← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 17832

المفطرات الطبية المعاصرة دراسة فقهية طبية مقارنة

عبد الرزاق الكندي

Полный текст (460 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

المُفَطِّرات الطِّبية المعاصرة دراسة فقهية طبية مقارنة تأليف د. عبد الرزاق بن عبد الله بن غالب الكِندي

стр. 2

أصل هذا الكتاب رسالة علمية نال بها الباحث درجة الدكتوراه مع التوصية بطباعتها من كلية معارف الوحي والعلوم الإنسانية بالجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا (IIUM) .

стр. 3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 4

شكر وعرفان في مطلع هذا الكتاب يُسعدني أن أتقدم بخالص الشكر والعرفان لكل من أعانني في مسيرة هذا البحث من أطباء استشاريين وأخصائيين الذين فتحوا قلوبهم وعياداتهم لحواراتي وأسئلتي ورشدوا الجانب الطبي في هذا البحث، وأخص منهم: - سعادة الدكتور محمد علي البار استشاري أمراض باطنة ورئيس مركز أخلاقيات الطب وكبير خبراء المجامع الفقهية. - سعادة الدكتور خالد شامح الحميد استشاري الجراحة العامة وجراحة المناظير بمستشفى الملك فهد التخصصي والمستشفى المركزي بالقصيم. - سعادة الدكتور سعيد بن عمر العمودي استشاري الأمراض الصدرية بالمستشفى الجامعي بمدينة جدة، وعضو هيئة التدريس بكلية الطب بجامعة الملك عبدالعزيز. وشكري موصول لكل من أعانيي في مسيرة هذا البحث من الزملاء والأحبة. لهم مني جميعًا خالص الشكر والتقدير، وجزاهم الله عني خير الجزاء. «ومن لا يشكر الناس لا يشكر الله».

стр. 5

مقدمة - توطئة. - موضوع البحث وأهميته. - مشكلة البحث. - أسئلة البحث. - أهداف البحث. - أسباب اختيار الموضوع. - ما سيضيفه هذا البحث. - منهجية البحث. - هيكل البحث.

стр. 6

• توطئة: إنّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. إنّ مما لا يخفى كون النصوص الشرعية متناهية، والمستجدات غير متناهية فلزم إرجاع تلك المستجدات إلى أصولها فكل نازلة لها حكم، وكل حادثة لها نص كلي أو تفصيلي ترجع إليه. وقد استجدت بعد الوحي حوادث ووقائع، ولم تستجد نصوص، إلا أنّ الأصول الكلية والنصوص العامة استوعبتها وجعلتها تحت الإطار العام للتشريع. قال السرخسي: «ما من حادثة إلا وفيها حكم لله تعالى من تحليل أو تحريم أو إيجاب أو إسقاط، ومعلوم أن كل حادثة لا يوجد فيها نص، فالنصوص معدودة متناهية، ولا نهاية لما يقع من الحوادث إلى قيام الساعة، والصحابة ما اشتغلوا باعتماد نص في كل حادثة طلباً أو رواية فعرفنا أنه لا يوجد نص في كل حادثة» (١).

стр. 7

ولهذا بقي الإسلام شامخاً راسخاً، فاستوعب المكان وساير الزمان، فما من معضلة ولا مشكلة إلا وفيه حل لها، ولا نازلة إلا وعنده جوابها. ولذا تعين على أهل العلم جملة النظر في كل ما استجد، وإظهار حكم الله فيه، وإعمال العقل في إخراج النوازل على النص، والنظر في الوقائع لتنال حكمها في الشرع، وطريقه إما النص في المنصوص عليه، وإما فهم النص فيما لم ينص عليه، ولا يكون ذلك إلا لذي الرأي الحصين، المدرك لعلم الشرع الشريف (١). وهذا ما درج عليه الصحابة ﵃. يقول ابن القيم ﵀: «فالصحابة ﵃ مثلوا الوقائع بنظائرها وشبهوها بأمثالها، وردوا بعضها إلى بعض في أحكامها، وفتحوا للعلماء باب الاجتهاد، ونهجوا لهم طريقه وبينوا لهم سبيله» (٢). ويقول أبو حامد الغزالي ﵀: «وأشرف العلوم ما ازدوج فيها العقل والسمع، واصطحب فيه الرأي والشرع» (٣).

стр. 8

• موضوع البحث وأهميته: يعتبر الاهتمام بمسائل النوازل سواء في العبادات أو المعاملات من فروض الكفايات التي يلزم إظهار حكم الشرع فيها، ومن أهم تلك النوازل ما يتعلق بالعبادات العينية حيث أنّها تتعلق بكل المكلفين، فتأكدت الفرضية فيها. ومما جدّ من النوازل الفقهية الهامة مسائل ومستجدات كثيرة تتعلق بمُفَطِّرات الصيام فكَثُر السؤال عنها واضطربت الفتوى فيها، فكان تجلية الحكم الشرعي في هذه النوازل ودراستها بعد تصورها على ما هي عليه علمياً أو طبياً من المهمات التي ينبغي أن يُشمَّر لها، ومن هنا كان هذا البحث. وعند النظر في النوازل الطبية في مُفَطِّرات الصوم نجد أنها من أدق مسائل الفقه؛ لكونها قضايا مستجدة يغلب على معظمها طابع العصر المتميز بالتعقيد والتشابك واستحداث وسائل لم تخطر على بال بشر يوماً من الدهر، والاجتهاد فيها ضرورة حتمية، وكلما وقعت واقعة احتجنا فيها إلى فتيا واجتهاد. • مشكلة البحث: كما هو معلوم أن فقه النوازل المعاصرة من أبرز التحديات التي تواجه الفقيه المعاصر، وهذا البحث جزء من منظومة الفقه المعاصر الذي تحفه مستجدات تحتاج إلى حل فقهي، وتتركز مشكلة البحث بوجود فراغ في أمر يتعلق بأحد فروض الأعيان، وركن من أركان الإسلام، حيث إنّ نوازل المُفَطِّرات المعاصرة غير مدروسة الدراسة الاجتهادية التأصيلية المحققة التي تربط بين

