Полный текст (144 стр.). Показаны 106–144 · переход к 111.
стр. 106
وصحِبوه ﷺ ، كما ذكر ذلك في تعريف الصحابيِّ الذي ذكره في أوَّل رسالته، وذكر ذلك أيضاً في آخرها، وأثنائها، وسبقت الإجابةُ عن ذلك فيما مضى مراراً.
ثالثاً: ما ذكره من أنَّ مَن أُضيفت إليه الصُحبة وليست صحبتُه شرعية، أنَّ صحبتَه شبيهةٌ بصُحبة الكفار المنافقين، أقول: سبق أن بيَّنتُ في أوَّل هذا الرَّدِّ أنَّ صُحبةَ هؤلاء للنَّبِيِّ ﷺ كانت مع الإيمان به وتصديقه واتِّباعه ﷺ ، وهذا خلاف صحبة المنافقين والكفار، وبناءً على هذا أقول: أَيَجوز في عقل ودين أن تكون تلك الألوف الكثيرةُ مِمَّن أسلم وصحِب النَّبِيَّ ﷺ بعد الحديبية إلى حين وفاته ﷺ أن تكون صُحبتُهم كصحبةِ الكفار والمنافقين، وفيهم العباس عم النَّبِيِّ ﷺ وابنه عبد الله وخالد بن الوليد وعمرو بن العاص ومعاوية، بل والمغيرة بن شعبة ـ وهو من أهل بيعة الرضوان ﵃ جميعاً؟! وسبق للمالكيِّ أن نفى صُحبتَهم للرسول ﷺ ، ونقلتُ كلامَه في ذلك ورددتُ عليه فيما مضى.
رابعاً: قوله في أول كلامه: ((كما أنَّه من حقِّنا أن نبيِّن رأينا في هذه الاعتراضات، سواء كانت بحقِّ أم بغيره)) ، أقول: إذا كانت الاعتراضات بحقٍّ، فإنَّ الإجابةَ عليها بغير الرجوع والتسليم من المجادلة بالباطل.
* * *
فهمه الخاطئ للصُّحبة الشرعيَّة والرد عليه:
وقال في (ص:٥٧ ـ ٥٩) : ((٢ ـ وماذا تعنِي بالصُّحبة الشرعية؟ وهل سبقك أحدٌ إلى هذا المُسمَّى؟
الجواب: الصُّحبة الشرعية هي تلك الصُّحبة التي أثنى عليها الله ورسولُه ﷺ -
стр. 107
جزماً، ونزلت الآيات في وصفِها، وكانت أيَّام الضَّعف والذِّلَّة، أيَّام حاجة الإسلام والنَّبِيّ إلى النُّصرة، تلك الصُّحبة التي إن ورد الثناء على الأصحاب أو الأمر بعدم سبِّهم أو الأمر باقتداء بهم فلا تنصرف هذه المعاني إلاَّ للصُّحبة الشرعية، وهذا لا يعنِي عدم الثناء على الصالحين في أيِّ زمن، وإنَّما يعني احترام خصوصية السابقين الذين فضَّلهم الله ورسولُه وهم المهاجرون والأنصار.
أمَّا هل سبقنِي أحدٌ إلى هذه التسمية، فهذا سؤال له جوابان: عام وخاص:
أمَّا العام: فهناك كثيرٌ من المصطلحات أعطاها الشرعُ دلالةً خاصَّة غير دلالتها الأولى، وعلى سبيل المثال مصطلحات الزكاة والصلاة والحج، فمعانيها من حيث اللغة الطهارة أو التطهُّر والدعاء والقصد ... لكن الإسلام بنصوص الكتاب والسنة قد أعطى هذه المعاني دلالات أخرى مع عدم نفي الدلالات السابقة، فالحجُّ قصدٌ لكن إلى بيت الله الحرام
لأداء شعائر معيَّنة، والزكاة تُطهِّر مالَ المزكى وتطَهِّر المزَكِّي من الإثم، ونحو هذا.
بمعنى أنَّ الشرعَ يضيف تقييدات على المصطلحات العامة ليُصبح
لها مدلولاً شرعيًّا مقيَّداً (كذا) بعد أن كان المدلول مشتركاً لفظيًّا أو يكثر فيه المجازات اللغوية، فكذلك الصُّحبة، إذا قال النَّبِيُّ ﷺ : (لا تسبُّوا أصحابي ... ) عرفنا أنَّ كلمة (أصحابي) في هذا الحديث لا تعنِي إلاَّ السابقين من المهاجرين أو الأنصار؛ بدلالة أنَّ المخاطب صحابي تأخر إسلامه إلى بعد الحديبية، وهو يدخل في الخطاب بطريق الأولى، وكذلك إذا وجدنا آيةً تُثني على (الذين معه) أي الذين مع الرسول ﷺ ، فلا
стр. 108
تنصرف إلاَّ إلى الصُّحبة الشرعية؛ بدلالة الآيات الأخرى التي تقتصر على (المهاجرين والأنصار) ، وهذا يعنِي أنَّ كلمة (الذين معه) كلمة مُجملة مفسرة بـ (المهاجرين والأنصار) ، والقرآن مفسِّرٌ بعضه بعضاً.
وأمَّا الجواب الخاص: نعم! قد سبقنِي بعضُ الباحثين لإطلاق هذا، ومع ذلك فلا أطلب من أحدٍ أن يلتزم بهذا الإطلاق (الصُّحبة الشرعية) ، لكن عليه إن أثنى على الصحابة ألاَّ ينزل هذا الثناء إلاَّ على مَن أنزله الله ورسوله عليه من المهاجرين والأنصار فقط، أمَّا أن يأتي وينزل الآيات والأحاديث في فضل بيعة الرضوان على الطلقاء أو مَن بعدهم فهذا خلاف المنهج العلمي.
وقد سبقنِي لكن بألفاظ مقاربة بعضُ العلماء، منهم إبراهيم النخعي وابن عبد البر، ومن المعاصرين الشيخ عبد الرحمن الحكمي، فهو يرى أنَّ مَن أسلم بعد بيعة الرضوان لا يدخل في مسمى الصحابة، وعنده بحث في الموضوع عندي نسخة منه.
ثمَّ أقول: مَن سبقكم إلى اعتبار الآيات الكريمة التي وردت في حقِّ المهاجرين والأنصار، من سبقكم إلى اعتبارها نازلة فيمَن بعدهم؟!
ثمَّ لا يُشترط أن يسبق في الموضوع أحدٌ ما دام للموضوع أدلَّته وبراهينه، فينطلق النَّقد على تلك البراهين والأدلة، ولا ينطلق على غير ذلك، وكلمة (مَن سبقك) ليس دليلاً؛ فقد أطلق المتأخرون ألفاظاً أو مصطلحات لَم تكن موجودة فيهم قبلهم، مثل التفسير والتجويد والمصطلح نفسه وأصول الفقه والخاص والعام والمطلق والمقيد ونحو ذلك من الألفاظ التي لَم تكن موجودة في عهد النَّبِيِّ ﷺ ولا القرن الأول)) .
стр. 109
ويُجاب عن إجابته عن هذا الاعتراض الذي أورده على نفسه بما يلي:
أولاً: ما أشار إليه من الأدِلَّة الدَّالَّةِ على الثناءِ على المهاجرين والأنصار، فذلك حقٌّ وهم أهل ذلك الفضل، لكن ذلك لا ينفي أن يكون غيرُهم من أهل الفضل.
ثانياً: ما أشار إليه من أدلَّة عامَّة فيها الثناء على الذين كانوا مع النَّبِيِّ ﷺ ، وأنَّها محمولةٌ على المهاجرين والأنصار فقط غير صحيح؛ بل هي تشمل المهاجرين والأنصار وغيرهم مِمَّن جاء بعدهم، والمهاجرون والأنصار داخلون فيها دخولاً أوَّليًّا، ولا يجوز للمالكيِّ أن يَحقِدَ على أحدٍ من الصحابةِ، ولا أن يَحملَه الحِقدُ على كثير من الصحابة كالطُّلقاء أن يَجعلَ ما ورد عامًّا لجميع الصحابة خاصًّا بالمهاجرين والأنصار.
ثالثاً: ما ذكره من اللَّوم لِمَن ينزِّل الآيات والأحاديث في فضل بيعة الرِّضوان على الطلقاء أو من بعدهم، أقول: لا يُتصوَّر تنزيل قول الله : ﴿لَقَدْ رَضِيَ الله عَنِ المُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ مثلاً على أحدٍ سواهم من الطلقاء وغيرهم، كما أنَّ الفضائلَ الخاصَّة بأهل بدر لا تُنزَّل على مَن سواهم، لكنَّه التهويل من هذا المالكي هداه الله.
رابعاً: ما أشار إليه من أنَّ كثيراً من المصطلحات أعطاها الشرعُ دلالةً خاصَّةً غير دلالتها الأولى، أقول: نعم! الأمر كذلك، لكن لا يجوز أن يُفهم فهمٌ خاطئ بقَصْر الصُّحبة المحمود أهلها على المهاجرين والأنصار قبل الحديبية وإضافة ذلك إلى الشرع، كما فعل المالكي؛ فإنَّ الصُّحبةَ في اللغة عامَّةٌ تشملُ القليلَ والكثيرَ، وتشمل المؤمنين والمنافقين والكفار، ولكن صُحبة الرسول ﷺ قد جاء الشرع بقصْرها على مَن آمن به واتَّبعه مِمَّن
стр. 110
لقيه وصحبه، وسبق أن مرَّ في الأدلة في أوَّل هذا الرَّدِّ ما يوضح ذلك.
خامساً: ما ذكره من أنَّ الصُّحبةَ حيث وردت تُقصَر على المهاجرين والأنصار قبل الحديبية، يُجاب عنه بأنَّ لفظَ الصُّحبة مثل لفظ الإيمان يشترك فيه كلُّ مؤمن ومسلم مع التفاوت الكبير بينهم فيه، وكذلك الصُّحبة يشترك فيها كلُّ صحابيٍّ طالت صُحبتُه أو قصُرت مع التفاوت الكبير بين الصحابة في الفضل، ونظير ذلك في المحسوسات البصر، فإنَّ أهلَه متفاوتون فيه، منهم مَن هو حادُّ البصر يرى الهلال، ويرى من مسافات بعيدة، ويرى الشيءَ الدَّقيق، ومنهم مَن دون ذلك، ومنهم مَن هو ضعيف النَّظر لا يرى إلاَّ الشيءَ القريب والشيء الكبير، ومنهم مَن يُبصرُ الخطَّ الدقيق، ومنهم من لا يُبصر إلاَّ بزجاجة، وهم مشتركون جميعاً في أنَّهم مُبصرون ليسوا من أهل العمى، وسبق أن مرَّ الكلامُ على حديث: ((لا تسبُّوا أصحابي)) عند ذكر المالكي خالد بن الوليد وأنَّه ليس من الصحابة بزعمه.
