← Тафсир

Тафсир · id 17829

عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ

السمين الحلبي

Полный текст (1 752 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

أحد فيها. فإنه همزته أصلية. وقد أتقنت هذا في غير هذا. والمفسرون يقولون في قوله تعالى ﴿قل هو الله أحد﴾ أحد بمعنى واحد. وقال الأزهري: الفرق بين الواحد والأحد في صفاته تعالى أن الأحد بني لنفي ما يذكر معه العدد. والواحد اسم لمفتتح العدد. وتقول: ما أتاني من أحدٍ، وجاءني منهم واحد، والواحد بني على انقطاع النظير وعوز المثل، والوحيد بني على الوحدة والانفراد عن الأصحاب. وقوله: ﴿ذرني ومن خلقت وحيدًا﴾ [المدثر: ١١] من صفة المخلوق، أي خلقته منفردًا لا مال له ولا ولد، ثم جعلت له ذلك. والوحدة: الانفراد. قال بعضهم: الواحد في الحقيقة هو الشيء الذي لا جزء له البتة. ثم يطلق في كل موجودٍ، حتى إنه ما من عددٍ إلا ويصح وصفه به؛ فيقال: عشرة واحدة، ومئة واحدة. قال: فالواحد لفظ مشترك يستعمل في ستة أوجهٍ: الأول ما كان واحدًا في الجنس أو في النوع كقولنا: الإنسان والفرس واحد في الجنس وزيد وعمر واحد في النوع. الثاني: ما كان واحدًا بالاتصال؛ إما من حيث الخلقة كقولك: شخص واحد، وإما من حيث الصناعة كقولك: حرفة واحدة. الثالث: ما كان واحدًا لعدم نظيره، إما في الخلقة كقولك: الشمس واحدة، وإما في دعوى الفضيلة كقولك: فلان واحد دهره مثل: نسيج وحده. الرابع: ما كان واحدًا لامتناع التجزيء فيه إما لصغره كالهباء، وإما لصلابته كالألماس. الخامس: للمبدأ؛ إما لمبدأ الأعداد كقولك: واحد، اثنان، أو لمبدأ الخط كقولك: النقطة الواحدة. والوحدة في كلها عارضة. قال: وإذا وصف الله تعالى: بالواحد فمعناه أنه الذي لا يجري عليه التجزيء ولا التكثير، ولصعوبة هذه الوحدة قال تعالى: ﴿وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا

стр. 1682

يؤمنون بالآخرة﴾ [الزمر: ٤٥]. والوحد: المفرد، ويوصف به غير الباري، والوحد بمعناه. وأنشد للنابغة: [من البسيط] ١٧٨٩ - بذي الجليل، على مستأنسٍ وحد قال: وأحد مطلقًا لا يوصف به غير الباري تعالى. ويقال في المدح: هو نسيج وحده. وفي الذم: عبير وحده، وجحيش وحده. فإن أريد أقل من ذلك في الذم قيل: رجيل وحده. وقولهم: جليس وحده نصب على الحال لأنه في قوة التنكير، إذ المعنى جلس منفردًا. وهو من الأسماء اللازمة للإضافة إلى المضمرات. قوله: ﴿لستن كأحدٍ من النساء﴾ [الأحزاب: ٣٢] إنما أتي بأحد هنا دون واحدة لأن "أحد" نفي عام للمذكر والمؤنث والجماعة. قوله: ﴿قل إنما أعظكم بواحدةٍ﴾ [سبأ: ٤٦] قيل: بأن توحدوا الله. وقيل: بخصلة ٍ واحدة. وهو عظة واحدة، وهي ﴿أن تقوموا لله مثنى وفرادى﴾ أي تجتمعون فتذكرون أمر النبي ﷺ . ثم ينفرد كل منكم فينظر في عاقبة ما قال وما قيل له فيظهر لكم أن محمد ﷺ لم يكن به جنة ﴿بل جاء بالحق وصدق المرسلين﴾ [الصافات: ٣٧]. وح ش: قوله تعالى: ﴿وإذا الوحوش حشرت﴾ [التكوير: ٥] الوحوش: جمع وحشٍ. والوحش خلاف الإنس. والحيوانات التي لا خلطة لها بالإنس ولا أنس لها يقال لها الوحش. والوحش أيضًا المكان القفر؛ قال الراغب: يقال: لقيته بوحشٍ إصمت، أي ببلدٍ قفرٍ. فظاهر هذا أن بين هذين الاسمين لمكانٍ خالٍ غير معين. فظاهر عبارة غيره من أهل اللغة أن "وحش" المذكور هو الحيوان المتوحش على الأصل. وإصمت: اسم لمكانٍ بعينه أضيف إليه الوحش. وأنشدوا: [من البسيط] ١٧٩٠ - بوحش إصمت في أصلابها أود ويقولون: إن إصمت منقول من فعل الأمر مجردًا من ضميرٍ بديل منعه الصرف،

стр. 1683

وفيه بحث حققناه في غير هذا. والوحش: الرجل لا طعام له؛ يقال: رجل وحش وجمعه أوحاش. وفي الحديث: "لقد بتنا وحشين ما لنا طعام". وتوحش الوحشات للدواء، أي احتمى له. وفي الحديث: "وحشوا برماحهم" أي رموا بها. وفيه أيضًا: "لا تحقرن شيئًا من المعروف ولو أن تؤنس الوشحان". يقال: رجل وحشان، أي مغتم، وجمعه وحاشى، على حد عطشان وعطاشى. والوحشي من الإنسان يضاد الإنسي منه، والإنسي منه ما أقبل والوحشي ما أدبر ومنه: وحشي القوس وإنسيه أيضًا. والوحشي مطلقًا ما نسب إلى الوحش. وتوحش، أي صار كالوحش نحو تأنس، أي صار كالإنس. وح ي: قوله تعالى: ﴿فأوحى إلى عبده ما أوحى﴾ [النجم: ١٠]. الإيحاء من الله تعالى إلى رسله إما بواسطة ملكٍ كريمٍ يليق بجلاله حسبما يشهد بذلك كتابه العزيز. وأصل الوحي في اللغة الإشارة الشريفة، هذا قول الراغب: وقال الهروي: أصله في اللغة إعلام في إخفاءٍ. قال الراغب. ولتضمنه معنى السرعة قيل: أمر وحي، وذلك يكون بالكلام على سبيل الرمز والتعرض. وقد يكون بصوتٍ مجردٍ عن التركيب وبإشارة بعض الجوارح وبالكتابة. وقد حمل على ذلك قوله: ﴿فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيًا﴾ [مريم: ١١] قيل: رمز، وقيل: كتب، وقيل: اعتبار. وعلى هذه الوجوه المذكورة حمل قوله: ﴿يوحى بعضهم إلى بعضٍ زخرف القول غرورًا﴾ [الأنعام: ١١٢]. قال: ويقال للكلمة الإلهية التي تلقى إلى أنبيائه وأوليائه وحي، وذلك أضرب حسبما دل عليه قوله تعالى: ﴿وما كان لبشرٍ أن يكلمه الله إلا وحيًا أو من وراء حجابٍ أو يرسل رسولاً فيوحي بإذنه ما يشاء﴾ [الشورى: ٥١] ذلك إما برسولٍ مشاهدٍ يرى

стр. 1684

ذاته ويسمع كلامه؛ كتبليغ جبريل ﵊ للنبي ﷺ في صورة معينةٍ، وإما بسماع كلامٍ من معاينةٍ كسماع موسى ﵇ كلام الله، وإما بإلقاءٍ في الروع كما ذكر ﵊ "إن روح القدس نفث في روعي" وإما بإلهامٍ نحو: ﴿وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه﴾ [القصص: ٧]. وإما بتسخير نحو قوله تعالى: ﴿وأوحى ربك إلى النحل﴾ [النحل: ٦٨]، أو بمنامٍ كقوله ﵊: "انقطع الوحي وبقيت المبشرات رؤيا المؤمن". قال: فالإلهام والتسخير والنوم دل عليه قوله: ﴿إلا وحيًا أو من وراء حجاب﴾، وتبيلغ جبريل في صورةٍ معينةٍ دل عليه قوله تعالى: ﴿أو يرسل رسولاً﴾ انتهى. يعني: أن الوحي يقع على أوجه أحدها: الوحي من الله لأنبيائه على لسان ملكٍ أو من غير ملكٍ، وهذا الوحي الخاص لا يشرك الأنبياء فيه غيرهم من الشر. وقد وقع لنبينا محمد ﷺ على أوجهٍ حسبما هو مذكور عنه ﵊ في الأحاديث المشهورة. وثانيها أن يكون إلهامًا. وثالثها أن يكون إشارة. ورابعها أن يكون كتابةً. قيل: خط لهم في الأرض: ﴿سبحوا بكرةً وعشيًا﴾. وخامسها أن يكون بالقهر والتسخير. وسادسها أن يكون أمرًا: ﴿وإذ أوحيت إلى الحواريين﴾ [المائدة: ١١١] أي أمرتهم. وهل ذلك بطريق الاشتراك أو الحقيقة والمجاز؟ يجوز الأمران. والمرجح عند الأصوليين أنه إذا دار الأمر بين الاشتراك وبين الحقيقة والمجاز فالثاني أولى. وقيل: بالعكس. ويقال: وحى وأوحى بمعنى وومى وأومى. وأنشد للعجاج: [من الرجز] ١٧٩١ - وحى لها القرار فاستقرت وقوله تعالى: ﴿وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم﴾ [الأنعام: ١٢١] أي يوصلون ذلك بالوسوسة. وهذا كما أشار إليه بقوله تعالى: ﴿الذي يوسوس في صدور الناس﴾ [الناس: ٥] وقد يطلق الإيحاء على أصوات الحيوانات غير الأناسي. وأنشد

стр. 1685

علقمة: [من البسيط] ١٧٩٢ - يوحي إليها بإنقاضٍ ونقنقةٍ ... كما تراطن في أفدانها الروم والوحا بفتح الواو والحاء: السرعة، ومنه الحديث: "الوحا الوحا" قال الهروي: والفعل منه توحيت توحيًا. قلت: فيكون هذا مصدرًا على حذف الزوائد. فصل الواو والدال ود د: قوله تعالى: ﴿وهو الغفور الودود﴾ [البروج: ١٤] هو المحب لعباده. قلت: ومعنى محبة الله لعباده ومحبتهم له قد تقدمت في مادة الحب لا على ما يخطر ببال الجهلة. ولذلك قال الراغب: فالودود يتضمن ما دخل في قوله: ﴿فسوف يأتي الله بقومٍ يحبهم ويحبونه﴾ [المائدة: ٥٤]. وقال بعضهم: مودة الله لعباده هي مراعاته لهم. روي أنه تعالى قال لموسى: أنا لا أغفل عن الصغير لصغره، ولا عن الكبير لكبره، فأنا الودود الشكور. قوله تعالى: ﴿سيجعل لهم الرحمن ودًا﴾ [مريم: ٩٦] أي محبةً من خلقه لهم. روي "أن الله تعالى إذا أحب عبدًا نادى مناد في السماء ثم في الأرض ثم يوضع له القبول في السماء". الحديث. والود: محبة الشيء وتمني كونه. قال الراغب: ويستعمل في كل من المعنيين، على أن التمني يتضمن معنى الود، لأن التمنى هو تشهي حصول ما توده. فقوله: ﴿وجعل بينكم مودة﴾ [الروم: ٢١] إشارة إلى ما وقع بينهم من الألفة المشار إليها بقوله تعالى: ﴿لو أنفقت ما في الأرض جميعًا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم﴾ [الأنفال: ٦٣]. ومن المودة التي تقتضي المحبة قوله تعالى: ﴿لا أسألكم عليه أجرًا إلا المودة