стр. 9

تقعيدات الفقهاء وتقرير الطب الحديث؛ ليقيم الناس ركناً من أركان الإسلام على الوجه الشرعي الصحيح. كما يعالج البحث إشكالية إسقاط المُفَطِّرات الطبية المعاصرة على تقرير الفقهاء المتقدمين، وتكييفها على ضوء تخريجهم، لمجرد التشابه في الأسماء دون النظر إلى الحقيقة الطبية لها، والاكتفاء بتقريرهم الفقهي مع المفارقة الكبيرة بين الأمرين، وإن تشابهت الأسماء كما هو حاصل عند البعض في تكييف الحقن المعاصرة على ما ذكره الفقهاء المتقدمون من حقن كانت معهودة في زمانهم مع الفارق بين حقيقة كل منها؛ لذا حصل اللبس الذي سَبّب اختلافاً وتبايناً في الفتيا فيما استجد من نوازل المُفَطِّرات. ومن جهة أخرى لمس الباحث ميلاً للتشدد في فتاوى المُفَطِّرات عند كثير من المفتين بدعوى الاحتياط في جانب العبادة، فأراد أن يسد فرضاً كفائياً مما تمس الحاجة إليه وتعم به البلوى، حيث لم يتم استيعاب دراسة مُفَطِّرات الصيام المعاصرة لا كمّاً ولا كيفاً، وكذلك إبراز سعة الشريعة ورحمتها في إمكانية جريان الخلاف في المستجدات كما جرى في سابقاتها من المسائل، فيسع الناس فيها أكثر من قول، ويصح فيها أكثر من اجتهاد فيرتفع عن الناس الحرج. • أسئلة البحث: في ضوء ما تقدم فإن التساؤلات الرئيسة التي تحاول هذه الدراسة الإجابة عنها هي:

стр. 10

١ - ما أهمية دراسة المُفَطِّرات الطبية المعاصرة؟ ٢ - ما حكم دراسة النوازل المعاصرة؟ ومن يملك حق الفتيا فيها؟ ٣ - كيف نحدد ضابط المُفَطِّرات؟ ٤ - ما التيسير في باب المُفَطِّرات الطبية المعاصرة في ضوء القول الراجح؟ ٥ - ما المُفَطِّرات الطبية المعاصرة؟ وما الإضافة العلمية فيها، وما حكمها في ضوء الفقه والطب الحديث؟ • أهداف البحث: في ضوء موضوع البحث وتساؤلاته تتحدد أهداف البحث في النقاط التالية: ١ - بيان أهمية دراسة المُفَطِّرات الطبية المعاصرة، وشروط الفتيا فيها، ومن يملك حق الإفتاء فيها. ٢ - إظهار الحكم الشرعي في المُفَطِّرات الطبية المعاصرة؛ ليؤدي الناس عبادتهم على الوجه الصحيح. ٣ - إظهار جانب الرحمة في مسائل المُفَطِّرات المعاصرة، وأنها من المسائل التي يسع الأمة تعدد الاجتهادات فيها. ٤ - دراسة وتأصيل ما لم يدرس من مُفَطِّرات الصيام المعاصرة، واستكمال ما لم يُسْتكمل. ٥ - وضع التصور الصحيح للمُفَطِّرات الطبية المعاصرة؛ ليتم الحكم

стр. 11

عليها على ضوئه، فالحكم على الشيء فرع عن تصوره، وفهم النازلة نصف الاجتهاد. • أسباب اختيار الموضوع: مما دفع بي لدراسة هذا الموضوع أسباب عدة أهمها: أولاً: دراسة النوازل المتعلقة بالعبادات العينية من أهم المهمات التي يجب أن يظهر فيها الحكم الشرعي ليؤدي الناس عباداتهم على الوجه الصحيح. ثانياً: مُفَطِّرات الصيام الطبية المعاصرة لم تدرس دراسة مُفصلة إلا نزرٌ يسير منها تم بحثه من قِبَل مجمع الفقه الإسلامي في دورته العاشرة بحثاً إجمالياً، ولم يدرسها دراسة أكاديمية مقارنة، مع وجود الحاجة الملحة لدراستها وتأصيلها فقهياً بعد تصورها على ما هي عليه من خلال أهل الاختصاص. ثالثاً: إقامة الفرض الكفائي الذي يرى الباحث أنه لم يُسد في هذا الباب، فدراسة المُفَطِّرات الطبية المعاصرة فرض كفاية، والباحث يرجو ثواب سد هذا الفرض الكفائي. رابعاً: لم يجد الباحث من تقدم لبحث المُفَطِّرات المعاصرة إلا ما كان من بحوث قصيرة تناولتها بالعرض الإجمالي، ولم تدرسها دراسة فقهية مقارنة مع أهميتها وقيام الحاجة لذلك. خامساً: الرغبة في إظهار جانب الرحمة والتيسير في المُفَطِّرات الطبية

