التشريحية للجسم، فتجد المتأخرين في بعض المذاهب يقررون أنه لا منفذ من الأذن للجوف؛ لِما ظهر لهم بسبب تطور التشريح، بينما يقرر المتقدمون في نفس المذهب أنها منفذ.
стр. 72
المبحث الثاني
الموسعون والمضيقون في باب المُفَطِّرات
- المطلب الأول: مذهب الموسعين في المُفطِّرات.
- المطلب الثاني: مذهب المضيقين في المُفطِّرات.
стр. 73
تمهيد
بالتأمل بما سطرته أيادي الفقهاء المباركة حول مفسدات الصوم نستطيع أن نقسمهم إلى فريقين في موقفهم من المُفَطِّرات، فمنهم الموسع في هذا الباب الذي جعل فهم طبيعة المُفَطِّرات أُحْجِية لا يفهمهما ولا يعرف حدَّها وعدَّها إلا متمكن في العلم الشرعي، وهذا أمر يتنافى مع مقتضى التكاليف وعادتها في فروض الأعيان، إذ هي من السهولة التي يستطيع كل مكلف أن يدرك أحكامها، وإلّا للزم التكليف بما لا يطاق، وهذا مما ليس في شريعتنا السمحة (١).
قال الشاطبي: «وثبت في الأصول الفقهية امتناع التكليف بما لا يطاق وأُلْحِق به امتناع التكليف بما فيه حرج خارج عن المعتاد» (٢).
ومن الفقهاء من يضيق المُفَطِّرات ويقصرها على ما جاء به النص، أو استوعبه عموم منطوق النص، أو دل عليه بالقياس الجلي، كما هو الحال مع ابن تيمية (٣)، والشيخ محمود شلتوت (٤)، والشيخ يوسف القرضاوي (٥)، والشيخ
стр. 74
محمد العثيمين (١).
ومنهم من ضيقها حتى منع باب القياس والمعاني فكان في الطرف النقيض مع الأول كما هو الحال مع ابن حزم (٢).
OOOOO
стр. 75
المطلب الأول: مذهب الموسعين في المُفَطِّرات:
هم الذين يقولون إنّ الصوم يفسد بدخول كل عين من الظاهر إلى باطن الجسم من منفذ مفتوح أصلي أو غير أصلي.
وهذا قول الحنفية والشافعية والحنابلة والمالكية (١)، على خلاف في بعض الصور (٢)، وعند النظر في باب المُفَطِّرات في كتب المذاهب المعتبرة نجد أن الفقهاء-﵏ توسعوا في هذا الباب حتى أوصل بعضهم المُفَطِّرات إلى ستين مفطراً، وقَعَّدوا لها قواعد لم يقم عليها دليل مُحْكَم من القرآن والسنة، ثم بنوا على هذه القواعد فروعاً لا تحصر، وأصبح معرفة هذه المُفَطِّرات أمراً معقداً يحتاج
стр. 76
إلى دراسة مطولة، فغاب التيسير الذي جعله الشارع ملازماً للتكليف (١).
يقول الشيخ يوسف القرضاوي: «والواقع أنّ جلّ ما يقال في هذا المجال مما لم يدل عليه محكم قرآن، ولا صحيح سنة, ولا إجماع أمة, إنما هي اجتهادات يؤخذ منها ويترك، أو آراء بشر يجب أن تحاكم وتُرد إلى النصوص الأصلية والقواعد المرعية, والمقاصد الكلية» (٢).
وأهم الأسباب التي حملت الفقهاء المتقدمين على التوسع هي:
١ - التوسع في مفهوم الجوف، حيث يدخل فيه كل مجوف، كالمعدة والدبر الدماغ وداخل البطن وباطن الأذن وداخل قحف الرأس وباطن الإحليل.
٢ - توسعهم في المنافذ المعتبرة، فكل فتحة نافذة إلى مجوف معتبرة كالفم، والأنف، والأذن، والدبر، وفرج المرأة، والإحليل، والجروح النافذة إلى البطن، أو الدماغ.
٣ - توسعهم في العين الداخلة، فلا فرق بين المغذي وغيره، ولا بين المائع والجامد.
OOOOO
стр. 77
المطلب الثاني: مذهب المضيقين في المُفَطِّرات:
وهم الذين يقولون إنّ الصوم إنما يفسد بالأكل والشرب خاصة، أو بما كان بمعناهما.
في مقابل اتجاه التوسع في المُفَطِّرات سلك آخرون مسلك التضييق مكتفين بما دلت عليه معاقد الإجماع في هذا الباب أو قريباً منه، ومن أبرز من سلك مسلك التضييق في باب المُفَطِّرات:
الإمام البخاري (١)، وابن حزم الظاهري (٢)، وابن تيمية (٣).
أما الإمام البخاري فقد ظهر اتجاهه في باب المُفَطِّرات جلياً من خلال ترجمته لأبواب الصحيح، حيث روى آثاراً في تراجم أبواب الصيام تبين اختياره الفقهي كما هي عادته: (٤).
من ذلك ما ذكره في باب اغتسال الصائم: أنّ ابن عباس ب قال: «لا بأس أن يتطعم القِدْر أو الشيء»، ... وقال الحسن: «لا بأس بالمضمضة والتبرد للصائم»، .. وقال ابن سيرين: «لا بأس بالسواك الرطب. قيل: له طعم. قال:
стр. 78
والماء له طعم وأنت تمضمض به» (١).
وترجم في أحد الأبواب بقوله: «باب قول النبي ﷺ : «إذا توضأ فليستنشق بمنخره الماء»، ولم يميز بين الصائم وغيره، ... وقال عطاء: «ولا يمضغ العلك فإن ازدرد ريق العلك لا أقول إنه يفطر» (٢).
