Полный текст (144 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
وكتاب المفهم هو شرحٌ لصحيح مسلم، وصاحبُه أبو العباس أحمد بن عمر القرطبي، وهو شيخ لأبي عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر القرطبي المفسر.
وأمّا ما ذكره المالكي مِن أنَّ مسلماً بوَّب لهذا باباً بعنوان ((باب حبُّ عليٍّ والأنصار من الإيمان)) ، فإنَّ مسلماً ﵀ لَم يضع في صحيحه أبواباً، وهو في حكم المبوَّب، وتراجم الأبواب إنَّما هي من عمل غيره، قال النووي في مقدمة شرحه لصحيح مسلم (١/٢١) : ((وقد ترجم جماعةٌ أبوابَه بتراجم بعضُها جيِّدٌ وبعضُها ليس بجيِّد، إمَّا لقصور في عبارة الترجمة، وإمَّا لركاكةِ لفظها، وإمَّا لغير ذلك، وأنا إن شاء الله أحرصُ على التعبير عنها بعبارات تليقُ بها في مواطنها، والله أعلم)) .
وأما الجهة الثانية فهي في بيان الأدلَّة الدالَّة على أحقِّيَّة أبي بكر بالخلافة بعد رسول الله ﷺ ، وأذكر هنا بعضَ ما وقفتُ عليه من الأحاديث والآثار وحكاية الإجماع.
أوَّلاً: الأحاديث والآثار:
١ ـ روى البخاري (٥٦٦٦) ، ومسلم (٢٣٨٧) في صحيحيهما، واللفظ لمسلم، عن عائشة ﵂ قالت: ((قال لي رسول الله ﷺ في مرضِه: ادْعِي لي أبا بكر وأخاكِ حتى أكتب كتاباً، فإنِّي أخاف أن يتمنّى متمنٍّ ويقول قائل: أنا أولى، ويأبى الله والمؤمنون إلاَّ أبا بكر)) .
٢ ـ روى البخاري (٧٢٢٠) ، ومسلم (٢٣٨٦) في صحيحيهما، واللفظ للبخاري عن جُبير بن مُطْعم قال: ((أتت النَّبيَّ ﷺ امرأةٌ فكلَّمتْه في شيءٍ، فأمرها أن ترجع إليه، قالت: يا رسول الله! أرأيتَ إن جئتُ ولَم
стр. 72
أجدْك، كأنَّها تريد الموت؟ قال: إن لَم تجديني فأتِي أبا بكر)) .
٣ ـ روى البخاري في صحيحه (٦٧٨) عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: ((مرض النَّبيُّ ﷺ فاشتدَّ مرضُه، فقال: مُروا أبا بكرٍ فليصلِّ بالناس)) الحديث، وقد أخرجه مسلم في صحيحه (٤٢٠) .
وجاء أمره ﷺ أبا بكر ليصلي بالناس من حديث عائشة ﵂ عند البخاري (٦٧٩) ومسلم (٤١٨) .
وقد فهم الصحابةُ ﵃ من تقديم أبي بكر ﵁ في الإمامة في الصلاة أنَّه الأحقُّ بالخلافة، فروى ابن سعد في الطبقات (٣/١٧٨ ـ ١٧٩) قال: أخبرنا حُسين بن علي الجعفي، عن زائدة، عن عاصم، عن زِرّ عن عبد الله (يعني ابن مسعود) ﵁ قال: ((لَمَّا قُبض رسول الله ﷺ قالت الأنصار: مِنَّا أميرٌ ومنكم أميرٌ، قال: فأتاهم عمر، فقال: يا معشر الأنصار! ألستم تعلمون أنَّ رسول الله ﷺ قد أمر أبا بكر أن يصلّي بالناس؟ قالوا: بلى! قال: فأيُّكم تطيبُ نفسُه أن يتقدَّم أبا بكر؟ قالوا: نعوذ بالله أن نتقدَّم أبا بكر!)) .
وهذا إسنادٌ صحيحٌ، رجالُه رجالُ الجماعة، وعاصم هو ابن أبي النجود، وحديثُه في الصحيحين مقرونٌ، ورواه الحاكم في المستدرك (٣/٦٧) ، وقال: ((هذا حديثٌ صحيحُ الإسناد ولم يخرجاه)) ووافقه الذهبي.
وفي صحيح البخاري (٣٦٦٨) أنَّ عمر ﵁ قال لأبي بكر يوم السقيفة: ((بل نبايعُك أنت؛ فأنت سيِّدنا وخيرُنا وأحبُّنا إلى رسول الله ﷺ ، فأخذ عمر بيده، فبايعه وبايعه الناس)) .
٤ ـ روى مسلم في صحيحه (٥٣٢) عن جندب بن عبد الله البجلي
стр. 73
أنَّه قال: ((سمعتُ النَّبيَّ ﷺ قبل أن يموت بخمسٍ وهو يقول: إنِّي أبرأُ إلى الله أن يكون لي منكم خليلٌ؛ فإنَّ الله تعالى قد اتَّخذني خليلاً، كما اتَّخذ إبراهيمَ خليلاً، ولوكنتُ متَّخذاً من أُمَّتي خليلاً لاتَّخذتُ أبا بكرٍ خليلاً)) الحديث.