стр. 12

المعاصرة من خلال عرض التكييف الفقهي لها في ضوء المذاهب الأربعة فيسع الأمة فيها ما وسعهم في المسائل الاجتهادية السابقة. • ما ستضيفه هذه الدراسة: بعد البحث والتنقيب لم أجد من استوعب دراسة النوازل في باب المُفَطِّرات الطبية المعاصرة بدراسة فقهية مستوعبة لا من حيث الكم ولا من حيث الكيف؛ ولذا فإن الذي ستضيفه دراسة الباحث هو استقراء للمُفَطِّرات المعاصرة ودراستها، وتصويرها تصويراً واضحاً في ضوء معطيات الطب المعاصر. كما أن هذه الدراسة سوف تدرس النازلة دراسة تأصيلية تُكَيِّف فيها النازلة، ثم تُخرج حكمها حسب المذاهب الأربعة، وتجري دراسة مقارنة فيما بينها، ثم تدرسها في ضوء ما قرره الطب المعاصر، ثم تجري دراسة مقارنة بين ما وصل إليه الحكم في التخريج الفقهي وبين ما قرره الطب المعاصر للخروج بحكم واضح للمسألة، كما سيقوم بحلحلة بعض الاتجاهات الساكنة داخل أروقة المذاهب الفقهية؛ لتصبح الصورة جلية للدارسين والمفتين وأهل الاختصاص بجذورها القديمة، وامتداداتها المعاصرة. إضافة إلى ترجيح الباحث في ضوء المعطيات السابقة، فإن البحث سيُظهر كون مسائل المُفَطِّرات المعاصرة من مسائل الاجتهاد التي يسع فيها الخلاف وتعدد الاجتهاد، وذلك مصدر تيسير ورحمة، واللهَ أرجو أن يبارك في هذا البحث ويجعل فيه إثراءً للمكتبة الإسلامية بدراسة مستوعبة مُعمقة.

стр. 13

• منهجية البحث: اعتمدت في بحثي على المنهجية الآتية: ١ - المنهج الاستقرائي: وذلك بتتبع جميع النوازل الطبية المعاصرة في باب المُفَطِّرات من جميع مظانها. ٢ - المنهج الوصفي: وذلك بعرض جميع المُفَطِّرات الطبية المعاصرة، وتصويرها وفق ما توصل إليه الطب المعاصر من خلال المراجع الطبية المختصة، ومحاورة الأطباء المختصين. ٣ - المنهج التحليلي: وذلك بدراسة مفردات البحث بأسلوب علمي واضح مستخدما تنظيما معينا للوصول إلى الحقائق والنتائج. ٤ - المنهج المقارن: وذلك بالمقارنة بين أقوال الفقهاء وتأصيلهم، وبين نتائج الطب المعاصر. للوصول إلى القول الراجح. وقد اعتمدت في جمع معلومات البحث على المصادر والمراجع والأبحاث المتخصصة في الطب والفقه، ومزجت ذلك برؤية فقهية تأصيلية تتناسب مع المستجدات المعاصرة في باب المفطرات، وكان ذلك على النحو الآتي: أولاً الجانب الفقهي: أعتمدت على الكتب المعتمدة في كل مذهب، والتي استقرت المذاهب على اعتمادها أو ما استقر على كونه مرجعية معتمدة عند الأئمة في الفقه المقارن كالمجموع للنووي والمغني لابن قدامة، وشرقت وغربت بين

стр. 14

المكتبات الجامعية والعامة إضافة إلى مكتبتي الشخصية. ثانياً الجانب الطبي: فقد ترددت على المستشفيات الجامعية والتخصصية والمركزية، وقابلت الأطباء الاستشاريين والأخصائيين، وحاورتهم ووثقت حواراتهم مكتوبة ومسجلة، كما حاورت كبير خبراء المجامع الفقهية في المجال الطِّبي (١)، بالإضافة إلى الإبحار في المراجع والمواقع الطِّبية المختصة، وقد بلغ عدد من حاورت من الاستشاريين والأخصائيين سبعة عشر استشاري وأخصائي، بالإضافة إلى مراسلة اثنين آخرين. وقد تعاملت مع هذه المعلومات وفق منهجية علمية لدراسة النوازل المعاصرة من حيث التصوير أولاً ثم التكييف والتخريج مبيناً ما لم يتضح ومستدلاً لأقوال المذاهب والمعاصرين، ومناقشة ما يرد عليها من اعتراضات والجواب عنها إن وُجد، ثم استخلاص الراجح منها مبيناً أسباب الترجيح. • هيكل البحث: لتحقيق الأهداف المنشودة من البحث، ووفقاً للمنهجية المتبعة فقد جعلت هيكل البحث مكوناً من مقدمة وثلاثة فصول وخاتمة على الترتيب الآتي: المقدمة: واشتملت على:

стр. 15

(توطئة، موضوع البحث وأهميته، مشكلة البحث، أسئلة البحث، أهداف البحث، أسباب اختيار الموضوع، ما سيضيفه هذا البحث، منهجية البحث، هيكل البحث) الفصل الأول: التعريفات المنهجية، وأهمية دراسة نوازل الصيام، وضوابط الفتيا فيها، والعلاقة بين الفقه والطب، وفيه مباحث: المبحث الأول: التعريفات المنهجية لعنوان البحث. المبحث الثاني: أهمية دراسة النوازل في باب المُفَطِّرات. المبحث الثالث: شروط الفتوى في النوازل، ومن له حق الإفتاء فيها. المبحث الرابع: العلاقة بين الفقه والطب. المبحث الخامس: حكم التداوي. الفصل الثاني: تقرير قواعد الفقهاء في باب المُفَطِّرات، وفيه مباحث: المبحث الأول: المُفَطِّرات المجمع عليها والمختلف فيها. المبحث الثاني: الموسعون والمضيقون في باب المُفَطِّرات. المبحث الثالث: تحديد الجوف وضابطه عند الفقهاء والأطباء. المبحث الرابع: ضابط المُفَطِّرات. الفصل الثالث: المُفَطِّرات الطبية المعاصرة، وفيه مباحث. المبحث الأول: ما يدخل الجسم عبر منافذ الوجه، وفيه مطالب. المطلب الأول: بخاخ الربو، وملحقاته.

