ومن هنا تبرز أهمية العلاقة بين الفقهاء وأهل الاختصاص، ويشهد لذلك قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُون﴾ [النحل:٤٣]، وكذا قوله تعالى: ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر:١٤]، وأهل الذكر في نوازل الصيام الطبية هما: الطبيب والفقيه إذ بغيرهما لا يمكن إيجاد حكم شرعي صحيح، فلابد قبل إصدار الحكم الشرعي من سماع قول المختص في تصوير النازلة، وكيفية تأثيرها على الجسم، ومدى انتفاع الجسم بتلك المواد ووصولها إلى الجهاز الهضمي، عندها يستطيع الفقيه إصدار الحكم الشرعي الصحيح.
ثالثاً: التكييف والتخريج:
والتكييف: هو تصنيف المسألة تحت ما يناسبها من النظر الفقهي، أو رَدّ المسألة إلى أصل من الأصول الشرعية (١).
ويكون التكييف بعد التصور الصحيح فيضعها في بابها وموطنها إلحاقاً بالنصوص بدلالة العموم، أو المفهوم، أو الإيماء، أو الإشارة, أو القياس، أو بالاجتهاد في إلحاق هذه النازلة بما يشابهها من النوازل المتقدمة؛ لتقاس عليها، وتأخذ حكمها، وبعد أن يتم التكييف الصحيح للنازلة يكون التخريج.
والتخريج: هو نقل حكم مسألة إلى ما يشبهها والتسوية بينهما فيه (٢).
стр. 37
ويُعَرِّفه البعض بأنه: «استنباط الأحكام الشرعية من خلال آراء أئمة المذاهب وقواعدهم» (١).
ووجه الصلة بين التكييف الفقهي والتخريج أنَّ التكييف هو الخطوة الأولى والمرحلة الأساسية التي يُبنى عليها التخريج الصحيح الموافق للدليل أو قول الإمام، فالمخرِّج أول ما يبدأ اجتهاده في واقعة ما لابد أن يتصورها تصوراً كاملاً، ثم يكيفها بإلحاقها بالصورة المشابهة لها، ثم يُخَرِّج حكمها في ضوء تكييفه لها من خلال مراتب يسير المجتهد على ضوئها ابتداءً بالأعلى، ثم الذي يليه، وهي كالآتي:
١) البحث عنها في نصوص الكتاب والسنة بدلالة العموم، أو المفهوم أو بالإشارة، مثال ذلك: دخول الشعر الصناعي (الباروكة) في قوله ﷺ : «لَعَنَ الله الْوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوْصِلَةَ» (٢).
٢) إلحاقها بالنوازل المتقدمة لتأخذ حكمها بالقياس.
مثال ذلك: إلحاق حكم البوفية المفتوحة بحكم دخول الحمَّامات بأجرة
стр. 38
معينة مع عدم تحديد كمية الماء المستهلك ومدة المكث.
٣) اندراجها تحت القواعد الفقهية أو الأصول الشرعية.
مثال ذلك: مشروعية السعي فوق سطح المسعى في تجديدات الحرم عملاً بالقاعدة الفقهية «الهواء يأخذ حكم القرار».
٤) الاجتهاد في استخراج الحكم بطريق الاستنباط من خلال النظر في مقاصد الشريعة وكلياتها، أو قواعدها الكلية، مثل: سد الذرائع، والمصالح المرسلة، والأمور بمقاصدها.
مثال ذلك: الحكم بجواز زراعة الأعضاء طلباً لمصلحة المريض المستفيد وحفظاً لحياته، والقول بوجوب الفحص الطبي قبل الزواج درءا لمفسدة انتشار الأمراض الوراثية (١).
رابعاً: التطبيق:
وذلك بتطبيق الحكم التخريجي عليها، والنظر في مدى مطابقته للنازلة والخروج بحكم شرعي مبني على سلامة التصور والتكييف والتخريج (٢). فبعد أن يتصور الفقيه النازلة ويقوم بتكييفها وتخريجها فقهياً، عندها يصدر الحكم
стр. 39
الشرعي الخاص بهذه النازلة مع ضرورة مراعاة مقاصد الشريعة وقواعدها الكلية.
يقول الإمام الشاطبي: «إنّ وضع الشرائع إنما هو لمصالح العباد في العاجل والآجل معاً» (١).
ويقول المرداوي: «إنّ الله سبحانه شرع أحكامه لمصالح العباد، عُلِم ذلك بطريق الاستقراء» (٢).
فهذه الأسرار والغايات التي وُضِعت الشريعة لأجلها من حفظ الضروريات وإصلاح لأحوال العباد في الدارين معرفتها ضرورية على الدوام ولكل الناس، فالمجتهد يحتاج إليها عند استنباط الأحكام، وفهم النصوص، وغير المجتهد للتعرف على أسرار التشريع.
والناظر في النوازل في أمَسِّ الحاجة إلى مراعاة فهم النصوص لتطبيقها على الوقائع وإلحاق حكمها بالنوازل والمستجدات، وكذلك إذا أراد التوفيق بين الأدلة المتعارضة، فإنه لابد وأن يستعين بمقصد الشرع (٣).
