيب الصغيرة. وأما الملائم، فتعنى به: أنه عهد جنسه مؤثراً فى جنس ذلك الحكم، وإن لم يعهد عنه مؤثراً فى عين ذلك الحكم - فى محل آخر. مثاله: أن سقوط قضاء الصلاه إذا علل بالحرج والكلفه، يعلم أنه من جنس معاني الشرع وملائم له، إذ ظهر - على الجمله - إسقاط] الشرع [جملة من التكاليف بأنواع] من [الكلفة: كما في السفر والمرض وغيره؛ ولم يظهر تأثيره عين المعنى فى عين الحكم، وإنما وزان المؤثر من] مثل [هذا الأصل: أن يأمر النبى عليه السلام

стр. 148

-مثلا- عائشة رضى الله عنها بقضاء الصوم الفائت في أيام الحيض، وبترك القضاء فى الصلوات. فيقاس عليها سائر النساء. أو يحكم به في الحرة، فيقاس عليها الرقيقة. فينقدح أن يقال: ظهر تأثير الحيض فى إسقاط الصلاة في حق الحرة، فيعدى عين هذا الحكم لعين هذه العلة، الى الرقيقة. وكذلك: إذا عللنا إنقطاع الولاية عن الثيب بالممارسة الحاصلة لها، وما تستفيده المرأه: من الاختبار والتمييز والإهتداء الى المقاصد؛ وعديناه الى الثيب الصغيرة- كان هذا مناسباً ولكنه غريب. إذ يقال: ليس هذا من جنس تصرفات الشرع فى إثبات الولاية وقطعها، فنقول: هو من جنسه؛ إذ قال : "وابتلوا] ٢٧ - أ [اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح، فإن آنستم منهم رشداً فأدفعوا اليهم أمواله". فجعل ممارسه اليتيم في المال سبباً، فيصير ملائماً. وهذه المناسبة مع الملاءمة في نهاية الضعف، وليس من غرضنا عينُ هذه

стр. 149

المسئلة؛ وإنما المقصود التمثيل لتعرف الجنس. وكذلك إذا قلنا: قيد الشرع بيع الأشياء الأبعة فى الربا بثلاث شرائط، فكان ذلك معللاً بالطعم المنبئ عن الحرمة والعزة، فإن ما يعز ويحترم يضيق طريق تحصيله، وما يستهان به يتسع الأمر فيه، ويتساهل في أمره؛ فلا يضيق طريقه؛ لأن المضنون به عقلاً وشرعاً: ماظهرت الحاجة اليه، وعظمت حرمته بسببه، والتقييد بالشرائط سد لبعض المسالك؛ وسد بعض الطرق إلى شيء ضنه به. فهذا نوع من الكلام: فيه ضرب مناسبة، ولكنه غريب يزعم] الخصم [أنه لا يلائم تصرفات الشرع، فنقول] لا [بل قيد الشرع إستحلال البضع بشروط: كالعوض والولى والشهادة؛ وميزه عن الأموال. فكان ذلك إظهاراً لشرف البضع، وتخصيصاً له بميزه الإعتناء، وكشفا عن خطره وحرمته، وإشارة إلى اَّن المال مبتذل بالإضافة اليه، وأنه مصون مضنون به بالإضافه الى المال. فقد التحق بما عهد جنسه في الشرع، فصار ملائماً لتصرفاته.

стр. 150

وطريق المعترض: أن يبين أن تقييد النكاح] بهذه الشروط [لم يكن بهذا الطريق، بل كان لحاجة البضع في الصون الى هذه الشروط؛ ولا حاجة في صون الأطعمه الى هذه الشروط، فيعترض بهذا الجنس، ويجاب عنه بطريقه. وغرضنا التمثيل. وكذلك إذا قلنا: القليل الذي لا يسكر- من الأنبذة - محرم قياساً على قليل الخمر؛ وعللنا تحريم قليل الخمر: بأنه داع الى الكثير؛ وأن الطباع تختلف، والقدر الذي يسكر كل شخص في كل حال لا ينضبط؛ فيحسب الباب بحكم المصلحة-كان هذا كلاماً مناسباً: يستوى فيه النبيذ والخمر، وتظهر ملاءمته لتصرفات الشرع: بتحريم الشارع الخلوة بالأجنبية والنظر إليها، لأنه داع الى الزنا؛ وما يجرى مجراه: من تعميم الشرع] التحريم [على مقدمات المحظورات ودواعها؛ فيكون ملائماً، ولا يكون مؤثراً التأثير الذي غيناه فيما سبق؛ إذ لم يظهر تأثير عين انبعاث داعية الشرب، فى تحريم الشرب. ولا ظهر في مسئلة الربا تأثير عين الطعم وحرمته في اشتراط المماثلة والتقابض