стр. 16

المطلب الثاني: غاز الأكسجين. المطلب الثالث: استنشاق غاز التخدير. المطلب الرابع: استخدام معجون الأسنان ومطهرات الفم ومعالِجاته. المطلب الخامس: منظار المعدة. المطلب السادس: قطرات الأنف وملحقاتها. المطلب السابع: قطرات الأذن وملحقاتها. المطلب الثامن: قطرات العين وملحقاتها. المطلب التاسع: الأقراص العلاجية التي توضع تحت اللسان. المبحث الثاني: ما يدخل الجسم عبر الجلد نفاذاً وامتصاصاً، وفيه مطالب: المطلب الأول: الحقن العضلية والجلدية والوريدية. المطلب الثاني: حَقْن الدم. المطلب الثالث: الغسيل الكلوي البريتوني (الصفاقي). المطلب الرابع: منظار البطن. المطلب الخامس: إدخال القسطرة في الشرايين للتصوير أو العلاج. المطلب السادس: الدهانات والمراهم واللصقات العلاجية. المبحث الثالث: ما يدخل الجسم عبر الجهاز التناسلي والشرج، وفيه مطالب: المطلب الأول: ما يدخل عبر الجهاز التناسلي للمرأة. المطلب الثاني: ما يدخل عبر الجهاز البولي.

стр. 17

المطلب الثالث: ما يدخل عن طريق الشرج. المبحث الرابع: (الخارج من البدن) وفيه مطالب: المطلب الأول: الغسيل الكلوي الدموي. المطلب الثاني: التبرع بالدم. المطلب الثالث: سحب الدم للتحليل. المطلب الرابع: شفط الدهون. الخاتمة: وتشمل: النتائج والتوصيات. قائمة المصادر والمراجع. الملاحق.

стр. 18

الفصل الأول التعريفات المنهجية، وأهمية دراسة نوازل الصيام، وضوابط الفتيا فيها، والعلاقة بين الفقه والطب وفيه مباحث: - المبحث الأول: التعريفات المنهجية للمُفَطِّرات الطبية المعاصرة. - المبحث الثاني: أهمية دراسة النوازل في باب المُفَطِّرات. - المبحث الثالث: شروط الفتوى في النوازل، ومن له حق الإفتاء فيها. - المبحث الرابع: العلاقة بين الفقه والطب. - المبحث الخامس: حكم التداوي.

стр. 19

المبحث الأول التعريفات المنهجية للمُفَطِّرات الطبية المعاصرة وفيه مطالب: - المطلب الأول: تعريف الصيام. - المطلب الثاني: تعريف المُفَطِّرات. - المطلب الثالث: استخدام مصطلح المُفَطِّرات. - المطلب الرابع: تعريف الطب. المطلب الخامس: تعريف المعاصرة.

стр. 20

تمهيد يتناول هذا المبحث التعريف بأهم المفاهيم والمصطلحات المستخدمة في البحث, والتي توضح الركائز الأساسية التي يشتمل عليها البحث, وتعطي صورة عن أهم القوالب التي يتركب منها, كما يُبيِّن الضوابط العلمية والمنهجية لدراسة النوازل المعاصرة من منظور فقهي، ومدى الترابط بين الفقه والطب، وذلك ليتم الدخول للبحث من نافذة سليمة, ومسلك واضح. المطلب الأول: تعريف الصوم: لغة: الصيام في اللغة كلمة تدل على الإمساك، والترك، والركود في المكان. قال ابن فارس: «الصاد، والواو، والميم أصلٌ يدلُّ على إِمساكٍ وركودٍ في مكان» (١). والصوم الإمساك عن الشيء، والترك له، ولذلك قيل للصائم: صائماً لإمساكه عن الشراب والطعام والنكاح، وقيل للصامت صائماً؛ لإمساكه عن الكلام. ومنه قوله تعالى: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ [مريم:٢٦].

стр. 21

وقال أبو عبيدة: «كل ممسك عن طعام، أو كلام، أو سَير، فهو صائم» (١). اصطلاحاً: الصوم في الاصطلاح يحمل نفس المعنى اللُغوي، إلّا أنَّه إمساك خاص، تميز ببعض التقييدات، ويكاد يكون تعريفه في الاصطلاح الشرعي محل اتفاق بين المذاهب في الجملة, ويقع الخلاف فيما أجملوه في التعريف من المُفَطِّرات التي يمتنع على الصائم تناولها، وهذا طرف من تعريفات المذاهب الأربعة للصوم. تعريف الحنفية: هو إمساك مخصوص، من شخص مخصوص، في وقت مخصوص (٢). تعريف المالكية: الإمساك عن شهوتي الفم، والفرج، وما يقوم مقامهما، مخالفةً للهوى في طاعة المولى، في جميع أجزاء النهار، وبِنِيَّة قبل الفجر، أو معه إن أمكن (٣). تعريف الشافعية: إمساك مخصوص، في زمن مخصوص، من شخص مخصوص (٤).