стр. 40
يقول الشيخ عبد الوهاب خلّاف: «ومعرفة المقصد العام من التشريع من أهم ما يستعان به على فهم نصوصه حق فهمها، وتطبيقها على الوقائع، واستنباط الحكم فيما لا نص فيه» (١).
والأخذ بالمقاصد وإعمالها يكون بتوسط من غير إفراط ولا تفريط، فلا إعمال مطلق مع وجود النص التفصيلي، ولا نفي مفرط، وهذا هو الموقف الأقرب للصحة والأليق بمنظومة الشرع، ومقررات العقل، ومتطلبات الواقع، ومصالح الناس (٢). وهذا ما درج عليه الأئمة وسارت عليه مراتب الاستدلال.
قال الإمام الشافعي: «فليست تنزل في أحد من أهل دين الله نازلة إلا وفي كتاب الله الدليل على سبيل الهدى فيها» (٣).
فلابد من رد النوازل إلى الأصول فإن وجد حكمها في الأدلة التفصيلية فهو مراد الشارع والمصلحة المتحققة للعباد، وإن لم نجد في الأدلة التفصيلية نظرنا في المقاصد الكلية. ولا يجوز تجاوز النصوص إلى النظر في المقاصد الكلية؛ لأنَّ المقاصد مأخوذة من مجموع النصوص، فالمقصد الأول في النص التفصيلي هو
стр. 41
المصلحة، فإن لم نجد فالمقاصد الشرعية والقواعد الكلية، ويشهد لذلك حديث معاذ ﵁: لما بعثه النبي ﷺ إلى اليمن فقال له: «كَيْفَ تَقْضِي؟» قَالَ: أَقْضِي بِمَا فِي كِتَابِ الله، قَالَ: «فَإِنْ جَاءَكَ أَمْرٌ لَيْسَ فِي كِتَابِ الله»، قَالَ: أَقْضِي بِسُنَّةِ رَسُولِ الله ﷺ ، قَالَ: «فَإِنْ لَمْ تَكُنْ سُنَّةٌ مِنْ رَسُولِ الله؟» قَالَ: أَجْتَهِدُ رَأْيِي، قَالَ: «الْحَمْدُ لله الَّذِي وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِ الله ﷺ » (١)، فرتب معاذ ﵁ مآخذ الاستدلال من النص، فإن لم يجده اجتهد رأيه حسب قواعد الشريعة، وأقره النبي ﷺ على هذه التراتبية في الاستدلال.
وقول عبد الله بن مسعود ﵁: «مَنْ عُرِض له منكم قضاء بعد اليوم، فليقض بما في كتاب الله، فإن جاء أمر ليس في كتاب الله فليقض بما قضى به نبيه ﷺ ، فإن جاء أمر ليس في كتاب الله ولا قضى به نبيه ﷺ فليقض بما قضى به الصالحون، فإن جاء أمر ليس في كتاب الله، ولا قضى به نبيه ﷺ ، ولا قضى به الصالحون فليجتهد رأيه، ولا يقول إني أخاف، وإني أخاف، فإنَّ الحلال بَيِّن، والحرام بَيِّن، وبين ذلك أمور مشتبهات فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك» (٢).
وهذا ما درج عليه الصحابة ﵃.
يقول ابن القيم ﵀: «فالصحابة ﵃ مثلوا الوقائع بنظائرها، وشبهوها
стр. 42
بأمثالها، وردوا بعضها إلى بعض في أحكامها، وفتحوا للعلماء باب الاجتهاد، ونهجوا لهم طريقه، وبينوا لهم سبيله» (١).
ومن هنا نعلم أنه إذا وُجِد العلم، وصَحَّ التصور للنازلة، وحَسُن التكييف، فإنّ الحكم الشرعي في النازلة يكون موفقاً ومسُدداً بعد توفيق الله للناظر فيها.
стр. 43
المبحث الرابع
العلاقة بين الفقه والطب
وفيه مطالب:
- المطلب الأول: علاقة الفقه بالطب، ومكانة الطب في الشريعة الإسلامية.
- المطلب الثاني: جهود العلماء المسلمين في مجال الطب.
- المطلب الثالث: اعتماد بعض الأحكام الشرعية على التخصصات الطبية.
стр. 44
المطلب الأول: علاقة الفقه بالطب، ومكانة الطب في الشريعة الإسلامية:
بدأت العلاقة بين الفقه والطب مبكرة جداً، فمنذ ظهور التشريع الإسلامي ظهرت العلاقة بين الفقه والطب، فقد طهّر النبي ﷺ الطب من الخرافة والشعوذة والتنجيم والتمائم التي استخدمت قبل الإسلام بين العرب وغيرهم كوسيلة من وسائل التطبب أو العلاج، وحسم الأمر بأقوى الألفاظ والأحكام، فمن ذلك:
قوله ﷺ : «مَنْ أَتَى كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ بَرِئَ مِمَّا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ» (١).
وقوله: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ تَطَيَّرَ أَوْ تُطُيِّرَ لَهُ، أَوْ تَكَهَّنَ أَوْ تُكُهِّنَ لَهُ، أَوْ سَحَرَ أَوْ سُحِرَ لَهُ، وَمَنْ عَقَدَ عُقْدَةً، وَمَنْ أَتَى كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ » (٢).