سادساً: هذا الرأي الفاسد للمالكي وهو قَصْر الصُّحبة على المهاجرين والأنصار قبل الحديبية لَم يَجد له سلفاً فيه خلال ما مضى من قرون مع حِرصِه الشديد على وجود سلف، وقد أعلن إفلاسَه من وجود سلف بقوله هنا بأنَّه سبقه إلى ذلك شخصٌ من المعاصرين، وهو عبد الرحمن الحكمي، أمَّا ما ذكره عن النخعي وابن عبد البر فلَم يذكر كلامَهما حتى يُمكن النَّظر فيه من حيث الثبوت ومن حيث المعنى، وقوله: ((وقد سبقنِي لكن بألفاظ مقاربة بعضُ العلماء، منهم إبراهيم النخعي وابن عبد البر)) ، أقول: تعبيره بقوله: ((بألفاظ مقاربة)) يدلُّ على عدم اطمئنانه إلى معنى ما عزاه إليهما.
стр. 111
سابعاً: قوله: ((ثمَّ لا يُشترط أن يسبق في الموضوع أحدٌ ما دام للموضوع أدلَّته وبراهينه، فينطلق النَّقد على تلك البراهين والأدلة، ولا ينطلق على غير ذلك)) ، أقول: كان الأوْلَى بالمالكيِّ بدلاً من اللُّجوء إلى هذا الكلام عند إفلاسِه أن يتَّهم رأيَه ويقتدي ببعض أهل بيعة الرِّضوان الذين لَم يرتاحوا إلى بعض شروط الصُّلح وراجعوا النَّبِيَّ ﷺ في ذلك، وكانوا فيما بعد يقولون: يا أيها الناس! اتَّهموا الرأي في الدِّين، والأدلَّة التي أشار إليها قد فهمها السَّلفُ فهماً صحيحاً، فلم يقصروها على المهاجرين والأنصار قبل الحديبية، والواجب الاعتماد على نصوص الكتاب والسنَّة وفقاً لفهم السلف، وكان الأليقُ بالمالكي أن يستحيي مِن ذِكر هذا الرأي الفاسد الذي لَم يسبقه إليه إلاَّ عبد الرحمن الحكمي.
ثامناً: أمَّا ما ذكره من حصول مصطلحات جديدة تعود بالنَّفع على العلم وأهله كعلم الأصول وعلم التجويد وعلم المصطلح وغير ذلك، فهذا شيءٌ محمود، وفيه تيسير العلم وتسهيل الوصول إليه، أمَّا ما ابتلي به المالكي من فهم خاطئ للنصوص وقصره الصُّحبة على المهاجرين والأنصار قبل الحديبية فلا علاقة له في تلك المصطلحات، وإنَّما هو من الإحداث في الدِّين والتنكُّب عن سبيل المؤمنين.
* * *
زعمه أنَّ الإجماعَ لا بدَّ فيه من اتِّفاق أمَّة الإجابة بفِرَقِها المختلفة والرد عليه:
قال في (ص:٥٩) : ((٣ ـ قد يُقال: إنَّ تقييدَك للصحبة بـ (المهاجرين والأنصار) خلاف الإجماع الذي استقرَّ عليه المحدثون من (اعتبار كل من لقي النَّبِيَّ ﷺ مؤمناً به ومات على الإسلام فهو صحابي)) ) .
стр. 112
وقد أجاب عن هذا الاعتراض بنفي وجود الإجماع، وأورد تساؤلات على هذا الاعتراض، آخرها قوله في (ص:٦٠ ـ ٦١) : ((هل ما استقرَّ عليه المحدِّثون يُعدُّ إجماعاً حتى لو خالف في ذلك الأصوليُّون؟! بل هل ما أجمع عليه أهلُ السنَّة يُعدُّ إجماعاً معتبراً أم لا بدَّ من إجماع كل أمَّة الإجابة؟! فهذا سؤال يحتاج لبحث منفصل.
كل هذه الأسئلة بحاجة إلى بتٍّ فيها، ولا يحتمل هذا البحث الإجابة عليها؛ لكون كاتب هذا البحث لَم يبحثها بحثاً يرضى عنه، ولا يريد أن يتكلَّم بما لا يعلم فيقع في المحظور الذي حذَّر منه، وأنا أدعو إخواني للبحث المنصف فقط، أو محاولة ذلك على الأقل، مع التواضع في الاعتراف بالقصور في العلم)) .
وعلَّق على قوله: ((فهذا سؤال يحتاج لبحث منفصل)) بقوله: ((لأنَّ أقوى دليل للذين يرون الإجماع هو الحديث المشهور: (لا تجتمع أمَّتي على ضلالة) ، والحديث وإن كان فيه كلام من حيث الثبوت، لكن (الأمة) فيه لا تعني بعض الأمة، وإنَّما كل أمة الإجابة، كل المسلمين باختلاف مذاهبهم الفقهية والعقدية والسياسية، ومَن زعم بأنَّ النَّبِيَّ ﷺ أراد من (أمتي) أنَّها تعني المحدثين أو أصحاب المذاهب الأربعة فقد جازف ... !!)) .
ويُجاب عن ذلك بما يلي:
أوَّلاً: أنَّ تعريف الصحابي بأنَّه مَن رأى النَّبِيَّ ﷺ أو صحبه ثبت بأدلَّة سبق أن أوردتُ جملة منها في أول هذا الرَّد، وذلك كافٍ لاعتبار هذا التعريف، سواء أحصل فيه الإجماع أم لَم يحصل.
ثانياً: أنَّ الإجماعَ منعقدٌ على بطلان الرأي الفاسد للمالكي، وهو
стр. 113
قصْره الصُّحبة على المهاجرين والأنصار قبل الحديبية؛ بدليل أنَّ المالكي لَم يجد له سلفاً في هذا الرأي إلاَّ مَن سَمَّاه: عبد الرحمن الحكمي.
ومِن الذين أخرجهم تعريفُ الصحابي عند المالكي: العباس بن عبد المطلب وابنه عبد الله وخالد بن الوليد وأبو هريرة وأبو موسى الأشعري وعمرو بن العاص ومعاوية وغيرهم، وهم صحابة بإجماع العلماء على مختلف العصور، لَم يخالف في ذلك إلاَّ المالكي وقدوته الحكمي!
ثالثاً: إنَّ كلامَه واضحٌ في أنَّ الإجماع لايَتِمُّ إلاَّ باتِّفاق أهل السنَّة والجماعة وسائر فرق الضلال، ومقتضى ذلك نفي وجود الإجماع أصلاً؛ لأنَّه من المستحيل اتِّفاق أهل السنَّة وأصحاب البدع والأهواء على أمر عقدي، ولا شكَّ أنَّ الذين يُعتبر إجماعهم هم أهل السنَّة والجماعة دون غيرهم من أهل الأهواء، وقد بيَّن ذلك رسول الله ﷺ عندما ذكر افتراق الأمَّة ـ وهم أمَّة الإجابة ـ على ثلاث وسبعين فرقة ((كلُّها في النار إلاَّ واحدة)) ، وهم من كان على ما كان رسول الله ﷺ عليه وأصحابُه، فبيَّن أنَّ هؤلاء هم النَّاجون، فيكون الإجماع المعتبَر هو إجماعهم، ومن العجب أن يزعم زاعمٌ أنَّه لا بدَّ في الإجماع من اتِّفاق الفرق الثلاث والسبعين باختلاف مذاهبها الفقهية والعقدية والسياسية!
ومقتضى ذلك أنَّه لا بدَّ من اتِّفاق من يقول: إنَّ القرآن مخلوقٌ، ومن يقول: إنَّ القرآن غير مخلوق، واتفاق من يُثبِت عذاب القبر ومن يُنكره، واتِّفاق مَن يُثبت معراج رسول الله ﷺ إلى السماء ومن يُنكره، واتِّفاق مَن لا يدعو إلاَّ الله ولا يستغيث إلاَّ به ومن يدعو أو يستغيث بالملائكة والجنِّ وأصحاب القبور، واتِّفاق مَن يعتقد أن الله يُرى في الدار الآخرة ومن يعتقد أنَّه لا يُرى أبداً!
стр. 114
ورؤية الله في الدار الآخرة اتَّفق عليها الصحابة ومَن تبعهم بإحسان على تتابع القرون، ودلَّت عليها آيات الكتاب العزيز والأحاديث المتواترة، وأنكرها الجهمية والمعتزلة والخوارج والرافضة والباطنية، فعلى قول المالكي لا بدَّ في الإجماع من موافقة هذه الفرق، وإلاَّ فإنَّها تبقى مسألة خلافية لا إجماع فيها!
ومن أراد الوقوف على تفصيل القول في مسألة رؤية الله في الدار الآخرة وذِكر الأدلة من الكتاب والسنة يُمكنه ذلك بالرجوع إلى كتب أهل السنة، ومن ذلك كتاب ((حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح)) لابن القيم (ص:١٧٩ ـ ٢١٩) .
رابعاً: ما ذكره المالكي من أنَّ هذه التساؤلات التي ذكرها تحتاج إلى بتٍّ فيها ولا يحتمل هذا البحث الإجابة عليها، أقول: لقد بادر بالإجابة كما هو واضح من كلامه الذي يرى فيه أنَّ الإجماع لا بدَّ فيه من اتَّفاق كلِّ المسلمين على اختلاف مذاهبهم الفقهية والعقدية والسياسية!
خامساً: قوله: ((وأنا أدعو إخواني للبحث المنصف فقط، أو محاولة ذلك على الأقل، مع التواضع في الاعتراف بالقصور في العلم!)) ، أقول: ما أحوج المالكي إلى الإنصاف والتواضع ومعرفة قدر نفسه؛ ليَسْلَم من الشذوذ واتباع غير سبيل المؤمنين.
سادساً: ما ذكره من أنَّ الإجماع لا بدَّ فيه من اتِّفاق أمَّة الإجابة باختلاف مذاهبهم الفقهية والعقدية والسياسية، فيه احتفاؤه بأهل البدع والأهواء على اختلافها وتعدُّدها مع نيله من أهل السنَّة، ومن كلامه بالإشادة بأهل البدع والأهواء قوله في قراءته (ص:٧٠) : ((ولذلك كان أكثر بل كل التيارات التي نَصِمها بالبدعة كالجهمية والقدرية والمعتزلة
стр. 115
والشيعة والزيدية وغيرهم، كل هؤلاء كانوا من الدعاة إلى تحكيم كتاب الله وتحقيق العدالة، وكانوا من الآمرين بالمعروف الناهين عن المنكر!!)) .
وقال أيضاً (ص:٧٥) : ((لكن المعتزلة مثل غيرهم مِن الفرق أصابوا في أشياء وأخطؤوا في أشياء، لكنهم في الجملة لا يستغنى عنهم ولا عن تراثهم وعلومهم، وهم مسلمون متديِّنون بدين الإسلام باطناً وظاهراً!!!)) .
وقال أيضاً (ص:٦٧) : ((وللقدرية نصوص شرعية يستشهدون بها مثلما للسنة والشيعة والمعتزلة نصوص شرعية يرون فيها الدليل الكافي على ما يذهبون إليه!!!)) .