стр. 22

تعريف الحنابلة: إمساك عن المُفَطِّرات، من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس (١). ومن خلال تعريفات أصحاب المذاهب يتبين أنهم متفقون على أنّ الصيام هو إمساك عن المُفَطِّرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس بنية التعبد لله، مع اختلافهم في تحديد ماهية المُفَطِّرات، مابين الحَدِّ والعَدِّ. OOOOO المطلب الثاني: تعريف المُفَطِّرات: لغة: مصدر من الفَطْر، قال ابن فارس: «والفاء، والطاء، والراء أصل صحيح يدل على فتح شيء وإبرازه». وفَطَر الشيء يفطره فطراً فانفطر وفطره: شقه، وتَفَطّر الشيء تشقق. والفطر: الشق، ومنه أُخِذ فطر الصائم، يقال أفطر إفطاراً، وقوم فُطر أي مُفَطِّرون (٢). اصطلاحاً: هي مفسدات الصيام وما ينقضه، ويقطعه.

стр. 23

والمُفَطِّرات مصطلح شرعي ورد في السنة النبوية، ويراد به ما يفسد الصوم وينقضه، ومن ذلك حديث ثوبان ﵁ أنّ النبي ﷺ قال: «أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ» (١)، وحديث ابن عباس ب قال: «سَافَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي رَمَضَانَ، فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ عُسْفَانَ، ثُمَّ دَعَا بِإِنَاءٍ فِيهِ شَرَابٌ، فَشَرِبَهُ نَهَارًا لِيَرَاهُ النَّاسُ، ثُمَّ أَفْطَرَ حَتَّى دَخَلَ مَكَّةَ» قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ب: فَصَامَ رَسُولُ اللهِ وَأَفْطَرَ، فَمَنْ شَاءَ صَامَ، وَمَنْ شَاءَ أَفْطَرَ» (٢)، وحديث أبي هريرة ﵁: «أنَّ النبي ﷺ أمر رجلاً أفطر في رمضان أن يعتق رقبة، أو يصوم شهرين، أو يطعم ستين مسكينا» (٣). فهذه النصوص دلت على أنَّ كلمة أفطر تستخدم في النص الشرعي ويُراد بها ما يفسد الصوم ويبطله، وقد استخدم الأئمة الفقهاء تعبير المُفَطِّرات لما يفسد الصوم ويبطله وجعلوها باباً مستقلا في كتاب الصيام، أسموه المُفَطِّرات (٤). OOOOO

стр. 24

المطلب الثالث: استخدام مصطلح المُفَطِّرات: إنّ تسمية النوازل الطبية المتعلقة بفساد الصوم بالمُفَطِّرات ليس حكما مسبقاً، وذلك أنّه إذا نزلت نازلة ليس لها اسم شرعي فإنها تُسمى بما يناسبها في اللغة، وحيث إنّ النوازل الطبية المتعلقة بالصيام أول ما يتبادر إلى الذهن أنها مُفسدة للصيام سميت مُفَطِّرات باعتبار أوليّة المتبادر إلى الذهن، وصارت اصطلاحاً شائعاً بين الفقهاء المتأخرين مع جريان الخلاف في كونها مُفَطِّرة أو غير مُفَطِّرة، وحتى من اعتبرها غير مُفَطِّرة عبَّر عنها وسماها بالمُفَطِّرات لشيوع الاصطلاح، وقد بحثها مجمع الفقه الإسلامي باسم المُفَطِّرات المعاصرة (١)، وكذا الباحثون الذين سبق الإشارة إلى بحوثهم في الدراسات السابقة أطلقوا عليها المُفَطِّرات، مع حكمهم على كثير منها بعدم التفطير؛ ولذا صار إطلاق اسم المُفَطِّرات على النوازل الطبية المتعلقة بالصيام اصطلاحاً علمياً وعرفياً، ولا يفهم منه إطلاق حكم مسبق. OOOOO المطلب الرابع: تعريف الطب: لغة: قال ابن فارس: «الطاء، والباء أصلان صحيحان، أحدهما: يدل على علم بالشيء، ومهارة فيه، والآخر يدل: على امتداد في الشيء واستطالة.

стр. 25

فالأول الطب وهو العلم بالشيء، يقال: رجل طَبّ وطبيب أي عالم حاذق. قال الشاعر: فإن تسألوني بالنساء فإنني ... بصير بأدواء النساء طبيب (١) والطِّبُّ: علاجُ الجسم والنَّفْسِ، ورجل طَبٌّ وطَبِيبٌ عالم بالطِّبِّ، والمُتَطَبِّبُ الذي يَتعاطى عِلم الطِّبِّ» (٢). اصطلاحاً: عرّفه ابن سيناء بأنه: «علم يعرف منه أحوال بدن الإنسان من جهة ما يصح ويزول عن الصحة، ليحفظ الصحة حاصلةً، ويستردها زائلة» (٣). وعرفته الموسوعات الحديثة بأنه: «علم، وفن يُعنى بدراسة الأمراض، ومعالجتها، والوقاية منها» (٤).