وقوله: «مَنْ تَعَلَّقَ تَمِيمَةً، فَلَا أَتَمَّ اللهُ لَهُ، وَمَنْ تَعَلَّقَ وَدَعَةً، فَلَا وَدَعَ اللهُ لَهُ» (٣).
وهذا الحسم يعتبر دعوة صريحة للعلم التجريبي خاصة إذا ما أضيف إليه المنع من ممارسة الطب لغير الخبير بالمهنة وتضمين من مارسها وليس عارفاً بها حيث يقول ﷺ : «مَنْ تَطَبَّبَ، وَلَا يُعْلَمُ مِنْهُ طِبٌّ، فَهُوَ ضَامِنٌ» (٤).
стр. 45
كما تجلت العلاقة بين الفقه والطب في كون حفظ النفس من مقاصد الشريعة الكبرى، وحفظها يكون بصيانتها من العطل والهلاك، فجاء الأمر بحفظ النفس والتداوي معززاً لهذه القاعدة.
قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩)﴾ [النساء:٢٩].
وهذه الآية دعوة صريحة للطب الوقائي.
وقال ﷺ : «تَدَاوَوْا فَإِنَّ اللهَ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلَّا وَضَعَ لَهُ دَوَاءً، غَيْرَ دَاءٍ وَاحِدٍ الْهَرَمُ» (١).
إنّ هذه النصوص القرآنية والنبوية أوجدت عند المسلمين حافزاً للاهتمام بالطب، وقد أفرد العلماء في كتب الحديث أبواباً خاصة بالطب كما في البخاري ومسلم وغيرهما (٢).
وصنف بعض الفقهاء كتباً مفردة ذكروا فيها تفاصيل طبية وتشريحية مما
стр. 46
يدل على عنايتهم بالطب، مثل كتاب الطب النبوي لابن القيم (١).
قال الإمام الشافعي: «لا أعلم علماً بعد الحلال والحرام أنبل من الطب» (٢).
وقال العز بن عبد السلام: «الطب كالشرع، وضع لجلب مصالح السلامة والعافية، ولدرء مفاسد المعاطب والأسقام» (٣).
كما قرر الأئمة أنّ دراسة الطب من فروض الكفايات التي يلزم تعلمها على بعض المسلمين، وإلّا لحق الإثم جميع الناس.
قال الإمام النووي: «وأما العلوم العقلية فمنها ما هو فرض كفاية كالطب والحساب» (٤).
ونقل النووي عن الإمام الغزالي قوله: «إنّ الحرف والصناعات التي لا بد للناس منها في معايشهم كالفلاحة فرض كفاية، فالطب والحساب أولى» (٥).
OOOOO
стр. 47
المطلب الثاني: جهود العلماء المسلمين في مجال الطب:
لقد أفرز هذا الحافز الديني اهتماماً بالطب عند العلماء والخلفاء المسلمين، فكانت لهم جهود كبيرة في الطب من حيث الممارسة والتأليف والترجمة، فمن ذلك:
- ممارسة الطب التجريبي، فقد فحصوا البول ورتبوا نتائج الفحص من حيث لون البول وكميته ورائحته وقوامه وملمسه وتعكره وصفاته ووجود الدم والترسبات فيه، وربطوا كل حالة منه بأمراض مخصوصة، وكذلك كانوا يجرون فحص الغائط والبصاق والمني.
- التوصل إلى حقائق طبية رائعة، حيث أجروا العمليات الجراحية، وعالجوا الحالات النفسية والمستعصية، واستخدموا الكلاليب على الجنين الميت في الولادات العسرة، واستعملوا كيس الثلج على الرأس في الحمّيات الشديدة، ووصفوا أعراض التهاب السحايا، وأعطوا تشخيصاً للحصبة والجدري، وأجروا عملية الماء الأبيض على العين، ووصفوا الدورة الدموية الصغرى بشكلها الصحيح، وفرقوا بين شلل الوجه الناتج عن سبب داخلي في الدماغ وعن سبب خارجي (١).
-
стр. 48
تأليف الكثير من الكتب الطبية منها كتاب «القانون في الطب» لابن سينا، و «شرح القانون» للإمام فخر الدين الرازي، وكتاب «الشفاء» و «كتاب القولنج» لابن سينا أيضاً و «المعتبر في الحكمة» لابن ملكا البغدادي، و «كتاب التيسير في المداواة والتدبير» لأبي العلاء بن زهر، و «كتاب الشامل في الطب» لابن النفيس (١).
- حققوا سبقا في الكثير من ركائز الطب الحديث، فقد سبق ابن النفيس الطبيب (وليام هارفي) بأربعة قرون في وصف الدورة الدموية, لكنّ الغرب يُرجع الفضل في هذا إلى (وليام هارفي) ويتناسى ابن النفيس؟! (٢).
OOOOO
المطلب الثالث: اعتماد بعض الأحكام الشرعية على التخصصات الطبية:
احترم الفقهاء المتقدمون تخصص الطب وأحالوا عدداً من مسائل الفقه لما يقرره الطبيب المختص، وبنوا الحكم الشرعي على قوله، ففي الديات وتقدير مقدار الجروح أرجعوها لقول الطبيب؛ بل حتى في التنازع في عيوب المواشي ردوها للطب البيطري.