ومن ذلك قوله في (ص:٦٩ ـ ٧٠) من قراءته بأنَّ قتلَ الجعد بن درهم والجهم بن صفوان كان سياسياً ولَم يكن من أجل البدعة!!
وأيضاً تأسفه (ص:٧١) من قراءته على سنوات أضاعها في بُغض ولعن الجهمية والقدرية، وأنَّه لَم يتنبَّه لبراءتهما وظلمه لهما إلاَّ بعد بحثه في الموضوع في فترة متأخرة!
وقال في (ص:٨٣) من قراءته: ((وقد احتوت كتبُ العقائد ـ ومن أبرزها كتب عقائد الحنابلة ـ على كثير من العيوب الكبيرة التي لا تزال تفتك بالأمَّة!!!)) .
مع هذا ومع وصفه أيضاً في قراءته (ص:٨٠ ـ ٨١) للكتب المؤلفة في العقائد بأنَّها تمزِّق المسلمين، وذِكره أمثلة كثيرة للكتب التي عوَّل عليها الحنابلة في العقيدة وهي كثيرة، منها كتاب التوحيد لابن خزيمة والشريعة للآجري وأصول السنة للالكائي وكتب ابن تيمية وابن القيم، مع ذلك يقول في (ص:١٥٤) من قراءته: ((أنا لا أرى معنى لمنع كتب الأشاعرة
стр. 116
والشيعة والإباضية وغيرهم من المسلمين من دخول المملكة في ضوء هذا التفجُّر المعرفي!!!)) .
فقد جمع في ذلك بين التهوين من شأن كتب أهل السنة والإشادة بكتب غيرهم، فاستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير!
وكتاباته مبنيَّةٌ على النَّيل من أهل السنة، بدءاً من الصحابة ﵃ حتى مَن كان في هذا العصر على طريقتهم في المملكة وغيرها، ومع ذلك يزعم أنَّه حنبليٌّ، وأنَّه نشأ في هذه البلاد وتعلَّم فيها، فيقول في (ص:١٤٩) من قراءته: ((بل لا أعتبر نفسي إلاَّ حنبليًّا؛ بحكم النشأة والتعليم والبيت والتلقي والطريقة في الاستدلال)) .
أقول: ما زعمه مِن اعتبار نفسه حنبليًّا وأنَّه على طريقتهم في الاستدلال غير صحيح؛ لأنَّ طريقةَ مَن زعم أنَّه منهم ـ وليس منهم ـ هي طريقة أهل السنة والجماعة، وأمَّا هو فطريقته طريقة أهل البدع.
وأما ما ذكره من النَّشأة والتعلم، ثمَّ انحرافه عمَّا تعلَّمه، وعقوقه لِمَن علَّمه، فإنَّه يصدق عليه قول الشاعر:
... فوا عجباً مِمَّن ربَّيتُ طفلاً أُلَقِّمُه بأطراف البنان
... أعلِّمُه الرِّمايةَ كلَّ يوم فلمَّا اشتدَّ ساعِدُه رمانِي
... وكم علَّمتُه نظمَ القوافي فلمَّا قال قافيةً هَجَانِي
وقال في (ص:١٢٢) من قراءته: ((وتتردَّد عندنا في العقائد ألفاظ كثيرة ومصطلحات فضفاضة لا نعرف معناها، أو على الأقل يختلف الناس في تحديدها من شخص لآخر، فنُطلقها بلا تحديد، مثل: (السلف الصالح ـ أهل السنة ـ أهل الأثر ـ أهل الحديث ـ الطائفة المنصورة ـ البدعة ـ الإجماع ـ
стр. 117
الضلالة ـ الأمة ـ علماء الأمَّة ـ الرافضة ـ الجهمية ـ الخوارج ـ النواصب ـ الشيعة ـ الكتاب ـ السنة ... إلخ) ، وكذلك قول بعضهم: (عليك بما كان عليه الصحابة) ، نصيحة مطاطة؛ فإن كان يعرف أنَّ الصحابةَ قد اختلفوا في أمور كثيرة عقدية وفقهية وسياسية، فأيُّهم نتبع؟!!)) .
أقول: إنَّ الذي أرشد إلى اتِّباع ما كان عليه الصحابة هو رسول الله ﷺ ، بقوله ﷺ في بيان الفرقة الناجية من ثلاث وسبعين فرقة: ((هم من كان على ما أنا عليه وأصحابي)) ، وفي لفظ: ((هي الجماعة)) ، وبقوله في حديث العرباض بن سارية: ((فإنَّه مَن يَعِش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسُنَّتِي وسُنَّة الخلفاء الراشدين المهديِّين من بعدي)) الحديث، والصحابةُ ﵃ لَم يختلفوا في العقيدة.
ومِثْل اختلاف عائشة وابن عباس ﵄ في رؤية النَّبِيِّ ﷺ ربَّه ليلة المعراج لا يُعدُّ خلافاً في العقيدة؛ لدلالة الآيات الكثيرة والأحاديث المتواترة وإجماع أهل السنة والجماعة على ثبوت رؤية الله في الدار الآخرة، وقد مرَّت الإشارة إلى ذلك قريباً.
ويَصف المالكيُّ كثيراً من علماء السنَّة بأنَّهم نواصب، فيقول في (ص:١٣٤) من قراءته بعد أن أشار إلى جملة منهم: ((ثمَّ تتابع علماءُ الشام كابن تيمية وابن كثير وابن القيم على التوجس من فضائل علي وأهل بيته وتضعيف الأحاديث الصحيحة في فضلهم مع المبالغة في مدح غيرهم!!
وعلماء الشام ـ مع فضلهم ـ بشرٌ لا ينجون من تأثير البيئة الشامية التي كانت أقوى من محاولات الإنصاف، خاصَّة مع استئناس هؤلاء بالتراث الحنبلي الذي خلَّفه لهم ابن حامد وابن بطة والبربهاري وعبد الله بن أحمد والخلال وأبو بكر بن أبي داود!!)) .
стр. 118
ومثل ذلك قوله في (ص:٤٨) : ((ثمَّ جاء بعد هؤلاء آل تيمية بحرَّان ثمَّ دمشق، وابن كثير إلى حدٍّ كبير، والذهبي إلى حدٍّ ما، أما ابن تيمية فاشتهر عنه النَّصب، وكُتُبُه تشهد بذلك، ولذلك حاكَمه علماء عصره على جملة أمور، منها بغضُ علي!!
ولَم يُحاكموا غيرَه من الحنابلة مع أنَّ فيهم نصباً وَرثوه عن ابن بطة وابن حامد والبربهاري.
والتيار الشامي العثماني له أثر بالغ على الحياة العلمية عندنا في الخليج، وهذا من أسرار حساسيتنا من الثناء على الإمام علي أو الحسين، وميلنا الشديد لبَنِي أمية، فتنبَّه!!
والنواصب لهم أقوال عجيبة كغلاة الشيعة، فمنهم مَن كان ينشد الأشعار التي قيلت في هجاء النَّبِيِّ ﷺ ، ومنهم من يلعن عليًّا وهم الأكثر، ومنهم من يتَّهم عليًّا بمحاولة اغتيال النَّبِيِّ ﷺ ، ومنهم من يُحرِّف الأحاديث في فضله إلى ذمٍّ، وغير ذلك مِمَّا لا أستحلُّ ذكره، والغريب في أمرنا سكوتنا عن هذه الطائفة التي كان منها من يذم النَّبِيَّ ﷺ نفسَه!!!)) .
وهكذا يُبالِغ المالكي بالجفاء في أهل السنَّة والنَّيل بالباطل منهم ومن كتبهم، مع إشادته بأهل البدع والأهواء، وليس بغريب على مَن لَم يسْلَم منه أصحابُ رسول الله ﷺ أن يَسْلَم منه مَن جاء بعدهم على طريقتهم، فقد مرَّ في أثناء هذا الرَّدِّ نيلُه من كثير منهم، لا سيما الطلقاء، وإخراجُه كلّ مَن أسلم وصحب النَّبِيَّ ﷺ بعد الحديبية أن يكونوا من أصحابه ﷺ ، وقد قال الله : ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ المُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ .
стр. 119
وقد نقلتُ في كتابي: ((فضل أهل البيت وعلو مكانتهم عند أهل السنة والجماعة)) جملةً من النقول عن بعض مَن وصفهم بأنَّهم نواصب تشتمل على توقير أهل بيت النَّبِيِّ ﷺ ومحبَّتهم وموالاتهم، والنقل عن ابن كثير (ص:٣٧) وعن ابن القيم (ص:٣٥) ، وأمَّا الذهبي فقد قال في تذكرة الحفاظ (١/٩) : ((علي بن أبي طالب أبو الحسن الهاشمي، قاضي الأئمَّة وفارس الإسلام وخَتَن المصطفى ﷺ ، كان مِمَّن سبق إلى الإسلام ولَم يَتَلَعْثَم، وجاهد في الله حقَّ جهاده، ونهض بأعباء العلم والعمل، وشهد له النَّبِيُّ ﷺ بالجنَّة، وقال: (من كنت مولاه فعلي مولاه) ، وقال له: (أنت منِّي بِمنزلة هارون من موسى، إلاَّ أنَّه لا نبِيَّ بعدي) ، وقال: (لايحبُّك إلاَّ مؤمن ولا يُبغضك إلاَّ منافق) ، ومناقب هذا الإمام جَمَّة أفردتُها في مجلد، وسَمَّيتُه بـ (فتح المطالب في مناقب علي بن أبي طالب ﵁ ، وكان إماماً عالِماً متحرِّياً في الأخذ؛ بحيث إنَّه يستحلف مَن يُحدِّثه بالحديث)) .
أَفَمِثل هذا الكلام يقوله ناصبيٌّ، كما زعم المالكي؟!
وأمَّا شيخ الإسلام ابن تيمية الذي له نصيبٌ كبير من حقد المالكي وذمِّه، والذي زعم زوراً أنَّه يُبغض عليًّا ﵁، فله كتاب ((فضل أهل البيت وحقوقهم)) ، وهو مطبوع، ونقلتُ عن هذا الإمام عدَّةَ نقول في كتابي المشار إليه في (ص:٣٣ ـ ٣٥) ، و (ص:٤٤) ، ومن ذلك قوله ﵀ في العقيدة الواسطية: ((ويُحبُّون (يعني أهل السُّنَّة والجماعة) أهلَ بيت رسول الله ﷺ ويتوَلَّوْنَهم، ويحفظون فيهم وصيَّة رسول الله ﷺ حيث قال يوم غدير خُمّ: (أُذكِّرُكم الله في أهل بيتِي) ... )) إلى أن قال: ((ويتبرَّؤون من طريقة الروافض الذين يُبغضون الصحابةَ ويَسبُّونَهم، وطريقةِ النَّواصب الذين يُؤذون أهلَ البيت بقول أو عمل)) .