стр. 26

المطلب الخامس: تعريف المعاصرة: لغة: من العصر، وهو: الدهر والحين. قال ابن فارس: العين، والصاد، والراء أصولٌ ثلاثة صحيحة، والعصر هو الدهر. قال الله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢)﴾ [العصر:١ - ٢] (١). ومن معانيه: الزمن الذي ينسب إلى ملِك، أو دولة، أو تطورات طبيعية، أو اجتماعية، يقال: عصر الدولة العباسية، عصر الكهرباء، عصر الذرَّة، العصر القديم، العصر المتوسط، والعصر الحديث، وهكذا (٢). و «المعاصَرَة»: مُفاعَلة من العصر، وتعني اجتماع شيئين في عصر واحد، ومنه وصف الشخص بأنه «معاصِرٌ» أي: أدرك أهل هذا العصر، واجتمع معهم. أما «المعاصِرة» -بكسر الصاد- فالمقصود بها الكائنة في هذا العصر الذي نعيش فيه (٣)، فالنوازل المعاصِرة هي التي حصلت في هذا العصر، عصر الثورة

стр. 27

العلمية، القرن العشرين وما بعده. اصطلاحاً: من خلال تتبعي لم أجد تعريفاً محدداً لكلمة «معاصِرة» إلا أنّ الاستخدام الاصطلاحي لكلمة معاصِرة ليس بعيدًا عن المعنى اللغوي، فالمسائل المعاصِرة هي المنسوبة لذلك العصر الذي تضاف إليه، ويُقصد بها المسائل التي حدثت في العصر الحاضر، فكل من يتحدث عن «المعاصِرة» تكون مضافة للزمن الذي يعيشه. وفي بحثنا هذا هي: ما استجَدَّ في عصرنا من قضايا طبية لها علاقة بفريضة الصوم صحة وفساداً.

стр. 28

المبحث الثاني أهمية دراسة النوازل في باب المُفَطِّرات - المطلب الأول: تعريف النوازل لغة واصطلاحًا. - المطلب الثاني: أهمية دراسة النوازل في باب المُفَطِّرات المعاصرة.

стр. 29

المطلب الأول: تعريف النوازل لغة واصطلاحاً: لغة: جمع نازلة، قال ابن فارس: «النون، والزاء، واللام كلمة صحيحة تدل على هبوط شيء ووقوعه، والنازلة: الشديدة من شدائد الدهر تنزل بالناس» (١). ومنه قول الشاعر: ولَرُبَّ نازلة يضيق بها الفتى ... ذرعا وعند الله منها المخرج (٢) ومنه القنوت في النوازل، يعني: في الشدائد التي تحل بالمسلمين. اصطلاحاً: هي المسائل الواقعة الجديدة التي تستدعي اجتهاداً وبياناً للحكم الشرعي (٣). وضبطها بالجديدة ليخرج ما سبق وقوعه في زمن ماضٍ، وتحدث عنه الفقهاء، وأصدروا فيه حكماً. ويخرج بضابط «تستدعي اجتهاداً» ما كان حكمه واضحاً من المستجدات، ويدركه كل مكلف، وقد نص الأئمة أنّ النازلة ما تَطَلّب اجتهاداً ونظراً.

стр. 30

يقول ابن عبد البر ﵀: «واجتهاد الرأي على الأصول عندما ينزل بالعلماء من النوازل في أحكامهم» (١). ويقول النووي: -في معرض شرحه لقول أبي بكر الصديق ﵁ حين قرر محاربة المرتدين: «والله لو منعوني عناقاً كانوا يؤدونه إلى رسول الله لقاتلتهم عليه» -: «وفيه اجتهاد الأئمة في النوازل، وردها إلى الأصول» (٢). OOOOO المطلب الثاني: أهمية دراسة النوازل في باب المُفَطِّرات المعاصرة: مما لا يخفى أن الوقائع الحياتية تتجدد وتتطور، وأن النصوص الشرعية متناهية، والمستجدات غير متناهية، فلزم إرجاع تلك المستجدات إلى أصولها، فكل نازلة لها حكم، وكل حادثة لها نص كلي أو تفصيلي ترجع إليه. وقد استجدت أحكام ولم تستجد نصوص، ولهذا بقي الإسلام شامخاً راسخاً، فاستوعب المكان وساير الزمان. فما من معضلة ولا مشكلة إلا وفيه حل لها، ولا نازلة إلا وعنده جوابها. قال السرخسي: «ما من حادثة إلا وفيها حكم لله تعالى من تحليل أو تحريم

стр. 31

أو إيجاب أو إسقاط، ومعلوم أنَّ كل حادثة لا يوجد فيها نص، فالنصوص معدودة متناهية، ولا نهاية لما يقع من الحوادث إلى قيام الساعة، والصحابة ما اشتغلوا باعتماد نص في كل حادثة طلباً أو رواية، فعرفنا أنه لا يوجد نص في كل حادثة» (١). والنوازل المستجدة التي تستدعي حكماً شرعياً تنقسم إلى قسمين من حيث أهميتها: الأول: ما يندر وقوعها وحاجة المكلفين إليها، مثل: إعادة العضو المقطوع في حَدٍّ أو قصاص، وزراعة الأعضاء، واللجوء السياسي، ونحوها. الثاني: مسائل يكثر وقوعها وتعظم الحاجة إليها عند عموم المكلفين، مثل: الصلاة في الطائرة، والبطاقات البنكية، ونحوها (٢). وإذا نظرنا إلى مسائل ونوازل المُفَطِّرات الطبية وجدنا أنها من القسم الثاني؛ لأنها تتعلق بفرض عيني يلزم جميع المكلفين، وعلاقتها بهذا الفرض صحة وفساداً، وليس تكميلاً. فإذا تبين هذا أصبح النظر فيها من أهم الفروض وأوجب الأولويات لتعلقها بركن من أركان الإسلام. ومع التطور الطبي ووجود تصوير تشريحي دقيق لجسم الإنسان، ووجود أجهزة وعقاقير متنوعة تستخدم لعلاج الإنسان أصبحت من ضروريات حياته

стр. 32

ظهرت قرارات وفتاوى حول الكثير من المُفَطِّرات الطبية المعاصرة، إلا أنّ غياب دراسة تحمل التوجه الاجتهادي في هذه النوازل جعل الحاجة ملحة، والواجب أشد آكدية لدراستها.