وهذا التنويهُ بهذه الفضيلة العظيمة للصِّدِّيق في مرض موته ﷺ وقبل وفاته بخمس ليالٍ، فيه إشارةٌ قويّةٌ إلى أنَّه الأحقُّ بالخلافة من غيره.
٥ ـ روى البخاري (٣٦٦٤) ومسلم (٢٣٩٢) في صحيحيهما عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعتُ النبيَّ ﷺ يقول: ((بينا أنا نائمٌ رأيتُني على قليبٍ عليها دلوٌ، فنزعتُ منها ما شاء الله، ثمَّ أخذها ابنُ أبي قُحافة فنزع بها ذَنُوباً أو ذَنوبين، وفي نزعه ضَعفٌ، والله يغفر له ضعفَه، ثمَّ استحالت غرباً فأخذها ابنُ الخطاب، فلَم أَرَ عَبْقرياًّ من الناس ينزع نزعَ عمر، حتى ضرب الناسُ بعَطَن)) .
ورؤيا الأنبياء وحيٌ، وهذه الرؤيا فيها إشارةٌ إلى خلافة أبي بكر وقِصَرها، وإلى خلافة عمر مِن بعده، وطولها وكثرة نفعها.
٦ ـ روى ابن أبي شيبة في مصنّفه (٧/٤٣٤ رقم:٧٠٥٣) فقال: حدثنا ابن نُمير، عن عبد الملك بن سلع، عن عبد خير قال: سمعتُ علياًّ يقول: ((قُبض رسول الله ﷺ على خير ما عليه نَبِيٌّ من الأنبياء، قال: ثمَّ استخلف أبو بكر فعمل بعمل رسول الله ﷺ وبسنته، ثمَّ قُبض أبو بكر على خير ما قُبض عليه أحد، وكان خيرَ هذه الأمة بعد نبيِّها، ثمَّ استُخلف عمر فعمل بعملهما وسنتهما، ثمَّ قُبض على خير ما قُبض عليه أحد، وكان خيرَ هذه الأمة بعد نبيِّها وبعد أبي بكر)) .
ورجالُ هذا الإسناد محتجٌّ بهم، فعبد خير وعبد الله بن نمير ثقتان، وعبد الملك بن سلع صدوق.
стр. 74
ثانياً: حكايةُ الإجماع والاتّفاق على خلافة أبي بكر ﵁:
لَم يأت نصٌّ عن رسول الله ﷺ صريحٌ على خلافة أبي بكر أو غيره، لكنَّه قد جاء أحاديث صحيحة تدلُّ دلالة قويَّة على أنَّه أولَى من غيره بالخلافة، وقد مرَّ جملةٌ منها، وقد حصل اتِّفاق الصحابة ﵃ على بيعته، وتحقَّق ما أخبر به الرسول ﷺ في قوله في الحديث المتقدِّم قريباً: ((يأبى الله والمؤمنون إلاَّ أبا بكر)) ، ويدلُّ على حصول اتِّفاقهم على بيعته ما يلي:
١ ـ روى الحاكم في المستدرك (٣/٧٨ ـ ٧٩) قال: أخبرنا أحمد بن جعفر القطيعي، ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدَّثني أبي وأحمد بن منيع، قالا: ثنا أبو بكر بن عياش، ثنا عاصم، عن زِر، عن عبد الله (يعنِي ابنَ مسعود) قال: ((ما رأى المسلمون حسناً فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمون سيِّئاً فهو عند الله سيِّء، وقد رأى الصحابةُ جميعاً أن يستخلفوا أبا بكر ﵁) .
ورجاله مُحتجٌّ بهم، والقطيعي ترجم له الذهبي في سير أعلام النبلاء (١٦/٢١٠) ، وقال عنه: ((الشيخ العالم المحدِّث مسند الوقت)) .
٢ ـ روى البخاري في صحيحه (٧٢١٩) بإسناده إلى الزهري أنَّه قال: ((أخبرني أنس بن مالك ﵁ أنَّه سمع خطبة عمر الآخرة حين جلس على المنبر، وذلك الغد من يوم توفي النَّبِيُّ ﷺ ، فتشهَّد وأبو بكر صامت لا يتكلَّم، قال: كنت أرجو أن يعيش رسول الله ﷺ حتى يَدْبَرَنا، يريد بذلك أن يكون آخرَهم، فإن يكُ محمدٌ ﷺ قد مات، فإنَّ الله تعالى قد جعل بين أظهرِكم نوراً تهتدون به بما هدى الله به محمداً ﷺ ، وإنَّ أبا
стр. 75
بكر صاحب رسول الله ﷺ ثاني اثنين، فإنَّه أولَى الناسِ بأمورِكم، فقوموا فبايِعوه، وكانت طائفةٌ منهم قد بايعوه قبل ذلك في سقيفة بَنِي ساعدة، وكانت بيعة العامة على المنبر، قال الزهري (أي بالإسناد المتقدِّم) عن أنس بن مالك: سمعتُ عمر يقول لأبي بكر يومئذ: اصعد المنبر، فلم يزل به حتى صعد المنبر، فبايعه الناسُ عامَّة)) .
