Полный текст (1 752 стр.). Показаны 1716–1752 · переход к 1721.
стр. 1716
فعل. وقيل: سوغ المفاعلة تنزيل القبول من موسى منزلة الوعد. والموعد: العهد. ومنه: ﴿ما أخلفنا موعدك بملكنا﴾ [طه: ٨٧] ﴿فأخلفتم موعدي﴾ [طه: ٨٦] أي عهدك وعهدي.
وقوله: ﴿الشيطان يعدكم الفقر﴾ [البقرة: ٢٣٦] أي يخوفكم. وقوله: ﴿والله يعدكم مغفرةً﴾ [البقرة: ٢٦٨] أي يرجيكم. وهذا بحسب القرينة. أي سمي تخويفه وعدًا على المقابلة نحو: ﴿ومكروا ومكر الله﴾ [آل عمران: ٥٤]. قوله: ﴿واليوم الموعود﴾ [البروج: ٢] إشارة إلى يوم القيامة كقوله: ﴿إلى ميقات يومٍ معلومٍ﴾ [الواقعة: ٥٠]. وقيل: هو يوم بدر، لأنهم وعدوا به؛ وعد المؤمنون بأنهم ينصرون فيه والمشركون بأنهم يخذلون.
قوله تعالى: ﴿ولا تقعدوا بكل صراطٍ توعدون﴾ [الأعراف: ٨٦] لأنهم كانوا يتوعدون السابلة إن آمنوا بشعيبٍ، كما مفعل مشركو قريشٍ حين تقسموا شعاب مكة، كما أشار بقوله تعالى: ﴿كما أنزلنا على المقتسمين﴾ [الحجر: ٩٠]. وقد أوضحناه في تفسير سورة الحجر. وقد تمدحت العرب بإنجاز الوعد وأخلاف الوعيد تكرمًا. ومنه قول شاعرهم: [من الطويل]
١٨٢٣ - وإني وإن أوعدته أو وعدته ... لمخلف إيعادي ومنجز موعدي
قوله: ﴿وفي السماء رزقكم وما توعدون﴾ [الذاريات: ٢٢] ظاهره ما توعدون من الخير. وقيل: أعم من ذلك، وهو الجنة.
وع ظ:
قوله تعالى: ﴿قل إنما أعظكم﴾ [سبأ: ٤٦] الوعظ: التخويف. وقيل: زجر مقترن بتخويفٍ. والعظة والموعظة كالوعظ. وقال الخليل: الوعظ: التذكير بالخير فيما يرق له القلب. وفي الحديث: "يأتي على الناس زمان يستحل فيه الربا بالبيع والقتل
стр. 1717
بالموعظة" قيل: هو أن يقتل البريء ليتعظ المريب.
وع ي:
قوله تعالى: ﴿وتعيها أذن واعية﴾ [الحاقة: ١٢] أي تحفظها ولا تهمل منها شيئًا أذن مصغية لما يقال. والوعي: حفظ الحديث ونحوه في الذهن. ويقال: وعيت الحديث وأوعيت المتاع. قال تعالى: ﴿وجمع فأوعى﴾ [المعارج: ١٨] أي جمع الأمتعة والأموال في أوعيتها، أي أنه لم يكن مفرطًا في دنياه بل شديد الحرص عليها. وقال الهروي: يقال: وعيت العلم وأوعيت المتاع. وهذا عندي مردود بقوله تعالى: ﴿والله أعلم بما يوعون﴾ [الإنشقاق: ٢٣] أي بما يجمعون في صدورهم من التكذيب. كذا فسره الفراء. وقول الشاعر: [من البسيط]
١٨٢٤ - والشر أخبث ما أوعيت من زاد
من التشبيه؛ جعل الشر زادًا، والزاد يوعى. ويقال: وعى الجرح يعي وعيًا، أي جمع المدة. ووعى العظم: اشتد وجمع القوة. والواعية: الصارخة. وسمعت وعيهم، أي صراخهم. ولا وعي لي عن كذا، أي لا تماسك لنفسي عنه، ولا بد منه.
فصل الواو والفاء
وف د:
قوله تعالى: ﴿يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدًا﴾ [مريم: ٨٥]. الوفد: القادمون على الملوك والأكابر يستخرجون منهم الحوائج. وأصل ذلك وافد الإبل وهو السابق لغيره. يقال: هم وفد ووفود. ومنه قول الشاعر: [من الطويل]
١٨٢٥ - فإن تمس مهجور الفناء فربما ... أقام به بعد الوفود وفود
стр. 1718
والوفادة: القدوم. والوفود هم الذين قدموا على رسول الله ﷺ آخر سنيه.
وف ر:
قوله تعالى: ﴿جزاءً موفورًا﴾ [الإسراء: ٦٣] أي غير منقوصٍ. يقال: وفرته أفره وفرًا فهو موفور، أي لا تنقصون من جزائكم شيئًا. ومن كلامهم إذا قدم لأحدهم قرى: توفر وتحمد، أي يتوفر عليك مالك لا تنقص منه شيئًا، مع بقاء الحمد والثناء عليك. ومنه: توفير الثمن، أي عطاؤه كاملاً من غير نقصٍ. ووفرت عرضي بمالي. ومنه قول زهيرٍ: [من الطويل]
١٨٢٦ - ومن يجعل المعروف من دون عرضه
يفره، ومن لا يتق الشتم يشتم
والوافر: المال التام. يقال: وفرت كذا أفره فرةً ووفرًا، ووفرته على التكثير، والوفرة من الشعر: ما بلغ المنكب، واللمة: ما بلغ الأذنين، والجمة: ما زاد على الوفرة. ومزادة وفر، وسقاء وفر: لم ينقص من أديمها شيء. ورأيت فلانًا ذا وفارةٍ، أي مروءةٍ تامةٍ وعقلٍ رصين.
وف ض:
قوله تعالى: ﴿إلى نصبٍ يوفضون﴾ [المعارج: ٤٣] أي يسرعون عدوهم. يقال: وفض يفض وأوفض يوفض إيفاضًا، أي عدا عدوًا سريعًا. والمعنى: كأنهم نصب لهم شيء عجيب، فهم يستبقون إليه ويستدون نحوه. قيل: وأصل ذلك أن يعدو من عليه الوفضة، وهي الكنانة فتتخشخش فيسرع في عدوه لئلا يسمع حسها فيؤخذ.
وفي الحديث: "أمر بصدقةٍ توضع في الأوفاض" قيل: هم الفرق من الناس والأخلاط. قال الفراء: هم الذين مع كل منهم وفضة، وهي تشبه الكنانة الصغيرة. قلت: وعلى هذا فهو على حذفٍ مضافٍ، أي ذوي الأوفاض، وهم الفقراء لأنهم
стр. 1719
يستصحبون ما يشبه الكنانة ليعطوا فيها من الصدقات. واستوفضه، أي غربه وطرده. ومنه: استوفضت الإبل، أي تفرقت في مرعاها. ومنه قول ذي الرمة: [من البسيط]
١٨٢٧ - مستوفض من بنات القفر مشهوم
وقيل: الأوفاض: الفرق من الناس المستعجلة.
وف ق:
قوله تعالى: ﴿جزاء وفاقًا﴾ [النبأ: ٢٦] الوفاق: المطابقة وعدم المنافرة. ومنه: وافقت الرجل: إذا لم تخالفه. والاتفاق افتعال منه، وهو موافقة فعل الإنسان القدر. ويستعمل ذلك في المحبوب والمكروه. يقال: اتفق فلانٍ خير وشر. والتوفيق تفعيل منه، إلا أنه اختص في العرف بالخير. ومنه قوله تعالى: ﴿وما توفيقي إلا بالله﴾ [هود: ٨٨] وأتانا لتيفاق الهلال وميقاته، أي حين اتفق إهلاله. وقد وفق هذا لكذا، أي أرشد إليه.
وف ي:
قوله تعالى: ﴿وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم﴾ [البقرة: ٤٠]. يقال: وفَىَ ووفَّى وأوفى. وقد جاءت الثلاث لغاتٍ في الكتابٍ العزيز؛
فمن الأول قوله تعالى: ﴿ومن أوفى بعهده من الله﴾ [التوبة: ١١١] وجه الدلالة أن أفعل إنما يطرد من الثلاثي. ولنا فيه كلام.
ومن الثاني: ﴿وإبراهيم الذي وفى﴾ [النجم: ٣٧].
ومن الثالث ما تلوناه أولا. والتوفية: التميم. ومنه قوله تعالى: ﴿ألا ترون أني أوف الكيل﴾ [يوسف: ٥٩] ﴿وأوفوا الكيل إذا كلتم﴾ [الإسراء: ٣٥]. وقوله تعالى: ﴿وإبراهيم الذي وفى﴾ توفيته أنه بذل المجهود في طاعة المعبود في جميع ما طولب به، كما أشار إليه تعالى بقوله: ﴿إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم﴾ [التوبة: ١١١] الآية.
стр. 1720
فبذل ماله في الإنفاق في قرى الضيفان، وبذل ما هو أعز من نفسه وهو ولده حيث امتثل أمر ربه على هيئةٍ لا يطيقها البشر البتة من ذبحه له بيده. وأي شيءٍ أعظم من هذه التوفية؟ ومنه في المعنى: ﴿وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلماتٍ فأتمهن﴾ [البقرة: ١٢٤] وقد قيل في هذه الآية معنىً آخر؛ وهو أن إبراهيم التزم ألا يسأل غير ربه. فلما رفع في المنجنيق ليرمى في النار اعترضه جبريل ﵇ وقال له: ألك حاجة؟ فقال: أما إليك فلا. فهذا توفيته. وأنشدني بعضهم في هذا المعنى بحرم الخليل ﵇، والشعر للوأواء الدمشقي من قصيدته المشهورة: [من البسيط]
١٨٢٨ - قالت لطيف خيالٍ زارني ومضى: ... بالله صفه ولا تنقص ولا تزد
فقال: خلفته لو مامت من ظمأ ... وزدته عن ورود الماء لم يرد
قالت: صدقت وفاء الحب عادته ... يا برد ذاك الذي قالت على كبدي
وقال هذا المنشد: إن ابن الجوزي، حين ذكر قصة الخليل أنشد الأبيات وهو حسن جدًا.
