بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمدُّ للهِ المتفضِّلِ بإنزالِ القرآنِ هدىً للناسِ، وبيِّناتٍ من الهُدى والفُرقان. أنزلَه بأفصحِ لسانٍ، وأوضحِ بيانٍ، وأَسْطَعِ بُرهانٍ، وأقومِ تبيانٍ، وأبلغ حُجَّةٍ، وأبْينِ مَحجَّةٍ. ذا حِكَمٍ بالغةٍ وحُججٍ لامعة. أخبارُه لا تَتعارضُ، وأحكامُه لا تَتَناقضُ، وفوائدُه لا تُعدُّ، وفضائلُه لا تُحدُّ. وجواهرُ بحارهِ لا تُحصَى، ودُرَرُ معانيهِ لا تُستقصَى. عَجزتِ الفُصحاءُ عن معارضتهِ، ونَكصت الألبَّاءُ عن مُناقضتهِ. وكيف لا يكونُ كذلك وهو كلامُ ربِّ العالمين، المنزَّلُ به الروحُ الأمينُ، على قلبِ سيدِ المرسلين، وأفضلِ الأولين والآخرين؛ محمدٍ خاتمِ النبيّين. أرسلَه بآياتهِ، وأيَّدَه بمعجزاتهِ، والكُفرُ قد طَمتْ بحارُه، وزخرَ تيَّارُه. وعُبدتِ الأوثانُ، وأُطيعَ الشيطانُ. فلم يزلْ ﷺ يجاهدُ في اللهِ حقَّ جهاده، ويَدعو إِليه الثَّقَلين من عباده. ويدأبُ في إِيضاحِ السُّبل، ويصبرُ صبرَ أولي العزم من الرسُل، إلى أن أنجزَ اللهُ وعدَه، فعُبد وحدَه، وهزم الشيطانَ وجندَه، وفلَّ شَباتَه وحدَّه، صلى الله عليه، وعلى آلهِ الأطهارِ، وصحابتهِ الأخيارِ، ما تعاقَبَ الليلُ والنهارُ، وسلَّم، وشرَّف، وكرَّم.
أما بعدُ، فإِنَّ علومَ القرآنِ جمَّةٌ، ومعرفتَها مؤكَّدةٌ مهمَّةٌ. ومن جُملتِها المحتاجُ إِليها، والمعوَّلُ في فهمهِ عليها، مدلولاتُ ألفاظهِ الشريفةِ، ومعرفةُ معانيهِ اللطيفة؛ إِذ بذلك يُترقَّى إِلى معرفةِ أحكامهِ، وبَيانِ حلالِه وحرامِه، ومناصي أقوالِه، وإِشارة مواعظهِ وأمثالهِ.
فإنَّه نزلَ بأشرفِ لغةٍ؛ لغة العرب المحتويةِ على كلِّ فنٍّ من العجب.
стр. 2
وقد وضعَ أهلُ العلمِ، رحمهم اللهُ تعالى، في ذلك تصانيفَ حسنةُ، وتآليفَ مُجرَّدةً مُتْقنةً، كـ «غريبِ» الإمام الحَبْر الرّبانيِّ أبي عبيدٍ أحمدَ بنِ الهَرويّ، وكـ «غريبِ» محمدِ بنِ بكر بنِ عُزَيزٍ السِّجستانيّ، وكـ «مفرداتِ الألفاظِ» لأبي القاسم، الراغب الأصبهانيّ. غير أنَّهم لم يُتمُّوا المقصود من ذلك لاختصارِ عباراتِهم، وإيجازِ إِشاراتهم.
على أن الراغبَ، ﵀ قد وسَّعَ مجالَه، وبَسطَ مقالَه بالنسبةِ إِلى مَن تقدَّمَه، وحَذا بهذا الحَذوِ رسمه. غيرَ أنَّه، رحمه اللهُ تعالى، قد أغفلَ في كتابِه ألفاظًا كثيرةً، لم يتكلّمْ عليها، ولا أشارَ في تصنيفِهِ إليها، مع شدَّةِ الحاجة إلى معرفتها، وشرح مَعناها ولُغتِها، مع ذكرِه لبعضِ مواد لم تَردْ في القرآنِ الكريم، أو وَردتْ في قراءةٍ شاذَّةٍ جدًا، كمادَّةِ (ب ظ ر) في قوله تعالى: (واللهُ أخرجَكُم مِن بُظورِ أمَّهاتِكم) [النحل: ٧٨]، وهذه لا يَنْبغي أن يُقرأ بها البتَّةَ.
فممَّا تركَه، معَ الاحتياجِ الكليِّ إِليه، مادةُ (ز ب ن) وهي في قولهِ تعالى: ﴿سَندْعُ الزَّبانيةَ﴾ [العلق: ١٨]. ومادةِ (غ وط) وهي في قوله تعالى: ﴿مِنَ الغائطِ﴾ [المادة: ٦] ومادةِ (ق ر ش) وهي في قولهِ تعالى: ﴿لإيلافِ قريشٍ﴾ [قريش: ١]. ومادة (ك ل ح) وهي في قولهِ تعالى: ﴿كالِحُون﴾ [المؤمنون: ١٠٤]. ومادةِ (هـ ل ع) وهي في قولهِ تعالى: ﴿هلوعًا﴾ [المعارج: ١٩]. ومادة (ل ج أ) وهي في قوله تعالى: ﴿لو يجدونَ مَلجَأً﴾ [التوبة: ٥٧]. ومادةِ (س ر د ق) وهي في قولهِ تعالى: ﴿أحاطَ بِهم سُرادِقُها﴾ [الكهف: ٢٩]. ومادةِ (ح ص ب) وهي في قولهِ تعالى: ﴿حَصَبُ جَهنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨]، ﴿حاصبًا﴾ [الإسراء: ٦٨]. ومادةِ (م ر ت) وهي في قولهِ تعالى: ﴿وماروت﴾ [البقرة: ١٠٢]. ومادةِ (س ف ح) وهي في قوله
стр. 3
تعالى: ﴿أو دمًا مسفوحًا﴾ [الأنعام: ١٤٥]. ومادةِ (ن ض خ) وهي في قولهِ تعالى: ﴿عينانِ نضَّاخَتَانِ﴾ [الرحمن: ٦٦]. ومادةِ (ق د و) وهي مذكورةٌ في قولهِ تعالى: ﴿مُقتدون﴾ [الزخرف: ٢٣]، ﴿فَبِهُداهُم اقْتدِه﴾ [الأنعام: ٩٠]. إِلى غير ذلك ممَّا لستُ بصددِهِ الآنَ.
ولم أورِدْ ذلك -عَلِمَ اللهُ- غضًّا منهُ، ولا استقصارًا له؛ فإِنَّ القرآن العظيمَ مُعجِزُ كلِّ بَليغٍ. وإِنما قصدتُ التَّنبيه على ذلكَ، ومعرفةَ ما هنالك.
فلما رأيتُ الأمرَ على ما وُصفَ، والحالَ كما عُرف، ورأيتُ بعضَ المفسِّرين قد يفسِّرُ اللفظةَ بما جُعلتْ كنايةً عنهُ، كقولِهم في قولهِ تعالى: ﴿والشجرةَ الملعونةَ﴾ [الإسراء: ١٧]. هي أبو جهلٍ. أو بغايتها وقُصارَى أمرِها، وكقولهم في قوله تعالى: ﴿والباقياتُ الصالحاتُ﴾ [الكهف: ٤٦] هي كلماتُ: سبحانَ اللهِ، والحمد لله، ولا إِلهَ إَلا اللهُ، إلى غير ذلك مما ليستْ موضوعةً له لغةً. استخرتُ اللهَ القويَّ، الذي ما نَدمَ مُستخيرُهُ، واستجرْتٌ اللهَ بكرمهِ، الذي ما خابَ مستجيرُه، في أن أحذُوا حذْوَ القومِ ليتُمَّ عليَّ بركتَهم، وأُلحقَ بالحشرِ في زُمرتِهم. فأذكرُ المادةَ -كما ستَعرفُ ترتِيبَهُ- مفسِّرًا معناها. وإن عثرتُ على شاهدٍ من نظمٍ أو نثرٍ أتيتُ له تكميلاً للفائدة. وإِن كان في تصريفها بعضُ غموض أوضحته بعبارةٍ سهلة إِن شاءَ الله. وإِن ذكرَ أهلُ التفسيرِ اللفظة وفسَّروها بغيرِ موضوعِها اللغويِّ، كما قدَّمتُه، تعرَّضتُ إليهِ أيضًا، لأنه والحالةُ هذهِ محطُّ الفائدة.
ورتَّبتُ هذا الموضوعَ على حروفِ المعجمِ بترتيبها الموجودة هي عليهِ الآنَ. فأذكرُ الحرفَ الذي هو أولُ الكلمةِ، معَ ما بعدَه من حروفِ المعجم، إِلى أن ينتهي ذلك الحرف مع ما بعده، وهلمّ جرّا إِلى أن تنتهي، إِن شاءَ الله تعالى، حروف المعجم جميعُها.
ولا أعتمدُ إِلا على أصولِ الكلمةِ دونَ زوائدِها؛ فلو صُدِّرتْ بحرفٍ زائدٍ لم أعتبرْهُ، بل أعتبرُ ما بعدَه من الأصولِ مثلَ: «أنعمتَ» تطالُه من بابِ النونِ لا مِن باب الهمزةِ.
стр. 4
ومثل: «نعبدُ» و «نَستعينُ» يُطلبانِ من بابِ العَينِ لا من بابِ النون. ومثل: «مُكرمٍ» يُطلبُ من بابِ الكافِ لا مِن بابِ الميم. وكذلك لو عَرضَ في المادةِ حذفُ أوَّلها فإِنَّني أعتمدُهُ دونَ ما بعدَه مثل: «يعدُهم» يُطلب من بابِ الواوِ لأنه من الوعدِ، لا منَ العينِ. وكذلك لو عَرضَ فيهِ البدلُ، فإِنني أعتبرُ أصلَه مثل: «إِيمان» من بابِ الهمزةِ لا من بابِ الياءِ، لأنَّها فيه عارضةٌ، إِذ أصلُه «إِإِمان» كما ستعرفُه لمن شدّ. . . (١) من علمٍ أسموهُ إِعرابًا وتصريفًا، فهو الذي. . . (٢)
وأما مَن عداهُ فلا ينتفعُ منهُ إلا بمجردِ تفسيرِ لفظٍ نحو مَعرفتهِ أنَّ «الأبَّ» هو المرعَى و «الزَّبانية» هم الأَعوانُ، إِلى نظائرِ ذلك. وإذا كان الحرفُ مُفردًا، وقد جاءَ لمعنى، كهمزةِ الاستفهامِ، وباءِ الجر ولامهِ، أبدأُ بهِ ثم أذكرُهُ مع غيرِه، إلى آخر الحروفِ كما قدَّمتهُ نحوَ: «أب، أبدًا».
وسميتهُ بـ عمدةِ الحفاظِ في تفسيرِ أشرفِ الألفاظ. وعلى اللهِ الكريمِ أعتمدُ، وإليهِ أفوِّضُ أمري وأستندُ. فإِنه نعمَ المولى، ربُّ الآخرة والأُولى.
стр. 5
باب الهمزة المفردة
ويطلق عليها الألف
فالألف تارةً تكونُ عبارةً عن الحرفِ الذي هو همزةٌ، وتارةً عن حرفِ المدِّ واللِّينِ، وذلك كوسطِ «قال» ولا غرضَ لنا فيها لأنها لا يُبتدَأُ بها. وإِنما صُورتِ الهمزةُ ألفًا في الخطِّ لأنها لا تقومُ بنفسها لإبدالها واوًا في الضمِّ وألفًا في الفتح وياءً في الكسر، نحو: مُومن، وراس، وبِير. وبعضُهم يصورُه صورةَ عَينٍ صغيرةٍ، نحو «ء»، إِذا عُلم ذلك.
فالهمزةُ تكون للاستفهامِ ولها أخواتٌ، وهي أمُّ الباب. ولذلك تنفردُ بأحكامٍ بيَّنتُها في مواضعِها. ومعناها فيه لطلبِ التصديق نحو: أزيدٌ قائمٌ؟ أو التصوُّرِ نحو: أدبسٌ في الإناءِ أم عسلٌ؟ وقد يقعُ الاستفهامُ بها إنكارًا وتَعريضًا وتَوبيخًا نحو: ﴿أأنتُم أنشأتُم شَجرتَها﴾؟ [الواقعة: ٧٢]. وقولِ عامرٍ: «أغُدَّةٌ كغدَّةِ البعيرِ وموتًا في بيتِ سَلوليَّةٍ».
وقوله: [من الطويل].
١ - أفي السِّلمِ أعيارًا جَفاءً وغِلظةً ... وفي الحربِ أمثالَ النساءِ العوارك
وبعضُهم يقولُ: الهمزةُ للاستخبارِ، ليعمَّ الاستفهامُ والإنكارُ والتَّبكيتُ والنفيُ والتسويةُ، نحو: ﴿أجَزعْنا أم صبَرْنا﴾ [إبراهيم: ٢١]. وإذا دَخلتْ على نفيٍ قرَّرتْه كقوله
стр. 6
تعالى: ﴿أليسَ اللهُ بكافٍ عبدَهُ﴾ [الزمر: ٣٦]. قال الراغبُ: «وهذه الألفُ متى دخلتْ على الإثباتِ تجعلُه نَفيًا. وإذا دخلتْ على النفس تجعلُه إثباتًا، لأنه يصيرُ معه نَفيًا يحصلُ منه إِثباتٌ».
- وتكونُ الهمزةُ للنداءِ لكنْ للقريبِ خاصةً، ومنه عندَ بعضِهم: ﴿أمَّنْ هوَ قانتٌ﴾ [الزمر: ٩]، ولها أخواتٌ.
- وتكون للمضارَعةٍ، وتدلُّ على المتكلم وحدَه نحو: ﴿أسمعُ وأَرَى﴾ [طه: ٤٦].
- وتكونُ للتَّعديةِ نحو: ﴿كما أَخْرَجَك ربُّكَ﴾ [الأنفال: ٥]. فيصيرُ المفعولُ معها فاعلاً.
- وتكونُ ألفَ قطعٍ وألفَ وصلٍ، والفرقُ بينهما أنَّ ألفَ القطعِ تَثبتُ ابتداءً ودَرْجًا نحو: ﴿أَنزِلْ علينا مائدةً﴾ [المائدة: ١١٤]. والأخرى تَثبتُ ابتداءً لا دَرْجًا نحو: ﴿ابْنِ لي عندَكَ بيتًا﴾ [التحريم: ١١].
- ثم إنَّ ألفَ الوصل تدخلُ على الحرفِ والاسمِ والفعلِ، فتدخلُ على حرفٍ واحدٍ، وهو اللامُ للتعريفِ على رأيِ سيبويه. وتتصلُ من الأسماء بعشرةٍ: اسمٍ، واسْتٍ، وابنٍ، وابنةٍ، وابنمٍ، وامرئٍ، وامرأةٍ، واثنين، واثنتينِ، وأيمنٍ، وبكلِّ مصدرٍ لفعلٍ زائدٍ على ثلاثةِ أحرفٍ صُدِّرَ بهمزةٍ نحو: الانطلاق، والاستخراج، وهي في جميعِ ذلك مكسورةٌ، إلا معَ اللامِ وأيمن. ومُتصلٍ من الأفعالِ بكلِّ أمرٍ من ثلاثيٍّ سُكنتْ فاؤهُ بعدَ حرفِ
стр. 7
المضارعةِ، نحو: اقبَلْ، واضرِبْ، واشْرَبْ. فإن ضُمَّ ثالثُه ضمةً لازمةً ضُمتْ. وإن فُتح أو كُسرَ كسرةً لازمةً كُسرتْ، نحو: اغزي يا هندُ، وارمُوا يا زيدون، وبكلِّ ماضٍ زائدٍ على أربعةِ أحرفٍ صُدرَ بهمزةٍ، نحو: انطلقَ واقتدرَ. ولا تكونُ فيه إلا مكسورةً.
وما عدا هذه الأنواعِ فلا تكونُ الهمزةُ فيه إلا همزة قطعٍ.
وقد تُقطعُ ألفُ الوصلِ كقوله: [من الطويل]
٢ - إذا جاوزَ الإثنينِ سِرٌّ فإنَّهُ ... بِنَثٍّ وتكثيرِ الوُشاةِ قَمِينُ
وتوصلُ ألفُ القطع كقولهِ: [من الكامل]
٣ - إِنْ لم أقاتلْ فالسويُّ تَرفَّعا
فصل الألف مع الباء
أب ب:
الأبُّ من قوله تعالى: ﴿وفاكهةً وأَبًّا﴾ [عبس: ٣١] هو المرعَى مُطلقًا. وقالَ شَمِرٌ: مَرعى السَّوائمِ. وأنشدَ: [من المتقارب]
٤ - فأَنْزلْتَ ماءً منَ المُعْصراتِ ... فَأَنْبَتَّ أَبًّا وغُلْبَ الشجَرْ
وقيلَ: هو للبهائم بمنزلة الفاكهةِ للناسِ. هو المرعَى المتهيِّئِ للرعيِ والجزِّ، من: أبَّ لكذا أي تَهيَّأ، أبًّا وأبابةً وأبابًا، وأبَّ إِلى وطنِه أي نَزعَ إِليه وتَهيَّأ لقصدِه. قال الأعشَى: [من الطويل]
стр. 8
٥ - أخٌ قد طوَى كَشْحًا وأبَّ ليذْهَبا
وأبَّ لسيفهِ: تَهيَّأ ليبتَدِرَهُ. وإِبّانُ الشيءِ: زَمنُه المُنْتهي لفِعلهِ، فهو فِعْلانُ منه. وقيلَ: هو التِّبنُ خاصةً، قاله الضحاكُ وأنشدَ [من المتقارب]
٦ - فما لهمُ مرتعٌ للسَّوا ... مِ والأبُّ عندهمُ يُعذَرُ
ويُروى عن ابنِ عباسٍ: وقيلَ: كلُّ نباتٍ على وجهِ الأرض. ومنه قولُ ابنِ عبّاسٍ: «الأبُّ: ما تُنبتُ الأرضُ ممّا تأكلُ الناسُ والأنعامُ». وعلى هذا فيكونُ مِن ذكرِ العام بعدَ الخاص. وقالَ الكلبيُّ: هو كلُّ نباتٍ سوى الفاكهةِ. وقيلَ: الفاكهةُ رَطبُ الثمارِ، والأبُّ يابسها، وقيلَ: ما نأكلُه حَصيدًا، وما تأكلُه البهائمُ أبٌّ. وأنشَد قولَ الشاعرِ يمدحُ سيدَنا رسولَ الله صلى الله تعالى عليه وسلم: [من الطويل]
٧ - لهُ دعوةٌ ميمونةٌ رنَّحها الصَّبا ... بها يُنبتُ اللهُ الحصيدةَ والأبّا
وقيلَ: إِنَّما سُمي أبًّا لأنه يَؤُبُّ.
وعن أبي بكرٍ الصديقِ، ﵁، وقد سُئلَ عن تفسيرِ الأبِّ فقال: «أيُّ سماءٍ تُظلُّني، وأيُّ أرضٍ تُقلُّني، إِذا قلتُ في كتاب اللهِ ما لا أعلمُ؟». وعن عمرَ ﵁ حين تلاها قال: «كلُّ هذا عرفناهُ، فما الأبُّ؟». ثم رَفع عصًا كانت بيده فقال: «هذا لعَمْرُ اللهِ التكلُّفُ، وما عليكَ يا بنَ أمِّ عمرَ أما تعرفُ ما الأبُّ». ثم قالَ: «ما تَبيَّنَ لكم من هذا الكتاب فاتَّبعوهُ، وما لا فدَعوهُ». يعني ﵁ في ما لا يتعلقُ به حكمٌ أو فائدةٌ جليلةٌ. فإنا قد عرَّفْنا الأبَّ: نبتٌ في الجملة. فقالَ عمرُ ﵁: «لا يضرُّ الجهل بمعرفتهِ على التعيين، وهو كما قال ﵁. وهذا بخلاف الكَلالةِ
стр. 9
ونحوِها لتعلُّقِ الأحكامِ بها.
«والأبُّ: لغةٌ في الأبِ الوالدِ. قيل: أبدلوا من الواوِ المحذوفة حَرفًا يجانسُ العينَ. ومن ذلك قولُهم: استأبَبْتُ فلانًا أي اتَّخذتُه أبًا» ومثلُه: أخٌ بتشديدِ الخاءِ.
أب ت:
لم يَرِدْ منه إلا نحو: ﴿يا أَبَتِ﴾ [مريم: ٤٢]. والتاءُ ليستْ بأصلٍ، وإِنما هي عِوضٌ عن ياءِ المتكلِم، والأصلُ: يا أبي. وكذلك: يا أمَّتِ، والأصلُ: يا أمي. ولم تُعوَّضِ التاءُ عن ياءِ المتكلم، إلا في هاتينِ اللفظتين في النداءِ خاصةً. فلو قلتُ: جاءني أَبَتِ وأُمَّتِ لم يجُزْ. فذكري لهذه اللفظةِ من بابِ التجوُّز؛ وإلا فالتاءُ ليست من أصولها في شيءٍ، ولكن لم أجدْ موضعًا أنسبَ لذكرها من هذا.
ويجوزُ فيها الحركات الثلاثُ. وقد قُرئَ بالكسرِ والفتحِ في السبع. وإثباتُ الألفِ معها شاذٌّ أو ضرورةٌ، نحو قولِه: [من الرجز]
٨ - يا أبتا علَّك أو عساكا
ومعَ الياءِ ممتنعٌ في المشهورِ، خلافًا للهَرويِّ، وهي تاءُ تأنيثٍ، ولذلك تُبدلُ في الوقفِ هاءً على اختلافٍ بينَ القراءِ في ذلك، كما أوضحناهُ في «العقد النَّضيد».
стр. 10
والفرّاءُ: «الهاءُ فيها رُخصةٌ، فكثرتْ في الكلام حتى صارتْ كهاءِ التأنيثِ، وأدخَلوا عليها الإضافةَ».
أب د:
الأبدُ: الزمنُ الطويلُ الممتدُّ غيرُ المنجزئِ، فهو أخصُّ منَ الزمانِ. قالوا: ولذلك يقال: زمانُ كذا، ولا يقالُ: أبدُ كذا. ويقالُ: أبَدٌ آبِدٌ وأبيدٌ على المبالغةِ أي دائمٌ؛ قال تعالى: ﴿خالدين فيها أَبدًا﴾ [النساء: ٥٧]. أي زمانًا لا انقضاءَ لآخرهِ. قال النابغةُ الذبيانيُّ: [من البسيط]
٩ - أقْوَتْ وطالَ عليها سالفُ الأبدِ
«وحقُّه ألاّ يُثنَّى ولا يُجمَع لاستغراقهِ الأزمنةَ كلَّها. على أنه قيلَ: آبادٌ، كأنهم قصدوا به أنواعًا كما يقصدُ باسمِ الجنسِ ذلك. وقيلَ: إنَّ آبادَ مُولَّدٌ ليس من لغةِ العرب» ومن معنى الأبدِ قالوا للوحشِ أوابدِ جمع أُبَّدٍ لبقائها دهرًا طويلاً. وتأبّدَ الشيءُ: بقيَ دهرًا طويلاً. وتأبَّدتِ الدارُ: خَلتْ. وذلك أنها لخلوِّها وطولِ بقائها تحلّها الأوابدُ الوحشياتُ. فجعلَ ذلك كناية من خلوِّها. «وتأبَّد البعيرُ: توحَّشَ فصارَ كالأوابدِ»، ومنه الحديثُ: «إنَّ لهذه البهائمِ أوابدَ كأوابدِ الوحشِ». يقال: أبَدَتِ الوحوشُ تأبُدُ، وتأبِدُ، واستُعيرَ من ذلك: الآبدُة، وهي الكلمةُ أو الخَصلةُ التي يُنفَر منها ويُستوحشُ، فيقولون: جاءَ فلانٌ بآبدةٍ، ومن ذلك قولُهم أيضًا: تأبَّد وجهُ فلانٍ، أي توحَّش فصار يُنفَرُ منه، ومعناهُ: أَبَدَ. وقيلَ: أَبِدَ بمعنى غضِبَ، لأن الغضبَ يلازمُه ذلك غالبًا.
стр. 11
أب ر:
إِبراهيمُ: اسمٌ أعجمي، وفيه لغاتٌ: إِبراهيمُ، وهو المشهورُ، وإِبراهامُ، وقُرئَ بهما في السبعِ، وإبرَهَم بحذفِ الألفِ والياءِ.
أب ق:
الإِباقُ: هربُ العبدِ من سيدهِ. ولما كان الخلقُ كلُّهم عبيده قالَ تعالى في حقِّ عبدهِ يونسَ ﷺ : ﴿إِذْ أَبَقَ إِلى الفُلكِ﴾ [الصافات: ١٤٠] إِذْ للهِ أن يقولَ ما يشاءُ. ولا يجوزُ لنا أن نقولَ: أبَقَ نبيٌّ، إنما ذلك للهِ تعالى. يقال: أبِقَ العبدُ يأبَق، بكسرها. وأبَق يأبِق بالعكس فيهما، فهو آبِقٌ، والجمعُ أُبَّاق، والمصدرُ الإِباقُ، وتأبَّق الرجلُ: تشبَّه به في الاسْتِتار. وقالوا في قولِ الشاعرِ: [من البسيط]
١٠ - قد أُحكمتْ حَكماتِ القِدّ والأَبَقا
إِذِ الأبَقُ: القِنَّبُ وقالَ المبرِّدُ: آبَقَ: تباعدَ، ومنه غلامٌ آبِقٌ. وقيلَ: خرجَ سرًّا منَ الناس. وقد قالَ الحكيمُ التِّرمذيُّ ما لا يجوزُ أن يُقالَ في حقِّ نبيٌّ؛ ذكرتهُ للتَّنبيهِ على فسادِه؛ قال: «سمَّاه آبِقًا لأنَّه أبقَ عنِ العبودية، وإِنما العبوديةُ تركُ الهوى وبذلُ النفسِ عن أمورِ الله. فلمّا لم تبذلِ النفسُ عندما اشتدَّتْ عليه العزمةُ من الملكِ وآثرَ هواهُ لزمَه اسمُ الآبقِ، وكانت عزْمةُ المُلكِ في أمرِ اللهِ لا في أمرِ نفسهِ، وبحظِّ حقِّ اللهِ لا بحظِّ حقِّ نفسهِ. فتحرَّى يونسُ بنُ متَّى ﵇ فلم يُصبِ الصوابَ الذي عندَ الله فسمّاهُ آبقًا ومُليمًا انتهى. ولقد أساءَ في هذه العبارةِ جدًا، يغفر الله لنا وله، وهذه زلَّةٌ فاحشةٌ. وأما القصةُ التي يذكرُها المفسرون فقد نبّهتُ عليها في التفسير وذكرتُ هناك ما يَنبغي ذكره.
стр. 12
أب ل:
قال تعالى: ﴿طيرًا أبابيلَ﴾ [الفيل: ٣] هذا من صيغِ التكسيرِ التي لم يُسمعْ مفردُها، ومثلُه عباديدُ، وشماطيطُ، وأساطيرُ. وقيلَ: بل لها واحدٌ من لفظتها، وكأنه قياسٌ لا سَماعٌ. فقيلَ: إِبِّيلٌ، وقيلَ: إِبَّولٌ مثلُ: عجوْل وعَجاجيل. وقيلَ: إِبَّالة.
وظاهرُ كلامِ العُزَيزيِّ أنَّ هذهِ المسألةَ مسموعةٌ؛ فإِنه بعدَ ذكرِه إياها، قالَ: «ويقالُ هذه أجْمعٌ لا واحدَ لها»، والمختارُ قولُ غيرِه، ولذلك يُنسبُ إِليها فيقالُ عبَاديديٌّ وأبابيليٌّ.
وحكى الرُّؤاسيُّ، وكانَ ثقةً، أنه سمعَ إِبّالةَ مُثقَّلاً. وحكى الفرَّاءُ: إِبَالة مخفَّفًا قال: وسمعتُ بعضَ العربِ يقولُ: «ضِغْثٌ على إِبَّالةٍ» أي حَطبٌ على حطبٍ، وهو مشكلٌ من حيثُ ظهورُ الياءَين في الجمع، ولو كان مخفَّفًا لم تردْ في الجمع ياءَين. قال: ولو قالَ إِيبالة كان صوابًا مثلُ دينار ودنانيرٍ. قلتُ: دينارٌ أصلُه دِنّارٌ، ولذلك قيلَ: دَنانيرُ. وإنما أُبدلَ أحدُ المثلين حرفَ علةٍ تخفيفًا. يقولُ: فكذلك هذا، ومثلُه: قيراط وقراريط وديوان ودواوين. ومعنى ﴿طيرًا أبابيل﴾ أي «جماعاتٍ في تَفرِقةٍ حَلْقة، حلْقةً».
قال الراغبُ: «مُتفرقةً كقطعانِ إِبلٍ، واحدُها إِبيلٌ». فرجعَ بها إِلى لفظِ الإِبل.
стр. 13
وقريبٌ من هذا ما حُكي عن إسحاقَ بنِ عبدِالله بنِ نوفل: الأبابيلُ مأخوذٌ من الإبلِ المؤبَّلة، وهي الأقاطيعُ. وعن ابنِ عباسٍ ومجاهد: متتابعةٌ بعضُها في إِثرِ بعضٍ. وقيلَ: أبابيل: متفرقةً تجيءُ من كلِّ ناحيةٍ؛ من هُنا ومن هُنا. قاله ابنُ مسعودٍ وابنُ زيدٍ والأخفشُ. ومن مجيءِ ﴿طيرًا أبابيلَ﴾ قولُه: [من الرجز]
١١ - ولعبت طيرٌ بهمْ أبابيلْ ... فصُيِّروا مثلَ كعصفٍ مأكولْ
وقد وصفَ الأبابيلَ بكونهِ منَ الطيرِ تارةً في قولِ الأعشى: [من الطويل]
١٢ - طريقٌ وجبّارٌ رِواءٌ أصولُهُ ... عليه أبابيلٌ من الطيرِ تَنْعَبُ
وأضيفَ إليه أخرى في قولِ الآخرِ: [من الطويل]
١٣ - تَراهمْ إلى الدَّاعي سِراعًا كأنهمُ ... أبابيلُ طيرٍ تحتَ دَجنٍ تَخرَّقُ
وفي هذين دليلٌ على أن هذه اللفظةَ خاصةٌ بالطير. وقد جاءَ ما يشهد بخلافِ ذلك. قال الشاعرُ: [من البسيط]
١٤ - كادتْ تهزُّ من الأصواتِ راحلتي ... إِذ سالتِ الأرضُ بالجردِ الأبابيلِ
أي بالخيلِ الجردِ المتتابعةِ.
والإبلُ: اسمُ جمعٍ لا واحدَ لهُ من لفظهِ. مفردُه: جملٌ أو ناقةٌ. وقال الراغب: «الإِبلُ يقعُ على البُعرانِ الكثيرةِ». وتقييدُه بالكثرةِ غيرُ مرادٍ، إِذ اسمُ الجمعِ كالجمعِ في
стр. 14
صدقه على ثلاثةٍ فأكثرَ. وقولُه تعالى: ﴿أفلا ينظرُونَ إِلى الإِبِلِ كيفَ خُلِقَتْ﴾ [الغاشية: ١٧]. قيلَ: هي النَّعمُ المعروفةُ. وعن المبرِّد: هي السحائبُ؛ حكاها الماورديُّ وغيرهُ. وإلى ذلك ذهبَ المبردُ. قال الثعلبيُّ: لم أجدْه في كتبِ الأئمةِ. قلتُ: قد حكى ذلك قبلَه الأصمعيُّ. وقال أبو عَمرِو بنُ العلاءِ: مَن قرأ الإِبلَ بالتخفيف عنَى به البعيرَ، ومَن قرأَ بالتَّثقيل عَنى بها السَّحابَ التي تحملُ ماءَ المطرِ. قال الراغبُ: «فإنْ لم يكن ذلك صحيحًا فعلى تشبيهِ السحابِ بالإبلِ وأحوالهِ». وإنما ذكرهم بالإِبل وإِن كان غيرُها من الحيواناتِ أعجبَ منها كالفيل والزرافة، لأن العربَ لم تألفْه، ولأنَّ فيها منافعَ لم تجتمعْ في غيرها، فإنها حلوبةٌ ركوبةٌ حَمولةٌ مأكولةٌ.
وقد سُئل الحسنُ عن ذلك فأجابَ بأن العرب بعيدةُ العهدِ بالفيل، قال: ولأنَّ الفيلَ خنزيرةٌ لا يُؤكل لحمُها، ولا يُركب ظهرُها، ولا يُحلبُ درُّها. وأيضًا إِنَّ أصغر الآدميين يَجُرُّ الأباعرَ الكثيرةَ فتطيعهُ.
ويقالُ: «أبَلَ الوحشيُّ يأبِلُ أبُولاً، وأَبِلَ يأبَلُ أَبلاً: أجزأَ عن الماءِ تشبيهًا بالإِبل في صبرِها عنه». قاله الراغبُ، وقالَ الهرويُّ: أبلَتِ الإِبلُ وتأبَّلتْ اجتزأتْ بالرُّطبِ عن الماء. وتأبَّل الرجلُ عن امرأتهِ: بعُدَ عنها من ذلك لأنه يجزِئُ بصبرِه عنها، وفي الحديثِ: «تأبَّلَ آدمُ ﵇ على حواءَ بعدَ مقتل ابنهِ» أي توحَّش عنها، وتركَ غِشيانَها.
«وأبَّل الرجلُ: كثُرت إِبلُه. ورجلٌ أَبِلٌ وآبِلٌ: حسنُ القيامِ على الإِبل. وإِبلٌ مُؤبَّلةٌ: أي مجتمعةٌ. والإِبالةُ: الحزمةُ من الحطبِ تشبيهًا بذلكَ». ويقالُ في النسب: إِبَليّ بفتح الباء، ويقالُ: إِبْلي بسكون الباء. ولم يجئْ من الأسماءِ على «فِعِل» إلا: إِبلِ، وإِبد،
стр. 15
وإِطِل. وقد زادَ بعضُهم ألفاظًا تحريرُها في غيرِ هذا الموضع.
أب و:
أبٌ: أصلُه أبَوٌ، حُذفت لامُه اعتباطًا. وله أخواتٌ، ويسمى منقوصًا غيرَ قياسيٍّ، والأشهرُ إِعرابُه بالحروفِ، وقد يُقصرُ. ومنه: [من السريع]
١٥ - إِنَّ أباها وأبا أباها
أو يُنقَصُ، ومنه في المَثَل: [من الرجز]
١٦ - بأَبِهِ اقتدَى عديٌّ في الكرمْ ... ومَنْ يشابِهْ أبَهُ فما ظَلَمْ
وقد تُشدَّدُ بَاؤه كما تقدم، ويُكسرُ على آباء، ويصحَّح على أبُونَ وأبِينَ. قال: وأشبهَ فعلُه فعلَ الأنبياءِ. وقُرئ: (وإِلهَ أبيك إِبراهيم. . .) [البقرة: ١٣٣]. والمصدرُ الأبوَّة، وهو أحدُ المصادرِ التي أُخذتْ من الأسماء، ومثلُها النُّبوَّةُ، والفُتوَّةُ، والأخوَّة. والأبوَّة أيضًا جمٌ كالأُبولة.
والأبُ: الوالدُ، وكلُّ مَن نُسبَ اتِّخاذِ شيءٍ، أو إِصلاحهِ، أو ظهورهِ فهو أبٌ له.
стр. 16
ومنه قيلَ في حقّ النبيِّ ﷺ إِنه أبو المؤمنين وفي بعض القراءاتِ: (وأزواجُه أمهاتُهم) [الأحزاب: ٦] «وهو أبٌ لهم». فأما قولُه تعالى: ﴿ما كانَ محمدٌ أَبَا أحدٍ من رجالِكُمْ﴾ فنفيُ الولادةِ وتَنبيهٌ على التَّبنِّي لا يَجري مَجرى البنوَّةِ الحقيقيةِ، وذلك حينَ قالوا: كيفَ تزوَّجَ امرأة زيدٍ وكان يَتبنّاه؟ وقولُه في قولهِ: ﴿اشكُرْ لي ولوالديك﴾ [لقمان: ١٤] قيلَ هما أبو الولادة وأبو التعليم. وفي قوله: ﴿إِنَّا وجَدْنا آباءَنا على أُمةٍ﴾ [الزخرف: ٢٢] قيلَ: مُعلمينا، بدليل ﴿أطَعْنا سادَتَنا وكُبَراءَنا﴾ [الأحزاب: ٦٧]. وفي الحديثِ أنَّه ﵊ قال لعليٍّ: «أنا وأنتَ أبَوَا هذه الأمة» وصدقَ ﷺ . وعليه حُملَ قولُه ﵊: «كلُّ سَببٍ ونَسبٍ مُنقطعٌ يومَ القيامةِ إِلا سَببي ونَسبي».
وأبو الحرب: لمهيِّجها. وأبو عُذْرتِها: لمن افتضَّ بِكارتَها. وأبو الأضياف: لتفقُّدهم والقيام بأمرهم. ويقالُ: أبَوتُ زيدًا أَابوهُ، إِذا كنتَ له بمنزلةِ الأبِ. ومنه: فلانٌ أبو همَّتهِ، أي يتفقَّدُها الأبِ. ويطلقُ على الجدِّ؛ فقيلَ حقيقةً وقيلَ مجازًا وهو الظاهرُ.
وعلى العمِّ والأمِّ والخالةِ، ولكنْ بالتغليب، فيقالُ أبوهُ. وقيلَ في قولهِ تعالى: ﴿ورَفَعَ أبويه على العرشِ﴾ [يوسف: ١٠٠] إِنهما أبوه وخالته، وقيلَ: أخي أمَّه. قال تعالى: ﴿آبائك إِبراهيم وإِسماعيلَ وإِسحاقَ﴾ [البقرة: ١٣٣] وإِبراهيمُ جدٌّ ليعقوبَ وإِسماعيلُ عَمُّهُم.
стр. 17
أب ي:
قال تعالى: ﴿إِلا إِبليسَ أبَى﴾ [البقرة: ٣٤] و ﴿وتابَى قلوبُهم﴾ [التوبة: ٨].
والإِباءُ: شدةُ الامتناع، فهو أخصُّ من مُطلقِ الإِباء؛ إِذ كلُّ إِباءٍ امتناعٌ من غيرِ عكسٍ.
وبعضُهم يقولُ: الامتناعُ، ومرادُه ذلك لكونهِ في قوةِ النفيِ ساغَ وقوعُ الاستثناءِ، المفرَّغ بعدَه. قال تعالى: ﴿ويأبى اللهُ إِلا أن يُتمَّ نورَهُ﴾ [التوبة: ٣٢]، لأنه في قوةِ تمنُّعٍ. وشذَّ مجيءُ مضارعِه على يأبَى بالفتح؛ إِذ قياسُه يأبي بالكسر، كأتَى يأتي، ورمَى يرمي.
والذي حسَّن ذلك كونُ الألفِ حرفَ حلقٍ. ومثلُه قَلى يَقلَى، على لُغيَّةٍ. والأفصحُ يقلي بالكسر. . قال: [من الطويل]
١٧ - وتَرمينَني بالطَّرفِ أيْ أنتَ مذنبٌ ... وتَقلينَني، لكنَّ إِياكِ لا أَقلي
ورجلٌ أبيٌّ، من ذلك فعيلٌ من أَبَى يأبَى، أي ممتنعٌ من تحمُّل الضَّيم. قال: [من الطويل]
١٨ - ولسنا إِذا تأبون سِلمًا بمُذْعِني ... لكم، غيرَ أنّا إِنْ نُسالمْ نَسلمِ
أي ممتنعون.
وفي الحديث: «كلُّكم يدخلُ الجنةَ إلا من أبَى بعيرُه»، أي امتنعَ من تَعاطي أسباب الدخولِ. قال الراغبُ: أبتِ العنزُ تأبى إِباءً، وتيسٌ آبى. وعنزٌ أبواءٌ إِذا أخذَه داءٌ من شربِ ماءٍ فيه بَولُ الأَرْوَى، فيمنعُه من شربِ الماءِ، ويَنبغي أن تكونَ الواوُ في «أبو» بدلاً من الياء، لأنَّ المادةَ في ذواتِ الواوِ لا الياءِ.
стр. 18
فصل الألف والتاء
أت ي:
الإِتْيانُ: قيل: هو المجيءُ مطلقًا، وقيل: بسهولةٍ. ومنه قيلَ للسَّيلِ المارِّ على وجهه: أَتيٌّ وأَتاوِيٌّ. وأنشدَ للنابغة: [من البسيط]
١٩ - خَلَّتْ سَبيلَ أَتيٍّ كان يَبسُهُ
وقيلَ: سَيلٌ أتيٌّ جاءَ ولم يَجئْك مطرهُ. ويقالُ: أتَّيتُ الماءَ بالتشديد أي أصلحتُ مَجراهُ حتى يجريَ إِلى مقاصدهِ. وفي حديثِ ظَبْيانَ الوافدِ وقد ذكر ثمودَ وبلادَهم فقالَ: «وأتَّوا جَداولَها» أي سهَّلوا طريقَ الماءِ إليها. وقيلَ للغريبِ: أتاويٌّ، تشبيهًا بذلك، وفي الحديث: «إنَّما هو أَتيٌّ فينا» وفي حديثِ عثمانَ رضي الله تعالى عنه: «إِنّا رجلانِ أتاويّان» ويعبَّرُ به عن الإِعطاءِ، قال تعالى: ﴿آتيناهُم مُلكًا﴾ [النساء: ٥٤] ﴿وآتَينا داودَ زَبورًا﴾ [النساء: ١٦٣]. وقُرئَ: ﴿آتوني زُبَرَ الحَديدِ﴾ [الكهف: ٩٦]. بالمدّ والقصرِ، أي أعطوني أو جيئوني. الإِيتاء: خُصَّ بدفْعِ الصَّدقةِ في القرآن دونَ الإِعطاءِ. قال تعالى: ﴿ويُؤتُون الزَّكاةَ﴾ [الأعراف: ١٥٦]. ويقالُ: أرضٌ كثيرةُ الإِتاءِ، أي الرَّيعِ. والإتاوةُ: الخراجُ. ويُسندُ الإِتيانُ للباري تعالى، كما أُسندَ إِليه المجيءُ على معنىً يليقُ بجلالهِ، أو على حذفِ مضافٍ، كقولهِ: ﴿أو يأتيَ أمرُ ربِّكَ﴾ [النحل: ٣٣] كما صرَّح به في قولهِ: أتى أمرُ اللهِ﴾ [النحل: ١]. وكذا ﴿فأتَى اللهُ بُنيانَهُم﴾
стр. 19
[النحل: ٢٦]. أي بأمرِه.
وقولُه: «أتى»، بصيغة الماضي ليخصَّ الوقوعَ، فكأنَّه قد أتى ووقعَ. وقال نِفْطويه: تقولُ: أتاكَ الأمرُ، وهو متوقَعٌ بعدُ، أي أتى أمرُ الله وعدًا فلا تستعجلوه وقوعًا. وقال ابنُ الأنباريِّ في قوله: ﴿فأتى اللهُ بنيانَهم﴾: فأتى اللهُ مكرَهُم من أجلهِ، أي عادَ ضررُ المكرِ عليهم. وهل هذا مجازٌ أو حقيقةٌ؟ والمرادُ به نمرودُ وصَرْحُه خلافٌ.
ويعبَّر بالإتيانِ عنِ الهلاكِ؛ قال تعالى: ﴿فأتاهُمُ اللهُ من حيثُ لم يُحتَسبِوا﴾ [الحشر: ٢]. ويقال: أُتِيَ فلانٌ من مَأمنهِ، أي جاءَه الهلاكُ من جهةِ أمْنه. وقولهُ: ﴿فآتَتْ أُكُلَها﴾ [البقرة: ٢٦٥]. أي أعطتْ، والمعنى: أثمرتْ ضِعْفَيْ ما يُثمرُ غيرُها من الجنان.
وقوله: ﴿وآتاهُم تَقْواهَم﴾ [محمد: ١٧]. أي أعطاهم جزءَ اتِّقائهم. وقولُه: ﴿إلى الهُدى ائْتِنَا﴾ [الأنعام: ٧١] أي بايعْنا على ملَّتنا. وقوله: ﴿بأتِ بصيرًا﴾ [يوسف: ٩٣]. أي بَعد، كقولهِ: ﴿فارتَدَّ بَصيرًا﴾ [يوسف: ٩٦].
والمِيتاءُ من قولهم: طريقٌ ميتاءٌ من ذلك، فهو مِفعال من الإِتْيان. وفي الحديث: «لولا أنه طريقٌ ميتاءٌ لحزنَّا عليكَ يا إِبراهيمُ»، أي أن الموتَ طريقٌ مسلوكٌ. وما أحسنَ هذهِ الاستعارةَ وأرشقَ هذه الإشارةَ وقال شمرٌ: ميتاءُ الطريقِ ومبدؤهُ: مَحجَّتُه. وفي الحديثِ أيضًا: «ما وجدتَ في طريقٍ ميتاءٍ فعرِّفْهُ سَنَةً». والإِتيانُ: يقالُ للمجيءِ بالذاتِ وبالأمرِ والتدبيرِ، وفي الخيرِ والشرِّ. ومن الأولِ قولُه: [من المتقارب]
стр. 20
٢٠ - أَتَيتَ المروءةَ من بابِها
وقولُه: ﴿يأتينَ الفاحِشةَ﴾ [النساء: ١٥]. أي يتلبَّسون بها. فاستعمالُ الإتيانِ هنا كاستعمالِ المجيءِ في قولهِ: ﴿لقد جئتِ شَيئًا فَرِيًّا﴾ [مريم: ٢٧]. ويُكنى بالإِتيانِ عن الوطْءِ. ومنه: أتَى امرأته. وقولُه: ﴿أتأتُون الذُّكْرَانَ﴾ [الشعراء: ١٦٥] ﴿أئِنَّكُم لتأتونَ الرِّجالَ﴾ [النمل: ٥٥]. من ذلك، وهو من أحسنِ الكنايات.
ويقالُ: «أتَيتُه وأَتَوْتُه. ومنه يقالُ للسِّقاء إذا مُخِضَ وجاءَ زُبْدُه: قد جاءَ أَتْوُهُ.
وحقيقتُه: جاءَ ما مِن شأنِه أن يأتيَ منهُ، فهو مصدرُ معنى». قالوا: «وكلُّ موضعٍ ذُكرَ في وصفِ الكتاب «آتَينا» فهو أبلغُ من كلِّ موضعٍ ذُكير في وصفهِ «أوتوا»، لأنَّ «أُوتوا» قد يقالُ في مَن أُوتيَ، وإِن لم يكن معَه قَبولٌ. و «آتَينا» يقالُ في مَن كانَ معَه قبول».
وقولُه: ﴿فلنأتيَّنهُم بجنُود﴾ [النمل: ٣٧]: فلنجيئنَّهم. وقولُه: ﴿كانَ وَعْدُهُ مأتيًّا﴾ [مريم: ٦١] بمعنى آتٍ كَسيلٍ مُفعَمٍ بمعنى مُفعِم، وحجابًا ساترًا. والثاني أنه على بابهِ، لأنه يقالُ: أتاني الأمرُ وأتَيتُه. فهذا من قولهم: أتيتُ الأمرَ، قالَه الراغبُ. وقال الهرويُّ: يقال: أتاني خبرُه وأتيتُ خَبرَه.
وقولُه: ﴿يؤتونَ ما آتَوْا﴾ [المؤمنون: ٦٠] أي يتصدَّقون بأيِّ صدقةٍ قليلةً
стр. 21
كانت أو كثيرةً، لذلك أَبهمها اللهُ تعالى، وما أوقعَ هذا في نفسِ مَن له أدنى ذوقٍ حتى لو صرَّح بجميعِ أنواعِ الصدقةِ على اختلافها لم يقعْ موقعَ هذا الإِبهام.
فصل الألف والثاء
أث ث:
قال تعالى: ﴿أحسنُ أثاثًا﴾ [مريم: ٧٤]. الأثاثُ: الكثيرُ من متاعِ الدنيا، كذا أطلَقه الراغبُ. وقالَ غيرهُ: هو ما جدَّ من فُرشِ البيتِ. والخرِّيتُ ما قدُم منها وأنشدَ: [من البسيط]
٢١ - تقادَمَ العهدُ من أمِّ الوليدِ لنا ... دهرًا، وصارَ أثاثُ البيتِ خِرِّيتا
وقد نقل الهرويُّ القَولينِ، فقالَ: قال الأزهريُّ: هو متاعُ البيتِ. وقال غيرُه: ما يُلبسُ منها. وقيلَ: هو المالُ مطلقًا. وعن ابنِ عباسٍ في قَولِه تعالى: ﴿أَثاثًا ومتاعًا إِلى حينٍ﴾ [النحل: ٨٠] أي مالاً. قال الراغبُ: وقيلَ للمال كلِّه إذا كثُرَ: أثاثٌ ولا واحدَ له من لفظهِ، وفيه نظرٌ؛ إذ واحدُهُ أثاثةٌ كتمرٍ وتمرةٍ. وجمعُ الأثاثِ آثَّةٌ وأُثُثٌ. والأولُ هوَ القياسُ، لأنه مضاعَفٌ. واُثثٌ شاذٌ كبُيُنٍ وحُجُجٍ. قال الراغبُ: وجمعُه إِثاثٌ، وفيه نظرٌ.
ونساءٌ أثائِثُ: كثيراتُ اللحم، كأنَّ عليهنَّ أثاثًا. وتأثَّثَ فلانٌ: أصابَ أثاثًا. وتأثَّيتُ: اتَّخذتُ أثاثًا. واشتقاُ هذا مِن: أثَّ الشَّعرُ والنَّباتُ أي كثُر وتكاثَفَ. ومنه قولُ
стр. 22
امرئِ القيسِ: [من الطويل]
٢٢ - وأسودَ يغشَى المتنَ أسودَ فاحمٍ ... أثيثٍ كقِنْوِ النَّخلةِ المُتَعثْكِلِ
وعن ابنِ عباسٍ أيضًا: «أثاثًا» ثيابًا. وعن الخليلِ: هو المتاعُ المنْضمُّ بعضُه إِلى بعضٍ. وأنشدَ بيتَ امرئِ القيسِ المذكورِ. وقال ابنُ عباسٍ في آيةِ النَّحل.
أث ر:
قال تعالى: ﴿فانظرْ إِلى أثارِ رحمةِ اللهِ﴾ [الروم: ٥٠]، وقُرئَ: (آثارِ) جَمعًا. والأثرُ: حصولُ ما يدلُّ على وجودِ شيءٍ. ومنه: أثرُ البعيرِ والرجلِ. يقالُ: إِثْرٌ وأَثَرٌ. ومنه: أثرتُ البعيرَ: جعلتُ على خُفَّه أُثْرةً أي علامةٌ تؤثِّرُ في الأرضِ، ليُستَدلَّ بها على أَثَرهِ، والحديدةُ التي يُعملُ بها ذلك مِئثَرةٌ كمكنسَةٍ.
وأَثْرُ السيفِ: جوهرُه، وهو أثَرُ جودتهِ. والسيفُ مأثورٌ. وقولُه تعالى: ﴿هم أُولاءِ على أَثَرِي﴾ [طه: ٨٤] أي بعدي بقليلٍ. وقوله تعالى: ﴿فهُم على آثارِهم يُهرَعون﴾ [الصافات: ٥٠] أي على طَريقتهم وسُنَّتِهم. وقيلَ هذا في قولِه تعالى: ﴿هم أولاءِ على
стр. 23
أثري﴾ [طه: ٨٤] وقوله: ﴿أو أَثَارَة﴾ [الأحقاف: ٤]. وقُرئَ: (أَثَرةٍ)، قيلَ: هيَ من: أَثَرْتُ العلم آثرُهُ. ومنه: مآثرُ العربِ لمكارمِ أخلاقها، جمعُ مَأثُرةٍ، وهي ما يُروى عنها مِن ذلك.
وفي الحديثِ: «أَلا إِنَّ كلَّ دم ومالٍ ومَأثُرةٍ كانتْ في الجاهليةِ فإِنها تحتَ قَدميَّ». ومنهُ حديثُ عمرَ: «ما حَلفتُ به ذاكرًا ولا آثِرًا» أي حاكيًا له عَن غَيري. ومنه قولُه تعالى: ﴿إلا سحرٌ يُؤثَرُ﴾ [المدثر: ٢٤]، أي يرويهِ واحدٌ عن آخرَ. وحديثٌ مأثورٌ: أي نقلَه العَدْلُ عنِ العدل. وقيلَ: هي بمعنىً، أي بقيةٌ من علمٍ. ومنه سَمِنتِ الإبلُ على أثارةٍ، أي بقيةٍ من شَحم.
ويستعارُ الأثرُ للفَضلِ، والإيثارِ للتفضُّلِ إثارةً. قال تعالى: ﴿لقد آثرَكَ اللهُ علينا﴾ [يوسف: ٩١]. أي فضَّلك. وقولُه: ﴿ويُؤثرونَ على أنفسِهم﴾ [الحشر: ٩] مِن ذلكَ، أي يفضِّلون غيرَهُم على أنفسهم. ومنه: له عليَّ أَثَرةٌ، أي فضلٌ. ومنه الحديثُ: «إنكم سَتَلقَونَ بعدي أثَرَةٌ فاصبِروا حتى تَلقَوني على الحوضِ» أي يُستأثرُ عليكم فيفضَّلُ غيرُكم عليكم في الفيء.
فالأَثَرةُ: اسمٌ من آثَرَ يُؤْثِرُ إِيثارًا. واسْتَأثرَ فلانٌ بكذا: أي تفرَّدَ به دونَ غيرِه. وفي الحديثِ: «أوِ اسْتأثرتَ بهِ في علمِ الغيبِ عندَكَ» أي تفرَّدتَ بهِ. ومنه قولُ الأعشى:
стр. 24
[من المنسرح]
٢٣ - اسْتأثَرَ اللهُ بالوفاء وبال ... عَدْلِ، وولَّى الملامَةَ الرَّجُلا
والأَثَرةُ: اسمٌ للاستئثارِ، والجمعُ الإِثَرُ، قالَه الأزهريُّ، وأنشدَ قولَ الحطيئةِ في عمرَ ﵁: [من البسيط]
٢٤ - ما قدَّموكَ لها إذ آثروكَ بها ... لكنْ لأنفُسِهم كانتْ بكَ الإِثَرُ
وقولُهم: استَأثَرَ اللهُ بفلانٍ كنايةٌ عن موتِه وتنبيهٌ أنه ممّا اصطفاهُ فتفرَّدَ به دونَ الورَى. وقولُهم: ما فيها عينٌ ولا أَثرٌ أيْ بقيةٌ. وفي الحديثِ: «من سرَّهُ أن يَبسُطَ له في رزقِه ويَنْسَأَ في أثَرهِ فليصلْ رَحمَهُ» أي في أجله. وسُمِّيَ الأَجَلُ أثرًا لأنه يتبعُ العمرَ. قال كعبُ بنُ زهيرٍ: [من البسيط]
٢٥ - يسعى الفَتى لأمورٍ ليس يُدركُها ... والنفسُ واجدةٌ والهمُّ منتشرُ
والمرءُ ما عاشَ ممدودٌ له أملٌ ... لا يَنتهي العمْرُ حتى ينتهي الأثَرُ
ويروى: لا تَنْتهي العينُ.
وقولُه: ﴿وآثارًا في الأرضِ﴾ [غافر: ٢١] إشارةٌ إلى ما شَيَّدوا من البُنيانِ ووطَّدوا من الأحوال. وقولُه تعالى: ﴿ما قدَّموا وآثارهُمْ﴾ [يس: ١٢] أي قدَّموه من الأعمالِ وسنُّوه من السُّنن، فعُمل بها بعدَهُم، وفي معناه: «مَن سَنَّ سُنَّةً حسنةً. . .» الحديث.
ويقالُ: رجلٌ أَثِرٌ، أي يَستأثرُ على أصحابهِ، وقال اللِّحياني: خُذْه آثرًا ما، وأَثِرًا ما، وإِثْرًا ما، وآثِرَ ذي أثيرٍ، كلُّ ذلك بمعنى الانفراد. وقولُه تعالى: ﴿قبضةً من أَثَرِ
стр. 25
الرَّسولِ﴾ [طه: ٩٦] أي قبضةٌ من أثرِ حافرِ فرسِ الرسولِ (أو أثرِ الرسولِ) وهو جبريلُ، وذلك أنه رأَى أَثرَ الفَرسِ كلما وَضع حافرَه على موضعٍ يخضرُّ، فعرف أنَّ ذلك لأمرٍ. فأخذَ قبضةً من ذلكَ الترابِ فكانَ ما كانَ.
أث ل:
قال تعالى: ﴿وأَثْلٍ وشَيءٍ من سِدْرٍ﴾ [سبأ: ١٦]. فالأَثْلُ شيءٌ معروفٌ؛ الواحدةُ أَثْلةٌ ولما كان ثابتَ الأصلِ شُبِّه بهِ غيرهُ منَ الشجرِ فقيلَ: شجرٌ مؤثَّلٌ أي بثبوتهِ. ومالٌ مُؤثَّلٌ، ومجدٌ مُؤثَّل، من ذلك قولُ امرئِ القيسِ: [من الطويل]
٢٦ - ولكنَّما أسعَى لمجد مؤثَّلٍ ... وقد يُدرِكُ المجدَ المؤثَّلَ أمثالي
وأثلُ الشيءِ أصلُه. وأَثَلْتهُ: أي أَغْنيتُه مستعارٌ من ذلك. وفي الحديثِ: «غيرَ مُتأثِّلٍ مالاً» أي غيرَ مُقْتنٍ له وجامعٍ. واختلفتْ عباراتُ أهلِ التفسيرِ فيه؛ فقيلَ: هو ضربٌ من الخشبِ؛ قالَ قتادةُ: يُشبهُ الطرفاءَ رأيتهُ بصَفَد، وكذا قال الفرّاءُ: إلا أنه أعظمُ من الطَّرْفاءِ طولاً. ومنه اتُّخذ منبرُ رسولِ الله ﷺ ، وورقُه كورقِ الطرفاء. وقالَ بعضُهم: هو الَّمُرُ بعينِه؛ الواحدةُ أَثْلةٌ وسَمُرةٌ. وقال أبو عُبيدةَ: هو شجرُ النُّضارِ. والنُّضارُ: نوعٌ من الخشبِ. والنُّضار: الذهبُ. ومن الأول: قَدَحٌ نُضارٌ لأنَّه يُتخذُ منه القداحُ والقِصاعُ.
أث م:
الإِثْمُ: الذَّنبُ. وقيلَ: الإِثمُ والآثامُ: اسمٌ للأفعالِ البطيئةِ عنِ الخيراتِ لتضمُّنهِ معنى
стр. 26
البطءِ. قالَ الشاعرُ: [من المتقارب]
٢٧ - جُماليَّةٌ تَغْتلي بالرِّدافِ ... إذا كذَّبَ الآثماتُ الهَجيرا
وعليه قولُه تعالى في الخمرِ والميسرِ: ﴿فيهما إِثمٌ كبيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٩] أي في تعاطيهما إِبطاءٌ عن الخيراتِ. ويسمَّى الخمرُ إِثمًا، من ذلك قولُه: [من الوافر]
٢٨ - شَربتُ الإِثمَ حتى ضلَّ عَقلي ... كذاك الإِثمُ تّذْهَبُ بالعقولِ
لأنَّهما سببٌ فيه. وهذا كتسميتِهم الشحمَ بالنَّدى في قولهِ: [من الطويل]
٢٩ - تعالى النَّدى في مَتْنهِ وتحدَّرا
وكتَسميةِ المرعَى بالسماءِ في قولهِ: [من الوافر]
٣٠ - إذا نَزلَ السَّماءُ بأرضِ قومٍ ... رعَيناهُ، وإنْ كانوا غِضابًا
يُقال: أَثِمَ يَأثَمُ إِثْمًا وأَثامًا فهو آثِمٌ وأَثيمٌ وأَثِمٌ وأَثومٌ أي محتملٌ للآثامِ. وقولُهم تَأثَّم، أي خرجَ من الإِثمِ، فتفعَّلَ للسَّلبِ كتحرَّجَ وتحنَّثَ وتحوَّبَ، أي خَرجَ من الحَرَجِ والحِنْثِ والحَوْبِ. وفي حديثِ: «ما عَلمنا أحدًا منهم تركَ الصَّلاةَ على أحدٍ من أهلِ القبلةِ تَأثُّمًا» أي تجنُّبًا للإِثم. ولذلك أُطلقَ التحنُّثُ في التعبُّدِ. وفي الحديثِ: «كان يتحنَّثُ بغارِ حراءٍ» أي يتعبَّدُ.
стр. 27
وقولُه: ﴿كفّارٍ أَثيمٍ﴾ [البقرة: ٢٧٦] أي بليغٍ في تعاطي أسبابِ الإِثمِ. وقولهُ: ﴿أخذتْه العزةُ بالإِثمِ﴾ [البقرة: ٢٠٦] أي حملتْهُ عزَّتُه على فعلِ ما يأثمُه. وقولُه: ﴿يُسارعون في الإِثمِ والعدوانِ﴾ [المائدة: ٦٢] قيل: أشار بالإثمِ إلى قولهِ تعالى: ﴿ومن لم يحكم بما أنزل اللهُ فأولئك هم الكافرون﴾ [المائدة: ٤٤] وبالعدوان إلى قوله: ﴿ومن لم يحكم بما أنزل اللهُ فأولئك هم الظالمون﴾ [المائدة: ٤٥].
والإِثمُ أعمُّ منَ العُدوانِ: وقولُه: ﴿يلقَ أثامًا﴾ [الفرقان: ٦٨] أي يلقَ عِقابًا؛ سماهُ أثامًا لِما كان بسببهِ، كقولهِ: «تعالى النَّدى في مَتْنهِ»، و «إِذا نزل السماءُ»، كما تقدَّم. وقيلَ: معنى ﴿يلقَ أثامًا﴾ أي يحملُه ذلك على ارتكابِ الآثام، وذلك أنَّ الأمرَ الصغيرَ قد يجرُّ إِلى الأمرِ الكبيرِ. ومنه: العاصي. . . . (١). وقيلَ: معناهُ يلقَ جزاءَ آثامهِ.
أنشدَ الأزهريُّ لنُصَيبِ بنِ الأسودِ: [من الطويل]
٣١ - وهل يأثِمَنِّي اللهُ في أنْ ذكرتُها ... وعلَّلتُ أَصحابي بها ليلةَ النَّحرِ
أي: هل يجازيني جزاءَ إِثْمي؟
يقالُ: أَثَمَهُ ويأثُمُهُ: جازاهُ جزاءَ إِثْمهِ. وقولُه: ﴿والإِثْمَ والبَغيَ﴾ [الأعراف: ٣٣]. قال الفرّاءُ: الإِثمُ ما دونَ الحدِّ، والبغيُ: الاستطالةُ على الناس. وقولُه: ﴿لا لَغْوٌ فيها ولا تَأثيمٌ﴾ [الطور: ٢٣] أي: لا مَأثمٌ فيها ولا سُكرٌ، وهذا بخلافِ خمورِ الدنيا؛ فإِنَّ فيها
стр. 28
ما يحملُ على كلِّ إثمٍ. ويسمَّى الكذبُ إثمًا تسميةً للنَّوع باسمِ جنسه كتسميةِ الإنسانِ حيوانًا، أو لأنَّه يؤدي إلى الإثم. وقولُه: ﴿آثمٌ قلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣] أي متحمِّلٌ لذلك. وقد قابل النبيُّ ﷺ الإثمَ بالبرِّ في قوله: «البرُّ ما اطمأنت إليهِ النفسُ، والإثمُ ما حاكَ في صدرِكَ». وهذا منه ﵊ حكمٌ للبرِّ والإثمِ لا تفسيرُهُما لذلك.
فصل الألف والجيم
أج ج:
قولُه تعالى: ﴿وهذا ملحٌ أُجاجٌ﴾ [الفرقان: ٥٣]. الأجاجُ: الماءُ الشديدُ الملوحةِ، الذي لا يمكنُ ذَوقُه منها. وقيلَ: هو من الشديدُ الملوحةِ والمَرارةِ، كأنَّه مأخوذٌ من أجيجِ النارِ. يقالُ: أجَّجَ النارَ أجيجًا، وأجَّتْ هي تَؤجُّ أجَّةً. وتآجَّ النهارُ أي حَميتْ شمسُه. فجعلَ ذلك عبارةً عن ارتفاعهِ.
وقولُهم: «أجَّ الظَّليم».
أي عَدا بسرعةٍ، تَشبيهًا بأجيجِ النارِ، ومنهُ الحديثُ: «فخرجَ بها يؤجُّ». أي يسرعُ. ويقالُ: الأجُّ: الهَرْولةُ، وهو قريبٌ من الأولِ، لكن الهرويّ كذا ذكرهُ. وأمّا ﴿يأجوجُ ومأجوجُ﴾ [الكهف: ٩٤] فهما مهموزان وغيرُ مهموزين. قيلَ: هُما
стр. 29
مشتقَّانِ من أجيجِ النارِ وتموُّجِ الماءِ، وسيأتي الكلامُ عليهما في حَرفَيهما.
أج ر:
قال تعالى: ﴿أولئكَ يُؤتَوْنَ أَجْرَهُم مرَّتَينِ﴾ [القصص: ٥٤] لأنَّهم آمنَوا بنبيِّهم وكتابهم ثم آمنوا بمحمدٍ ﷺ وكتابهِ. والأجرُ: ما يعودُ من ثوابِ عملهِ عليهِ دُنيويًّا وأُخرويًّا. والأجرُ بمعناهُ إلا أنَّها لا تكونُ إلا في الدُّنيويِّ. ويقالُ في عَقد وما يجري مَجرى العَقدِ، ولا يقالُ إلا في نفعٍ دونَ ضرٍّ، كقولهِ: ﴿فأجرُهُ على اللهِ﴾ [الشورى: ٤٠] بخلافِ الجزاءِ؛ فإنه يقالُ في عقدٍ وفي غيرِ عقدٍ، وفي النافعِ والضارِّ نحو: ﴿وَجَزاهُم بما صَبَروا﴾ [الإنسان: ١٢]، ﴿فإنَّ جَهنمَ جزاؤكم﴾ [الإسراء: ٦٣]. وجمعُ الأجرِ أُجورٌ. قالَ: ﴿فآتوهُنَّ أجورَهُنَّ﴾ [النساء: ٢٤] كنَّى بهِ عن الصَّداقاتِ لأنها عوِضٌ عن البِضْع.
وقولُه: ﴿فلهُ أَجْرُهُ﴾ [البقرة: ١١٢] لأنه كالعِوَض، وإلا فهوَ مِن فضلِ اللهِ تعالى. وقولُه: ﴿وآتَيناهُ أجرَهُ في الدُّنيا﴾ [العنكبوت: ٢٧] قيلَ: هو كونُ الأنبياءِ من نَسلهِ. وقيلَ: كونُه أُريَ مكانَه منَ الجنةِ. وقيلَ: هو لسانُ الصِّدقِ. وقولُه: ﴿على أنْ تَأجُرَني ثَمانيَ حِجَجٍ﴾ [القصص:٢٧] أي تكونَ أجيرًا لي. وقيلَ: هو أن تجعلَ رعيَكَ غَنمي هذهِ المدةَ ثَوابي من تزويجي ابنتي لك.
ويقالُ: أجَرهُ اللهُ، بالقصرِ، يأجُرُه أجرًا: أثابَه، وآجَره إِيجارًا بمعناهُ. ويقالُ: أجَرتُ زيدًا بمعنيين؛ أحدُهما أعطيتُه العينَ المستأجرةَ بِكراءٍ وأُجْرةٍ والثاني أعطيتُه الأُجرةَ. وأما آجَرتُه، بالمدِّ، فالمعنى الأولُ فقط. وقيلَ: هو بمعنى المقصودِ في الأمرينِ جميعًا. قال الراغبُ: والفرقُ بينهما أنَّ أجَرْتُه -يعني بالقصر- يقالُ إذا اعتُبرَ فعلُ أحدهما. يقالُ: أجَرتَ فلانًا، إذا استعانَ بكَ فحميتَهُ إجارةً. ومنه: ﴿فأَجِرْهُ حتى يَسمَعَ كلامَ اللهِ﴾ [التوبة: ٦]، ﴿وهو يُجيرُ ولا يُجارُ عليه﴾ [المؤمنون: ٨٨]. وآجَرْتُهُ بالمدِّ، يقالُ إذا
стр. 30
اعتُبرَ فِعلاهُما، وكلاهُما يَرجِعان إلى معنىً. انتهى ما ذكرَه منَ الفرقِ. وإنَّما يصحُّ أنْ لو كانَ آجَره بالمدِّ بوزنِ فاعَلَ حتى تقتضيَ المشاركةُ، ولكنْ لا نسلِّم أنَّ آجَرَه بالمدِّ بوزن فاعلَ، بل هو بوزنِ أَفْعلَ، ولذلكَ جاءَ مضارعُه على «يُؤجِرُ» ومصدرُه على الإيجارِ؛ كآمَنَ يؤمِن إِيمانًا. ولو كان فاعَلَ لكانَ مضارعُه يؤاجِرُ ومصدرُه المؤاجَرةُ والإجارُ، كضارَبَ يضارِبُ مضاربةً أو ضِرابًا. ولو سُلِّم أن يقالُ كذلكَ إلا أنَّه يجوزُ أن يكونَ أجَّر أفعلَ، وإذا جازَ لم يصحَّ الفرقُ. ثم قولُه: يقالُ: أَجرتَ فلانًا، إذا استعانَ بك فحميتَهُ وقولُه: ﴿فأَجِرْه﴾، وقولُه: ﴿وهو يجيرُ ولا يُجارُ عليه﴾ ليسَ من هذهِ المادَّة التي نحنُ فيها ولا من معناها في شيءٍ البتَّةَ، بل من مادَّة «جَوَرَ». ولذلك ذكرَها في مادَّة تيكَ. وإنَّما اشتَبه عليهِ اللفظُ في الفعلِ والمصدرِ، حيثُ قالَ: أجرتُ إِجارةً. والفرقُ بينَهما، عندَ من يَعرف التصريفَ، واضحٌ جدًا. وذلك أنَّ أَجرتُ بمعنى الإعانةِ وزنُه أفَلْتُ مثلُ أقمتُ، وإنما حُذفتْ عينُ الكلمةِ لالتقاءِ الساكنين. وإجارةٍ التي هي مصدرُه وزنُها إِفالةٌ، حُذفتِ العينُ منها كما حُذفتْ من الفعل كإِقامةٍ. والأصلُ: أَجْوَرْتُ إِجْوارًا. فصيَّرهُ التصريفُ إلى ما تَرى. وأمَّا أجرتُ الذي نحن فيه فهمزتُه أصليةٌ، ووزنُه فَعَلْتُ، ومصدرهُ فِعالةٌ. وأينَ هذا من ذاك؟ ولكن قد يذهُلُ الفاضلُ، ويدهَشُ العاقلُ. الأجيرُ فَعيلٌ بمعنى فاعلٍ. وقالَ الراغبُ: أو مُفاعِل، وهو بناءٌ منهُ على أنَّ آجرَ فاعَلَ. وقد تقدَّم ما فيه.
والاستئجارُ طلبُ الشيءِ بأُجْرةٍ، ثم يُعبَّر بهِ عن تناوُل الأجرةِ، كاستعارةِ الاستيجابِ كقولهِ: [من الطويل]
٣٢ - وداعٍ دَعا: هلْ من يُجيبُ إِلى النَّدى؟ فلم يَستجبْه عندَ ذاكَ مُجيبُ
قيلَ؛ وعليه قولُه تعالى: ﴿يا أبتِ استأجرهُ﴾ [القصص: ٢٦]، وفيه نظرٌ لظهورِ الطلبِ فيهِ بأُجْرةٍ. ويقالُ: إِيتاجَرَ أي طلبَ الأجرةَ، افْتَعلَ منهُ. وفي الحديث في الأضاحي: «كلوا وادَّخِروا وائتجِروا» أيْ واطْلبوا الأجرَ. قالَ الهرويُّ: ويجوزُ اتَّجِروا نحو اتَّجرَ، كذا أصلُه إِيْتجرَ، فأدغمتِ الهمزةُ في التاء. وفي الحديث: «إنَّ رجلاً دخلَ
стр. 31
المسجدَ، وقد قضى النبيُّ ﷺ صلاتَه فقال: مَن يَتجرُ فيقومُ فيصلي معَه»؟ قولُه: فأُدغمتِ الهمزةُ فيه تجوُّزٌ، لأنَّ الهمزةَ أبدلت ياءً وجوبًا، فصَارت كالأصليةِ، مثلُ أَيسر من اليُسر. وإلا فالهمزةُ لا يُتصورُ إدغامُها في الياء. وقولُه: نحو اتَّجرَ على أحدِ القولينِ. ولنا قولٌ أنهُ من تَجر- يَتجرُ، ومنه قراءةُ: (لتَخِذْتَ عليه أجرًا) [الكهف: ٧٧].
والإِجّارُ: السَّطحُ، ليس حَواليهِ ما يردُّ مَن يقعُ، فِعّالٌ من الأجر. تصوَّروا فيهِ النَّفعَ. والجمعْ أجاجيرُ. وفيه لغةٌ أخرى «إِنْجارٌ» بالنون والجمعُ أناجيرُ. وفي الحديث: «فتلقَّى الناسُ رسولَ الله ﷺ في السُّوقِ وعلى الأناجيرِ» أي السطوح.
أج ل:
الأَجَلُ: المدَّةُ المضروبةُ. ويقالُ للمدةِ المضروبةِ لحياةِ الإنسانِ: أجلٌ. وقولُه تعالى: ﴿ولِتَبلُغُوا أجلاً مسمًّى﴾ [غافر: ٦٧] عبارةٌ عن ذلك. وقولُه: ﴿أيَّما الأَجَلَيْنِ قَضَيتُ﴾ [القصص: ٢٨] أي المدَّتينِ المضروبتينِ من الثماني والعشر. وقولُه: دَنا أجلُه أي مدَّتُه، وحقيقتُه استيفاءُ مدةِ حياتِه. وقولُه: ﴿وبَلَغْنا أجَلَنا الذي أجَّلْتَ لنا﴾ [الأنعام: ١٢٨]، قيلَ: حدَّ الموتِ، وقيلَ: حدَّ الهَرمِ، وهما مُتقاربان. وأجَّلتُ الدَّينَ فهوَ مؤجَّلٌ: أي ضربتُ له مدَّةً. وقولُه: ﴿ثم قَضَى أَجلاً وأَجلٌ مُسمى﴾ [الأنعام: ٢]؛ قيل: الأولُ البقاءُ في الدنيا، والثاني البقاءُ في الآخرةِ. وعن الحسنِ: الأولُ البقاءُ في الدنيا، والثاني البقاءُ في القبورِ إلى يوم النُّشورِ. وقيلَ: هما الأولُ النومُ والثاني الموتُ، إشارةٌ إلى قولهِ تعالى: ﴿اللهُ يَتَوفَّى الأنفُسَ حينَ مَوتِها والتي لم تَمُتْ في مَنامِها﴾
стр. 32
[الزمر: ٤٢] وقيلَ: الأجلانِ معًا للموت، إلا أنَّ مِنَ الناسِ من يأتيهِ أجلُه بعارضٍ من سيفٍ أو حرقٍ أو غرقٍ أو أكلِ سُمٍّ أو شيءٍ غيرِ موافقٍ ممّا يَقطعُ الحياةَ، ومنهم مَن يُعافَى ويوقَّى كلَّ ذلك حتى يأتيَه الموتُ حتْفَ أنفِه، وإليهما أشار مَن قال: «مَن أخطأهُ سَهمُ الرزيَّةِ لم يُخطئْه سهمُ المنيَّة».
وقيلَ: النّاسُ رجلانِ، رجلٌ يموتُ عَبْطةً ورجلٌ يبلغُ أجلاً لم يجعلْ لهُ اللهُ في طبيعةِ الدنيا أَن يبقَى أحدٌ أكثرَ منه فيها. وقد أشارَ إليهما بقوله تعالى: ﴿ومنكم مَن يُتوفَّى ومنكمُ من يُردُّ إلى أرذلِ العُمرِ﴾ [النحل: ٧٠]. وقالَ زهيرٌ: [من الطويل]
٣٣ - رأيتُ المنايا خَبطَ عشوَاء من تصب ... تُمِتْهُ ومَنْ تُخطئ يُعمَّرْ فَيَهْرَمِ
وقال آخرُ: [من المنسرح]
٣٤ - مَن لم يمتْ عَبْطةً يَمُتْ هَرَمًا ... لِلموتِ كأسٌ والمرءُ ذائقُها
وقال ابنُ عرفةَ: «الأجلُ المقضيُّ هو الدُّنيا والحياةُ، والمسمَّى هو أمرُ الآخرةِ». وقولُه تعالى: ﴿مِن أجل ذلك كتَبْنا على بني إسرائيلَ﴾ [المائدة: ٣٢] أي مِن جَرّائهِ وجِنايَتهِ. يقالُ: أجَلتُ الشيءَ، وآجِلُه: جَنيتُه. وقرئَ: من إِجلِ بالكسر أي من جناية. والأَجْلُ والإِجْلُ: الجنايةُ التي يُخافُ منها أجَلٌ. فكلُّ أجلٍ جنايةٌ، وليسَ كلُّ جنايةٍ أجلاً. وفي الحديث: «كنا مُرابطينَ بالساحلِ فتأجَّلَ متأجلٌ» أي طلبَ الرجوعَ إلى أهله، وأرادَ أن يُضرَبَ له أجَلُ ذلك. وقولُه: ﴿وإِذا طلَّقتُمُ النِّساءَ فبلَغْنَ أَجلَهُنَّ فأَمْسِكُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣١] وهو المدّةُ المضروبةُ بينَ الطلاقِ وبينَ انقضاءِ العِدَّة. وقوله: ﴿وإِذا طلَّقتُم النساءَ فبلغْنَ أجلَهنَّ فلا تَعْضُلُوهنُّ﴾ [البقرة: ٢٣٣] إشارةٌ إلى حينِ انقضاءِ العِدَّةِ. وحينئذٍ
стр. 33
لا جُناحَ عليهنَّ فيما فعلنَ في أنفسهنَّ.
«والآجالُ: أقاطيعُ الظّباءِ، واحدها إِجْلٌ» ومنهُ حديثُ زيادٍ: «لهوَ أشهَى إليَّ مِن زينتهِ، فثَبتَ لُسلالهِ تعبٌ في يومٍ شديدِ الوديقةِ تَرمَضُ فيهِ الآجالُ».
فصل الألف والحاء
أح د:
أحدٌ: على قسمينِ؛ قسمٍ لا يُستعملُ إلا في نفيٍ أو في شبهِهِ كالنَّهي والاستفهام. وهذا همزتُه أصليةٌ، ويفيدُ استغراقَ جنسِ الناطقينَ قليلاً كان أو كثيرًا، مجتمعينَ أو مُفترقينَ، نحو: لا أحدَ في الدار، أي لا واحدَ ولا اثنينِ فصاعدًا، لا مجتمعينِ ولا مُتفرقَينِ. ولهذا لم يصحَّ استعمالُه في الإثباتِ لأنَّ نفي المتضادَّينِ يَصِحُّ دونَ إثباتِهما. فلو قيلَ: في الدارِ أحدٌ لكانَ فيهِ إثباتُ واحد مفردٍ مع إثبات ما فوقَ الواحد مجتمعينَ ومتفرقينَ، وذلك ظاهرٌ لا محالةَ، ولانطلاقه على ما فوقَ الواحد صحَّ أن يقالَ: ما من أحد قائمينَ. وعليه قولُه: ﴿فما منكُم مِن أحدٍ عَنْهُ حاجزِينَ﴾ [الحاقة: ٤٧].
وبعضُهم يُطلقه على غيرِ العقلاءِ، ولذلك قيلَ في قولِ الذُّبياني: [من البسيط]
- عَيَّتْ جوابًا وما بالرَّبعِ من أحدٍ ... إلا الأُواريُّ لايًا ما أُبَيِّنُها
إنه استثناءٌ منقطعٌ أو متَّصلٌ. وقد حققتُهُ في شرحِ هذهِ القصيدةِ، وله أخواتٌ لا تُستعمل إلا منفيةً نحو عريب وديّار؛ حصرتُها في «شرحِ التسهيل». وقولُه: ﴿هل يَراكم مِن أحدٍ﴾ [التوبة: ١٢٧] استفهامٌ في معنى النَّفي. وقولُه: ﴿ولا يَلتفِتْ منكُمْ أحدٌ﴾ [هود: ٨١] نهي في قوةِ النَّفي، فمن ثمَّ شاعَ بخلافِ الإثباتِ لما تقدَّم.
стр. 34
وقسمٍ يُستعملُ مُثبتًا وقد قسَمه الراغبُ إلى ثلاثةِ أقسام: قسمٍ يُضمُّ فيه إلى أسماءِ العدد نحو: أحدَ عشر والثاني أن يستعمل مضَافًا أو مضاف إليه بمعنى الأوّل كقوله تعالى: ﴿أَمَّا أَحَدُكُما فَيسْقي ربَّهُ خَمرًا﴾ [يوسف: ٤١]. وقولُه: يومُ الأحدِ أي يوم الأول، ويومُ الاثنين، والثالثُ أن يُستعملَ وصفًا، وليسَ ذلك إلا للهِ وحدَهُ نحو: ﴿قُل: هوَ اللهُ أحدٌ﴾ [الإخلاص: ١]، وأصلُه وَحدٌ، يُستعمل في غيرِهِ؛ قالَ النابغةُ: [من البسيط]
٣٥ - على مُستأنسٍ وَحِدِ
قلتُ: أحدٌ هذهِ، أُبدلتْ همزتُه من واوٍ لأنَّه من الوحدةِ، وهو بدلٌ شاذٌ لم يُسمع منهُ في الواوِ المفتوحةِ إلا: أحدٌ، وأناةٌ، لأنَّهما من الوحدةِ والونَى. ولم أرَ مَن خصَّه باللهِ غيرَ هذا. و «وَحدٍ» في بيتِ النابغةِ بمعنى منفردٍ، ويرادفُه واحدٌ. فيقولُ: واحدٌ وعشرونَ، إلا في أحدَ عشَرَ فلا يقالُ: واحدٌ وعشرَ. وأحدٌ هذا في المذكَّر يقابلُه إحدَى في المؤنَّث في جميع موادِّه، إلا في وصف الباري تعالى نحو: ﴿إنها لإِحْدَى الكُبَرِ﴾ [المدثر: ٣٥]، ﴿إحْدَى ابنتَيَّ﴾ [القصص: ٢٧]، إحدى عشرةَ، وإحدَى وعشرون امرأةً، وهمزتُها عن واوٍ. وهي أقلُّ شذوذًا من أحدٍ، لكسرِ همزتِها كإشاحٍ، وإعاءٍ، وإلهِ، وإسادةٍ.
стр. 35
فصل الألف والخاء
أخ ذ:
الأخْذُ: تحصيلُ الشيءِ، وهوَ حقيقةً في التَّناولِ نحو: أخذتُ درهمًا، ومنه: ﴿معاذَ اللهِ أَنْ نأخُذَ إلا مَنْ وَجدْنا متاعَنا عِندَهُ﴾ [يوسف: ٧٩]، ومَجازًا في الاستيلاء والقهر نحو: ﴿لا تَاخُذُهُ سِنَةٌ ولا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥]. ومنهُ قيلَ للأسيرِ: أَخيذٌ ومَأخوذٌ. وقولُه: ﴿فأخذتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ [الحجر: ٧٣]، و ﴿الرَّجفةُ﴾ [الأعراف: ٧٨] تنبيهٌ على استيلائها عليهم. وقولُه: ﴿فأخذَهُم اللهُ﴾ [آل عمران: ١١] عبارةٌ عن إحاطةِ هلكَتْهِم بهم. وقولُه: ﴿ولقد أخَذْنا آلَ فِرعَونَ بالسنينَ ونَقْصٍ﴾ [الأعراف: ١٣٠] أي عاقبْناهم بذلك عندَ أَخذِهم. ومنه: أخرتُه بالسَّوط، وقولُه: ﴿فأخذْناهم أَخْذَ عزيزٍ مُقتَدرٍ﴾ [القمر: ٤٢]. تنبيهٌ على شدَّةِ الأمرِ. ومثلُه: ﴿أخذةً رابِيةً﴾ [الحاقة: ١٠]. وقيلُه: ﴿ولو يُؤاخِذُ الله ُ الناسَ﴾ [النحل: ٦١] تنبيهٌ على مَعنى المقابلةِ والمجازاةِ إلى ما أخذوهً من النِّهم ولم يُقابلوهُ بالشكرِ. فهذا وجهُ المُفاعلةِ.
وقد أخذَ مأخذ زيدٍ أي: أخذَ في الطريق التي أخذَ فيها، وسَلك مسلكَه في أمورهِ. وفلانٌ مأخوذٌ، وبه أَخْذةٌ من الجنِّ كنايةٌ عن الذهول. ولزيدٍ إخاذةٌ وإخاذٌ: أي أرضٌ أخذَها لنفسهِ. ويقالُ: ذَهبوا ومَن أخذَ مَأخذَهُم وإخْذَهُم أي هلكوا ومَن كان يقتدي بِهم.
والاتِّخاذُ: افتعالٌ من الأَخذِ عندَ بعضِهم. وقد تقدَّم تَصريفُه في مادة «أج ر». وقيلَ: بل هو من تَخذَ يَتْخَذُ، كقوله: [من الطويل]
٣٦ - وقد تَخذتْ رِجلي
وسيأتي إنْ شاء الله.
وإذا كانَ بمعنَى الكسْبِ تعدَّى لواحدٍ، وإنْ كان بمعنى التَّصيير تعدَّى لاثنين، كقوله: ﴿واتَّخذَ اللهُ إبراهيمَ خَليلاً﴾ [النساء: ١٢٥] ومثله «تَخِذْتَ»؛ وقُريء
стр. 36
«تَخَذْتَ» و ﴿لتَّخذْتَ عليهِ أجرًا﴾ [الكهف: ٧٧] وقولُه: ﴿قد أَخَذْنا أَمْرَنَا﴾ [التوبة: ٥٠] أي: احتَطْنا لأنفُسِنا. وقولُه: ﴿إلا هُوَ آخذٌ بِناصِيَتِها﴾ [هود: ٥٦] أي هي في قبضتِهِ لا تَفوتُه فيُصيبها بما أرادَ. وقولُه: ﴿وهمَّنْ كلُّ أمةٍ برسولهِمْ ليأخُذُوهُ﴾ [غافر: ٥] أي ليوقِعوا به الفعلَ. ومثلُه: ﴿وكذلِكَ أَخْذُ ربِّك إذا أَخَذَ القُرى وهي ظالمةٌ إنَّ أَخْذَهُ أليمٌ شَديدٌ﴾ [هود: ١٠٢]. وقولُه: ﴿وخُذوهُم واحصُروهم﴾ [التوبة: ١٠٥] أي ائسروهم. وقولُه: ﴿مَعَاذَ اللهِ أنْ نأخُذَ إلا مَن وَجدْنا مَتاعَنا عِندَه﴾ [يوسف: ٧٩]، قيلَ: يأسِرُه، وقيلَ: يحبسُه.
ومنهُ التَّأخيذ وهو حبسُ السَّواحرِ أزواجَهنَّ عليهنَّ عن غيرِهنَّ من النساء. يقالُ: أخَّذتِ المرأةُ زوجَها تَأخيذًا: حَبستْه عن سائرِ النساءِ. وقالتِ امرأةٌ لعائشةَ ﵂: أَؤُأَخِّذَ جَملي؟ تريدُ هذا المعنى. وفي الحديثِ: «كنْ خيرَ آخذِ» أي آسرٍ. ومن ذلك: «الإخاذاتُ» وهو ما يأخرُ ماءَ المطرِ منَ الغُدرانِ فيحبسُه ويُمسِكُه، وهي المِسَاكاتُ أيضًا وآلاتُها، الواحدةُ إخاذةٌ ومِساكةٌ ونِهْيٌ ونَهْيٌ. وفي حديثِ مسروقٍ: «جالستُ أصحابَ رسولِ الله ﷺ فوجدتُهم كالإخاذِ»، قالَ أبو عبيدٍ: جمعُه أُخُذٌ وهو مُجتَمعُ الماءِ. وقالَ شَمِرٌ: إخاذٌ جمعُ إخاذةٍ، وأُخُذٌ جمعُ إخاذٍ. وقال أبو عبيدةَ: الإخاذةُ والإخاذُ -بالهاءِ وغيرِ الهاءِ- جمعُ الإخْذِ، وهو مَصنعٌ للماءِ يجتمعُ فيهِ، والأولُ أقْيَسُ.
أخ ر:
الآخِرُ بكسر الخاء: يقابلُ الأولَ. قال تعالى: ﴿هوَ الأوَّلُ والآخِرُ﴾ [الحديد: ٣]؛ فالأولُ هُنا معناهُ القَديمُ الذي كان قبلَ كلِّ شيءٍ، والآخِرُ الذي يبقَى بعدَ هلاكِ كلِّ شيءٍ، وتأنيثُهُ الآخرةُ مقابلة الأولى. والآخرة تَجري الجوامدُ في حَدْوِ مَوصوفها، كقوله:
стр. 37
﴿وبالآخرةِ هم يُوقنونَ﴾ [البقرة: ٤]، ﴿والذين يؤمنون بالآخرةِ يؤمنونَ بهِ﴾ [الأنعام: ٩٢]. وذلك الموصوفُ يجوزُ أن يكونَ الدارَ وأن يكونَ النَّشأةَ، وقد صرَّح بكلٍّ منهُما: ﴿وإنَّ الدَّارَ الآخرةَ لهيَ الحَيَوانُ﴾ [العنكبوت: ٦٤]، ﴿وللدَّارُ الآخرِةُ خيرٌ﴾ [الأنعام: ٣٢]. وقال تعالى: ﴿ثمَّ اللهُ يُنشئُ النَّشأةَ الآخرِةَ﴾ [العنكبوت: ٢٠]. وقد وُصفتِ الدارُ بالآخرةِ تارةً كما تقدَّم وأُضيفتْ إليها أُخرى، كقولهِ: ﴿ولدار الآخرةِ خيرٌ﴾ [يوسف: ١٠٩]، وقُرئَ: ﴿وللدارُ الآخرةُ خيرٌ﴾. والإضافةُ عندَنا على حذفِ الموصوفِ، أي: ولدارُ الحياةِ الآخرةِ. قال الأزهريُّ: أراد: ولدارُ الحالِ الآخرةِ خيرٌ، لأنَّ للناس حالينِ؛ حالَ الدنيا وحالَ الآخرةِ. ومثلُه: صلاةُ الأولى، أي صلاة الفريضةِ الأولى. قلتُ: لأنَّ الشيءَ لا يضافُ إلى نفسهِ، والصفةُ هيَ الموصوفُ في المعنى. وقد يقابَلُ بالآخِرِ السابقُ.
وآخَرُ بفتح الخاء: أفَعَلُ تفضيلٍ ممنوعٌ منَ الصرفِ للوزنِ والوَصفِ، ويُجمعُ جمعَ تصحيحٍ؛ قال تعالى: ﴿وآخَرونَ مُرجَوْنَ﴾ [التوبة: ١٠٧]. ويُثنَّى، قال تعالى: ﴿فآخَرانِ يقومانِ مَقامَهما﴾ [المائدة: ١٠٧]. وفارقَ أخواتهِ في بابهِ؛ فإنَّ أفعلَ التَّفضيلِ لا يُثنَّى ولا يُجمع، إلا مُحلىًّ بأل نحو: ﴿بالأَخْسرينَ﴾ [الكهف: ١٠٣] أو مضافًا نحو: ﴿أكابرَ مُجرِمِيها﴾ [الأنعام: ١٢٣]. فإذا خَلا منهُما كانَ بلفظٍ واحدٍ. وتأنيثُه أُخْرى، ويُجمعُ على أُخَرَ. وهي معدولةٌ عنِ الألفِ واللامِ عندَ الجمهورِ، وقيلَ: عن أُخَرَ، كما حققتُه في غيرِ هذا. وأمّا أُخَرُ جمعُ أُخرى بمعنى آخرة فليست كذا. وقد يرادُ بالآخرَ معنَى غير، كقوله تعالى: ﴿ومَن يَدْعُ مع الله إلهًا آخرَ﴾ [المؤمنون: ١١٧].
والتأخيرُ: يقابلُ التَّقديمَ، قالَ تعالى: ﴿عَلمتْ نفسٌ ما قدَّمتْ وأَخَّرَتْ﴾ [الانفطار: ٥]، ﴿بما قدَّم وأخَّرَ﴾ [القيامة: ١٣]، أي قدَّمَ من عملهِ وأخَّرَ من سنِّه. ولقيتُ فلانًا بأَخَرةٍ أي إِخْرِيًّا، ومنه حديثُ أبي بَرزةَ: «لمّا كان بأَخَرةٍ». وأمّا نعتُه
стр. 38
بأَخرةٍ أي بنَظرةٍ فبكسر الخاءِ. وقولهم: «أبعدَ اللهُ الأَخِرَ»، أي المتأخِّرَ عن الفضيلةِ وعن مَجرى الحقِّ.
أخ و:
والأخُ أحدُ الأسماءِ الستَّةِ المعْربةِ بالواوِ والياءِ والألفِ، وحُذفت لامُه اعتباطًا كالأبِ. ويقالُ: أخوٌ كدلْوٍ. قال: [من البسيط]
٣٧ - ما المرءُ أَخْوَكَ إنْ لم تلفَه وَزِرًا ... عندَ الكريهةِ مِعْوانًا على النُّوبِ
ويُعربُ مقصورًا. ومنه: «مُكرهٌ أخاكَ لا بطلٌ» وقد تُشدَّدُ خاؤهُ، ويُجمع على إخوة وإخوان. ومؤنثُه أختٌ. والتاءُ فيه للعوض عن اللام المحذوفة كبنت، والنسبُ إليها أَخَويٌّ، كالنسبِ إلى مذكَّرها، وقالَ يونسُ: أختيٌّ على لفظها. ومثلُها في هذينِ القولينِ بنتٌ، فيقالُ: بِنويٌّ أو بِنْتيٌّ، ويجمعُ على أَخواتٍ.
والأخُ في الأصلِ مَن ولَده أبواكَ أو أحدُهُما. ويطلقُ أيضًا على الأخِ من الرِّضاع. ويُستعارُ الأخُ في كلِّ مشاركٍ لغيرهِ في القبيلةِ أو الصَّنعةِ أو الدِّين أو المعاملةِ أو المودَّة أو غيرِها من المناسبات. قال ابنُ عرفةَ: الأخوةُ إذا كانت في غير الولادةِ كانت للمشكلة والاجتماع في الفعل نحو: هذا الثوبُ أخو هذا. قولُه تعالى: ﴿كانوا إخوانَ الشياطين﴾ [الإسراء: ٢٧]، أي مُشاكلوهم. وقولُه: ﴿كالذين كَفَروا وقالوا لإخوانِهم﴾ [آل عمران: ١٥٦] أي لمن شارَكهُم في الكفرِ. وقولُه: ﴿إخوانًا على سُرُر مُتَقابلينَ﴾ [الحجر: ٤٧] تنبيهٌ على نفيِ المخالفةِ من بينهم. وقولُه: ﴿وإلى عادٍ أخاهُم هُودًا﴾ [الأعراف: ٦٥] ونحوهُ فيه تنبيهٌ على أنه بمنزلةِ الأخِ في الشفقةِ عليهم. وهذا أحسنُ من قولِ الهرويِّ لأنه وإياهم يُنسبون إلى أبٍ واحدٍ. وقولُه: ﴿يا أُختَ هارونَ﴾ [مريم: ٢٨] قيلَ: يا أختَه في الصلاح والعفَّةِ لرجلٍ كان اسمُه هارونَ موصوفًا بذلك؛
стр. 39
قالوه من باب التهكُّم. وقيلَ: بل كان لها أخٌ من النَّسبِ يُسمى هارونَ. وقولُه: ﴿وما نُريهِم من آيةٍ إلا هيَ أكبرُ مِن أُختها﴾ [الزخرف: ٤٨] أي من الآية التي تقدَّمَتْها، وجعلها أختَها لمشاركتِها لها في الصِّحَّةِ والصِّدقِ والإبانةِ، والمعنى أنهنَّ موصوفاتٌ بالكبرِ لا يكدْنَ يَتفاوتْنَ فيهِ. وكذلك العادةُ في الأبناءِ الذين يتقاربونَ في الفضلِ، وتتفاوتُ منازلُهم فيهِ التفاوتَ اليسيرَ. ومثلُه قولُ الحماسيِّ: [من البسيط]
٣٨ - مَن تلقَ منهُمْ تَقُلْ: لاقيتُ سيِّدَهُم ... مثلَ النجومِ التي يُهدَى بها السَّاري
وقولُه: ﴿كلَّما دخلتْ أمةٌ لعنتْ أُختَها﴾ [الأعراف: ٣٨] إشارةٌ إلى مشاركتهم في الولاية، كقولهِ: ﴿والذينَ كفروا أولياؤُهُمُ الطاغوتُ﴾ [البقرة: ٢٥٧]، وقوله: ﴿إنما المؤمنونَ إخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠] إشارةٌ إلى اجتماعِهم على الحقِّ وتشارُكهم في الصِّفةِ المقتضيةِ لذلك.
وقولُهم: تأخَّيتُ كذا، أي تحرَّيتُ في الأمرِ تحرِّيَ الأخِ لأخيهِ. وتَصوَّروا معنى الملازمةِ فقالوا: أَخِيَّةُ الدابَّةِ، لِما تُربطُ به من عُودٍ وحبلٍ. وفي الحديثِ: «مَثلُ المؤمنِ والإيمانِ كمثل الفَرسِ في آخِيَّتهِ»؛ قال الليثُ: هو وَتِدٌ يُعرَّضُ في الجدارِ يُربطُ إليه. وقال الأزهريُّ: هو الحبلُ يُدفَنُ ويُخرَجُ طرفاهُ شبهَ الحلْقَةِ، والجمعُ الأَواخيُّ والأخايا، وهي فاعولةٌ.
قلت: ومثلُها وزنًا ومعنىً الآريَّةُ، وجمعُهَا الأَواريُّ في قولِ النابغةِ: [من البسيط]
٣٩ - إلا الأَواريّ لايًا ما أُبَيِّنُها
ومثلُها: الإِدْرَوْنُ والجمعُ أَدارِين.
стр. 40
والإخوانُ: لغةٌ في الخوانِ، وفي الحديثِ: «حتى إنَّ أهلَ الإخوانِ ليجتمعُونَ». وقال العُريان: [من الطويل]
٤٠ - ومَنْحَرِ مِئْناثٍ تَجُرُّ حُوارَها ... ومَوْضِعِ إخوانٍ إلى جَنْبِ إخْوانِ
فصل الألف والدال
أد د:
قال تعالى: ﴿لقد جئتُمْ شَيئًا إدًّا﴾ [مريم: ٨٩] أي: منكم شيئًا فظيعًا. يقالُ: جاءَ بأمرٍ إدٍّ يقعُ فيه جلبةٌ وصِياحٌ. وأصلُه: «من أدَّتِ الناقةُ تَئِدُّ رجَّعتْ أنينَها تَرجيعًا شديدًا» والأديدُ: الجلبةُ. وقيلَ: وهوَ من الوُدِّ.
والإدَّةُ واحدُ الإدِّ كتَمرةٍ وتَمرٍ، ويُجمعُ على الإدَدِ. وفي حديث عليٍّ ﵁: «رأيتُ رسولَ الله ﷺ فقلتُ: ماذا لقيتُ بعدكَ منَ الإدَدِ والأَوَدِ؟»، فالإِدَدُ: الدَّواهي العظامُ. وقال ابنُ خالَويهِ: الإدُّ والأَدُّ بالكسرِ والفتح: العجبُ. والإدَّةُ: الشدَّةُ. وأدَّني وآدَني: أَثقَلني. وبالفتح قرأ السلميُّ، وقال الراجزُ:
٤١ - لقد لقي الأقرانُ مني نُكْرا ... داهيةً دَهْياءَ إدًّا مُرَّا
وقيلَ: الإدُّ: القوةُ. قالَ الراجِزُ:
٤٢ - نضَوْنَ عني شدَّةً وأدَّا ... من بعدِ ما كنتُ صُمُلاًّ جَلْدا