ومن أرباب مذهب التضييق ابن حزم الظاهري الذي ضيق باب المُفَطِّرات، وقصرها على المنصوص عليه، ومنع أي قياس عليه، وليس غريباً على مذهبه المانع للقياس حيث يقول ﵀: «ولا ينقض الصوم ... حقنة، ولا سعوط ولا تقطير في أذن، أو في إحليل، أو في أنف، ولا استنشاق وإن بلغ الحلق، ولا مضمضة دخلت الحلق من غير تعمد، ولا كحل، أو إن بلغ إلى الحلق نهاراً، أو ليلاً بعقاقير أو بغيرها، ... ولا سواك برطب أو يابس، ... ولا مداواة جائفة أو مأمومة بما يؤكل أو يشرب أو بغير ذلك، ولا طعام وجد بين الأسنان أي وقت من النهار وُجِد» (٣).
وقال: «إنما نهانا الله تعالى في الصوم عن الأكل والشرب والجماع وتعمد القئ والمعاصي، وما علمنا أكلاً ولا شرباً يكون على دبر، أو إحليل، أو أذن، أو عين، أو أنف أو من جرح في البطن أو الرأس، وما نهينا قط عن أن نوصل إلى الجوف بغير الأكل والشرب ما لم يحرم علينا إيصاله ...» (٤).
стр. 79
ومن أرباب مسلك التضييق أيضاً: شيخ الإسلام ابن تيمية، والذي لم يرفض القياس، وإنما ضيقه في باب الصيام، ورفض أن يُسلِّم بالعلة التي قاس عليها الفقهاء، وكانت سبباً للتوسع في باب المُفَطِّرات، حيث يقول: «وأما الكحل والحقنة وما يقطر في إحليله ومداواة المأمومة والجائفة فهذا مما تنازع فيه أهل العلم ... ، والأظهر أنه لا يفطر بشيء من ذلك، فإنّ الصيام من دين المسلمين الذي يحتاج إلى معرفته الخاص والعام، فلو كانت هذه الأمور مما حرمها الله ورسوله في الصيام ويَفْسُد الصوم بها لكان هذا مما يجب على الرسول ﷺ بيانه، ولو ذُكِرَ ذلك لَعَلِمه الصحابة وبلغوه الأمة كما بلغوا سائر شرعه، فلما لم ينقل أحد من أهل العلم عن النبي ﷺ في ذلك لا حديثاً صحيحاً ولا ضعيفاً ولا مسنداً ولا مرسلاً عُلِم أنَّه لم يذكر شيئاً من ذلك» (١).
وسلك مسلك التضييق جماعة من العلماء المعاصرين، كالشيخ محمود شلتوت (٢)، والشيخ محمد العثيمين (٣)، والشيخ يوسف القرضاوي (٤)، وهو ما تبنته قرارات المجامع الفقهية المعاصرة (٥).
стр. 80
يقول الشيخ شلتوت: «إذا كان من محظور الصوم الأكل والشرب-وحقيقتهما دخول شيء من الحلق إلى المعدة، والمعدة هي محل الطعام والشراب من الإنسان-كان المبطل للصوم ما دخل فيها بخصوصها سواء أكان مغذياً أم غير مغذٍ، ولابد أن يكون من المنفذ المعتاد، ومن أجل هذا فما دخل الجوف ولكن لم يصل إليها لايفسد الصوم» (١).
ويرى الشيخ العثيمين أنّ ما يُفَطِّر هو الأكل والشرب خاصة، وما كان في معناهما، ولم يرتضِ التوسع والتعليل بالوصول إلى الجوف حيث يقول: «نحن في غنى عن هذه التعليلات من الأصل إذا أخذنا بالقول الراجح، وهو أن المُفَطِّر هو الأكل والشرب، وما أدخل من طريق الإحليل فإنه لا يسمى أكلاً ولا شرباً» (٢).
ويقول في فتواه على جواز استخدام التحاميل الشرجية للصائم: «لا بأس أن يستعمل الصائم التحاميل التي تُجْعل في الدبر إذا كان مريضاً؛ لأنّ هذا ليس أكلاً ولا شرباً، ولا بمعنى الأكل والشرب، والشارع إنما حَرَّم علينا الأكل أو الشرب؛ فما كان قائماً مقام الأكل والشرب أُعطِي حكم الأكل والشرب، وما ليس كذلك فإنه لا يدخل في الأكل والشرب لفظاً ولا معنى، فلا يثبت له حكم الأكل والشرب» (٣).
стр. 81
يقول الشيخ القرضاوي: «وهذه الثلاثة –الأكل والشرب والجماع- وما أُلحق بها بالإجماع من تدخين التبغ ومضغه ونشوقه هي التي بينتها النصوص واتفقت مع حِكْمة الشارع» (١).
ويقول: «والواقع أنَّ جلّ ما يقال في هذا المجال مما لم يدل عليه محكم قرآن ولا صحيح سنة, ولا إجماع أمة, إنما هي اجتهادات يؤخذ منها ويترك أو آراء بشر يجب أن تحاكم وترد إلى النصوص الأصلية والقواعد المرعية, والمقاصد الكلية، ... والذي أميل إليه أنه لا يُفَطِّر الصائم إلا ما أجمع الفقهاء على التفطير به، وذلك ما دل عليه محكم القرآن، وصحيح السنة، واتفق مع حِكْمة الشارع من الصيام» (٢).
وجانب التضييق هو ما اختاره أغلب أعضاء مجمع الفقه الإسلامي، فقد جاء في توصيات الندوة الفقهية الطبية التابعة لمجمع الفقه الإسلامي ما يلي:
«المفطرات في كتاب الله ، والسنة الصحيحة ثلاثة: هي الأكل والشرب والجماع، فكل ما جاوز الحلق وكان ينطبق عليه اسم الأكل أو الشرب، كمًّا وكيفًا، يعد مُفَطِّراً» (٣).