стр. 120
وقال في مجموع الفتاوى (٢٨/٤٩١) : ((وكذلك أهل بيت رسول الله ﷺ تجبُ مَحبَّتُهم وموالاتُهم ورعايةُ حقِّهم)) .
وقال في منهاج السنة (٦/١٨) : ((وأمَّا عليٌّ ﵁، فأهل السُّنَّة يُحبُّونَه ويتولَّونه، ويشهدون بأنَّه من الخلفاء الراشدين والأئمة المهديِّين)) .
وقول المالكي في كلامه الأخير عن النواصب: ((والغريب في أمرنا سكوتنا عن هذه الطائفة التي كان منها من يذم النَّبِيَّ ﷺ نفسَه!!!)) ، أقول: تقدَّمت الإشارة إلى مذهب أهل السنَّة وبراءتهم من النَّصب، ونحن لَم نسكت عمَّن ذمَّ علماء أهل السنَّة على مختلف العصور، وذمَّ قبلهم الكثيرين من أصحاب الرسول ﷺ ، فكيف نسكت عمَّن يهجو الرسول ﷺ أو يذمُّه؟!
ولشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كتاب مفيد اسمه: ((الصارم المسلول على شاتم الرسول)) .
* * *
إنكاره القول بعدالة الصحابة والرد عليه:
وقال في (ص:٦١ ـ ٦٣) : ((٤ ـ قد يقول قائل: كيف تناقش مسألة عدالة الصحابة وهي مسألة إجماع؟! ثمَّ مَن نحن حتى نعرف هل الصحابة عدول أم لا؟! ثمَّ ماذا تفعل بتعديل الله لهم في كتابه؟
هل لك اعتراض على ذلك؟
أقول: أولاً: هذه أسئلة مُكابر وليست أسئلة باحث عن الحقيقة، وللأسف أنَّ هذا النمط من الأسئلة هي المنتشرة اليوم، وهي ممقوتة عند
стр. 121
العقلاء الذين يحترمون البحث العلمي، ويمكن الإجابة على مثل هذه الأسئلة المكابرة بأسئلة مثلها، فيقال: كيف تخصُّون الصحابة بالعدالة مع أنَّ هذا التخصيص لَم يَرد عليه دليل لا من كتاب ولا من سنة؟! وهذه مسألة إجماع؛ فحكم الصحابة هو حكم غيرهم في الشهادة، لقوله تعالى: ﴿وليشهد به ذوا عدل منكم﴾ (كذا) ، فلو كان للصحابة خصوصية لكفى شاهد واحد عدل، ولو كان للصحابة خصوصية لاكتفى منهم بشاهد واحد في الزنا والقذف وغيرها، وهذا خلاف الإجماع؛ فإنَّ النصوص القرآنية والحديثية لا تفرق في الشهادة بين صحابي وتابعي، فلماذا تفرقون أنتم في الرواية بين الصحابي وغير الصحابي، فلا تبحثون عن عدالة الصحابي وتبحثون عن عدالة التابعي؟!
بأيِّ دليل من شرع أو عقل يُبيح لكم هذا التفريق؟! إذا كنتم تحتجُّون بأنَّ الله أثنى على الصحابة في كتابه، فهذا الثناء العام معارَض بذمٍّ عامٍّ في القرآن أيضاً)) .
ثمَّ ذكر آيات عديدة فيها الذم العام بزعمه، وذكر بعدها حديثاً واحداً وأشار إليه وإلى كثير من الآيات التي ذكرها، فقال: ((ومن الأحاديث في الذمِّ العام قول النَّبِيِّ ﷺ في أحاديث الحوض في ذهاب أفواج من أصحابه إلى النار، فيقول النَّبِيُّ ﷺ : (أصحابي! أصحابي! فيُقال: لا تدري ما أحدثوا بعدك) الحديث متفق عليه، وفي بعض ألفاظه في البخاري: (فلا أرى ينجو منكم إلاَّ مثل همل النعم) .
فيأتي المعارِض للثناء العام بهذا الذَّمِّ العام، ويقول: كيف تجعلون للصحابة ميزة وقد أخبر النَّبِيُّ ﷺ أنَّه لا ينجو منهم إلاَّ القليل، وأنَّ البقيَّة يؤخذون إلى النار؟!
стр. 122
وكيف أنَّهم استمتعوا بخلاقهم كما استمتع الذين من قبلهم بخلاقهم، وقد تحبط أعمالهم كما حبطت أعمال الأمم الماضية، وأنَّهم يقولون ما لايفعلون، وأنَّ هذا يعقبه مقتٌ كبير عند الله، وأنَّهم يتثاقلون كلَّما دُعوا إلى الجهاد مع النَّبِيِّ ﷺ ، وأنَّهم يتَّكلون على كثرتهم وتعجبهم، وينسون أنَّ أمر النَّصر والهزيمة بيد الله، وأنَّهم يتنازعون ويعصون الرسول، وبعضهم يريد الدنيا، وأنَّهم يظنون بالله الظنون، ويُسِرُّون بالمودَّة إلى الكفار، وهذا خلاف ما أُمروا به من الولاء للمؤمنين والبراءة من المشركين، وحَكم على بعضهم بالكذب، وحَكَم على آخرين بأنَّهم يقولون المنكر والزور، وهدَّد بعضَهم بإبطال الأعمال عندما لا يتأدَّبون مع رسول الله ﷺ ويرفعون أصواتهم فوق صوته، وإذا كان هذا التهديد نزل في حقِّ أبي بكر وعمر فكيف بالباقين؟!
وحَكَم على بعضِهم بأنَّهم لايعقلون، وعلى آخرين بالفسق، وحذر الله النَّبِيَّ ﷺ من طاعتهم في كثيرمن الأمور، فكيف يكون عدلاً مَن تكون طاعته مضرة وإثماً؟!
وأخبر الله عن إخلاف بعضهم للوعد، فيُعاهد الله ثمَّ لا يفي ويتحوَّل إلى منافق، وأخبر بأنَّ من منهم منافقون (كذا) لا يعلمهم النَّبِيُّ ﷺ ، كما أخبر النَّبِيُّ ﷺ أنَّه لا ينجو من أصحابه يوم القيامة إلاَّ القليل (مثل همل النعم) ، كما ثبت في صحيح البخاري ـ كتاب الرقاق.
أقول: يستطيع المحتجُّ على إبطال عدالة الصحابة جملة بمثل هذه الآيات والأحاديث الصحيحة، وحجته لن تكون أضعف من حجَّة القائل بتعديل كلِّ من رأى النَّبِيَّ ﷺ من المسلمين!!
فما الحلُّ إذاً؟! هل القرآن متناقض؛ فيُثنِي على أناسٍ ثمَّ يجرحهم
стр. 123
ويذمُّهم؟ اللهمَّ لا! نعوذ ?الله أن نضرب القرآن الكريم بعضه ببعض، لكن نقول: آيات الثناء تنزل على من يستحقها من المهاجرين والأنصار، وآيات الذَّمِّ بين أمرين: إمَّا عتاب لا ذنب فيه إن شاء الله، مثل الأمر بعدم رفع الصوت فوق صوت النَّبِيِّ ﷺ ، وإمَّا ذمٌّ عام وأريد به الخصوص، يعني أريد به طائفة منهم، وتُعرف هذه الطائفة إمَّا بسبب نزول أو بمعرفة صفتها في آيات أخرى جاء ذكرهم صريحاً، أو على المتأخرين في الإسلام الذين لَم يصدر منهم في عهد النبوة ما يطمئن إلى صحَّة إسلامهم من قوة جهاد وقوة إنفاق!!!)) .
أقول: إنَّ مَن وفقَّه الله لاتِّباع السُّنَّة والسلامة من البدعة، عندما يرى أو يسمع مثل هذا الكلام المُظلِم في حقِّ الصحابة ﵃ يتألَّم قلبُه ويقشعرُّ جِلدُه، ويحمد الله على العافية مِمَّا ابتلي به قائله، ويسأل الله الهدايةَ لهذا المُبتَلَى.
ويُجاب عن كلامه بما يلي:
الأول: ما ذكره عن الأسئلة التي تُورَد على من لا يقول بتعديل الصحابة أنَّها ((أسئلة مُكابر وليست أسئلة باحث عن الحقيقة، وللأسف أنَّ هذا النمط من الأسئلة هي المنتشرة اليوم، وهي ممقوتة عند العقلاء الذين يحترمون البحث العلمي)) ، أقول: التعويل على البحث العلمي بدون قيود وضوابط هي طريقة المستشرقين الذين لا يلتزمون بدين، وهي طريقة أيضاً مَن أُعجب بهم، وأمَّا البحث العلمي في الإسلام، فيكون في حدود النصوص الشرعية وعلى وفق فهم السلف لها.
الثاني: مسألة عدالة الصحابة اتَّفق عليها السلف، قال ابن عبد البر في
стр. 124
التمهيد (٢٢/٤٧) : ((ولا فرق بين أن يُسمِّي التابعُ الصاحبَ الذي حدَّثه أو لا يُسميه في وجوب العمل بحديثه؛ لأنَّ الصحابةَ كلَّهم عدولٌ مرضيُّون ثقاتٌ أثباتٌ، وهذا أمر مجتمعٌ عليه عند أهل العلم بالحديث)) .
وقال القرطبي في تفسيره (١٦/٢٩٩) : ((فالصحابة كلُّهم عدولٌ، أولياء الله تعالى وأصفياؤه، وخِيرتُه من خلقه بعد أنبيائه ورسله، هذا مذهب أهل السنَّة والذي عليه الجماعة من أئمَّة هذه الأمَّة، وقد ذهبت شِرذمةٌ لا مبالاة بهم إلى أنَّ حالَ الصحابة كحال غيرهم، فيلزم البحث عن عدالتهم!!)) .
وقال الحافظ ابن حجر في الإصابة (١/١٧) : ((واتَّفق أهلُ السنَّة على أنَّ الجميعَ عدولٌ، ولَم يخالف في ذلك إلاَّ شذوذ من المبتدعة)) .
وقد أشار السيوطي في تدريب الراوي (ص:٤٠٠) إلى هؤلاء الشذوذ من المبتدعة، فقال: ((وقالت المعتزلة: عدول إلاَّ من قاتل عليًّا)) ، وبهذا يتبيَّن سلفُ المالكي!
وقال أبو عمرو بن الصلاح في علوم الحديث (ص:٢٦٤) : ((للصحابة بأسرهم خصيصة، وهي أنَّه لا يُسأل عن عدالة أحدٍ منهم، بل ذلك أمر مفروغ منه؛ لكونهم على الإطلاق معدَّلين بنصوص الكتاب والسنَّة وإجماع مَن يُعتدُّ به في الإجماع من الأمَّة ... )) إلى أن قال: (ص:٢٦٥) :
((ثمَّ إنَّ الأمَّةَ مجمعةٌ على تعديلِ جميع الصحابة، ومَن لابس الفتنَ منهم فكذلك بإجماع العلماء الذين يُعتدُّ بهم في الإجماع؛ إحساناً للظَّنِّ بهم، ونظراً إلى ما تمهّد لهم من المآثر، وكأنَّ الله أتاح الإجماعَ على ذلك لكونهم نقلة الشريعة، والله أعلم)) .