стр. 151

والحلول؛ بل ظهر اعتبار جنس الحرمة، في جنس التقييد بالشروط. فأن قيل: فما مثال المناسب [الغريب] الذي لا يلائم؟ قلنا: قل ما يتفق في المسائل أمثلته، فأن المعاني إذا ظهرت مناسبتها؛ فلا تنفك عن التفات الشرع إلى جنسها في غالب الأمر؛ والذي يظهر لنا الآن من أمثلتها أربعة: المثال الأول: ما ذكرناه: من تعليل سقوط الإجبار عن الثيب بالممارسة. فهذا وأن عددناه في قسم الملائم، فهو- عندنا -من المناسب الغريب الذي لا نظير له. وأما ابتلاء اليتيم في التصرف، فليس من هذا القبيل، وإنما مثاله: وطء الابن زوجته؛ وذلك لا يوجب قطع الإجبار عنه: إذا كان صغيرا. أو وزانه من الأموال: ما إذا تناول جنسا من الطعام وذاقه واستطابه أو استكرهه. وكل ذلك ساقط الأثر في قطع الإجبار، وإسقاط الولاية. وابتلاء اليتيم: لتعرف هدايته إلى المصالح، وانفكاكه عن داعية السفه والتبذير وغباوة الإسراف، والتصاون عن الغبن والخداع؛ حتى إذا عرف ذلك بامتحانه بالبيع والشراء، رد المال إليه بعد [٢٧ - ب] جريان البلوغ: الذي هو السبب الظاهر في قطع الولاية. فوزانه: أن تمتحن المرأة بانتقاء زوج من الأزواج للنكاح، وتراقب أحوالها في اقتراحات مصالح النكاح وما تقترح عليها؛ فننقاد [إلى] الإجابة إلى

стр. 152

ما تقتضيه المصلحة، ونستعصيى فيما ينافي الغبطة. ومثل ذلك لا عهد به في النكاح؛ وإلمام الزوج بها ليس من هذا الجنس بحال؛ وإنما وزانه: تناول الطعام وذوقه، ولبس الثوب، وركوب الدابة. فيبقى هذا نوعا غريبا من الكلام، [وهو- مع كونه غريبا -] ضعيف في نفسه. وكذلك تتفق المعاني الغريبة؛ فأن ما يظهر ويقوى لا ينعدم التفات الشرع إلى جنسه، في غالب الأمر. المثال الثاني: تعليل الربا في المطعومات بعلة الطعم؛ فهو- أيضا -من المعاني الغريبة التي لا تلائم معاني الشرع. وما ذكرناه- من إظهار الملائمة بأمر البضع -ضعيف؛ لأن الخصم لا يسلم اشتراط الولي. نعم: قيد بالشهادة إما صونا له من الفوات بالجحود، أو تمييزا [له] عن السفاح الذي هو فاحشة. وليس في حسم طريق بيع البر بالبر متفاضلا، أو نسيئة، أو دون التقابض في المجلس - ما يصونه عن فوات هو متعرض له، أو يميزه [عن فاحشة] هو بصدد الانتباه بها؛ فلا مجانسة بينهما. فيبقى ذلك معنى- أن سلم مناسبته -غريبا لا نظير له في الشرع. والاعتماد في مسئلة الثيب الصغيرة، وإثبات الثيابة علة - على الإضافة اللفظية، المستفادة من قوله- ﵇: "الثيب أحق بنفسها من وليها". وفي مسئلة الربا، وإثبات الطعم علة - على قوله- ﵇: "لا تبيعوا

стр. 153

الطعام بالطعام"، على ما قررناه في كتاب "مآخذ الخلاف"، وكتاب "تحصين المآخذ" [وقد نبهنا على هذا المسلك الضعيف وطريق تقريره، في هذه الكتب]. المثال الثالث: تعليل بعض العلماء، حرمان القاتل عن الميراث، بمعارضته بنقيض قصده: في استعجال الحق قبل أوانه. وهذا أن لم يستعمل في معرض العقاب على عدوانه، يكون فناً غريبا من المعنى: لا يلفى له نظير. وإذا قيل: القتل جناية، والحرمان عقوبة؛ فكان منوطا به لكونه جناية، وقطع عنه الصبي والمجنون - كان ذلك من قبيل التعليل بالمعنى الملائم؛ فأن تأثير الجنايات في العقوبات والتغليظات، معهود من دأب الشرع.

стр. 154

ولو ثبت معنى المعارضة بنقيض القصد للاستعجال، لكان تعليل [بعض] أصحابنا في تحريم الخل الحاصل من التخليل، بمعارضته بنقيض قصده في استعجاله - من جنس الملائم؛ إذ يصير معهود النظير في القتل، ولكن هذا المعنى- في القتل -غير ثابت ولا مستقيم على السبر والبحث ولا يسلم عن النقض. وغرضنا ضرب الأمثلة، لا أعيان هذه المسائل. المثال الرابع للمناسب الغريب: تخصيص الوضوء في ترتيبه: بتقديم الوجه على اليدين، وذكر ممسوح بين مغسولين؛ حتى قال الشافعي ﵀؛ هذا تنبيه على كون الترتيب على هذا الوجه مقصودا؛ إذ لو لم يكن مقصودا: لم يكن هذا الترتيب. وتخصيصه بالذكر- مع إيقاع ممسوح بين مغسولين -أولى من جريانه على ترتيب الخلق: من البداية بالرأس، والانحدار إلى الوجه، والختم بالرجل. إلى غير ذلك: من وجوه الترتيب.