وعند النظر في مذهب المضيقين قد يبدو أنّ مذهبهم تمرداً على مذهب
стр. 82
الجمهور في ضابط المُفَطِّرات التي توسعوا فيها تبعاً لتوسعهم في الجوف الذي جعلوه مناطاً لفساد الصوم، إلا أننا عند التأمل في مذهب المضيقين نجد أنهم وافقوا الجمهور في المحل الذي اتفقوا عليه من الجوف، والذي دل النص على أنّه مناط لفساد الصوم بما يصل إليه، وخالفوهم فيما تباينت فيه وجهاتهم إذ لا يوجد نص صريح على ما ذهبوا إليه، ولا علة منصوصة يمكن الركون إليها في توسيع دائرة المُفَطِّرات بما يشق على المكلفين، فبقي الأصل التشريعي في التكاليف وهو رفع الحرج، وكما قال الشعبي: «إذا اختلف عليك في أمرين، فخذ أيسرهما، فإن أيسرهما أقربهما من الحق؛ لأنّ الله يقول: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]» (١).
والمضيقون منهم مَنْ حمله على ذلك أصوله المانعة والممانعة للقياس كابن حزم، ومنهم من ولجه بأدواته القياسية نافياً وجود علة صريحة يمكن البناء عليها في إفساد عبادة صحيحة متيقنة، وأنّ التوسع من الحرج الذي يجب رفعه عن المكلفين الذين يشق عليهم معرفة تفاصيل المُفَطِّرات المبنية على تلك العلة المستنبطة، وهذا مسلك ابن تيمية والقرضاوي، والعثيمين.
والباحث يرجح مذهب المضيقين بمسلكه القياسي لما له من قوة حجة،
المبحث الثالث
تحديد الجوف وضابطه عند الفقهاء والأطباء
- المطلب الأول: تعريف الجوف في اللغة.
- المطلب الثاني: الجوف في النصوص الشرعية.
- المطلب الثالث: الجوف عند الفقهاء.
- المطلب الرابع: الجوف عند الأطباء المعاصرين.
المطلب الخامس: مناقشة تقرير الفقهاء للجوف.
стр. 85
تمهيد
من خلال نصوص الفقهاء في المذاهب الأربعة وغيرها نرى أن السواد الأعظم من الفقهاء جعلوا مناط فساد الصوم بما يصل إلى الجوف على خلاف بينهم في تعريف الجوف, والمنافذ المعتبرة فيما يدخل منها إلى الجوف الأمر الذي أدى إلى اختلافهم في الكثير من المُفَطِّرات بناءً على خلافهم في اعتبار الجوف ومسالك النفاذ إليه, ولذا كان من المهم بيان ذلك لتتضح الصورة عند تخريج المسائل على أقوالهم، ومعرفة ما يفطر من المستجدات حسب قواعدهم.
كما أنّ من الأهمية بمكان بيان الجوف عند الأطباء، وما هو الجوف المؤثر في الصيام لإجراء مقارنة بين تصور الفقهاء للجوف بناءً على مستوى الطب التشريحي في زمنهم وبين تصور الأطباء في ظل التطور الطبي الهائل الذي أظهر الصورة الداخلية للجسم واضحة للعيان, ومن خلال تلك المقارنة ينبني الترجيح في كثير من مسائل المُفَطِّرات الطبية، ليس إسقاطاً لكلام الفقهاء المتقدمين-﵏ فإنهم معذورون فيما قرروه بناءً على ما وصل إليه الطب البشري والتصور التشريحي للجسم في زمنهم.
ومما ينبغي أن يكون متقرراً أنّ الأحكام التي بُنيت على تصور تبين بعد ذلك عدم صحته، فإنّ الحكم يتغير في ضوء التصور الصحيح، وهذا ليس مقتصراً على مسائل المُفَطِّرات الطبية، بل في أبواب كثيرة بنى الفقهاء فيها الحكم على تصور طبي تبين بعد ذلك عدم صحته فتغير الحكم عند الفقهاء على ضوء التصور الصحيح،
стр. 86
ومن ذلك مسألة أقل الحمل وأكثره وما بُني عليه من أحكام (١).
وما أجمل ما قاله الطاهر بن عاشور في الموقف من كلام المتقدمين حيث يقول ﵀: «ولقد رأيت الناس حول كلام الأقدمين أحد رجلين: رجل معتكف فيما شاده الأقدمون, وآخر آخذ بمعوله فيهدم ما مضت عليه القرون, وفي كلتا الحالتين ضُرٌ كثير, وهناك حالة أخرى ينجبر بها الجناح الكسير, وهي أن نعمد إلى ما أشاده الأقدمون فنهذبه ونزيده, وحاشا أن ننقضه أو نبيده, علماً بأن غمط فضلهم كفران للنعمة, وجحد مزايا سلفها ليس من حميد خصال الأمة» (٢).
وسوف أتطرق لبيان أنّ علة الجوف وجعلها مناطاً لما يفسد الصوم أمرٌ مستنبط من تعبيرات الفقهاء, ولم ينص عليها الشارع في موضوع الصوم مطلقاً, ولم يربط بها حكماً من أحكام الصوم أو مفسداته، وهو الأمر الذي أحدث إرباكاً وتوسعاً في باب المُفَطِّرات، ونظيره استعمال الفقهاء لفظ المخيط في محظورات الإحرام مع عدم وروده في النص النبوي، وإنما ورد النهي عن لباس معين (٣).
ولما كان الجوف غير مذكور في النص الشرعي فيما يخص الصوم، ولم يربط
стр. 87
الشارع فساد الصوم به لا بنص قطعي أو ظني اختلف الفقهاء وتباينت أقوالهم في تحديد الجوف وضابط ما يصل إليه، وهذا ما سيتبين من خلال المطالب التالية:
المطلب الأول: تعريف الجوف في اللغة:
مفهوم الجوف في اللغة واسع، فمن خلال النظر في كلام أهل اللغة حول الجوف نجد أنّ للجوف معانٍ عدة عندهم، فهو يطلق على كل شيء مجوف، ومنها جوف الإنسان، ويعنون به بطنه، والأجوفان: البطن والفرج.