٣ ـ روى أبو داود في سننه (٤٦٣٠) قال: حدَّثنا محمد بن مسكين، حدَّثنا محمد ـ يعني الفريابي ـ قال: سمعتُ سفيان (يعني الثوري) يقول:
((مَن زعم أنَّ عليًّا ﵇ كان أحقَّ بالولاية منهما فقد خطَّأ أبا بكر وعمر والمهاجرين والأنصار، وما أراه يرتفع له مع هذا عمل إلى السماء)) .
إسناده صحيح، ومحمد بن يوسف الفريابي ثقة أخرج له الجماعة، ومحمد بن مسكين ثقة، أخرج له البخاري ومسلم وأبوداود والنسائي.
٤ ـ روى البيهقي في كتابه مناقب الشافعي (١/٤٣٤) بإسناده إلى الشافعي قال: ((أجمع الناسُ على خلافة أبي بكر، واستخلَف أبو بكر عمر، ثمَّ جعل عمرُ الشورى إلى ستة، على أن يُوَلُّوها واحداً، فوَلَوْها عثمان ﵃ أجمعين)) .
٥ ـ قال الإمام أبو الحسن الأشعري علي بن إسماعيل في كتابه الإبانة (ص:١٨٥ ـ ١٨٦) : ((وأثنى الله على المهاجرين والأنصار والسابقين إلى الإسلام، وعلى أهل بيعة الرضوان، ونطق الكتاب بمدح المهاجرين والأنصار في مواضع كثيرة، وأثنى على أهل بيعة الرضوان، فقال : ﴿لَقَدْ رَضِيَ الله عَنِ المُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ الآية.
قد أجمع هؤلاء الذين أثنى عليهم ومدَحهم على إمامة أبي بكر الصديق ﵁، وسَمَّوه خليفة رسول الله ﷺ ، وبايعوه وانقادوا له،
стр. 76
وأقَرُّوا له بالفضل، وكان أفضلَ الجماعة في جميع الخصال التي يستحقُّ بها الإمامةَ من العلم والزهد وقوَّة الرأي وسياسة الأمَّة وغير ذلك)) .
٦ ـ قال أبو محمد عبد الله بن محمد بن عثمان الحافظ المعروف بابن السَّقاء: ((وأجمع المهاجرون والأنصار على خلافة أبي بكر، قالوا له: يا خليفة رسول الله! ولَم يُسَمَّ أحدٌ بعده خليفة، وقيل: إنَّه قُبض النَّبِيُّ ﷺ عن ثلاثين ألف مسلم، كلٌّ قال لأبي بكر: يا خليفة رسول الله! ورَضوا به مِن بعده، ﵃، وإلى حيث انتهينا قيل لهم: أمير المؤمنين)) . من تاريخ بغداد للخطيب (١٠/١٣١) .
والمراد أنَّ أبا بكر كان يُقال له: يا خليفة رسول الله! وأمَّا غيره فيُقال له: يا أمير المؤمنين.
٧ ـ قال أبو عثمان الصابوني إسماعيل بن عبد الرحمن في كتابه عقيدة السَّلف أصحاب الحديث (ص:٨٧) : ((ويُثبت أصحابُ الحديث خلافةَ أبي بكر ﵁ بعد وفاة رسول الله ﷺ باختيار الصحابة واتِّفاقهم عليه وقولهم قاطبة: رَضِيَه رسولُ الله ﷺ لدِيننا فرضيناه لدُنيانا، يعني أنَّه استخلفه في إقامة الصلوات المفروضات بالناس أيَّام مرضه وهي الدِّين، فرضيناه خليفةً للرسول ﷺ علينا في أمور دُنيانا.
وقولهم: قدَّمك رسول الله ﷺ فمَن ذا الذي يُؤَخِّرك؟ وأرادوا أنَّه ﷺ قدَّمَك في الصلاة بنا أيَّام مرضه، فصلينا وراءك بأمره، فمَن ذا الذي يُؤخِّرك بعد تقديمه إيَّاك؟!
وكان رسول الله ﷺ يتكلَّم في شأن أبي بكر في حال حياته بِما يُبيِّن للصحابة أنَّه أحقُّ الناس بالخلافة بعده، فلذلك اتَّفقوا عليه واجتمعوا، فانتفعوا بمكانه ـ والله ـ وارتفعوا به وعَزُّوا وعَلَوْا بسببه)) .
٨ ـ
стр. 77
قال الإمام البيهقي في كتابه الاعتقاد (ص:١٧٩ ـ ١٨٠) : ((وقد صحَّ بما ذكرنا اجتماعُهم على مبايعته مع علي بن أبي طالب، فلا يجوز لقائل أن يقول: كان باطنُ عليٍّ أو غيرِه بخلاف ظاهرِه، فكان عليٌّ أكبرَ محلاًّ وأجلَّ قدراً من أن يقدم على هذا الأمر العظيم بغير حقٍّ أو يُظهِرَ للناس خلافَ ما في ضميره، ولو جاز هذا في اجتماعهم على خلافة أبي بكر لَم يصحَّ إجماعٌ قطُّ، والإجماعُ أَحَدُ حُجَج الشريعة، ولا يجوز تعطيلُه بالتوهُّم)) .