وتوفية الشيء: بذله وافيًا. واستيفاؤه: تناوله وافيًا. ومنه قوله تعالى: ﴿ووفيت كل نفسٍ ما عملت﴾ [الزمر: ٧٠] ﴿الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون﴾ [المطففين: ٢]. وسمي الموت والنوم توفيًا لأنهما استيفاء مدةٍ. قال تعالى: ﴿الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها﴾ [الزمر: ٤٢]. وقوله: ﴿والذين يتوفون منكم﴾ [البقرة: ٢٣٤] أي يموتون، وقرئ بفتح الياء، وتأويلها: يتوفون آجالهم. وهذه القراءة تبطل حكايةً عن الشعبي أنه قال له رجل وهو في جنازةٍ: من المتوفي؟ فقال الشعبي: الله تعالى، قاله الزمخشري وفيه نظر لجواز أن هذه القراءة لم تبلغ الشعبي لا سيما وهي شاذة.
قوله تعالى: ﴿إني متوفيك﴾ [آل عمران: ٥٥] قيل: توفي رفعة لا موت. وعن ابن عباس: إنه توخي موتٍ فإنه أماته ثم أحياه. وقال: فيه تقديم وتأخير تقديره. رافعك إلي ومتوفيك. قال: وقد تكون الوفاة قبضًا وليست بموتٍ. يقال: توفيت حقي من فلانٍ
стр. 1721
واستوفيته بمعنىً. وقال آخرون: "متوفيك" أي مستوفٍ كونك في الأرض. وقال القتيبي: قابضك من الأرض من غير موتٍ؛ وهذا قول الفراء المتقدم. قوله: ﴿وهو الذي يتوفاكم بالليل﴾ [الأنعام: ٦٠] فهذه التوفية إماتة. ومنه قول ذي الرمة: [من الوافر]
١٨٢٩ - رجيع تنائفٍ ورفيق صرعى ... توفوا قبل آجال الحمام
فصل الواو والقاف
وق ب:
قوله تعالى: ﴿ومن شر غاسقٍ إذا وقب﴾ [الغسق: ٣] الوقوب: الدخول. والغاسق: القمر. وقيل: هو الليل. فوقب هنا بمعنى أظلم. وفي الحديث: "إنه لما رأى الشمس قد وقبت قال: هذا حين حلها" أي غابت ودخلت. وحين حلها، أي وقت وجوب صلاة المغرب. والوقب كالنقرة في الشيء. ومعنى وقب في الأصل: دخل في الوقت. ثم عبر به عن الدخول في الشيء مطلقًا. والإيقاب: تغييبه. والوقيب: صوت قنب الدابة.
وق ت:
قوله تعالى: ﴿كتابًا موقوتًا﴾ [النساء: ١٠٣] أي فرضًا موقتًا لا بد منه. والموقت من الأشياء: ما جعل له وقت يفعل فيه. قال بعضهم: الوقت: نهاية الزمان المفروض للعمل. ولهذا لا يكاد يقال إلا مقيدًا نحو قولهم: وقت كذا: جعل له وقتًا. قال تعالى: ﴿إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابًا موقوتًا﴾، ﴿وإذا الرسل أقتت﴾ [المرسلات: ١١]. وقيل: معنى "أقتت" جعل لها وقت واحد لفصل القضاء بين الأمة. وقال ابن عرفة: جمعت للميقات، وهو يوم القيامة. وقوله تعالى: ﴿إن يوم الفصل كان ميقاتًا﴾ [النبأ: ١٧] أي مصير الوقت. ومنه قوله تعالى: ﴿ولما جاء موسى لميقاتنا﴾ [الأعراف: ١٤٣] أي الوقت الذي حددناه له. فالميقات: الوقت المضروب للشيء،
стр. 1722
والوعد: الذي جعل له وعد. وقد يطلق الميقات ويراد به المكان. ومنه مواقيت الحج المكانية كقوله: "وقت لأهل المدينة ذا الحليفة" الحديث لأنه بمعنى حدد وقوله: ﴿قل هي مواقيت للناس والحج﴾ [البقرة: ١٨٩] أي حدود الأزمنة يعرفون بها آجال ديونهم وعدة نسائهم ووقت نسكهم بأداء الحج، وغير ذلك. والتقدير: مواقيت لحاجات الناس.
وق د:
قوله تعالى: ﴿النار ذات الوقود﴾ [البروج: ٥] بالفتح: اسم للحطب ونحوه وبالضم المصدر، نحو الوَضوء والوُضوء. وقد قرئ ﴿وقودها﴾ [البقرة: ٢٤] بضمه الواو فقيل: هو على حذف مضافٍ، أي ذوو وقودها. وقيل: هما بمعنى، فقد جاء المصدر على فعول بالفتح في أفعالٍ محصورةٍ أتينا عليها مشروحةً في غير هذا الموضع. وقوله تعالى: ﴿كلما أوقدوا نارًا للحرب أطفأها الله﴾ [المائدة: ٦٤] يجوز أن تكون حقيقةً؛ فإن العادة جرت بإيقاد النار للحروب، وأن تكون استعارةً على المشهور. يعني أنهم يتعاطون التحرز على المؤمنين والتعاضد عليهم. وجعل تعالى خذلانهم لهم عبارةً عن إطفائها، وحسن ذلك المقابلة. وأوقد واستوقد بمعنى ﴿مثلهم كمثل الذي استوقد نارًا﴾ [البقرة: ١٧]. ويجوز أن يكون استفعل على بابه من طلب الإيقاد مجازًا، وهو أبلغ. ويقال: وقدت النار واتقدت واستوقدت بمعنىً واحدٍ. وقد يستعار الإيقاد للتألق فيقال: اتقد الجوهر والذهب ونحوهما.
وق ذ:
قوله تعالى: ﴿والموقودة﴾ [المائدة: ٣] أي المضروبة بعصًا أو حجرٍ ونحوهما حتى تموت.
يقال: وقذتها أقذها وقذًا فهي وقيذ. وموقوذة: إذا أثخنتها ضربًا. ووقذت الرجل:
стр. 1723
ضربته حتى مات. ووصفت عائشة رضي الله عنا أباها فقالت: "كان وقيذ الجوانح" أي حزين القلب، والجوانح تجن. كذا روي هذا بالذال المعجمة. ولو روي بها مهملةً لكان أحسن؛ من وقيد النار. تصفه بأنه كان لشدة حزنه كالمحرق الجوف. ويؤيد ما قلته أنه يقال: كان يشم من فيه رائحة كبدٍ مشويةٍ. ووجه الرواية الأولى أن الحزن قد كشره وأضعفه بمنزلة من ضرب فضعف. وفي حديثها أيضًا تصفه: "فوقذ النفاق" أي كسره ودمغه.
وق ر:
قوله تعالى: ﴿وفي آذاننا وقرٍ﴾ [فصلت: ٥] الوقر بالفتح: الثقل، والوقر بالكسر: الحمل. ومنه: ﴿فالحاملات وقرا﴾ [الذاريات: ٢]. وقيل: الوقر للحمار والبغل كالوسق للبعير؛ فهو فعيل بمعنى مفعولٍ. يقال: وقرت أذنه تقر، وتوقر وقرًا: إذا صمت. ووقرت فهي موقورة. ونخلة موقرة وموقِرة؛ بالفتح والكسر.
قوله تعالى: ﴿ما لكم لا ترجون لله وقارًا﴾ [نوح: ١٣] أي عظمة. والرجاء هنا الخوف. وأصل الوقار السكون والحلم؛ يقال: هو وقور ووقار ومتوقر. وفلان ذو وقرة. قوله تعالى: ﴿وقرن في بيوتكن﴾ [الأحزاب: ٣٣] جعله بعضهم من الوقار. وقيل: هو من: وقرت أقر، أي جلست. وفي الحديث: "ووقير كثير الرسل". قال يعقوب: الوقير: أصحاب الغنم. والقرة والقار: الغنم. وقال أبو عبيدٍ: القار الإبل، والقرة والقار: الغنم. واستشهد بعضهم لذلك بقول مهلهلٍ: [من الوافر]
١٨٣٠ - كأن التابع المسكين فيها ... أجير في حدايات الوقير
стр. 1724
قال بعضهم: سمي القطيع من الضأن وقيرًا كأن فيه وقارًا لكثرته وبطء سيره.
وق ع:
قوله تعالى: ﴿وإذا وقع القول عليهم﴾ [النمل: ٨٢] أي وجب وثبت. والوقوع في الأصل: ثبوت الشيء واستقراره. ومنه قول أبي زيدٍ: [من البسيط]
١٨٤١ - واستحدث القوم أمرًا غير ما فهموا
فطار أنصارهم شتى وما وقعوا
أي ما ثبتوا.
أو يعبر به عن السقوط؛ يقال: وقع الطائر، أي سقط. وأكثر ما جاء في القرآن من لفظ "وقع" جاء في العذاب والشدائد، نحو قوله تعالى: ﴿إذا وقعت الواقعة﴾ [الواقعة: ١]. والواقعة لا تقال إلا في الشدائد والمكروه، نحو: أصابتهم واقعة. وعليه ﴿إذا وقعت الواقعة﴾ لأنها عبارة عن يوم القيامة، ولا شدة أعظم من شدته. نسأل الله الأمن فيه من عذابه.
قوله: ﴿ووقع القول عليهم﴾ [النمل: ٨٥] ووقوع القول عبارة عن وقوع متضمنه، أي وجب العذاب الذي وعدوا به. قوله: ﴿فقد وقع أجره على الله﴾ [النساء: ١٠٠] عبر بالوقوع عن إثابة الله تأكيدًا لذلك، لا أنه يجب عليه؛ إذ لا يجب عليه تعالى شيء، إنما هو تفضل وامتنان. وهكذا قوله تعالى: ﴿وكان حقًا علينا نصر المؤمنين﴾ [الروم: ٤٧].
قوله تعالى: ﴿فلا أقسم بمواقع النجوم﴾ [الواقعة: ٧٥]. قيل: هي نجوم القرآن بدليل: ﴿إنه لقرآن كريم﴾ [الواقعة: ٧٧]. وقيل: هي الأنواء، ومواقع الغيم: مساقطه. والمواقعة: يكنى بها عن الجماع، وكذا الإيقاع. ووقعت الحديدة أقعها وقعًا: إذا حددتها بالميقعة. والوقيعة: الغيبة مجازًا. والوقيعة أيضًا: المكان المستنقع فيه الماء،
стр. 1725
والجمع الوقائع. والتوقيع: أثر الدبر في ظهر البعير. ومنه قول عمر رضي الله تعالى عنه: "من يدلني على نسيج وحده؟ فقالوا: ما نعلمه غيرك. فقال: ما هي إلا إبل موقع ظهورها" يهضم نفسه ويقول: أنا مثل تلك الإبل عيبًا. وكان رضي الله تعالى عنه مبرأ من العيوب. وعنه استعير التوقيع في الكتابة لظهور أثرها.
وق ف:
قوله تعالى: ﴿وقفوهم إنهم مسؤولون﴾ [الصافات: ٢٤] أي احبسهوهم عن المشي. ومنه: وقفت الدابة أقفها وقوفًا ووقفًا. وقال بعضهم: وقفت القوم أقفهم وقفًا، ووقفوا وقوفًا. والوقوف يكون جمعًا. وقد قيل في قول امرئ القيس [من الطويل]
١٨٣٢ - وقوفًا بها صحبي على مطيهم ... يقولون: لا تهلك أسى وتجمل
يجوز الأمران كما أوضحنا في غير هذا. ومنه استعير: وقف الأعيان تصدقًا، لأنه حبسها عن التصريف الذي كان له. وأوقف لغية ضعيفة. وفي الحديث: "المؤمن وقاف متأنٍ" كالتأكيد؛ فإنه هو الوقاف في الأمور غير العجل. وهذا ينظر إلى قول الآخر: [من البسيط].
١٨٣٣ - قد يدرك المتأني بعض حاجته ... وقد يكون مع المستعجل الزلل
والوقاف: الجبان عن الحرب. ومنه قول دريد بن الصمة: [من الطويل]
١٨٣٤ - فإن يك عبد الله خلى مكانه ... فما كان وقافًا ولا راعش اليد
وفي الحديث: "ولا واقفًا في وقيفاه" الواقف: خادم البيعة. والوقيفي: الخدمة. والوقف: سوار العاج. وحمار موقف بأرساغه مثل الوقف من البياض كقولهم: فرس
стр. 1726
محجل: إذا كان به مثل الحجل: وموقف الإنسان حيث يقف. والموافقة: أن يقف كل واحدٍ منهم على ما يقف عليه صاحبه. والوقيفة الوحشية: التي يجلبها الصائد إلى أن تقف إلى أن تصاد.
وق ي:
قوله تعالى: ﴿هو أهل التقوى وأهل المغفرة﴾ [المدثر: ٥٦]. التقوى: مصدر على فعلى فأبدلت فاؤها تاءً ولامها واوًا، لأنها من وقى يقي. فأصلها وقيًا. يقال: وقاه يقيه وقايةً. والوقاية: فرط الصيانة. قال ابن عباسٍ في قوله تعالى: ﴿هو أهل التقوى وأهل المغفرة﴾: يقول الله تعالى: أنا أهل أن أتقى فإن عصيت فأنا أهل أن أغفر. وقيل: الوقاية: حفظ الشيء مما يؤذيه ويضره، كقوله تعالى: ﴿فوقاهم الله شر ذلك اليوم﴾ [الإنسان: ١١].
والتوقي: جعل النفس في وقايةٍ مما يخاف، هذا تحقيقه. ثم يسمى الخوف تارةً تقوى، والتقوى حسب المقتضى لمقتضيه والمقتضي لمقتضاه. قال الراغب: وصارت التقوى في تعارف الشرع حفظ النفس مما يؤثم، وذلك بترك المحظور، ويتم ذلك بترك بعض المباحات لما روي: "الحلال بين والحرام بين، ومن رتع حول الحمى فحقيق أن يقع يقع فيه".
قوله: ﴿أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب﴾ تنبيه أنه لا شدة أشد مما ينالهم، وذلك أن سائر الأعضاء يتقى بها عن الوجه، وهؤلاء لشدة ما ينالهم يتقون بما هو أشرف الأعضاء. يقال: اتقى فلان بكذا: إذا جعله وقايةً لنفسه. وقوله تعالى: ﴿لعلكم تتقون﴾ [البقرة: ٢١] أي لعلكم أن تجعلوا ما أمركم الله به وقايةً بينكم وبين النار. ومنه قول العرب: اتقاه بحقه، أي جعله وقايةً من المطالبة والمخاصمة. قوله تعالى: ﴿إلا أن تتقوا منهم تقاةً﴾ [آل عمران: ٢٨]. تقاة مصدر بمعننى الاتقاء. والمعنى: إلا أن تتقوا منهم تقية، أي مخافة. يقال: اتقاه يتقيه اتقاءً وتقاةً وتقيةً. وقد قرئ "تقية" موضع "تقاةً".
стр. 1727
والتقاة والتقية اسمان بمعنى الاتقاء. وقال ابن عرفة: أي يكون لهم عهد أو ذمام أو رحم فيخالفون على ذلك ويحاملون عليه. وقيل: تقاة جمع كغزاةٍ ورماة. ولهذين القولين موضع هو أليق من هذا. وأما قوله: ﴿اتقوا لله حق تقاته﴾ [آل عمران: ١٠٢] فهو مصدر ليس إلا، ومعناه: اتقوه على نحو ما أمركم ونهاكم. وليس فيه تكليف بما لا يطاق، لنه قل من يتقي الله حق تقاته؛ فإن ذلك لا يوجد إلا في الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم ومن لطف الله به ووفقه. اللهم بجاه كتابك وكتبك ونبيك وأنبيائك اجعلنا من الحزب الذين يتقونك حق تقاتك.
وجمع التقوى تقاوى نحو فتوى وفتاوى. وجمع التقاة تقى نحو طمةٍ وطلى. والمتقى اسم فاعلٍ من اتقى تقي، أي أفرط في الصيانة. والأصل موتقي- فأبدلت الواو تاءً، وفي الحديث: "كنا إذا احمر البأس اتقينا برسول الله ﷺ " أي جعلناه وقايةً لنا من العذاب. ومنه قول عنترة: [من الكامل]
١٨٣٥ - إذ يتقون بي الأسنة لم أخم ... عنها، ولكني تضايق مع قدمي
أي يتقون بي حر القتال.
فصل الواو والكاف
وك أ:
قوله تعالى: ﴿قال هي عصاي أتوكأ عليها﴾ [طه: ١٨] أي أتكأ عليها وأعتمد. وحقيقته من الوكاء، وهو رةاط الشيء. ومنه وكاء السقاء. وفي الحديث: "العينان وكاء السه" أي بمنزلة الوكاء. فمعنى توكأ على العصا: تسدد بها وتقوى. وفي المثل: "يداك أوكتا وفوك نفخ" قيل في رجلٍ نفخ في زق وربطه، فسبح عليه في الماء فانحل رباطه، فقيل له "يداك أوكتا وفوك نفخ". يضرب لكل من لم يحتط في أمره. وفي معناه قول الآخر [من الوافر]
стр. 1728
١٨٣٦ - لنفسك لم ولا تلم المطايا ... ومت كمدًا فليس لك اعتذار
وك د:
قوله تعالى: ﴿ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها﴾ [النحل: ٩١] أي تقويتها وإحكامها. يقال: وكدت القول وأكدته -بالواو والهمز- نحو: ورخ وأرخ -بمعنى أحكمته وقويته. ومنه التوكيد الاصطلاحي؛ فإنه تقوية المعنى في النفس. وقد فرق الخليل بين الواو والهمز فقال: «أكدت» في الأيمان أجود، و «كدت» في لبقول أجود. تقول إذا عقدت: أكدت وإذا حلفت: وكدت؛ نقله الراغ وفيه نظر؛ فإن القراء كلهم على الواو في الآية الكريمة، ولا يقال توكيدًا. انتهى. يعني أنه اختص بهذا اللفظ بالهمز دون الواو، وفيه نظر؛ إذ ليس في النطق باللغة الأخرى حجر، وفي الحديث، وقد ذكر طالب العلم: «قد أوكدتاه يداه، وأعمدتاه رجلاه». أوكدتاه، أعلمتاه. يقال: وكد فلان أمرًا: قصده: وما زال هذا وكدي، أي دأبي وقصدي. وأما الوكد -بالفتح- فمصدر. ووكد فلان وكد فلانٍ: قصد قصده وتخلق بخلقه.
وك ز:
قوله تعالى: ﴿فوكزه موسى﴾ [القصص: ١٥] أي ضربه بعصًا. والمشهور ضربه بجمع كفه. يقال: لكزه، أي ضربه ببعضه، ووكزه بكله. وقيل الوكز: الدفع بجمع الكف.
وك ل:
قوله تعالى: ﴿وكفى بالله وكيلًا﴾ [الأحزاب: ٣] الباء مزيدة في فاعل كفى، ووكيلًا تمييز، أي كفى بالله متوليًا أمور خلقه؛ فإن الوكيل عبارة عمن يعتمد عليه في الأمور المهمة. وقيل: معناه اكتف به أن يتولى أمرك ويتوكل عليك. قوله: ﴿وما أنت عليهم بوكيلٍ﴾ [الزمر: ٤١] أي بموكلٍ عليهم وحافظٍ لهم، بل عليك البلاغ. وهذا
стр. 1729
تسلية له لأنه ﵊ كان حريصًا على سعادتهم دنيا وأخرى. فأبوا إلا الشقاء. ونظيره: ﴿لست عليهم بمصيطرٍ﴾ [الغاشية: ٢٢].
قوله: ﴿أم من يكون عليهم وكيلًا﴾ [النساء: ١٠٩] قال الراغب: أي من يتوكل عنهم؟ وفي اللفظ نبو عن هذا. قال: والتوكيل يقال على وجهين؛ يقال: توكلت لفلانٍ بمعنى توليت له. ويقال: وكلته فتوكل لي. وتوكلت عليه: اعتمدته. قال تعالى: ﴿وعلى الله فليتوكل المؤمنون﴾ [التوبة: ٥١]. قوله: ﴿ألا تتخذوا من دوني وكيلًا﴾ [الإسراء: ٢] قال الفراء: أي كفيلًا. وهذا لم يرتضه الراغب؛ فإنه قال: وربما فسر الوكيل بالكفيل، والوكيل أعم لأن كل وكيلٍ كفيل وليس كل كفيلٍ وكيلًا.
وواكل فلان: ضيع أموره باعتماده على غيره. وتواكلوا: إذا اتكل بعضهم على بعضٍ. ورجل وكلة: إذا كان معتمدًا على غيره في أموره. وفي الحديث: «فتواكلا الكلام» أي اتكل كل منهما على صاحبه في ذلك. واتكل أصله اوتكل فقلبت الواو ياء وأدغمت في تاء الافتعال. فوزنه افتعل. والوكل: الجبان؛ قال الشاعر: [من البسيط]
١٨٣٧ - كائنٍ دعيت إلى بأساء داهيةٍ ... فما انبعثت بمزؤود ولا وكل
لأن الجبان يتكل على شجاعة غيره. يقال: وكل ووكل -بفتح العين وكسرها- قال شمر: أي بليد. وفي مقتل الحسين رضي الله تعالى عنه وعن آبائه الكرام قال قاتله لعنه كثيرًا، وهو سنان بن أنسٍ، للحجاج: «ووليت رأسه أمرًا غير وكلٍ». قال الهروي: الوكال: البلادة. وقد واكلت الإبل: إذا أساءت السير. وقال الراغب: الوكال في الدابة: ألا تمشي إلا بمشي غيرها.
قوله تعالى: ﴿وعلى الله فتوكلوا﴾ [المائدة: ٢٣] أي كلوا أموركم إليه. يقال: توكل فلان بالأمر: إذا ضمن القيام به. ووكل فلان فلانًا، أي وكل أمره إليه يستكفيه إياه،
стр. 1730
فربما يكون ذلك لضعفٍ في الموكل. وربما يكون ثقة بالكفاية. وقال اةن عرفة في قوله: ﴿ألا تتخذوا من دوني وكيلًا﴾ أي لا تجعلوا شريكًا لي تكلون أموركم إليه. وقال غيره: أي كافيًا. وقال الفراء: كفيلًا. وقد تقدم فيه بحث.
فصل الواو واللام
ول ت:
قوله تعالى: ﴿لا يلتكم من أعمالكم﴾ [الحجرات: ١٤] قرأ غير أبي عمرو «يأليتكم» فقيل: من ولته يلته، أي نقصه حقه وبخسه إياه. وعلى هذا فهي من مادة الولت. وقيل: هو من لاته يليته، نحو باعه يبيعه بمعنى نقصه أيضًا. فعلى الأول المحذوف من الكلمة فاؤها، ووزنها يعلكم. وعلى الثاني المحذوف منها عينها ووزنها يفلكم. وفيه لغة ثالثة: ألاته يليته كأباعه يبيعه. ولغة رابعة: أألته يؤلته؛ بالكسر في الماضي والفتح في المضارع.
ول ج:
قوله تعالى: ﴿يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل﴾ [الحج: ٦١]. قال أبو عبيدٍ: أي ليل الصيف في نهاره ونهار الشتاء في ليله. والإيلاج: الإدخال. قال الراغب الدخول في مضيقٍ، كقوله: ﴿حتى يلج الجمل في سم الخياط﴾ [الأعراف: ٤٠]. وغيره: تفسير بمطلق الدخول. قال: قوله: ﴿يولج الليل في النهار﴾ تنبيه على ما ركب الله تعالى عليه العالم من زيادة الليل في النهار. وزيادة النهار في الليل، وذلك بحسب مطالع الليل ومغاربه. قوله: ﴿يعلم ما يلج في الأرض﴾ [سبأ: ٢] أي يدخل فيه من المطر وحشراتها وأناسيها. قوله: ﴿ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين﴾ [التوبة: ١٦] أي بطانةً وخاصةً. والوليجة: الدخيلة؛ يقال: فلان وليجة فلان، أي بطانته، أي يداخله في أموره. وقال الراغب: والوليجة: كل ما يتخذه الإنسان معتمدًا عليه، وليس من قولهم: فلان وليجة في القوم: إذا دخل فيهم، وليس منهم إنسانًا كان أو غيره. قال تعالى: ﴿ولم يتخذوا من دون الله﴾ الآية وذلك مثل قوله تعالى: ﴿يأيها الذين
стр. 1731
آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء﴾ [المائدة: ٥١].
ورجل ولجة خرجة: كثير الدخول والخروج. وفي حديث عبد الله: «إياك والمناخ على ظهر الطريق فإنه منزل للوالجة». الوالجة: السباع والحيات. سميت بذلك لولوجها فيها واستتارها بها. والولج: ما ولجت فيه من كهفٍ وشعبٍ ونحوهما.
ول د:
قوله تعالى: ﴿ووالدٍ وما ولد﴾ [البلد: ٣] قيل: الوالد آدم ﵇، وما ولد ولده. وجمهور النحويين يأبون وقوع «ما» على العاقل إلا في مواضع. وقال الراغب: قيل: آدم وما ولد من الأنبياء. انتهى. كأنه خص ذلك لأجل الإقسام بهم. وقال الهروي وما ولد من نبيٍ وصديقٍ وشهيدٍ ومؤمن. قلت: هذا أوسع مما تقدم، إلا أنه خصصه أيضًا حتى لا يقع الإقسام بالكفار، إذ الإقسام بالشيء تعظيم له. قوله تعالى: ﴿أنى يكون له ولد﴾ [الأنعام: ١٠١]. الولد: فعل بمعنى المفعول، نحو القبض والنقض. والولد يقع على الذكر والأنثى، واحدًا كان أو أكثر كقوله تعالى: ﴿أنى يكون له ولد﴾ هذا استفهام بمعنى نفي الولد عن ذاته المقدسة بأي صفةٍ كان من ذكورته ووحدته وغيرهما.
قوله تعالى: ﴿لم يزده ماله وولده إلا خسارًا﴾ [نوح: ٢١] قرئ بفتح الواو واللام، وبضم الواو وسكون اللام. فقيل: لغتان بمعنى كالعدم والعدم، والرشد والرشد، والعرب والعرب. وقيل: الولد - بالضم - جمع ولد - بالفتح - كأسدٍ جمع أسدٍ. والولد يقال للمتبنى به كقوله تعالى: ﴿أو نتخذه ولدًا﴾ [القصص: ٩]. وقيل: بمنزلة الولد في الحنو والشفقة عليه. ويقال للأب والد وللأم والدة، وهما والدان كقوله تعالى: ﴿وبالوالدين إحسانًا﴾ [الأنعام: ١٥١]
قوله تعالى: ﴿يوم ولدت﴾ [مريم: ٣٣] وقوله: ﴿يوم ولد﴾ [مريم: ١٥] الآيتين. قيل: إنما وقع السلام عليهما في هذه الثلاثة مواطن، لأن الإنسان أكثر ما يكون
стр. 1732
مستوحشًا فيها. فالأول فيه مفارقة ما ألف من الرحمة والشيمة إلى دار التعب والكد ومعاناة الهموم. والثاني مفارقة ما ألف من الدنيا إلى القبر وما يتضمنه من أهواله. والثالث: مفارقته إلى موضع الحشر ودار الجزاء من ثوابٍ وعقابٍ.
واللدة من وقت ولادتك كالترب، وشذ جمعه في لدين؛ يقال: هذا لدة هذا. واللدة في الأصل مصدر خص بما ذكرته لك. يقال: ولدت ولادة ولدة. وفي حديث رقيقة: «إلا وفيهم الطيب الطاهر لداته» قال الهروي: يريد موالده؛ جعل المصدر اسمًا ثم جمعه. وقال بعضهم: واللدة مختصة بالترب. فظاهر هذا أنها اسم لا مصدر. قوله تعالى: ﴿يطوف عليهم ولدان مخلدون﴾ [الإنسان: ١٩] قيل: هم أطفال الكفار يكونون خدم أهل الجنة. وقيل: هم خلق من خلق الجنة. وهم جمع وليدٍ. والوليد اشتهر استعماله في من قرب عهده بالولادة. قال الراغب: وإن كان في الأصل يصح لمن قرب عهده أو بعد. والوليدة مختصة في عامة كلامهم بالأمة. قلت: ومنه قول النابغة: [من البسيط]
١٨٣٨ - ضرب الوليدة بالمسحاة في الثأد
وفي حديث شريحٍ: «أن رجلًا اشترى جارية بشرط أنها مولدة، فإذا هي تليدة». قال القتيبي: التليدة: التي ولدت ببلاد العجم وحملت فنشأت ببلاء العرب. والوليدة: التي ولدت في الإسلام. قال ابن شميلٍ: هما واحد، وهما من ولد عبدك. وأثر شريحٍ يرده. وقال غيره: سمي المولد بذلك لأنه يتربى عندك تربية الأولاد. وفي الإنجيل لعيسى ﵇: «أنا ولدتك» بتشديد اللام، أي ربيتك. ونقلت عن بعض مشائخي أن الرشيد قال لولده: يابني تعلم العربية فإن النصارى رأوا في الإنجيل «ولدتك» بالتشديد فخففوها بجهلهم فكفروا أجمعون. والمولد من الكلام ما استحدث. والمولد من الشعر ما كان من الإسلاميين، والمخضرم من أدرك الجاهلية والإسلام.
стр. 1733
ول ق:
قوله تعالى: ﴿إذ تلقونه بألسنتكم﴾ [النور: ١٥] العامة: «تلقونه» على أنه من التلقي. وعائشة رضي الله تعالى عنها: «تلقونه» من الولق. والولق قيل: هو الإسراع في الكذب. وقيل: هو الاستمرار فيه، وهو في الأصل: الجنون والهوج. وجاءت الإبل تلق، أي تسرع لهوجها. وأنشد: [من الرجز]
١٨٣٩ - جاءت به عنس من الشام تلق
أي تسرع.
ورجل مولوق ومألوق، وناقة ولقى، أي سريعة. وفي حديث على كرم الله وجهه: «كذبت وولقت». وهذا كقوله الآخر: [من الوافر]
١٨٤٠ - وألفى قولها كذبًا ومينا
ومثله الولع، ومنه قول كعبٍ ﵁: [من البسيط]
١٨٤١ - لكنها خلة قد سيط من دمها ... فجع وولع وإخلاف وتبديل
وفي هذا الحرف قراءات، ولها توجيهات استوفيتها في «الدر».
ول ي:
قوله تعالى: ﴿فنعم المولى﴾ [الحج: ٧٨] المولى يطلق بإزاء معانٍ؛ قيل على سبيل الاشتراك اللفظي. وقيل: على التواطؤ. فالمولى: الناصر والمنعم وابن العم والحليف والعقيد. ومنه قوله تعالى: ﴿ولكل جعلنا موالي﴾ [النساء: ٣٣]. وكانوا يتوارثون بالحلف أول الإسلام ثم نسخ.
стр. 1734
والمولى: هو السيد المعتق والعبد المعتق. قوله تعالى: ﴿وإني خفت الموالي﴾ [مريم: ٥] قيل: أراد بني عمه وعصبته. ومعناه: الذين يلونه في النسب. قوله تعالى: ﴿ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم﴾ [محمد: ١١]. فالمولى هو الناصر. وقيل: وليهم والقائم بأمرهم. وكل من تولى أمرك فهو مولاك. وقال الراغب: الولاء والتوالي أن يحصل شيئان فصاعدًا حصولًا ليس بينهما ما ليس منهما. قال: ويستعار ذلك للقرب من حيث المكان ومن حيث النسب ومن حيث الدين ومن حيث الصداقة والنصرة والاعتقاد. والولي والمولى يستعملان في كل ذلك. وكل منهما يقال في معنى الفاعل، أي الموالي، وفي معنى المفعول أي الموالي. إلا أنه فرق بينهما بشيء؛ فقال: يقال: المؤمن ولي الله ولا يقال مولاه. ويقال: الله ولي المؤمن ومولاه.
فمن الأول: ﴿الله ولي الذين آمنوا﴾ [البقرة:٢٥٧] وقوله: ﴿فنعم المولى﴾ [الحج: ٧٨]. ومن الثاني: ﴿قل ياأيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء لله﴾ [الجمعة: ٦]. قوله تعالى: ﴿ما لكم من ولايتهم من شيءٍ﴾ [الأنفال: ٧٢]. قيل: ما لكم من موالاتهم ونصرتهم. وقرئ بفتح الواو وكسرها؛ فقيل: هما بمعنى نحو الدلالة والدلالة. ومعناها: توالي الأمر. وقيل: بالفتح النصرة، وبالكسر تولي الأمر. وقال الأزهري: بالفتح في النسب والنصرة. يقال: ولي من الولاية. وأما الولاية فهي الإمارة. ويقال: والٍ من الولاية، فشبه بالصناعة. قوله تعالى: ﴿وما لهم من دونه من والٍ﴾ [الرعد: ١١] أي ولي، يعني ناصرًا وقائمًا بأمورهم، نحو قادرٍ وقديرٍ.
قوله: ﴿إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه﴾ [آل عمران: ١٣٧] قال أبو بكر: معناه: يخوفكم أولياؤه، فحذف أول مفعوليه؛ إما اقتصارًا أو اختصارًا. وقال غيره: إن المفعولين محذوفان. والتقدير: يخوفكم الشر بأوليائه. قال الراغب: ونفى الله الولاية
стр. 1735
من المؤمن والكافر في غير آيةٍ، فقال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء﴾ [المائدة: ٥١]. وجعل بين الكافرين والشياطين موالاة في الدنيا، ونفى عنهم المولاة في الآخرة. قال تعالى في الموالاة بينهم في الدنيا: ﴿إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون﴾ [الأعراف:٢٧]. فكما جعل بينهم وبين الشياطين موالاةً جعل للشياطين عليهم سلطانًا في الدنيا، فقال: ﴿إنما سلطانه على الذين يتولونه﴾ [النحل: ١٠٠]. ونفى الموالاة بينهم في الآخرة فقال في موالاة الكفار بعضهم بعضًا: ﴿يوم لا يغني مولى عن مولى شيئًا﴾ [الدخان: ٤١].
قوله تعالى: ﴿وتولى عنهم﴾ [يوسف: ٨٤] أي أعرض. قال بعضهم: «تولى» إذا عدي بنفسه اقتضى معنى الولاية وحصوله في أقرب المواضع. يقال: وليت سمعي كذا، ووليت عيني كذا: أقبلت به عليه. قال تعالى: ﴿فول وجهك شطر المسجد الحرام﴾ [البقرة: ١٤٤]. قال: وإذا عدي بعن لفظًا أو تقديرًا اقتضى معنى الإعراض وترك قربه. فمن الأول قوله تعالى: ﴿ومن يتولهم منكم فإنه منهم﴾ [المائدة: ٥١]. ومن الثاني: ﴿فإن تولوا فإن الله عليم بالمفسدين﴾ [آل عمران: ٦٢]. قال: والتولي قد يكون بالجسم، وقد يكون بترك والإصغاء الائتمار؛ قال تعالى: ﴿ولا تولوا عنه وأنتم تسمعون﴾ [الأنفال: ٢٠] أي لا تفعلوا ما فعل الموصوفون بقوله: ﴿واستعشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا﴾ [نوح: ٧]. ولا ترتسموا قول من حكى عنهم: ﴿لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه﴾ [فصلت: ٢٦].
قوله: ﴿فهب لي من لدنك وليًا﴾ [مريم: ٥] أي أننا نكون من أوليائك. قوله تعالى: ﴿ولم يكن له ولي من الذل﴾ [الإسراء: ١١١] أي ناصر من الذل، ولا مانع له لاعتزازه. وقيل: لم يوال أحد من أجل مذلةٍ. وقوله تعالى: ﴿أولى لك فأولى﴾ [القيامة: ٣٤] من هذا. ومعناه: العقاب أولى لك وبك. قال الراغب: وقيل: هذا فعل المتعدي بمعنى افعل. يقال: ولي الشيء الشيء، وأوليت الشيء شيئًا آخر، أي جعلته إليه. وقيل: معناه انزجر. وقيل: هذه كلمة تهديد. وقال الأصمعي: قاربك فاحذره؛ مأخوذ من الولي وهو القرب. وإعراب الكلمة أن «أولى» مبتدأ، و «لك» خبره على معنى
стр. 1736
القرب من العذاب مستقر لك. وقيل: «أولى» خبر لمبتدأ مضمرٍ، أي العذاب أولى لك وبك من غيره. و «فأولى» عطف عليه على سبيل التأكيد المعنوي. وفي هذا الحرف أقوال كثيرة حررتها في «الدر المصون» وغيره.
قوله تعالى: ﴿هو موليها﴾ [البقرة: ١٤٨] أي متوليها. والتولية تكون إقبالًا لهذه الآية، أي مستقبلها. ويكون انصرافًا إذا عديت بعن، وقد تقدم. قوله تعالى: ﴿والذي تولى كبره منهم﴾ [النور: ١١] أي تحمل وزره من قولهم: تولى الأمر، أي وليه وتبعه. وفي الحديث: «ألحقوا المال بالفرائض فما أبقت السهام فلأولى رجلٍ ذكرٍ» يعني أدنى وأقرب في النسب. وفي الحديث أيضًا: «سئل عن الإبل فقال: أعنان الشياطين، لا تقبل إلا مولية ولا تدبر إلا مولية» قيل: هو كالمثل المضروب فيها، قاله الهروي: وفي حديث «ابن عمر» أنه كان يقوم له الرجل من لية نفسه فلا يقعد مكان نفسه» قال الأزهري: هو عندي فعله من الحروف الناقصة أوائلها. هو من ولي يلي، مثل دية وشية. وقال ابن الأعرابي: يقال: فعل كذا من إلية نفسه، أي من قبل نفسه؛ كأن الواو جعلت همزةً. وفي الحديث: «نهى أن يجلس الرجل على الولايا» هو جمع ولية، والولية: البرذعة، لأنها تلي ظهر الدابة. وهذا كناية عن المكث على ظهور الدواب. والولاء في العتق استحقاق العتق. وورثته المال العتيق مأخوذ من الولي وهو القرب والأحقية. وفي الحديث: «نهى عن بيع الولاء وهبته» وكانت الجاهلية تفعل ذلك فنهاهم.
فصل الواو والنون
ر ن ي:
قوله تعالى: ﴿ولا تنيا في ذكري﴾ [طه: ٤٢] أي لا تفترا ولا تضعفا. يقال:
стр. 1737
ونى في الأمر يني: إذا ضعف فيه وقصر في تحصيله ونيًا، وتواني توانيًا. والأصل توانيًا بضم النون فكسرت لتصح الياء. والونى بفتح الفاء والعين: الفتور أيضًا. وزعم بعض النحويين أن ونى يجيء بمعنى زال الناقصة فتعمل بعد النفي وشبهه. يقال: ما ونى زيد قائمًا، أي ما زال قائمًا. وأنشد: [من الخفيف]
١٨٤٢ - لا يني الحب شيمة الحب ما دا ... م فلا تحسبنه ذا ارعواء
فصل الواو والهاء
وهـ ب:
قوله تعالى: ﴿ووهبنا له إسحاق﴾ [الأنعام: ٨٤]. الهبة: أن تجعل الملك لغيرك من غير عوضٍ. يقال: وهبته هبةً وموهبًا. وقوله تعالى: ﴿لأهب لك غلامًا زكيًا﴾ [مريم: ١٩]. قرئ بإسناد الفعل إلى المتكلم وهو جبريل لأنه سبب في ذلك؛ وبإسناده إلى الباري تعالى. فالأول على التوسع، والثاني على الحقيقة.
قوله تعالى: ﴿إنك أنت الوهاب﴾ [آل عمران: ٨] هو كثير الهبة، أي العطية من غير استحقاقٍ عليه، بل هو تفضل منه على خلقه. فوصف الله تعالى بالوهاب والوهاب على هذا النحو. وقال الراغب: ويوصف الله تعالى بذلك، يعني أنه يعطي على قدر استحقاقه. وفي الحديث: «لقد هممت ألا أتهب إلا من قرشي أو أنصاري أو ثقفي» الاتهاب: قبول الهبة. وقد روى الهروي هذا الحديث ولم يذكر «إلا من قرشي» فقط. وقال في تفسيره: يقول: لا أقبل الهدية، وذلك أن في أخلاق أهل البادية جفاءً وذهابًا عن المودة وطلبًا للزيادة.
وهـ ج:
قوله تعالى: ﴿وجعلنا سراجًا وهاجًا﴾ [النبأ: ١٣] اشتعالها. والمعنى: جعلنا سراجًا مضيئًا قوي الضوء. والمعني به الشمس. الوهج: حصول الضوء وقوته. وقد
стр. 1738
وهجت النار توهج، ووهجت تهج، أي اتقدت. وأنشد. وتوهجت الحرب، على الاستعارة نحو: توقدت. وتوقد الجوهر، أي تلألأ توقدًا.
وهـ ن:
قوله تعالى: ﴿رب إني وهن العظم مني﴾ [مريم: ٤] أي ضعف ورق. وقال بعضهم: الوهن: ضعف من حيث الخلق والخلق. قوله تعالى: ﴿حملته أمة وهنًا على وهنٍ﴾ [لقمان: ١٤] أي ضعفًا على ضعفٍ. والمعنى أنه كلما عظم في بطنها زادها ضعفًا. قال قتادة: جهدًا على جهدٍ. يقال: ضعفت لحملها إياه مرةً بعد مرةٍ. قوله: ﴿ولا تهنوا ولا تحزنوا﴾ [آل عمران: ١٣٩] أي لا تضعفوا ولا تجبنوا. قال الفراء: يقال: وهنه الله وأوهنه. وفي الحديث: «أن فلانًا دخل عليه وفي عضده حلقة من صفرٍ. فقال: هذا من الواهنة. فقال: أما إنها لا تزيدك إلا وهنًا» قيل: الواهنة: عرق يأخذ في المنكب وفي اليد كلها فيرقى منها. وقيل: هو مرض يأخذ في عضد الرجل، وربما عقد عليها جنس من الخرز يقال: خرز الواهنة. وهي تأخذ الرجال دون النساء.
وهـ ي:
قوله تعالى: ﴿فهي يومئذٍ واهية﴾ [الحاقة: ١٦] أي منشقة ضعيفة. وأصل ذلك من الوهي وهو شق الأديم والثوب ونحوهما، ومن ذلك قولهم: وهت عزالي السماء بمائها، وذلك على الاستعارة.
فصل الواو والياء
وي ل:
قوله تعالى: ﴿ويل للمطففين﴾ [المطففين: ١]. الويل: القبوح والتعس. قال الأصمعي: ويل قوح. وقد تستعمل على التحسر وويس استصغار، وويح ترحم. وقال
стр. 1739
بعضهم: ويل: وادٍ في جهنم. قال الراغب: ومن قال: «ويل وادٍ في جهنم» فإنه لم يرد أن ويلًا في اللغة موضوع لهذا وإنما أراد من قال الله ذلك فيه فقد استحق مقرًا من النار وثبت له ذلك. وقال ابن كيسان: قال ثعلب: قال المازني: قال الأصمعي: الويل قبوح، والويح ترحم. وويس تصغيرها، أي هي دونها. وقال الهروي في قوله ﵊ لعمارٍ: «ويح ابن سمية تقتله الفئة الباغية» توجع له. وويح: كلمة تقال لمن وقع في هلكة لا يستحقها فيترحم عليه ويرق له. وويل تقال لمن يستحقها ولا يترحم عليه. وقال سيبويه: ويح كلمة زجرٍ لمن أشرف على الهلكة، وويل لمن رقع في الهلكة. وقال ابن عرفة: الويل: الحزن والمكروه. وأنشد: [من الوافر]
١٨٤٣ - تويل إن مددت يدي وكانت ... يميني لا تعلل بالقليل
تويل، أي دعا بالويل. وإنما يفعل ذلك عند شدة الحزن. وعن ابن عباسٍ: الويل: المشقة من العذاب. والويلة تأنيث الويل؛ يقال: ويل وويلة. قال تعالى: ﴿يا ويلتنا﴾ [الكهف: ٤٩]
وقوله تعالى: ﴿يا ويلتا ليتني لم أتخذ فلانًا خليلًا﴾ [الفرقان: ٢٨] يريد: يا ويلتي، فقلبت الياء ألفًا وهي لغة فصيحة. والمعنى: يا ويلتا، تعالي فهذا وقتك. وقال الفراء: الأصل في الويل وي، أي حزن. كما نقول: وي بفلان، أي حزن له. فوصلته العرب باللام، وقدروا أنها منه فأعربوها.
وي:
قوله تعالى: ﴿ويكأنه﴾ [القصص: ٨٢] قال قطرب: وهي كلمة تفجع، وكأن حرف تشبيهٍ، إلا أنه لم يرتضه. وقال غيره: أصلها ويلك، فحذفت اللام. ومنه قول
стр. 1740
عنترة: [من الكامل]
١٧٤٤ - ويك عنتر أقدم
وقيل: وي كلمة تعجبٍ اسم فعلٍ مضارعٍ بمعنى أعجب. والكاف بمعنى لام العلة، أي أعجب لأنه لا يفلح. واختلف الرسم في وصل «وي» بكلمة «كأن» وفصلها. وقال الهروي: وي كلمة تذكيرٍ للتحير والتندم والتعجب. وقد ذكرنا للناس أقوالًا كثيرةً في هذا الحرف في «الدر المصون» و «العقد النضيد» وغيرهما. فعليك باعتماده ثمة.
стр. 1741
باب الياء
فصل الياء والهمزة
ي أس:
قوله تعالى: ﴿اليوم يئس الذين كفروا﴾ [المائدة: ٣] اليأس: انتفاء الطمع. يقال: يئس واستيأس نحو عجب واستعجب، وسخر واستسخر. ومنه قوله تعالى: ﴿فلما استيأسوا منه خلصوا نجيًا﴾ [يوسف: ٨٠]. وقوله: ﴿أفلم ييأس الذين آمنوا﴾ [الرعد:٣١] قال بعضهم: ألم يعلموا علمًا ييأسون معه من أن يكون غير ما علموه. ولهذا قال الراغب: قيل: معناه أفلم يعلموا ولم يرد أن اليأس موضوع في كلامهم للعلم، وإنما قصد أن يأس الذين آمنوا من ذلك يقتضي أن يحصل بعد العلم بانتفاء ذلك؛ فإذا ثبوت يأسهم يقتضي حصول علمهم.
قال بعضهم: اليأس بمعنى العلم لغة للنجع، وأنشد لجابر بن سحيم: [من الطويل]
١٨٤٥ - أقول لهم بالشعب إذ ييسرونني: ... ألم تيأسوا اني ابن فارس زهدم؟
أي ألم يعلموا، وهو قول قتادة. وقيل: معناه: أفلم ييأس الذين آمنوا من إيمان من وصفهم الله بأنهم لا يؤمنون؟ لأنه قال تعالى: ﴿ولو شاء الله لجمعهم على الهدى﴾ [الأنعام: ٣٥]. قوله تعالى: ﴿قد يئسوا من الآخرة كما يئس الكفار﴾ [الممتحنة: ١٣] قال ابن عرفة: معنى قول مجاهدٍ: كما يئس الكفار في قبورهم من رحمة الله تعالى لأنهم
стр. 1742
آمنوا بالبعث بعد الموت فلم ينفعهم إيمانهم حينئذٍ. وقال غيره: كما يئسوا من أصحاب القبور أن يحيوا ويبعثوا. قلت: فقوله: من أصحاب القبور على القول الأول يكون بيانًا لقوله ﴿الكفار﴾. وعلى الثاني تكون متعلقة باليأس. وقد حققنا هذا في غير هذا.
قوله تعالى: ﴿كان يؤوسًا﴾ [الإسراء: ٨٣] أي تشديد اليأس. يقال: أيس فهو آيس ويؤوس، نحو ضارب وضروبٍ. وفي صفته ﵊: «لا يأس من طول» فسره الهروي بأن معناه أن قامته لا يؤيس من طوله، لأنه كان إلى الطول أقرب. وأنشد قول أبي وجزة: [من الكامل]
١٨٤٦ - يئس القصار فليس من نسوانها ... وحماسهن لها من الحساد
يقول: يئسن من مباراتها في القوام.
فصل الياء والباء
ي ب س:
قوله تعالى: ﴿فاضرب لهم طريقًا في البحر يبسا﴾ [طه: ٧٧] قال الراغب: اليبس: المكان الذي يكون فيه ماء فيذهب. واليبس: يابس النبات، وهو ما كان فيه رطوبة فذهبت. يقال: يبس النبات وييبس يبسًا ويبوسًا، فهو يابس. قال تعالى: ﴿ولا رطبٍ ولا يابسٍ﴾ [الأنعام: ٥٩]. ويستعار في كبر السن فيقال: يبس عظمه: لأن الشيخ تجف رطوبته.
والأيبسان: ما لا لحم عليه من الساقين إلى الكعبين.
فصل الياء والتاء
ي ت م:
قوله تعالى: ﴿وآتوا اليتامى أموالهم﴾ [النساء: ٢]. اليتامى: جمع يتيمٍ، وهو من
стр. 1743
فقد أباه قبل بلوغ الحنث ذكرًا كان أو أنثى. فأما بعد البلوغ فلا يتم، هذا بالنسبة إلى الحقيقة الشرعية. وأما اليتيم لغة فالانفراد. ومنه: درة يتيمة، لانفرادها عن نظائرها بحسنها. وقال بعضهم: اليتم في الآدميين من فقد الآباء، وفي غيرهم من الحيوانات من قبل فقد الأمات. ومظير يتيمٍ ويتامى أسير وأسارى. ويقال: يتم وييتم يتمًا فهو يتيم. وأنشد: [من الطويل]
١٨٤٧ - وكيد ضباع القف يأكلن جثتي ... وكيد خراش بعد ذلك ييتم
واليتامى جمع اليتيم واليتيمة. قال تعالى: ﴿في يتامى النساء﴾ [النساء: ١٢٧] وقال الشاعر: [من الرجز]
١٨٤٨ - إن القبور تنكح الأيامى ... النسوة الأرامل اليتامى
ومثل ذلك المسكين، جمع المسكين والمسكينة. وفي الحديث: «إني امرأة موتمة» أي ذات أيتام. والأصل ميتمة فقلبت الواو لانضمام ما قبلها. وهذه الرواية توافق رأي الأخفش في المحافظة على الضمة وقلب الحرف لأجلها. وقد ذكرنا هذه القاعدة في قوله: ﴿معيشة﴾ [طه: ١٢٤].
قوله تعالى: ﴿وآتوا اليتامى أموالهم﴾ سماهم يتامى بعد البلوغ اعتبارًا بما كانوا عليه، كما يتجوز عن الشيء بما يؤول إليه كقوله: ﴿أعصر خمرًا﴾ [يوسف: ٣٦] وهو إنما يعصر العنب.
فصل الياء والدال
ي د ي:
قوله تعالى: ﴿يد الله فوق أيديهم﴾ [الفتح: ١٠]. واليد تطلق على العقد والعهد. وقيل: يده أيديهم في الثواب. وقيل: في الوفاء. وجاء في التفسير: يد الله
стр. 1744
في المنة عليهم فوق أيديهم في الطاعة. واليد تعبر عن القدرة والسعة في الإنفاق. فمن الأول قوله تعالى: ﴿وأولي الأيدي﴾ [ص: ٤٥] أي القدرة والقوة. ومن الثاني قوله تعالى: ﴿وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم﴾ [المائدة: ٦٤] ولذلك عقبه بقوله: ﴿بل يداه مبسوطتان﴾ [المائدة: ٦٤]. وهذا كناية عن بسط اليد في النفقة وقبضها. واليد: النعمة أيضًا. ومنه: لي على فلانٍ يد، إلا أنه خولف بينهما في الجمع فقالوا في الجارحة أيدٍ وفي الجميع أيادٍ ويدي. وأنشد الراغب [من الطويل]
١٨٤٩ - فإن له عندي يديًا وأنعمًا
وإنما أطلقت اليد على هذه الأشياء لأنها يتعاطى بها ذلك. وقد ذكر الهروي أن اليد تطلق على أشياء منها الاستسلام. ومنه قوله ﵊ في مناجاته لربه: «هذه يدي لك» أي أنقدت واستسلمت. ومنه أيضًا حديث عثمان: «هذه يدي لعمارٍ» أي أنا منقاد له فليحتكم علي. وقال الشاعر: [من الطويل]
١٨٥٠ - أطاع يدًا بالقود فهو ذلول
ومنها القدرة، ومنه قوله تعالى: ﴿أولي الأيدي والأبصار﴾ [ص: ٤٥] أي القدرة والبصائر. وتقول العرب: هم يد على الآخرين، أي قادرون عليهم. ومنه قول علي بن عدي الغنوي الذي عرف بالغدير: [من الكامل]
١٨٥١ - فاعمد لما يعلو فما لك بالذي ... لا تستطيع من الأمور يدان
стр. 1745
أي قدرة وطاعة. ومنها القوة، ومنه قوله تعالى: ﴿أولي الأيدي﴾ في القول الثاني. ومنها النعمة. ومنها الملك، ومنها السلطان، ومنها الطاعة، ومنها الأكل؛ يقال: ضع يدك، أي كل. ومنها الندم، ومنه قوله تعالى: ﴿ولما سقط في أيديهم﴾ [الأعراف: ١٤٩] أي ندموا، ومنها الغيظ ومنه قوله تعالى: ﴿فردوا أيديهم في أفواههم﴾ [إبراهيم: ٩] أي اغتاظوا غيظًا عظيمًا. قال ابن مسعود: عضوا على أطراف أصابعهم. وقال غيره: فعلوه حنقًا. وأنشد لصخر الهذلي: [من المتقارب]
١٨٥٢ - قد افنى أنامله أزمه ... فأمسى يعض على الوظيفا
وقال الآخر: [من المتقارب]
١٨٥٣ - يردون في فيه عشر الحسود
واليد: العصيان، ومنه: جرح فلان تارعًا يده، أي عاصيًا. واليد: الجماعة، ومنه قوله ﵊: «وهم يد على من سواهم» أي مجتمعون. يعني أن المسلمين لا يسعهم التجادل، بل يعاون بعضهم بعضًا. ومنها الابتداء بالشيء، ومنه: أعطاني عن ظهر يدٍ، أي ابتداء. واليد: الطريق، ومنه قوله ﵊: «فأخذ بهم يد البحر» أي طريق الساحل.
واليد: الصدقة، ومنه قولفه ﵊: «أسرعكن لحوقًا أطولكن يدًا» أي أكثر صدقة، فكانت سودة. وكانت تحب الصدقة.
وهذه المعاني التي ذكرها إنما هي بطريق اللازم أو التجوز. ووجه ذلك كله ظاهر، فلا حاجة إلى الإطالة معه في البحث. وأصل اليد للجارحة، وأصلها يدي أو يدي -بسكون العين وفتحها- ويجمح على أيدٍ. قال تعالى: ﴿أم لهم أيدٍ يبطشون بها﴾
стр. 1746
[الأعراف: ١٩٥] إلا أن الراجح أن يكون فعلًا بدليل جمعه على أفعلٍ؛ فإن أفعله في فعلٍ أكثر منه في فعلٍ -فالفتح- وقد جاء فيه نحو جبلٍ وأجبلٍ، وزمنٍ وأزمن. واستدل بعضهم على أنها «فعل» بالفتح من قولهم: يديان، في التثنية، وفيه نظر لأنه لم يرد ذلك إلا ضرورة. فيجوز أن تكون حركة العين للضرورة. ويدل على أن لامه ياء قولهم في التثنية يديان. وأنشد: [من الكامل]
١٨٥٤ - يديان بيضاوان عند محلم ... قد يمنعانك أن تضام وتظهرا
والأكثر في تثنية حذف اللام كقوله تعالى: ﴿بل يداه مبسوطتان﴾ [المائدة: ٦٤] ﴿تبت يدا أبي لهبٍ﴾ [المسد: ١] وقد ترد كالبيت المتقدم. ومثلها في حذف اللام تثنية وردها قليلًا دم عكس أبٍ أخواته. وقد حققت ذلك كله في موضوعات النحو.
قوله: ﴿فويل لهم مما كتبت أيديهم﴾ [البقرة: ٧٩] فنسبة الكتب إلى الأيدي تنبيه أنهم اختلقوه بأفواههم، تنبيهًا على اختلافهم، وإلا فمعلوم أن الكتب والقول إنما هما باليد والفم. قوله: ﴿حتى يعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرونؤ [التوبة:٢٩] أي عن قوةٍ منكم وقدرةٍ. وقيل: يعطون ذلك في مقابلة نعمه عليهم في استقرارهم ببلاد الإسلام.
فصل الياء والسين
ي س:
قوله تعالى: ﴿يس والقرآن الحكيم﴾ [يس: ١ - ٢] هذان حرف تهج، القول فيهما كالقول في سائر الحروف المقطعة نحو «ألم» و «كهيعص». وفيها أقوال كثيرة جدًا حررتها في «التفسير الكبير» و «الدر المصون». وقيل: معناه يا رجل. وقيل: يا إنسان. والأول أصح.
стр. 1747
ي س ر:
قوله تعالى: ﴿إن مع العسر يسرًا﴾ [الشرح: ٦] اليسر: السهولة ضد العسر. ومنه قوله تعالى: ﴿فما استيسر من الهدى﴾ [البقرة: ١٩٦] ﴿فاقرؤوا ما تيسر﴾ [المزمل: ٢٠] أي ما سهل. وقوله: ﴿ولقد يسرنا القرآن للذكر﴾ [القمر: ١٧] أي سهلناه. ولولا ذلك لم يطق أحد أن يحفظه في صدره. ولذلك كانت كتب الأولين لا تحفظ في الصدور؛ فإن كلام الله تعالى أعظم من ذلك لولا تيسير ذلك. وأيسرت المرأة وتيسرت: ولدت بسهولةٍ. قوله تعالى: ﴿فإنما يسرناه بلسانك﴾ [مريم: ٩٧] فإنما سهلناه بلغتك. قوله تعالى: ﴿فنيسره للعسرى﴾ [اللليل: ١٠] لمشاكلة قوله تعالى: ﴿فنيسره لليسرى﴾ [الليل: ٧]. وقيل: على التهكم نحو: ﴿فبشرهم بعذابٍ أليمٍ﴾ [آل عمران: ٢١].
قوله: ﴿فقل لهم قولًا ميسورًا﴾ [الإسراء:٢٨]. واليسير يقال في الشيء القليل. قوله: ﴿وكان ذلك على الله يسيرًا﴾ [النساء: ٣٠] خطابًا لهم على ما يتعارفونه من عسر الأمور وسهولتها. واليسير يقال في الشيء القليل كقوله تعالى: ﴿وما تلبثوا بها إلا يسيرًا﴾ [الأحزاب: ١٤]. قوله: ﴿فنظرة إل ميسرةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠] أي إلى يسرٍ وغنى. وقرئ «ميسرة» و «ميسرة» بالفتح والضم. واليسار أخت اليمين، والمشهور فتح الياء. ونقل الراغب كسرها.
واليسرات: القوائم الخفاف. ويسرت الغنم: تهيأت للولادة. وأنشد الفراء لأبي أسيدة الدبيري: [من الطويل]
١٨٥٥ - هما سيدانا يزعمان، وإنما ... يسوداننا أن يسرت غنماهما
стр. 1748
وفي الحديث: «كل ميسر لما خلق له» أي مهيأ ومصروف إليه. وأنشد للأعشى: [من الطويل]
١٨٥٦ - ويسر سهمًا ذا غراءٍ يسوقه ... أمين القوى في صلبة المترنم
قوله: ﴿ثم السبيل يسره﴾ [عبس: ٢٠] أي سهل خروجه. قوله تعالى: ﴿إنما الخمر والميسر﴾ [المائدة: ٩٠] الميسر: القمار. وله كيفية ذكرناها مستوفاةً، واختلاف أهل اللغة فيها في كتابنا «القول الوجيز». وله عشرة أسهمٍ معروفة. وقال بعضهم: الميسر: الجزور، لأنها تجزأ. وكل شيء جزأته فقد يسرته. والياسر: الجازر. يقال: ياسر ويسر والجمع أيسار. ورجل يسر وأيسر، أي سهل. وفي الحديث: «كان عمر أعسر أيسر» قال أبو عبيدة: هكذا رواه المحدثون، والصواب: «أعسر يسرًا» وهو الأضبط الذي يعمل بكلتا يديه. قوله: ﴿ذلك كيل يسير﴾ [يوسف:٦٥] أي لقتله يسهل إعطاؤه.
فصل الياء والقاف
ي ق ظ:
قوله تعالى: ﴿وتحسبهم أيقاظًا﴾ [الكهف: ١٨] هم جمع يقظٍ، بكسر العين وضمها. واليقظة: التنبه ضد النوم. ويقال: رجل يقظان، والجمع يقاظي. قال الشاعر: [من الطويل]
ي ق ن:
قوله تعالى: ﴿ثم لترونها عين اليقين﴾ [التكاثر:٧] أي الأمر الثابت الذي لا شك يخالجه. واليقين هو سكون الفهم مع ثبات الحكم، وأصله من يقن الماء أي ثبت وسكن. قال بعضهم: اليقين من صفة العلم فوق المعرفة والدراية، وأخواتهما. يقال: علم يقينٍ ولا يقال: معرفة يقينٍ. ويقال: علم اليقين، عين اليقين، وبينهما حق اليقين، فروق.
стр. 1749
فالأول أدناها، والثاني أعلاها، والثالث بينهما. وفيها أقوال غير ذلك حققتها في غير هذا الموضوع.
قوله: ﴿واستيقنتها أنفسهم﴾ [النمل: ١٤] أي تيقنتها. يقال: أيقن الرجل ويقن وتيقن واستيقن. وقوله تعالى: ﴿أيات لقومٍ يوقنون﴾ [الجاثية: ٤] وقوله تعالى: ﴿حتى يأتيك اليقين﴾ [الحجر: ٩٩] أي الحق الذي وعدك الله من نصره لك ولدينه. وقيل: اليقين هنا الموت ولا شك أن الموت فرد من أفراده. قوله تعالى: ﴿وما قتلوه يقينًا﴾ [النساء: ١٥٧] أي حكموا بذلك تخمينًا وتوهمًا.
فصل الياء والميم
ي م م:
قوله تعالى: ﴿ولا تيمموا الخبيث منه تنتفقون﴾ [البقرة:٢٦٧] أي لا تقصدوا. ومنه قوله تعالى: ﴿فتيمموا صعيدًا طيبًا﴾ [النساء: ٤٣] أي اقتصدوا التراب. ومنه قول الشاعر: [من الطويل]
١٨٥٨ - تيممت الماء الذي عند ضارج
واليم: البحر، قيل: مطلقًا. وقيل: هو الذي غرق فيه فرعون بخصوصه، ويسمى أساف، وقيل: هو البحر بلغة الحبشة.
واليمام: طائر أصغر من الورشان. واليمام: هو ذو الطوق الذي يكون في البيوت، عكس الحمام الذي لا يكون في البيوت. وهو خلاف عرف الناس اليوم. واليمامة: مدينة معروفة، وكان مسيلمة -لعنه الله- يضاف إليها، فيقال: رحمان اليمامة.
ي م ن:
قوله تعالى: ﴿إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين﴾ [الصافات: ٢٨] أي عن القوة
стр. 1750
والقهر، أي غلبتمونا وقهرتمونا حتى أطعناكم، وركبوا معاصيهم على قادتهم. قال ابن عرفة: أي تمنعوننا من طاعة الله، أي تأتوتنا من قبل الحق فتلبسوه علينا. والعرب تنسب الفعل المحمود إلى اليمين والمذموم إلى الشمال. قال الشماخ: [من الوافر]
١٨٥٩ - إذا ما راية رفعت لمجدٍ ... تلقاها عرابة باليمين
قوله: ﴿لأخذنا منه باليمين﴾ [الحاقة:٤٥] عبارة عن الهلكة، لأن السياف عادةً يأخذ من يضرب عنقه من جهة اليمين ليتمكن من ضربه. وقيل: معناه: أخذناه بالقوة والقدرة. وقيل: أخذنا قوته وقدرته. واليمين في الأصل هي الجارحة المعروفة. وعبر عن تلك الأشياء بها كما عبر عنها باليد فيما تقدم. وعبر عن السعادة باليمين كقوله تعالى: ﴿وأصحاب اليمين﴾ [الواقعة:٢٧] الآية وعن الشقاوة بالشمال كقوله تعالى: ﴿وأصحاب الشمال﴾ [الواقعة:٤١]. ولذلك أعطي السعداء كتبهم بالأيمان، وضدهم بالشمائل. واليمين في القسم لأن الحالف غالبًا يصفق بيمينه. وقرئ قوله تعالى: ﴿إنهم لا أيمان لهم﴾ [التوبة: ١٢] بفتح الهمزة جمع يمينٍ، أي لا موثق بيمينٍ لأنهم ينقضون العهد. وبالكسر على أنه «الإيمان» وهو التصديق بالجنان. والياء في الأول أصل بنفسها. وفي الثاني منقلبة عن همزة حسبما بيناه غير مرةٍ. وفي الحديث: «الحجر الأسود يمين الله في الأرض» أي يتوصل به إلى السعادة المقربة إليه. واليمين والتيمن: السعادة.
فصل الياء والنون
ي ن ع:
قوله تعالى: ﴿وينعه﴾ [الأنعام: ٩٩] أي نضجه. يقال: ينعت تينع ينعًا، وأينعت إيناعًا فهي مونعة. وقال ابن الأنباري: الينع جمع يانع وهو المدرك البالغ؛ كأنه جعله مثل صاحبٍ وصحبٍ، وراكبٍ وركبٍ. قال الفراء: أينع أكثر من ينع. قلت: وكأن هذا الحامل لأبي بكرٍ على جعله جمعًا لا مصدرًا لئلا يجيء القرآن على اللغة القليلة؛ إذ لو
стр. 1751
جاء على الكثير لقيل: إيناعه. وقرئ: «وينعه» قيل: هو جمع يانعٍ. قلت: وكأنه جعله مثل خادمٍ وخدمٍ. وفي الحرف قراءات حررتها في غير هذا.
والينعة: الخرزة الحمراء.
فصل الياء والواو
ي وم:
قوله تعالى: ﴿وذكرهم بأيام الله﴾ [إبراهيم: ٥] أي بنقماته وشدائده. والأيام يعبر بها عن الشدائد والوقائع. ومنه أيام العرب كيوم الكلاب ونحوه. وقال بعضهم: إضافة الأيام إلى الله للتشريف لها لما أفاض عليهم من نعمه فيها. وقال عبد الملك بن مروان للحجاج الخبيث وقد أرسله: «سر إلى العراق غرار النوم طويل اليوم» أي اجتهد في المسير دائبًا ليلك ونهارك.
واليوم عبارة عن مدة الزمان من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، والنهار مثله، وقيل: بل هو من طلوع الشمس إلى غروبها. وقد جعل الراغب اليوم عبارة عن وقت الشمس إلى غروبها. وإنه اشتبه عليه ذلك القول المنقول في النهار. وقد يعبر باليوم عن مطلق الزمان قل أو كثر من ليلٍ أو نهارٍ. قال تعالى: ﴿إلى ربك يومئذٍ المساق﴾ [القيامة: ٣٠] وهو عبارة عن وقت الاحتضار.
وقال تعالى: ﴿إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان﴾ [آل عمران: ١٥٥] وقال امرؤ القيس: [من الطويل]
١٨٦٠ - كأني غداة البين يوم تحملوا ... لدى سمرات الحي ناقف حنظل
وزعم بعضهم أن اليوم في البيت على حقيقته، وأنه بدل من غداة، وجعله دليلًا على إبدال الكل من البعض، هو مذهب مرجوح، وجوابه ما تقدم.
стр. 1752
وليكن هذا آخر ما أردته وخاتمه ما حررته. وكمل الكتاب وتم، والحمد لمن فضله عم. راجيًا منه النفع إن شاء الله تعالى وبه التوفيق. وحسبنا الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.
وكان الفراغ من رقم هذه الأحرف البالية الفانية في يوم الخميس المبارك الثامن أو التاسع من ذي الحجة ختام عام سنة واحدٍ وثلاثين وألفٍ من الهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام. على يد أفقر العباد وأحقرهم عبد الرحمن بن محمد المنشاوي. عفا الله عنه.
١٨٦١ - إن تجد عيبًا فسد الخللا ... جل من لا فيه عيب وعلا