قال ابن فارس: «الجيم والواو والفاء، كلمة واحدة، وهي جوف الشيء، يقال هذا جوف الإنسان، وجوف كل شيء» (١).
والجوف: الخلاء، وهو مصدر، والجمع أجواف، هذا أصله، ثم استُعمِل فيما يقبل الشغل والفراغ، فقيل: جوف الدار لباطنها وداخلها (٢).
وقال ابن منظور: «جوف الإنسان بطنه، والأجوفان البطن والفرج لاتساع أجوافهما» (٣).
وهذا التوسع في معنى الجوف عند أهل اللغة هو ما جعل الفقهاء يتوسعون في الجوف وتحديد ماهيته، إذ لم يأتِ ضابط شرعي له فرجعوا في تحديده إلى اللغة.
OOOOO
стр. 88
المطلب الثاني: الجوف في النصوص الشرعية:
ورد ذكر الجوف في النصوص الشرعية في مواطن متعددة، إلا أنّه ليس في شيء من تلك النصوص علاقة بالصوم وأحكامه، ففي الكتاب العزيز لم يَرِد ذكر الجوف إلا مرة واحدة وهي:
قوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ [الأحزاب:٤].
وجاء في السنة جملة أحاديث، منها:
قوله ﷺ : «لَأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ أَحَدِكُمْ قَيْحًا؛ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا» (١).
قوله ﷺ : «لَوْ كَانَ لِابْنِ آدَمَ وَادِيَانِ مِنْ مَالٍ، تَمَنَّى إِلَيْهِمَا وَادِيًا ثَالِثًا، وَلَا يَمْلَأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إِلَّا التُّرَابُ، ثُمَّ يَتُوبُ اللهُ عَلَى مَنْ تَابَ» (٢).
قوله ﷺ يوم الخندق: «شَغَلُونَا عَنِ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى، صَلَاةِ الْعَصْرِ، مَلَأَ اللهُ أَجْوَافَهُمْ، وَقُبُورَهُمْ نَارًا» (٣).
قوله ﷺ : «إِنَّ الَّذِي لَيْسَ فِي جَوْفِهِ شَيْءٌ مِنَ القُرْآنِ كَالبَيْتِ الخَرِبِ» (٤).
стр. 89
قوله ﷺ : «لَا يَجْتَمِعُ غُبَارٌ فِي سَبِيلِ اللهِ وَدُخَانُ جَهَنَّمَ فِي جَوْفِ عَبْدٍ، وَلَا يَجْتَمِعُ الشُّحُّ وَالْإِيمَانُ فِي جَوْفِ عَبْدٍ أَبَدًا» (١).
قوله ﷺ : «إِنَّ الْإِيمَانَ لَيَخْلَقُ فِي جَوْفِ أَحَدِكُمْ كَمَا يَخْلَقُ الثَّوْبُ الْخَلِقُ، فَاسْأَلُوا اللهَ أَنْ يُجَدِّدَ الْإِيمَانَ فِي قُلُوبِكُمْ» (٢).
قوله ﷺ : «إِنَّ الْغَضَبَ جَمْرَةٌ تُوقَدُ فِي جَوْفِ ابْنِ آدَمَ» (٣).
قوله ﷺ : «أَكْثَرُ مَا يَلِجُ بِهِ الْإِنْسَانُ النَّارَ الْأَجْوَفَانِ: الْفَمُ وَالْفَرْجُ» (٤).
ومن خلال التأمل في النصوص الواردة في الكتاب والسنة حول الجوف نجد أنه لا يوجد فيها نص له علاقة بالصوم، وأنّ مفهوم الجوف واسع، من حيث الدلالة اللغوية، والسياق والقرائن هي التي تحدد دقة المعنى، إلّا أنَّ الشارع لم يربط به أي حكم من أحكام الصيام.
OOOOO
المطلب الثالث: الجوف عند الفقهاء:
أولاً: الجوف عند الحنفية:
من خلال استقراء نصوص السادة الأحناف نستطيع أن نقول إنّ عباراتهم
стр. 90
لم تستقر في تحديد الجوف على ضابط معين فمنهم من قصره على التجويف البطني، وهذا ما ذهب إليه جمهور الأحناف، مع اعتبار الداخل إلى الدماغ مفطراً، لا لكونه جوفاً أصلياً مؤثرا، وإنما لأنّ فيه منفذاً للتجويف البطني – حسب اعتقادهم-، وهذه نصوصهم تدل على ذلك.
قال ابن نجيم: «والمراد بترك الأكل ترك إدخال شيءٍ في بطنه أعم من كونه مأكولاً أو غير مأكول، ولا يرد ما وصل إلى الدماغ فإنه مفطر لما أنّ بين الدماغ والجوف منفذاً، فما وصل إلى الدماغ وصل إلى الجوف» (١).
وقال الكاساني: «وما وصل إلى الجوف أو إلى الدماغ من المخارق الأصلية، كالأنف، والأذن، والدبر، بأن استعط أو احتقن أو أقطر في أذنه فوصل إلى الجوف أو إلى الدماغ فسد صومه, أما إذا وصل إلى الجوف فلا شك فيه لوجود الأكل من حيث الصورة. وكذا إذا وصل إلى الدماغ، لأنَّ له منفذاً إلى الجوف، فكان بمنزلة زاوية من زوايا الجوف» (٢).
فمن هذه النصوص يتبين أنّ التأثير حاصل عندهم بما يصل إلى التجويف البطني، وأنّ ما يصل إلى الدماغ مؤثر لكونه منفذاً إلى التجويف البطني.
وقال ابن عابدين: «والتحقيق: أن بين جوف الرأس وجوف المعدة منفذاً
стр. 91
أصلياً، فما وصل إلى جوف الرأس يصل إلى جوف البطن» (١).