стр. 33

المبحث الثالث شروط الفتوى في النوازل، ومن له حق الإفتاء فيها لما كانت النوازل المعاصرة يحيط بها قدر من التعقيد، لم يكن النظر فيها متاحاً لكل من آنس من نفسه ثقافة شرعية؛ بل إنّ النظر فيها يتطلب نظراً فقهيا دقيقاً، يجمع بين سلامة التصور، وامتلاك آلة النظر الفقهي؛ ولذا استلزم الأمر أن يُضبط بشروط ومحددات للنظر فيها. وهذه الشروط التي لابد منها هي: أولا: العلم: النظر في النوازل أمر يحتاج إلى اجتهاد؛ لذا كان شرط العلم والقدرة على الاجتهاد فيها شرطاً أساسياً، وذلك بأن يكون لدى الناظر في النازلة من العلم الشرعي ما يتمكن معه من الاجتهاد في النازلة، وقد نقل ابن الصلاح عن الإمام الجويني قوله: «والقول الوجيز في ذلك: أنَّ المفتي هو المتمكن من إدراك أحكام الوقائع على يسر من غير معاناة تَعَلّم» (١). ولا يلزم أن يصل مرتبة المجتهد المطلق، فإنَّ الاجتهاد يتجزأ. وأما ما اشترطه الأصوليون في المفتي أن يكون مجتهداً مطلقاً فإنما مرادهم المفتي المطلق في جميع أبواب الشرع.

стр. 34

أما المفتي في باب خاص من العلم، نحو علم المناسك, أو علم الفرائض، فلا يشترط فيه جميع ذلك، ومن الجائز أن ينال الإنسان منصب الفتوى والاجتهاد في بعض الأبواب دون بعض، فمن عرف القياس وطرقه وليس عالماً بالحديث، فله أن يفتي في مسائل قياسية يعلم أنّه لا تعلق لها بالحديث، ومن عرف أصول المواريث وأحكامها جاز له أن يفتي فيها، وإن لم يكن عارفا بأحاديث النكاح, ولا يجوز له أن يفتي في غير ذلك من أبواب الفقه. وقد قطع بجواز هذا جماعة من أهل العلم المحققين (١). وبالتأمل في أحوال المفتين عبر التاريخ نجد أنّ شروط الاجتهاد التي نص عليها الأصوليون لم تتوفر إلا في القليل، ولذا كان القول بأنّ كل من عَلِم باباً جاز له أن يفتي فيه هو المتعين, وبه يندفع الحرج عن الأمة. يقول ابن دقيق العيد: «توقيف الفتيا على حصول المجتهد-أي المطلق- يفضي إلى حرج عظيم» (٢). وعليه فإن الناظر في النازلة إذا ملك آلة النظر والاجتهاد في مسألة جاز له أن يجتهد ويفتي فيها، فقد يكون الشخص أهلاً للإفتاء في مسائل معينة، وليس أهلاً للإفتاء في مسائل أخرى، أو للإفتاء العام.

стр. 35

ثانياً: التصور: من المعلوم أنّ الحكم على الشيء فرع عن تصوره، ولما كانت الفتوى تنزيل حكم الله في الواقعة أو النازلة, كان لابد من التصور الصحيح لتلك الحادثة أو النازلة حتى يُنزّل فيها حكم الله على الوجه الصحيح فمعرفة النازلة نصف الاجتهاد. يقول الإمام ابن القيم ﵀: «ولا يتمكن المفتي ولا الحاكم من الفتوى والحكم بالحق إلا بنوعين من الفهم. أحدهما: فهم الواقع والفقه فيه، واستنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن والأمارات والعلامات حتى يحيط به علماً. والنوع الثاني: فهم الواجب في الواقع، وهو فهم حكم الله الذي حكم به في كتابه، أو على لسان رسوله في هذا الواقع، ثم يطبق أحدهما على الآخر، فالعالم من يتوصل بمعرفة الواقع والتفقه فيه إلى معرفة حكم الله ورسوله» (١). ومن البديهي أن يتم الرجوع في التصور لأهل الاختصاص فنوازل الصناعات يُرجع فيها إلى أهل الصناعات المختصين، ونوازل الطب يرجع فيها إلى الأطباء المختصين.

стр. 36

ومن هنا تبرز أهمية العلاقة بين الفقهاء وأهل الاختصاص، ويشهد لذلك قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُون﴾ [النحل:٤٣]، وكذا قوله تعالى: ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر:١٤]، وأهل الذكر في نوازل الصيام الطبية هما: الطبيب والفقيه إذ بغيرهما لا يمكن إيجاد حكم شرعي صحيح، فلابد قبل إصدار الحكم الشرعي من سماع قول المختص في تصوير النازلة، وكيفية تأثيرها على الجسم، ومدى انتفاع الجسم بتلك المواد ووصولها إلى الجهاز الهضمي، عندها يستطيع الفقيه إصدار الحكم الشرعي الصحيح. ثالثاً: التكييف والتخريج: والتكييف: هو تصنيف المسألة تحت ما يناسبها من النظر الفقهي، أو رَدّ المسألة إلى أصل من الأصول الشرعية (١). ويكون التكييف بعد التصور الصحيح فيضعها في بابها وموطنها إلحاقاً بالنصوص بدلالة العموم، أو المفهوم، أو الإيماء، أو الإشارة, أو القياس، أو بالاجتهاد في إلحاق هذه النازلة بما يشابهها من النوازل المتقدمة؛ لتقاس عليها، وتأخذ حكمها، وبعد أن يتم التكييف الصحيح للنازلة يكون التخريج. والتخريج: هو نقل حكم مسألة إلى ما يشبهها والتسوية بينهما فيه (٢).