стр. 1686

في القربى﴾ [الشورى: ٣٣]. ومن المودة التي تقتضي معنى التمني: ﴿يود أحدهم لو يعمر﴾ [البقرة: ٩٦] ﴿ودوا لوتدهن﴾ [القلم: ٩]. قوله: ﴿ولا تذرن ودًا﴾ [نوح: ٢٣] هو صنم مشهور. قيل: سمي بذلك إما لمودتهم له وإما لا اعتقادهم أن بينه وبين الباري مودة، تعالى عما يقولون علوًا كبيرًا. والود -بفتح الواو- وقد تقدم أنه أدغم. وقال الراغب: يصح أن يكون وتدًا فأدغم، وأن يكون لتعليق ما يشد به أو لثبوته في مكانه، فتصور منه معنى المودة الملازمة، يعني فتكون الدالان أصليتين من هذه المادة. ود ع: قوله تعالى: ﴿ما ودعك ربك وما قلى﴾ [الضحى: ٣] أي ما تركك وما خلاك، من توديع المسافر. قيل: والتوديع أصله من الدعة، وهي خفض العيش ورفاهيته، وذلك أنه يدعو للمسافر أن يتحمل الله عنه كآبة السفر، وأن يبلغه الدعة. كما أن التسليم دعاء له بالسلامة، ثم صار ذلك متعارفًا في تشييع المسافر وتركه. وودعت فلانًا، أي خليته. ويعبر بالوداع عن الموت. وعليه حمل قول الشاعر: [من الكامل] ١٧٩٣ - ودعت نفسي ساعة التوديع وعن ابن عباسٍ في قوله: ﴿ما ودعك﴾ أي ما قطعك مذ أرسلك. قال: وسمي الوداع وداعًا لأنه فراق ومتاركة. وفي الحديث: "غير مودعٍ ربي ولا مكفورٍ". وقرئ "ما ودعك" مخفف الدال، وهو من الترك أيضًا. ولا يستعمل منه -في المشهور- ماضٍ ولا اسم فاعلٍ بل الأمر والمضارع، نحو: دع هذا، وتدعه. وقد جاء الماضي كهذه القراءة. وأنشدوا: [من الرمل]

стр. 1687

١٧٩٤ - سل أميري ما الذي غيره ... عن وصالي اليوم حتى ودعه؟ وقال آخر: [من الرمل] ١٧٩٥ - ليت شعري عن خليلي ما الذي ... غاله في الحب حتى ودعه؟ وفي الحديث: "لينتهين الناس عن ودعهم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم". فالودع هنا مصدر. ويحكى أن شمرًا قال: زعمت النحوية أن العرب أماتوا مصدره وماضيه، والنبي ﷺ أفصح. قلت: أما فصاحته وأنه أفصح فلا نزاع فيه، ولكن يجوز أن يكون روي حديثه بالمعنى. قوله: ﴿فمستقر ومستودع﴾ [الأنعام: ٩٨] قد تقدم أن المستودع الأرحام أو الأرض في مادة (ق ر ر). وتقدم قول العباس رضي الله تعالى عنه يمدح نبينا محمدًا ﷺ : [من البسيط] ١٧٩٦ - من قبلها طبت في الظلال وفي ... مستودعٍ حيث يخصف الورق والوديعة: ما استحفظها صاحبها عند غيره. يقال: أودعه إيداعًا، وذلك المودع وديعةً. ويعبر بها عن الهد، ومنه حديث طهفة: "لكم يا بني نهدٍ ودائع الشرك" أي عهود الجاهلية. وتوادع الفريقان، أي تعاهدوا. ومنه الموادعة، أي المعاهدة. وقيل: المتاركة، وهما متقاربان، لأن كلاً من الفريقين يعطي الآخر عهدًا أن يتركه ولا يقاتله. قال القتيبي: أعطيته وديعًا. فعلى هذا تكون الودائع في حديث طهفة جمعًا لوديعٍ. والتوديع: أن تجعل ثوبًا فوق ثوبٍ آخر وقايةً له. وفي الحديث: "فلما انصرف دعا له

стр. 1688

بثوبٍ فقال: تودع بهذا خلقك". ود ق: قوله تعالى: ﴿فترى الودق يخرج﴾ [النور: ٤٣] الودق: المطر، الواحدة ودقة. وقيل: الودق ما يكون خلال المطر كأنه غبار. وقد يعبر به عن المطر. والوديقة: ما تبدو كالهباء عند شدة الحر. ودقت الدبة واستودقت، وأتان ودق وودوق: اشتهت الفحل. وذلك على التشبيه لما ظهر من رطوبة الفرج عند إرادة الفحل. والمودق: المكان النازل منه الودق. وقول الشاعر: [من الطويل] ١٧٩٧ - تعفي بذيل المرط إذ جئت مودقي استعارة وتشبيه لموطئ القدم بأثر المطر. وفي حديث إغراق فرعون: "فتمثل له جبريلٍ على فرسٍ وديقٍ" أي مشتهية للفحل كما مر؛ وذلك أن فرعون كان راكبًا حصانًا فتبع الرمكة في البحر. ود ي: قوله تعالى: ﴿إنك بالواد المقدس﴾ [طه: ١٢] الوادي اسم فاعلٍ من ودى يدي: إذا سال وديًا، فهو وادٍ. ثم أطلق على المكان الذي يجتمع فيه الماء ويسيل. فالوادي هو الماء، وسمي مكانه باسمه مجازًا للمجاورة، عكس تسميتهم الماء باسم مكانه في قولهم: نهر، كما تقدم تقريره. وقيل: الوادي: المفرج بين الجبلين الذي يسيل فيه الماء. ثم أطلق على كل مفرجٍ بين جبلين وإن لم يسل فيه ماء. وعلى كل ما يسيل فيه الماء وإن لم يكن مفرجًا بين الجبلين اتساعًا. ويجمع على أوديةٍ، وليس بقياسٍ، ولكنه فصح استعمالاً لقوله تعالى: ﴿فسألت أودية﴾ [الرعد: ١٧] وذلك نحو: نادٍ وأنديةٍ، وناجٍ وأنجيةٍ. وقد جمع على وداءٍ أيضًا؛ قاله جرير وأنشد: [من الوافر] ١٧٩٨ - غرفت ببرقة الوداء رسمًا ... محيلاً طال عهدك من رسوم

стр. 1689

ويعبر بالوادي عن المذاهب والطريقة؛ ومنه قوله تعالى: ﴿ألم تر أنهم في كل وادٍ يهيمون﴾ [الشعراء: ٢٢٥] أي في فنون الكلام من مقالٍ في مدحٍ وهجوٍ وغزلٍ ونسيبٍ. وما أحسن قوله: ﴿يهيمون﴾ مع قوله: ﴿في كل وادٍ﴾. ومنه قوله: أنا في وادٍ وأنت في وادٍ. وتقول العلماء: هما من وادٍ واحدٍ. وكني عن ماء الفحل عند المداعبة وعند البول بالودي، فيقال: أودى نحو أمذى وأمنى. وأوداه: أهلكه، تصورًا أنه أسال دمه، وأنشد: [من الكامل] ١٧٩٩ - أودى بني وأودعوني حسرةً ... عند الرقاد وعيره ما تقلع وسميت دية القتيل لهلاك صاحبها. ثم تطلق الدية على المال المعطى من إبلٍ ودنانير ونحوهما، فيقال: وديت القتيل دية، أي أعطيت ديته. قوله: ﴿فدية مسلمة إلى أهله﴾ [النساء: ٩٢] وإنما توصف بذلك الأموال. والودي: صفار الفسيل، أي النخل، واحده ودية من ذلك. قيل: اعتبارًا بسيلانه في الطول. ومن كلام أبي هريرة: "لم يكن يشغلني عنه ﷺ غرس الودي" أي كنت ملازمه بخلاف غرس من يشتغل عنه. فصل الواو والذال وذ ر: قوله تعالى: ﴿ويذرهم في طغيانهم يعمهون﴾ [الأعراف: ١٨٦] أي يتركهم. ولم يستعمل منه ماضٍ ولا مصدر. وقد سمع الوذر مصدرًا. وهو شاذ كالورع. وقيل: أصل ذلك من القذف. يقال: فلان يذر الشيء، أي يقذفه لقلة اعتداده به. فمعنى قوله تعالى: ﴿ثم ذرهم﴾ [الأنعام: ٩١] أي اقذفهم وألقهم واتركهم فلا اعتداد بهم وعدم مبالاة. ومن ذلك الوذرة: وهي قطعة لحمٍ صغيرةٍ سميت بذلك لقلة الاعتداد بها، والجمع وذر. ومنه أن رجلاً رفع إلى عثمان رضي الله تعالى عنه قال لآخر: "يا بن شامة الوذر"

стр. 1690

قال أبو عبيدة: هي كلمة معناها القذف، وإنما أراد: يا بن شامة المذاكير، كنى بذلك عن الكمرات، أي أنها تشم كمرًا مختلفة. والوذرة والمذرة بمعنى واحد. وفي الحديث: "فأتينا بثريدةٍ كثيرة الوذر" أي قطع اللحم. وفي حديث أم زرعٍ: "فإني أخاف ألا أذره" قال أحمد بن عبيدٍ: معناه أخاف ألا أقدر على فراقه لأن لي منه أولادًا. وقال يعقوب: معناه: ألا أذر صفته ولا أقطعها من طولها والله أعلم. فصل الواو والراء ور ث: قوله تعالى: ﴿إنا نحن نرث الأرض﴾ [مريم: ٤٠] أي تنتقل إلينا بما عليها مما كان بأيدي الناس. وهذا على ما يتفاهمونه. وإلا فالباري تعالى لم يزل ملكوت السماوات والأرض بيده. قال بعضهم: وصف الله تعالى نفسه بأنه الوارث من حيث إن الأشياء كلها صائرة إليه. وقد روي أنه ينادى منادٍ: لمن الملك اليوم؟ فيجاب بأنه لله الواحد القهار، كما صرحت به الآية الكريمة. وأصل الوراثة انتقال فنية إليك من غيرك، من غير عقدٍ ولا جارٍ مجرى العقد. ثم تطلق الوراثة والإرث على نفس المال المنتقل عن الميت، ويقال لها ميراث وإرث وتراث، كقوله تعالى: ﴿وتأكلون التراث أكلاً لمًا﴾ [الفجر: ١٩] وأصله وراث، فأبدلت الواو تاءً على حد إبدالها منها في تخمة وتكأة. والإرث: الأصل، ومنه قوله ﷺ : اثبتوا على مشاعركم فإنه على إرث أبيكم". ومنه قول الشاعر: [من المتقارب] ١٨٠٠ - فينظر في صحفٍ كالربا ... ط فيهن إرث كتابٍ محي