بينما نرى أنّ الإمام السرخسي يعتبر الدماغ أحد الجوفين، وأنّ مجرد وصول الدواء إليه مفطر حيث يقول: «والإقطار في الأذن كذلك يفسد؛ لأنه يصل إلى الدماغ، والدماغ أحد الجوفين» (٢).
هذا ما نص عليه جمهور الأحناف، إلا أننا نرى اختلافاً في المذهب فيما يُقَطَّر في الإحليل-ثقب الذَّكَر- وفيما يدخل إلى الجوف من غير المنافذ الأصلية.
قال الكاساني: «وأما الإقطار في الأحليل فلا يُفْسِد-أي لا يفسد الصوم- في قول أبي حنيفة، وعندهما -محمد بن الحسن وأبي يوسف- يُفْسد» (٣).
وقال السمرقندي: «وأما الجائفة (٤) والآمة (٥) إذا داواهما: فإن كان الدواء يابساً فلا يفسد؛ لأنه لا يصل إلى الجوف، أما إذا كان رطباً: فيفسد عند أبي حنيفة، وعندهما لا يفسد، فأبو حنيفة اعتبر ظاهر الوصول بوصول المغذي إلى الجوف
стр. 92
حقيقة، وهما يعتبران الوصول بالمخارق الأصلية (١)، لا غير. ويقولون: في المخارق يتيقن الوصول، فأما في المخارق العارضة فيحتمل الوصول إلى الجوف، ويحتمل الوصول إلى موضع آخر، لا إلى محل الغذاء والدواء، فلا يفسد الصوم مع الشك والاحتمال، وأبو حنيفة يقول: الوصول إلى الجوف ثابت ظاهراً، فكفى لوجوب القضاء احتياطاً» (٢).
وهذا يدل على أنّ الخلاف بين أبي حنيفة وصاحبيه –﵏ قائم في مسألة الداخل من الإحليل، ومسألة ما ينفذ إلى الجوف من غير المخارق الأصلية.
كما أنّ الأحناف لا يكتفون بمجرد دخول الشيء إلى الجوف، وإنما يشترطون استقرار المادة التي دخلت.
قال الكاساني: «ولو طُعِن برمح فوصل إلى جوفه أو إلى دماغه: فإن أخرجه مع النصل لم يفسد، وإن بقي النصل فيه يفسد، وكذا قالوا: فيمن ابتلع لحماً مربوطاً على خيط ثم انتزعه من ساعته إنَّه لا يفسد، وإن تركه فسد ... وهذا يدل على أن استقرار الداخل في الجوف شرط فساد الصوم» (٣).
ومما سبق ندرك أن جمهور الأحناف يقتصرون على حصر الجوف بالتجويف
стр. 93
البطني، وأنّ الدماغ معتبر لوجود منفذ إلى البطن، ضرورة أن يكون النافذ إليه عبر المخارق الأصلية، ويرى بعضهم أنَّ الداخل إلى الإحليل والنافذ من غير المخارق الأصلية مؤثر.
وعدم انضباط كل الأحناف على قول واحد يرجع إلى عدم وجود حَدٍّ، أو ماهية للجوف في النصوص الشرعية؛ لكون الجوف ليس علة منصوصة، ولم يربط الشارع فساد الصوم بما يصل إليه بنص قطعي أو ظني.
ثانياً: الجوف عند المالكية:
بعد استقراء أقوال السادة المالكية حول الجوف نجد أنّ جمهور المالكية يقصرون الجوف على الحلق والمعدة والأمعاء «الجهاز الهضمي»، وما يوصل إليها كالدبر وفرج المرأة-حسب ظنهم-، ومنهم من اعتبر ما يدخل إلى الدماغ مؤثراً ومفسدا للصوم.
قال سحنون: قلت لابن القاسم عن قول مالك في الكحل فقال: قال مالك «إذا دخل حلقه-أي الكحل- وعُلِم أنَّه قد وصل الكحل إلى حلقه فعليه القضاء» (١). وهذا نص من مالك على أنّ ابتداء الجوف من الحلق.
وقال الخرشي: «وما وصل الأمعاء -أي من الدبر- من طعام حصل به فائدة الغذاء، فإنَّ الحقنة تُجْذَب من المعدة، ومن سائر الأمعاء عند الأطباء، فصار
стр. 94
ذلك في معنى الأكل» (١).
وقال القرافي: «ولا يُفَطِّر ما وصل إلى الدماغ، خلافاً للأئمة» (٢).
وقال الدسوقي: «ما وصل للمعدة من منفذ عالٍ موجب للقضاء، سواء كان ذلك المنفذ واسعاً أو ضيقاً بخلاف ما يصل للمعدة من منفذ سافل فإنه يشترط فيه كونه واسعاً كالدبر، وقُبُل المرأة والثقبة، لا كإحليل وجائفة وهي الخرق الصغير جداً الواصل للبطن، وصل للمعدة أو لا» (٣).
وهذا يبين أنَّ مذهب جمهور المالكية فيما يصل إلى التجويف البطني لا بد أن يكون من خلال المنافذ المعتادة، بدليل عدم اعتبارهم لما يدخل من الجائفة.
وبعض المالكية لا يُسلِّم باعتبار فرج المرأة منفذاً إلى الجوف، ويرى أنّ فرج المرأة ليس متصلاً بالجوف فلا يصل منه شيء إليه (٤).
يقول الصاوي: «فرج المرأة وفيه نظر بل هو كالإحليل -أي غير معتبر-» (٥).
كما أنّهم لا يعتبرون الدماغ من الجوف، أو أنّ ما يصل إليه مؤثر خلافاً
стр. 95
للأحناف والشافعية والحنابلة.
ويرى بعض المالكية أنَّ ما يصل إلى الدماغ مؤثر.
قال المغربي «المعروف بالحطّاب»: «واستنشاق قدر الطعام بمثابة البخور; لأنّ ريح الطعام له جسم يتقوى به الدماغ، فيحصل به ما يحصل بالأكل» (١).
وبعد هذا الاستقراء لنصوص السادة المالكية حول مفهوم الجوف نرى أنّّ جمهور المالكية يقصرون الجوف على الحلق والأمعاء والمعدة «الجهاز الهضمي»، ومنهم من وسع قليلاً واعتبر الواصل إلى الدماغ مفسداً للصوم بمجرد وصوله كما تفيد عبارة المغربي.
وعليه لا يمكن استنتاج ضابط للجوف عند كل المالكية، ولكنهم أضيق في مفهوم الجوف من الشافعية والحنابلة.
وهذا الخلاف وعدم القدرة على تحديد ضابط مُطَّرد في المذهب الواحد يرجع إلى ما أسلفنا الحديث عنه من كون مصطلح الجوف لم يرد في النصوص الشرعية كعلة لفساد الصوم بما يصل إليه، فضلاً عن عدم وجود نص يحدد ماهيته.
ثالثاً: الجوف عند الشافعية:
من خلال استقراء نصوص السادة الشافعية نجد أنّهم أوسع المذاهب في
стр. 96
تحديد الجوف، وأنهم على مذهبين: مذهب الأكثر، ومذهب الأقل كما سيتبين من خلال نصوصهم.
وقد نص الإمام النووي على ذلك بقوله: «وضبط الأصحاب الداخل المفطر بالعين الواصلة من الظاهر إلى الباطن في منفذ مفتوح عن قصد مع ذكر الصوم، وفيه قيود منها: الباطن الواصل إليه، وفيما يعتبر به وجهان.
أحدهما: أنه ما يقع عليه اسم الجوف، والثاني: يعتبر معه أن يكون فيه قوة تحيل الواصل إليه من دواء أو غذاء. والأول هو الموافق لتفريع الأكثرين» (١).
وهذا نص على محل الخلاف في اعتبار ما يكون جوفاً مؤثراً، وأنَّ مذهب الأكثرين عدم اعتبار كون الجوف الواصل إليه محيلاً للغذاء والدواء.
قال الأنصاري في حديثه عن مفسدات الصوم: «دخول عين من الظاهر وإن لم تؤكل عادة كحصاة جوفاً له ... ، ولو كان الجوف سوى محيل «أي غير محيل» للغذاء, أو الدواء كباطن الأذن، وإن كان لا منفذ منه إلى الدماغ; لأنّه نافذ إلى داخل قحف الرأس, وهو جوف، أو باطن الإحليل وإن لم يجاوز الداخل فيه الحشفة، كما يبطل بالواصل إلى حلقه وإن لم يصل إلى معدته, والمحيل كباطن الدماغ, والبطن, والأمعاء, والمثانة» (٢).
стр. 97
وقال الغمراوي: «وشرطه أيضا الإمساك عن وصول العين وإن قَلَّت إلى ما يسمى جوفاً، وقيل يشترط مع هذا أن يكون فيه أي الجوف قوة تحيل الغذاء أي المأكول والمشروب» (١).
وقال الشربيني: «والذي يفطر به الصائم عشرة أشياء، الأول: ما وصل من عين وإن قلّت كسمسمة عمداً مختاراً عالماً بالتحريم إلى مطلق الجوف من منفذ مفتوح، سواءً أكان يحيل الغذاء أو الدواء أم لا، كباطن الحلق والبطن والأمعاء وباطن الرأس؛ لأنَّ الصوم هو الإمساك عن كل ما يصل إلى الجوف» (٢).
وقال أيضاً: «والتقطير في باطن الأذن وإن لم يصل إلى الدماغ وباطن الإحليل، -وهو مخرج البول من الذكر واللبن من الثدي-، وإن لم يصل إلى المثانة ولم يجاوز الحشفة أو الحلمة مفطر في الأصح بناءً على الوجه الأول، وهو اعتبار كل ما يسمى جوفا، والثاني: لا، بناءً على مقابِله، إذ ليس فيه قوة الإحالة، وأُلحِق بالجوف على الأول الحلق» (٣).
كما اختلف الشافعية فيما يدخل الإحليل هل يقع الفطر بمجرد الدخول أم
стр. 98
يلزم أن يصل المثانة.
يقول النووي: «وإن زَرَقَ في إحليله شيئاً، أو أدخل فيه ميلاً ففيه وجهان، أحدهما: يبطل صومه، لأنّه منفذ يتعلق الفطر بالخارج منه، فتعلق بالواصل إليه كالفم والثاني: لا يبطل؛ لأنَّ ما يصل إلى المثانة لا يصل إلى الجوف فهو بمنزلة ما لو ترك في فمه شيئاً» (١).
وهذه النصوص تبين لنا أن الجوف عند الشافعية يشمل كل مجوف كباطن الإذن، وداخل قحف الرأس، والداخل إلى الحلق، وإن لم يصل الداخل إليها إلى المعدة، وباطن الإحليل، على خلاف بينهم في لزوم وصوله إلى المثانة أو عدم لزومه.
ولا يشترطون أن يكون الجوف محيلاً للغذاء، وهذا مذهب أكثر الشافعية والمشهور عندهم.
ومذهب الأقل: قيدوا الجوف بما فيه قوة محيلة للغذاء أو الدواء، أو كان طريقاً إلى الجوف المحيل. وما سواها فلا أثر له في إفطار الصائم عندهم.
وممن ذهب إلى ذلك من علماء الشافعية الإمام الغزالي حيث يقول: «وأما الباطن: عنينا به كل موضع مجوف فيه قوة محيلة للدواء والغذاء كداخل القحف
стр. 99
والخريطة، وداخل البطن، والأمعاء، والمثانة» (١).
والفريقان متفقان على أنّ البطن، والأمعاء، والمثانة، وباطن الدماغ أجواف معتبرة في فساد الصوم فما يصل إليها من الخارج يُفَطِّر بلا خلاف عندهم؛ لأنَّ في كلٍّ منها قوة محيلة.