стр. 125
وقال النووي في شرحه على مسلم (١٥/١٤٩) : ((ولهذا اتَّفق أهلُ الحقِّ ومن يُعتدُّ به في الإجماع على قبول شهاداتهم ورواياتهم وكمال عدالتهم، ﵃ أجمعين)) .
الثالث: ما جاء من نصوص في أهل بدر وأهل بيعة الرضوان والمهاجرين والأنصار فهي دالَّةٌ على فضل هؤلاء وتعديلهم، وما جاء من نصوص عامَّة في الصحابة فهي تدلُّ على فضل جميع الصحابة وتعديلهم، وماجاء من نصوص في فضل هذه الأمَّة فأصحابُ رسول الله ﷺ داخلون فيها دخولاً أوَّلياًّ، هذه طريقةُ أهل السنَّة والجماعة، بخلاف غيرهم من أهل الأهواء والبدع، الذين ابتُلوا بعدم سلامة القلوب والألسنة في حقِّ كثيرٍ من الصحابة ﵃.
الرابع: ما ذكره من الاعتراض على أهل السنة من تعديلهم للصحابة على العموم والبحث في عدالة غيرهم، وقوله: إنَّهم لو كانوا كذلك لاكتفى بشاهدٍ واحدٍ منهم في الزنا وغيره.
أقول: هذا الذي ذكره مكابرةٌ كما وصفه هو نفسه بذلك، وأهلُ السنة يقولون: إنَّ التشريعَ عامٌّ للصحابة وغيرهم، لكن الصحابةُ لا يحتاجون إلى تعديل المعَدِّلين، بعد ثناء الله وثناء رسولِه ﷺ عليهم، بخلاف غيرهم، وليس في القرآن آيةٌ باللفظ الذي ذكره، وهو قولُه: (وليشهد به ذوا عدل منكم) .
الخامس: ما ذكره من إنكار التفريق بين الصحابة وغيرهم في الرواية، في قوله: ((لماذا تُفرِّقون أنتم في الرواية بين الصحابيِّ وغير الصحابيِّ فلا تبحثون عن عدالة الصحابيِّ، تبحثون عن عدالة التابعي؟! بأيِّ دليلٍ من شرعٍ أو عقلٍ يبيح لكم هذا التفريق؟!)) ، يجاب عنه بوجهين:
стр. 126
الأول: أنَّ المعَوَّل على كلامهم في هذا التفريق بين الصحابة وغيرهم هم أهل السنة والجماعة المتَّبعون لنصوص الكتاب والسنَّة، وليس أهل البدع والأهواء، وقال الخطيب البغدادي في الكفاية (ص: ٤٦) : ((كلُّ حديثٍ اتَّصل إسنادُه بين من رواه وبين النَّبِيِّ ﷺ لَم يلزم العمل به إلاَّ بعد ثبوت عدالة رجاله، ويجب النظرُ في أحوالهم سوى الصحابي الذي رفعه إلى رسول الله ﷺ ؛ لأنَّ عدالَةَ الصحابة ثابتةٌ معلومةٌ بتعديل الله لهم، وإخباره عن طهارتهم، واختياره لهم في نص القرآن)) ثمَّ ذكر الآيات والأحاديث في ذلك.
ونقل الخطيب في (ص: ٤١٥) عن أبي بكر الأثرم قال: قلتُ لأبي
عبد الله يعني أحمد بن حنبل: ((إذا قال رجلٌ من التابعين: حدَّثني رجلٌ من أصحاب النَّبِيِّ ﷺ ، فالحديثُ صحيحٌ؟ قال: نعم!)) .
ونقل أيضاً عن الحسين بن إدريس قال: ((وسألتُه يعني محمد بن عبد الله بن عمار: إذا كان الحديثُ عن رجلٍ من أصحاب النَّبِيِّ ﷺ أيكون ذلك حجَّة؟ قال: نعم! وإن لَم يسمِّه؛ فإنَّ جميعَ أصحاب النَّبِيِّ ﷺ كلّهم حجّة)) .
الثاني: أنَّ دواوينَ السنَّة صحاحها وجوامعها وسننها ومسانيدها ومعاجمها وغير ذلك مشتملةٌ على الرواية عن الصحابة على الإبهام، وما ثبت بالإسناد إليهم فهو حجَّةٌ عند أهل السنَّة، ولا تؤثِّر جهالتُهم؛ لأنَّ المجهول منهم في حكم المعلوم.
وما كان في كتب أصحاب الكتب الستة من ذلك أورده المزي في تحفة الأشراف (١١/١٢٣ ـ ٢٤٠) ، وقال في أوَّله: ((فصل: ومن مسند جماعةٍ من الصحابة روي عنهم فلم يُسمَّوْا، رتَّبنا أحاديثهم على ترتيب أسماء
стр. 127
الرواة عنهم)) ، وفيهم مَن روايتُه في صحيح البخاري وصحيح مسلم، وكذا ذكر المزّي المبهمات من الصحابيات مرتِّباً أحاديثهنَّ على ترتيب أسماء الرواة عنهنَّ في (١٣/١١١ ـ ١٢٩) .
السادس: ما أورده من آياتٍ فيها ذمٌّ عامٌّ للصحابة بزعمه، منها آياتٌ في المنافقين، كآية ﴿كَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّة ... ﴾ الآية، كما في تفسير الشوكاني، وكآية ﴿وَمِنْهُم مَنْ عَاهَدَ الله ... ﴾ الآية، كما في تفسير ابن كثير.
السابع: قوله (ص:٦٣) : ((ومن الأحاديث في الذمِّ العامِّ: قول النَّبِيِّ ﷺ في أحاديث الحوض في ذهاب أفواجٍ من أصحابه إلى النَّار، فيقول النَّبِيُّ ﷺ : (أصحابي! أصحابي! فيقال: لا تدري ما أحدثوا بعدك) ، الحديث متفق عليه، وفي بعض ألفاظه في البخاري: (فلا أرى ينجو منكم إلاَّ مثل همل النعم) .
فيأتي المعارِض للثناء العام بهذا الذمِّ العامِّ، ويقول: كيف تجعلون للصحابة ميزةً وقد أخبر النَّبِيُّ ﷺ أنَّه لا ينجو منهم إلاَّ القليلُ، وأنَّ البقيَّةَ يؤخذون إلى النَّار؟!)) .
وقال عن هذا الحديث أيضاً (ص:٦٤) : ((كما أخبر النَّبِيُّ ﷺ أنَّه لا ينجو من أصحابه يوم القيامة إلاَّ القليلُ (مثل همل النعم) ، كما ثبت في صحيح البخاري ـ كتاب الرقاق)) .
ويُجابُ عنه بأنَّ لفظَ الحديث في صحيح البخاري في كتاب الرقاق (٦٥٨٧) عن أبي هريرة ﵁ عن النَّبِيِّ ﷺ قال: ((بينا أنا نائمٌ فإذا زمرةٌ، حتى إذا عرفتُهم خرج رجلٌ من بيني وبينهم، فقال: هلمَّ،
стр. 128
فقلتُ: أين؟ قال: إلى النار والله! قلت: وماشأنُهم؟ قال: إنَّهم ارتدُّوا بعدك على أدبارهم القهقرى، ثمَّ إذا زمرةٌ، حتى إذا عرفتُهم خرج رجلٌ من بيني وبينهم، فقال: هلمَّ، قلتُ: أين؟ قال: إلى النار والله! قلت: ماشأنُهم؟ قال: إنَّهم ارتدُّوا بعدك على أدبارهم القهقرى، فلا أُراه يخْلُصُ منهم إلاَّ مثل همل النعم)) .
قال الحافظ في شرحه: ((قوله: (بينا أنا نائمٌ) كذا بالنون للأكثر، وللكشميهني (قائم) بالقاف، وهو أوجه، والمراد به قيامُه على الحوض يوم القيامة، وتوجه الأولى بأنَّه رأى في المنام في الدنيا ما سيقع له في الآخرة)) ، وقال أيضاً: ((قوله: (فلا أُراه يخْلُصُ منهم إلاَّ مثل همل النعم) يعني من هؤلاء الذين دَنَوْا من الحوض وكادوا يَرِدونه فصُدُّوا عنه)) ، وقال أيضاً:
((والمعنى أنَّه لا يرِدُه منهم إلاَّ القليل؛ لأنَّ الهمل في الإبل قليلٌ بالنسبة لغيره)) .
واللفظُ الذي ورد في الحديث: ((فلا أُراه يخْلُصُ منهم إلاَّ مثل همل النعم)) أي من الزمرتين المذكورتين في الحديث، وهو لا يدلُّ على أنَّ الذين عُرضوا عليه هاتان الزمرتان فقط، والمالكي أورد لفظ الحديث على لفظ خاطئ لَم يرد في الحديث، وبناءً عليه حكم على الصحابة حكماً عاماًّ خاطئاً، فقال فيه: ((وفي بعض ألفاظه في البخاري: (فلا أرى ينجو منكم إلاَّ مثل همل النعم) ، فجاء بلفظ ((منكم)) على الخطاب بدل ((منهم)) ، وبناءً عليه قال: ((كيف تجعلون للصحابة ميزة وقد أخبر النَّبِيُّ ﷺ أنَّه لا ينجو منهم إلاَّ القليل، وأمَّا البقية يُؤخذون إلى النار)) ، وقال: ((كما أخبر النَّبِيُّ ﷺ أنَّه لا ينجو من أصحابه يوم القيامة إلاَّ القليل (مثل همل النعم) ، كما ثبت في صحيح البخاري ـ كتاب الرقاق!!)) ، وهذا كذب على
стр. 129
الرسول ﷺ ؛ فإنَّه لَم يُخبر أنَّ أصحابَه لَم يَنْجُ منهم إلاَّ القليل، ولعل هذا الذي وقع من المالكي حصل خطأً لا عمداً.
وأمَّا ما جاء في بعض الأحاديث مِن أنَّه يُذاد عن حوضه أُناسٌ من أصحابه، وأنَّه يقول ((أصحابي!)) وفي بعض الألفاظ ((أُصيْحابي!)) ، فيُقال: ((إنَّك لا تدري ما أحدثوا بعدك)) ، فهو محمولٌ على القلَّة التي ارتدَّت منهم بعد وفاة النَّبِيِّ ﷺ ، وقُتِلوا في ردَّتِهم على أيدي الجيوش المظفرة التي بعثها أبو بكر الصديق ﵁.
وبعضُ أهل الأهواء والبدع يَحملون هذه الأحاديث على ارتداد الصحابة بعد وفاة النَّبِيِّ ﷺ إلاَّ نفراً يسيراً منهم، وكلام المالكي الذي قال فيه: إنَّه لا ينجو منهم إلاَّ القليل وأنَّ البقيَّةَ يُؤخذون إلى النار شبيهٌ بكلامهم، والحقيقة أنَّ هذه الفرقة الضالَّة الحاقدة على الصحابة وهم الرافضة هي الجديرة بالذَّوْد عن الحوض؛ لعدم وجود سِيمَا التحجيلِ فيها التي جاءت في الحديث في الصحيحين، وهو عند البخاري (١٣٦) من حديث أبي هريرة مرفوعاً: ((إنَّ أمَّتِي يُدعَون يوم القيامة غُرًّا مُحَجَّلين
من آثار الوضوء)) ، ولقوله ﷺ في حديث أبي هريرة: ((ويلٌ للأعقاب من النار)) أخرجه البخاري (١٦٥) ومسلم (٢٤٢) ، ولم أجد في الصحيحين التعبير بذهاب أفواج من أصحاب رسول الله ﷺ إلى النار، كما زعم المالكي، وقد تقدَّم للمالكي أنَّه أخرج كلَّ مَن أسلم وصحب النَّبِيَّ ﷺ بعد الحُديبية إلى حين وفاته ﷺ ، أخرجهم من أن يكونوا صحابة، وأنَّ الصحابةَ عنده وعند قدوته الحكمي هم المهاجرون والأنصار قبل الحديبية فقط، فعلى قوله هنا أنَّه لَم يَنْجُ من الصحابة إلاَّ القليل مثل همل النعم، وأنَّ البقية يؤمر بهم إلى النار، لا ينجو من المهاجرين والأنصار إلاَّ القليل مثل همل النعم!
стр. 130
الثامن: أنَّ قولَ أهل السنَّة والجماعة بعدالة الصحابة لا يعنِي عصمتهم؛ لأنَّ العصمةَ عندهم لا تكون إلاَّ للرُّسُل والأنبياء، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في العقيدة الواسطية (ص:٢٨) : ((وهم مع ذلك (يعنِي أهل السنة والجماعة) لا يعتقدون أنَّ كلَّ واحدٍ من الصحابة معصومٌ عن كبائر الإثم وصغائره، بل يجوز عليهم الذنوب في الجملة، ولهم من السَّوابِق والفضائل ما يوجب مغفرة ما يصدر منهم إن صدر، حتى إنَّهم يُغفر لهم من السيِّئات ما لا يُغفر لِمَن بعدهم، وقد ثبت بقول رسول الله ﷺ أنَّهم خير القرون، وأنَّ المُدَّ من أحدِهم إذا تصدَّق به كان أفضلَ من جبل أُحُد ذهباً مِمَّن بعدهم، ثمَّ إذا كان قد صدر عن أحدٍ منهم ذنبٌ فيكون قد تاب منه، أو أتى بحسنات تمحوه، أو غُفر له بفضل سابقته، أو بشفاعة محمد ﷺ الذي هم أحقُّ الناس بشفاعته، أو ابتلي ببلاء في الدنيا كفِّر به عنه، فإذا كان هذا في الذنوب المُحقَّقة فكيف الأمور التي كانوا فيها مُجتهدين، إن أصابوا فلهم أجران، وإن أخطأوا فلهم أجر واحد، والخطأ مغفور.
ثمَّ القدر الذي يُنكَر من فِعل بعضِهم قليل نزر مغمور في جنب فضائل القوم ومحاسنِهم من الإيمان ?الله ورسوله والجهاد في سبيله والهجرة والنُّصرة والعلم النافع والعمل الصالح، ومن نظر في سيرة القوم بعلمٍ وبصيرةٍ وما منَّ الله عليهم من الفضائل علِمَ يقيناً أنَّهم خيرُ الخلق بعد الأنبياء، لا كان ولا يكون مثلهم، وأنَّهم الصَّفوةُ من قرون هذه الأمَّة التي هي خير الأمم وأكرمها على الله)) .
التاسع: إنَّ قولَ أهل السنَّة بتعديل الصحابة، كما أنَّه مستندٌ إلى نصوص من الكتاب والسُّنَّة، فهو مَبنِيٌّ على حُسن الظنِّ بهم، ومن أحسن
стр. 131
الظنَّ بهم فهو مأجور، والقول بخلاف ذلك مَبنِيٌّ على إساءة الظنِّ بهم، ومَن أساء الظنَّ بهم فهو آثمٌ، قال بَكر بن عبد الله المُزني، كما في ترجمته في تهذيب التهذيب لابن حجر: ((إيَّاك من الكلام ما إن أصبتَ فيه لَم تُؤجَر، وإن أخطأت فيه أثمتَ، وهو سوء الظنِّ بأخيك)) .
وإذا كان هذا في آحاد الناس، فإنَّه في حقِّ أصحاب رسول الله ﷺ أشدُّ وأعظم.
وفي ختام هذا الردِّ على المالكي، أقول: إنَّ جُلَّ كلامه المردود عليه من كتابه في الصحابة، وأمَّا كتابُه ((قراءةٌ في كتب العقائد)) المشتمل على تخبُّط وتخليط في العقيدة، فلم أنقل عنه في هذه الرسالة للردِّ عليه إلاَّ في موضعين في تشكيكه في أحقِّيَّة أبي بكر بالخلافة، وفي إشادته بأهل البدع ونيله من علماء أهل السنة وكتبهم على مختلف العصور.
стр. 132
* * *
آثارٌ في توقير الصحابة وبيان خطرِ النَّيل من أحدٍ منهم:
وبعد أن أوردتُ كارهاً مضطراًّ كلماتٍ للمالكي في الصحابة الأخيار مظلمةً مُحزنةً موحشةً، فإنِّي أورد كلماتٍ فيهم لبعض أهل العلم مشرقةً مضيئةً، سارَّةً مؤنسةً، وجلُّها مثبتٌ في كتابي ((من أقوال المنصفين في الصحابي الخليفة معاوية ﵁) .
الإمام مالك بن أنس (١٧٩هـ) ﵀:
قال البغوي في شرح السنة (١/٢٢٩) : ((قال مالك: مَن يبغض أحداً من أصحاب رسول الله ﷺ وكان في قلبه عليه غِلٌّ فليس له حقٌّ في فَيءِ المسلمين، ثم قرأ قولَه : ﴿مَا أَفَاءَ الله عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ القُرَى﴾ إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ﴾ الآية، وذُكر بين يديه رجلٌ ينتقص أصحابَ رسول الله ﷺ فقرأ مالكٌ هذه الآية ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾ إلى قوله: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ ، ثم قال: مَن أصبح من الناس في قلبه غِلٌّ على أحدٍ من أصحاب النَّبِيِّ ﷺ فقد أصابته هذه الآية)) .
الإمام أحمد بن حنبل (٢٤١هـ) ﵀:
قال في كتابه السنة: ((ومن السنَّة ذكرُ محاسن أصحاب رسول الله ﷺ كلِّهم أجمعين، والكفّ عن الذي جرى بينهم، فمَن سبَّ أصحابَ رسول الله ﷺ أو وأحداً منهم فهو مبتدعٌ رافضيٌّ، حبُّهم سنَّةٌ والدعاءُ لهم قربةٌ والاقتداءُ بهم وسيلةٌ والأخذُ بآثارهم فضيلةٌ)) .
وقال: ((لا يجوز لأحدٍ أن يذكر شيئاً من مساوئهم ولا يطعن على
стр. 133
أحدٍ منهم فمَن فعل ذلك فقد وجب على السلطان تأديبُه وعقوبتُه ليس له أن يعفوَ عنه بل يعاقبُه ثمَّ يستتيبُه فإن تاب قبِلَ منه وإن لَم يتب أعاد عليه العقوبة وخلَّده في الحبس حتى يتوب ويراجع)) .
الإمام أبوزرعة الرازي (٢٦٤هـ) ﵀:
روى الخطيبُ البغدادي في كتابه الكفاية (ص:٤٩) بإسناده إليه قال: ((إذا رأيت الرجلَ ينتقصُ أحداً من أصحاب رسول الله ﷺ فاعلم أنَّه زنديقٌ؛ وذلك أنَّ رسول الله ﷺ عندنا حقٌّ والقرآن حقٌّ، وإنَّما أدَّى إلينا هذا القرآنَ والسننَ أصحابُ رسول الله ﷺ وإنَّما يريدون أن يجرحوا شهودَنا ليُبطلوا الكتاب والسنة، والجرحُ بهم أولى وهم زنادقةٌ)) .
الإمام أبوجعفر الطحاوي (٣٢٢هـ) ﵀:
قال في عقيدة أهل السنة والجماعة: ((ونحبُّ أصحابَ رسول الله ﷺ ولا نفرط في حبِّ أحدٍ منهم، ولا نتبرَّأ من أحدٍ منهم، ونبغض من يبغضهم وبغير الخير يذكرهم، ولا نذكرهم إلاَّ بخيرٍ، وحبُّهم دينٌ وإيمانٌ وإحسانٌ، وبغضُهم كفرٌ ونفاقٌ وطغيانٌ)) .
الإمام ابن الإمام عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي (٣٢٧هـ) ﵀:
قال في كتابه الجرح والتعديل (١/٨٧) : ((فأمَّا أصحابُ رسول الله ﷺ فهم الذين شهدوا الوحيَ والتنزيلَ، وعرفوا التفسيرَ والتأويلَ، وهم الذين اختارهم الله لصحبة نبيِّه ﷺ ونصرتِه وإقامةِ دينه وإظهارِ حقِّه، فرضيهم له صحابةً، وجعلهم لنا أعلاماً وقدوةً، فحفظوا عنه ﷺ ما بلَّغهم عن الله ، وما سنَّ وشرع وحكم وقضى وندب وأمر ونهى وحظر وأدّب، ووعَوْه وأتقنوه، ففقهوا في الدين، وعلموا أمرَ الله ونهيه
стр. 134
ومراده بمعاينة رسول الله ﷺ ومشاهدتهم منه تفسيرَ الكتاب وتأويله، وتلقّفهم منه واستنباطهم عنه، فشرَّفهم الله بما مَنَّ عليهم وأكرمهم به من وضعه إيَّاهم موضع القدوة)) ، إلى أن قال: ((فكانوا عدولَ الأمَّة وأئمَّةَ الهدى وحججَ الدِّين ونقلةَ الكتاب والسنة.
وندب الله إلى التمسُّك بهديهم والجري على منهاجهم والسلوك لسبيلهم والاقتداء بهم، فقال: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾ الآية.
ووجدنا النَّبِيَّ ﷺ قد حضَّ على التبليغ عنه في أخبار كثيرة، ووجدناه يخاطبُ أصحابَه فيها، منها أن دعا لهم فقال: (نضَّر الله امرءاً سمع مقالتي فحفظها ووعاها حتّى يبلِّغها غيرَه) ، وقال ﷺ في خطبته: (فليبلِّغ الشّاهدُ منكم الغائبَ) ، وقال: (بلِّغوا عنِّي ولو آيةً، وحدِّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج) .
ثمَّ تفرَّقت الصحابةُ ﵃ في النَّواحي والأمصار والثغور، وفي فتوح البلدان والمغازي والإمارة والقضاء والأحكام، فبثَّ كلُّ واحدٍ منهم في ناحيته وبالبلد الذي هو به ما وعاه وحفظه عن رسول الله ﷺ ، وحكموا بحكم الله وأمضوا الأمور على ما سنَّ رسول الله ﷺ ، وأفتوا فيما سُئلوا عنه مِمَّا حضرهم من جواب رسول الله ﷺ عن نظائرها من المسائل، وجرّدوا أنفسهم مع تقدمة حسن النيّة والقربة إلى الله تقدّس اسمُه، لتعليم الناس الفرائض والأحكام والسنن والحلال والحرام، حتّى قبضهم الله رضوانُ الله ومغفرته ورحمته عليهم أجمعين)) .
الإمام ابن ابن أبي زيد القيرواني (٣٨٦هـ) ﵀:
قال في مقدَّمة رسالته: ((وأنَّ خيرَ القرون القرنُ الذين رأوا رسولَ الله ﷺ وآمنوا به، ثمَّ الذين يلونهم، ثمَّ الذين يلونهم، وأفضل الصحابة الخلفاءُ
стр. 135
الراشدون المهديّون: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي ﵃ أجمعين، وأن لا يُذكر أحدٌ من صحابة الرسول ﷺ إلاَّ بأحسن ذكرٍ، والإمساك عمَّا شجر بينهم، وأنَّهم أحقُّ الناس أن يُلتمس لهم أحسن المخارج، ويُظنَّ بهم أحسنَ المذاهب)) .
الإمام أبوعثمان الصابوني (٤٤٩هـ) ﵀:
قال في كتابه عقيدة السلف وأصحاب الحديث: ((ويَرون الكفَّ عمَّا شجر بين أصحاب رسول الله ﷺ وتطهير الألسنة عن ذكر ما يتضمَّن عيباً لهم أو نقصاً فيهم ويرون التَّرحُّم على جميعهم والموالاة لكافَّتهم)) .
الإمام أبو المظفَّر السمعاني (٤٨٩هـ) ﵀:
نقل الحافظ في الفتح (٤/٣٦٥) عنه أنَّه قال: ((التعرُّضُ إلى جانب الصحابة علامةٌ على خذلان فاعله، بل هو بدعةٌ وضلالةٌ)) .
شيخ الإسلام ابن تيمية (٧٢٨هـ) ﵀:
قال في كتابه العقيدة الواسطية: ((ومن أصول أهل السنة والجماعة سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله ﷺ كما وصفهم الله في قوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ، وطاعة للنبيِّ ﷺ في قوله: (لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنَّ أحدَكم أنفق مثلَ أُحُدٍ ذهباً ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نصيفه) إلى أن قال: ويتبرَّءون من طريقة الروافض الذين يبغضون الصحابة ويسبّونهم، وطريقة النواصب الذين يؤذون أهلَ البيت بقول أوعملٍ، ويُمسكون عمَّا جرى بين الصحابة، ويقولون إنَّ هذه الآثار المرويّة في مساوئهم منها ما
стр. 136
هو كذبٌ ومنها ما قد زِيد فيه ونُقص وغُيِّر عن وجهه، والصحيحُ منه هم فيه معذورون إمَّا مجتهدون مصيبون وإمَّا مجتهدون مخطئون)) .
وقد مرَّ ذِكرُ بقيَّة كلامه في عدالة الصحابة قريباً.
الحافظ ابن كثير (٧٧٤هـ) ﵀:
قال في تفسير قول الله : ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ الله عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ الآية قال: ((فقد أخبر الله العظيم أنَّه قد رضي عن السابقين الأوَّلين من المهاجرين والأنصار والذين اتَّبعوهم بإحسان، فيا ويلَ مَن أبغضَهم أو سبَّهم أو أبغضَ أو سبَّ بعضَهم ولا سِيَما سيِّدُ الصحابة بعد الرَّسول ﷺ وخيرُهم وأفضلُهم أعني الصِّديقَ الأكبرَ والخليفةَ الأعظم أبا بكر بن أبي قحافة ﵁، فإنَّ الطائفة المخذولة من الرافضة يعادون أفضلَ الصحابة، ويبغضونهم ويسبُّونهم عياذاً بالله من ذلك، وهذا يدلُّ على أنَّ عقولَهم معكوسةٌ وقلوبَهم منكوسةٌ، فأين هؤلاء من الإيمان بالقرآن إذ يسبون مَن ﵃، وأمَّا أهلُ السنة فإنَّهم يترَضَّوْن عمَّن ﵁ ويسبون من سبَّه الله ورسولُه ويوالون من يوالي الله ويعادون من يعادي الله، وهم متَّبعون لا مبتدعون ويقتدون ولا يبتدون، ولهذا هم حزبُ الله المفلحون وعبادُه المؤمنون)) .
الشيخ ابن أبي العزّ الحنفي (٧٩٢هـ) ﵀:
قال في شرح الطحاوية (ص:٤٦٩) : ((فمن أضلُّ مِمَّن يكون في قلبه غلٌّ على خيار المؤمنين وسادات أولياء الله تعالى بعد النبيِّين، بل قد فضَلهم اليهودُ والنصارى بخصلة، قيل لليهود مَن خيرُ أهل ملَّتكم؟ قالوا: أصحابُ
стр. 137
موسى، وقيل للنصارى: من خير أهل ملَّتكم؟ فقالوا: أصحابُ عيسى، وقيل للرافضة: من شرُّ أهل ملَّتكم؟ فقالوا: أصحابُ محمد، ولم يستثنوا منهم إلاَّ القليل، وفيمن سبّوهم من هو خير مِمَّن استثنوهم بأضعافٍ مضاعفةٍ)) .
وهذا المعنى جاء في شعر أحد علمائهم بين القرن الثاني عشر والثالث عشر الهجري، وهو كاظم الأزري، فقال:
أهم خير أمة أخرجت للنا ... س هيهات ذاك بل أشقاها!!!
وقفتُ عليه في نقد الأستاذ محمود الملاح لقصيدته الأزرية المطبوع بعنوان: ((الرزيّة في القصيدة الأزرية)) (ص:٥١) .
وما جاء في هذا البيت غايةٌ في الجفاء والخبث، ومثله في الغلوِّ في أمير المؤمنين علي ﵁ والجفاء في الصحابة قوله (ص:٤٥) :
أَنَبِيٌّ بلا وَصِيٍّ؟!! تعالى اللـ ـه عمَّا يقوله سفهاها!!!
ومن غلوِّه في علي ﵁ قوله كما في (ص:٣٤) :
وهو الآيةُ المحيطة في الكو ن ففي عين كل شيء تراها!!!
وقوله كما في (ص:٣٦) :
ورأت قسوراً لو اعترضته الـ إنسُ والجنُّ في وغى أفناها!!!
والبيتان الأخيران يصدق عليهما الوصف المشهور: يُضحك النمل في قراها، والنحل في خلاياها!
الحافظ ابن حجر العسقلاني (٨٥٢هـ) ﵀:
قال في كتابه فتح الباري (١٣/٣٤) : ((واتّفق أهلُ السنة على وجوب منع الطعن على أحد من الصحابة بسبب ما وقع لهم من حروبٍ ولو عُرف
стр. 138
المحقُّ منهم؛ لأنَّهم لَم يقاتلوا في تلك الحروب إلاَّ عن اجتهادٍ وقد عفا الله تعالى عن المخطئ في الاجتهاد بل ثبت أنَّه يؤجر أجراً واحداً وأنَّ المصيبَ يؤجر أجرين)) .
الشيخ يحيى بن أبي بكر العامري (٨٩٣هـ) ﵀:
قال في كتابه الرياض المستطابة في من له روايةٌ في الصحيحين من الصحابة (ص:٣١١) : ((وينبغي لكلِّ صيِّنٍ متديِّنٍ مسامحة الصحابة فيما صدر بينهم من التشاجر والاعتذار عن مخطئهم وطلب المخارج الحسنة لهم وتسلِيم صحة إجماع ما أجمعوا عليه على ما علموه، فهم أعلم بالحال، والحاضرُ يرى ما لا يرى الغائبُ، وطريقةُ العارفين الاعتذارُ عن المعائب، وطريقةُ المنافقين تتبُّعُ المثالب، وإذا كان اللاَّزمُ من طريقة الدين سترُ عورات المسلمين فكيف الظنُّ بصحابة خاتم النبيّين مع اعتبار قوله ﷺ : (لا تسبُّوا أحداً من أصحابي) ، وقوله: (من حُسْن إسلام المرء تركُه ما لا يعنيه) هذه طريقةُ صلحاء السلف وما سواها مهاوٍ وتلف)) .
* * *
стр. 139
آياتٌ وأحاديث في حفظ اللسان من الكلام إلاَّ في خير:
وقد رأيتُ من المناسب أن أورد هنا آياتٍ من كتاب الله وأحاديثَ من سُنَّة رسول الله ﷺ في أهميّة حفظ اللسان من الكلام إلاَّ في الخير؛ وذلك نصيحة لنفسي وللمالكي ولِمَن شاء الله أن يطَّلع على هذه الرسالة، وأسأل الله للجميع التوفيقَ لِمَا تُحمد عاقبتُه في الدنيا والآخرة.
قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلاَ تَجَسَّسُوا وَلاَ يَغْتَب بَعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا الله إِنَّ الله تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الوَرِيدِ إِذْ يَتَلَقَّى المُتَلَقِّيَانِ عَنِ اليَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ ، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ المُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ ، وفي صحيح مسلم (٢٥٨٩) عن أبي هريرة أنَّ رسول الله ﷺ قال: ((أتدرون ما الغيبةُ؟ قالوا: الله ورسولُه أعلم، قال: ذكرُك أخاك بما يكره، قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لَم يكن فيه فقد بهتَّه)) .
وقال الله : ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالبَصَرَ وَالفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً﴾ .
روى البخاري في صحيحه (١٠) عن عبد الله بن عمرو عن النَّبِيِّ ﷺ قال: ((المسلمُ مَن سلم المسلمون من لسانه ويده)) ، ورواه مسلم في صحيحه (٦٤) أنَّ رجلاً سأل رسولَ الله ﷺ : أيُّ المسلمين خيرٌ؟ قال:
((مَن سلم المسلمون من لسانه ويده)) .
стр. 140
وروى مسلمٌ أيضاً من حديث جابر (٦٥) بلفظ حديث عبد الله بن عمرو عند البخاري.
أقول: ولا شكَّ أنَّ أولى المسلمين بالسلامة من اللسان ومن الكتابة باليد أصحابُ رسول الله ﷺ ، قال الحافظ في شرح الحديث: ((والحديث عامٌّ بالنسبة إلى اللسان دون اليد؛ لأنَّ اللسانَ يمكنه القول في الماضين والموجودين والحادثين بعد، بخلاف اليد، نعم! يمكن أن تشارك اللسان في ذلك بالكتابة، وإنَّ أثرها في ذلك لعظيم)) .