стр. 49
يقول ابن قدامة: «القسم السادس -من مسائل الحقوق المتنازع عليها-: ما لا يعرفه إلا أهل الطب كالموضحة وشبهها، وداء الدواب الذي لا يعرفه إلا البيطار، فإذا لم يُقْدر على اثنين قُبِل فيه قول الواحد العدل من أهل المعرفة» (١).
وقال في موطن آخر في تحديد مقدار الجنايات: «وإذا زعم أهل الطب أنّ بَصَره يقلّ إذا بعدت المسافة، ويكثر إذا قربت، وأمكن هذا في المذارعة عمل عليه» (٢).
وقال الشيخ محمد العثيمين في اعتماد قول الطبيب في كون الشيء مُفَطِّراً أو لا: «ينظر إلى رأي الأطباء في ذلك فإذا قالوا: إنّ هذا كالأكل والشرب وجب إلحاقه به وصار مُفَطِّراً، وإذا قالوا: إنه لا يعطي الجسم ما يعطيه الأكل والشرب فإنه لا يكون مُفَطِّراً» (٣).
كما أنّ الفقهاء بنوا أحكامًا معتمدين فيها على تصور طبي تبين بعد ذلك عدم صحته، فتغير الحكم عند الفقهاء على ضوء التصور الصحيح، ومن ذلك مسألة أقل الحمل وأكثره وما بُني عليه من أحكام.
стр. 50
المبحث الخامس
حكم التداوي
وفيه مطالب:
- المطلب الأول: تعريف التداوي.
- المطلب الثاني: حكم التداوي.
المطلب الثالث: حكم التداوي للصائم.
стр. 51
المطلب الأول: تعريف التداوي:
لغة: مصدر للفعل تداوى، أي استعمل الدواء.
قال الرازي: «داواه عالجه، يقال فلان يدوي ويُدَاوي وتداوى بالشيء تعالج به» (١).
وتَدَاوى: تناول الدواء، وداواه عالجه، والدواء ما يتداوى به ويعالج (٢).
اصطلاحاً: التداوي (Treatment): هو تعاطي الدواء بقصد معالجة المرض أو الوقاية منه (٣).
وقد أصبح للتداوي في العصر الحاضر أشكال ووسائل عديدة جداً، منها: العلاج بالأدوية (Drugs)، والعلاج الجراحي (surgical treatment)، والعلاج النفسي (psychiatry) ، والعلاج الفيزيائي (physiotherapy) ، وغيرها من الوسائل العلاجية المستجدة (٤).
ويستعمل الطبيب الأدوية في العلاج لتخفيف عَرَض، أو مداواة مرض، أو
стр. 52
لسد نقص في الجسم، وتستعمل الأدوية أيضاً في التشخيص والوقاية من الأمراض. وقد تكون الأدوية من أصل نباتي، أو حيواني، أو معدني، كما قد تكون مركباً تركيباً تخليقياً في المختبر (١).
OOOOO
المطلب الثاني: حكم التداوي:
جاءت النصوص الشرعية صحيحة وصريحة في مشروعية التداوي والحث عليه من الكتاب والسنة، فمن ذلك قوله تعالى عن النحل: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ [النحل:٦٩]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩)﴾ [النساء:٢٩]، وهذه الآية متضمنة مشروعية التداوي، والطب العلاجي والوقائي، وبها استدل عمرو بن العاص ﵁ حين امتنع من الاغتسال بالماء البارد خوفا على نفسه منه، فأقره رسول الله ﷺ على احتجاجه هذا (٢).
ومن السنة المطهرة قوله ﷺ : «تَدَاوَوْا فَإِنَّ اللهَ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلَّا وَضَعَ لَهُ دَوَاءً، غَيْرَ دَاءٍ وَاحِدٍ الْهَرَمُ» (٣).
стр. 53
إلا أن العلماء اختلفوا في مراتب مشروعية التداوي على أقوال نذكرها، ونذكر أدلتهم، ثم نذكر الراجح.
القول الأول (وجوب التداوي): وهو قول بعض الحنابلة (١). وعزاه ابن تيمية لبعض الشافعية (٢).
أدلتهم: استدل أصحاب هذا القول بأدلة منها:
الدليل الأول: قوله ﷺ : «تَدَاوَوْا فَإِنَّ اللهَ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلَّا وَضَعَ لَهُ دَوَاءً، غَيْرَ دَاءٍ وَاحِدٍ الْهَرَمُ» (٣).
ووجه الاستدلال: أنّ قوله ﷺ : «تَدَاوَوْا» أمْرٌ بالتداوي، والأمر يدل على الوجوب (٤).
الدليل الثاني: عن أبي سعيد الخدري ﵁ أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: أَخِي
стр. 54
يَشْتَكِي بَطْنَهُ، فَقَالَ: «اسْقِهِ عَسَلًا» ثُمَّ أَتَى الثَّانِيَةَ، فَقَالَ: «اسْقِهِ عَسَلًا» ثُمَّ أَتَاهُ الثَّالِثَةَ فَقَالَ: «اسْقِهِ عَسَلًا» ثُمَّ أَتَاهُ فَقَالَ: قَدْ فَعَلْتُ؟ فَقَالَ: «صَدَقَ اللهُ، وَكَذَبَ بَطْنُ أَخِيكَ، اسْقِهِ عَسَلًا» فَسَقَاهُ فَبَرَأَ (١).