ومن خلال نصوص السادة الشافعية حول مفهوم الجوف نجد أنهم أوسع المذاهب، ومع ذلك فهم مختلفون في تحديده، وفي اشتراط كونه مما يحيل الغذاء والدواء، أم لا يحيل.
كل هذا يرجع إلى ما سبق ذكره من أنّ سبب الخلاف وعدم القدرة على ضبط مفهوم الجوف حتى في المذهب الواحد راجع إلى كون لفظة الجوف لم ترد في النصوص الشرعية- الكتاب والسنة- علة ومناطاً لفساد الصوم.
رابعاً: الجوف عند الحنابلة:
من خلال استقراء نصوص السادة الحنابلة نجد أنهم اختلفوا كما اختلف غيرهم من المذاهب في تحديد مفهوم الجوف وتباينت نصوصهم، وهم أقرب إلى الشافعية، فمنهم من يرى رأي أكثر الشافعية، ومنهم من يرى رأي الأقل من الشافعية. ومن خلال استعراض نصوصهم يتبين لنا ذلك.
стр. 100
قال ابن قدامة: «يفطر بكل ما أدخله إلى جوفه أو مجوف في جسده كدماغه وحلقه ونحو ذلك مما ينفذ إلى معدته إذا وصل باختياره، وكان مما يمكن التحرز منه، سواء وصل من الفم على العادة أو غير العادة، كالوجور واللدود (١)، أو من الأنف كالسعوط، أو ما يدخل من الأذن إلى الدماغ، أو ما يدخل من العين إلى الحلق كالكحل، أو ما يدخل إلى الجوف من الدبر بالحقنة، أو ما يصل من مداواة الجائفة إلى جوفه، أو من دواء المأمومة إلى دماغه فهذا كله يُفَطِّر؛ لأنّه واصل إلى جوفه باختياره فأشبه الأكل، وكذلك لو جرح نفسه أو جرحه غيره باختياره فوصل إلى جوفه، سواء استقر في جوفه أو عاد فخرج منه» (٢).
وقال البهوتي: «... أو أدخل جوفه أو مجوف في جسده، كدماغه، وحلقه وباطن فرجها، وإذا أدخلت إصبعها، ونحو ذلك أي نحو الدماغ، والحلق، وباطن فرجها كالدبر، مما ينفذ إلى معدته شيئاً من أي موضع كان، ولو خيطاً ابتلعه كله أو ابتلع بعضه، أو رأس سكين، من فعله أو فعل غيره بإذنه، فغاب في جوفه، فسد صومه» (٣).
فهذه النصوص تبين أن مسمى الجوف عند الحنابلة يدخل فيه المعدة والحلق
стр. 101
والأمعاء، والدبر، وباطن الفرج، والدماغ.
ومن الحنابلة من يشترط كمذهب الأقل من الشافعية أن يكون الجوف الواصل إليه مما يحيل الغذاء والدواء.
قال ابن مفلح: «وإن داوى جرحه، أو جائفته، فوصل الدواء إلى جوفه، أو داوى مأموته فوصل إلى دماغه، أو أدخل إلى مجوف فيه قوة تحيل الغذاء أو الدواء شيئا من أَيِّ موضع أفطر» (١).
وقال: «أو داوى المأمومة أو قطر في أذنه ما يصل إلى دماغه؛ لأنَّ الدماغ أحد الجوفين فالواصل إليه يغذيه فأفسد الصوم» (٢).
وقال المرداوي: «مثل ذلك في الحكم لو أدخل شيئاً إلى مجوف فيه قوة تحيل الغذاء أو الدواء من أي موضع كان» (٣).
كما اختلف الحنابلة في الداخل إلى الإحليل، فجمهورهم على عدم فساد الصوم وإن وصل المثانة، ولهم قول آخر بالفساد إن وصل المثانة.
قال المرداوي: «وإن أقطر في إحليله لم يفسد صومه, وهو المذهب, نص
стр. 102
عليه, وعليه أكثر الأصحاب, وقطع به أكثرهم، وقيل: يفطر إن وصل إلى مثانته, وهو العضو الذي يجتمع فيه البول داخل الجوف» (١).
ويستفاد من النصوص المتقدمة أنَّ الجوف عند الحنابلة هو المعدة المحيلة للغذاء والدواء، أو أي مُجَوَّفٍ في الجسم ينفذ إلى المعدة كالدماغ والحلق وباطن الفرج والدبر.
ومن خلال ما ذكرنا من نصوص السادة الحنابلة حول مفهوم الجوف نجد أنهم ممن توسع في مفهوم الجوف، إلا أنّهم مع ذلك مختلفون في تحديده كبقية المذاهب، وهل يشترط كون الجوف مما يحيل الغذاء والدواء، أم لا يشترط، كل هذا يرجع إلى ما سبق ذكره من أنّ سبب الخلاف، وعدم القدرة على ضبط مفهوم الجوف حتى في المذهب الواحد راجع إلى كون الجوف علة مستنبطة لم ترد في النصوص.
OOOOO
стр. 103
المطلب الرابع: الجوف عند الأطباء المعاصرين (١) .
الجوف من حيث التشريح الطبي له مفهوم واسع، ومن حيث كونه مؤثراً في الصيام له مفهوم ضيق.
أما المفهوم الطبي التشريحي للجوف فهو: «كل فراغ في الجسم يحتوي على الأعضاء الداخلية» (٢)، وهناك عدة تجاويف رئيسية في بدن الإنسان (Body Cavities) أبرزها: التجويف الجمجمي، والتجويف النخاعي، والتجويف الأنفي، والتجويف الصدري، التجويف البطني (٣).
١ - التجويف الجمجمي:
وهو تجويف ممتلئ بالدماغ وبأغشية ثلاث تغلف الدماغ تعرف (بالسحايا)، وسائل يفرز من الضفائر المشيمية الموجودة في البطينيات الدماغية يملأ فراغات تجويف الجمجمة لحماية الدماغ من الصدمات، وهو ما يعرف باسم
стр. 104
(السائل الدماغي الشوكي) (١).