٩ ـ قال ابن قدامة في لُمعة الاعتقاد (ص:٣٥) : ((وهو (أي أبو بكر الصديق) أحقُّ خلق الله بالخلافة بعد النَّبِيِّ ﷺ ؛ لفضله وسابقته وتقديم النَّبِيِّ ﷺ له في الصلاة على جميع الصحابة ﵃ وإجماع الصحابة على تقديمه ومبايعته، ولم يكن الله ليجمعهم على ضلالة)) .
١٠ ـ قال القرطبي في تفسيره الجامع لأحكام القرآن (١/٢٦٤) :
((وأجمعت الصحابةُ على تقديم الصدِّيق بعد اختلافٍ وقع بين المهاجرين والأنصار في سقيفة بَنِي ساعدة في التعيين، حتى قالت الأنصار: منَّا أميرٌ ومنكم أمير، فدفعهم أبو بكر وعمر والمهاجرون عن ذلك، وقالوا لهم: إنَّ العربَ لا تدين إلاَّ لِهذا الحيِّ من قريش، ورَوَوا لهم الخبرَ في ذلك، فرجعوا وأطاعوا لقريش)) .
١١ ـ قال الإمام النووي في شرحه على صحيح مسلم (١٥/١٥٤ ـ ١٥٥) عند شرحه لأثر عائشة ﵂ لَمَّا سُئلت: ((مَن كان رسول الله ﷺ مستخلفاً لو استخلفه؟ قالت: أبو بكر، فقيل لها: ثمَّ مَن بعد أبي بكر؟ قالت: عمر، ثمَّ قيل لها: مَن بعد عمر؟ قالت: أبو عبيد بن الجراح، ثمَّ انتهت إلى هذا)) ، قال: ((هذا دليلٌ لأهل السُّنَّة في تقديم أبي
стр. 78
بكر ثمَّ عمر في للخلافة مع إجماع الصحابة، وفيه دلالة لأهل السُّنَّة أنَّ خلافةَ أبي بكر ليست بنصٍّ من النَّبِيِّ ﷺ على خلافته صريحاً، بل أجمعت الصحابةُ على عقد الخلافة له وتقديمه لفضيلته، ولو كان هناك نصٌّ عليه أو على غيره لَم تقع المنازعةُ من الأنصار وغيرهم أولاً، ولَذَكر حافظ النصَّ ما معه، ولرجعوا إليه، لكن تنازعوا أوَّلاً، ولم يكن هناك نصٌّ، ثمَّ اتَّفقوا على أبي بكر واستقرَّ الأمر)) .
١٢ ـ قال شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة (٦/٤٥٥) : (( ... فبايعه الذين بايعوا الرَّسولَ تحت الشجرة، والذين بايعوه ليلة العقبة، والذين بايعوه لَمَّا كانوا يُهاجرون إليه، والذين بايعوه لَمَّا كانوا يُسلمون من غير هجرة كالطلقاء وغيرِهم، ولم يقل أحدٌ قطُّ: إنِّي أحقُّ بهذا مِن أبي بكر، ولا قاله أحدٌ في أحدٍ بعينه: إنَّ فلاناً أحقُّ بهذا الأمر من أبي بكر)) .
١٣ ـ عقد ابن القيم في كتابه ((الفوائد)) فصلاً في فضائل أبي بكر، ومِمَّا جاء فيه قوله في (ص:٩٥) : ((نطقتْ بفضله الآياتُ والأخبارُ، واجتمع على بيعته المهاجرون والأنصار)) .
١٤ ـ قال ابن كثير في كتابه البداية والنهاية (٩/٤١٥ ـ ٤١٨) :
((وقد اتَّفق الصحابةُ ﵃ على بيعة الصِّديق في ذلك الوقت، حتى عليّ بن أبي طالب والزبير بن العوام ﵄ وأرضاهما، والدليل على ذلك ما رواه البيهقي حيث قال: أنبأنا أبو الحسين علي بن محمد بن علي الحافظ الإسفراييني، ثنا أبو علي الحُسين بن علي الحافظ، ثنا أبو بكر بن خزيمة وإبراهيم بن أبي طالب، قالا: نا بُندار بن بشار، ثنا أبو هشام المخزومي، ثنا وُهيب، ثنا داود بن أبي هند، ثنا أبو نَضرة، عن أبي سعيد الخدري قال: ((قُبض رسول الله ﷺ ، واجتمع الناسُ في دار سعد بن
стр. 79
عُبادة، وفيهم أبو بكر وعمر، قال: فقام خطيبُ الأنصار فقال: أتَعلمون أنَّ رسول الله ﷺ كان من المهاجرين، وخليفتَه من المهاجرين، ونحن كنَّا أنصارَ رسولِ الله ﷺ ، فنحن أنصارُ خليفتِه كما كنَّا أنصارَه، قال: فقام عمرُ بنُ الخطاب، فقال: صدق قائلُكم، ولو قُلتُم غيرَ هذا لَم نُتابِعكم، فأخذ بيد أبي بكر، وقال: هذا صاحبُكم فبايِعوه، فبايعه عمر، وبايعه المهاجرون والأنصارُ، قال: فصعد أبو بكر المنبرَ، فنظر في وجوه القوم، فلَم يرَ الزبيرَ، فدعا بالزبير فجاء، قال: قلتَ: ابنُ عمَّةِ رسول الله ﷺ وحواريُّه، أردتَ أن تشُقَّ عصا المسلمين؟! قال: لا تثريبَ يا خليفة رسول الله! فقام فبايعه، ثمَّ نظر في وجوه القوم فلَم يرَ عليًّا، فدعا بعليِّ بن أبي طالب، فجاء فقال: قلتَ: ابنُ عمِّ رسول الله ﷺ وختَنُه على ابنتِه، أردتَ أن تشُقَّ عصا المسلمين؟! قال: لا تثريبَ يا خليفة رسول الله! فبايعه) ، هذا أو معناه)) .