ووجه الاستدلال: أنّه ﷺ أمره بشرب العسل وهو من التداوي، فدل على أنه مأمور به. والأمر يدل على الوجوب عند الإطلاق.
المناقشة: نوقش هذا الاستدلال بأنه لو سلمنا بهذا القول لَلَحِق من ترك التداوي الذم بتركه، ومن المعلوم أن بعض الصحابة تَرَك التداوي كأبي بكر، وأبي ذر، وأبي الدرداء، ولم ينكر عليهم أحد، ولو كان التداوي واجباً عليهم لم يتركوه، ولأنكر عليهم بقية الصحابة (٢).
القول الثاني (استحباب التداوي): وهو مذهب الشافعية (٣)، وجمهور السلف، وعامة الخلف.
قال النووي: «استحباب الدواء هو مذهب أصحابنا، وجمهور السلف
стр. 55
وعامة الخلف» (١).
أدلتهم: استدل أصحاب هذا القول بأدلة منها:
الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء:٨٢].
الدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ [النحل:٦٩].
ووجه الاستدلال من الآيتين الكريمتين: أنهما في مقام الامتنان على العباد بما هو شفاء لهم، فدل على أن طلب الشفاء بالتداوي أمر مطلوب.
الدليل الثالث: استدلوا بالأحاديث التي استدل بها القائلون بالوجوب، إلا أنهم قالوا إنّ الأمر فيها مصروف من الوجوب إلى الاستحباب بأدلة أخرى، فانصرف الوجوب، وبقي الاستحباب.
المناقشة: نوقش بأنّ القول بالاستحباب مطلقاً يتنافى مع النصوص في الحالات التي قد يهلك فيها الإنسان من المرض؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩)﴾ [النساء:٢٩]، أو يضر غيره بالعدوى، لقوله ﷺ : «لاَ ضَرَرَ وَلاَ
стр. 56
ضِرَارَ» (١).
القول الثالث (أن التداوي مباح): وهو قول الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، وبعض الحنابلة (٤).
قال ابن عبد البر: «وعلى إباحة التداوي والاسترقاء جمهور العلماء» (٥).
أدلتهم: استدل أصحاب هذا القول بأدلة منها:
الدليل الأول: حديث أنس بن مالك ﵁: «أَنَّ نَاسًا مِنْ عُرَيْنَةَ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، فَاجْتَوَوْهَا، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنْ شِئْتُمْ أَنْ تَخْرُجُوا
стр. 57
إِلَى إِبِلِ الصَّدَقَةِ، فَتَشْرَبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا»، فَفَعَلُوا، فَصَحُّوا» (١).
ووجه الاستدلال في قوله ﷺ : «إِنْ شِئْتُمْ» فهو دليل على الإباحة المطلقة، ولو كان التداوي مستحباً، أو واجباً لبينه ﷺ ولم يؤخره عن وقت الحاجة.
الدليل الثاني: حديث عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه قال: سألت عائشة عَنِ الرُّقْيَةِ مِنَ الْحُمَةِ (٢)، فَقَالَتْ: «رَخَّصَ رَسُولُ الله ﷺ فِي الرُّقْيَةِ مِنْ كُلِّ ذِي حُمَةٍ» (٣).
ووجه الاستدلال: أن التداوي رخصة فيكون مباحاً.
المناقشة: نوقش الدليل الأول: بأنّ جملة «إِنْ شِئْتُمْ»: لا تدل على الإباحة؛ لأنّه قد ورد في رواية أخرى أن النبي ﷺ أمرهم أن يخرجوا إلى إبل الصدقة فيشربوا من ألبانها (٤).
ونوقش الدليل الثاني: بأنّ كلمة رخص في مقابل المنع فقد كان النبي ﷺ نهى عن ذلك أولاً، ثم رخص فيها، وقد ثبت أنه رقى بنفسه ورُقي وحث على
стр. 58
الرقية.
القول الرابع (التداوي محرم): وهو قول بعض غلاة الصوفية (١).
أدلتهم: استدل أصحاب هذا القول بأدلة منها:
الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد:٢٢].
ووجه الاستدلال: أنه مادام كل شيء بقضاء وقدر فلا حاجة إلى التداوي.
وقالوا إنّ الولاية لا تتم إلا إذا رضي العبد بجميع ما نزل به من البلاء، وأنَّ الله قد علم أيام المرض، وأيام الصحة فلو حرص الخلق على تقليل ذلك أو زيادته لما استطاعوا.
المناقشة: نوقش هذا الاستدلال بأنّ هذا المفهوم للآية غير صحيح ولا يُسلم لهم، وذلك أنّه ليس في الآية إشارة إلى ترك التداوي، وإنما قررت الآية أنّ المصائب سبق أن سطرت في اللوح المحفوظ، كما أنّ النصوص التي حثت على التداوي وأمرت به تَردُّ عليهم وتبطل استدلالهم.