стр. 37

ويُعَرِّفه البعض بأنه: «استنباط الأحكام الشرعية من خلال آراء أئمة المذاهب وقواعدهم» (١). ووجه الصلة بين التكييف الفقهي والتخريج أنَّ التكييف هو الخطوة الأولى والمرحلة الأساسية التي يُبنى عليها التخريج الصحيح الموافق للدليل أو قول الإمام، فالمخرِّج أول ما يبدأ اجتهاده في واقعة ما لابد أن يتصورها تصوراً كاملاً، ثم يكيفها بإلحاقها بالصورة المشابهة لها، ثم يُخَرِّج حكمها في ضوء تكييفه لها من خلال مراتب يسير المجتهد على ضوئها ابتداءً بالأعلى، ثم الذي يليه، وهي كالآتي: ١) البحث عنها في نصوص الكتاب والسنة بدلالة العموم، أو المفهوم أو بالإشارة، مثال ذلك: دخول الشعر الصناعي (الباروكة) في قوله ﷺ : «لَعَنَ الله الْوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوْصِلَةَ» (٢). ٢) إلحاقها بالنوازل المتقدمة لتأخذ حكمها بالقياس. مثال ذلك: إلحاق حكم البوفية المفتوحة بحكم دخول الحمَّامات بأجرة

стр. 38

معينة مع عدم تحديد كمية الماء المستهلك ومدة المكث. ٣) اندراجها تحت القواعد الفقهية أو الأصول الشرعية. مثال ذلك: مشروعية السعي فوق سطح المسعى في تجديدات الحرم عملاً بالقاعدة الفقهية «الهواء يأخذ حكم القرار». ٤) الاجتهاد في استخراج الحكم بطريق الاستنباط من خلال النظر في مقاصد الشريعة وكلياتها، أو قواعدها الكلية، مثل: سد الذرائع، والمصالح المرسلة، والأمور بمقاصدها. مثال ذلك: الحكم بجواز زراعة الأعضاء طلباً لمصلحة المريض المستفيد وحفظاً لحياته، والقول بوجوب الفحص الطبي قبل الزواج درءا لمفسدة انتشار الأمراض الوراثية (١). رابعاً: التطبيق: وذلك بتطبيق الحكم التخريجي عليها، والنظر في مدى مطابقته للنازلة والخروج بحكم شرعي مبني على سلامة التصور والتكييف والتخريج (٢). فبعد أن يتصور الفقيه النازلة ويقوم بتكييفها وتخريجها فقهياً، عندها يصدر الحكم

стр. 39

الشرعي الخاص بهذه النازلة مع ضرورة مراعاة مقاصد الشريعة وقواعدها الكلية. يقول الإمام الشاطبي: «إنّ وضع الشرائع إنما هو لمصالح العباد في العاجل والآجل معاً» (١). ويقول المرداوي: «إنّ الله سبحانه شرع أحكامه لمصالح العباد، عُلِم ذلك بطريق الاستقراء» (٢). فهذه الأسرار والغايات التي وُضِعت الشريعة لأجلها من حفظ الضروريات وإصلاح لأحوال العباد في الدارين معرفتها ضرورية على الدوام ولكل الناس، فالمجتهد يحتاج إليها عند استنباط الأحكام، وفهم النصوص، وغير المجتهد للتعرف على أسرار التشريع. والناظر في النوازل في أمَسِّ الحاجة إلى مراعاة فهم النصوص لتطبيقها على الوقائع وإلحاق حكمها بالنوازل والمستجدات، وكذلك إذا أراد التوفيق بين الأدلة المتعارضة، فإنه لابد وأن يستعين بمقصد الشرع (٣).

стр. 40

يقول الشيخ عبد الوهاب خلّاف: «ومعرفة المقصد العام من التشريع من أهم ما يستعان به على فهم نصوصه حق فهمها، وتطبيقها على الوقائع، واستنباط الحكم فيما لا نص فيه» (١). والأخذ بالمقاصد وإعمالها يكون بتوسط من غير إفراط ولا تفريط، فلا إعمال مطلق مع وجود النص التفصيلي، ولا نفي مفرط، وهذا هو الموقف الأقرب للصحة والأليق بمنظومة الشرع، ومقررات العقل، ومتطلبات الواقع، ومصالح الناس (٢). وهذا ما درج عليه الأئمة وسارت عليه مراتب الاستدلال. قال الإمام الشافعي: «فليست تنزل في أحد من أهل دين الله نازلة إلا وفي كتاب الله الدليل على سبيل الهدى فيها» (٣). فلابد من رد النوازل إلى الأصول فإن وجد حكمها في الأدلة التفصيلية فهو مراد الشارع والمصلحة المتحققة للعباد، وإن لم نجد في الأدلة التفصيلية نظرنا في المقاصد الكلية. ولا يجوز تجاوز النصوص إلى النظر في المقاصد الكلية؛ لأنَّ المقاصد مأخوذة من مجموع النصوص، فالمقصد الأول في النص التفصيلي هو
следующие страницы →