وهذا إسنادٌ صحيح، رجاله رجال مسلم، وابن خزيمة هو إمام الأئمة صاحب الصحيح.
وإبراهيم بن أبي طالب هو محمد بن نوح، ترجمه الذهبي في سير أعلام النبلاء (١٣/٤٥٧) وقال: ((الإمام الحافظ المجوِّد الزاهد، شيخ نيسابور، وإمام المحدِّثين في زمانه)) ، ونقل عن الحاكم أنَّه قال فيه: ((إمام عصره بنيسابور في معرفة الحديث والرِّجال، جمع الشيوخ والعلل)) .
وأبو علي الحسين بن علي الحافظ، ترجمه الذهبي في سير أعلام النبلاء (١٦/٥١) وقال: ((الحافظ الإمام العلاَّمة الثبت أبو علي الحسين بن علي ابن يزيد بن داود النيسابوري، أحد النُّقَّاد)) .
وشيخ البيهقي، ترجمه الذهبي في سير أعلام النبلاء (١٧/٣٠٥) وقال: ((الإمام الحافظ النَّاقد القاضي أبو الحسن علي بن محمد بن علي بن حسين
стр. 80
ابن شاذان بن السَّقا الإسفراييني، من أولاد أئمَّة الحديث، سمع الكتب الكبار وأملى وصنَّف)) .
وقد أورد ابن كثير حديث البيهقي هذا في البداية (٨/٩٢) بإسناده ومتنه، وفيه أنَّ كنية شيخه أبو الحسن، ثمَّ قال: ((وهذا إسناد صحيح محفوظ من حديث أبي نضرة المنذر بن مالك بن قُطَعة، عن أبي سعيد سعد بن مالك بن سِنان الخدري)) ، وقد ساق البيهقي في السنن الكبرى (٨/١٤٣) هذا الإسناد وأحال في متنه على متن إسناد قبله، وقال:
((بنحوه)) ، وفيه أنَّ كنية شيخه: أبو الحسن.
وقال ابن كثير أيضاً (٩/٤١٧) : ((وقال موسى بن عقبة في مغازيه عن سعد بن إبراهيم، حدَّثني أبي: (أنَّ أباه عبد الرحمن بن عوف كان مع عمر، وأنَّ محمد بن مسلمة كسَر سيفَ الزبير، ثمَّ خطب أبو بكر، واعتذر إلى الناس، وقال: والله! ما كنتُ حريصاً على الإمارة يوماً ولا ليلة، ولا سألتُها الله في سرٍّ ولا علانية، فقبِل المهاجرون مقالتَه، وقال عليٌّ والزبير: ما غضِبْنا، إلاَّ لأنَّنا أُخِّرنا عن المشورة، وإنَّا نرى أبا بكر أحقَّ الناس بها بعد رسول الله ﷺ ؛ إنَّه لصاحبُ الغار، وإنَّا لنعرِف شرَفَه وخَيْرَه، ولقد أمره رسولُ الله ﷺ بالصلاة بالناس وهو حي) .
وهذا اللاَّئق بعليٍّ ﵁، والذي تدلُّ عليه الآثار من شهودِه معه الصلوات، وخروجه معه إلى ذي القَصَّة بعد موت رسول الله ﷺ ، كما سنورده، وبذلِه له النصيحةَ والمشورةَ بين يديه، وأمَّا ما يأتي من مبايعته إيَّاه بعد موت فاطمة، وقد ماتت بعد أبيها ﵊ بستَّة أشهر، فذلك محمولٌ على أنَّها بيعةٌ ثانية أزالت ما كان قد وقع من وَحشةٍ بسبب الكلام في الميراث، ومنعه إيَّاهم ذلك بالنصِّ عن رسول الله ﷺ في قوله: (لا نورَث ما تركنا فهو صدقة)) ) .
стр. 81
وإسناد موسى بن عقبة صحيح؛ سعد بن إبراهيم وأبوه من رجال الصحيحين، وسعدٌ ثقة، وأبوه له رؤية.
١٥ ـ قال يحيى بن أبي بكر العامري في كتابه الرياض المستطابة (ص:١٤٣) : ((وقد كانت بيعتُه إجماعاً من الصحابة الذين هم أعرفُ بالحال، وأدرى بصحَّة الدليل في المقال، والإجماعُ حُجَّة قطعية من غيرهم، فما ظنُّك بهم؟!)) .
