← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17827

شفاء الغليل في بيان الشبه والمخيل ومسالك التعليل

أبو حامد الغزالي

Полный текст (678 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

لإيجاب الجزاء، وزعم أن الخاطئ أهل بتقصيره، ولذلك يكفر. ثم القتل العمد -أيضاً -ينقسم إلى محظور، وغير محظور؛ فالمحظور -لا محالة -يندرج تحت العموم. وغير المحظور ينقسم إلى مباح: كالقتل قصاصاً، وكدفع الصائل، وقتل العادي الباغي. وإلى واجب: كالقتل حداً من جهة القاضي. فتردد الشافعي في هذه المسائل وقطع بأن كل قتل مضمون -إما بدية، أوكفارة، أو قتل -فهو موجب للحرمان. وما لا يوجب شيئاً [في هدر أو] في معنى الموت في حقه. فيتحمل التوريث، ويحتمل تعميم الحرمان: نظراً إلى الصيغة. ثم ثار -بعد هذا -اختلاف في الوصية للقاتل: فمنهم: من منع؛ وهو رأي «للشافعي»، ومذهب أبي حنيفة.

стр. 72

وهذا زيادة على ما تناولته الصيغة بطريق الإلحاق بالمعنى: إما تشوفاً إلى معنى الاستعجال والمعارضة بنقيض القصد، أو مصيراً إلى أن المال المستحق بالموت المطلق كله باب واحد. ولكن يستحق مرة بقرابة، وأخرى بزوجية، وتارة بوصية. والكل باب واحد. فما كان علة لإسقاط شيء منها، كان علة لإسقاط الكل. ومنهم: من فرق بين الوصية للجارح، وبين جرح [الجارح] الموصى له. نظراً إلى معارضة المستعجل بنقيض قصده. فهذه آراء مختلفة، بعضها: في الزيادة على المنصوص [كما في الوصية]، وبعضها: في النقصان من المنصوص من حيث الصيغة كما ذكرناه. ومستند الزيادة والنقصان معنى فهم من نفس النص. وكل ذلك من سبيل المجتهدين.

стр. 73

فأما أن نقول في جميعها: أنه صواب في حق من أدى اجتهاد إليها، مصيراً إلى تصويب المجتهدين. أو نقول: الحق عند الله واحد لا بعينه، وطريق التعيين محسوم، إذ لا مطمع في العلم ولا في الدليل، وإنما المنتهى أمارة طنية تعبد الخلق باتباعها. وحظ الأصول من جملة ذلك أن شيئاً من هذه المسالك ليس باطلاً على القطع بطريق أصولي، لا في طرف الزيادة ولا في طرف النقصان، وأن شيئاً من هذه المسالك ليس مبطلاً لأصل التعليل الذي وقع عليه التنبيه عليه بإضافة الحكم إلى القتل؛ ولكن رجع حاصل النظر إلى أن الحكم منوط بالقتل لعينه أو لمعنى يتضمنه؟. فإن نيط به لمعنى يتضمنه، فما عين ذلك المعنى وحده، وقد اشتمل القتل على معان؟. وكل ذلك في محل الاجتهاد، وليس خارجاً منه. نعم: للمجتهدين أن يتجاذبوا أطراف الكلام في ترجيح بعض هذه المعاني على بعض. فما لا يناسب من جملة متضمنات القتل -لا يجوز أن يجعل مناطاً، حتى نستخرج بسببه بعض مسميات القتل عن العموم؛ لأن

стр. 74

الربط بما لا يناسب تحكم محض، ومن قنع بالتحكم، فالتعلق بالصيغة أولى معتصم في حقه. فلا يجوز مخالفة الصيغة في ظاهرها بزيادة ولا نقص، إلا بظن غائب [أعلى من الجمود على الصيغة، ولا غلبة للظن إلا على معنى مناسب]. ثم إذا اشترك معنيان في المناسبة، وانتقض أحدهما أو كلاهما -فالمنقوض مردود، والرجوع إلى ظاهر الصيغة متعين. كما يقال لمن اعتبر معارضة المستعجل بنقيض قصده: هذا منقوض بالمستولدة تقتل سيدها، فتعتق وفاقاً، ومستحق الدين يقتل من له الأجل، فيتنجز استحقاقه وفاقاً. فانتقض هذا المعنى. ولو كانت هذه العلة سديدة: لجاز طردها، والقول بموجبها في المستولدة ومن عليه الدين. وإذا لم نوجد بينهما فرقاً معنوياً، انتقض معناه، ولم يصلح التعويل عليه في الفرق بين الوصية للجارح، وجرح الموصى [له]، وجرح الوارث المحجوب بقريب آخر: إذا مات حاجبه، وجرح من ليس محجوباً. ولم يجز اعتماده في إخراج الخطأ عنه، من حيث أنه لا ينسب إلى قصد الاستعجال. ومن يدعي معنى العقوبة: ينتقض كلامه بالخطأ، فإنه غير معاقب

стр. 75

شرعاً، فلم يصلح معناه لإخراج القتل خطأ عن العموم. وكذلك نصنع] ١٥ - أ [بآحاد المعاني المنقوضة. فإن فرض معنيان مناسبان لا ينتقضان، رجح أحدهما على الآخر] ١٥ - أ [بالتأثير: بأن يدل دليل آخر في الشرع على كون أحد المعنيين مؤثراً في جنس هذا الحكم، فهو أولى من الآخر. كقول أبي حنيفة ﵁: إن الحرمان نوع عقوبة، والقتل نوع جناية، فهو محروم بسببه، فيخرج منه القتل المباح، والقتل الواجب، وقتل الصبي»:: إذ العقوبات محطوطة عنه، ولذلك لا يوجب الكفارة عليه، لأن فيها معنى العقوبة. ويوجب الكفارة على الخاطئ: لأن في فعله معنى الجناية. فيترجح هذا على قول من ينظر إلى مقابلة المستعجل بنقيض قصده إن سلم من النقض، ولم يستعمل على طريق العقاب؛ وعلى قول من يقول: الإرث اضطراري، ولو حصل بالقتل لصار كسباً، وكان ذلك تغييراً لوضعه، حتى نطرده في كل قتل مختار مكتسب حقاً كان أو باطلاً. إذ هذه المعاني وإن كانت تناسب بعض المناسبة، فلم يظهر في الشرع

стр. 76

[تأثيرها في قبيل] هذا الحكم، وقد ظهر تأثير جنس القتل في جنس العقوبة. ومن يعلل ذلك بأن القتل يقطع الموالاة، فيمنع الإرث كالرق والكفر-فكأنه يتشوف إلى المعنى المؤثر، ويزعم أن القرابة بمجردها ما عرفت مؤثرة إلا مع قيام الحال المقتضى للمناصرة والمعاضدة والموالاة. واختلاف الدين والرق لما كانا مانعين من الموالاة والمناصرة والمعاضدة عرفاً -امتنع الميراث بهما مع وجود القرابة. فكذلك القتل، لأن معنى المولاة: أن يكونوا -بحكم القرابة -كالشخص الواحد متناصرين في تمهيد أسباب البقاء، ودفع أسباب الشر والهلاك، كما عهد من الأقارب. فإذا باشر القريب القتل وأعدم قريبه وأهلكه، استحال تقدير الموالاة مع ذلك. وهذا تشوف إلى طلب معنى عرف في الشرع -في غير هذا الموضع -تأثيره. ولكنه يكاد أن يكون كلاماً إقناعياً في المسئلة، و [في] الأصل المستشهد به، إذ ليس يتبين تعليل منع الإرث بالرق والكفر لانقطاع الموالاة، ويكاد يخرج هذا المعنى عن الضبط والفهم، فإن أسباب

стр. 77

الموالات وحقيقة الموالاة ليس ما يوقف عليه. وسننبه على وجه الفرق بين الكلام المناسب حقيقة، وبين الكلام الإقناعي المخيل في [مبدأ الإطلاق]-على وجه يتميز عن الطرد الذي لا يناسب، ثم إذا ما سلط البحث عليه: رجع حاصله إلى غير طائل. وليس الآن [من] غرضنا اعتبار هذه المعاني، وبيان الصحيح منها والفاسد، وإنما ذلك موكول إلى نظر المجتهدين. وغرضنا أن كل ذلك من مسالك [التصرفات في الزيادة على النصوص] والنقصان منها. فإن قيل: فلو ظهر في مثل هذا الأصل معنيان مناسبان، ولم يترجح أحدهما على الآخر بالتأثر، أو ترجيح -فهلا علل بهما جميعاً، ولم وجب الترجيح بالتأثير وغيره بعد الصلاح للتعليل، وهما متوافقان في اقتضاء الحكم، ولا تعاند ولا تضادد بينهما؟ قلنا: سنبين -في الركن الثاني من أركان القياس -محل جواز تعليل الحكم الواحد بعلتين، ووجه النظر فيه: عند البحث عن شرائط الأصل الذي منه الاستنباط. ونأتي فيه بشفاء الغليل إن شاء الله

стр. 78

تعالى. فإن قيل: إن من مشهور كلام الأصوليين: أن كل علة مستنبطة من أصل، عكرت على الأصل بالتخصص -فهي باطلة. وإن من شرط تعليل الحكم أن لا يتضمن تغييراً لحكم المنصوص عليه. ومهما اقتضت الصيغة العموم، ثم تخصصت بعلة مستنبطة منها -فقد تغير حكم النص، وعكرت عليه العلة بالتخصيص. فكيف جاز ذلك؟ قلنا: الكلمات التي تداولتها الألسنة لا سبيل إلى تقليدها، دون البحث عن مداركها وأدلتها، وإنما إتباع صورها دأب العجزة الذين قعدت بهم البلادة عن الارتقاء إلى بقاع المعاني المعقولة، بالرأي الصائب والذوق السليم، فلازموا -بحكم القصور والعجز -حضيض التقليد، وركنوا إلى ما تداولته الألسنة من غير غوصٍ على خفيات أسرارها، وتشوفٍ إلى العثور على أغوارها.

стр. 79

وهذا مزلة قدم لابد من الاتئاد فيه. فنقول أولاً: أظهرنا من تصرفات العلماء في الإرث للقاتل، النقصان من النصوص بالمعنى المفهوم من النص، كما عرف بالاتفاق الزيادة على المنصوص بالمعنى المعقول منها. وأمثلة ذلك كثيرة: من جملتها: نهي رسول الله ﷺ عن بيع ما لم يقبض. وإضافته التحريم إلى عدم القبض، وتنبه على التعليل به -معلوم على القطع. ثم اتفق الناظرون على أنه غير منوط بعدم القبض لصورته، واضطربوا في معناه. فمنهم من قال: هو لتوالي الضمانين بسبب عدم القبض. فيخرج من العموم البيع من البائع: [فإنه لا يؤدي إلى توالي الضمانين.

стр. 80

ومنهم من قال: هو لضعف الملك بسبب عدم القبض. فيخرج البيع من البائع]. ويخرج منه الاستبدال عن بدل المتلفات: فهو جائز وإن كان قبل القبض. وقال أبو حنيفة [هو] لتضمنه غرراً، من حيث [إنه] يتوقع انقلاب الملك إلى البائع الأول، بالتلف قبل القبض، فيتبين بالآخرة كون البائع الثاني [غير مالك بل] بائعاً ملك الغير، فيكون غرراً. فيخرج منه العقار. وهو تشوف منه إلى طلب معنى ظهر بالشرع تأثيره في غير هذا المحل. وهو -أبداً -يطلب للأحكام عللاً بان بشهادة الشرع تأثيرها، ولا يكتفى بالمناسبة. على ما سنذكره في طريق إثبات العلة بالتأثير والمناسبة.

стр. 81

وليس من غرضنا النظر في آحاد الأمثلة، وإنما القصد من نقله: أن النقصان من النصوص -بالمعنى المفهوم من النص -مقول به وفاقاً، كالزيادة عليه بالمعنى المعقول منه: لتركن النفوس إلى قبول هذا من حيث النقل. ثم لاركون إلى الوفاق والخلاف في هذا الفن، وإنما المستند [هو] الدليل [وقضيته]. والذي يظهر لنا في ضبط هذا النوع من التخصيص، وما يجوز منه وما يمتنع -والعلم فيه عند الله تعالى -أن المعاني المفهومة من النصوص، تنقسم: إلى: ما يسبق مع اللفظ إلى الفهم سبقاً لا يتراخي عنه، وقد يكون المعنى أسبق إلى الفهم من اللفظ، وقد يكون مساوياً له، وقد يتراخى عنه قدر التأمل القليل من فهم البصير؛ وإلى ما لا يسبق إلى الفهم، ولكنه يستنبط بالسبر والنظر، ويستبان بدقيق الفكر. وهذا الانقسام في الأصل معلوم، وهو من قبيل الغضب الذي ذكرناه: إذ لا يسبق إلى الفهم منه إلا اضطراب العقل: إذ ذكر مقروناً بتحريم القضاء. وكذلك قال الله تعالى: ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً﴾ الآية، لا يسبق إلى الفهم من الأكل معنى الأكل، وإنما يسبق

стр. 82

إليه معنى الاحتياج والتفويت للمال، حتى يعلم، -على الارتجال، أو بأدنى تأمل -أن الظلم: بهبة ماله، واعتاقه، والتبرع به، وإتلافه وإحراقه، وإلقائه في البحر، وغير ذلك من وجوه الاتلافات -كالظلم بالأكل. [بل] يكاد يصير الأكل كناية عن الاتلافات، والغضب كناية عن زوال العقل. وكذلك إذا قال: القاتل لا يرث؛ فالسابق إلى الفهم من هذا: الجناية على الروح، والتعدي بالقتل. فيسبق هذا المعنى إلى الفهم من اللفظ. فما يجري هذا المجرى، فتحكيمه في النقصان والزيادة، وتغيير الحكم إلى الخصوص من العموم، وإلى العموم من الخصوص -جائز على نسق واحد: من حيث أن من منع العلة التي تعكر على الأصل بالتخصيص، منع من حيث أن القياس ليس تفسيراً للألفاظ. فيجب معرفة الحكم أولاً، ثم طلب علته. وهذا: فيما يتقدم الحكم في الفهم على العلة [والمعنى] ولا يكون المعنى قرينة. فالمعنى -في هذه الأمثلة ونظائرها -سابق إلى الفهم، وهو قائم مقام القرينة المفسرة للفظ، المقررة لمعناه في الفهم. فلم يكن من ذلك القبيل. ومن هذا الجنس، قوله ﵇: «لا نكاح إلا بولي

стр. 83

وشهود» فإنه يعم العدل وغيره؛ وليس ببعد عندي -لو لم يرد قوله ﵇ «لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل» -أن يخصص الحديث بالعدل: من حيث أن ذكر الشهادة مقروناً بالعقد لا يسبق منه إلى الفهم إلا معنى الاحتياط؛ فإخراج المحدود في القذف، ومن لا احتياط في نقله -بهذا النظر -جائز؛ وحاصله يرجع إلى تخصيص اللفظ بقرينة، ولكن صار المعنى المفهوم -السابق إلى الفهم السليم -قرينة. فأما ما لا يسبق إلى الفهم، ويستنبط بالتأمل والنظر -فلا يتجاسر به على كل تخصيص، ولا يحسم أيضاً باب التخصيص به. بل يجوز أن يعتمد [عليه] ويخرج به عن اللفظ، ما يقع موقع النادر البعيد عن الفكر، بالإضافة إلى المراد؛ وهو: الذي لا يخطر بالبال إلا بالإخطار، ويقع نادراً في قبيل ذلك الحكم.

стр. 84

وهذا كقوله ﵇: «أيما أهاب دبغ فقط طهر»، فقد ذكر للطهارة سبباً وهو: الدباغ، واقتضى عمومه طهارة جلد الكلب بالدباغ. وقد استنبط الشافعي ﵁ -من الدباغ معنى، بالنظر الصحيح والفكر المستقيم: وهو أن الدباغ يبعد الجلد عن العفونات، ويعصمه عن الفساد، ويؤثر فيه مثل تأثير الحياة، ويقوم مقامها في التأثير واقتضاء الطهارة. فهذا تعليل هذا السبب، و [هو] نزوله منزلة الحياة: في اقتضاء الطهارة. واقتضى مساق هذا الكلام إخراج جلد الكلب منه، بعد ما [تناوله؛ بدليل] أن الكلب نجس في حال الحياة.

стр. 85

فهذا نوع تخصيص بعلة مستنبطة من المخصوص. وليس أمثاله ممنوعاً: إذ الممنوع التغيير، والتغيير يقع بعد استقرار العموم، وتناول اللفظ للكلب، بمجرد الصيغة، ليس مستقراً معلوماً [حتى] لا يغير إذ العام يطلق ويراد به الخاص، وهو غالب في عادة العرب؛ فكان استقراره في التناول له موقوفاً على أن لا يتبين مدرك آخر لتقرير اللفظ وتنزيله؛ وإذا ظهر المعنى بالتأمل: فخروج بعض ما تناولته الصيغة بعمومها -وهو بعيد عن الفكر -لا يمنع صحة هذا الاستنباط مع ظهوره. فيقال: المعنى مفهوم، والمخرج نادر خارج عن الفكر والذكر، واتباع المعنى أولى من الجمود على محض الصيغة؛ وخروج الكلب عن ذهن المتكلم والمستمع -عند التعرض للدباغ -ليس بعيداً، بل هو الغالب الواقع، ونقيضه هو الغريب المستبعد. فتجاسرنا على هذا التخصيص -وإن لم يكن المعنى سابقاً إلى الفهم، جارياً مجرى القرائن المفسرة من حيث إنه تبعد إرادة الكلب، ولم يبق لدخوله مستند سوى مجرد الصيغة مع إمكان إرادة العموم.

стр. 86

وأما ما لا يستنبط من نفس المخصوص، فينقسم: إلى ما يستنبط من أصل ورد مخصصاً وإلى ما يستنبط من قاعدة [لا تتعرض بظاهرها للعموم بالتخصيص، وإنما تتعرض له بمعناها المستنبط منها]. أما ما يستنبط من أصل ورد مخصصاً، فمثاله ما روي عن النبي ﷺ : من النهي عن الصلاة بعد الفراغ من العصر، فإن ذلك يقتضي عموم النهي في جميع الصلوات، ولكنه ﵇ روى: «أنه صلى بعد العصر ركعتين، فقالت له أم سلمة ﵂: أما كنت نهيتنا عن هذه الصلاة؟ فقال: هما ركعتان كنت أصليهما بعد الظهر، فشغلني عنها الوفد». فنبه به على [أن] اشتغاله به سبب اقتضى الصلاة. فيقاس عليه كل صلاة لها سبب؛ ولا سبيل إلى الاقتصار في التخصيص على ركعتي الظهر: إذا شغل عنها الوفد على الخصوص. فما عداها -من الصلوات

стр. 87

التي لها أسباب -دائرة بين أن تكون في محل العموم، أو داخلة في الخصوص؛ فانجذبت إلى المخصوص بالنص، برابطة العلة التي جرى التنبيه عليها. فأخرج عن العموم، وبقى النهي مقصوراً على التبرع بالصلاة المبتدأة التي ليست لها أسباب. وليس يشترط في هذا الجنس أن يكون المستخرج من اللفظ بحكم الخصوص نادراً، والباقي] ١٧ - أ [غالباً. لأن الحديث المخصص ورد مضاداً للعموم في بعض أطرافه؛ فسقط التعلق بعموم الصيغة، ووجب المصير إلى تقدير قرينة مفهمة مقتضى اللفظ فيما أراده الشارع ﵇. فالقرائن قد تحمل الألفاظ على ما يعد نادراً بالإضافة إلى مطلقة، فتأثير القرائن عظيم ظاهر، حتى قد نبعد في تصوير القرائن؛ فإذا ورد حديثان متضادان في ظاهرهما، وافتقرنا في الجمع إلى تقدير قرينة لم تنقل -فعلنا ذلك، وإن كنا لا نتجاسر على مثله بمحض القياس. وهذا كحديث الربا في النقد، فإنه رواه عبادة بن الصامت

стр. 88

وجماعة. وروى أسامة بن زيد عن النبي ﷺ -أنه قال: إنما الربا في النسيئة». وهذا صريح في الحصر ونفي الربا في النقد. وإليه ذهب ابن عباس وعامة أصحابه، وسعيد وعروة. ولكن: حديث الربا في النقد رواه أبو سعيد، وأبو

стр. 89

هريرة، وابن عمر، وعبادة بن الصامت. فهم أوثق وأكثر. وهذا وإن لم يكن فيه مطعن أيضاً، ولكن لا ضرورة في جعله ناسخاً، ولا في تكذيب الراوي؛ فنجمع بينهما ونقول: لعل رسول الله ﷺ [سئل عن] صنفين مختلفين: إذا بيع أحدهما بالآخر: من ذهب وفضة، أو تمر وحنطة، متفاضلاً. فقال ﵇: «إنما الربا في النسيئة»، وأراد به ما سئل عنه. وهذا وإن كان تقدير قرينة لم تنقل، ولكنه محتمل. وإغفال الراوي لسبب الجواب، واقتصاره في النقل على كلامه -ممكن وإن كان بعيداً؛ فهو أولى من تكذيب العدل، أو نسخ ما هو ثابت في الشرع من غير ثبتٍ. مع أن التأريخ ليس بظهر في التقدم والتأخر، والبعيد يصير قريبا بالإضافة [إلى الأبعد]؛ ويتعين المصير إلى الأقرب فالأقرب، عند تعارض الجهات، ولهذا لا يجوز الهجوم على مثل هذا التقدير، بمحض الرأي والقياس؛ لأن مخالفة القياس ليس بأبعد من مثل هذا التقدير. فليتأمل الطالب المسترشد مراتب النظر، ومدارك الكلام. وليعلم أن إطلاق الكلام بقبول كل تخصيص، أو إبطال كل تخصيص، أو الاقتصار

стр. 90

في التخصيص والإخراج على ما يقع نادراً بالإضافة إلى المستبقي، أو وجوب التخصيص بالمعنى المستنبط من غير النص، لا بالمعنى المفهوم من النص -كل ذلك خلف من الكلام: يطلقه من لا يُحيط بجميع أطراف النظر؛ فتصدى له صورة [حكم فيها] بقضية، فيحكم على الإطلاق بتلك القضية [لكل صورة. وذلك] يورث الضلال والجهل، ويعمى [عن] طرق الصواب والحق. هذا كله فيما يستنبط من نص ورد مخصصاً أو معارضاً [بظاهره] أو بفهم من نفس النص المتصرف فيه بالتخصيص. القسم الآخر: ما لا يستند [المعنى فيه] إلى نفس النص، ولا إلى معنى مستثار من حديث صريح] ١٧ - ب [في تخصيص النص؛ ولكن يستمد من قاعدة أخرى منفصلة عن مورد النص. فهو التخصيص بالقياس ، المطلق في لسان الفقهاء. مثاله ما روي عن النبي ﷺ : «أنه نهى عن بيع

стр. 91

الكلب وثمنه» فاقتضى عمومه تحريم بيع كل كلب. فأراد أبو حنيفة ﵀ إخراج كلب الصيد والماشية من عموم النهي، وقصر النهي على الكلب الذي لا منفعة فيه: مما يقتني إعجاباً بصورته، واستئناسا بمخالطته، وكذلك سائر الكلاب السلوقية التي لا منفعة فيها. ويستند في هذا التخصيص إلى القياس على سائر السباع والأموال؛ والجامع: أن الكلب مال منتفع به، فجاز بيعه كسائر الأموال، ومعناه: أن المال عبارة عن كل ما يتعلق به غرض الآدمي مما سوى الآدميين [الأحرار]. فبهذا الوصف يصير مالاً، وبه يصير قابلاً للبيع، هذا المعنى جار في الكلب. فهذا قسم من التخصيص: يدور بين الرتبتين السابقتين؛ فلا يشترط فيه أن يكون المخرج نادراً؛ فإن كلب الصيد والماشية لا يقع نادراً في الذكر عند التعرض لبيع الكلب؛ بخلاف المعنى المستنبط بالنظر من نفس النص: فإنه لا يجرى -في غلب الأمر -إلا على إخراج ما يقع نادراً بالإضافة إلى المذكور؛ ولا يحتمل فيه أن يكون المستبقى تحت اللفظ نادراً: بحيث يفتقر في إرادته لعموم اللفظ، إلى قرينة قوية ظاهرة، ليخرج بها عند حد الإجمال بخلاف التخصيص بالنص المعارض

стр. 92

بظاهره، أو بالمعنى المستنبط من النص المخصص للعموم. كما ذكرناه في النهي عن الصلاة في الأوقات المكروهة، وفي حديث الربا. فهذه مرتبة بين المرتبتين. ونظر أبي حنيفة ليس ببعيد في مسئلة بيع الكلب لأمر يرجع إلى امتناع التخصيص، لأن الشارع ﵇ نهى عن اقتناء الكلب، وهو مقصور على ما يقتنى إعجاباً بصورته؛ فليس يبعد أن يكون هو المراد بتحريم البيع، كما أنه المراد بتحريم الاقتناء؛ إذ في تحريم اقتنائه إبطال الغرض المتعلق به، وإلحاق له بالخمر وما لا ينفع [به] شرعاً. ولكن في الشافعي ﵀ يعترض على قياسه، ويبين أن للنجاسة تأثيراً في منع البيع، عرف ذلك بالشرع؛ فيبطل قياسه به، ويمتنع التخصيص لبطلان القياس بنظر آخر وراء [ما ذكره].

стр. 93

وليس ذلك الآن من غرضنا؛ وإنما الغرض التنبيه على هذه المراتب الثلاث. وليس في المقدور بيان آحاد الصور؛ وإنما القدر الممكن ضبط الأقسام الكلية. ثم كل قسم يندرج تحته صور كثيرة، تداني الدرجة الأولى من صورها الدرجة الأخيرة من القسم الذي قبله، وتقارب الدرجة الأخيرة من صورها الدرجة الأولى من القسم] ١٨ - أ [الذي بعده في الرتبة، فيثير ذلك نوعاً من الاشتباه والامتزاج. وقد يقع الشك في أصل الأقسام: بأن المعنى المفهوم من النص [أهو] من المعاني السابقة إلى الفهم، الصالحة لأن تكون قرينة معرفة للمعنى [مفسرة]؟ أو هو من المعاني المستنبطة بالفكر الذي يترتب استنباطها على فهم حكم اللفظ أولاً وتقريره؟ فكل ذلك إنما يستدرك بالقريحة الصافية، والفطنة المستقيمة. وفي مواقع تشابهها تختلف مسالك الناظرين، وتتباين طرق المجتهدين؛ ويختص [آحادها بدقائق، استدراكها] من شأن الناظر المجتهد في الفروع. وقد ينتهي الأمر فيها -لقدتها وخفائها -إلى منتهى يرجع إلى الحكم بالحدس، ووقوعٍ في النفس، يضيق عن التعبير عنها نطاق

стр. 94

النطق. وكل مجتهد فيها -إذا تحرى الصواب، وهجر التقليد والعناد -مصيب، أو مثاب على جهده وكده في طلبه وإن لم يحكم له بالإصابة. فإن قيل: قد أفضى مساق كلامكم إلى تجويز التصرف في النصوص، بتغيير ظاهرها لمعان مفهومة منها، ومعلوم أن سد الخلة ودفع الحاجة، معنى يسبق إلى الفهم من الزكوات؛ فعلا ساعدتم أبا حنيفة على مصيره إلى تسليط هذا المعنى على الظاهر، بالتغيير في مسئلة أخذ القيم في الزكوات، وفي مسئلة صرف الزكاة إلى الأصناف الثمانية، وغيرها؟ قلنا: لم نساعده، لا لامتناع هذا التصرف؛ ولكن: لأن معنى سد الخلة لم يتمحض اعتباره في الزكاة، بل انضم إليه التعبد، وعرف ذلك بالتنبيه على الأسنان في مراتب الحيوان في الزكوات، والإعراض عن القيمة في الأصل؛ والباب باب العبادة؛ فراعينا المعنى ولم يتمحض اعتباره، بل ضممناه إليه التعبد: لدلالة الأدلة عليه على ما استقصيناه في

стр. 95

تلك المسئلة، وليس ذلك الآن من غرضنا. ولعلنا نضيف إلى هذا الكتاب كتاباً في بيان التخصيص والتأويل، ونأتي فيه بمزيد تفصيل نشفي فيه الغليل. فإن النظر في هذا الفن متعلق بذلك القصد، ومنحرف عن [غرض] القياس؛ وهو الذي ترشحنا لبيانه الآن، وابتدأنا بالكتاب له؛ فلا ننجر إلى ما يخرج بنا عن الغرض الخاص أكثر من ذلك. فنرجع الآن إلى الغرض الذي كنا فيه، وهو: بيان طرق الإيماء وكشف الخالات المتطرقة إليها بالتنبيهات. خيال وتنبيه في أصل الإيماء إلى العلة: فإن قال قائل: قال الله تعالى: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾ الآية، وقد ذكرتم أن ترتيب الحكم على الفعل بفاء التعقيب، مشعر بالتسبيب، وهذه الآية تدل على كون الصلاة سبباً لوجوب الوضوء؛ والإجماع منعقد على أن الوضوء يجب بالحدث، وإن القائم إلى الصلاة -إذا كان متوضئًا غير محدث -لا وضوء عليه؛ وهو إخراج للصلاة عن كونها سبباً؛ وقد ذكرتم: أن أصل الايماء في [مثل] ذلك صريح في أصل التعليل، وإن احتمل الإحالة إلى معنى يتضمنه السبب، وليس هذا إحالة إلى معنى [معنى يتضمنه] المذكور، بل هو قطع له عن سببه بالكلية؟ فالجواب أن الوضوء إنما يجب للصلاة؛ ولذلك لا يجب على

стр. 96

المحدث أن يتوضأ قبل وجوب الصلاة عليه؛ فلا تخرج الصلاة عن كونها سبباً، ولكنها سبب في حق المحدث لا في حق المتوضئ، ومعناه: إذا قمتم إلى الصلاة وأنتم محدثون، فاغسلوا وجوهكم. والعلل المفهومة بالإيماء تحتمل التخصيص بالشرائط والمحال، وليس في تخصيصها بشرط دلت الدلال عليه إبطال لها. وهذا كالتعليل بالسرقة من قوله تعالى: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾، ثم خصص ذلك بالنصاب، ولم يكن إبطالاً للتعليل. وتعرف الأدلة المخصصة للعلل بالمحال والشروط، بما يعرف به تخصيص الألفاظ: من إجماع، ونص، وقياس جلي وغيره. فقد نقل: «أن رسول الله ﷺ -كان يصلي صلوات بوضوء واحد» فعلم أن الصلاة [سبب لوجوب الوضوء على المحدث]. نعم: يبقى على الناظر نظر في [أن الحدث سبب للوجوب عند الصلاة، أو الصلاة سبب] في حق المحدث، وأن الجاري [منهما] مجرى

стр. 97

العلة، والجاري مجرى [المحل و] الشرط -ماذا؟ وعلى الأحوال كيف ما كان، فلابد من اعتبار الصلاة وإبقائه معتبراً في الحكم -شرطاً أو سبباً. وفيه الوفاء بموجب الإيماء؛ لأن الشرط أيضاً مؤثر في الحكم ولكن بواسطة العلة؛ فلم يكن التخصيص والترتيب بفاء التعقيب لغواً من الكلام، بكل حال. والأولى عندي أن يقال: الصلاة سبب لوجوب الوضوء، والحدث سبب لانتقاضه؛ فالأحداث نواقض، والصلوات أسباب، ثم من توضأ للقيام للصلاة فهو ممتثل، وله أن يؤدي به صلوات، ولا يتكرر عليه الخطاب بعدد آحاد الصلوات، ولكن معناه: إذا أردتم الصلاة فاغسلوا، أي جنس الصلاة، فما دام المصلي بهذه الطهارة فحكم امتثاله مستمر لا يتجدد عليه الأمر إلا إذا انتقضت طهارته بحدث [ظاهر] ناقض؛ فعند ذلك ينقطع حكم الامتثال السابق. فإرادة الصلاة [بعده] والقيام إليها يوجب الوضوء. وقد قال قائلون: من أحدث قبل دخول وقت الصلاة وجبت عليه الطهارة وجوباً موسعاً إلى وقت الصلاة. وقال آخرون: لا، بل ابتدأ الوجوب بدخول وقت الصلاة، ولكن في حق المحدث وهذا هو الأولى.

стр. 98

وعلى الجملة: المفهوم من الإيماء تأثير الصلاة في الوجوب، وكيف ما فرض فلا ينقطع تأثيره بحال. خيال وتنبيه: فإن قيل: من مسالك الإيماء -فيما ذكرتموه -الفرق بين الحالتين بذكر الغاية. مثل قوله تعالى: ﴿ولا تقربوهن حتى يطهرن﴾، و ﴿.. حتى تغتسلوا﴾. وقد قال تعالى: ﴿فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره﴾ فأشعر ظاهره -بزعمكم: أن المحلل هو النكاح ووطء الزوج الثاني، وأنه الرافع للتحريم. وإذا رفع أثر الثلاث: لزم عليه أن يرفع أثر الواحدة والاثنتين، بطريق الأولى. كما قاله أبو حنيفة. ومسلككم في الرد عليه قولكم: إن التحريم ممدود إلى غاية ينتهي عند انقطاع الغاية؛ ولا تأثير للغاية في القطع حتى يقال: إذا قطع الأكثر، فليقطع الأقل [بل] ينعدم التحريم: لأن الموضوع تحريم قاصر ممدود إلى الوطء، كما أن الصوم الموضوع [تحريم] قاصر ممدود إلى الليل؛ وفي هذا قطع لأثر الغاية، وإخراج لها عن كونها مؤثرة في الانقطاع؟ قلنا: ليس كذلك، فإن الوطء بالاتفاق مؤثر في التحليل؛ ولكن الخلاف في وجه التأثير: فعند أبي حنيفة: هو مؤثر في هدم التحريم وقطعه.

стр. 99

وعندنا: يؤثر في قطع مدة التحريم، والتحريم ينتهي بنفسه عند انتهاء مدته؛ فيكون التحليل ظاهراً بانتهاء التحريم، والتحريم منتهيا لانتهاء مدته؛ والمدة منتهية بالوطء: فإنه الغاية. وما يظهر الحكم عنده، ولا يستغنى في الظهور عنه -فهو معتبر في الحكم، وإن لم يكن على حقائق العلل المؤثرة وكان شرطاً. فالشرط معتبر، كما أن العلة معتبرة. والإيماء صريح في أصل الاعتبار، لا في طريقه. واحتمل أن يكون الوصف الذي إليه الإيماء شرطاً، واحتمل أن يكون علة. وعلى الأحوال كلها، فلا سبيل إلى إلغائه. وتسمية الشرط علة صريحاً جائر بطريق التجوز؛ فإضافة الحكم إليه كيف لا تجوز، والشرط مؤثر في الحكم ولكن بواسطة العلة لا بنفسه؟ كما بينا أن الوطء مؤثر في قطع مدة التحريم تأثيراً من غير واسطة، ثم التحريم ينتهي بانتهاء مدته؛ فيصير الوطء مؤثراً في الحكم بواسطة المدة، وإن لم يكن مؤثراً بنفسه.

стр. 100

وهذا نظر يتعلق بتلك المسئلة؛ والغرض: أن تعطيل الوصف المذكور -للفرق في الحكم -لا سبيل إليه، بعد جريان الفرق والفصل بين القسمين [به]. فإنه صريح في اعتباره، وهو متفق عليه، وإنما النظر في طريق اعتباره؛ والإيماء ليس صريحاً في تعيين طريق الاعتبار، وإنما هو صريح في أصل الاعتبار. خيال وتنبيه: فإن قال قائل: من طرق الإيماء، ترتيب الحكم على الفعل بفاء التعقيب وترتيبه عليه ترتيب الجزاء على الشرط. وقد قال الله تعالى: ﴿فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به». رتب رفع الجناح على الخوف الثائر من الشقاق والنزاع، ولا تأثير له في صحة الخلع. وقد قال تعالى: ﴿فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان﴾ في باب الشهادة، ولا تأثير لفقدهما في جواز الاستشهاد بالنساء. وقال ﵇: أيما أمرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطلٌ، و [فقد الإذن] لا تأثير له في الإبطال،

стр. 101

بل يبطل النكاح مع الإذن، كما يبطل مع عدمه. فالجواب: أن الإيماء لا يدل على أصل التأثير، وهو يتقرر في الخوف والشقاق: لأن الخلق لا يقع إلا عند الخوف في العادة الغالبة المستمرة؛ والوصف يذكر تارة لتأثيره في حكم الفعل، وتارة لتأثيره في وقوع الفعل. فمعنى التعليل أن يقال: حل الخلع به، وهو الظاهر من المطلق. ومعنى التأويل أن يقال: وقوع الفعل [به]، فإنه سبب وقوع الخلع. فحل الخلع يظهر بوقوع الخلع، ووقوع الخلع يظهر بالشقاق فكان مؤثراً في الحكم بواسطة الفعل. فمطلقه للتأثير بغير واسطة، ولكنه محتمل للتأثير بواسطة. فيجوز المصير إليه [بدليل، وقد يقتصر] في ذلك] ١٩ - ب [الدليل على القرينة العرفية المفهومة مع اللفظ، فإن جوزنا التصرف في النص بتغيير ظاهره اللفظي لمعنى يسبق إلى الفهم من نفس النص، و [هذا] هو المعنى بقول الفقهاء: إن هذا الكلام خرج مخرج العرف والعادة، وحاصله: إن المذكور مؤثر في الحكم بواسطة الفعل؛ فبقي أصل

стр. 102

التأثير، ورجع النظر إلى طريقه. وهو الجواب عن حديث النكاح بلا ولي، وعن [آية] الشهادة، وعن كل ما يطابق العادة. وفي الشهادة أمر آخر، وهو: أن الآية [سيقت] للإرشاد إلى طريق الاحتياط؛ ومن استشهد النساء مع وجود الرجال، فيحكم في حقه بمخالفة موجب الإرشاد، وكونه مائلاً عن توثيق الحق بكمال الاحتياط؛ فيظهر تأثيره في تحصيل الامتثال لأمر [يرجع إلى] الإرشاد. والأمر قد يجرى للإرشاد، وقد يجرى للإيجاب. فالتأثير ظاهر بالطريق الذي ذكرناه. فإن قيل: فقد قال تعالى: ﴿ومن لم يستطع منكم طولاً أن ينكح المحصنات المؤمنات فمما ملكت أيمانكم: من فتياتكم المؤمنات﴾ الآية. فهلا نزلتم ذلك على تأثيره في الحكم بواسطة الفعل، مصيراً إلى أن الغالب: أن القادر على الحرة لا ينكح الأمة فيرق ولده، ويضيق على نفسه الاستمتاع. ولم رددتم مذهب أبي حنيفة إذ صار إليه؟. قلنا: نظره ليس باطلاً لأن الآية [لا] تحتمل هذه التأويل

стр. 103

ولكنا قد نعول على [المعنى في تلك المسئلة، وهو إرقاق الولد، وقد نعول على] الآية ونبطل دليل الخصم على تأويله -بالطرق المذكورة في تلك المسألة. فأما أصل التأويل، فغير ممتنع في نفسه. فينتج -من ذكر هذه الأمثلة والتنبيهات والخيالات -أن الإيماء صريح في اقتضاء الربط بين الحكم وبين الوصف المذكور؛ وظاهر الكلام لربط الحكم بالوصف من غير واسطة، ولطرد الوصف على العموم وجعله علة من غير تخصيص، ولكن يحتمل التخصيص بشرط ومحل: إذا قام الدليل؛ كما في آية الوضوء والسرقة. ويحتمل إبقاء التأثير مع تخلل واسطة في كلا طرفي الحكم والعلة. أما في طرف العلة، فكما ذكرناه في وصف الغضب واقتضائه تحريم القضاء بواسطة ضعف العقل، ووطء الزوج الثاني واقتضائه الحل بواسطة انتهاء المدة. وأما في طرف الحكم [فـ] كارتباط حل الخلع بالخوف بواسطة الفعل: من حيث ترتب حكم الحل على الفعل، وترتب الفعل في وقوعه

стр. 104

على الخوف. فصار حل الخلع ظاهراً بالخوف. وكل ذلك طريق الاحتمال. والكلام ظاهر في ربط الحكم بالوصف مطلقاً من غير واسطة، ومحتمل لهذه الجهات على موجب قيام الدليل عليها. وفيه تمام البيان الذي يتعلق بالإيماء إلى العلل والتنبيه عليها. فإن قيل: فإذا كان الإيماء يدل على التعليل على وجه لا يحتمل التغيير، فهو إذن نص في أصل التعليل. فما الفرق بينه وبين التصريح بالتعليل، [وما جرى التصريح بالتعليل به تتطرق] إليه هذه الضروب من التصرفات؟ قلنا: لا فرق] ٢٠ - أ [بينهما في إفادة المعرفة، وإنما طريق التعريف هو المختلف [فيه]. وللتعريف طرق، من جملتها: النطق والتنصيص على المقصود بعبارة موضوعة له في الأصل. والتركيب في هذا الجنس يطابق المفردات، ولا يتجدد بالنظم إلا تركيب المفردات. وللعرب وراء ذلك عادات في البيان وتعريف المقصود، دون التعلق بالعبارة الموضوعة في الأصل للدلالة عليه. [فالتعريف بالطرق] المعتادة في البيان كالتعريف بذكر الأسامي الموضوعة بإزاء المسميات. فمن عاداتها: الحذف والإيجاز في بعض المواضع. كقوله تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدةٌ من أيام

стр. 105

أخر﴾ فمعناه: «فأفطر فعدة»؛ فحذف ذلك إيجازاً، وحصل الفهم كما لو نطق به من غير فرق. وقال جل من قائل: ﴿فمن كان منكم مريضاً أو به أذى من رأسه ففديةٌ من صيام﴾ يعني: فحلق ففدية. وقال جل وعز: ﴿فإن أحصرتم فما استيسر من الهدى﴾، أي: فأردتم الإحلال. وقال جل من قائل: ﴿فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت﴾ يعني: فضرب [فانفجرت]. والفائدة في ذلك كله -عند الذكر وتركه -واحد. [ومن عاداتها] في البيان؛ النبيه على الشيء بذكر نظيره، وضرب مثل فيه، دون التعرض له في نفسه. وهو في الإفادة كالتعرض له. كقوله تعالى: ﴿ولا يغتب بعضكم بعضاً، أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً﴾ يعني: أنه محرم كأكل لحم الغير. وقوله ﴿مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل﴾، الآية؛ عرف به تضعيف الحسنات في مقابلة الإنفاق، ونزل في الإفادة منزلة تصريحه في قوله :

стр. 106

﴿وما أتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون﴾. ومن هذا الجنس، قوله ﵇: «لعن الله اليهود؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» نزل هذا في حقنا منزلة قوله: حرمت عليكم اتخاذ قبور الأنبياء مساجد»، ولكن عرف التحريم بذكر اللعن الذي هو موجبه، وعرف تعلق التحريم [بنا] بتعيير اليهود بذلك، وأن مثله يذكر في معرض التحذير في العادة. [ومن الألفاظ] والأسامي ما يجري على لسان ذكرها ولا يكون مقصوداً، ويعرف ذلك [بجري العادة] في النظم. كقوله ﷺ : «من أعتق شركا له في عبد» و «أيما رجل مات أو أفلس» الحديث. فذكر العبد والرجل جرى وفاقاً، لا أثر له في

стр. 107

الحكم، ولكنه سابق إلى اللسان في عادة البيان، بتغليب الذكور -في الذكر -على النساء. ويقرب من هذا الجنس، قوله تعالى: ﴿حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير﴾. فخصص بالتحريم اللحم؛ والشحم والجلد وسائر أجزائه مفهومة منه؛ فنزل في البيان منزلة قوله: والخنزير، وحمل التخصيص فيه على عادة البيان، وهو: أن السابق إلى اللسان ما يعتاد أكله، وهو: اللحم. فهذا ومثاله -من عادات البيان عند نظم الكلام يعرفها من ألفها ومارسها؛ وتبين به أن [التعريف بحكم] المسمى غير موقوف على النطق بالعبارة الموضوعة] ٢٠ - ب [له في أصل الوضع، ولا ينبغي أن يتعجب [الإنسان] من قولنا: إن الإيماء إلى الوصف الذي أضيف الحكم إليه، نص في اعتباره. وإن لم يكن ذلك نطقاً صريحاً. هذا كله كلام منا في الدلالة على كون الوصف علة بالطرق النقلية، التصريحات منها والتنبيهات.

стр. 108

المسلك الثالث: إثبات كون الوصف علة بالإجماع. وما دل الإجماع على كونه مؤثراً في الحكم وموجباً له، فهو مقبول كما دل عليه النص والإيماء، ولذلك أمثلة: منها: أن الأخ للأب والأم يقدم على الأخ للأب في الميراث؛ [يقاس عليه] التقديم في ولاية النكاح؛ والجامع: أن [رجحان أحد السببين]-مع الاشتراك في الأصل -يوجب التقديم، كما في الإرث. فإذا قال المطالب: ولم قلت: إن الاختصاص بمزيد هذا السبب، له تأثير في [هذا] الحكم؟ فنقول: الإجماع منعقد على التقديم في الميراث، وعلى أن التقديم بهذه العلة. فهذه المزية ظهر بالإجماع أثرها في جنس هذا الحكم، في غير محل النزاع. المثال الثاني: أن الجهل بالعوض له تأثير في الإفساد ومنع الثبوت

стр. 109

في الذمة [في البيع]؛ فيقاس عليه المهر، ويقال: عوض مجهول، فيفسد ولا يثبت كالثمن. فإذا قيل: ولم قلتم: إنه يفسد لكونه مجهولاً؟ فنقول: الإجماع منعقد على أن للجهل تأثيراً في إفساد العوض. وإذا أثر في غير محل النزاع بالإجماع، فليؤثر في محل النزاع. المثال الثالث: أن نقول في السارق إذا تلف المال تحت يده: إنه مال تلف تحت اليد العادية، فيضمن كالمغصوب. فإذا قيل: ولم قلتم: إن تلف المال تحت اليد العادية يوجب الضمان؟ قلنا: بالإجماع ظهر تأثير هذا الوصف في إيجاب الضمان، في مسئلة الغصب وجميع الأيدي العادية. المثال الرابع: أن يقول الحنفي في الثيب الصغيرة: إنها صغيرة، فيولي عليها في بضعها كالبكر الصغيرة. فيقال: ولم [قلت: إنها] إذا كانت صغيرة يولي عليها [في بضعها]؟.

стр. 110

فيقول: ظهر بالاتفاق -في غير محل النزاع -تأثير الصغر في الولاية. فإن أراد بذلك البكر الصغير: توجه المنع عليها، فإنها مولي عليها للبكارة عندنا لا للصغر. فيقول: ظهر تأثير ذلك في الابن الصغير، وفي ولاية المال - بالاتفاق؛ وولاية البضع من جنس ولاية المال؛ فإذا أثر في شيء أثر فيما هو من جنسه. فتنقطع المطالبة بهذا القدر.
следующие страницы →