стр. 155

فيمنع الشافعي عن هذا الاستدلال، بأن يقال: سبب هذا الترتيب: تقديم الوجه [٢٨ - أ] لأنه أهم الأعضاء بتحصيل النظافة فيه؛ وتأخير الرجل: لأنه أحرى الأعضاء بالبعد من النظافة، لمخالطة التراب في نقل الأقدام، ومماسة الخف إلى غير ذلك؛ فتبقى اليد والرأس، فكان تقديم اليد أولى: إذ هو آلة التناول ويقع مكشوفا غالبا؛ والرأس في الغالب مستور بكور العمامة؛ ولذلك خفت وظيفته وهو: المسح. فهذا فن من الكلام مناسب، يتميز عن قول القائل: قدم الوجه لأنه على شكل الاستدارة مثلا؛ إلى غير ذلك: من صفات خلقية تنبو عن الحكم. إلا أن مثل هذه المعاني- وإن كانت مناسبة -فغير موثوق بها؛ إذ لم يثبت من [جهة] الشرع ملاحظة جنسها، ويتسع التقدير في أمثالها، ولا يضيق طريقها على أي وجه كان، فأنه لو ذكر الترتيب على عكس المعهود: لأمكن أن يعكس هذا المعنى، ولكان يقال: الوضوء للصلاة، والصلاة تقع بعده؛ فأخره غسل الوجه: لأنه أهم الأعضاء بالنظافة، ليكون العهد به- عند الاشتغال بالصلاة -أقرب؛ ولو ابتدأ بالرأس، ثم بالوجه، ثم باليد، ثم بالرجل: لأمكن أن يقال: سببه

стр. 156

ترتيب الخلقة؛ ولو قدم اليد لأمكن أن يقال: سببه تنظيف الآلة أولا حتى ينظف بها غيرها. وأمثال هذه الخيالات يتسع طريقها، ولا يوثق بها. نعم: هي صالحة في هذا المقام لدفع الاستدلال بالآية؛ فإن الآية ليس فيها صيغة تدل على وجوب الترتيب؛ وإنما يستند المستدل فيها إلى تخصيص البعض بالتقديم والتأخير، ويقول: إذا لم يكن له سبب، فسببه وجوب التقديم. فيقال: هذا إمكان تعلقت به، وهذه الإمكانات تعارضه؛ فتطرق إليه الاحتمال. فهذا ما يعن من أمثلة المناسب الغريب، وقد يتطرق نظر إلى بعض هذه الأمثلة في إلحاقها بأجناسها. وغرضنا حاصل من تعريف الأجناس، ولا غرض في أعيان الأمثلة. فتحصل أن المعاني المناسبة تنقسم: إلى [مؤثرة، وهي: التي ظهر اعتبار عينها] في عين الحكم المنظور فيه، وإلى ملائمة ليست مؤثرة، وهي: التي ظهر اعتبار جنسها في جنس ذلك الحكم، وإلى غريبة: لم يظهر في [في الشرع] اعتبار عينها، ولا اعتبار جنسها، وهي- مع ذلك -تناسب نوعا من المناسبة: تتميز به عن الطرد الذي ينبو عن الحكم نبوة: لا يتقاضاه، ولا يتعلق به. فهذا بيان تمييز الأجناس. فأن قال قائل: ما ذكرتموه بيان انقسام المناسب - بالإضافة إلى ما يدل

стр. 157

على اعتباره من تأثير، أو ملائمة، أو فقد التأثير والملائمة. فما حد المناسب وحقيقته [وإلى ماذا يرجع حاصله] وما المعيار الذي يعرف به كون المعنى مناسبا: إذا وقع فيه الشك للناظر، أو التنازع للمناظر؟ قلنا: المعاني المناسبة: ما تشير إلى وجوه المصالح وأماراتها. وفي إطلاق لفظ المصلحة [أيضا] نوع إجمال؛ والمصلحة ترجع إلى جلب منفعة أو دفع مضرة. والعبارة الحاوية لها: أن المناسبة ترجع على رعاية أمر مقصود. أما المقصود، فينقسم: إلى ديني، وإلى دنيوي. وكل واحد ينقسم: إلى تحصيل، وإبقاء. وقد يعبر عن التحصيل بجلب المنفعة. وقد يعبر عن الإبقاء: بدفع المضرة. يعني: [أن] ما قصد بقاؤه: فانقطاعه مضرة، وإبقاءه دفع للمضرة. فرعاية المقاصد عبارة حاوية للإبقاء ودفع القواطع، وللتحصيل على سبيل الابتداء. وجميع أنواع المناسبات ترجع إلى رعاية المقاصد. وما انفك عن رعاية أمر مقصود، فليس مناسبا. وما أشار إلى رعاية أمر مقصود، فهو: المناسب.

стр. 158

ثم الشيء ينبغي أن يكون مقصودا للشارع، حتى تكون رعايته مناسبة في أقيسة الشرع. فقد علم - على القطع [٢٨ - ب] أن حفظ النفس والعقل والبضع والمال، مقصود في الشرع. فجعل القتل سببا لإيجاب القصاص، لمعنى معقول مناسب، وهو: حفظ النفوس والأرواح المقصود بقاؤها في الشرع، وعرف كونها مقصودة على القطع. وحرم الشرع شرب الخمر: لأنه يزيل العقل؛ وبقاء العقل مقصود للشرع، لأنه آلة الفهم وحامل الأمانة، ومحل الخطاب والتكليف. والبضع مقصود الحفظ، لأن في التزاحم عليه اختلاط الأنساب، وتلطيخ الفراش، وانقطاع التعهد عن الأولاد: لاستبهام الآباء: وفيه التوثب على الفروج بالتشهي [والتغلب] وهي مجلبة الفساد والتقاتل. والأموال مقصودة بالحفظ على ملاكها؛ عرف ذلك بالمنع من التعدي على حق الغير، وإيجاب الضمان، ومعاقبة السارق بالقطع.