وفي هذا المعنى يقول الشاعر:
... كتبتُ وقد أيقنتُ يوم كتابتِي بأنَّ يدي تفنَى ويبقى كتابُها
... فإن عملَت خيراً ستُجزى بمثله وإن عملت شرًّا عليَّ حسابُها
وروى البخاري في صحيحه (٦٤٧٤) عن سهل بن سعد ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: ((مَن يضمن لي ما بين لحْيَيْه وما بين رجليه أضمن له الجنَّة)) ، المراد بِما بين اللّحْيَيْن والرِّجْلَين اللسانُ والفرْجُ.
وروى البخاري في صحيحه (٦٤٧٥) ومسلم في صحيحه (٧٤) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت)) الحديث.
قال الإمام أبو حاتم بن حبان البستي في كتابه روضةُ العقلاء ونزهة الفضلاء (ص:٤٥) : ((الواجبُ علىالعاقل أن يلزم الصمتَ إلى أن يلزمه التكلُّمُ، فما أكثرَ مَن ندم إذا نطق، وأقلَّ من يندم إذا سكت، وأطول الناس شقاءً وأعظمهم بلاءً من ابتُلي بلسانٍ مطلقٍ، وفؤادٍ مطبقٍ)) .
وقال أيضاً (ص:٤٧) : ((الواجبُ على العاقل أن يُنصف أذنيه من فيه،
стр. 141
ويعلم أنَّه إنَّما جُعلت له أذنان وفم واحدٌ ليسمع أكثر مِمَّا يقول؛ لأنَّه إذا قال ربَّما ندم، وإن لَم يقل لَم يندم، وهو على ردِّ ما لَم يقل أقدر منه على ردِّ ما قال، والكلمةُ إذا تكلَّم بها ملكَتْه، وإن لَم يتكلَّم بها ملكها)) .
وقال أيضاً في (ص:٤٩) : ((لسانُ العاقل يكون وراء قلبه، فإذا أراد القولَ رجع إلى القلب، فإن كان له قال، وإلاَّ فلا، والجاهلُ قلبُه في طرف لسانه، ما أتى على لسانه تكلَّم به، وما عقل دينَه من لَم يحفظ لسانه)) .
وروى البخاري في صحيحه (٦٤٧٧) ومسلم في صحيحه (٢٩٨٨) ، واللفظُ لمسلم عن أبي هريرة أنَّ رسول الله ﷺ قال: ((إنَّ العبدَ ليتكلَّم بالكلمة ما يتبيَّن ما فيها، يهوي بها في النار أبعدَ ما بين المشرق والمغرب)) .
وفي آخر حديث وصيّة النَّبِيِّ ﷺ لمعاذ أخرجه الترمذي (٢٦١٦) وقال: ((حديثٌ حسنٌ صحيحٌ)) ، قال ﷺ : ((وهل يَكُبُّ الناسَ في النار على وجوههم أو على مناخِرهم إلاَّ حصائدُ ألسنتهم)) ، قاله جواباً لقول معاذ ﵁: ((يا نبيَّ الله! وإنَّا لمؤاخذون بِمَا نتكلَّم به؟)) .
قال الحافظ ابن رجب في شرحه من كتابه جامع العلوم والحكم (١/١٤٧) : ((والمرادُ بحصائد الألسنة: جزاءُ الكلام المحرَّم وعقوباته؛ فإنَّ الإنسانَ يزرع بقوله وعمله الحسنات والسيِّئات، ثم يحصد يوم القيامة ما زرع، فمَن زرع خيراً مِن قولٍ أو عملٍ حَصَد الكرامة، ومن رزع شراًّ من قولٍ أو عملٍ حصد غداً الندامة)) .
وروى مسلم في صحيحه (٢٥٨١) عن أبي هريرة أنَّ رسول الله ﷺ قال: ((أتدرون مَن المُفلِس؟ قالوا: المُفلِسُ فينا مَن لا دِرهم له ولا متاع، فقال: إنَّ المفلسَ من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاةٍ وصيامٍ وزكاةٍ، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مالَ هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا،
стр. 142
فيُعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيَتْ حسناتُه قَبْل أن يُقضى ما عليه أُخذ من خطاياهم فطُرحت عليه، ثمَّ طُرح في النار)) .
وروى مسلم في صحيحه (٢٥٦٤) عن أبي هريرة ﵁ حديثاً طويلاً جاء في آخره: ((بحسب امرئٍ من الشرِّ أن يحقر أخاه المسلم، كلُّ المسلم على المسلم حرامٌ، دمُه ومالُه وعرضُه)) .
وروى البخاري في صحيحه (١٧٣٩) ومسلم في صحيحه واللفظُ للبخاري عن ابن عباس ﵄ ((أنَّ رسول الله ﷺ خطب الناسَ يوم النحر، فقال: يا أيُّها الناس! أيُّ يومٍ هذا؟ قالوا: يومٌ حرامٌ، قال: أيُّ بلدٍ هذا؟ قالوا: بلدٌ حرامٌ، قال: فأيُّ شهرٍ هذا؟ قالوا: شهرٌ حرامٌ، قال: فإنَّ دماءَكم وأموالَكم وأعراضَكم عليكم حرامٌ، كحرمة يومِكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا، فأعادها مراراً، ثم رفع رأسَه فقال: اللهمَّ هل بلَّغتُ؟ اللهمَّ هل بلَّغتُ؟ قال ابنُ عباس ﵄: فوالَّذي نفسي بيده! إنَّها لوصيَّتُه إلى أمَّته، فليبلِّغ الشاهدُ الغائبَ، لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضُكم رقابَ بعض)) .
وروى مسلم في صحيحه (٢٦٧٤) عن أبي هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: ((مَن دعا إلى هُدى كان له مِن الأجر مثل أجور مَن تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً، ومَن دعا إلى ضلالةٍ كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً)) .
قال الحافظ المنذري في الترغيب والترهيب (١/٦٥) تعليقاً على حديث ((إذا مات ابنُ آدم انقطع عملُه إلاَّ من إحدى ثلاث ... )) الحديث، قال: ((وناسخ العلم النافع له أجره وأجر من قرأه أو نَسَخَه أو عمل به من بعده ما بقي خطُّه والعملُ به؛ لهذا الحديث وأمثاله، وناسخ غير النافع مِمَّا
стр. 143
يوجب الإثمَ، عليه وزره ووزر مَن قَرَأَه أو نَسَخَه أو عمل به من بعده ما بقي خطُّه والعملُ به؛ لِمَا تقدم من الأحاديث (مَن سنَّ سُنَّةً حسنة أو سيِّئة) ، والله أعلم)) .
وروى البخاري في صحيحه (٦٥٠٢) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((إنَّ الله قال: مَن عادَى لِي وَلِياًّ فقدآذنتُه بالحرب)) الحديث.
وإذا كان هذا في وَلِيٍّ واحدٍ من آحاد الأولياء، فكيف بالكثيرين من أصحاب رسول الله ﷺ الذين هم ساداتُ الأولياء ﵃ وأرضاهم.
* * *
وإلى هنا انتهت هذه الرسالة التي هي من أحبِّ كُتُبِي إلى نفسي، وأرجاها لي عند ربِّي؛ لِمَا تضَمَّنتْه من الدِّفاع عن الصحابة الأخيار والذَّبِّ عنهم، والحمد لله الذي مَنَّ عليَّ بِحُبِّهم، وبغض مَن يُبغضهم، وبغير الخير يَذكرُهم، ورضي الله عن أنس بن مالك خادم رسول الله ﷺ الذي أظهر فرحَ الصحابة الشديد لحديث ((المرء مع من أحبَّ)) فقال بعد روايته للحديث كما في صحيح البخاري (٣٦٨٨) : ((فما فرحنا بشيء فرحنا بقول النَّبِيِّ ﷺ : أنت مع من أحببتَ، قال أنس: فأنا أُحبُّ النَّبِيَّ ﷺ وأبا بكر وعُمر، وأرجو أن أكون معهم بِحُبِّي إيَّاهم، وإن لَم أعمل بمثل أعمالِهم)) ، والحديث متواترٌ، ذكر ذلك الحافظ ابن كثير في تفسيره سورة الشورى، عند قوله تعالى: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ .
أقول: وأنا أُحبُّ رسولَ الله ﷺ وأبا بكر وعمر وعثمان وعليًّا والحَسَن والحُسين وأمَّهما فاطمة وأمَّهات المؤمنين وأنس بنَ مالك قائل هذا الكلام وسائرَ الصحابة ﵃، وأرجو أن أكون معهم بِحُبِّي إيَّاهم، وإن لَم أعمل بمثل أعمالِهم.
стр. 144
اللهمَّ إنَّك تعلمُ ما في قلبِي من الحبِّ للصحابةِ الأخيار والقرابة الأطهار، وتعلم سلامةَ لساني وقلبي مِمَّا لا يليق بهم، وتعلم أنَّ ما كتبتُه انتصارٌ لصحابةِ نبيِّك ﷺ ورضي الله عنهم وأرضاهم، اللهمَّ إنِّي أسألك بهذا الحبِّ والسلامة والانتصار أن تُثبِّتَنِي بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وأن تُحسِنَ عاقبَتِي في الأمور كلِّها، وتُجيرَنِي من خِزي الدنيا وعذاب الآخرة، وأن تدخلَنِي الجنَّة، وتُعيذَنِي من النار، ربِّ أوزِعنِي أن أشكر نعمتَك التي أنعمتَ عليَّ وعلى والِديَّ وأن أعمل صالِحاً ترضاه، وأدخلنِي برحمتِك في عبادك الصَّالحين، ربِّ أوزِعنِي أن أشكر نعمتَك التي أنعمتَ عليَّ وعلى والدَيَّ وأن أعمل صالِحاً ترضاه، وأَصلِح لي في ذُريَّتِي إنِّي تُبتُ إليك وإنِّي من المسلمين، اللهمَّ اغفر لي ولآبائي وأمَّهاتِي وأهلِي وأبنائي وبناتِي وإخوانِي وأخواتِي وأعمامي وعمَّاتي وأخوالِي وخالاتي وأصهاري وسائر أقربائي وشيوخي وأصدقائي وزملائي وتلاميذي وسائر المسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات، إنَّك سميعٌ مجيبُ الدَّعوات، ربَّنا آتنا من لدنك رحمةً وهيِّء لنا من أمرنا رشداً، ربَّنا لا تُزِغ قلوبَنا بعد إذ هديتَنا وهَب لنا من لدنك رحمة إنَّك أنت الوهَّاب، ربَّنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غِلاًّ للذين آمنوا ربَّنا إنَّك رؤوف رحيم، سبحان ربِّك ربِّ العزَّة عمَّا يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله ربِّ العالمين.
وكان الفراغ من تأليف هذه الرسالة صباح يوم الجمعة ٢٧ شوال ١٤٢٢هـ.
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبيّنا محمد وعلى آله وأصحابه ومَن تبعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدِّين.