Полный текст (678 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
شخصين على قتل شخص واحد، لم يبح لهما القتل: لتكثير الإبقاء؛ ولو أكره مسلم على قتل ذمى، أو عالم تقى على قتل فاسق غبي -لم يحل له قتله: لمصلحة إحياء النفس وإبقائها؛ لا بطريق التقديم بالفضل، ولا بطريق التقديم بالكثرة؛ لأن المكره على قتله لا جناية من جهته؛ وحقه مرعى من عصمته في نفسه، فلا يجوز تفويته بالمصلحة.
فهذه مصلحة غريبة غير ملائمة لتصرف الشرع؛ فليس في تصرفات الشرع قتل غير الجاني قصداً لمصلحة غيره. فهذا مثال المصلحة الغريبة.
فإن قيل: موت هذا الذي يقتل بالقرعة لابد منه على الأحوال كلها، ولنا في الباقين طريقان؛ أحدهما: التخليص، والثاني: الإهلاك، والإهلاك محظور، والإبقاء مقصود؛ وهو ممكن، أما هذا الواحد، فموته- قتل، أو لم يقتل- لابد منه.
قلنا: ما يتفق -من الموت بالآفات السماوية، لا عن قصد- فجميع الخلق بصدده؛ والأمر في التقديم والتأخير قريب، وأما تجريد القصد إلى الإهلاك، جناية على الروح قصداً لمصلحة الغير- ففيه تفويت مصلحة القتيل بالكلية.
стр. 247
ومن هذا الجنس؛ ما إذا اضطروا في مخمصة، وعملوا أنهم يهلكون جوعاً لا محالة، وأنهم لو قتلوا واحداً بالقرعة وأكلوه لتخلصوا- فهو محرم [في الشرع] قطعاً، وعليهم الإنقياد لقضاء الله تعالى، فأما التخلص بالقتل: فباطل لا وجه له.
نعم: لوورد [حكم] الشرع في صورة السفينة -مثلاً- بالإلقاء بالقرعة، لكان ذلك تنبيها على رعاية هذه المصلحة، حتى نطردها في المضطرين في المخمصة، وبه يتبين أن إثبات الحكم على وفق المناسبة، تنبيه على ملاحظته؛ ولكن: إذا لم يرد الشرع بالحكم على وفقه، ولا رأى ذلك ملائماً لتصرفات الشرع- كان ذلك أمرا [بدعاً] مستحدثاً في الشرع بمحض الرأى، من غير التفات إلى قالب الشرع، وهذا باطل كما قدمنا.
مثال آخر: فإن قال قائل: رأيتم قطع الأيدى باليد [الواحدة] قياساً على قتل النفوس بالنفس [الواحدة]. فما مستندكم في قتل
стр. 248
النفوس بالنفس الواحدة؟ أهو المصلحة [أم النص أم الإجماع]؟ فإن اتبعتم] ٤٠ - ب] المصلحة، فما وجه كون هذه المصلحة ملائمة لمصالح الشرع، وفيه قتل من ليس قاتلاً على الكمال، وهو مستبعد؟!
قلنا: لم ينقل فيه نص عن الشارع؛ وإنما المأثور عن عمر -رضى الله عنه- في قتيل قتله جماعة، أنه قال: "لة تمالأ عليه أهل صنعاء: لقتلتهم به" فكيف يدعى فيه نص أو إجماع، ومذهب مالك: أنه لا يقتل من جملتهم إلا واحد خرجت القرعة عليه؟
стр. 249
.. ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ..
стр. 250
فدل أن كل واحد- من الشافعي ومالك- سلك مسلك المصلحة؛ وهو الذي رآه عمر رضى الله عنه. وذلك يدل على اتفاق مسالك العلماء القائسين: في اتباع المصالح المرسلة؛ وإن لم يعتضد بشهادة أصل معين -مهما كام- من جنس مصالح الشرع؛ ووجه المصلحة: أن القتيل معصوم، وقد قتل عمداً؛ وإهداره داع إلى خرم مقصود القصاص، وإتخاذ الظلمة الإستعانة ذريعة إلى [بغيتهم في] سفك الدماء [وقتل الأعداء]. وهذا وجه في المصلحة ظاهر،.
ولا يشهد له -بطريق الأصالة- قتل المنفرد، فإنه قاتل -تحقيقاً- على الكمال. ومقابلة النفس بمثلها، لا تدل على مقابلتها بأمثالها. ولكن المقصورد -المعلوم على القطع من أصل القياس- يتقاضى
стр. 251
إلحاق المشتركين بالمنفردين.
وقول القائل: إن هذا أمر بدع في الشرع غريب، وهو: قتل غير القاتل. قلنا: ليس كذلك.
أما أبو حنيفة، فإنه يزعم: أن كل واحد قاتل على الكمال؛ مصيراً إلى أن حد القتل جرح يتعقبه زهوق الروح.
ونحن لا نرى ذلك، وإنما نتبع المصلحة، وإليه يشير مذهب مالك ﵀ في المسئلة، ولكنا -مع ذلك- لم نقتل غير القاتل؛ فإن القتل حاصل، وهو مضاف إلى المتمالئين على الجرح؛ فهم القاتلون، ولم نقتل إلا القاتلين. نعم: لا يسمى كل واحد منهم قاتلاً على الكمال [والتمام]؛ ولكنا نقول: جميعهم في حكم شخص زاحد، والقتل مضاف إليهم إضافته إلى الشخص الواحد؛ فإذا جمعتهم رابطة الغستعانة، فقد صاروا في حكم الشخص الواحد، بالتعاضد على مقصد واحد، ومن جرح إنساناً: فقد قصد قتله؛ فإذا جرحه غيره: فقد أيد قصده، وعضد غرضه؛ ولم يزاحمه عن مقصده، بل مالأه وعاونه عليه، فحسسن تنزيلهم منزلة الشخص الواحد، والقتل مضاف إلى جميعهم تحقيقاً، فلم نقتل إلا جمعاً قاتلاً، وإنما [النظر]: في تنزيل الأشخاص منزلة الشخص الواحد؛ وقد دعت إليه [الحاجة و] المصلحة، وأشار إليه سر المشاكرة؛ فلم يكن ذلك مبتدعاً.
стр. 252
فإن قيل: في مذهب مالك ﵀ ما يحصل الزجر؛ فإن آحادهم إذا كانوا على مخافة من خروج القرعة عليهم، انتهض ذلك وازعاً، وتوقع خروج القرعة على الغير لا يكون سبباً للجرأة على القتل، كتوقع العفو من ولى الدم.
قلنا: لم ير الشافعي ذلك: من حيث أن الصارف عن قتل الكل اقتحام قتل من ليس قاتلاً على الكمال؛ وفي قتل الواحد منهم ارتكاب لهذا الأمر المحظور؛ والقرعة لا تؤثر في تكميل جنايته وتخصيصه بالموجب عن غيره؛ وإنما تصلح القرعة: عند تعارض الأسباب الكاملة للتعيين في حق الأشخاص؛ كما إذا لم يملك إلا ستة أعبد، فأعتقهم في المرض: أقرع بينهم، وأعتق اثنان، لأن سبب العتق كامل في حق كل واحد، وضاق المحل عن الوفاء؛ فتوصلنا إلى الترجيح والتعييم، بالقرعة.
وفي هذا المقام لم تتكامل الجناية من كل واحد؛ فإذا جاز الأقدام على القتل: فلا فرق بين شخص وشخص. على أن مقصود الزجر غير حاصل به؛ وكل يقدر انحراف القرعة عنه، لا سيما إذا كانوا جمعاً غفيراً؛ وتوقع خروج القرعة عليه لا ينتهض وزاعاً؛ وهو كتوقع الإنسان
стр. 253
الموت فجأة في كل حالة: فإنه ما من شخص إلا ويجوز -في كل وقت- أن يموت [فيه]؛ ولا أثر لذلك على قلبه. وليس ذلك كتوقع العفو من ولى الدم: فإنه -بعد إيغار صدره، وإثارة الحقد والضغينة في [٤١ - أ] باطنة- يبعد الاتكال عليه.
وعلى الجملة: المسألة اجتهادية؛ وإنما هذا نظر: في تعين الطريق في رعاية المصلحة؛ مع الاتفاق على مراعاة المصلحة.
فإن قيل: فإذا تعاون رجلان على السرقة، فثقب أحدهما وأخرج الآخر المال- فهلا أوجبتم القطع: رعاية للمصلحة، وحسماً للباب؟ إذ فيه تمهيد ذريعة- هينة الدرك، قريبة المنال- لسرق الأموال، على اختلاف الأحوال؛ وهو الغالب من عادات السراق؟
قلنا: لأنه لم يبن لنا أن القطع مشروع لعصمة المال، كما بأن كون القصاص مشروعاً لعصمة النفس. ودل عليه ثلاثة أمور:
أحدها: وجوب القطع مع رد المال بكماله؛ وليس فيه تفويت واتلاف وحاجة إلى جبر.
والآخر: أن النفس مثل النفس، ولا مناسبة بين يد ديتها خمسمائة دينار- وفيه تعريض الروح للهلاك- وبين ربع دينار.
والآخر: أن القطع لو وجب عصمة للمال، لوجب لمستحق المال: حتى يسقط بإسقاطه كالقصاص؛ فلاح [بهذه الشواهد أن قطع اليد]
стр. 254
عقوبة وجبت لله تعالى، بإزاء فاحشة ارتكبها العبد-؛ لتفاحش الجريمة، وما فيه من هتك المرء حرمه نفسه بالتضمخ بتلك الرذيلة. وإنما الصورة المتفاحشة: السرقة؛ والناقب لم يصدر منه إلا تخريب جدار الغير؛ وهذا وإن كان محظوراً: فلا يتفاحش في العقل والعرف والشرع، تفاحش السرقة؛ وشريكه لم يصدر منه إلا أخذ المال عن مضيعة؛ وليس ذلك على مضاهاة السرقة: في التفاحش. ومراتب القبح في الفواحش تختلف، وتتفاوت بسببها العقوبات الواجبة بها؛ ولا مناسبة بين هذه الصور.
стр. 255
فإن قيل: لو اشترك رجلان في النقب وسرقة المال، بحيث لم يتميز فعل أحدهما عن الآخر- فما قولكم فيهما؟
قلنا: إن بلغ المال نصابين وجب القطع؛ وإن بلغ نصابا واحداً فلا: لأن كل واحد [منهما] لا يخصه نصاب واحد، وما دون النصاب ليس في محل التشوف: لحقارته وخسته؛ فلا يفتقر فيه إلى [شرع] الزاجر، كالمنفرد بما دون النصاب.
فإن قيل: فالقطرة الواحدة من النبيذ لا تشتهى، والطباع لا تتشوف إليها: لأن المقصود [منها] الطرب والهزة المستثمرة من استيفاء الأقداح؛ فلم شرعتم فيها الحد؟
قلنا: لم نقتبس ذلك من المصلحة؛ ولكنا ألحقناه باليسير من الخمر، وقد ثبت فيه التحريم نصاً. وسببه: أن قليله داع إلى كثيره؛ ولا وازع من حيث الطبع: فالرجل يستخلى بنفسه في شرب الخمر، ولا حامي ولا عاصم وراءه.
أما الأموال [فأنها] مصونة محروسة بالأعين الكالئة، محفوظة
стр. 256
بالقلاع المشيدة [العالية] وفي التسلق عليها: تغرير بالروح، واقتحام [متن] الخطر، مع التردد في قضاء الوطر. فعزازة المال ونفاسته هي الداعية إليه، ثم النظر إلى الشرع في تقدير النفيس، وتمييزه على الخسيس.
وهذا وإن كان مناسباً وتنقطع عنه السرقة، فلسنا نراه على مذاق المصالح المستقلة، دون شهادة الأصل. فلو لم يرد الشرع بتحريم قليل الخمر، لما كنا بالذي يحرمه بهذا القدر من المناسبة. ولكن: إذا ورد الشرع بالحكم على وفقه، شهد لملاحظته؛ فنقيس به ما يقاربه وهو النبيذ؛ ولا يستقل بأثبات الحكم، دون شهادة الأصل، وإن كان ملائماً. على ما سبق وجه ملاءمته، ولكنه واقع في الرتبة الأخيرة من المناسبات الجارية مجرى التتمة والتكميلات للقواعد المبنيى على الحاجات أو الضرورات؛ على ما سبق تفصيل القول فيها.
فإن قيل: فلم ألحقتم الأيدي بالنفوس في حكم القصاص، ووجه المصلحة في النفوس: عموم التعاون فيه على القتل غالبا، لاستقلال الواحد بدفع الواحد في الأعم الأغلب؟ والتعاون على قطع الأطراف على الوجه الذي يسترطه الشافعي-: من امتزاج الفعلين بحيث لا يتميز [٤١ - ب] أحدهما عن الآخر- لا يعرض إلا نادراً. فكيف يلحق به بطريق المصالح؟
قلنا: إذا ثبتت قاعدة على مصلحة، لم تتبع آحاد الصور من
стр. 257
القاعدة [على هدمها] بل انسحب الحكم على جميع الأطراف، مع التفاوت في مراتب الحاجة. والشركة في النفوس أيضاً قد تجرى وفاقاً ولا تجرى تواطؤاً؛ وقد تجرى مع الأب والأقارب، وهو نادر، والحكم منسحب. والممكن [فيه رعاية] إمكان الإستعانة، لا رعاية الإستعانة وجوداً؛ والإمكان جار في الأطراف؛ ونحن نحذر انتصاب ذلك ذريعة إلى الإهدار. وإذا علم الناس أن ذلك مدرأة للقصاص: انتحوا ذلك قصداً، وجردواً إليه العمد احتيالاً وصمداً، واتخذوا ذلك طريقاً وصار عاماً. كما صارت صورة مسألة العينة عامة بين الخلق: إذ عرفوا أن ذلك حيلة في الخلاص من الربا. وكل من قصد مقصداً، وكان الطريق إليه محسوماً، وسنحت له حيلة في تيسيرها- انتهض لها بأقصى الجد والتثمير؛ وصارت الحيلة الغريبة بصورتها عامة في الوقوع، بذلك.
فهذا طريق الإلحاق، والغرض: بيان وجوه الترداد على المصالح
стр. 258
المرسلة واتباعها؛ فأما أعيان هذه المسائل، فالقول فيها في مظنة الإجتهاد: وكل مجتهد مثاب على ما يتحراه من السداد والصواب.
فإن قيل: إيجاب القصاص بالمثقل، هل مبنى على المصلحة وانتهاض ذلك ذريعة عامة؟
قلنا: هذه مصلحة جارية فيه ظاهرة؛ ولكن: انضم فيها الاستشهاد بأصل معين. فإلحاق المثقل [بالجارح] بالمعنى المفهوم من الجارح- جار على شكل الأقسية المعتدة بالأصول الشاهدة المعينة؛ ولكن اتضح القياس وعلت رتبته: لإستمداده من هذه المصلحة، التي لها رتبة الاستقلال [لو قدر انفكاكها عن شهادة الأصل المعين. وإذا اعتضد شكل القياس بمصلحة لها رتبة الاستقلال]: وقع في الرتبة العليا من القوة والظهور.
وهذا ما أردنا أن نذكره: من الأمثلة للمصالح التي يعم جدواها، و [تشمل] فائدتها، ولا تخص الواحد المعين. ثم قد تكون أسبابها غالبة في الوقوع، وقد تكون نادرة. ونحن نذكر أمثلة [المصالح التي تظهر] بأسباب نادرة في حق [آحاد] الأشخاص.
стр. 259
مثال [ذلك]: فإن قال قائل: ما قولكم في المفقود زوجها إذا طالت غيبة الزوج عنها وانقطعت الأخبار، واندرست الآثار، وبقيت المرأة محبوسة في حبالة النكاح، مع الفقر والإضاقة وانحسام طريق النفقة، ولا تعرف من زوجها موتاً ولا حياة، ولا تسمع من حديثه همساً؛ فهل تسلط [المرأة] على النكاح: تقديراً للموت في حق زوجها، ورعاية لمصلحتها وتخليصاً لها من هذه الضرورة التي لا منتهى لها إلى منقرض أجلها؟
قلنا: اختلف العلماء [في هذه المسألة] فالذي رآه عمر -رضى الله عنه- أنها تنكح إذا طالت المدة، واندرست الأخبار، وظهرت آثار الوفاة. وإليه ذهب الشافعي في القديم.
ونص -في الجديد- على أن لا طريق إلا الاصطبار والانتظار: إلى أن يتحقق الحال بظهور نبئه، أو بإنقضاء مدة يقطع فيها بتصرم عمر الزوج. وليس هذا من الشافعي امتناعاً عن اتباع المصالح، وإنما هو رأى رآه في عين هذه المصلحة: من حيث أن في تسليطها على التزويج خطراً عظيماً؛ ولا ندارس الأخبار أسباب سوى الوفاة: من تنائي المزار، وتباعد الأقطار، وانقطاع الرفاق؛ لا سيما إذا كان الرجل خامل الذكر، ونازل
стр. 260
القدر، ركيك الحال والأمر؛ فبقاؤه في الأحياء ليس بعيداً، وربما يعود يوما من الدهر: وقد سلمنا حليلته إلى فحل يتغشاها ويستولدها، ويلطخ فراشه؛ فيعظم فيه بالخطب، ويتفاقم فيه الأمر، ويستفحل الضرر والمعرة على الزوج. ونحن بين أن تأمرها بالتربص [على النكاح] فنضر بها إن كان زوجها -في علم الله تعالى- ميتاً، أو نسلطها على النكاح: فنضر بالزوج إن كان في علم الله تعالى حياً. والضرر في تربص أيم وتعزبها أهون- وذلك معتاد شرعاً وعرفاً- من الضرر في تسليم زوجة منكوحة إلى واطئ.
فأستعظم الشافعي -في الجديد- الخطر في هذا الأمر؛ وانضم إليه ندور [هذه] الواقعة، واختصاص [٤٢ - أ] المضرة بالشخص الواحد. فهذا وجه نظره.
وللقول القديم- الموافق برأى عمر رضى الله عنه وجه لا يخفى تقريره.
стр. 261
مثال آخر: إذا كان للمرأة وليان، فأذنت لهما في تزويجها؛ فزوجها كل واحد منهما من إنسان واستبهم السابق [واللاحق]، مع العلم بجريان العقدين على التعاقب؛ وانحسم طريق الكشف والتذكير، وقع الاعتراف بالاشكال- بقيت هذه المرأة محبوسة بين الزوجين مترددة ولا طريق لأحدهما إليها: فلا سبيل لها إلى النكاح، وقد جرى على القطع عقد صحيح. فالمصلحة داعية إلى فسخ العقد الذي جرى في علم الله تعالى، وتسليطها على النكاح، وتخليصها عن هذه الحالة المزمنة طول العمر.
وقد اختلف فيها قول الشافعي، وهو دليل ميله إلى المصالح ورعايتها؛ إذ هذه المسألة لا نظير لها: فالعسر الحاصل بالنسيان لم ير قط في الشرع معتبرا في فسخ العقد؛ ولكنه- على الجملة- ملائم لجنس تصرفات الشرع؛ فإن الشرع يرى فسخ العقود: إذا تعذر امضاؤها، وامتنع استيفاؤها؛ فإذا وقع اليأس عن الكشف، فلا شك في اقتضاء المصلحة الفسخ؛ وقد جاز الفسخ بالجب والعنة، دفعا للضرار عنها؛ إذ فيه فوات التحصين؛ وذلك جار فيما نحن فيه؛ إلا أن شهادة هذه المسائل ضعيفة: لأن الضرر
стр. 262
فيها ينشأ من عيوب وأسباب جبلية، لا تقصير فيها من العاقدين، وأما العسر على هذا الوجه بالنسيان [فـ] نادر؛ وسببه: تقصير وترك تحفظ، ومساهلة في احتياط [لا محالة]. فالحاقة بهذه الأسباب ليس سديدا؛ وإنما المعول عليه، المصلحة؛ وهو في محل الاجتهاد والتردد، كما ردد الشافعي قوله هذا فيه: إذا لم يتعين السابق.
فلو تعين أولا، ثم نسى- فطريقان: منهم من قطع بأنه لا سبيل إلى الفسخ، ومنهم من طرد القولين: لاستواء المصلحة. وظاهر المذهب- من حيث النقل-: الفرق. وسببه: ظهور التقصير عند النسيان بعد العلم، وبعده عن ملاءمة الأسباب الموجبة للفسخ.
مثال آخر: إذا طلقت المرأة الشابة بعد المسيس، ولزمتها العدة، وتربصت الأقراء: فتباعدت حيضتها سنين- فقد قال العلماء: يلزمها التربص إلى سن اليأس، ولا يغنيها الاعتداد بالأشهر. وهذا ضرر عظيم ظاهر، وفيه تعطيل عمرها وشبابها، ومنعها من النكاح. ولكن نرى هذه المسألة مجمعا عليها، وتكاد تهدم اتباع المصالح في المثالين السابقين: فإنها قريبة منهما، ولكن: وجه الرأي فيه- والعلم عند الله- أن الله تعالى قال:
стр. 263
﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾؛ والتربص واجب على كل من تحيض؛ ولسنا نعني [بقولنا]: تحيض، وجود الحيض عند الطلاق؛ فالطاهرة تطلق ويقال: أنها ممن تحيض، فتتربص الحيض. فالمعنى: إمكان الحيض، أما من لا يمكن في حقها الحيض جبلة: كالصغيرة والعجوز الهرمة؛ فلها العدول إلى الأشهر. وما دامت المرأة جارية- في وسط العمر- بين طرفي الوجود: فإمكان الحيض جار في حقها، وقد أمر الشرع بتربص الطاهرة للحيض؛ فعليها أن تنتظر الحيض، وما من لحظة تنقضي إلا وهي على رجاء من هجوم الحيض. نعم: لو علمنا أنها ليست تحيض إلى منتهى الهرم، لكنا نعدل بها إلى الأشهر. ولكن ذلك إن كان: فهو في علم الله تعالى، وهي- في كل ساعة تبغى الشروع في العدة بالأشهر- يتوقع الحيض لها حالا على حال. فإن مضت سنة أو سنتان: لم ينقطع هذا الرجاء؛ فرب امرأة لا تحيض سنين ثم يعاود الحيض؛ ومن لها إلى الانتظار سبيل: فليس لها في الشرع إلا التربص. وإنما الضرر ينتظم تقديره بتمادي الطهر سنين كثيرة. ونحن- في الحال- لا نعلم تراخيها سنين؛ وإنما ندرك ذلك بعد مضيها، ولا سبيل إلى تلافيها. وطريق الرجاء والأمل متسع في المستقبل. فهذا هو السبب والعلم عن
стр. 264
الله تعالى، بخلاف المثال السابق: فإن الشيء إذا نسى على قرب عهد به، استحال في العرف- تجدد علم به، بعد طول العهد بالأمارات.
فإن قيل: عقل قطعا أن مقصود العدة براءة الرحم؛ وقد حصل بمضي أربع سنين: فإن مدة الحمل لا تزيد عليها. فهلا اكتفيتم بها؟
قلنا: علم أن البراءة مقصودة من العدة، ولم يعلم أنها المقصود فقط، بل علم أن للشرع وراءها تعبدا في العدة؛ فإنه لو قال لزوجته: إذا استيقنت براءة رحمك فأنت طالق؛ فإذا استيقنت: طلقت ولزمتها العدة. فلم يمكن تجريد النظر إلى معنى البراءة.
هذا ما أردنا أن نذكره: من أمثلة المصالح؛ وفيه الكفاية لصاحب الهداية؛ إن شاء الله تعالى [ولله الحمد، وبه التوفيق].
القول في الطرد والعكس
المسلك الخامس: في إثبات كون الوصف علة بالاطراد والانعكاس؛ وهو: أن يوجد الحكم بوجوده، ويعدم بعدمه، فيعلم به
стр. 265
أنه مؤثر فيه، وموجب له؛ وأن وجوده بالإضافة إلى الحكم، ليس كعدمه.
وهذا قد اختلف فيه الأصوليون اختلافا ظاهرا؛ [فالذي اختاره القاضي أبو بكر: أن ذلك] لا حجة فيه؛ من حيث أن الطرد [المجرد ليس بحجة]، والعكس ليس بشرط في العلل الفقهية: فلا تأثير لوجوده؛ ولأن انتفاء الحكم بانتفاء الوصف مسئلة، والثبوت عند الثبوت مسئلة أخرى منفصلة عنه؛ فكيف يعتضد أحدهما بالآخر. إلى كلمات مشهورة قررناها في كتاب (المنخول من الأصول).
وليس يحصل- في هذه القاعدة- شفاء الغليل، إلا بالتمثيل والتفصيل.
فأقول- وبالله التوفيق:
الطرد والعكس يذكر من وجهين: أحدهما سديد، والآخر فاسد.
стр. 266
فأما الفاسد، فهو: إظهار وجود الحكم عند وجود وصف في محل، وإظهار عدمه عند عدم ذلك الوصف في محل آخر، كما يقول الحنفي مثلا: الجص مكيل، فيجرى فيه الربا كالبر، فيقال له: ولم قلت: إن العلة في البر هي الكيل؟ فيقول: لأن البر مع الأشياء الثلاثة، لما كان مكيلا مقدرا: جرى فيه الربا، والثياب والعبيد [لما لم تكن] مكيلا مقدرا: لم يجر فيها الربا. فوجد هذا الوصف مع وجود الحكم، وعدم مع عدمه.
فهذا وأمثاله فاسد: لأن الحكم يوجد مع أوصاف وفاقية يقارنها، وينعدم عند انعدام أوصاف وفاقية، فلم يستمكن هذا المستدل من أن يقول: وجد الحكم بوجوده وعدم بعدمه؛ بل قال: وجد مع وجوده في موضع، وعدم مع عدمه. وهذا وإن سلم سلامته عن النقض في الطرد والعكس، فلا خير فيه من طريق الأطراد والانعكاس. وقد يمكن التعلق به بطريق الشبه، كما سنذكر وجهه وكيفيته [إن شاء الله تعالى]. هذا وجه في الطرد والعكس.
والوجه الثاني: أن يستمكن المستدل من ادعاء وجوده بوجوده، وعدمه بعدمه.
وذلك: إذا استقام [فهو] دليل على كون الوصف علة عندنا.
стр. 267
بل نزيد فنقول: إذا سلم قوله: أنه وجد بوجوده؛ كفاه ذلك، ولم يشترط أن يبين انعدامه بعدمه، بعد الوجود؛ إذ في الوجود بوجوده، بيان الانعدام بعدمه؛ إذ كان قبول الوجود منعدما، وكان انعدامه بانعدام ما وجد بوجوده. فهذا القدر كاف.
ونحن نضرب لذلك ثلاثة أمثلة، ونرتب الدليل على تقرير وجه الأمثلة:
[المثال] الأول، هو أن نقول: العلة في تحريم الخمر: الشدة والإسكار؛ لأنه يوجد بوجودها، إذ كان منعدما: حيث كان عصيرا، فلم يتجدد إلا الشدة فتجدد التحريم ثم صار خلا، فصار حلالا: فانعدم بعدمه.
وهذه زيادة لا حاجة إليها؛ إذ في تجدد التحريم، بتجدد الشدة- ما يدل على أن الشدة هي العلة فنقيس بهذه الرابطة سائر الأنبذة، وعلى الخمر.
المثال الثاني: [هو] أن يقول الحنفي في الصبي العاقل: أن تنعقد بعبارته العقود، لأنه عاقل: فتنعقد العقود بعبارته، كالبالغ.
فقيل [له]: وما الدليل على أن العقل- في حق البالغ- هو المناط لصحة العبارة؟
فيقول: أنه عدم بعدمه، فإنه إذا جن: لم يعدم إلا العقل؛ فإذا
стр. 268
أفاق: لم يتجدد إلا العقل. فقد وجد بوجوده، وعدم بعدمه.
المثال الثالث [هو] أن نقول في العبد: أنه رقيق، فينشطر حد الزنا في حقه كالأمة، ونقيس على الأمة: لأن النص وارد في حق الأمة؛ إذ قال تعالى: ﴿فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب﴾.
فيقال: وما الدليل على أن الرق علة؟.
قلنا: [هو أن] التشطير يعدم بعدمه؛ فإنها لو عتقت: لم ينشطر حدها.
ففي هذه الصور: إذا ظهر الوجود بوجود الوصف، كما في الطرف الأول: من شدة الخمر وخلولها؛ [أو] أظهرنا العدم بعدم الوصف، كما في انعدام التشطير بعدم الرق، وانعدام العبارة بعدم العقل عند طريان الجنون- فقد استقل الدليل على كونه علة إلى أن يبين الخصم في المناظرة، أو يتبين للناظر بنظر آخر: أن الحكم لم يحدث بحدوثه، بل حدث بحدوث معنى [آخر] يتضمنه الحادث، أو معنى يجاور الحادث؛ أو حدث به مع وصف آخر سابق عليه في الوجود، أو حدث عنده بعلة أخرى متقدمة في الوجود عليه. وكل هذه الاحتمالات
стр. 269
متطرقة إليه؛ ولكن لا تدرأ دعوى التعليل في مبادئ النظر. وعلى من يدعي شيئا من هذه الاحتمالات، إقامة الدليل، وإظهار المناسبة.
فإن قيل: كيف تنفعكم هذه الأمثلة، وإنما نسلم فيها دعوى التأثير بالمناسبة لا بالاطراد والانعكاس؟. فإن وجود العقل وعدمه يناسب إطلاق التصرف وحبسه، ووجود الإسكار يناسب تحريم الشرب، وضعف حال الرقيق يناسب تخفيف العقوبة. فكان الاعتماد على المناسبة. وإذا سلمت المناسبة: سلم بالاتفاق دعوى التعليل؛ فأين تأثير الطرد والعكس؟
قلنا: المناسبة جارية في هذه الأمثلة، ولكن: قبل أن يطلع الناظر [على وجه المناسبة يفهم أن الحكم إنما حدث بحدوث وصف مرتبا عليه؛ فذلك] الوصف هو المؤثر فيه، وهو الموجب لحصوله. هذا ظاهر الظن في أول النظر؛ فإن اعتضد هذا النظر بالمناسبة: ازداد وضوحا، وهو حاصل قبل المناسبة، والدليل عليه ما قدمناه في مسالك الإيماء: أن كل حكم رتب على سبب بفاء التعقيب، أو بصيغة الشرط والجزاء- أشعر بكونه سببا. كقوله: (من جامع في نهار رمضان فليكفر) لو ورد هذا اللفظ. وكقوله الوارد: (من بدل دينه فاقتلوه). وليس يفهم سببه من المناسبة؛ بل يفهم من الإضافة اللفظية، بدليل أنه لو قال: (من مس ذكره فليتوضأ)، [يفهم كونه سببا وإن لم يناسب. ولو قال مثلا:
стр. 270
من مس الجدار فليتوضأ]، لفهم أنه جعل مس الجدار سببا؛ ثم زدنا عليه، وقلنا: إذا حكم رسول الله- ﷺ بحكم، عقب واقعة ذكرت له: فالواقعة سبب للحكم، كما قال الأعرابي: [إني] جامعت أهلي نهار رمضان، فقال: (أعتق رقبة)، ففهم [منه] أن الجماع علة الإعتاق؛ ولم يفهم من [طريق] المناسبة: فإنه لا مناسبة. ولو [قدرنا حكاية] أمر لا يناسب، كقول القائل مثلا: رأيت في المنام البارحة أني كنت أشرب ماء في كوز، فقال النبي- ﷺ : أعتق رقبة؛ لفهم أن رؤياه سبب، ولقضت العقول من سماعه العجب، [وبأية حكمة جعل] سببا ولا مناسبة؟ وإنما التعجب لفهم جعله سببا.
وهذا كله ما قدمناه؛ ومستند الفهم فيه: حدوث الحكم عند حدوث الواقعة مرتبا عليه؛ وهو عين الطرد والعكس الذي ندعيه، وإنما المتغير العبارة. فإنا نقول: كان الأعرابي بريء الذمة من الكفارة؛ علم ذلك شرعا، ولم يتجدد منه إلا الجماع، فتجدد لزوم الكفارة، فقد وجد بوجوده؛ وفي ضمنه أنه كان منعدما قبل ذلك بعدمه، فهذا طريق يعرفنا كون الجماع سببا وعلة، حتى نتبع السبب ونقول: ورد ذلك في
стр. 271
الأعرابي، [فيلحق به كافة الخلق، أو: ورد في حق حر، فيلحق به العبد، أو: ورد في حق رجل]: فتلحق به المرأة، على الرأي الأظهر، أو ورد في جماع الأهل، فيلحق به جماع الأمة والأجنبية. ومستند ذلك كله، فهمنا أن الحكم حدث بحدوث الجماع. وليس يستند ذلك إلى المناسبة: إذ هذا الفهم، وهذه التصرفات بعينها والإلحاقات تجري في مثل الرؤيا التي أبعدنا [النجعة في تصويرها]، [لنبعد عن تقدير] المناسبة.
وكما عرف هذا في الواقعة المرفوعة إلى النبي ﵇، فهو بعينه مفهوم في حدوث الوصف على المحل الخالي عن الحكم. فالعصير لا تحريم في شربه، ولم تتجد إلا الشدة، فتجدد التحريم. فعلم أنه حدث بحدوثه.
وكذلك: البالغ: إذا جن امتنعت عبارته، ولم يعدم إلا عقله: فإن البلوغ لم ينعدم به. فعلم- لما انعدم بعدمه- أنه كان قائما بوجوده، وأنه السبب فيه؛ فأي فرق بين أن [يقال للرسول ﵇: اشتد العصير، فيقول: حرم] شربه؟ فيفهم كون الشدة سببا، وبين أن نعرف من الشرع والإجماع أنه مهما اشتد [العصير] حرم؟. فإذا كانت الحرمة مقرونة بالشدة وحادثة معها، علم أنها موجبة لها،
стр. 272
وعلامة عليها.
وكذلك: لو سئل النبي- ﵇[مثلا] عن شاة ماتت: أتباع؟ فقال: لا؛ لاعتقد أن الموت سبب تحريم البيع: إذ كان عرف جواز البيع قبل الموت ولم يتجدد إلا الموت، فتجدد حرمة البيع، فعرف أنه تجدد بسببه؛ ولو عرف شرعا أن الشاة إذا ماتت حرم بيعها، لحكم بأن الموت هو السبب- كما في صورة السؤال وترتيب الجواب عليه- وهذا دون أن تعرف مناسبة الموت؛ بل لا تعرف له مناسبة. وآية فهم كونه علة: تعديته إلى الإبل والبقر وسائر الحيوانات، قبل البحث عن مناسبته، وقبل الوقوف عليه.
نعم، لو قال باحث: ليس معللا بالموت، وإنما هو معلل بخروجه عن المالية؛ فإن المال: ما ينتفع به، وهذا لا منفعة له- فهذا كلام مناسب معقول؛ وبه نتبين أن الموت ليس سببا لعينه، وإنما هو سبب لمعنى يتضمنه، وهو: تفويت المنافع، وإبطال المالية، فيكون مضاهيا لقولنا أن قوله ﵇: (لا يقض القاضي وهو غضبان)، مشير إلى التعليل بالغضب في أول النظر؛ ويعرف بالنظر الثاني: أن الغضب ليس سببا لعينه، بل هو سبب لما يتضمنه: من ضعف العقل ودهشته. وضربنا أمثلة ذلك في الأوصاف التي أضيفت [الأحكام إليها]؛ فهذا يجري
стр. 273
هذا المجرى.
ثم للمعلل بالموت، أن يبطل هذا المعنى ويقول: لم تبطل منفعته؛ فإن جلده ينتفع به بعد الدباغ، ولحمه يجعل طعمة للجوارح والكلاب. وهو غرض مقصود؛ وقضم الدواب مال لغرض أعلاف الدواب؛ فكذلك طعمة الجوارح؛ فيبطل هذا المعنى، ويرجع [هذا] التعليل إلى عين الموت.
ولناظر آخر، أن يقول: سببه ما يتضمنه الموت: من النجاسة؛ فيتعدى إلى كل نجس، ولا يتعدى إلى حيوان مات ولم ينجس: لو تصور ذلك.
وهذا [يسلم أن لو كانت] النجاسة مناسبة تحريم البيع؛ فإن لم تكن: عدنا إلى التعلق بعين الموت.
فإن قيل: رجع الاستدلال إلى أنه حدث بحدوثه؛ ومن يسلم ذلك؟ وإنما المسلم: حدوثه مع حدوثه أو عند حدوثه، فيلحق هذا بالوجه الآخر الذي رفضتموه، وجعلتم فيه وجود الوصف وفاقيا.
قلنا: هذا حكم حادث بحدوث أمر، فوجب إضافته إلى أمر حادث. ولا حادث إلا ما ذكرناه؛ فتعينت الإضافة إليه؛ فنشأ الدليل من أمرين؛ أحدهما: وجوب التعليل بأمر حادث، والآخر: أنه لا حادث إلا ما ذكرناه.
فإن قيل: ومن سلم أنه لا حادث إلا ما ذكرتموه؟ فلعله حدث- مع
стр. 274
هذا- معنى آخر خفى عليكم؛ [وذلك] هو السبب؛ وهذا الظاهر جرى وفاقا.
قلنا: نحن نجوز ذلك، وعلى مدعيه أن يبديه؛ وتجويزنا ذلك لا يقطع دعوى الإضافة إليه؛ كما أنه لو كان مناسبا: لم ينقطع هذا الإمكان، بل احتمل حدوث وصف خفى أظهر مناسبة مما ظهر؛ فيكون هذا هو العلة والآخر ساقطا، ولكن الظاهر هو الأسبق إلى الظن، فهو متعلق به إلى أن يظهر الأخفى بدقيق النظر؛ وكذلك الحادث الظاهر: يضاف [إليه في] أول النظر؛ وهذا النظر بعرضة الفساد بما يظهر-: من معنى آخر خفى- بالنظر الدقيق. ولكن قبل ظهوره هو متعلق به؛ فهو مرتبة في النظر يستقل به قدم المعلل؛ وشرط اتمامه: أن لا يظهر غيره، أو يفسد ما يظهر سواه. كما في المناسب، وكما في الإضافة اللفظية: إلى الغضب في تحريم القضاء، وإلى القتل في حرمان الميراث، والأمثلة السابقة.
فإن قيل: المستند- في تلك الأمثلة-: الإضافة اللفظية؛ وفي الأوصاف المخيلة: المناسبة، فهو الذي يقرر أول قدم المعلل، إلى أن يستنزل عنه بنظر وراء [فما الذي يستقر به قدم المعلل في هذا المقام،
стр. 275
حتى يفتقر المعترض إلى استنزاله عنه بنظر وراءه] يبديه في معارضته؟.
قلنا: المستند في هذا المقام: حدوثه مرتبا عليه وعقيب حدوثه؛ كما في حكم النبي- ﵇ عند وقوع واقعة: ناسبت الواقعة أو لم تناسب؛ فالظاهر أن الواقعة بصورتها هي السبب، إلى أن يتبين أنها سبب: لما تتضمن من المعنى، لا بعينها ونفسها. فهذا الظن لا ينقطع إلا بتقدير معنى آخر وراء ما ظهر؛ وإمكان ذلك لا يقطع الظن؛ [فإن إمكان مناسب آخر أظهر، ممكن في الأوصاف المناسبة؛ فلم ينقطع الظن] بإمكانها وتجويزها، وإن كان ينقطع بظهورها: إذا ظهرت.
ألا ترى أن ظن أبي حنيفة ظاهر في قوله: أن [علة] أهلية العبارة العقل دون البلوغ؛ لأنه لم ينعدم البلوغ بالجنون، وإنما انعدم به العقل؛ إلى أن يقال [له]: لا، بل انعدم شيء سوى العقل، وهو: التكليف. فالصبي غير مكلف؛ فبهذا ينقطع الظن الأول، ويجب رد النظر إلى أن التكليف أصلح لأن يكون مناطا، أو العقل، فإن
стр. 276
التكليف انعدم مع انعدام العقل.
وكذلك: لو أظهر المعترض أنه حدث شيء [آخر] سوى الموت، في المثال الذي ضربناه- وجب علينا النظر فيه، وترجيح الموت عليه أو ترك التعليل بالموت.
فإن قيل: فهل تجوزون التعليل لتحريم الخمر بالرائحة الفائحة المخصوصة بالخمر، فإنها حدثت مع الشدة؟ فلو قال قائل: التحريم معلل بالرائحة الفائحة [المخصوصة] فإنها حدثت: فحدث الحكم معها.
قلنا: لو تصور أن يخفى على ناظر حدوث شيء آخر سوى الرائحة، لكان هذا أول نظره، إلى أن يتبين أنه حدث ما هو مناسب- وهو: الإسكار- فكان أولى منه؛ ولكن هذا ضعيف: لأنه ساوقه معنى [آخر]: أصلح للتعليل، وأظهر للنظر، وأسبق إلى العلم والإحاطة. ونحن نسلم بطلان هذه الإضافة مهما ظهر ما هو أولى منه؛ وذلك لا يدل على أن أول الإضافة ليس على مرتبة في النظر يستقر به القدم؛ كما أن
стр. 277
المناسب الأظهر: إذا ظهر، بطل المناسب الأخفى؛ ونعني [بالمناسب الأظهر]: الأقوى الذي يظهر ثانيا؛ وبالأخفى: الأضعف الذي يظهر أولا.
فإن قيل: لو ظهر المعترض [حدوث] معنى آخر لا يناسب فهل يبطل به النظر الأول؟
قلنا: إن كان الأول لا يناسب: اعتدلا؛ ولم يكن أحدهما أولى من الآخر، فعلى المعلل الترجيج والانفصال؛ وإن كان الثاني مناسب: صار- بمجرد مناسبته- مقدما على الأول الظاهر الذي لم يناسب؛ وإن كان الأول مناسبا: اعتدلا، فعلى المعلل الترجيح؛ وإن كان أقوى من الأول: ترجح عليه بقوته، فغير المناسب يعادل- في هذا المقام- غير المناسب- كما أن المناسب يعادل المناسب.
وفي هذا المقام يفارق ما نحن فيه-: من الوجود بحدوث الوصف- الإضافة اللفظية؛ فإنه لو قال القائل: ليس الغضب علة لعينه وإنما هو لمعنى يتضمنه أو يجاوره؛ وذلك المعنى أيضا لا يناسب: كالغضب مثلا- فهو ساقط، ونتعلق بالوصف المنطوق به: لأن النطق به حجة.
أما ها هنا: فلا نطق؛ وإنما المستند: حدوث الحكم بحدوثه؛ وقد حدث وصفان: فالإضافة إلى أحدهما تحكم. نعم، كأن
стр. 278
يضاف إلى واحد: فإنه الظاهر فقط؛ فإذا نبه الخصم على الوصف الثاني: بطل الظن الأول، واحتيج إلى الترجيح، ولا ترجيح بالحدوث، ولا ترجيح بأن الأولى هو الذي ظهر أولا: فإن التقدم والتأخر في الظهور، يختلف بالأشخاص ووجوه البحث. وذلك لا يرجع إلى قوة المعنى. فالظاهر ثانيا- بعد ظهوره- يساوي الظاهر أولا.
فصورة [سؤال الشارع- في هذه القضية- تلتحق] بالإضافة اللفظية، لا بالإضافة الوجودية التي نحن فيها؛ لأن ترتيب الحكم على منطوق السائل، كترتيبه على كلام نفسه، فلا فرق- بين أن يقول السائل: اشتد العصير، فيقول الشارع: حرم وبين قوله: إذا اشتد العصير حرم- في أن الظاهر: كون الشدة سببا وإن لم تناسبه. ولا يقاومه معنى آخر: [لا] يجاوره ولا يناسب؛ لأنه لم يقع منطوقا به.
فإن قيل: يحتمل أن يكون السبب في الوصف الحادث مع وصف آخر هو مستمر في هذه العين؛ والحكم المنوط بوصفين: يوجد بطريان أحدهما بعد سبق الأول وينعدم بعدمه؛ ثم لا يتبع ذلك الوصف الفرد، دون انضمام الوصف الآخر [إليه]. ومثاله: أنه لو صرح الشارع بأن العلة شدة عصير العنب لكان الحكم يوجد بوجود
стр. 279
الشدة وينعدم لعدمها؛ ثم لا تتبع الشدة في غير عصير العنب، لأن كونه عصير العنب وصف ذاتي له مستمر، [والآخر عارض يطرأ ويزول]؛ والحكم موقوف على الوصف العارض. وأحد الوصفين إذا كان مستمرا، والآخر عارضا: يطرأ ويزول، فالحكم يدور مع العارض ويزول بزواله؛ فإنه منوط بمجموع الوصفين، وفي حدوثه الاجتماع، وفي زواله زوال الاجتماع.
قلنا: هذا مسلم لا ننكره؛ ولكن ليس في تجويزه ما يقطع الظن عن اتباع الوصف الحادث؛ فإن المعنى المناسب- أيضا- لا يمنع أن يكون معه وصف آخر يزيد في المناسبة، ويكون الحكم مرتبا على مجموع الوصفين. ولكن: إذا [ظهر واحد مناسب] انقطعت المطالبة عنه، وعلى الخصم تنبيهه على الزائد المضموم إليه، حتى ينفصل عنه.
نعم، إن كان مجتهدا: فينبغي أن يبحث؛ فإن [تعذر ابداء وصف ثان]: اقتصر على الأول؛ وإن كان معللا: ذكر ما ظهر، واستقر قدمه في النظر الأول. وعلى الخصم أن ينبهه على الوصف الثاني، حتى يتكلم عليه.
стр. 280
وكذلك المجتهد في مسئلتنا: يبحث ويتأمل، فلعله يعثر على وصف آخر، فإن لم يعثر: اعتمد على الوصف الحادث؛ وإن كان معللا: كفاه ذلك الوصف الحادث؛ وعلى المعترض أن يقول: ما الذي يؤمنك من كون الوصف الفلاني مضموما إلى وصفك؟ وإذا ذكر هذا القدر: لزمه الانفصال، وإذا لم يذكر، وقال لعل وصفا آخر خفى عليك، هو كامن مضموم إلى وصفك، فما الذي يؤمنك منه؟ فهذا لا يلزمه الجواب عنه، كما في المناسب.
فإن قيل: الحكم يظهر بحدوث الشرط عند تقدم العلة، كما يظهر بحدوث العلة؛ فمن اشترى قريبه: عتق عليه؛ وقد حدث العتق بحدوث الشراء والملك [جميعا]؛ وليس الملك علة العتق، وإنما [العلة] القرابة، ولكن القرابة وصف ذاتي مستمر: لا يطرأ ولا يزول؛ والملك يطرأ ويزول، فظهر الحكم بظهور الشرط، وهو محل العلة لا نفس العلة.
قلنا: هذا من قبيل السؤال السابق؛ فإن المجتهد يجب عليه أن
стр. 281
يبحث عن الأوصاف الكامنة سوى الوصف الحادث؛ فإن ظهر وصف [ما] يساوي الحادث: جعل العلة مركبة من الوصفين؛ وإن ظهر وصف مناسب: جعله علة، وجعل الحادث شرطاً. كما في شراء القريب، وإن لم يظهر: جعل الوصف الحادث مناطاً للحكم وعلماً له، وأضاف الحكم إليه.
وعلى الأحوال، لا يجوز تعطيل الوصف الحادث الذي ظهر الحكم به: إما أن يعتبر وصف علة، أو شرط علة، أو علة؛ والنظر الأول يقتضي الإحالة عليه، وتقدير الاستقلال له بإفادة الحكم، فإن سلم هذا النظر - في المرتبة الثانية، والثالثة - من النظر عما ينقصه: سلم؛ وإلا: حكم بما ظهر ثانياً.
والغرض أن العلل تنقطع عنه المطالبة، ولا تتوجه عليه: ما لم ينبه المعترض على وصف آخر مضموم إليه: يقدره وصفاً أو علة مستقلة؛ أو يقدر ذلك الوصف الآخر أصلاً مستقلاً، والحادث مجاوراً وفاقاً.
فما لم ينبه على شيء من ذلك: لا تتوجه مطالبته. فهذا هو الغرض. فإنه إن سلم في الرتبة الثانية من النظر، ولم يظهر غيره - جاز للمجتهد
стр. 282
أن يجعل الوصف الحادث علماً على الحكم متبعاً، كما في ترتيب الجواب من الشارع على الواقعة، وكما في الترتيب اللفظي بفاء التعقيب، فإن الإضافة إلى الشرط [لفظاً] جائز، كما يجوز إلى العلة، ولكن الأصل: أن المضاف إليه هو الموجب، إلى أن يظهر وصف هو أولى بالإيجاب منه، فكذلك ما نحن فيه.
فإن قيل: إذا جوزتم أن يعلل بالوصف الحادث وإن كان لا يناسب، فم ينكر العلل على المعترض إذا قال له: سلمت لك أنه سبب، ولكنه سبب في هذا المحلل على الخصوص، كقوله: سلمت [لك] أن الشدة سبب، ولكن السبب شدة عصير العنب، [فبم تنكر عليه]: وغايتك أن تقول: هذا تخصيص بوصف أو بمحل لا مدخل له ولا تأثير له في إيجاب الحكم؛ على معنى أنه لا يناسب، فأصل الوصف - أيضاً - غير [٤٥ - أ] مناسب، وإضافة الحكم إليه على مذاق التحكمات التي لا تعقل، ولا فرق بينه وبين التخصيص بهذا المحل. وفيه ما يمنع الإنتفاع بجنس هذا التعليل، ويقصر الحكم على محل النص والإجماع؟.
وهذا هو السؤال الأعظم على هذه القاعدة، [و] في دفعة تمهيد هذا الأصل وتقريره.
قلنا: نتكلم على هذا السؤال، من وجهين:
أحدهما: هو أن يقال: يجب على المعلل أن يبين أن هذا الحكم ليس
стр. 283
مخصوصاً بالمحل ومقتصراً على الذات [التي فيها] الإجماع؛ وإذا بطل ذلك: وجبت الإضافة إلى صفة متعدية. فبطل به الاختصاص. وهذا كقولنا: صوم مفروض، فيفتقر إلى التبييت كالقضاء. فيقول الخصم: لا مناسبة لكونه مفروضاً؛ أن علة وجوب التبييت في القضاء كونه مفروضاً، وهو لا يناسب؟ [لا]، بل العلة فيه كونه قضاء، حتى يقتصر عليه. فيقال: وبالإجماع التبييت ليس مخصوصاً بوصف كونه قضاء، فإن النذر والكفاءة وسائر الصيام يشترط فيه التبييت؛ فبطل التخصيص بالمحل والذات، ووجب التعليل بوصف يتعدى.
وكذلك إذا قلنا: أن المستعير يضمن، لأنه أثبت يده على مال غيره لغرض نفسه، من غير استحقاق؛ فيضمن كالمستام. فقيل لنا: هذا الوصف
стр. 284
ليس علة في المستام؛ لأنه لا يناسب، فينبغي أن يقال: أنه غير معقول، ليس علة في السنسام؛ لأنه لا يناسب، فينبغي أن يقال: أنه غير معقول، أو هو مخصوص بمحله وصورته، وهو: يد السوم، فيقال: وبالإجماع ضمان الأيدي غير مقصود على يد السو؛ إذ هو جار في يد الشراء، ويد المستعير من الغاصب، ويد المودع إذا جحد، ويد الغاصب وغيره، فاجتمع أمران، أحدهما: وجوب التعليل؛ [والآخر] الإضافة إلى الوصف الحادث: لأن الحكم حدث بحدوث وصف، وهذا مما يجب تعليله؛ فقد كان الرجل بريء الذمة، تضمن بالأخذ؛ فأضيف إلى الأخذ، ووجب سير صفاته؛ وامتنع تخصيصه بمحله بالإجماع. لذلك فلم يبطل تعليلنا به: لأن ذلك متفوض بالإجماع؛ وكل وصف انتقض بالإجماع فقد بان بالإجماع أنه ليس مناطاً للحكم؛ حتى [لو] عللنا الضمان في يد السوم: بأنه إثبات يد على مال الغير؛ وتركنا خصوص جهة السوم - لبطل بيد الوديعة؛ فلابد أن نزيد، فتقول: أثبت إليه لغرض نفسه؛ احترازاً عن الوديعة. وهو أيضاً منقوض بيد الإجارة، فلابد وأن نزيد قولنا: من غير استحقاق؛ فاستقام التعليل بهذا القدر - وإن كان لا يناسب -: من حيث أن الحكم [حدث] مع حدوث سبب فعرف
стр. 285
ارتباطه [به]. فنظرنا في تنقيح المناط وتهذيبه وتحديده، فاستقام ما ذكرناه بعد وجوب التعدية من محل الإجماع - وهو [جهة] السوم - بطريق المناقضة التي ذكرناها.
نعم: لو اقتبس الخصم من يد السوم وصفاً آخر: يطر له أيضاً، ولا يتنقض، ولا يتعدى إلى العارية - كان مقاوماً معارضاً لكلامنا، وعلينا الترجيح.
وهذا كقوله: ان المستام إنما ضمن: لأنه أخذ بجهة الشراء، والشراء جهة ضمان: والمأخوذ على جهة الشيء: كالمأخوذ على حقيقته؛ وتعدى هذا إلى يد الرهن، وتقطع عنه يد العارية. فهذا يقاوم كلامنا إلى أن نرجع جانباً بطريقه. وعلى المجتهد البحث عن هذه المعارضات وتعيين واحد منها بالترجيح؛ وليس على المعلل ذلك، بل كفاه أن يذكر وصفاً يدعي ظهوره [له] إلى أن يقابل بغيره: فيتكلم عليه.
ولا ينبغي أن يتخيل الناظر [أن النظر] في هذا المثال، استقام: لكون الأوصاف فيها مناسبة؛ إذ لا مناسبة لها؛ وإن ظن ظان أن فيها مناسبة، فهذا المنهاج جار قبل العثور على وجه المناسبة؛ فليقدر عدم المناسبة
следующие страницы →