стр. 159

وقد نبه الرب تعالى على مقصود القصاص، بقوله:﴾ ولكم في القصاص حياة ﴿، ونبه على فساد الخمر، بقوله:﴾ أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ﴿. وهي من المضار والمحذورات في أمور الدنيا؛ وقد يقترن به أيضا مفسدة الدين. و [قد] نبه على مصالح [الدين] في قوله في الصلاة:﴾ إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ﴿. [وما يكف عن الفحشاء] فهو جامع لمصالح الدين، وقد تقترن به مصلحة الدنيا أيضا. فجميع المناسبات ترجع إلى رعاية المقاصد. إلا أن المقاصد تنقسم مراتبها: فمنها: ما يقع في محل الضرورات؛ ويلتحق بأذيالها ما هو تتمة وتكملة لها. ومنها: ما يقع في رتبة الحاجات؛ ويلتحق بأذيالها ما هو كالتتمة والتكملة لها. ومنها: ما يقع في رتبة التوسعة والتيسير الذي لا ترهق إليه ضرورة، ولا تمس إليه حاجة؛ ولكن تستفاد به رفاهية وسعة وسهولة؛

стр. 160

فيكون لذلك- أيضا -مقصودا في [هذه] الشريعة السمحة السهلة الحنيفية. ويتعلق بأذيالها ولواحقها ما هو في حكم التحسين والتتمة لها. فتصير الرفاهية مهيأة بتكميلاتها. وتختلف مراتب المناسبات في الظهور، باختلاف هذه المراتب: فأعلاها ما يقع في مراتب الضرورات؛ كحفظ النفوس، [فأنه مقصود الشارع، وهو] من ضرورة الخلق، والعقول مشيرة إليه وقاضية به - لولا ورود الشرائع؛ وهو الذي لا يجوز انفكاك شرع عنه: عند من يقول بتحسين العقل وتقبيحه. ونحن وأن قلنا: أن الله- -أن يفعل ما يشاء بعباده، وأنه لا يجب عليه [رعاية] الصلاح - فلا ننكر إشارة العقول إلى جهة المصالح والمفاسد، وتحذيرها المهالك، وترغيبها في جلب المنافع [والمقاصد] ولا ننكر أن الرسل ﵈ بعثوا لمصالح الخلق في الدين والدنيا: رحمة من الله على الخلق وفضلا؛ لا حتما ووجوبا عليه. قال الله تعالى:﴾ وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ﴿، إلى غير ذلك: من الآيات الدالة عليه.

стр. 161

وإنما نبهنا على هذا القدر، كي لا ننسب إلى اعتقاد الاعتزال، ولا ينفر طبع المسترشد عن هذا الكلام: خيفة التضمخ بعقيدة مهجورة، يرسخ في نفوس أهل السنة تهجينها. فليعتقد- على هذا التأويل- أن العقول ترشد إلى الزجر عن القتل بالقصاص. فكل مناسبة يرجع حاصلها إلى رعاية مقصود- يقع ذلك المقصود في رتبة يشير العقل إلى حفظها، ولا يستغنى العقلاء عنها- فهو واقع في الرتبة القصوى في الظهور. مثاله: إيجابنا القصاص بالمثقل محافظة على قاعدة الزجر [والردع] وإلحاقا للمثقل بالجارح. ومن قبيلة قولنا: الأيدي تقطع باليد الواحدة، كما تقتل النفوس بالنفس، حسما لذريعة التوصل إلى الإهدار [٢٩ - أ] بالتعاون [اليسير الهين على أخدان الفساد وأقران السوء] فهذا فن واقع في الرتبة العليا

стр. 162

لا غبار على مناسبتها؛ فأن كان يعترض عليها: فمن طريق آخر لا من طريق المناسبة، وغرضنا ضرب [المثال] لبيان مراتب المناسبات. ومن هذا الفن: تعليلنا تحريم شرب الخمر، بكونه مفسداً للعقل الذي هو ملاك أمور الدنيا والدين. فهذا -أيضا- مما لا يجوز أن تنفك عنه عقول العقلاء، ولا أن يخلو عنه شرع مهد بساطة لرعاية مصلحة الخلق في الدين والدنيا؛ فلم تشتمل ملة قط على تحليل مسكر، وإن اشتملت على تحليل القدر الذي لا يسكر من جنس المسكر. وكذلك القول في مقصود البضع [والمال] وما يقع على هذه الرتبة. وأمثال اللواحق بهذه المراتب والتتمة لها، كقولنا: إن المماثلة مرعية في استيفاء القصاص؛ إذ عقل أن الزجر وتشفى الغيظ مقصود في أصل القتل مراعاته. وتمامه: في رعاية المماثلة في التنكيل بالقاتل المتعدى كما فعل، والإحراق إذا أحرق، والتغريق إذا غرق [وما يجري مجراه].

стр. 163

ومثاله أيضا في الخمر: تحريم اليسير لكونه داعيا إلى الكثير، ومحركا لعطش الشرب، وباعثا على الترقي إلى الحالة المطلوبة للنفوس: من الطرب والهزة؛ وتعديتنا ذلك إلى القليل من سائر المسكرات. فأصل المعنى فيه جلي، وهذا- لاتصاله به، ووقوعه موقع التضبيب والتثمير لذلك الأمر المهم المقصود- وقع ظاهراً لا سبيل إلى إنكار مناسبته. [ورجع حاصل] هذه المناسبات إلى رعاية المقاصد. أما مثال [المرتبة الثانية فإن] الواقع في محل الحاجة: تسليط الولي على تزويج [الصغير والتزويج من الصغيرة]، فإن نصب القوام على الطفل- لحضانته وصيانته، وإنفاق ماله عليه،

стр. 164

[وشراء الطعام له، واستئجار من يقوم بمصلحته]- واقع في محل الضرورة؛ لأن الحاجة إلى النفقة والحضانة [طبيعية] جبلية في حال الصغر؛ وفي الأعراض عنها [سعى في هلاك الصبيان كلهم، وفيه هلاك النفوس وانقطاع الجنس، فهذا يقع موقع الضرورة]، فأما تزويج الصغير، والتزويج منه- فلا ترهق إليه ضرورة، ولا تمس إليه حاجة ناجزة: من شهوة وتوفان؛ ولكن مصلحة المعيشة في العمر تنتظم بأمر النكاح، والاتصال بالعشائر، والتكثر بالأصهار؛ والخاطب الكفء والكريمة المرموقة إذا ظهر: فالمصلحة في تقييده قبل أن يفوت ولا يتفق الظفر بمثله، فيقع ذلك في محل الحاجة. فصارت غبطة الصبي ومصلحته المستغنى عنها مقصوداً من جهة الشرع، كضرورته التي لا غنية له عنها؛ وصار رعاية هذا المقصود مناسباً، كرعاية المقصود الضروري [وما يجرى الضروري]؛ والتحق بتلك الرتبة.

стр. 165

ثم ما يجري مجرى التتمة لهذه الغبطة: كمراعاة الكفاءة، والمحافظة على مهر المثل- على ما اختلف العلماء في وجوبه- يلتحق في المناسبة بالأصل؛ لأنه كالتكملة والتتمة لرعاية هذه الغبطة، وإن كان الأصل الكلي من مقصود النكاح لا يفوت به. فنحن نستعمل هذا المعنى في منع الولي من النقصان عن مهر المثل، وفي منعه من التزويج من غير كفء. وأبو حنيفة وأن صحح النكاح من الأب من غير كفء، فليس يصححه لإنكار هذا المعنى. بل يقول: تفويض الأمر إلى رأي الأب- وهو غير متهم: لشفقته وأبوته- أولى؛ فلعله يتفطن لغبطة خفية؛ توازي غبطة الكفاءة وتزيد عليها. فأصل المعنى لا سبيل إلى جحده، وهو يستعمل أصل المعنى في الثيب الصغيرة، ويقول: تزويجها من مصلحة المعيشة، فلا يعطل، وكذلك في اليتيمة التي ليس لها أب ولا جد، كما في غير اليتيمة، وكما في البكر؛ ويعلل بالصغر، ويبدي فيه وجه المناسبة [٢٩ - ب] كما ذكرناه.

стр. 166

وهو بين لا يعترض عليه من حيث القدح في هذه المناسبة؛ بل يعترض من وجه آخر. ويرجع منشأ النزاع إلى التردد في محل استعمال هذه المعاني، على ما نذكره في هذه المسائل. ثم للشرع -في هذا الجنس- نوع تصرف -فلا ينبغي أن نغفل عنه- وهو: إدارة الحكم على أمارة المصلحة من غير تتبع وجه المصلحة؛ فإن مصلحة الصبي لحاجته إلى قوام، وحاجته لصغره وضعف عقله؛ وقد يقوى عقله عند مراهقة البلوغ؛ ولكن يقطع الشرع غمة الأشكال عن أطراف الأحوال، بإتباع الصغر الذي هو أمارة المصلحة [غالبا؛ فيدار الحكم مرة على عين المصلحة، وأخرى على أمارة المصلحة]. وكل ذلك من نظر الشرع. وفي إتباع الأمارة -أيضا- نوع مناسبة، وهو: عصر الوقوف على عين الحاجة؛ كما [أديرت الرخص] على السفر لا على عين المشقة، وأديرت الولاية على القرابة لا على الشفقة؛ فأنها لا يوقف عليها. وإنما الغرض التنبيه على مراتب المناسب، وأن حاصل جملتها يرجع إلى رعاية المقاصد؛ وأن المقصود قد يقع في محل الحاجة، وقد يقع في محل الضرورة؛ وقد يعلم كونها مقصودا من جهة الشرع على القطع، وقد يظن ذلك. [وكل ذلك] من طرق المناسبات.

стр. 167

المرتبة الثالثة: ما لا يرجع إلى ضرورة، ولا إلى حاجة؛ ولكن يقع موقع التحسين والتزيين، والتوسعة والتيسير؛ للمزايا والمراتب، ورعاية أحسن المناهج في العبادات والمعاملات، والحمل على مكارم الأخلاق، ومحاسن العادات. ومثال ذلك: حكم الشرع بسلب العبد أهلية الشهادة، وليس إلى سلب أهليته حاجة ولا ضرورة. ولو قبلت شهادته في حال العدالة: [لكان ذلك] كقبول فتواه وروايته؛ ولكن: لما كان الرقيق نازل القدرة والرتبة، ضعيف الحال والمنزلة؛ بإثبات يد الاستيلاء [عليه] والتسخير؛ وكانت الشهادة ونفوذها على الغير منصبا عليا ومقاما سنيا- لم يكن ذلك لائقا بحاله. فيفهم مقصود الشرع -في سلبه الأهلية- على هذا الوجه؛ ففيه نوع مناسبة تتميز عن قول القائل: أنه لا تقبل شهادته، لأنه لا تجب عليه الجمعة مثلا كالصبي؛ فإن سقوط التكليف بالجمعة لا ينبئ بحال عن سقوط أهلية الشهادة؛ بخلاف ما ذكرناه.

стр. 168

ولو قال قائل، هي ولاية: فلم يكن من أهلها كالولايات- قيل: ولم لم يكن من أهل الولايات، ولا ينسب لها؟ إلا أن تكفل شغل الخلق بولاية القضاء، وتكفل شغل الأولاد بأنواع التفقد- شغل شاغل: يستدعى فراغا واهتماما مصروفا إليه؛ والعبد مستغرق الأوقات بوظائف الخدمة. وهذا المعنى لا يطرد في الشهادة: فأنها كالرواية؛ إذ يرجع حاصلها إلى الأخبار عن المعلوم. ولو استقام التعليل بهذا النوع: لالتحق بالرتبة السابقة، كتعليل سلب الولاية [به]. وكذلك قيد الشرع صحة النكاح [بشرط] الشهادة؛ ولو صح على السبر تخيل مقصود الإثبات عند الجحود: لالتحق بالرتبة الثانية، ولوقع في مظان الحاجة، ولكن: ليس يستقيم الاستغناء عن الأشهاد على رضاء المرأة، مع أن النكاح لا يثبت إلا

стр. 169

عليها؛ فيتخيل [إذن] أن المقصود من حضور الشهود: تمييز النكاح بالإعلان [والإظهار] عن السفاح. ثم مراتب الظهور تضطرب؛ فضبط الشرع ما فيه -من الحيط- بشهادة شخصين لهما أهلية الشهادة، حتى يكون للإظهار عليهما وقع. فهذا أمر لا حاجة إليه، وإنما يجرى التحسين للأمور. وكذلك قيد النكاح بالولي؛ ولو أمكن تعليله بكون المرأة في منظنة الغباوة-[لقصور العقل والنظر] ووفور الشهوة، والمبادرة إلى سوء الاختيار، بأنواع الخداع والاغترار لوقع هذا [٣٠ - أ] المناسب في الرتبة السابقة، ولكن: لا يستتب ذلك في [سلب] عبارتها ولا في التزويج من الكفء، فيقال في تعليله: لو ثبت ذلك بنص مثلا: [لكان] اللائق بذوات المروءات الحياء والانزواء عن مباشرة النكاح، ففيه إظهار الشبق، والمجاهرة بالتشوف إلى الرجال؛ والشرع يحمل على محاسن الأخلاق؛ وفي مباشرتها النكاح بنفسها ما يناقض ذلك، فنقدر محاسن الأخلاق مقصودا من جهة الشرع، ونقدر الاستقلال مناقضا له، فيتراآى منه نوع من المناسبة.

стр. 170

لهذا وأمثاله أمثلة المناسبات الواقعة في الرتبة الأخيرة؛ فأنها من أضعف درجات المناسبات. وسنذكر المحل الذي يجوز الاعتماد فيه على [مثل هذا المعنى]، والموضع الذي لا يعتمد فيه على أمثال هذه المعاني. ومن خاصية هذه الرتبة [أن تغلب فيها المناسبات] الخيالية الإقناعية. وعلى الجملة، المناسب ينقسم: إلى حقيقي عقلي، وإلى خيالي إقناعي. فأما الحقيقي العقلي، فما بيناه في الرتبتين السابقتين، وهو الذي لا يزال يزداد- على البحث [والتنقير] والسبر- وضوحا، ويرتقى -بمزيد التأمل- إلى شكل العقليات. وأما الخيالي الإقناعي، فهو: الذي يخيل في الابتداء مناسبته، فيقطع عن الطرد الذي ينبو عن المخيل؛ وإذا سلط عليه البحث، وسدد إليه النظر- ينحل حاصله، وينكشف عن غير طائل. مثاله: تعليل الشافعي في تحريم بيع الخمر والميتة والعذرة بنجاستها، وقياس الكلب والسرقين وسائر النجاسات العينية عليه،

стр. 171

ووجه المناسبة في النجاسة: أن حكم الشرع بنجاسته أمر باجتنابه، وإشارة إلى استقذاره، والتجنب عن مخالطته؛ ففي الإقدام على بيعه، ومقابلته بالمال، وإيجاب الضمان على متلفه- إقامة وزن له يناقض ما علم: من خسته بتنجيس الشرع إياه. فهذا الفن واقع في الرتبة الأخيرة؛ اذ لا يتعلق بالمنع من بيعه حاجة ولا ضرورة؛ ولكن: ×× أن في الإقدام على بيعه -بعد تنجيس الشرع إياه- ما يناقض محاسن العادات، وتستوي في هذه القضية سائر النجاسات. والمعنى بكون خيالياً إقناعياً، أن الحاذق يسلط البحث على هذا الكلام، فيقول: هذه ألفاظ جملية ركبت وخيل من مجموعها مناسبة؛ وإذا جرد النظر إلى المعنى في حقيقته وإلى الحكم، انتفت المناسبة. إذ معنى نجاسته: أن الصلاة لا تصح معه لا المنع من استعماله] لنجاسته [و] الكف عن [مخامرته؛ فالانتفاع بالنجاسات جائز بالاتفاق؛ ومعنى البيع: نقل الاختصاص ببدل. ولا مناسبة بين بطلان الصلاة باستصحابه،

стр. 172

وبين المنع من بيعه. فبهذا ينكشف الغطاء، وتنقطع المناسبة. ولا تزال تزداد المناسبة خفاء واندراسا بالبحث. ولكن على الجملة: ليس يبعد -في نظر الشرع- أن يمنع من بيعه: تأكيداً لتنجيسه والكف عن مخامرته. ومثال هذه الاقناعات قد يوجد في الشرع معتبرا، ولكن قد يعتقد اعتباره: إذا دل عليه مسلك نقلي، أما مجرد هذه المناسبة، فربما] لا يجري على دعوى التعليل. وكذلك إذا قلنا: تحريم الربا في الأشياء الأربعة سببه: الطعم وحرمته، تضييقا لطريق التحصيل فيما عز في نفسه؛ فان ما يعز لا ينال إلا بنوع تكلف، وتجثم شروط ومضائق؛ وما سقط حرمته لم يضيق طريقه، بل سهل مناله -كان هذا كلاما إقناعا ضعيفا، ينكشف، -بالبحث- عن غير طائل، إذا يقال: العزيز المحترم يصان عن الإتلاف بالإسراف والتضيع؛ فأما أن يصان عن التحصيل بطريق التملك -فلا؛ بل يمهد إليه طريق التملك، ويوسع مسلكه لشدة الحاجة إليه.

стр. 173

وكذلك إذا قلنا: إن العبد لا يلي أمر ولده، لأنه مولى عليه، ويتناقض] أن [يكون الشخص الواحد وليا] و [موليا عليه -خيل هذا الكلام في مبدأ الأمر مناسبة، ولكن ينحل تعقيده] ٣٠ - ب [بأن يقال: المتناقض أن يكون ولياً فيما هو مولى عليه، فإنها تلي أمورا ويولى عليها في عقد النكاح. فيرجع حاصله إلى أنه المرء بنفسه ثم بمن يعول، وهو ليس متفرغاً لنفسه، فكيف يلي غيره. فيرجع إلى أمر إقناعي: ما لم يذكر وجه تضرر المولى بسبب اشتغال العبد، واستغراقه الأوقات بوظائف خدمة السيد. فهذه أمثلة هذه المناسبات على تفاوت الدرجات. وطريق تركيب الاقناعيات] هو [اقتباس قضايا جملية من أسباب معينة، وبناء الغرض عليها، فنقتبس من النجاسات قضية

стр. 174

جميلة، وهي: الحقارة والخساسة. ونقتبس- من الإقدام على البيع، والمقابلة بالمال- قضية جملية، وهي: تشريف، وإقامة وزن، وإثبات قدر. ثم ينشأ التنافي من القضيتين الجمليتين. وكذلك نقتبس من وصف الطعم حرمة تنبئ عن عزة ومزية، وهي قضية جملية. ونقتبس من التحصيل بجميع الطرق، من غير تضييق ومزيد اعتناء- قضية جملية، وهي: التساهل والتهاون به؛ ونتخيل تنافيا بين القضيتين: فتنتظم منه المناسبة، وهي: المحافظة على القضية المقصودة الثانية، بنفي ما يناقضها. وكذلك نقتبس من رق العبد نوع ذلة وصغار ومهانة؛ ومن قبول الشهادة علو منصب وارتفاع قدر. ونتخيل بينهما تنافيا. فلو رفعت هذه القضايا الجملية التي استثمرت من القضايا المعينة الخاصة، ونسبت القضايا الخاصة بعضها إلى بعض -لم تتناسب، وهي قول القائل: لا تصح الصلاة معه فيبطل بيعه؛ وهو مطعوم يحتاج إليه فيجب فيه القبض في المجلس، ويحرم] فيه [النساء والفضل؛ ومملوك فلا يصدق في قوله مع العدالة. وهذه الأمور لا تناسب بأنفسها، وتناسب بقضاياها الجميلة. فسبيل حل هذه التعقيدات تفصيل ما أجمله المخيل: من القضايا،

стр. 175

وتبين أنها لا تزيد على المعنى] الخاص [الذي قدره موجباً له، فإذا لم يزد عليه: انقطعت المناسبة. فهذا بيان مراتب المناسبات وطرقها، ودرجاتها وأمثلتها. فإن قيل:] قد [ذكرتم حقيقة المناسب وأجناسه وأنواعه؛ فما الدليل على كونه طريقاً إلى التعليل ومعرفا؟ قلنا: هذا هو المقصود بالكلام؛ ولكنا قدمنا الأمثلة: إذا لا يعرف وجه دلالة الدليل من لم يعرف الدليل بنفسه؛ ومناسبة المعنى دليل على كون الحكم ثابا ومعلقا عليه. فنقول أولا: لسنا نعرف خلافا -بين الفقهاء القائسين -في قبول المناسب على التفسير الذي ذكرناه؛ والمعنى بالمخيل هو المناسب. وما ذكره أبو زيد: من أن الاخالة لا يمكن الدلالة عليها مع الخصم؛ فالظن به أنه عنى بذلك ما يرجع إلى شهادة القلب، ووقوع في النفس: يجري مجرى الإلهام الذي يضيق نطاق العبارة عنه. وما ذكرناه -من المناسب- خارج عن الفن الذي ذكره؛ وهو الذي نعنيه بالمخيل أيضا: اذا أطلقناه. ودليل قبوله ما هو الدليل على قبول القياس ×× الذي قدمناه؛ ودليل قبولهما جميعا دليل أصل القياس، وهو: إجماع الصحابة.

стр. 176

والظن بأبي زيد أنه أراد ××: المناسب الملائم؛ ولم يشترط التأثير على التمثيل الذي قدمناه، بل اكتفى بالمناسبة مع الملائمة. ويشهد لذلك ما ضربه: من الأمثلة للقياس؛ إذا قال:] قال [النبي ﵇: "أنها من الطوافين عليكم والطوافات"، على لسقوط النجاسة: بضرورة] الطوف علينا [؛ وللضرورات تأثير في إسقاط حكم الخطاب. وهذا ما نعنيه بالمناسبة؛ فإن الحاجة داعية إلى المخالطة، فوق ذلك على الرتبة الثانية من المناسبات التي ذكرناها. وهذا ملائم مجانس لتصرفات الشرع في توسيع الأمر، في مظان الحاجات. ومن أمثلة قوله في مسح الرأس: أنه مسح، فلا يسن تثليثه كمسح الخف.

стр. 177

فهذا سماه مؤثرا؛ وهو واقع في التربة الأخيرة من المناسبات التي] ذكرنا أمثلتها [. ويكاد] ٣١ - أ [يلتحق -عند تمام البحث- بشبه مجرد، أو بمناسبة اقناعية ضعيفة. وبيانه] هو أن يقال له [: ولم عللت سقوط التكرار في الأصل بكونه مسحا؟ ويطلب بإبداء أثره. فان قال: لأن المسح في ذاته أخف من الغسل، ويلحق الناس في الغسل -من المشقة- ما لا يلحقهم في المسح؛ ولأن صفة المسح قد أثرت في إيجاب تخفيف هذا الركن، متى قوبل بالغسل في حق استيعاب محله. هذا ما ذكره أبو زيد في إبداء تأثيره. ففيه نظر: إذا نسلم أن المسح في ذاته أخف] من الغسل [ولكن: لم يمتنع تكريره؟ وما وجه المناسبة؟ وأين ظهر في الشرع -لخفة الذات- تأثر في منع التكرار؟

стр. 178

يبقى قوله: انه ظهر تأثيره في التخفيف حيث لم يجب استيعاب محله؛ وهذا ×× إلى إظهار] أثر [عين العلة في جنس الحكم المتنازع فيه، وهو: التخفيف، فيقول: إذا عهد المسح مؤثرا في التخفيف من هذا الوجه_: ظهر كونه مؤثرا في الوجه الآخر من التخفيف. فيقال: ومن سلم أن ذلك من أثر كونه مسحا؟ وبم عرفت ذلك: ولم يظهر إلا حكم مقرون بوصف؟ فلم جعلته معللا بذلك الوصف: وليس فيه نص ولا إجماع؟ وبم تنكر على من يقول: المسح على الرأس اكتفى فيه بالأقل: مما ينطلق عليه الاسم، لأنه واقع على الرأس؛ فهذا علته؟. فان قال: يبطل بالمسح على الخف، فانه يساويه في الحكم، وليس واقعاً على الرأس. قيل: هذا عكس، وليس بنقض؛ والعلة فيه: كونه على الخف؛ ويجوز إثبات الحكم في محلين بعلتين. فان قال: وأي مناسبة -لكونه على الرأس، أو على الخف- في الاقتصار] على البعض [؟ قلنا: فهذا اعتراف بأن طريق المعرفة: المناسبة. فإذا ظهر مناسبة المسح للحكم، ولم تظهر مناسبة هذه الأوصاف، وجب التعليل بالمناسب؛ وإلا: فمن يتمكن من إبداء نص أو إجماع في

стр. 179

تعليل الحكم بكونه مسحا؟!. وإنما الطريق هي: المناسبة؛ فطلب التأثير، وطلب المناسبة واحد؛ وهما عبارتان عن معنى واحد. فأما الاقتصار، في الاستدلال، على إثبات العلة بالإجماع أو بالنص -فلا وجه له. وهذه العبارة تداولها ×× من أبي زيد، وهو أن العلة: ما ظهر تأثيره بالنص أو الإجماع. وهذه الأمثلة لا تصير على هذه الترجمة، بل يضطرون إلى تفسير التأثير: بالمناسبة؛ ثم يكتفون بمناسبة ضعيفة؛ ومناسبة المسح للتخفيف في غاية الضعف، وحاصله يرجع إلى أنه خفيف بذاته، فينبغي أن يخف حكمه؛ وهذا تحكم محض، يكاد يلتحق] بأنواع الاقناعيات من [المناسبات، ويتقاعد عنه، وأي بعد في أن يقال: الاقتصار على الأقل نوع تخفيف لا تعقل علته، وليس ذلك لكونه مسحا؟ وان أرادوا الإنصاف، فسببه: أن المسح من المصادر التي لا تقتضي الاستيعاب في اللسان، بخلاف الغسل، فهذا مستنده. وليس من غرضنا عين تلك المسئلة؛ وإنما غرضنا اضطراره -بهذا المثال- إلى القول بالمخيل المناسب، والمنع من الاقتصار -في إثبات العلة-

стр. 180

على الاستدلال بالنص أو الإجماع؛ فإن ذلك يعز وجوده في المسائل القياسية. مثاله الآخر] قوله [: أنا متى قلنا: نكاح الأمة -مع طول الحرة- يجوز: لأنه معنى يجوز معه هذا النكاح للعبد؛ فيجوز للحر: قياسا على] الجهل بالغنا [ووجود حرة رضيت بغير مهر. سمى هذا مؤثرا، وأورده في أمثلة المؤثرات، وأين يتصور ها هنا إثبات العلة] وتأثيرها [بنص أو بإجماع؟ والمطالبة عليه أن يقال: ولم قلت: أن ما لا يمنع العبد لا يصلح أن يكون مانعاً في حق الحر؟ ومن سلم أن] الجهل بالغنا [لا يمنع الحر لأنه لم يمنع العبد؟] بل لم [يمنع العبد: لأنه لم يمنع الحر،] بل [لم يمنع كل واحد منهما] لدليل دل [عليهما على وجه واحد. وهو الإنصاف.
следующие страницы →