قال الشوكاني: «من وثق بالله وأيقن أن قضاءه عليه ماض لم يقدح في توكله تعاطيه الأسباب اتباعاً لسنته وسنة رسوله، فقد ظاهر ﷺ بين درعين، ولبس على
стр. 59
رأسه المغفر، وأقعد الرماة على فم الشِعب، وخندق حول المدينة، وأَذِن في الهجرة إلى الحبشة وإلى المدينة، وهاجر هو، وتعاطى أسباب الأكل والشرب وادخر لأهله قوتهم ولم ينتظر أن ينزل عليه من السماء، وهو كان أحق الخلق أن يحصل له ذلك، وقال للذي سأله أيعقل ناقته أو يتوكل: «اعْقِلْهَا وَتَوَكَّلْ» (١) فأشار إلى أنّ الاحتراز لا يدفع التوكل» (٢).
الدليل الثاني: قوله ﷺ : «يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ»، قَالُوا: وَمَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «هُمُ الَّذِينَ لَا يَسْتَرْقُونَ، وَلَا يَتَطَيَّرُونَ، وَلَا يَكْتَوُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ» (٣).
وجه الاستدلال: أنّه ﷺ ذكر أنَّ مِنْ وَصْف هؤلاء الذين يدخلون الجنة بغير حساب أنهم لا يسترقون، ولا يتطيرون، ولا يكتوون، فدل هذا على أنّ ترك التداوي هو الأقرب إلى التوكل وهو المطلوب.
المناقشة: نوقش هذا الاستدلال بأن الحديث ليس فيه ذكر التداوي، وإنما فيه وصف للذين يدخلون الجنة بغير حساب (٤).
стр. 60
وقد ذكر الحافظ ابن حجر في «الفتح» أجوبة العلماء عن الاستدلال بهذا الحديث، وأنه ليس كما فهمه غلاة الصوفية، ومن هؤلاء الأئمة الحليمي حيث قال: «يحتمل أن يكون المراد بهؤلاء المذكورين في الحديث من غفل عن أحوال الدنيا وما فيها من الأسباب المُعدة لدفع العوارض، فهم لا يعرفون الاكتواء، ولا الاسترقاء، وليس لهم ملجأ فيما يعتريهم إلا الدعاء والاعتصام بالله، والرضا بقضائه، فهم غافلون عن طب الأطباء ورقى الرقاة ولا يخشون من ذلك شيئًا» (١).
الترجيح: بعد استعراض الأقوال، وأدلة كل فريق، ومناقشة الأدلة يترجح للباحث أنّ التداوي تلحقه الأحكام التكليفية الخمسة، وأنّه لا عبرة بقول غلاة الصوفية بالتحريم مطلقاً لتهافت أدلتهم ولمخالفته لما انعقد عليه الإجماع السكوتي قبلهم.
فقد يكون التداوي واجباً، وقد يكون مستحباً، وقد يكون مباحاً، وقد يكون مكروهاً، وقد يكون محرماً بحسب اختلاف الأحوال والأشخاص جمعاً بين الأدلة وإعمالا لها جميعاً، فحكمه يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص:
- فيكون واجباً على الشخص إذا كان تركه يفضي إلى تلف نفسه، أو أحد أعضائه، أو عجزه، أو كان المرض ينتقل ضرره إلى غيره كالأمراض المنتقلة.
-
стр. 61
ويكون مندوباً إذا كان تركه يؤدي إلى ضعف البدن، ولكن لا يترتب عليه هلاك النفس أو تلف الأعضاء.
- ويكون مباحاً إذا لم يندرج في الحالتين السابقتين.
- ويكون مكروهاً إذا كان بفعل يخاف منه حدوث مضاعفات أشد من المرض المراد إزالته.
- ويكون محرمًا إذا أحدث أضرارًا تفوق أضرار المرض، عملاً بقاعدة «درء المفاسد مقدم على جلب المصالح»، وهي قاعدة متقررة عند الأصوليين (١).
OOOOO
المطلب الثالث: حكم التداوي للصائم:
المسألة الأولى: الرخصة للمريض:
أجمع أهل العلم على إباحة الفطر للمريض بالجملة؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣) أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٤)﴾ [البقرة:١٨٣ - ١٨٤].
وقوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ
стр. 62
أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٨٥)﴾ [البقرة:١٨٥].
قال ابن قدامة: «أجمع أهل العلم على إباحة الفطر للمريض في الجملة» (١).
المسألة الثانية: المرض المبيح للفطر:
من خلال ما سبق بيانه من حكم التداوي، وكون المرض من أسباب جواز الفطر في رمضان، فهل كل مرض يجيز التداوي الذي يفسد الصوم؟. هذا ما سيتبين في تقرير هذه المسألة.
لفظ «المرض» واسع يدخل تحته صور كثيرة، فليس كل مرض يبيح الفطر، كما أنه ليس كل مرض يبيح التيمم، وكلاهما رُبِطت الرخصة فيه بالمرض.
قال الإمام الشافعي: «والمرض اسم جامع لمعانٍ مختلفة فالذي سمعت أنّ المرض الذي للمرء أن يتيمم فيه: الجراح» (٢).
وهذا تقريرٌ من الإمام الشافعي أنّ اللفظ ليس على إطلاقه، وأنه ليس كل ما يُسمى مرضاً سبباً للرخصة.
وقال أيضاً: «وإن زاد مرض المريض زيادة بينة أفطر، وإن كانت زيادة
стр. 63
محتملة لم يفطر» (١).
وقال ابن قدامة: «فإن الأمراض تختلف، منها ما يضر صاحبه الصوم، ومنها ما لا أثر للصوم فيه ... فلم يصلح المرض ضابطاً، وأمكن اعتبار الحكمة، وهو ما يخاف منه الضرر فوجب اعتباره» (٢).
فكل من كان الصوم يجهده سواء بزيادة المرض، أو تأخر الشفاء، أو تحمل مشقة زائدة عن المشقة المعتادة في الصيام، أو يخاف تجدد المرض فهذا هو محل الرخصة الذي يجوز له الفطر في رمضان.
وأما من كان الصوم لا يجهده، ولا يزيد من مرضه ولا يخاف معه تأخر الشفاء، أو تجدد المرض فهذا ليس محلاً للرخصة.
يقول الشيخ القرضاوي: «هناك أمراض يتعايش معها الإنسان ولا تؤثر على حياته اليومية، وأمراض ساكنة لا توجب له تغير الحال، ولا تزيد بالصوم فهذه ليست محلاً للرخصة» (٣).
وقد يجب الفطر على الصائم إذا كان لا يطيق الصوم بحال، أو مع حصول الهلكة والتلف فهذا يجب عليه الفطر ويأثم بالصيام.
стр. 64
قال الشاطبي: «الإجماع على أن التكليف بما لا يطاق غير واقع في الشريعة» (١).
وقال القرطبي: «للمريض حالتان: إحداهما: ألا يطيق الصوم بحال فعليه الفطر واجباً.
الثانية: أن يقدر على الصوم بضرر ومشقة، فهذا يستحب له الفطر ولا يصوم» (٢).
وقال الشوكاني: «للمريض حالتان إن كان لا يطيق الصوم كان الإفطار عزيمة، وإن كان يطيقه مع تضرر ومشقة كان رخصة، وبهذا قال الجمهور» (٣).
ويمكننا أن نخلص مما سبق بالآتي:
١ - المريض الذي لا يقدر على الصوم بحال يجب عليه الفطر.
٢ - المريض الذي لا يقدر على الصوم إلا بمشقة غير معتادة يجوز له الفطر.
سواء نتج عن هذه المشقة تأخير البُرء، أو مضاعفة المرض.
٣ - المرض الذي يُخشى (يقيناً أو غالباً) حصوله بسبب الصيام يجوز معه الفطر.
стр. 65
٤ - المرض الذي تحصل به مشقة محتملة معتادة؛ لا يُباح معه الفطر.
المسألة الثالثة: حكم التداوي للصائم:
من خلال ما تم استعراضه من نصوص الأئمة العلماء وفهمهم للنصوص الواردة في الترخيص للمريض بالفطر فقد توصلت للنتائج الآتية:
- إذا كان حال المريض ممن يجوز له الفطر جاز له التداوي بما يُفَطِّر.
- إذا كان المريض ممن يجب عليه الفطر لأجل الدواء وجب عليه التداوي بما يُفَطِّر.
- إذا كان التداوي بما لا يُفطِّر فإنه يجري عليه الأحكام الخمسة الجارية على حكم التداوي المذكورة سابقاً.
стр. 66
الفصل الثاني
تقرير قواعد الفقهاء في باب المُفَطِّرات
وفيه مباحث:
- المبحث الأول: المُفَطِّرات المجمع عليها والمختلف فيها.
- المبحث الثاني: الموسعون والمضيقون في باب المُفَطِّرات.
- المبحث الثالث: تحديد الجوف وضابطه عند الفقهاء والأطباء.
- المبحث الرابع: ضابط المُفَطِّرات.
стр. 67
المبحث الأول
المُفَطِّرات المجمع عليها والمختلف فيها
- المطلب الأول: المُفَطِّرات المجمع عليها.
- المطلب الثاني: المُفَطِّرات المختلف فيها.
стр. 68
المطلب الأول: المُفَطِّرات المجمع عليها:
أجمع العلماء على أنّ أصول المُفَطِّرات ثلاثة ولم يخالف في ذلك أحد، وهي الأكل والشرب والجماع، لقوله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْل﴾ [البقرة:١٨٧].
قال ابن رشد: «أجمعوا على أنه يجب على الصائم الإمساك زمان الصوم عن المطعوم والمشروب والجماع» (١).
وذكر ابن المنذر في كتابه الإجماع أنّ العلماء أجمعوا أنّ من تعمد القيء فقد أفطر، حيث قال: «وأجمعوا على إبطال صوم من استقاء عامداً» (٢).
والصواب أن القول بالفطر بتعمد القيء قول الجمهور وليس إجماعاً، وليس الأمر كما ذكر، ولعله لم يبلغه الخلاف، فالقول بعدم التفطير بتعمد القيء قول جماعة من أهل العلم منهم: ابن مسعود، وعكرمة وربيعة (٣).
ويستدل القائلون بعدم التفطير بتعمد القيء بحديث أبي سعيد ﵁: «ثَلاَثٌ
стр. 69
لاَ يُفْطِرْنَ الصَّائِمَ: الحِجَامَةُ، وَالقَيْءُ، وَالاِحْتِلاَمُ» (١).
وذكر بعضهم الحيض والنفاس من المُفَطِّرات المجمع عليها، والصواب أنها من موانع الصيام إذ المُفطِّر يحصل بعد انعقاد الصوم، أما الحيض والنفاس، فلا ينعقد معه الصوم أصلاً، ويدل لذلك قوله ﷺ : «أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ» (٢).
وهذا يدل على أنها تمتنع عن الشروع فيه، فإن شرعت فيه قبل الحيض ثم حاضت فلا تتم لحصول المانع، فهو من باب الحكم الوضعي، فإذا حصل الحيض والنفاس امتنع الصوم.
وبهذا نخلص إلى أن المُفَطِّرات التي ورد بها النص، وانعقد عليها الإجماع هي الأكل والشرب والجماع، وأنّ تعمد القيء قول أكثر أهل العلم وليس إجماعاً.
OOOOO
стр. 70
المطلب الثاني: المُفَطِّرات المختلف فيها:
المُفَطِّرات المختلف فيها كثيرة جداً، وقد عدَّ بعض الفقهاء المُفَطِّرات في كتبهم فأوصلوها إلى ما يقارب الستين مفطراً (١)، وهذه المُفَطِّرات قد يَقْوى الخلاف في بعضها، ويضعف في الأخرى, كالحجامة, والسعوط, والكحل, والحقن, والأدهان، وغير ذلك مما هو مبثوث في كتب المذاهب.
قال ابن رشد في حديثه عن المُفَطِّرات: «واختلفوا من ذلك في مسائل منها ... فيما يرد الجوف مما ليس بمغذ وفيما يرد الجوف من غير منفذ الطعام والشراب، مثل الحقنة، وفيما يرد باطن سائر الأعضاء ولا يرد الجوف، مثل أن يرد الدماغ ولا يرد المعدة» (٢).
وسبب الخلاف فيها يرجع إما إلى حديث مختلف في صحته أو دلالته، أو الخلاف في القياس على المنصوص عليه، وتحرير المعنى الذي أناط به الشارع فساد الصوم، وهل حقيقة الصوم الإمساك المطلق عن كل ما يدخل الجسم، أو الإمساك المقيد بالأكل والشرب، وهل يُقيد ذلك بما دخل من منفذ معتاد، أم هو مطلق الدخول من أي منفذ، وبسبب ذلك اتجهت مذاهبهم إلى موسِّعين ومضيِّقين.
ومن أسباب اختلافهم -خاصة بين المتقدمين والمتأخرين هو تغير النظرة
стр. 71
التشريحية للجسم، فتجد المتأخرين في بعض المذاهب يقررون أنه لا منفذ من الأذن للجوف؛ لِما ظهر لهم بسبب تطور التشريح، بينما يقرر المتقدمون في نفس المذهب أنها منفذ.
стр. 72
المبحث الثاني
الموسعون والمضيقون في باب المُفَطِّرات
- المطلب الأول: مذهب الموسعين في المُفطِّرات.
- المطلب الثاني: مذهب المضيقين في المُفطِّرات.
стр. 73
تمهيد
بالتأمل بما سطرته أيادي الفقهاء المباركة حول مفسدات الصوم نستطيع أن نقسمهم إلى فريقين في موقفهم من المُفَطِّرات، فمنهم الموسع في هذا الباب الذي جعل فهم طبيعة المُفَطِّرات أُحْجِية لا يفهمهما ولا يعرف حدَّها وعدَّها إلا متمكن في العلم الشرعي، وهذا أمر يتنافى مع مقتضى التكاليف وعادتها في فروض الأعيان، إذ هي من السهولة التي يستطيع كل مكلف أن يدرك أحكامها، وإلّا للزم التكليف بما لا يطاق، وهذا مما ليس في شريعتنا السمحة (١).
قال الشاطبي: «وثبت في الأصول الفقهية امتناع التكليف بما لا يطاق وأُلْحِق به امتناع التكليف بما فيه حرج خارج عن المعتاد» (٢).
ومن الفقهاء من يضيق المُفَطِّرات ويقصرها على ما جاء به النص، أو استوعبه عموم منطوق النص، أو دل عليه بالقياس الجلي، كما هو الحال مع ابن تيمية (٣)، والشيخ محمود شلتوت (٤)، والشيخ يوسف القرضاوي (٥)، والشيخ
стр. 74
محمد العثيمين (١).
ومنهم من ضيقها حتى منع باب القياس والمعاني فكان في الطرف النقيض مع الأول كما هو الحال مع ابن حزم (٢).
OOOOO
стр. 75
المطلب الأول: مذهب الموسعين في المُفَطِّرات:
هم الذين يقولون إنّ الصوم يفسد بدخول كل عين من الظاهر إلى باطن الجسم من منفذ مفتوح أصلي أو غير أصلي.
وهذا قول الحنفية والشافعية والحنابلة والمالكية (١)، على خلاف في بعض الصور (٢)، وعند النظر في باب المُفَطِّرات في كتب المذاهب المعتبرة نجد أن الفقهاء-﵏ توسعوا في هذا الباب حتى أوصل بعضهم المُفَطِّرات إلى ستين مفطراً، وقَعَّدوا لها قواعد لم يقم عليها دليل مُحْكَم من القرآن والسنة، ثم بنوا على هذه القواعد فروعاً لا تحصر، وأصبح معرفة هذه المُفَطِّرات أمراً معقداً يحتاج