ومِمَّا تقدَّم من الأحاديث والآثار وحكاية الإجماع يتبيَّن أنَّ خلافةَ أبي بكر ﵁ حقٌّ، وأنَّه أوْلَى بالخلافة من غيره، وأنَّ القولَ بخلاف ذلك ضلالٌ عن الحقِّ وخروجٌ عن الجادَّة واتِّباعٌ لغير سبيل المؤمنين التي بيَّنها الرسول ﷺ في قوله: ((يأبى الله والمؤمنون إلاَّ أبا بكر)) ، فالله يأبى إلاَّ أبا بكر، والمؤمنون يأبون إلاَّ أبا بكر، ويأبى بعضُ الذين اتَّبعوا غيرَ سبيل المؤمنين مِن أهل الأهواء والبدعِ إلاَّ غير أبي بكر، نعوذ بالله من الخذلان.
ثمَّ أقول: إنَّ غُلوَّ المالكي في عليٍّ ﵁ لا يُفيد عليًّا شيئاً، وإنَّ جفاءَه في حقِّ الكثيرين من الصحابة لا يضُرُّهم شيئاً، وإنَّما مضرَّة الغلوِّ والجفاء تعود على الغالي الجافي، نسأل الله السلامةَ والعافية.
تنبيه: بعد إيراد المالكي كلامه الذي شكَّك فيه في أَوْلَوِيَّةِ أبي بكر ﵁ في الخلافة أورد كلاماً يُشكِّك فيه في أوْلوية عمر وعثمان ﵄ في الخلافة من بعده، ولَم أُشغِل نفسي بإيراده هنا والردِّ عليه؛ اكتفاءاً بما تقدَّم في خلافة أبي بكر ﵁، ومن المعلوم أنَّ مَن سهُل عليه التشكيكُ في خلافة أبي بكر فإنَّ تشكيكَه في خلافة عمر وعثمان أسهلُ وأسهل، نسأل الله السلامة والعافية من كلِّ شرٍّ وسوء.
* * *
стр. 82
زعمه أنَّ العبَّاس بن عبد المطلب وابنه عبد الله ﵄ ليسَا من الصحابة والرد عليه:
ذَكَرَ آثاراً مستدلاًّ بها على أنَّ الصحابةَ ليسوا إلاَّ المهاجرين والأنصار، وأنَّ العباس وابنَه عبد الله ليسَا من الصحابة، فقال في (ص:٥٢) : ((الدليل الواحد والعشرون: وقال العباس لابنه عبد الله: (يا بُنَيَّ! أرى أمير المؤمنين ـ يقصد عمر ـ يُقرِّبك ويَخلو بك ويستشيرُك مع ناسٍ من أصحاب رسول الله ﷺ ، فاحفظ عنِّي ثلاثاً ... ) (فضائل الصحابة لأحمد ٢/٩٥٧) والإسناد رجاله ثقات إلاَّ مجالد بن سعيد.
أقول: إن صحَّ فالعباس لا يرى نفسه ولا ابنَه من أصحاب النَّبِيِّ ﷺ ، يُفهَم هذا من سياق الخبر، لكن مجالِد ضعيفٌ جدًّا، وقد اتُّهم بالكذب، لكن يشهد للمتن ما يأتي:
الدليل الثاني والعشرون: قول ابن عباس نفسه (كان عمر يسألُنِي مع أصحاب محمد ﷺ ، فكان يقول لي ... ) (فضائل الصحابة لأحمد ٢/٩٧٠، وإسناده صحيح، وقد صححه المحقق) .
أقول: هذا دليل على أنَّ ابنَ عباس أخرج نفسَه من أصحاب محمد ﷺ ، وهو دليل على خروج مَن أسلم بعده كالطلقاء وأمثالِهم، وهذا الإسناد صحيح إلى ابن عباس!
الدليل الثالث والعشرون: قول ابن عباس: (لَمَّا قُبض النَّبِيُّ ﷺ قلت لرجل من الأنصار: هَلُمَّ فلنسأَلْ أصحابَ النَّبِيِّ ﷺ عن حديث رسول الله ﷺ ، قال: العجب منك يا ابن عباس! أترى الناسَ يحتاجون إليك وفي الأرض مَن ترى من أصحاب رسول ﷺ ... ؟!) (فضائل الصحابة لأحمد ٢/٩٧٦،
стр. 83
وسنده صحيح، وقد صححه المحقق) .
أقول: وهذا يشهد لقول ابن عباس السابق أنَّ الصحابةَ هم المهاجرون والأنصار فقط!!!
الدليل الرابع والعشرون: قول الليث: قيل لطاووس: (أدركتَ أصحاب محمد، وانقطعتَ إلى ابن عباس؟! فقال: أدركتُ سبعين من أصحاب النَّبِيِّ ﷺ إذا اختلفوا في شيء انتهوا إلى قول ابن عباس) (فضائل الصحابة لأحمد ٢/٩٦٧، والإسناد رجاله ثقات، إلاَّ ليث بن أبي سليم، وقد حسنه المحقق، وصحَّح الأثر) .
أقول: طاووس بن كيسان من كبار التابعين، ومن ظاهر الأثر يبدو
ـ والله أعلم ـ أنَّه لا يرى ابنَ عباس من أصحاب النَّبِيِّ ﷺ مع جلالة ابن عباس وفضله وعلمه)) .