стр. 1691

ويتعدى ورث بنفسه لواحدٍ، فإذا دخلت عليه الهمزة أكسبته آخر؛ قال تعالى: ﴿وورث سليمان داود﴾ [النمل: ١٦]. وقال تعالى: ﴿وأورثناها بني إسرائيل﴾ [الشعراء: ٥٩]. ويعبر بالإرث عن حصول الأشياء بلا تعبٍ. ويقال لكل من خول شيئًا مهنئًا أورث، وما وصل إليه إرث. قال تعالى: ﴿تلك الجنة التي نورث من عبادنا من كان تقيًا﴾ [مريم: ٦٣]. وقيل: إن تلك المنازل كانت لقومٍ من الكفار، فأورثها الله الأتقياء لسبق الشقاوة لأولئك السعادة لهؤلاء. وقد ورد في ذلك حديث. والإرث قد يكون بمعنى البقاء، ومنه الحديث: "متعني بسمعي وبصري واجعله الوارث مني" أي الباقي. وقال ابن شميلٍ: أي أبقهما معي حتى أموت، ونقل الهروي عن غيره: إنه أراد بالسمع وعي ما يسمع والعمل به، وبالبصر الاعتبار بما يرى من صفاته جل وعز. الوارث هو الباقي بعد فناء خلقه. فيجوز أنه أراد بقاء السمع والبصر وقوتهما عند الكبر وانحلال القوى النفسانية، ويكون السمع والبصر وارثي سائر القوى والباقيين بعدها. ورد الهاء إلى الإمتاع. ولذلك وحدها بمعنى أنه أعاد الضمير مفردًا وإن تقدم شيئان اعتبارًا بالمصدر المدلول عليه الفعل. وقوله تعالى: ﴿وليًا يرثني ويرث من آل يعقوب﴾ [مريم: ٦] أي يرث العلم لأنهم لا يعرفون به ولا يقتنونه إلا بقدر ما تدفع الحاجة، ولا يتنافسون فيه بل ينهون عن الاستكثار منه، وعن الاشتغال به عما الإنسان بصدده من الأمور الأخروية، ويزهدون في الدنيا ويرغبون في الآخرة. فكيف يتمنون أن يورثوا غيرهم ذلك؟ وقد قال ﵊: "نحن معاشر الأنبياء لا تورث، ما تركناه صدقة". وقوله عليه الصلاة

стр. 1692

والسلام: "العلماء ورثة الأنبياء" إشارة إلى ما يورثونه من العلم، والتقدير عليه والأمر به دون إحداث شريعةٍ أخرى. وفي قوله: "الأنبياء" دقيقة، وذلك أن شأن النبي ﷺ أن يقرر شريعة من تقدمه من الرسل، ويحمل الناس عليها من غير تشريع جديد بخلاف الرسول فإنه يأتي بشريعةٍ أخرى غير التي كانت لمن قبله. فلذلك قال "ورثة الأنبياء" ولم يقل: "ورثة الرسل" فإن كل رسولٍ نبي من غير عكسٍ. وقال ﵊ لابن عمه علي: "أنت أخي ووارثي. قال: وما إرثك؟ قال: ما ورثت الأنبياء قبلي؛ كتاب الله وسنتي" وناهيك بهاتين المنقبيتين لأمير المؤمنين لو لم يكن غيرها لكفتاه فخرًا. قوله: ﴿أن الأرض يرثها عبادي الصالحون﴾ [الأنبياء: ١٠٥] أي يتمكنون فيها فيكونون كما أخبر عنهم ﴿الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر﴾ [الحج: ٤١] لأنهم يتكبرون على أهلها ويرثون عنهم أموالها وخراجها، ويضيقون عليهم مسالكها ومساكنها، ويخيفون سبلها. قال بعضهم في هذه الآية: الوراثة الحقيقية أن يحصل للإنسان شيء لا يكون عليه ولا فيه تبعة ولا عليه محاسبة. وعباد الله الصالحون لا يتناولون شيئًا من الدنيا إلا بقدر ما يجب، وعلى الوجه الذي يجب. ومن تناول الدنيا على هذا الوجه لا يحاسب عليه ولا يعاقب، بل يكون ذلك عفوًا صفوًا. كما وري: "من حاسب نفسه في الدنيا لم يحاسبه الله في الآخرة". ور د: قوله تعالى: ﴿ولما ورد ماء مدين﴾ [القصص: ٢٣]. أصل الورود قصد الماء، ثم يستعمل في غيره اتساعًا. قال تعالى: ﴿فأوردهم النار﴾ [هود: ٩٨]. وقال: ﴿وإن منكم إلا واردها﴾ [مريم: ٧١]. والورود: الماء المرشح للورود. وقيل في قوله تعالى: ﴿وإن منكم إلا واردها﴾ أي حاضرها وإن لم يشرع فيها. وقيل: يقتضي ذلك الشروع إلا

стр. 1693

إنه من كان من الأولياء لا يؤثر فيه، بل يكون حاله في الآخرة كحال خليل الرحمن في الدنيا حيث ألقي في النار. قال ابن عرفة: الورد عند العرب موافاة المكان قبل دخوله. وقد يكون الورود دخولاً. قال: ويؤيد كونه ليس بدخولٍ حديث عائشة. وقوله تعالى: ﴿إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئلك عنها مبعدون﴾ [الأنبياء: ١٠١]. وقوله: ﴿ولما ورد ماء مدين﴾ أي بلغه. وأنشد لزهير بن أبي سلمى: [من الطويل] ١٨٠١ - فلما وردن الماء زرقًا جمامه ... وضعن عصي الحاضر المتخيم قوله: ﴿وبئس الورد المورود﴾ [هود: ٩٨] الورد هو الماء الذي يورد، ويكون للإبل الواردة، ويكون لحمى تجيء كل وقتٍ، ولجزءٍ من القرآن يجعله القارئ له، ولعبادةٍ موظفةٍ له، كل ذلك يسمى وردًا على الاتساع، قوله تعالى: ﴿ونسوق المجرمين إلى جهنم وردًا﴾ [مريم: ٨٦]. قال الأزهري: مشاة عطاشًا كالإبل التي ترد الماء. وقال ابن عرفة: الورد: القوم يردون الماء، فسمي العطاش وردًا لطلبهم ورود الماء، كقولهم: قوم صوم ورود، يعني أنه من باب وقوع المصدر على العين، فلذلك وحد، وفيه نظر لعدم ظهور المصدرية فيه، بل هو اسم جمع كما تقدم. قوله تعالى: ﴿فأرسلوا واردهم﴾ [يوسف: ١٩] هو الذي يتقدم القوم ليستقي لهم الماء. وشعر وارد، أي بلغ العجز أو المتن. قوله تعالى: ﴿فكانت وردةً كالدهان﴾ [الرحمن: ٣٧] أي صارت حمراء، قال ابن عرفة: سمعت أحمد بن يحيى -يعني ثعلبًا- يقول: هي المهرة تنقلب حمراء، بعد أن كانت صفراء. والورد الأحمر. وأنشد الفرزدق يصف الأسد: [من الكامل] ١٨٠٢ - ألقى عليه يديه ذو قوميةٍ ... ورد يدق مجامع الأوصال وقال الأزهري: كلون الورد تتلون ألوانًا يوم الفزع الأكبر كتلون الدهان المختلفة. والدهان: جمع دهنٍ، وقد تقدم. والورد: الذي يشم، معروف، قيل: سمي لكونه أول ما يرد من ثمار السنة، قاله الراغب. وفي تسميته ثمرًا نظر ظاهر. ويقال لنور كل

стр. 1694

شجرٍ ورد. ورد الشجر توردًا وتوريدًا. أخرج نوره. وبه شبه لون الفرس. قوله تعالى: ﴿ونحن أقرب إليه من حبل الوريد﴾ [ق: ١٦] هو عرق مستبطن متصل بالكبد والقلب، وفيه مجاري الروح. وقيل: هما وريدان يستنطنان العنق ينتبضان أبدًا. قال: وكل عرق ينبض فهو من الأوراد. والمراد في الأصل طرق الماء، والواحد -وردة بالتاء- وقد يطلق على الشوارع. ومنه الحديث: "اتقوا البراز في الموارد" يعني الطرق؛ نهاهم عن التخلي فيها. كما نهاهم عنه في النادي وغيره مما في معناه. ور ق: قوله تعالى: ﴿وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة﴾ [الأعراف: ٢٢] قيل: هو ورق التين. ويزعمون أن هذه التفاريج التي فيه لمكان أصابعهما، فالله أعلم. والورق: ما أخرجه الشجر غير الثمر، والجمع أوراق، وبه شبه ما يكتب فيه فقيل فيه ورق. ويعبر عن المال الكثير تشبهيًا له بالورق في الكثرة نحو قولهم: مال كالتراب والثرى والسيل. قال الشاعر: [من الراجز] ١٨٠٣ - إليك تبت فتقبل ملقي ... فاغفر خطاياي وثمر ورقي كذا أنشده الراغب والظاهر ما أنشده غيره بكسر الراء، يعني به الدراهم. ويقال: أورق فلان، أي أخفق. كأنه صار ذا ورق بلا ثمرٍ. ألا ترى أنه عبر عن المال بالثمر في قوله: ﴿وكان له ثمر﴾ [الكهف: ٣٤]. قال ابن عباسٍ: هو المال. قلت: وعلى هذا يكون قولهم: أورق فلان. تحتمل الغنى والفقر، كما قالوا: أترب، أي صار ماله كالتراب. وقيل: لصق جلده بالتراب، وصار ذا ترابٍ. والقولان منقولان أيضًا في قوله: ﴿تربت داك﴾ أي لصقت بالتراب، أو صار مالهما كالتراب. قوله: ﴿فابعثوا أحدكم بورقكم﴾ [الكهف: ١٩] وقرئ بسكون الراء، وبكسر

стр. 1695

الواو مع سكون الراء، وذلك نحو: كَبْدٍ وكَبِدٍ وكِبْدٍ، وهي الدراهم. وجاء في التفسير أنهم إنما عرفوهم لأن صاحبهم أخرج دينارًا عليه اسم ملكهم فاتهموه، وفيه نظر لقوله: ﴿بورقكم﴾. والرقة: الدراهم؛ وفي الحديث: "في الرقة ربع العشر"، ومن أمثالهم: "وجدان الرقين يغطي أفن الأفين" أي الغني يغطي الحمق. وفي الحديث: "إن جاءت به أورق" الأورق: الأسمر، ومنه الورقة للسواد. وقيل للرماد أورق، وحمامة ورقاء، كله من السواد. وورقان: جبل بعينه، وفي الحديث: "سن الكافر مثل ورقان" كما جاء في آخر: "مثل أحدٍ" يعني في النار. ور ي: قوله تعالى: ﴿فالموريات قدحًا﴾ [العاديات: ٢] أقسم بالخيل في الجهاد، لأنها إذا عدت أصابت سنابكها الحجارة، فتوري منها النار كفعل القادح للزناد. يقال: وري الزند. ووري -بكسر الراء وفتحها- يري فيهما. وأورى: إذا قدح. ويقال: إنه لواري الزناد. رفيع العماد، طويل النجاد. وقوله تعالى: ﴿أفرأيتم النار التي تورون﴾ [الواقعة: ٧١]. ويقال: قدح فأورى وأثقب: إذا ظفر بحاجته. وفي ضده: قدح فأكبى. وأصله على الاستعارة من ورى الزناد. وأنشد لجريرٍ يهجو الفرزدق: [من المتقارب] ١٨٠٤ - وعرق الفرزدق شر العروق ... خبيث الثرى كابي الأزند قوله تعالى: ﴿وأنزل التوراة﴾ [آل عمران: ٣] هي فوعلة من ذلك، لأنها ضياء ونور. فأبدلت الواو تاء على حد إبدالها في تولج وتيقورٍ. وقد حققت ذلك فيما تقدم.

стр. 1696

قوله تعالى: ﴿وراءهم ملك﴾ [الكهف: ٧٩] قيل: هو هنا بمعنى أمامهم، كذا في التفسير. ومثله قوله تعالى: ﴿من ورائهم محيط﴾ [البروج: ٢٠] قال ابن عرفة: كيف قال: من ورائهم وهو أمامهم؟ فزعم أبو عبيدة وأبو علي قطرب أن هذا من الأضداد وهذا غير محصلٍ لأن أمام ضد وراء، وإنما يصلح هذا في الأماكن والأوقات، يقول الرجل إذا وعد وعدًا لرمضان في رجبٍ ثم قال: من ورائك شعبان، لجاز وإن كان أمامه لأنه مخلفه إلى وقت وعده وأنشد قول لبيد: [من الطويل] ١٨٠٥ - أليس ورائي إن تراخت منيتي ... لزوم العصا تحنى عليها الأصابع؟ قلت: قوله: إنما يصلح هذا في الأماكن والأوقات، فيه نظر لأن وراء ظرف مكانٍ ليس إلا. وقال الأزهري في قوله: ﴿من ورائه جهنم﴾ [إبراهيم: ١٦] وراء بمعنى خلف وقدام. ومعناه ما توارى عنك واستتر. وأنشد للنابغة: [من الطويل] ١٨٠٦ - حلفت فلم أترك لنفسك ريبةٍ ... وليس وراء الله للمرء مذهب أي بعد الله. قوله: ﴿ويكفرون بما وراءه﴾ [البقرة: ٩١] أي سواه؛ قاله الفراء. قلت: كأن الأزهري جعله متواطئًا، وغيره جعله مشتركًا اشتراكًا لفظيًا لقوله: من الأضداد. ﴿فأواري سوءة أخي﴾ [المائدة: ٣١] أي أسترها. وكذا قوله: ﴿يواري سوءاتكم﴾ [الأعراف: ٢٦]. ومثله: ﴿حتى تورات بالحجاب﴾ [ص: ٣٢]. والتورية: أن تظهر شيئًا وتريد غيره، كأنه يظهر جزءًا ويستر آخر. وفي الحديث: "إذا أراد غزوًا ورى بغيره". قال بعضهم: ستر ووهم غيره. وأصله من الوراء، أي ألقى

стр. 1697

الستر وراء ظهره. والورى: الناس. قال الخليل: الورى: الأنام الذين على وجه الأرض، ليس من مضى ولا من يتناسل بعدهم، فكأنهم الذين يسترون الأرض بأشخاصهم. والوري: بسكون الراء يقال: ورى يورى. وفي الحديث: "لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحًا حتى يريه خير له من أن يمتلئ شعرًا" وأنشد قول الشاعر: [من الرجز] ١٨٠٧ - قالت له وريًا إذا تنحنح ... يا ليته يسقى على الذرحرح وفي الحديث: "وفي الشوي الوري السمين" فعيل بمعنى فاعل. وأنشد للعجاج: [من الرجز] ١٨٠٨ - وأنهم هاموم السديف الواري ... عن جرزٍ منه وجوز ٍ عاري وجاءت امرأة جليلة لعمر ﵁ فحسرت عن ذراعيها فإذا كدوح. قال: ما هذا؟ قالت: من احتراش الضباب. قال: "لو أخذت الضب فوريته". قال شمر: أي روغته في الدسم. ومن كلام علي رضي الله تعالى عنه في صفة النبي ﷺ : "حتى أورى قبسًا" أي أظهر نورًا من الحق. فصل الواو والزاي وز ر: قوله تعالى: ﴿كلا لا وزر﴾ [القيامة: ١١] الوزر: الملجأ. قال الشاعر: [من الطويل] ١٨٠٩ - تعز فلا شيء على الأرض باقيا ... ولا وزر مما قضى الله واقيا

стр. 1698

فالوزر: ما لجأت إليه من جبلٍ حصنٍ ونحوهما. والوزر: الذنب؛ سمي بذلك تشبيهًا بالجبل في ثقله لأنه يثقل صاحبه. قوله تعالى: ﴿ووضعنا عنك وزرك﴾ [الشرح: ٢] كقوله: ﴿ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر﴾ [الفتح: ٢]. وقيل: معناه لم يجعل لك وزرًا أصلا. ً قوله تعالى: ﴿ليحملوا أوزارهم كاملةً يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم﴾ [النحل: ٢٥] كقوله: ﴿وليحملن أثقالهم وأثقالاً مع أثقالهم﴾ [العنكبوت: ١٣]. قال بعضهم: وحمل وزر الغير في الحقيقة هو على نحو ما أشار إليه ﵊ بقوله: "ومن سن سنه سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها" وإلا فنفس وزر الغير غير آخر. وهذا يوضح عدم المباينة بين هذه الأمة ونحوها وبين قوله: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ [الأنعام: ١٦٤] ونحوه. والهاء في قوله: ﴿وازرة﴾ قيل: لتأنيث النفس، والتقدير: نفس وازرة. وقيل: للمبالغة كراوية، والمعنى: لا تؤخذ نفس وازرة بذنب أخرى. وأصل الوزر: الحمل؛ يقال: وزر يزر. أي حمل دينًا أو شيئًا ثقيلاً. ومنه: ﴿ألا ساء ما يزرون﴾ [الأنعام: ٣١]. قوله: ﴿واجعل لي وزيرًا﴾ [طه: ٢٩] أي معينًا. والوزير: فعيل بمعنى مفاعل كالجليس والخليط بمعنى المجالس والمخالط. سمي بذلك لمعاونته الملك. وقيل: لأنه يحمل أثقال الملك وأعباءه. وقيل: لتحمله أوزارة الملك. وقيل: لأنه ملجأ لقاصديه. وقيل هو مأخوذ من الأزر، أي القوة من قوله: ﴿فآزره فاستغلظ﴾ [الفتح: ٢٩]. ومنه: لأنصرنك نصرًا مؤزرًا، أي مقوى. فيجوز أن يكون أبدلت الواو من الهمزة، وأن تكون العين نحو أوجب ووجب، وأكدت ووكدت. قوله: ﴿حتى تضع الحرب أوزارها﴾ [محمد: ٤] أي آلاتها كقول الشاعر: [من المتقارب] ١٨١٠ - وأعددت للحرب أوزارها ... رماحًا طوالاً وخيلاً ذكورا قوله: ﴿ولكنا حملنا أوزارًا من زينة القوم﴾ [طه: ٨٧] سموها أوزارًا لأنها أحمال

стр. 1699

ثقال. ولذلك إنه لما غرق فرعون ألقاهم البحر بشاطئيه وعليهم حليهم، فأخذها بنو إسرائيل، وصاغوا منها العجل. وز ع: قوله تعالى: ﴿فهم يوزعون﴾ [النمل: ١٧] أي يكفون عن بعضهم. وفي التفسير: يحبس أولهم على آخرهم. وفي ذلك إشارة حسنة إلى أنهم مع كثرتهم وخروجهم عن الجمع المعتاد في الجيوش وحواشي الملوك وخدمهم ليسوا مهملين متروكين عند من يزعهم، أي يكفهم، بل هم مقموعون مسوسون تحت قهر سليمان مع انتشارهم وخروجهم عن حد الكثرة في تباين أجناسهم وأنواعهم. يقال: وزع يزع وزعًا فهو وازع، والجمع وزعة. ولما ولي الحسن القضاء قال: "لا بد للناس من وزعةٍ" أي من أعوانٍ يمنعون من تظالم الناس بعضهم لبعضٍ، أو يمنعونهم من هجومهم على ولاة الأمور في وقت لا ينبغي. وفي حديث جابرٍ لما قتل أبوه قال: "فأردت أن أكشف عن وجهه ورسول الله ﷺ ينظر إلي فلا يزعني" أي فلا يؤخرني ولا يكفني عن ذلك. قوله: ﴿رب أوزعني﴾ [النمل: ١٩] أي ألهمني، كذا جاء في التفسير. قال بعضهم: وتحقيقه والمعنى بذلك: اجعلني بحيث أزع نفسي عن الكفران. قوله: ﴿ويوم نحشر من كل أمةٍ فوجًا ممن يكذب بآياتنا فهم يوزعون﴾ [النمل: ٨٣] هذا على سبيل العقوبة، أي محتبسون للعقاب، وهو وزان قوله تعالى: ﴿ولهم مقامع من حديدٍ كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها﴾ [الحج: ٢١ - ٢٢]. والوزوع: الولوع بالشيء ومحبته؛ يقال رجل وزوع ولوع. وانوزع بكذا: أولع به. ومنه الحديث: "كان موزعًا بالسواك". والأوزاع: الفرق، ومنه "أن عمر خرج في رمضان والناس أوزاع"، أي فرق يتنفلون. والوزع: الارتعاش، ومنه أن الحكم بن أبي

стр. 1700

العباس قبحه الله حاكى رسول الله ﷺ من خلفه، فلما علم قال: "كذا فليكن" فأصابه وزع مكانه، ولعذاب الآخرة أشق. وز ن: قوله تعالى: ﴿والوزن يومئذ الحق﴾ [الأعراف: ٨] قال مجاهد: الوزن: القضاء بالعدل. قال السري: توزن الأعمال. وقد اختلف المتأولون في ذلك؛ فقال بعضهم: هذا عبارة عن القضاء بالحق وعدم الظلم. وعبر بذلك لأن الناس يتعارفون أن الوزن أعدل شيءٍ. والحق أن ذلك على حقيقته. وفي الحديث الصحيح ما يؤيده كحديث النظافة وغيرها. وأن له كفتين ولسانًا. والوزن في الأصل معرفة قدر الشيء بهذه الآلة الخاصة. يقال: وزنت زيدًا كذا، ووزنت له وزنًا وزنةً، نحو: وعدًا وعدةً. قوله تعالى: ﴿وإذا كالوهم أو وزنوهم﴾ [المطففين: ٣] في أحد القولين. وقيل؛ الوزن: التقدير، ومنه قوله تعالى: ﴿وأنبتنا فيها من كل شيءٍ موزونٍ﴾ [الحجر: ١٩] أي مقدر. ومنه: "نهى عن بيع الثمار حتى توزن" أي تقدر في الخرص. وذلك أن الخارص يحزر كم قدرها، فيكون كالوزن لها. وقيل: موزون كالمعادن نحو الذهب والفضة والنحاس والرصاص. وقيل: هو إشارة إلى كل ما أوجده تعالى وخلقه، وإنه خلقه باعتدالٍ كقوله: ﴿إنا كل شيءٍ خلقناه بقدرٍ﴾ [القمر: ٤٩]. قوله: ﴿ونضع الموازين القسط﴾ [الأنبياء: ٤٧] قيل: هو حقيقة وهو الصحيح، وقييل: عبارة عن عدله، وقد تقدم. ووصفها بالقسط وهو مفرد لكونه في الأصل مصدرًا، وفي موضعٍ: أتى بالميزان مفردًا اعتبارًا بالمحاسب، وفي مواضع بالجمع اعتبارًا بالمحاسبين. وأصل الميزان واو فقلبت ياء لسكونها وانكسار ما قبلها. ولذلك لما تحركت في الجمع وزالت الكسرة قبلها رجعت إلى أصلها نحو ميقاتٍ ومواقيت، وميعادٍ ومواعيد. ويقال: ما لفلانٍ عندي وزن، أي قدر لخسته. ومنه: ﴿فلا نقيم لهم يوم القيامة

стр. 1701

وزنًا﴾ [الكهف: ١٠٥]. قوله: ﴿ووضع الميزان﴾ [الرحمن: ٧] أي العدل. وعبر بالميزان لما تقدم من أنه أظهر الآلات في ذلك. وأنشد بعضهم للشيخ تقي الدين القشيري بن دقيق العيد رحمه الله تعالى: [من الكامل] ١٨١١ - والدهر كالميزان يرفع ناقصًا ... أبدًا ويخفض عالي المقدار وإذا انتحى الإنصاف ساوى وزنه ... في العدل بين حديدة ونضار فصل الواو والسين وس ط: قوله تعالى: ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] أي خيارًا، وذلك أن الوسط يحمى بالأطراف. ومنه قول الشاعر: [من البسيط] ١٨١٢ - كانت هي الوسط المحمي فانكشفت بها الحوادث حتى أصبحت طرقا ومن ذلك قوله تعالى: ﴿قال أوسطهم﴾ [القلم: ٢٨] يعني طريقةً، أي أعدلهم وخيارهم. يقال: هو واسط قومه ووسطهم. وقد وسط وساطة وسطة. وقال الراغب: والوسط تارةً يقال فيما له طرفان مذمومان، كالجود الذي بين البخل والسرف، فيستعمل استعمال القصد المصون عن الإفراط والتفريط، فيمدح به نحو السواء والعدل نحو قوله تعالى: ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطًا﴾، وعلى ذلك: ﴿قال أوسطهم﴾. وتارةً يقال فيما له طرف محمود وطرف مذموم كالخير والشر، ويكنى به عن الرذل نحو قولهم: فلان وسط من الرجال، تنبيه أنه خرج من حد الخير. وفي هذا الأخير نظر. والوسط في الأصل ظرف مكانٍ، وتصرفه قليل، ومنه قول الشاعر: [من الخفيف]

стр. 1702

١٨١٣ - وسطه كاليراع أسرج المجـ ... ـدل حينًا يخبو، وحينًا ينير وقال بعضهم: ما موقع موقعه (بين) كان بسكون السين، نحو: جلست وسط القوم ووسط الدور. وما لم يصح كان بفتحها نحو: جلست وسط الدار. وقال الراغب: وسط الشيء ماله طرفان متساويا القدر. ويقال ذلك في الكمية المتصلة كالجسم الواحد نحو: وسطه صلب. ووسطه بالسكون يقال في الكمية المنفصلة كشيءٍ يفصل بين جسمين، نحو: وسط القوم كذا. قوله: ﴿حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى﴾ [البقرة: ٢٣٨] قيل: هي كل صلاةٍ من الصلوات المكتوبة. وقيل: الجمعة. وقيل غير ذلك. ووصلها بعضهم إلى سبعة عشر قولاً في تصنيفٍ مفردٍ. وقد صح في الصبح وفي العصر حديثان؛ قال بعضهم: أخفى الله الصلاة ليجتهد الناس، كإخفائه ليلة القدر وساعة الجمعة ونحو ذلك. وقد بينّا كله في "القول الوجيز". وس ع: قوله تعالى: ﴿والله واسع عليم﴾ [البقرة: ١٤٧] أي واسع علمه وقدرته ورحمته. وقد صرح بذلك في قوله: ﴿ورحمتي وسعت كل شيءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦] ﴿وسع كل شيءٍ علمًا﴾ [طه: ٩٨] لأن علمًا تمييز منقول من الفاعلية؛ إذ الأصل وسع علمه كل شيءٍ. وقيل: معناه: وسع رزقه جميع خلقه. وقال ابن الأنباري: الواسع الذي يسع بما يسأل. وقيل: معناه المحيط بكل شيءٍ. وقيل: هو الجواد. والسعة: ضد الضيقٍ. وقوله تعالى: ﴿ولم يؤت سعةً من المال﴾ [البقرة: ٢٤٧] أي زيادةً وكثرةً؛ فإن حقيقة السعة في الأجرام الممتدة. وقوله: ﴿وسع كرسيه السماوات والأرض﴾ [البقرة: ٢٥٥]. قال الهروي: أي اتسع لهما. وقيل: وسع ملكه، فعبر عن الملك بالكرسي على ما يتعارفه أهل الدنيا. والسعة تكون في الأمكنة وهو الأصل لقوله تعالى: ﴿يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة﴾ [العنكبوت: ٥٦]. وفي الفعل

стр. 1703

لقوله تعالى: ﴿ورحمتي وسعت كل شيءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦]. وفي الحال لقوله: ﴿لينفق ذو سعةٍ من سعته﴾ [الطلاق: ٧]. قوله: ﴿لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها﴾ [البقرة: ٢٨٦]. الوسع من القدرة ما يفضل عن قدرة المكلف. وفيه تنبيه أنه يكلف عباده ما تنوء به قدرتهم. وقيل: معناه يكلفهم بما يثمر السعة، أي جنةً واسعةً، كقوله: ﴿وجنةٍ عرضها السماوات والأرض﴾ [آل عمران: ١٣٣]. وقيل: معناه لا يكلفها إلا قدر طاقتها. وظاهرها ينفي تكليف ما لا يطاق. والمذاهب فيها قد بيناها في "القول الوجيز". قوله: ﴿والسماء بنيناها بأييدٍ وإنا لموسعون والأرض فرشناها فنعم الماهدون﴾ [الذاريات: ٤٧ - ٤٨] أي أنها مع سعتها سعةً متزايدةً مفرطةً قوية؛ إن الأيد القوة، وذلك أن من عادة الأجرام المنبسطة إذا تزايدت سعتها وامتدادها ضعفت وتداعت. وما أحسن تلك السعة مع السماوات والمهد مع الأرض! حيث كانت السماوات بقدر الأرض مرارًا خارجةً عن الحصر. ﴿قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعضٍ ظهرً﴾ [الإسراء: ٨٨]. وقال الراغب: ﴿وإنا لموسعون﴾ [الذاريات: ٤٧] إشارة إلى نحو قوله: ﴿ربنا الذي أعطى كل شيءٍ خلقه ثم هدى﴾ [طه: ٥٠] ولم أفهم الإشارة المذكورة. وفرس وساع الخطو: عبارة عن شدة عدوها. وس ق: قوله تعالى ﴿والليل وما وسق﴾ [الإنشقاق: ١٧] الوسق: جمع الأشياء المتفرقة، والمعنى: وما جمع من الظلم. وقيل: ذاك عبارة عن طوارق الليل. وقال شمر: كل شيءٍ حملته فقد وسقته. ومن أمثالهم: "لا أفعل ذلك ما وسقت عيني الماء" أي ما حملته. وهو عبارة عن الحياة، لأن العين تجمد عند الموت. وقال غيره: الوسق ضمك الشيء إلى الشيء بعضه إلى بعضٍ. ويقال للإبل التي تجمع من تفرقةٍ: وسيقة، ولجامعها واسق. وقد

стр. 1704

استوسقتها فاستوسقت. وفي الحديث: "استوسقوا كما يستوسق جرب الغنم إذا أضيعوا كاجتماعها ولا تفرقوا". وفي حديثٍ: "ويقول: استوسقوا". قوله: ﴿والقمر إذا اتسق﴾ [الانشقاق: ١٨] هو افتعال من ذلك، والمعنى: اجتمع ضوؤه في الليالي البيض. وقال مجاهد: استوى. وقال ابن عرفة: تتابع ليالي حتى انتهى منتهاه. وقيل: امتلأ. وهي تفاسير. وس ل: قوله تعالى: ﴿وابتغوا إليه الوسيلة﴾ [المائدة: ٣٥]. الوسيلة: هي القرب. وقيل: الوسيلة هي التوصل إلى الشيء الذي يرغب. فقيل: وهي أخص من الوصيلة، ولتضمنها معنى الرغبة قال تعالى: ﴿وابتغوا إليه الوسيلة﴾. وقال بعضهم: حقيقة الوسيلة إلى الله مراعاة سبيله بالعلم والعبادة وتحري مكارم الشريعة. وعلى هذا فهي مقاربة للقربة. وس م: قوله تعالى: ﴿إن في ذلك لآيات للمتوسمين﴾ [الحجر: ٧٥]. المتوسمون: المعتبرون الذين يتوسمون الأمور، أي يتبينونها تبين من يتوسم الشيء، أي يتعرفه بوسمةٍ. توسمت فيه خيرًا، أي تعرفت وسمةً فيه. والوسم: الكي بالنار في الدابة لتعرف من غيرها. ومن ذلك الاسم عند بعضهم، لأنه على مسماه، وهو فاسد من جهة الاشتقاق حسبما بيناه في غير هذا الموضع. والتوسم يقرب من الفراسة، ومنه فلان كان يتوسم من فلانٍ، كذا قال بعضهم. وهذا التوسم هو الذي سماه القوم الزكانة، وقوم الفطنة، وقوم الفراسة. قال ﵊ "اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله". قوله: ﴿سنسمه على الخرطوم﴾ [القلم: ١٦] أي سنجعله على وجهه وقيل: أنفه وسمًا يعرف به لأنه كان شديدًا في عداوة الإسلام. وقيل: هو إشارة إلى سواد الوجه، وزرقة العين. والظاهر أنه لا بد لهذا الكافر الخاص من علامةٍ خاصةٍ شنعاء يفرق بها بين

стр. 1705

أبناء جنسه. وقيل: إن هذا وقع في الدنيا حسبما بيناه في التفسير. والوسامة والجمال والحسن كأنه علامة لصاحبه. ومنه وجه وسيم كأنه بمعنى موسومٍ، إلا أنه خص بالملاحة. وقوم وسام، نحو ظريفٍ وظرافٍ. والموسم: المعلم، ومنه: مواسم الحج. ووسموا: شهدوا الموسم، نحو عرفوا: شهدوا عرفة. والوسمي: ما يسم الأرض من المطر. وتوسمت: تعرفت بالسمة، أو طلبت الوسمي. وفي الحديث: "بئس لعمر الله عمل الشيخ المتوسم والشاب الملوم" يعني المتحلي بسمة الشيوخ والمتلوم الذي يأتي بالقبيح فيجر اللائمة. وس ن: قوله تعالى: ﴿لا تأخذه سنة ولا نوم﴾ [البقرة: ٢٥٥] السنة: النعاس. وقيل: مبادئ النوم. وقيل: الغفلة والغفوة. ويدل على كونه من مبادئ النوم قول الشاعر: [من الكامل] ١٨١٤ - وسنان أقصده النعاس فرنقت ... في جفنه سنة وليس بنائم ولهذا قال ابن عرفة: السنة: النعاس يبدأ في الرأس، فإذا صار إلى القلب فهو نوم. وإنما جمع بين نفييهما لأنه لا يلزم من نفي أحدهما نفي الآخر، إذ يتصور مجيء النوم دفعةً من غير مبادئ الوسن، ومجيء الوسن دون النوم. فلذلك نفى كل واحد منهما على حدته بدليل تكرير لا. وبهذا يندفع سؤال من يقول: إنه تعالى لو نفى السنة وحدها لاكتفى بذلك موجهًا له بأنه إذا نفي ما هو مقدمة للشيء كان انتفاء ذلك بطريق الأولى لما قدمته لك من تصور وجود أحدهما دون الآخر. وتوسنها، أي غشيها نائمةً. ويقال: وسن وأسن بالواو والهمز: إذا غشي عليه من ريح البئر. قال الراغب: وأرى أن وسن يقال لتصور النوم لا لتصور الغشيان. انتهى. يعني أنه من الوسن، وهو مبادئ النوم لا من الغشيان الذي يصيب الإنسان من ريح الماء

стр. 1706

الآسن، أي المتغير. يعني فتكون الواو في قولهم: وسن أصلاً لا بدلاً من الهمسة، وهو حسن. وس وس: قوله تعالى: ﴿الذي ييسوس﴾ [الناس: ٥]. الوسوسة: الخطرة الرديئة. قيل: وأصله من الوسواس. وهو صوت الحلي والهمس الخفي. والوسواس بالفتح: هو الشيطان الذي يوسوس. بالكسر مصدر كالوسوسة. ونظيره الزلال والزلال عند قومٍ. ومن ثم قال الفراء: الوسواس يعني بالتح إبليس. ويقال: وسوس له وإليه. وقد جاف في التنزيل، قال تعالى: ﴿فوسوس لهما الشيطان﴾ [الأعراف: ٢٠] وفي موضعٍ آخر: ﴿فوسوس إليه﴾ [هود: ١٠٤] و ﴿إلى أجلٍ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. وقيل: بل معناه مع إلى: أوصل إليه الوسوسة، ومع اللام: فعلها إلى أجله. وقد أتقناه في "الدر المصون" وغيره. ووسو ونظيره مما يكرر فيه الفاء والعين نحو سمسم ونؤنؤ ولملم وكفكف سواء صح المعنى بإسقاط الثالث نحو كف أو لم يصح نحو وسوس، حروفه كلها أصول عند البصريين خلافًا للكوفيين، حيث يفصلون فيقولون: إن لم يصح بإسقاط الثالث فالكل أصول. وإن صح بإسقاطه فهو زائد، ودليل ذلك في كتب التصريف. وس ي: قوله تعالى: ﴿يا موسى﴾ [طه: ١١] هو ابن عمران النبي المشهور ﷺ وعلى سائر الأنبياء. قيل: هو معرب وأصله موشى بالشين المعجمة. قيل: سمي بذلك لأنه التقط من بين ماءٍ وشجرٍ كما في القصة المشهورة. قيل: و"مو" بالعبرانية هو الماء و"شا" هو الشجرة. وقال بعضهم: بل هو عربي الأصل، وهو منقول من موسى الحديد هذه الآلة المعروفة التي يحلق بها، وهو بعيد جدًا. ثم إن أهل التصريف اختلفوا في موسى الحديد هل هو مشتق من أوسيت رأسه، أي حلقته، أو من ماس يميس، أي تزين؟ والمعنيان لائقان بذلك، فعلى الأول وزنه مفعل، وعلى الثاني فعلى. وأصل الواو ياء نحو الصوفي والكوسي من الصيف والكيس.

стр. 1707

فصل الواو والشين وش ي: قوله تعالى: ﴿لا شية فيها﴾ [البقرة: ٧١] أي ليس فيها لون يخالف لونها. وأصل ذلك من وشى الثوب: إذا نسجه على لونين فأكثر. واستعير ذلك في الحديث فقيل: وشى كلامه، أي زينه ونمقه ليقبل عنه، كما يوشي الثوب ناسجه، وذلك نحو قولهم: موه كلامه وزخرفه، أي طلاه بالذهب، والواشي: النمام، كذا أطلقه الراغب، وقال ابن عرفة: لا يقال لمن نم واشٍ حتى يغير الكلام ويلونه فيجعله ضروبًا، ويزين منه ما يشاء. وثور موشى الأكارع، أي قوائمه سود. وقيل: الثور الموشى: أن يكون في وجهه وقوائمه سواد. قال الشاعر: [من البسيط] ١٨١٥ - من وحش وجرة موشي أكارعه وفي حديث الزهري: "أنه كان يستوشي الحديث" تأوله الهروي بأن كان يستخرجه بالبحث كما يستوشي الرجل جري الفرس، وهو ضربه جنبيه بعقبيه وتحريكه ليجري، يقال من ذلك: أوشى فرسه واستوشاه. والائتشاء: يقال: ائتشى العظم: إذا برأ من كسرٍ كان به. وأصله وشى، فقلبت الواو ياءً لانكسار ما قبلها. وفي الحديث: "فائتشى محدودبًا" أي برأ من كسرٍ أصابه. قلت: ومن حق هذا الحرف أن يقال: اشتى، بتاءٍ مشددة؛ فإن الواو والياء متى وقعتا فاءين قبل تاء الافتعال وجب قلبهما ياءً وإدغامهما نحو اتعد واتسر؛ من الوعد واليسر. ولكن كذا روى هذا الحرف الهروي في هذه المادة. و ﴿شية﴾ [البقرة: ٧١] وزنها فعلة، وأصلها وشية فحذفت فاء المصدر حملاً على المضارع نحو عدة وزنة. والنسبة إليها عند سيبويه وشوي، وعند الأخفش وشي.

стр. 1708

فصل الواو والصاد وص ب: قوله تعالى: ﴿وله الدين واصبًا﴾ [النحل: ٥٢] أي ثابتا دائمًا. والواصب: الثابت الدائم اللازم. ومنه قيل للعليل: وصب، أي ملازمه السقم وثابت به، يقال: واصب على الأمر، وواظب عليه، ووالب عليه، وداوم عليه، كله بمعنى. وقد وصب يوصب، فهو واصب، أي لازمه الوجع. وقوله تعالى: ﴿ولهم عذاب واصب﴾ [الصافات: ٩] يجوز فيه الأمران؛ أي عذاب دائم متصل أو موجع. ويجوز أن يراد كلاهما. وقيل: الوصب: السقم اللازم. وقد وصب فلان فهو وصب. وأوصبه كذا، وهو يتوصب، أي ترجع. وفي حديث فارعة بنت أبي الصلت أنها قالت لأخيها أمية: "هل تجد شيئًا؟ قال: لا، إلا توصيبًا" أي فتورًا. ويقال: أصابه توصيب وتوصيم، كقولهم: دائم ودائب، ولازم ولازب. وقال بعضهم في قوله تعالى: ﴿وله الدين واصبًا﴾ أي حق الإنسان أن يطيع دائمًا في جميع الأحوال، كما وصف به الملائكة حيث قال: ﴿لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون﴾ [التحريم: ٦]. وقال في قوله: ﴿ولهم عذاب واصب﴾ توعد لمن اتخذ إلهين، وتنبيه أن جزاء من فعل ذلك لازم شديد. وص د: قوله تعالى: ﴿وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد﴾ [الكهف: ١٨]. قيل: الوصيد: الباب. وقيل: فناء الكهف عند عتبته. وقيل: الوصيد في الأصل: حجرة تجعل للمال في الجبل. وقوله تعالى: ﴿عليهم نار مؤصدة﴾ [البلد: ٢٠] قرئ بالواو وبالهمزة، أي مطبقة. وهما لغتان. يقال: أوصدت الباب وآصدته، أي أغلقته. وقد أنكر بعضهم الهمز، ولا يلتفت إليه. وقد حققناه بدلائله في غير هذا. وص ف: قوله تعالى: ﴿سيجزيهم وصفهم﴾ [الأنعام: ١٣٩] أي كذبهم. والتقدير: جزاء

стр. 1709

وصفهم. وقد كثر ذكر الوصف بمعنى الكذب؛ قال تعالى: ﴿والله المستعان على ما تصفون﴾ [يوسف: ١٨] أي يكذبون. وقوله: ﴿سبحان ربك رب العزة عما يصفون﴾ [الصافات: ١٨٠]. قال بعضهم: فيه تنبيه على أن أكثر صفاته ليس على حسب ما يعتقده كثير من الناس، وأنه تعالى عما يقول الكفار. ومن ثم قال: ﴿وله المثل الأعلى﴾ [الروم: ٢٧]. والأصل في الوصف ذكر الشيء بحليته ونعته. والصفة: الحالة التي يكون عليها الشيء من حليته ونعته. والوصف يكون حقًا وباطلاً. والظاهر أنه والنعت مترادفان. وبعضهم جعل النعت أخص؛ فلا يقال نعت إلا فيما هو محقق بخلاف الوصف. والظاهر الترادف. وص ل: قوله تعالى: ﴿ولا وصيلةٍ﴾ [المائدة: ١٠٣] قيل: هي الأنثى التي تولد من الشاة مع ذكرٍ؛ فيقولون: وصلت أخاها، فلا يذبحونها. وقيل: كانت الشاة إذا ولدت ستة أبطنٍ عناقين عناقين، وولدت في السابع عناقًأ وجديًا قالوا: وصلت أخاها، فأحلوا لبنها للرجال وحرموه على النساء؛ قاله أبو بكرٍ. وقال ابن عرفة: كانوا إذا ولدت الشاة ستة أبطنٍ نظروا فإن كان السابع ذكرًا ذبحوه، وأكل منه الرجال والنساء. وإن كانت أنثى تركت في الغنم. وإن كانت أنثى وذكرًا قالوا: وصلت أخاها، فلم يذبحوها، وكان لحمها حرامًا على النساء. قوله تعالى: ﴿ولقد وصلنا لهم القول﴾ [القصص: ٥١] أكثرنا لهم القول موصولاً بعضه ببعضٍ. وقال ابن عرفة: أنزلناه شيئًا بعد شيءٍ يتصل بعضه ببعضٍ ليكونوا أوعى له. وقوله تعالى: ﴿إلا الذين يصلون إلى قومٍ﴾ [النساء: ٩٠] أي ينتمون إليهم. ومنه الحديث: "من اتصل فأعضوه"، وفي حديث آخر: "أعض إنسانًا اتصل" أي ادعى دعوى الجاهلية. قلت: كان يقال: اعضض هن أبيك، ونحوه. والاتصال: اتحاد

стр. 1710

الأشياء بعضها ببعضٍ، ويضاده الانفصال. ويستعمل الوصل في الأعيان، نحو: وصلت الحبل بالحبل. وفي المعاني، قال تعالى: ﴿ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل﴾ [البقرة: ٢٧]. وص ي: قوله تعالى: ﴿يوصيكم الله في أولادكم﴾ [النساء: ١١]. الوصية: التقدم إلى الغير بما يعمل به مقترنًا بوعظٍ، من قولهم: أرض واصية. وهي المتصلة النبات. وقال الهروي: يوصيكم، أي يفرض عليكم، لأن الوصية من الله فرض. وقال بعضهم: أصله من وصى. وتواصى البيت تاصيًا: إذا اتصل. وقوله: ﴿وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر﴾ [العصر: ٣] أي وصى بعضهم بعضًا. ثم وصى لك البعض البعض الآخر، أي كل واحدٍ منهم وصى صاحبه. وقوله: ﴿أتواصوا﴾ [الذاريات: ٥٣] أي أوصى أولهم آخرهم. قاله الأزهري. وهو استفهام توبيخ. يقال: وصى وأوصى. وقد قرئ بهما قوله تعالى: ﴿ووصى بها إبراهيم بنيه﴾ [البقرة: ٣٢]. والوصي يطلق على الموصى إلى الغير، وعلى الموصى إليه؛ فهو فعيل بمعنى فاعلٍ تارةً، وبمعنى مفعولٍ أخرى. فصل الواو والضاد وض ع: قوله تعالى: ﴿ووضعنا عنك وزرك﴾ [الشرح: ٢] أي أحططنا وأسقطنا. يقال: وضع الأمير عن قومه كذا، أي أسقطه. قال بعضهم: والوضع أعم من الحط، ومنه الموضع؛ قال تعالى: ﴿يحرفون الكلم عن مواضعه﴾ [النساء: ٤٦]. ويقال ذلك في الحمل والحمل. قال تعالى: ﴿وأكواب موضوعة﴾ [الغاشية: ١٤]. وقال تعالى: ﴿فلما وضعتها﴾ [آل عمران: ٣٦]. ويكون الوضع عبارة عن الإيجاد، ومنه قوله تعالى: ﴿والأرض وضعها للأنام﴾ [الرحمن: ١٠] أي أوجدها واخترعها. وقوله: ﴿إن أول بيتٍ وضع للناس﴾ أي بني واتخذ. وقيل: وضع البيت: بناؤه.

