← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17827

شفاء الغليل في بيان الشبه والمخيل ومسالك التعليل

أبو حامد الغزالي

Полный текст (678 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

قلنا: تهجين قضايا الأدلة -بسبب قبول بعض المبتدعة لها، واعتقاده إياها- من دأب ذوي الخور والجبن. فلقد عرفنا بالدليل حدوث العالم وافتقاره إلى محدث، وصدق الرسول وتأييده بالمعجزة. وهو -أيضًا- مذهب المعتزلة والروافض والكرامية. ولا سبيل إلى اجتناب الحق: ترفعا من خسة الشركاء. فنقول: المباح يطلق ويراد به: انتفاء الحرج عن فعله وتركه. وهذا ليس من [حكم] الشرع: فإن انتفاء الحرج عن الفعل والترك جار قبل الشرع، وجار في فعل البهائم. وقد تطلق الإباحة ويراد بها: تخيير الشرع بين الفعل والترك بخطابه. فإن ورد خطاب التخيير، فه من [أحكام الشرع]: إذ حكم الشرع خطابه. وإن لم يرد فلا يقال: إنه [من] حكم الشرع ولم يرد الخطاب. فإن مس الجدار -مثلاً- يستوي فعله وتركه في شهر رمضان: في إيجاب الكفارة. ونحن نحكم بأنه لا يوجب الكفارة: لا بورود خطاب فيه. أو دلالة خطاب عليه؛ ولكن: لأنه لم يرد دليل على إيجابه، فلم يكن هذا من أحكام الشرع، على التأويل الذي ذكرناه.

стр. 632

فالمفتي لا يحكم ببراءة ذمة السائل عن الكفارة، إذا سأله عن مس الجدار، بل يمتنع عن الفتوى بالشغل: لفقد دليل الشغل. فتبقى الذمة [على البراءة الأصلية]. والدليل القاطع على الفرق بين النفي والإثبات: أن العلم بعدم دليل الإثبات كاف في [النفي؛ والعلم بعدم دليل النفي غير كاف في] الإثبات. فليس قول القائل: لا أثبت لأنه لم يقم دليل الإثبات، كقوله: أثبت لأنه لم يقم دليل النفي. وهذا واضح للمتأمل المنصف إن شاء الله تعالى.

стр. 633

القول في الركن الرابع من أركان القياس وهو ركن الأصل للأصل المقيس عليه -الذي منه استنباط العلة- شرائط: الشرط الأول: أن يكون حكم الأصل ثابتًا؛ فإنه إذا لم يكن ثابتًا، وتوجه المنع عليه من المعترض -لم يترتب الفرع عليه: إذ ثبوته في الفرع، فرع ثبوته في الأصل. الشرط الثاني: أن يكون ثابتًا بطريق سممعي شرعي؛ إذ لو كان ثابتًا بطريق عقلي أو لغوي -لكان الحكم عقليًا أو لغويًا، ولم يمكن إثباته بالقياس الشرعي. الشرط الثالث: أن يكون الطريق الذي عرفت به علة الحكم -وهو: كون الوصف المشروط علة لحكم الأصل- أيضًا شرعية؛ إذ لو عرفت علته بطريق العقل: لكانت العلة عقلية، وحكمها عقليًا؛ يستغنى -في إثباتها طردها- عن القياس الشرعي. الشرط الرابع: أن يكون حكم [الأصل] ثابتًا بطريق سوى

стр. 634

القياس على أصل آخر، وهو: النص أو الإجماع. فإنه لو كان ثابتًا بالقياس على أصل آخر، فالجامع بين الفرع وبينه، لا يخلو: إما أن يكون موجودًا في الأصل الأول، أو كان مفقودًا: فإن كان موجودًا، فليقس عليه. فرده إلى أصل، ثم رد الأصل إليه -عبث. وهو كمن يقيس الذرة على الأرز برابطة الطعم، ثم يرد الأرز إلى البر. فليقس الذرة على البر أولاً: إذ ليس الأرز بأن يجعل أصلا، أولى من الذرة. فلا يقتضيه وهما فرعا أصل واحد. وإن كانت العلة مفقودة في الأصل الأول، موجودة في المسئلة المتوسطة التي جعلها أصلا لفرعه -كان ذلك باطلاً؛ لأن العلة لا تخلو: إما أن كانت شبهية من قبيل العلامات، أو كانت مناسبة مخيلة واقعة في رتبة المؤثرات: فإن كانت شبهية -وذلك الشبه [ليس موجودًا] في الأصل الأول -لم يتصور أن يعرف كونه علامة الحكم، مع إثبات الشرع أصل الحكم. حيث لا وجود لتلك العلامة. ومن تأمل ما ذكرناه في طريق إثبات العلامات في الركن الأول من الكتاب، ظهر له وجه الفساد في هذا التركيب. على أنه لو فتح هذا الباب: لجاز أن نشبه بالثالث رابعًا بوصف

стр. 635

لا يشبه الثاني به؛ وكذلك القول في الخامس وما بعده من الأعداد، فننهي بالتدريج إلى رتبة: نعلم -على القطع- أنه ليس في معنى الأصل [٨٢ - ب] وهو كمن وجد حصاة: فالتقط أخرى لمشابهتها لها، ثم التقط ثالثة لمشابهتها الثانية، ثم التقط رابعة لمشابهتها الثالثة؛ هكذا إلى أن التقط مائة حصاة. فلو نظر [إلى] الأخيرة وقاسها بالأولى، لم يجد بينهما مشابهة، وكان بحيث لو وجدها ابتداء: لما شبهها بالأولى. وهذا شيء لا شك فيه. فأما إذا كانت العلة مناسبة، فلا تخلو: أما أن كانت لها رتبة الاستقلال [ووقع في رتبة الاستدلال] المرسل الملائم الذي يستغني عن شهادة أصل معين؛ كما ذكرنا أمثلته في الركن الأول، وأما أن افتقر إلى شهادة الأصل المعين. فإن وقع في رتبة الاستدلال المرسل: فليستدل به على الفرع. ولا حاجة به إلى الأصل؛ فوجوده وعدمه بمنزلة واحدة.

стр. 636

وإن كان يفتقر إلى شهادة الأصل له، حتى تعرف -بإثبات الشرع الحكم على وفقه- إجابته لذلك المعنى، [وملاحظته إياه على ما قررناه في بيان المناسب: لم ينتفع بهذا الأصل الذي] لم يرد من الشرع فيه حكم مقصود، وإنما أثبت الحكم فيه بالتعدية بعلة أخرى، ثبت الحكم على وفقها. فلاح أن هذا التصرف مائل عن سنن القياس. فإن قال قائل: فأي فائدة في الفرض؟ ولقد عرف من دأب المعللين فرض الكلام في مسئلة لينبني عليها محل السؤال؛ فإذا شرطتم أن تكون على الأصل شاملة لجميع مجاري الحكم، فلا يبقى للفرض فائدة. قلنا: للفرض محلان، هما: أن تعم صيغة السؤال من السائل. وقد لا يساعد المسؤول دليل يشمل جميع الصور، فيفرض في البعض: ليقتصر على دليل واحد، أو يساعده في بعض الأطراف حديث ورد فيه، وباقي الأطراف معلوم بالقياس، فيلوذ من غموض القياس إلى وضوح النص. أو يساعد الخصم في بعض الأطراف إشكال يعارض به كلامه: فيجتنب الخوض فيه؛ كمن يفرض الكلام في مسئلة قتل المسلم بالذمي: في المعاهد، ليدرأ به إشكال [قول بعضهم]: أن العصمة مستوية في التأييد. أو يفرض في عتق الراهن: في المعسر، ليدرأ به إشكال

стр. 637

التعلق بسراية العتق، فإن سلم الخصم المعسر مثلا، [استفاد بتسليمه] إبطال قوله: أن العتق صدر من أهله، وصادف محله. وليس من شرط المفروض فيه أن يكون فرعًا لأصل آخر. بل قد يفرض فيما هو أصل: كفرضه في المعاهد، وتمسكه بقوله: لا يقتل مؤمن بكافر. وفائدته: درء قياس الخصم في معرض تأييد التأويل. إلى أمثال ذلك. الشرط الخامس: أن يكون دليل ثبوت العلة مختصًا بالأصل؛ فلو كان الدليل يعم الأصل والفرع، كان القياس عبئًا. وهو كمن قال: السفرجل مطعوم، فيجري فيه الربا كالبر. فقيل له: وما دليل كون الطعم علة في البر؟ فقال: قوله ﵇: "لا تبيعوا الطعام بالطعام"، وإضافته إلى اسم مشتق من معنى. فهذا فاسد: لأن الحديث بعمومه يشمل السفرجل والبر [جميعًا] عمومًا واحدًا، فليس أحدهما بأن يثبت حكمه بالآخر بطريق التعدية، بأولى من نقيضه. وهو: كقياس الدراهم على الدنانير، وقياس البر على الشعير؛ مع شمول النص للكل. ولو قال رسول الله ﷺ : حرمت كل مسكر؛ لكان قياس النبيذ على الخمر، كقياس الخمر على النبيذ؛ وكان الحكم فيهما ثابتًا بعموم النص. فهذه دقيقة لابد من التنبيه لها. الشرط السادس: أن يدل دليل على أن الأصل المتعلق به، مما

стр. 638

يجوز القياس [عليه]-وهذا كلام مجمل: ذكره [بعض] الأصوليين، وحكى ذلك عن عثمان البتي ﵁[وأنه لا يقاس على الأصل ما لم تقم دلالة على جواز القياس عليه. إذ من الأصول ما لا يعلل]. وحكى -أيضًا- عن بشر المريسي، أنه [قال]: لا يجوز القياس على أصل ما لم ينص الشارع على علته، أو لم يجمعوا على تعليله. وهذه مذاهب مجملة؛ والتفصيل الشافي للغليل -عندنا- أن يقال: العلة المستنبطة إن كانت مناسبة ومؤثرة، فمناسبتها دليل على ترتيب الحكم عليها، وإتباعها أينما وجدت. وهو كاف في الدلالة على جواز القياس عقلاً وشرعًا. أما العقل: فهو أن المناسبات ترجع إلى المصالح وأماراتها؛ وكما يشير العقل إلى اتباع المصلحة اجتناب المضرة: يشير -أيضًا- إلى اجتناب أمارة المضرة. ونعني بما ذكرناه: إشارة العقل من حيث العادات، لا من حيث الذات. وما دل من جهة الشرع [على إثبات أصل القياس، والاكتفاء بالظن -فهو دال على ذلك. وأما الشرع]: فهو أن مستند [أمر] القياس الإجماع؛

стр. 639

وقد تكلموا في مسائل ورودها إلى أصول، ولم يذكروا دليلا على جوار القياس عليها. كاختلافهم في قوله: أنت على حرام. منهم: من شبهه بالإيلاء، وجعله يمينًا. ومنهم: من جعله ظهارًا، [تشبيهًا بقوله: أنت على كظهر أمي]. ومنهم: من جعله طلاقًا ثلاثًا، تحقيقًا لكمال التحريم. ومنهم: من جعله طلاقًا واحدًا، اكتفاء بأصل التحريم. وإن لم تكن العلة مناسبة -بل كانت من قبل العلامات الحاصرة لمجرى الحكم؛ كالطعم والكيل- فلا يبعد فيه التوقف على قيام الدليل على أن الحكم غير مخصوص بالمنصوص عليه؛ كما ذكرناه: من ظهور الإجماع على تعدي الربا إلى الرطب والدقيق. فإن لم يقم مثل هذا الدليل: ففي جواز تعدي [الحصر بالاسم، إلى الحصر] بوصف

стр. 640

متعد -نظر. والميل الأظهر: إلى جواز ذلك. كما تقدم في قاعدة الطرد والعكس والشبه. الشرط السابع: أن لا يتغير النص -الذي منه الاستنباط-[٨٣ - أ] بالتعليل، بل يبقى على ما كان قبل التعليل. وهذا يبين فيما اللفظ نص فيه. أما إذا كان اللفظ عامًا أو ظاهرًا، لم يبعد أن يتغير بالتعليل ظهوره وعمومه؛ فيتطرق إليه تخصيص وتأويل. وقد فصلنا هذه القاعدة، في المسلك الثاني من الركن الأول في إثبات العلة. الشرط الثامن: أن لا يكون الأصل مخصوصًا بالحكم بدليل آخر، أو معدولاً به عن سنن القياس. وهذه قاعدة غامضة المدرك، ثار منها أغاليط: ضل بسببها بعض الناظرين عن سواء السبيل. وها نحن نأتي بتفصيل يشفي الغليل، ونقول: الأصل الذي يمتنع القياس عليه للمقصد الذي ذكرناه، لا يعدو ثلاثة أوجه: أحدها: "أن يدل نص أو إجماع على اختصاص الحكم بمورده، فيمتنع إلحاق غيره به. لما فيه: من إبطال الاختصاص. والثاني: ما لا تعقل منه علة ولا علامة متعدية؛ فإذا لم يعقل المعنى: تلقي العبد بالقبول، ولم يتصرف فيه. وقد يعبر عن هذا: بأنه على خلاف القياس. والمعنى به: أنه لا يجري فيه القياس. والثالث: أن يعقل المعنى، ولكن لا يلفى مشارك للمنصوص في

стр. 641

المعنى فيمتنع الإلحاق: لفقد المشارك. ويجري ذلك مجرى العلة القاصرة. وذلك: كورود الحكم في محل تجتمع فيه ضروب من المصالح والحاجات، ولا يلفى في غير محل النص إلا بعض تلك المصالح؛ فلا يناط الحكم بالأبعاض بعد وروده: عند اجتماع هذه الوجوه. ونحن نبين هذه الأقسام بالأمثلة: مثال القسم الأول: قضى رسول الله ﷺ بشهادة خزيمة وحده، وكان مخصوصًا به، وشهر بين الصحابة بهذه الفضيلة: فامتنع قياس غيره عليه، لما فيه: من إبطال الخاصية، ولأنه لو قيس عليه غيره: لجرى القياس في الكل ولارتفع التقييد بالعدد في نص الكتاب. فاقتصر على محل التخصيص، واستعمل النص في الباقي. وكذلك: حل تسع نسوة لرسول الله صلى الله عليه سلم، وحل

стр. 642

البضع له من غير مهر، أو بلفظ الهبة؛ تلقيا من قوله تعالى: ﴿خالصة لك من دون المؤمنين﴾. وكذلك: خص بصفي المغنم وخمس الخمس، وأنه لا يورث،

стр. 643

وأن ما تركه صدقة، ولا تتجاوز هذه الأحكام إلى غيره. وكقوله لأبي بردة في العناق: "تجزى عنك، ولا تجزى عن غيرك". وكقوله في مكة: "إنما أحلت لي ساعة من نهار، ثم عادت

стр. 644

كحرمتها بالأمس". وكرضاع سالم: كان له وحده. إلى أمثال ذلك. والحد في هذه الجنس: أن يعرف بالنص أو الإجماع اختصاص الحكم بالمعين؛ كما ذكرناه في هذه الأمثلة. فأما إذا لم يعرف ذلك: تطرق إليه القياس؛ ولا يمكن دعوى الاختصاص بمجرد التشهي؛ كدعوى أبي حنيفة ﵁: أن

стр. 645

قوله ﵇ في الأعرابي الذي وقصت به ناقته في أخاويق جرد: "أن لا تخمروا رأسه، ولا تقربوه طيبا، فإنه يحشر يوم القيامة ملبيًا"- إنه كان مخصوصًا بذلك الأعرابي، ولا يتعداه [إلى غيره]. وأن امتناعه من الصلاة على شهداء بدر، كان مخصوصًا بهم. وأن أمره بإراقة الخمر والمنع من التخليل، كان مخصوصًا بابتداء الإسلام.

стр. 646

وكل ذلك فاسد: فإن الاختصاص هو المتنازع فيه؛ ولم تقم عليه دلالة. فالأصل التعدي بتعدي العلة. فإن قيل: فإن كانت العلة [المتعدية] منتقضة بإجماع الفريقين، فهل يكفي ذلك في الدلالة على الاختصاص؟ قلنا: لا يتبين به الاختصاص، ولكن تمتنع التعدية بالعلة المنقوضة، ويبقى جواز التعدية وإمكانها بعلة أخرى، أن اتفق العثور عليها. ويلتحق بالقسم الثاني وهو: الذي لا يعقل معناه. فإنه يقتصر عليه [لا] لقيام دليل الاختصاص، بل: لعدم العثور على دليل الإلحاق. فليدرك الفطن الدقيقة الفاصلة بين الرتبتين. فإن قيل: ما قولكم في الأعرابي الذي جامع في نهار رمضان، وكان يراد رسول الله ﷺ في القضية المشهورة، حتى عاد أمره إلى [أن] أخذ عرقًا من تمر [وصرفه إلى] أهله؟ أفتقولون: أن ذلك كان مخصوصًا به، أو يتعدى إلى من يساويه

стр. 647

في مثل حاله؟. قلنا: قال صاحب التقريب: إن فرض رجل معسر: لا يقدر على الصوم لشدة [ما به من] الشبق؛ يحكم بأن لا شيء عليه: إلحاقًا له بالأعرابي. وذهب جماهير العلماء إلى مخالفته، وقالوا: أن المعسر يجب عليه الصوم لا محالة، ولا ينتصب الشبق عذرًا في الصوم بحال. فإن قيل: فليس في النص والإجماع ما يدل على الاختصاص؛ فما مستند التخصيص؟ قلنا: المستند فيه غالب الرأي. وطريقه: أنه يحتمل أن يجعل ذلك مخصوصًا بعين ذلك الأعرابي، واحتمل الإلحاق؛ ولو ألحقناه: لزمنا ذلك في كفارة الظهار، وهو مخالف للنص: فإن النص أوجب أحد أمور ثلاثة على اختلاف الأحوال. ثم إن كان المظاهر عاجزًا في الحال، استقر في ذمته إلى أن يتمكن [منه]. فتبرئة ذمته: تخالف النص والمعلوم من قياس الشرع.

стр. 648

فهذا هو الذي يقال فيه. أنه معدول به عن سنن القياس، وحده: أن يرد نقضًا على قياس معتبر شرعًا بالاتفاق؛ فنعلم أنه لو طرد: لبطل المعلوم من نص الشرع وقياسه؛ فيعرف به اختصاصه بالعين. فهذا الجنس لا يقاس عليه، ولا يقبل نقضًا على القياس. وقد قررنا طرفًا من هذا الجنس، في مسئلة تخصيص العلة. فإن قيل: ما قولكم في الصائم إذا أكل ناسيًا؟ الحكم ببقاء صومه منقاس، أو معدول به عن القياس؟ قلنا: قال أبو زيد ﵁: أنه معدول به. [عن] القياس؛ فلا قياس عليه المكره والمخطئ في المضمضة، ولا كلام الناسي

стр. 649

في الصلاة، ويلحق به جماع الناسي: من حيث أنه في معنى الأكل. فإن الجماع والأكل: من حيث الإفطار، باب واحد لا يختلف. والشافعي ﵁ قد يقيس كلام الناسي في الصلاة عليه؛ وتردد قوله في [الحاق] المخطئ والمكره [به]. ووجه نظر الشافعي في قياس كلام الناسي [عليه]: أن يعلل بأن المناهي يعذر فيها الناسي، فيجعل فعله كالعدم؛ بخلاف المأمورات. والأكل منهى عنه في الصوم؛ فسلك الشرع به مسلك المنهيات. وهو كالعدم: إذا صدر [٨٣ - ب] من الناسي في حق التأثيم، فكان كالعدم في حق الإفساد. فإن قيل: الصوم من قبيل المأمورات؛ فإنه ركن من أركان العبادات ولأجله افتقر إلى النية. وهو عبارة عن الكف عن قضاء الشهوة، ومن أكل: فقد ترك الكف، وانعدم الصوم. فصار كما إذا ترك

стр. 650

الصلاة ناسيًا؛ وإبقاء صومه على خلاف القياس. فهو معدول به عن عن سنن القياس. وهذا ما احتج به أبو زيد ﵁ في تقرير مذهبه. قلنا: الصوم من حيث أنه عد من أركان العبادات، ويفتقر إلى النية -يضاهي المأمورات حكما. ومن حيث -هو في نفسه وحقيقته، يرجع إلى الترك لا إلى الفعل -[يضاهي المنهيات]. وإذا دار بين الجنسين، لم يبعد أن يقال: له في الافتقار [إلى] النية حكم المأمورات؛ وقد بقى على حقيقته في التجاوز عن الناسي كسائر المنهيات. والدليل عليه: أن من أطبق عليه النوم أو الإغماء في جميع النهار، حصل صومه. ولا عهد لنا بفعل مقصود: يعتد به مع هذه الحالة، وإنما التروك هي التي تحصل مع انتفاء الاختيار، فأمكن إجراؤه على القياس من هذا الوجه. وأما المأمورات إذا تركت نسيانًا: [لم نقس عليها]؛ لأنها ليست من قبيل التروك بوجه، وهذا من قبيل التروك حقيقة، وهو

стр. 651

كذلك حكمًا في قضية الإغماء والنوم. هذا وجه البيان في أحد الأقسام، وهو الذي بان بدليل اختصاص الحكم بعين المنصوص، [و] يسمى: خارجًا عن القياس، ومستثنى، ومعدولًا، على هذا التأويل. القسم الثاني: أن لا يعقل المعنى في مورد النص ؛ فيجب الاقتصار عليه، ويسمى هذا الجنس: خارجًا عن القياس، على تأويل أنه خارج عن مجانسة الأصول المعلولة: من حيث أن القياس لا جريان له فيها، لا لمخصص ومانع، ولكن: لفقد المعنى. ومعظم التقديرات جارية هذا المجرى. ولأجله امتنع التنقيص من المقدرات والزيادة عليها؛ لأنه لم يعقل معنى التقدير: حتى يثبت الحكم بما دونه، أو بما فوقه. والحد في هذا الجنس: أن لا يستقيم على السبر تعليل. وأمثلته كثيرة: فحكم الربا -عند فريق- من هذا القبيل. وقد بينا وجه التعليل فيه بطريق العلامة. ويقرب من هذا إيجاب الشرع غرة: عبدًا أو

стр. 652

أمة؛ في الجنين. فإنه سوى فيه بين الذكر والأنثى. ولم يجره على قياس الأعضاء والجوارح، ولا على قياس الحيوان المستقل، ولا على قياس الحي، ولا على قياس الميت. وكذلك [القول في أولاد الأم]: سوى بين الذكور والإناث؛ ولا يلفى له نظير في الفرائض. فقد يقال: أنه لا يعقل معناه. وعلى الجملة: أمثلة هذا الجنس لا تخفى، وقد ينقدح الناظر أن يلحق مثال الغرة بالقسم الثالث، كما سنذكره. القسم الثالث: أن يعقل وجه المصلحة في الحكم، ولكن لا يلغى مشارك لمورد النص في الاحتواء على جميع أطراف المصلحة، فيمتنع القياس بسببه. وقد يعبر: عنه بأنه خارج عن القياس. وفي هذا الإطلاق -من غير وقوف على التفصيل الذي ذكرناه- خلل. ومعظم الرخص والقواعد المبتدأة، داخل تحت هذا القسم: كرخص السفر، والمسح على الخفين،

стр. 653

وإباحة الميتة عند الضرورة. ومن القواعد: كالقسامة، وضرب الدية على العاقلة، وتعلق الأرش برقبة العبد، وتقدير لبن المصراة. ولا يبعد أن تلحق الغرة -أيضًا- بهذا القسم. والشفعة -أيضًا- من هذا القبيل. وبيانه: أن إباحة الميتة عند الضرورة معقول المعنى، وهو جار على قضية العقل. فقول القائل: أنها رخصة لا يقاس عليها؛ إن عنى به أنه لا يعقل معناها: فليس كذلك؛ فإنه على وفق العقل. وإن هو عنى به أنه لا يلحق به غير الضرورة، فسببه عدم العلة بعد معرفة العلة، فمستند المصلحة فيه الضرورة، فلا توجد عند عدمها. وكذلك رخص السفر: عقل معنى إثباتها من جهة الشرع؛ ولكن لا يلفى سبب يضاهى السفر: في الاشتمال على أنواع الحاجات. أما المرض، فهو مساو له في الفطر بحكم النص؛ فلم يفتقر إلى القياس. وأما حاجة المريض إلى القصر والجمع، فلا تضاهي حاجة المسافر؛ بل حاجته: إلى الصلاة قاعدًا وتفريقها في الأوقات لتخف عليه؛ فلم يكن مساويًا للسفر في وجه الحاجة. وكذلك [جوز الشرع] المسح على الخفين، فلا يقاس عليه المسح على العمامة والبرقع والقفازين: لاختصاص الخف بنوع حاجة، مستندها:

стр. 654

كثرة الحاجة إلى استصحابه، مع المشقة في نزعه عند كل وضوء؛ وهذه السواتر: [لا تساويه] في هذه الحاجة. وكذلك القسامة: بدأ الشرع فيها بالمدعى، والمصلحة معقولة فيها، وهي: تحصين الدماء والاحتياط [لها]، من حيث أن الغالب أن القتل يجرى خفية وغيلة [وغفلة]: حيث يعسر الإشهاد. والقاتل يستحل اليمين: إذا استحل القتل، واستحقر ذلك القدر في مقابلته؛ ويمتنع عن الإقرار في غالب الأمر؛ واللوث وظهور العداوة وتتابع الأخبار من الجهات المختلفة، إذا انضم إليها خمسون يمينًا -يقوى في النفس ويثير غلبة الظن، فكانت هذه المصلحة -مع خطر أمر النفوس وشدة الشغف بها-كافية في أمر القسامة. وقد عمل بها في

стр. 655

الجاهلية، وأقرها الإسلام. ولولا ظهور وجه المصلحة: لما عمل بها. فكيف يقال: أنه لا يعقل معناه؟ وقول القائل: أنه يخالف سائر الأصول؛ قلنا: لأنه يخالف [٨٤ - أ] [سائر] الأصول بصورته ومصلحته؛ فخالفها بحكمه. وهي قاعدة على حيالها كسائر القواعد. وغيرها بالإضافة إليها مخالف، كما أنها بالإضافة إلى غيرها مخالفة، والمتبع المعنى. وهذه المصلحة الظاهرة لا تبين في الأموال وغير الدماء: فلم تلحق بها لفقد المشارك. وكذلك اللعان وهو: تحليف الزوج المدعى وتصديقه. ووجه المصلحة فيه بين استقصيناها في «مآخذ الخلاف» وهو قريب من القسامة. وكذلك ضرب الدية على العاقلة: معقول المعنى، والمصلحة فيه ظاهرة، وهو -أيضًا- من أمور الجاهلية التي ورد الشرع بتقريرها. فكيف ينكر فيها وجه المصلحة، مع اتفاق أهل الجاهلية عليها اختيارًا وتواطوا؟. ووجه المصلحة: مسيس الحاجة إلى معاناة الأسلحة، وتعلم

стр. 656

استعمالها للحرب والصيد وغيره؛ وأن الخطأ في ذلك مما يكثر، والنفس خطيرة لا تهدر، وبدلها كثير: فيثقل على الشخص الواحد؛ ولو وزع على القبيلة: لخف محملها عليهم، فكان ذلك علامة القرابة الداعية إلى التعاضد والتناصر. ونشأت المصلحة من كثرة الدية، وقلة اتفاق القتل على [غير] هذا الوجه. إلى غير ذلك من الوجوه. فلم يعد إلى الغرامات والكفارات والزكوات وسائر الواجبات؛ لأنها لم تشاركها في الاحتواء على مجامع المصلحة. وكذلك: قدر الشرع [بدل] لبن المصراة بصاع من تمر؛ على [خلاف] ذوات القيم وذوات الأمثال. وهو معقول السبب والمصلحة: إذ اللبن -الذي اشتمل عليه انضرع حالة العقد- تناولته الصفقة ووجب رده؛ وما حدث عقيب العقد وانفجر من العروق واختلط به، حادث على ملكه لا يرد. ولو اجتمع الأولون والآخرون على أن يميزوا ويعرفوا قدر الكائن، وقدر اللاحق-لم يطلعوا عليه؛ فيتعلق به نزاع لا ينقطع أبد الدهر. مع أن الخطب فيه قريب، والخطر يسير. فكفى الشرع هذه المؤونة، بتقديرٍ أرهقت إليه الحاجة، فعقل ذلك، وطرد في

стр. 657

رد المصراة بعيب آخر سوى التصرية. ولم يطرد في مال اختلط بمال: وقد عهد أولًا [مقدرًا] مفردًا، وأمكن الوقوف على قدره: لأنه لم يشاركه في وجه المصلحة، لا لأنه غير معقول المعنى. وكذلك الشفعة: أثبتت لدفع الضرار؛ وهو معقول على القطع. ولكن يختص بالعقار في حق الشريك، لأنواع ضرر: لا توجد في المنقول، ولا في الجار. فامتنع الإلحاق: لفقد المشاركة، بعد الإحاطة بالمعنى. وكذلك إيجاب الغرة في الجنين: معقول الأصل؛ فإن إهداره عظيم، وسبب الحياة جار. والجناية إما أن دفعت الحياة، وإما أن قطعتها. وتنقيصه عن المولود المنفصل معقول: فإنه دونه في الرتبة والاستقلال. وقطعه عن الأطراف -أيضًا- معقول: فإنه لا يساوي الأطراف في صورته، وهو حيوان مستقل. نعم: لا يطرد ذلك في شخص ملتف في ثوب قبل، ولم تدر حياته ولا موته. ولا في رجل هدم عليه سقف، ولم تدر حياته ولا موته: لأنه ليس مشاركًا له في المعنى الذي ذكرناه. وأما التقدير بالغرة فلا يمكن تعليله، كما لا يمكن [تعليل تقدير]

стр. 658

الدية وسائر المقدرات. لأنه لا يطلع على السر الذي أوجب تعيين القدر والجنس؛ فلا يلحق به قدر آخر ولا جنس آخر: لعدم العثور على المعنى. فهذه وجوه مختلفة المدارك؛ والفقهاء يطلقون لفظ الخروج عن القياس، ولابد فيه من هذا التفصيل. فإن هذه المدارك متباينة في المعنى، ومتباعدة في الحكم. فلابد من الاطلاع عليها. فرجع الأمر إلى أن الاختصاص في القسم الأول: لقيام دليل الاختصاص؛ وفي الثاني: لفقد دليل الإلحاق؛ وفي الثالث: لقصور العلة وفقد المشارك. فيسمى الأول: مخصوصًا، والثاني: غير معقول المعنى أو خارجًا عن القياس؛ على تأويل أنه لا جريان للقياس [فيه. ويسمى الثالث: مفقود النظير، منفردًا بالحكم لانفراده بالعلة. فلا ينبغي أن يسمى هذا الأخير مخالفًا للقياس]، ولا خارجًا عنه، ولا معدولًا به عن سنن القياس. وقد غلط بعض الناظرين، فسمى هذا خارجًا عن القياس. ومنشأ غلطة: انفراد المسئلة بالحكم مع كثرة المسائل المخالفة لها؛ ولا تأثير

стр. 659

للكثرة ولا للقلة. وإنما التأثير للعلة. فكل أصل منفرد بعلته. فالنكاح لا يتأقت، ولا يسمى خارجًا عن القياس. إذ يلزم أن تسمى الإجارة خارجة: لأنها تخالف قياس النكاح. والقراض يتأبد، والمساقاة تتأقت؛ وكل واحد يخالف صاحبه: لاقتضاء المعنى المفارق، وليس ذلك على خلاف [القياس. وكل قاعدة على خلاف] سائر القواعد. وكذلك قال بعض الفقهاء: تعلق الأرش برقبة العبد، مخالف للقياس. وليس كذلك: فإنه -بالإضافة إلى الحر والبهيمة- مخالف لقياسهما، وهما -أيضًا- يخالفان قياسه، وكل واحد منفرد بقياسه. أما البهيمة: فجرحها جبار، وإتلافها ليس به اعتبار؛ إلا إذا استند إلى تقصير المالك: فيؤاخذ به المالك. وأما الحر: فيتعلق موجب فعله بذمته، وله مال كائن أو متوقع على قرب وكثب، من غير تقدير انقلاب حال. وأما العبد: فهو [مختار ومسترسل] بنفسه، بخلاف البهائم. وتكليف المالك ملازمتهم في ترداداتهم محال؛ وإهدار جنايتهم -مع شغف النفوس بالظلم- ممتنع؛ وإحالة الأمر إلى أوان العتق تعطيل؛ ومطالبة السيد بفعله بعيد؛

стр. 660

وتعليقه برقبته -أيضًا- فيه نوع من البعد: لتعلقه بمال السيد. فهذه وجوه بعيدة تصادمت، ولابد من ارتكاب واحد منها. والبعيد قريب بالإضافة إلى الأبعد؛ فالأقرب: تعليقه برقبته، حتى تكون [فيه] مزجرة عن الهجوم على الإتلاف. فالعبد إنما يذوق مرارة الرق عن العرض على البيع. وإلا: فهو آدمي ساع لنفسه [٨٤ - ب]، ومكتسب بتعبه وعمله لغيره. وهذا المعنى لا جريان له: لا في البهيمة، ولا في الحر، فلا تقاس البهيمة على العبد، ولا يقاس العبد على البهيمة. فلم تنتظم دعوى مخالفة القياس. ولذلك نظائر كثيرة؛ ومستند من [زل فيها]: كثرة الأصول من جانب، وانفراد أصل من جانب، فيسمى المنفرد بحكمه مخالفًا للقياس؛ وهو فاسد. خيال وتنبيه: فإن قال قائل: إذا ظهرت المصلحة من وجوه متفرقة، [ومعاني

стр. 661

شتى، والمناسبة] حاصلة في بعض تلك الوجوه -فهل يجوز إلغاء البعض والاكتفاء بالبعض، مصيرًا إلى [أن] ذلك القدر مناسب ومستقل بالحكم، حتى يتسع محل الحكم بإلغاء بعض الأجزاء؟ وإن جاز إلغاء بعضه: فالأصل الاعتبار، وعلى من يلغيه دليل؛ أو الأصل الإلغاء، وعلى من يعتبره دليل؟ قلنا: هذا يستدعى تفصيلًا؛ فنقول فيه: الوصف المستبقى إذا كان يناسب الحكم: استقل كلام القائس بمناسبته، ولم يسمع قول المعترض: بم تنكر على من يقول: لعله اقترن بهذا الوصف وصف آخر تزداد به مناسبته؛ فلم ألغيته؟ بل يجب على المعترض إبراز ذلك الوصف؛ فإذا أبرز وصفًا آخر: فإن لم يكن مناسبًا، ولا زادت به المناسبة -[كان ذلك دليلًا على إلغائه. وإن كان مناسبًا أو زادت به المناسبة]- فعلى المعلل إقامة دليل على إلغائه: إما ببيان [أن] المناسبة التي تخيلها تخيل لا حاصل له، أو ببيان، أن الحكم ثبت في بعض الأحوال دونها. ومثال: أن الخصم يعلل الشفعة بضرار اتصال الملك، ويعديه

стр. 662

إلى الجوار. ونحن ندعى: أن الشركة تختص بمزيد ضرر: في تضايق المرافق مع الاتحاد عند التزاحم عليه: كالمبرزة، والمطبخ، ومصعد السطح، والبالوعة، ومطرح التراب وغيره. والضرار يزداد بهذا؛ وإذا نيط الحكم بضرورة غالبة: فكيف يناط بما دونها؟ فعلى أبي حنيفة أن يبين أن هذا الضرر غير معتبر، بأن يقول: الشفعة جارية في ساحة من الأرض، وعرصة لا شيء فيها؛ وهذه الأنواع مفقودة، فلو كان هذا مناطًا: لما ثبت دونها. فنقول: المتبع ضرار الامتزاج، لا ضرار الاتصال، فكيفيه أن يقول: وأي أثر للامتزاج؟ فهو وصف، لا مناسبة له، فيلغى. فنقول: المحذور ضرار القسمة، والتزام المؤونة عند الاقتسام، [وهذا مؤثر مناسب]. فلا يتمكن الخصم من إبداء جريان الشفعة حيث لا تجرى القسمة: فإن ما لا ينقسم لا تجرى فيه الشفعة؛ كالطاحونة والحمام. فإن قال: هذا الضرر جار في المنقولات، والشفعة غير جارية -

стр. 663

لم [يغنه ذلك]، لأنا [لا نعول] على مجرد هذا [الضرر]؛ والضرر في العقاد فوق الضرر في المنقولات. هذا فيما يقع من قبيل المصالح. أما الأوصاف المقرونة بالأصول؛ فالأصل إلغاء ما لا يناسب منها، إذا ظهرت علة مناسبة: ككون الأعرابي حرًا، وكون الموطوءة منكوحة؛ إلى غير ذلك من الأوصاف. [و] هذا إذا لم يتناوله الذكر، فإن تناوله الذكر، كقوله ﵇: «من أعتق شركًا له في عبد»، إذ قيد بالعبد: فعلى من يلغي [هذا] الوصف المذكور، ويجرى الحكم في الرقيق الأنثى -دليل؛ لأن التعرض ظاهر في اعتباره، ويكفى في إلغائه أن يدل [على] عدم مناسبته: إذا كان المستبقى مناسبًا. وإن لم يكن مناسبًا، وكان الملغي مساويًا للمستبقى، ولم ينقدح حمل القيد على موافقة عادة أو غيرها -لم يجز إلغاؤه. ومن القيود ما يمنع إلحاق الغير به: كالقيود التي لها مفهوم، وهو: كل وصف يناقض وصفًا في معارضته

стр. 664

وتعاقبه، فيتضادان على المحل. كالسوم في قوله: «في سائمة الغنم الزكاة» وكالثيابة في قوله: «الثيب أحق بنفسها من وليها». فهذه القيود -في عرف اللسان- تساق لطرفي النفي والإثبات. وقد قررنا وجه ذلك في «كتاب تحصين المآخذ» في مسئلة بيع النخيل التي ليست مؤبرة. خيال وتنبيه: فإن قال قائل: المخصوص بعدد، هل يلتحق بالقسم الأول حتى لا يلتحق غيره به؟ قلنا: هذا -أيضًا- مزلة القدم، فقد قال ﵇: «خمس يقتلن في الحل والحرم»، فظن ظانون امتناع القياس عليها: لكونها محصورة معدودة مصيرًا إلى [أن الإلحاق] زيادة على

стр. 665

[الحصر] وظنوا أن ذلك من قبيل العدد في المقدرات: كالعدد في مائة من الإبل في الدية، وثلاثة أيام في خيار الشرط وغيرها. وهذا فاسد: فذكر الخمسة في حيوانات الحرم، كذكر الستة في الربويات. وإذا ظهر معنى الضراوة فيما يقتل: ألحق به في معناه، ولم يبال بالزيادة على العدد كما في الربا. وليس [ذلك] كالعدد في الدية، والتقدير في أيام الخيار، لأن ذلك تقدير في نفس الواجب وقدر الثابت من الحكم، ولا ينشأ ذلك إلا للتقدير. وأما العدد في مسئلتنا، فراجع إلى محل الحكم، لا إلى نفس الحكم. فإن قيل: فلم خصص هذا العدد؟ قلنا: ولم خصص الأشياء الستة؟ وذلك محمول على أنه [الذي] حصره وجرى ذكره في الحال، ولو فتح هذا الباب: لا نحسم باب التعليل بالقياس؛ إذ كل قياس يتضمن إبطال التخصيص.

стр. 666

وهذه الدقيقة في الفرق لابد من التنبه لها؛ فهو ظاهر: إذا ظهر المعنى المناسب. وإن كان تعدية الحكم لعلامة على مذاق علامات الربا -فإجراؤه مع الحصر أبعد. وإنما يجرى إذا دل الإجماع على أنه غير مقصور على العدد؛ فإن لم يدل [فتبعد الزيادة إلا بمعنى مناسب. كما في الضراوة في حيوانات الحرم]. خيال وتنبيه: فإن قيل: هذه الأقسام الثلاثة التي [٨٥ - أ] قدمتموها هل يتطرق إليها نوع من القياس والإلحاق بحال من الأحوال؟ قلنا: إذا مهد الشرع قاعدة فسيحة عامة، واقتطع عنها طرفها وخصصه بنقيض حكم القاعدة؛ فإن لم تعقل علة الاختصاص وعلامته، أو عقلت ولم يوجد له نظير يشاركه في المعقول -امتنع القياس: إذ لو ساغ ذلك لالتحق به كل ما في ذلك الباب، حتى لا يبقى

стр. 667

من الأصل شيء إلا ويلتحق به. وعند ذلك يبطل الاستثناء والمستثنى عنه. وإن كان المحل المخصوص بالاستثناء يشتمل على معنى ظهر كونه داعيًا إلى التخصيص، [فقد تفرض مسئلة] غير منصوص عليها: تدور بين أن تبقى تحت عموم القاعدة، وبين أن تلتحق بمحل الخصوص. فإن شاركت محل الخصوص في السبب الداعي إلى التخصيص -التحق به، وانقطع من العموم. وإن شاركه في العلة: بقى على حكم العموم. لأنه كما فهم علة القاعدة، فهم أيضًا علة الاستثناء. والدائر بين المحلين غايته: أن يشارك المخصوص في علته، ويشارك المخصوص منه أيضًا في علته، وهي العلة العامة، فيكون انجذابه إلى المخصوص من وجهين، وانجذابه إلى المخصوص [منه] من وجه واحد. والاعتماد على اجتماع الشبهين أولى.

стр. 668

مثاله: قوله -وقوله الحق-: ﴿الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدةٍ﴾، جعل الزنا علة إيجاب المائة؛ ثم استثنى الإماء فقال: ﴿فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب﴾، فدار العبد بين الأمة المخصوصة، وبين القاعدة، فألحقناه بالأمة: لمشاركته بالأمة: لمشاركته إياها في الرق الذي [هو به ظهر] وجه المصلحة في الاستثناء. وكذلك مهد الشرع قاعدة الربا، ثم استثنى صورة العرايا، وأقام فيها الخرص من أحد انجابين مقام الكيل: لنوع حاجة؛ وجرى ذلك في الرطب: فألحقنا به العنب، وإن كان ينجذب إلى الأصل بعلة التحريم، ولكن انجذب إلى المخصوص بعلة الاستثناء، وهي: الحاجة المخصوصة. ولم تلتحق [به] سائر الفواكه: لأن الخرص هو الذي أقيم مقام الكل؛ والخرص لا جريان له في سائر الفواكه. وكذلك: اقتطع الشرع حكم الطعام عن سائر المغانم، [ثم جوز] التبسط فيه قبل القسمة؛ فألحقنا به علف الدواب: لأن المصلحة

стр. 669

ظهرت في الاستثناء، من حيث [أن الأطعمة] يعسر استصحابها، ويتكرر مسيس الحاجة إليها في كل [وقت و] يوم؛ وقد لا تكون الأسواق قائمة في بلاد الحرب. وهذا المعنى جار في علف الدواب وأظهر. ولم يلحق به سائر العروض: محافظة على القاعدة. وكذلك: اقتطع الكلب عن سائر الحيوانات في إيجاب الغسل من ولوغه سبعًا؛ لاختصاصه بنوع خسة في نظر الشرع، وتمييزه بضرب تغليظ. والخنزير دار بينه وبين سائر الحيوانات. فظهر للشافعي ﵁ -على رأي- الحاقة بمحل الخصوص: لظهور معنى التخصيص، ولمساواة الخنزير الكلب في نظر الشرع في التغليظات. وهذا دون إلحاق العلف بالطعام، [وإلحاق العلف بالطعام] دون إلحاق العبد بالأمة في الزنا. فهذه مراتب مختلفة: في العلم والظن؛ وقد يتطرق إلى هذا الجنس ما يرجع إلى ضبط محل الاستثناء بعلامة حاصرة متضمنة للمصلحة، وإن لم يطلع على وجه المصلحة. كما قررناه في باب الشبه [والطرد]. فهذا ما أردنا أن نذكره في تفصيل هذه القاعدة، بعد أن قدمنا

стр. 670

طرفًا منه في مسئلة تخصيص العلة، ثم ينقدح في هذه الأمثلة نظر: في أن [حكم] العموم نناول محل الاستثناء، وجرى الاستثناء رفعًا ونسخًا لحكم ثابت؟ أو ظهر به أنه لم يندرج تحت العموم، ووقع ذلك خصوصًا؟ وهذا هو الأولى: فإن في النسخ إثباتًا ونفيًا، وفي التخصيص إبقاء على أصل النفي؛ فهما مشتركان في النفي، وهو معلوم، والإثبات غير معلوم. فلا يحكم به من غير أصل. والله أعلم.
следующие страницы →