٢:١ صورة توضيحية للتجويف الجمجمي
العلاقة بين الدماغ والجهاز الهضمي:
في الجمجمة تجويف يشغله الدماغ وأغشية الدماغ (السحايا) والسائل الدماغي الشوكي، ويتولد هذا السائل في البطينين الجانبيين (الوحشيين) من الدماغ، ثم يسيل هذا السائل إلى البطين الثالث من الدماغ، ومنه إلى البطين الرابع، ليصل إلى أغشية الدماغ الخارجية، فيسير بين الأم الجافية، وهي الغشاء الغليظ الخارجي للدماغ، والأم الحنون، وهي الغشاء الرقيق الملتصق بالدماغ.
стр. 105
وتبدأ من هناك عملية امتصاصه، ليذهب إلى الأوردة والجيوب الوريدية الموجودة في القحفة والجمجمة، كما يسير هذا السائل في الغشاء المحيط بالنخاع الشوكي (الحبل الشوكي)، ووظيفته حماية الدماغ والنخاع الشوكي من الهزات والارتطامات والصدمات.
ويفرز الدماغ ٥٠٠ مليلتر (نصف لتر) يومياً من هذا السائل، ويتم امتصاصه كذلك يوميًا للحفاظ على سلامة الدماغ، ولا يصل شيء من هذا السائل إلى الأنف إلا في حالة كسر في قاع الجمجمة، وهي حالة خطيرة قد تستدعي تدخلًا جراحيًا، وليس لبطينات الدماغ ولا للسائل الدماغي الشوكي أي علاقة بالجهاز الهضمي.
ومن هنا نعلم أنَّ البلغم الموجود في الأنف أو البلعوم الأنفي ليس من الدماغ كما كان يعتقده القدماء، وبالتالي فإنَّ كل ما ذكره الفقهاء المتقدمون-﵏ من اتصال الدماغ بالجهاز الهضمي أثبت الطب الحديث عدم صحته، فالمأمومة ومداواتها وبطون الدماغ كلها بعيدة كل البعد عن الجوف المقصود في الصيام (١).
стр. 106
٢:٢ صورة توضيحية تبين الدماغ وعدم اتصاله بالجهاز الهضمي
٢ - التجويف الصدري: وهو المعروف بالقفص الصدري، ويوجد فيه الرئتان والقلب، وتقع الرئتان أحداهما في يمين التجويف الصدري، والأخرى في يساره، ويقع القلب في وسط التجويف مائلاً قليلاً إلى جهة اليسار, والقلب مغطى بغشاء يسمى التامور, والغشاء الخارجي منه غليظ سميك, أما الداخلي المحيط بعضلة القلب فهو رقيق، ويسمى الشغاف.
стр. 107
وفي القلب ذاته أربعة تجاويف فهناك الأذينان: (الأيمن والأيسر) في أعلى القلب, وفي كل واحد منهما يتجمع الدم, كما أنّ هناك البطينين: (الأيمن والأيسر)، وهما أكبر وأغلظ من الأذينين, ومن البطين الأيمن يضخ الدم إلى الرئة, ومن الأيسر يضخ الدم إلى كافة أجزاء الجسم (١).
٢:٣ صورة تبين التجويف الصدري ومحتوياته
стр. 108
٣ - التجويف الأنفي: يوجد في عظام الوجه تجاويف عدة تعرف بالجيوب الأنفية, وهي ترخم الصوت, وتخفف من وزن الرأس, ولها إفرازات هي التي تصل إلى البلعوم الأنفي (nasopharynx) ومنه إلى البلعوم الفموي (oropharynx) المعروف بالحلق (١).
٢:٤ صورة توضح التجويف الأنفي وعلاقته بالجهاز الهضمي
стр. 109
٤ - التجويف البطني: ويحتوي على القناة الهضمية, والغدد الملحقة بجهاز الهضم.
وتجويف البطن هو: الجزء الذي ينحصر بين عضلة الحجاب الحاجر من أعلى, وبين الحجاب الحوضي من أسفل, ويحده من الخلف العمود الفقري والعضلات المحيطة به, وما يسمى بجدار البطن الأمامية, ونهايات الأضلاع, وغضاريفها.
وينقسم تجويف البطن إلى جزئين رئيسين هما:
أولاً: تجويف البطن الحقيقي: وهو الجزء الأكبر, ويقع أعلى الجزء السفلي المعروف بتجويف الحوض.
ويحتوي على أعضاء مختلفة من الجهاز الهضمي, والجهاز البولي, وأوعية دموية, وغدد صماء وغير صماء, وأعصاب وغدد لمفاوية, وطحال.
ثانياً: تجويف الحوض: ويحتوي تجويف الحوض على أجزاء من الجهاز البولي, والجهاز التناسلي, بالإضافة إلى المستقيم, والقولون السيني, والغدد اللمفاوية وأوعيتها, والأوعية الدموية, والأعصاب (١).
стр. 110
٢:٥ صورة تبين التجويف البطني
الجوف المؤثر في الصيام عند الأطباء المعاصرين (١):
للأطباء المعاصرين المهتمين بالشأن الفقهي والذين استكتبتهم المجامع الفقهية، ولهم مؤلفات وبحوث حول المُفَطِّرات الطبية رأي في تحديد الجوف المؤثر في الصيام من الناحية الطبية التشريحية، بناءً على مقصد الصيام الشرعي، حيث يرون أنَّ الجوف الذي يؤثر في الصيام ويحصل فساد الصوم بوصول الطعام والدواء إليه هو: الجهاز الهضمي، أو ما جاوز الفم والبلعوم من الجهاز الهضمي (المعدة، والأمعاء).
يقول الدكتور محمد علي البار (٢): «والجهاز الهضمي هو على الحقيقة: