Полный текст (678 стр.). Показаны 666–678 · переход к 671.
стр. 666
وهذه الدقيقة في الفرق لابد من التنبه لها؛ فهو ظاهر: إذا ظهر المعنى المناسب. وإن كان تعدية الحكم لعلامة على مذاق علامات الربا -فإجراؤه مع الحصر أبعد. وإنما يجرى إذا دل الإجماع على أنه غير مقصور على العدد؛ فإن لم يدل [فتبعد الزيادة إلا بمعنى مناسب. كما في الضراوة في حيوانات الحرم].
خيال وتنبيه:
فإن قيل: هذه الأقسام الثلاثة التي [٨٥ - أ] قدمتموها هل يتطرق إليها نوع من القياس والإلحاق بحال من الأحوال؟
قلنا: إذا مهد الشرع قاعدة فسيحة عامة، واقتطع عنها طرفها وخصصه بنقيض حكم القاعدة؛ فإن لم تعقل علة الاختصاص وعلامته، أو عقلت ولم يوجد له نظير يشاركه في المعقول -امتنع القياس: إذ لو ساغ ذلك لالتحق به كل ما في ذلك الباب، حتى لا يبقى
стр. 667
من الأصل شيء إلا ويلتحق به. وعند ذلك يبطل الاستثناء والمستثنى عنه. وإن كان المحل المخصوص بالاستثناء يشتمل على معنى ظهر كونه داعيًا إلى التخصيص، [فقد تفرض مسئلة] غير منصوص عليها: تدور بين أن تبقى تحت عموم القاعدة، وبين أن تلتحق بمحل الخصوص. فإن شاركت محل الخصوص في السبب الداعي إلى التخصيص -التحق به، وانقطع من العموم. وإن شاركه في العلة: بقى على حكم العموم. لأنه كما فهم علة القاعدة، فهم أيضًا علة الاستثناء. والدائر بين المحلين غايته: أن يشارك المخصوص في علته، ويشارك المخصوص منه أيضًا في علته، وهي العلة العامة، فيكون انجذابه إلى المخصوص من وجهين، وانجذابه إلى المخصوص [منه] من وجه واحد. والاعتماد على اجتماع الشبهين أولى.
стр. 668
مثاله: قوله -وقوله الحق-: ﴿الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدةٍ﴾، جعل الزنا علة إيجاب المائة؛ ثم استثنى الإماء فقال: ﴿فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب﴾، فدار العبد بين الأمة المخصوصة، وبين القاعدة، فألحقناه بالأمة: لمشاركته بالأمة: لمشاركته إياها في الرق الذي [هو به ظهر] وجه المصلحة في الاستثناء.
وكذلك مهد الشرع قاعدة الربا، ثم استثنى صورة العرايا، وأقام فيها الخرص من أحد انجابين مقام الكيل: لنوع حاجة؛ وجرى ذلك في الرطب: فألحقنا به العنب، وإن كان ينجذب إلى الأصل بعلة التحريم، ولكن انجذب إلى المخصوص بعلة الاستثناء، وهي: الحاجة المخصوصة. ولم تلتحق [به] سائر الفواكه: لأن الخرص هو الذي أقيم مقام الكل؛ والخرص لا جريان له في سائر الفواكه.
وكذلك: اقتطع الشرع حكم الطعام عن سائر المغانم، [ثم جوز] التبسط فيه قبل القسمة؛ فألحقنا به علف الدواب: لأن المصلحة
стр. 669
ظهرت في الاستثناء، من حيث [أن الأطعمة] يعسر استصحابها، ويتكرر مسيس الحاجة إليها في كل [وقت و] يوم؛ وقد لا تكون الأسواق قائمة في بلاد الحرب. وهذا المعنى جار في علف الدواب وأظهر. ولم يلحق به سائر العروض: محافظة على القاعدة.
وكذلك: اقتطع الكلب عن سائر الحيوانات في إيجاب الغسل من ولوغه سبعًا؛ لاختصاصه بنوع خسة في نظر الشرع، وتمييزه بضرب تغليظ. والخنزير دار بينه وبين سائر الحيوانات.
فظهر للشافعي ﵁ -على رأي- الحاقة بمحل الخصوص: لظهور معنى التخصيص، ولمساواة الخنزير الكلب في نظر الشرع في التغليظات. وهذا دون إلحاق العلف بالطعام، [وإلحاق العلف بالطعام] دون إلحاق العبد بالأمة في الزنا.
فهذه مراتب مختلفة: في العلم والظن؛ وقد يتطرق إلى هذا الجنس ما يرجع إلى ضبط محل الاستثناء بعلامة حاصرة متضمنة للمصلحة، وإن لم يطلع على وجه المصلحة. كما قررناه في باب الشبه [والطرد].
فهذا ما أردنا أن نذكره في تفصيل هذه القاعدة، بعد أن قدمنا
стр. 670
طرفًا منه في مسئلة تخصيص العلة، ثم ينقدح في هذه الأمثلة نظر: في أن [حكم] العموم نناول محل الاستثناء، وجرى الاستثناء رفعًا ونسخًا لحكم ثابت؟ أو ظهر به أنه لم يندرج تحت العموم، ووقع ذلك خصوصًا؟ وهذا هو الأولى: فإن في النسخ إثباتًا ونفيًا، وفي التخصيص إبقاء على أصل النفي؛ فهما مشتركان في النفي، وهو معلوم، والإثبات غير معلوم. فلا يحكم به من غير أصل. والله أعلم.
стр. 671
القول في الركن الخامس من أركان القياس وهو ركن الفرع
[للفرع المقيس على الأصل المنصوص خمس شرائط]:
أحدها: أن تكون علة الأصل ثابتة في الفرع. فإن ثبوت الحكم بطريق التعدي، فرع تعدي العلة. فإذا توجه المنع على وجود العلة في الفرع: وجب القيام بإثباته.
الشرط الثاني: أن لا يتقدم الفرع في الثبوت على الأصل. هذا ما ذكر مطلقًا، وفيه نظر، ومثاله: قياس الوضوء على التيمم، مع تأخر التيمم عنه.
والتفصيل فيه: أنه لابد أن يعتقد لافتقار الوضوء إلى النية -دلالة سوى التيمم؛ فتعتضد تلك الدلالة، بدلالة أخرى؛ والدلالات قد تتلاحق. وإن لم يعهد للنية في الوضوء مستند سواه، كان ذلك محالًا: إذ يؤدى الحكم بثبوت وجوب النية قبل ورود التيمم، [إلى القول بوجوب النية] من غير دليل. فإذا اعتقدنا عليه دليلًا: لم يمتنع الاستدلال
стр. 672
بالتيمم -أيضًا- عليه.
هذا بطريق الدلالة بين؛ إذ العالم يدل على علم الصانع وإرادته ووجوده، وهو متراخ عنه، ولكن ليس وجوده حاصلًا بالدليل. فأما بطريق التعليل، ففيه نظر: من حيث أن الحكم في الفرع والأصل يحدث بالعلة. وإذا كان الحكم ثابتًا، لم يكن حادثًا بما تجدد [٨٥ - ب] ولكن: يتخيل ثبوت الحكم في الوضوء بعلة موجودة في الوضوء، دل دليل على كونها علة. وإثبات الحكم في التيمم -مع وجود العلة على وفقها- يشهد أيضًا لكونه ملحوظًا، فيرجع النظر إلى الاستدلال بحكم التيمم على ملاحظة العلة، بعد ثبوت كون ذلك الوصف علة بدلالة أخرى سابقة، فإن لم يكن: لم يتصور ذلك لما سبق.
الشرط الثالث: أن لا يباين موضوع الفرع موضوع الأصل: في التخفيف والتغليظ، والتعرض للسقوط، والبعد عن السقوط، وابتناء أحدهما على الغلبة والنفوذ، والآخر على نقيضه. وهذا أيضًا مما ذكر وفيه إجمال، فنقول:
إذا كانت العلة الجامعة للفرع والأصل مناسبة: لم يبال بالافتراق
стр. 673
في هذه الأمور [المتسعة]. وإن كانت من العلامات الشبهية: فلا يحصل منها الظن مع التباين في هذه القضايا، على ما قررناه من قبل.
الشرط الرابع: أن يكون الحكم في الفرع مما يثبت بالنص جملة، وإن لم يثبت بعينه. وهذا ذكره أبو هاشم. ومثل ذلك: بنظر الصحابة ﵃ في توريث الجد مع الإخوة، فإن ذلك إنما جاز: لورود النص بتوريث الجد والإخوة على الجملة، ورجوع النظر إلى تعيين المحل.
وهذا لا وجه له؛ فإنهم تكلموا في قول الزوج: أنت علي حرام. ولم يسبق نص في حكمه على الجملة، فألحقوه بالظهار والإيلاء والطلاق، على اختلاف المذاهب فيه. والأدلة -التي أقمناها على القول بالقياس- لا تقتضي ما ذكره.
الشرط الخامس: أن لا يكون الفرع منصوصًا عليه معلوم الحكم بالنص، فإنه إذا كان منصوصًا [عليه]: فإن عدى إليه حكم على خلافه: كان ذلك ردًا للنص بالقياس، وهو باطل. وإن عدى إليه حكم على وفقه: كان ذلك عبثًا، ورجع حاصله إلى قياس المنصوص على المنصوص؛ كقياس البر على الشعير، والدراهم على الدنانير في باب الربا؛ ولم يكن أحدهما بأن يجعل أصلًا [والآخر فرعًا] بأولى من
стр. 674
نقيضه.
خيال وتنبيه:
فإن قال قائل: الرقبة منصوص عليها في كفارة الظهار، وكفارة القتل. واستعمال النصين من غير قياس ممكن. فلم قستم أحدهما على الآخر؟ وكذلك تكلمتم في المحدود في القذف بالقياس: في رد شهادته [بقذفه] تعدية من حد الزنا، وأنه حد كبيرة فلا يوجب الرد. والرد منصوص عليه. وكذلك الإطعام من غير قيد التمليك: منصوص عليه؛ فعديتم التمليك [إليه] من الكسوة والزكاة. وكذلك قستم القتل العمد على الخطأ: في إيجاب الدية؛ وكل واحد منهما منصوص [عليه]. وقستم المسلم المقتول في دار الحرب قبل الهجرة، على المقتول بعد الهجرة. وكل واحد منصوص عليه، إلى أمثال لذلك كثيرة.
قلنا: ظن المخالف أنا في هذه المسائل تعرضنا لحكم النص وغيرناه. وهيهات: فلم نتعرض للنص فيما هو نص فيه، بل تعرضنا له فيما هو عام فيه. وذلك جائز في الأصل والفرع جميعًا. أما طرف الأصل، فما سبق في مسائل الإيماء [في الركن الأول من الكتاب]. وأما طرف الفرع، فنتخذ التحرير في الكفارة مثالًا، ونقول: قوله : «فتحرير
стр. 675
رقبة»، ليس نصًا في أن الإيمان لا يشرط، ولكنه يشعر به: بعموم الصيغة؛ ونحن غيرناه بالقياس، وحملنا الرقبة المطلقة على الرقبة المسلمة: بطريق التخصيص؛ كما حملوا الكافر المطلق في حديث «قتل المسلم بالذمي» على الكافر الحربي. وحملنا السارق المطلق على السارق للنصاب. وحملوا ذوي القربى -في آية الغنائم- على الفقراء منهم: بطريق التخصيص؛ وذلك غير ممتنع.
فإن قيل: الإيمان زيادة في وصف الواجب؛ والزيادة في الوصف كالزيادة في القدر. فكما امتنع [في إطعام ستين مسكينًا، وصوم] ستين -زيادة في القدر المنصوص بالقياس، فكذلك لا تجوز الزيادة في الوصف.
قلنا: لو ورد الإطعام مطلقًا في موضع، ومقيدًا بالعدد في موضع -فيجوز أن يجعل المطلق مقيدًا بذلك العدد: إذا فهمنا العلة في التبليغ
стр. 676
إلى ذلك المبلغ. فأما إذا نص على قدرين متفاوتين متعددين في المحلين، فلا نقيس أحدهما على الآخر: لأن التقدير نص، فلا تطلق أربعون لإرادة الستين، ويجوز أن تطلق الرقبة ويراد المؤمنة على الخصوص، اكتفاء بالتنبيه على أصل الإيجاب، وإعراضًا عن التفصيل، واكتفاء بما جرى من التعرض له في غير ذلك الموضع بالوقوف على علته.
فقد يقول الفقيه في مساق كلامه: الزنا يثبت بأربعة شهود، ولا يتعرض في الحال للعدالة، وهو يريد الشهود العدول: إذ لم تكن الصفات [من] مقصود كلامه، بل غرضه التنبيه على العدد، فيقتصر عليه، فلا يتعلق بعمومه: حتى [لا] ينسب إلى مخالفة الشرع.
ولكن يقال: إذا عرفت الشهادة مقيدة بالعدالة شرعًا في مواضع، فإطلاق الفقيه [اسم] الشهادة محتمل للمقيد بذلك القيد.
فكذلك مطلق الرقبة في هذا الموضع: [محتمل للمقيد] بقيد
стр. 677
الإيمان المعلوم وجوبه في الشرع. فإذا احتمل هذا: لم يكن نصًا، فيجوز أن يقدم القياس عليه.
[و] هذا هو الجواب عن سائر الأمثلة. فإنا إنما نثبت [٨٦ - أ] ما سكت النص عنه-: كالإيمان مثلًا- فلم يتعرض [لنفيه، ولا لإثباته]، بل ظاهر الكلام مشعر بالاكتفاء دونه [ومحتمل للإيجاز] والاقتصار على الأصل، دون الاعتناء بالتفصيل. فلم يكن إثباته بالقياس تعرضًا بتغيير ما هو نص فيه؛ [بل هو تعرض لتخصيص ما هو فيه عام] وهو بين واضح.
هذا [نهاية] ما أردنا أن نذكره في الأركان الخمسة من القياس؛ مقتصرين على المقصد الذي أعرب عنه لقب الكتاب، ووافين بما التزمناه: من «شفاء الغليل في بيان الشبه والمخيل ومسالك التعليل».
فما عدا هذه الأركان، كالبعيد عن هذا المقصد المطلوب [من الكتاب]،
стр. 678
[والله الموفق للصواب].