стр. 1711

(وقوله): ﴿ووضع الكتاب﴾ [الكهف: ٤٩] عبارة عن إبراز أعمال الخلائق، فلا يخفى عن كل عاملٍ ما عمل بدليل: ﴿فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون﴾ [الكهف: ٤٩] الآية. وهو موافق لقوله تعالى في الأخرى: ﴿ونخرج له يوم القيامة كتابًا يلقاه منشورًا﴾ [الإسراء: ١٣]. قوله تعالى: ﴿ولأوضعوا خلالكم﴾ [التوبة: ٤٧] أي عدوًا سريعًا، أي حملوا ركابهم على السير السريع. يقال: وضع البعير وضعًا، وأوضعته أنا فهو موضع إيضاعًا: إذا حثثه على السير فأسرع. ومنه قول امرئ القيس: [من الوافر] ١٨١٦ - أرانا موضعين لأمر غيبٍ ... ونسحر بالطعام وبالشراب ومنه الحديث: "وأوضع في الوادي وادي محسرٍ". وقيل: الإيضاع: سير مثل الخبب. ومثله الإيجاف. وناقة حسنة الوضوع، وهو استعارة في السير لقولهم: ألقى بعاعه وجرانه وثقله، ونحو ذلك. وفي الحديث: "إنه نبي وإن صورته واسمه في الوضائع". قال الأصمعي: الوضائع: الكتب وفيها الحكمة. والوضائع في غير هذا: الوظائف التي توظف على الإنسان. ومنه الحديث: "لكم يا بني نهدٍ ودائع الشرك ووضائع الملك" أي ما ألتزمه المسلمون من الوظائف في أموالهم نحو الزكوات. والوضائع: جمع وضيعةٍ أيضًا، والوضيعة: الحطيطة من رأس المال. يقال: وضع الرجل في تجارته، أي خسر. ومنه الحديث: "من أنظر معسرًا أو وضع له" أي من حط من رأس المال شيئًا. قوله تعالى: ﴿ويضع عنهم إصرهم﴾ [الأعراف: ١٥٧] أي

стр. 1712

يحط عنهم أثقال التكليف. وفي الحديث: "من رفع السلاح ثم وضعه فدمه هدر". قال أبو عبيدٍ: أي ثم قاتل به. أي في الفتنة: يقال: وضع السلاح في بين فلانٍ، أي ضربهم به. ومنه قول سديفٍ: [من الخفيف] ١٨١٧ - فضع السيف وارفع السوط حتى لا ترى فوق ظهرها أمويا وض ن: قوله تعالى: ﴿على سررٍ موضونةٍ﴾ [الواقعة: ١٥] أي منسوجة محكمة النسج. وهو مستعار من قولهم: وضن الدرع. أي أحكم نسجها. والوضين: حزام الرحل. ومنه قول الشاعر: [من الوافر] ١٨١٨ - تقول وقد درأت لها وضيني: ... أهذا دأبه أبدًا وديني؟ قال الأزهري: موضونة، أي مرمولة، بمعنى منسوجةٍ نسج الدرع. وقال مجاهد: منسوجة بالذهب، وكل شيءٍ وضعت بعضه فوق بعضٍ فهو موضون. ومنه قيل للدروع موضونة أي تداخل حلق بعضها في بعضٍ. وفي حديث عبد الله بن عمر ما أنشد: [من الرجز] ١٨١٩ - إليك تعدوا قلقًا وضينها ... مخالفًا دين النصارى دينها الوضين: وهو الحزام كما تقدم. ويجمع الوضين على وضنٍ نحو رغيف ورغف. فصل الواو والطاء وط أ: قوله تعالى: ﴿ليوطئوا عدة ما حرم الله﴾ [التوبة: ٣٧] أي ليوافقوا عدة

стр. 1713

الشهور. والمواطأة: الموافقة والمماثلة من وطئ الرجل برتجله موطئ صاحبه. فجعل لك كناية عن الموافقة والمواتاة. ومنه قوله تعالى: ﴿هي أشد وطأ﴾ [المزمل: ٦] أي موافقةً يوافق القلب فيها اللسان، لأن الليل محل الخلوة والجلوة. وقيل: لأن اللسان يواطئ فيها العمل، والسمع يواطئ فيها القلب. وقرئ في المتواتر: "وطاء"، قيل: معناه أبلغ في القيام وأوطأ للقيام. وقيل: أبغ في الثواب. وقيل: أغلظ على الإنسان من القيام بالنهار، لأن الليل محل الاستراحة من قولهم: شد وطاءته على بني فلانٍ. ومنه: "اللهم أشدد وطأتك على مضر". قوله: ﴿ولا يطؤون موطئًا﴾ [التوبة: ١٢٠] من وطأ البلاد برجله. ويقال: وطئت البلاد أطؤها وطاءً ووطاء. وعلى هذا يتجوز أن تكون القراءتان المتقدمتان بمعنى. وقيل: الوطء هنا عبارة عن الأخذ والعقوبة. ومنه قوله تعالى: ﴿لم تعلموهم أن تطؤوهم﴾ [الفتح: ٢٥] أن تنالوهم بمكروهٍ. وقد وطئنا العدو وطاءً شديدًا. ومنه قول جريرٍ: [من الوافر] ١٨٢٠ - خصيت مجاشعًا وشددت وطئي على أعناق تغلب واعتمادي وفي حديثٍ آخر: "آخر وطأة لله بوج" وج: الطائف، وكانت آخر غزوةٍ غزاها ﷺ ، وهذا من الإخبار بالغيب. وفي الحديث: "أقربكم مني مجلسًا يوم القيامة أحاسكنم أخلاقًا، الموطؤون أكنافًا" قال المبرد: هذا مثل، وحقيقته أن التوطئة التمهيد والتذليل. ومنه دابة وطيء وفراش وطيء، أي لا تحرك راكبها ولا ينبو جانبًا لراقدٍ

стр. 1714

عليه. والأكناف: جمع كنفٍ وهو الجانب؛ يقال: هو في كنفه وظله وزاده وحيزه وجانبه. والمعنى: اللينون جانبًا. وفي حديثٍ آخر: "إنه قال للخراصين: احتاطوا لأهل الأموال في النائبة والوائطة". قال أبو عبيدٍ الهروي: الواطئة: المارة والسابلة، كأنه وصى عليهم لما ينوبهم من الضيفان. وقال أبو سعيدٍ الضرير: هي الوطايا واحداتها وطيئة. وهي تجري مجرى العربية. سميت بذلك لأن صاحبها وطأها لأهله. فهي لا تدخل في الخرص. وقال غيره: الوطيئة: سقاطة التمر لأنها توضع فتوطأ؛ فهي فاعلة بمعنى مفعولةٍ. كقوله: ﴿لا عاصم﴾ [هود: ٤٣]. كما جاء مفعول بمعنى فاعلٍ كقوله: ﴿حجابًا مستورًا﴾ [الإسراء: ٤٥] ﴿كان وعده مأتيًا﴾ [مريم: ٦١]. ولنا فيه كلام في غير هذا. وفي الحديث: "إن جبريل ﵇ ﷺ صلى به العشاء حين غاب الشفق واتطأ العشاء" اتطأ افتعل من الوطء. والمعنى: حين يتهيأ العشاء. يقال: وطئت الشيء فاتطأ، أي هيأته فتهيأ. وأراد كل ظلام العشاء. وفي حديث آخر: "لنا ثلاث أكلٍ من طيئةٍ" الوطيئة: الغرارة يوضع فيها الكعك ونحوه. والوطء: كثر استعماله في الجماع حتى صار كالصريح. وط ر: قوله تعالى: ﴿فلما قضى زيد منها وطرًا﴾ [الأحزاب: ٣٧]. الوطر: الحاجة. وقيل: كل حاجة من همتك وقصدك فهي وطر، فكأنه أخص من الحاجة. ومن أحسن ما قيل من فن التجنيس ما أنشدناه قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة لوالده: [من البسيط] ١٨٢١ - لقاء أكثر هذا الناس أوزار ... فلا تبال صدوا عنك أو زاروا لهم لديك إذا جاؤوك أو طار ... فإن قضوها تنحوا عنك أو طاروا

стр. 1715

وط ن: قوله تعالى: ﴿لقد نصركم الله في مواطن كثيرةٍ﴾ [التوبة: ٢٥] هي جمع وطنٍ: وهي محل الإنسان دون سكنه. يقال: وطنت الأرض أطنها وطنًا، وأوطنتها أطنها إيطانًا: إذا اتخذتها وطنًا. قال رؤبة بن العجاج: [من الرجز] ١٨٢٢ - أوطنت وطنًا لم يكن من وطني ... لو لم يكن عاملها لم أسكن بها، ولم أرجن بها في الرجن وفي الحديث: "نهى عن إيطان المساجد" أي اتخاذها وطنًا. فصل الواو والعين وع د: قوله تعالى: ﴿وعدكم الله مغانم﴾ [الفتح: ٢٠] الوعد غلب في الخير، والإيعاد في الشر. وقيل: إنه ذكره متعلق وقع فيهما. فيقال: وعدته بخيرٍ وبشر. وإن لم يذكر اختص وعد بالخير وأوعد بالشر؛ هذا قول الهروي. وقال الراغب: الوعد يكون في الخير والشر. يقال: وعدته بنفعٍ وضر وعدًا وموعدًا وميعادا. والوعيد في الشر خاصة. يقال منه: أوعدته. قال: ومن الوعد بالشر قوله تعالى: ﴿ويستعجلونك بالعذاب. ولن يخلف الله وعده﴾ [الحج: ٤٧]. وإنما كانوا يستعجلونه بالعذاب وذلك وعيد. ومما يتضمن الأمرين معًا قوله تعالى: ﴿ألا إن وعد الله حق ولكن أكثرهم لا يعلمون﴾ [يونس: ٥٥]. فهذا وعد بالقيامة وجزاء للعباد إن خيرًا فخيرًا وإن شرًا فشرًا. قوله تعالى: ﴿فاجعل بيننا وبينك عدًا﴾ [طه: ٥٨] أي وعدًا. فالموعد والميعاد يكونان اسمين ومصدرين. فقوله تعالى: ﴿لكن ميعاد يومٍ﴾ [سبأ: ٣٠] اسم لا مصدر. وقوله تعالى: ﴿وإذ واعدنا موسى﴾ [البقرة: ٥١] وقرئ "وعدنا" فقيل: فاعل بمعنى

стр. 1716

فعل. وقيل: سوغ المفاعلة تنزيل القبول من موسى منزلة الوعد. والموعد: العهد. ومنه: ﴿ما أخلفنا موعدك بملكنا﴾ [طه: ٨٧] ﴿فأخلفتم موعدي﴾ [طه: ٨٦] أي عهدك وعهدي. وقوله: ﴿الشيطان يعدكم الفقر﴾ [البقرة: ٢٣٦] أي يخوفكم. وقوله: ﴿والله يعدكم مغفرةً﴾ [البقرة: ٢٦٨] أي يرجيكم. وهذا بحسب القرينة. أي سمي تخويفه وعدًا على المقابلة نحو: ﴿ومكروا ومكر الله﴾ [آل عمران: ٥٤]. قوله: ﴿واليوم الموعود﴾ [البروج: ٢] إشارة إلى يوم القيامة كقوله: ﴿إلى ميقات يومٍ معلومٍ﴾ [الواقعة: ٥٠]. وقيل: هو يوم بدر، لأنهم وعدوا به؛ وعد المؤمنون بأنهم ينصرون فيه والمشركون بأنهم يخذلون. قوله تعالى: ﴿ولا تقعدوا بكل صراطٍ توعدون﴾ [الأعراف: ٨٦] لأنهم كانوا يتوعدون السابلة إن آمنوا بشعيبٍ، كما مفعل مشركو قريشٍ حين تقسموا شعاب مكة، كما أشار بقوله تعالى: ﴿كما أنزلنا على المقتسمين﴾ [الحجر: ٩٠]. وقد أوضحناه في تفسير سورة الحجر. وقد تمدحت العرب بإنجاز الوعد وأخلاف الوعيد تكرمًا. ومنه قول شاعرهم: [من الطويل] ١٨٢٣ - وإني وإن أوعدته أو وعدته ... لمخلف إيعادي ومنجز موعدي قوله: ﴿وفي السماء رزقكم وما توعدون﴾ [الذاريات: ٢٢] ظاهره ما توعدون من الخير. وقيل: أعم من ذلك، وهو الجنة. وع ظ: قوله تعالى: ﴿قل إنما أعظكم﴾ [سبأ: ٤٦] الوعظ: التخويف. وقيل: زجر مقترن بتخويفٍ. والعظة والموعظة كالوعظ. وقال الخليل: الوعظ: التذكير بالخير فيما يرق له القلب. وفي الحديث: "يأتي على الناس زمان يستحل فيه الربا بالبيع والقتل

стр. 1717

بالموعظة" قيل: هو أن يقتل البريء ليتعظ المريب. وع ي: قوله تعالى: ﴿وتعيها أذن واعية﴾ [الحاقة: ١٢] أي تحفظها ولا تهمل منها شيئًا أذن مصغية لما يقال. والوعي: حفظ الحديث ونحوه في الذهن. ويقال: وعيت الحديث وأوعيت المتاع. قال تعالى: ﴿وجمع فأوعى﴾ [المعارج: ١٨] أي جمع الأمتعة والأموال في أوعيتها، أي أنه لم يكن مفرطًا في دنياه بل شديد الحرص عليها. وقال الهروي: يقال: وعيت العلم وأوعيت المتاع. وهذا عندي مردود بقوله تعالى: ﴿والله أعلم بما يوعون﴾ [الإنشقاق: ٢٣] أي بما يجمعون في صدورهم من التكذيب. كذا فسره الفراء. وقول الشاعر: [من البسيط] ١٨٢٤ - والشر أخبث ما أوعيت من زاد من التشبيه؛ جعل الشر زادًا، والزاد يوعى. ويقال: وعى الجرح يعي وعيًا، أي جمع المدة. ووعى العظم: اشتد وجمع القوة. والواعية: الصارخة. وسمعت وعيهم، أي صراخهم. ولا وعي لي عن كذا، أي لا تماسك لنفسي عنه، ولا بد منه. فصل الواو والفاء وف د: قوله تعالى: ﴿يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدًا﴾ [مريم: ٨٥]. الوفد: القادمون على الملوك والأكابر يستخرجون منهم الحوائج. وأصل ذلك وافد الإبل وهو السابق لغيره. يقال: هم وفد ووفود. ومنه قول الشاعر: [من الطويل] ١٨٢٥ - فإن تمس مهجور الفناء فربما ... أقام به بعد الوفود وفود

стр. 1718

والوفادة: القدوم. والوفود هم الذين قدموا على رسول الله ﷺ آخر سنيه. وف ر: قوله تعالى: ﴿جزاءً موفورًا﴾ [الإسراء: ٦٣] أي غير منقوصٍ. يقال: وفرته أفره وفرًا فهو موفور، أي لا تنقصون من جزائكم شيئًا. ومن كلامهم إذا قدم لأحدهم قرى: توفر وتحمد، أي يتوفر عليك مالك لا تنقص منه شيئًا، مع بقاء الحمد والثناء عليك. ومنه: توفير الثمن، أي عطاؤه كاملاً من غير نقصٍ. ووفرت عرضي بمالي. ومنه قول زهيرٍ: [من الطويل] ١٨٢٦ - ومن يجعل المعروف من دون عرضه يفره، ومن لا يتق الشتم يشتم والوافر: المال التام. يقال: وفرت كذا أفره فرةً ووفرًا، ووفرته على التكثير، والوفرة من الشعر: ما بلغ المنكب، واللمة: ما بلغ الأذنين، والجمة: ما زاد على الوفرة. ومزادة وفر، وسقاء وفر: لم ينقص من أديمها شيء. ورأيت فلانًا ذا وفارةٍ، أي مروءةٍ تامةٍ وعقلٍ رصين. وف ض: قوله تعالى: ﴿إلى نصبٍ يوفضون﴾ [المعارج: ٤٣] أي يسرعون عدوهم. يقال: وفض يفض وأوفض يوفض إيفاضًا، أي عدا عدوًا سريعًا. والمعنى: كأنهم نصب لهم شيء عجيب، فهم يستبقون إليه ويستدون نحوه. قيل: وأصل ذلك أن يعدو من عليه الوفضة، وهي الكنانة فتتخشخش فيسرع في عدوه لئلا يسمع حسها فيؤخذ. وفي الحديث: "أمر بصدقةٍ توضع في الأوفاض" قيل: هم الفرق من الناس والأخلاط. قال الفراء: هم الذين مع كل منهم وفضة، وهي تشبه الكنانة الصغيرة. قلت: وعلى هذا فهو على حذفٍ مضافٍ، أي ذوي الأوفاض، وهم الفقراء لأنهم

стр. 1719

يستصحبون ما يشبه الكنانة ليعطوا فيها من الصدقات. واستوفضه، أي غربه وطرده. ومنه: استوفضت الإبل، أي تفرقت في مرعاها. ومنه قول ذي الرمة: [من البسيط] ١٨٢٧ - مستوفض من بنات القفر مشهوم وقيل: الأوفاض: الفرق من الناس المستعجلة. وف ق: قوله تعالى: ﴿جزاء وفاقًا﴾ [النبأ: ٢٦] الوفاق: المطابقة وعدم المنافرة. ومنه: وافقت الرجل: إذا لم تخالفه. والاتفاق افتعال منه، وهو موافقة فعل الإنسان القدر. ويستعمل ذلك في المحبوب والمكروه. يقال: اتفق فلانٍ خير وشر. والتوفيق تفعيل منه، إلا أنه اختص في العرف بالخير. ومنه قوله تعالى: ﴿وما توفيقي إلا بالله﴾ [هود: ٨٨] وأتانا لتيفاق الهلال وميقاته، أي حين اتفق إهلاله. وقد وفق هذا لكذا، أي أرشد إليه. وف ي: قوله تعالى: ﴿وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم﴾ [البقرة: ٤٠]. يقال: وفَىَ ووفَّى وأوفى. وقد جاءت الثلاث لغاتٍ في الكتابٍ العزيز؛ فمن الأول قوله تعالى: ﴿ومن أوفى بعهده من الله﴾ [التوبة: ١١١] وجه الدلالة أن أفعل إنما يطرد من الثلاثي. ولنا فيه كلام. ومن الثاني: ﴿وإبراهيم الذي وفى﴾ [النجم: ٣٧]. ومن الثالث ما تلوناه أولا. والتوفية: التميم. ومنه قوله تعالى: ﴿ألا ترون أني أوف الكيل﴾ [يوسف: ٥٩] ﴿وأوفوا الكيل إذا كلتم﴾ [الإسراء: ٣٥]. وقوله تعالى: ﴿وإبراهيم الذي وفى﴾ توفيته أنه بذل المجهود في طاعة المعبود في جميع ما طولب به، كما أشار إليه تعالى بقوله: ﴿إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم﴾ [التوبة: ١١١] الآية.

стр. 1720

فبذل ماله في الإنفاق في قرى الضيفان، وبذل ما هو أعز من نفسه وهو ولده حيث امتثل أمر ربه على هيئةٍ لا يطيقها البشر البتة من ذبحه له بيده. وأي شيءٍ أعظم من هذه التوفية؟ ومنه في المعنى: ﴿وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلماتٍ فأتمهن﴾ [البقرة: ١٢٤] وقد قيل في هذه الآية معنىً آخر؛ وهو أن إبراهيم التزم ألا يسأل غير ربه. فلما رفع في المنجنيق ليرمى في النار اعترضه جبريل ﵇ وقال له: ألك حاجة؟ فقال: أما إليك فلا. فهذا توفيته. وأنشدني بعضهم في هذا المعنى بحرم الخليل ﵇، والشعر للوأواء الدمشقي من قصيدته المشهورة: [من البسيط] ١٨٢٨ - قالت لطيف خيالٍ زارني ومضى: ... بالله صفه ولا تنقص ولا تزد فقال: خلفته لو مامت من ظمأ ... وزدته عن ورود الماء لم يرد قالت: صدقت وفاء الحب عادته ... يا برد ذاك الذي قالت على كبدي وقال هذا المنشد: إن ابن الجوزي، حين ذكر قصة الخليل أنشد الأبيات وهو حسن جدًا. وتوفية الشيء: بذله وافيًا. واستيفاؤه: تناوله وافيًا. ومنه قوله تعالى: ﴿ووفيت كل نفسٍ ما عملت﴾ [الزمر: ٧٠] ﴿الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون﴾ [المطففين: ٢]. وسمي الموت والنوم توفيًا لأنهما استيفاء مدةٍ. قال تعالى: ﴿الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها﴾ [الزمر: ٤٢]. وقوله: ﴿والذين يتوفون منكم﴾ [البقرة: ٢٣٤] أي يموتون، وقرئ بفتح الياء، وتأويلها: يتوفون آجالهم. وهذه القراءة تبطل حكايةً عن الشعبي أنه قال له رجل وهو في جنازةٍ: من المتوفي؟ فقال الشعبي: الله تعالى، قاله الزمخشري وفيه نظر لجواز أن هذه القراءة لم تبلغ الشعبي لا سيما وهي شاذة. قوله تعالى: ﴿إني متوفيك﴾ [آل عمران: ٥٥] قيل: توفي رفعة لا موت. وعن ابن عباس: إنه توخي موتٍ فإنه أماته ثم أحياه. وقال: فيه تقديم وتأخير تقديره. رافعك إلي ومتوفيك. قال: وقد تكون الوفاة قبضًا وليست بموتٍ. يقال: توفيت حقي من فلانٍ
следующие страницы →