أقول:
إنَّ قَصْرَ المالكي الصُّحبةَ المحمود أهلها على المهاجرين والأنصار قبل صُلح الحُديبية أوقعه في إخراجِ عددٍ كبير من الصحابة من أن ينالوا شرفَ الصُّحبة، وفيهم العباسُ بن عبد المطلب عمُّ النَّبِيِّ ﷺ ﵁ وابنُه عبد الله بن عباس حَبْر الأمَّة وترجمان القرآن، الذي بلغت أحاديثُه في الكتب الستة ستين وستمئة وألف حديث، كما في الخلاصة للخزرجي، اتَّفق البخاري ومسلم منها على خمسة وسبعين حديثاً، وانفرد البخاري بإخراج ثمانية وعشرين، ومسلم بتسعة وأربعين.
وإنَّها لإحدى الكُبَر أن يَدَّعيَ المالكيُّ أنَّ العبَّاسَ وابنَه عبد الله لَم يظفرَا بفضيلة الصُّحبة، وهو شيء لَم يُسبَق إليه، وما سمعتُ ولا رأيتُ قبل وقوفي
стр. 84
على كلامه هذا مثل هذه الدَّعوى الباطلة الخاطئة، وإنَّ مُجرَّدَ تصوُّر هذا القول الباطل يُغنِي عن الاشتغال بالردِّ عليه، ومع هذا فإنِّي أجيب عليه بما يأتي:
الأول: أنَّه لَم يأت عن أحدٍ من الصحابة ومَن بعدهم ما يُخرج العباس وابنَه عبد الله مِن أن ينالاَ شرف الصُّحبة لرسول الله ﷺ ، وعلى هذا فمِثْلُ هذه الدعوى من المالكي مِن مُحدَثات القرن الخامس عشر!
الثاني: أنَّ ذِكرَ أحد الصحابة أصحابَ النَّبِيِّ ﷺ لا يُخرجه منهم، فما ذكره المالكيُّ من آثار جاء فيها ذِكرُ العباس أو ابنِه أصحابَ رسول الله ﷺ ليس فيها دليل على إخراجهما، مع أنَّ ذكرَه للعباس جاء في إسنادٍ فيه مُجالد الذي قال فيه إنَّه ضعيفٌ جدًّا، وقد اتُّهم بالكذب، ومِمَّا يُوَضِّح ذلك ما رواه أبو داود في سننه (٣٦٥١) قال: حدَّثنا عمرو بن عون، أخبرنا خالد، ح وحدَّثنا مسدَّد، حدَّثنا خالد ـ المعنى ـ عن بيان بن بِشر، قال مُسدَّد: أبو بِشر، عن وَبْرة بن عبد الرحمن، عن عامر بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه قال: قلت للزبير: ما يَمنعُك أن تُحدِّث عن رسول الله ﷺ كما يُحدِّث عنه أصحابُه؟ فقال: أما والله! لقد كان لي منه وجه ومنزلة، ولكنِّي سَمعتُه يقول: ((مَن كذب عليَّ متعمِّداً فليتبوَّأ مقعدَه من النار)) ، وهوحديث صحيح، رجال إسنادِه خرَّج لهم البخاري ومسلم في صحيحيهما إلاَّ أحد شيخي أبي داود وهو مسدَّد، فهو من رجال البخاري وحده.
وقول ابن الزبير لأبيه: ((ما يَمنعُك أن تُحدِّث عن رسول الله ﷺ كما يُحدِّث عنه أصحابُه؟)) لا يدلُّ على خروج الزبير وابنِه من أصحابِ النَّبِيِّ ﷺ ؛ فإنَّ الزبير ﵁ من السابقين الأولين من المهاجرين، وهو أحد العشرة المبشَّرين بالجنَّة، وابنه عبد الله أوَّل مولود وُلد بالمدينة بعد الهجرة.
стр. 85
ويدلُّ لذلك أيضاً ما رواه البخاري في صحيحه (٢٩٨٤) عن عائشة ﵂ أنَّها قالت: ((يا رسول الله! يرجع أصحابُك بأجر حجٍّ وعمرةٍ، ولم أزِدْ على الحج؟)) الحديث.
وفي حديث عائشة في صحيح مسلم (٢/٨٧٥) قالت: ((خرجنا مع رسول الله ﷺ مُهِلِّين بالحج؟ ... فخرج إلى أصحابه، فقال: مَن لَم يكن معه منكم هَدْيٌ فأحبَّ أن يجعلها عمرةً فليفعل، ومَن كان معه هديٌ فلا، فمنهم الآخذ بها والتَّاركُ لها مِمَّن لَم يكن معه هديٌ، فأمَّا رسول الله ﷺ فكان معه الهدي، ومع رجال من أصحابه لهم قوَّة، فدخل عليَّ رسولُ الله ﷺ وأنا أبكي، فقال: ما يبكيك؟ قلتُ: سمعتُ كلامك مع أصحابك فسمعت بالعمرة فمُنِعتُ العمرة، قال: وما لك؟ قلت: لا أصلِّي)) الحديث.
فذِكرُ أمِّ المؤمنين عائشةَ ﵂ أصحابَ رسول الله ﷺ في هذه المواضع الثلاثة لا يدلُّ على إخراجها منهم، بل إنَّه يدلُّ على أنَّ كلَّ الذين صحبوه في حجَّته هم من أصحابه. وهذا الذي جاء عن العباس وابنه وابن الزبير وعائشة ﵃ له نظائرُ كثيرةٌ في كلام أصحاب رسول الله ﷺ ورضي الله عنهم، وهو واضحٌ في عدم خروج المتكلِّم به ومَن يخاطبه مِن أن يكون مِن أصحاب النَّبِيِّ ﷺ .
الثالث: أنَّ ما زعمه المالكي مِن كون العباس وابنه عبد الله ﵄ لَم ينالا شرفَ صحبة رسول الله ﷺ ، هو من الجفاء في بعض أهل البيت من أصحابه ﷺ ، فقد قال شيخُ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٤/٤١٩) : ((وأبعدُ الناس عن هذه الوصيَّة ـ يعني وصيَّةَ رسول الله ﷺ في أهل بيته ـ الرافضةُ؛ فإنَّهم يُعادون العباسَ وذرِّيَّتَه، بل يعادون جمهورَ أهل البيت ويُعينون الكفارَ عليهم)) .
стр. 86
بل إنَّ هذا من المالكي جفاءٌ في مَن هو أقربُ نسباً إلى رسول الله ﷺ ، عمه العباس ﵁ الذي لوكان يُورَث ﷺ لوَرثه عمُّه مع زوجاته ﷺ وبنته ﵅؛ لقوله ﷺ : ((ألْحِقوا الفرائض بأهلها، فما أبقت الفرائض فلأَوْلَى رجلٍ ذَكر)) متفق عليه، وأيضاً هو جفاءٌ لابن عمِّه
عبد الله بن عباس، الذي ضَمَّه ﷺ وقال: ((اللهمَّ علِّمه الكتاب)) رواه البخاري (٧٥) ، وفي لفظ عنده (١٤٣) : ((اللهمَّ فقِّهه في الدِّين)) .
أقول: أفيكون هذان الرَّجلان العظيمان لَم يظفَرَا بشرف صُحبة النَّبِيِّ ﷺ ، كما زعم هذا المالكي؟! نعوذ بالله من الخذلان.
* * *
زعمه أنَّ خالد بن الوليد ﵁ ليسَ من الصحابة والرد عليه:
قال في (ص:٤٣ ـ ٤٥) : ((الدليلُ الثالث عشر: حديثُ خالد بن الوليد وعبد الرحمن بن عوف، وهو قولُ النَّبِيِّ ﷺ : (لا تسُبُّوا أحداً من أصحابي؛ فإنَّ أحدَكم لو أنفق مثلَ أُحُدٍ ذهباً ما أدرك مُدَّ أحدهم ولا نصيفه) ، ثمَّ علَّق عليه هنا في الحاشية بقوله: ((مسلم ـ كتاب فضائل الصحابة)) .
ثمَّ قال: ((أقول: الحديث مشهورٌ بلفظ (لا تسُبُّوا أصحابي) ، وهو يخاطب خالدَ بنَ الوليد عندما تخاصم مع عبد الرحمن بنِ عوف في قضيَّة بني جَذِيمة بعد فتح مكة.
وهذا دليلٌ واضحٌ على إخراج النَّبِيِّ ﷺ لخالد بن الوليد وطبقته من الصحبة الشرعية لأكثر من دلالة:
стр. 87
الدلالة الأولى الأقوى: أنَّ تكملةَ الحديث فيه بيان للصحبة الشرعية، وأنَّها لا تُدرَك؛ لقوله ﷺ : (فلو أنفق أحدُكم مثلَ جبل أُحُدٍ ذهباً ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نصيفه) .
فهذه هي الصحبة الشرعيَّةُ تماماً، وهي التي لَم يُدْرِكْها خالد بنُ الوليد، على فضله وبلائه وشجاعته، كما لَم يُدْرِكْها طبقةٌ كعمرو بن العاص ونحوه، فمن باب أولى ألاَّ يدركَها طلقاءُ مكة، ولا عُتقاءُ ثقيف، ولا الأعرابُ، ولا الوفودُ المتأخِّرون ونحوهم.
الدلالة الثانية: أنَّ خالد (كذا) أقرَّ بهذا ولم يقل: (يا رسول الله! أو لستُ من أصحابك؟!؛ لأنَّ خالد (كذا) يعرف الفرقَ بين الصحبة الشرعية التي قام عليها الإسلام، وبين الصحبة العامة أو اللاَّحقة التي يمكن أن يُطلق على أصحابها (التابعين) أيضاً.
الدلالة الثالثة: أنَّ قصَّةَ الحديث وقعت بعد فتح مكة، وبعد أن صحب خالد بن الوليد النَّبِيَّ ﷺ مدَّةً من الزمن، لكن لَم تشفع له في الحصول على فضيلة الصحبة الشرعية، فكيف بِمَن بعده؟!)) .
والجوابُ:
أنَّ قولَ النَّبِيِّ ﷺ : ((لا تسبُّوا أصحابي)) ـ والمرادُ به عبد الرحمن بنُ عوف وغيرُه مِمَّن تقدَّم إسلامُهم ـ لا يدلُّ على حصر الصحبة في عبد الرحمن وأمثاله، وإنَّما يدلُّ على مزيد فضلِ هؤلاء، وإن كان غيرُهم قد شاركهم في الفضل، مع التفاوت الكبير بين الصحابة في الفضل، قال شيخُ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة (٨/٤٣١ ـ ٤٣٣) : ((ومِمَّا يبيِّن أنَّ الصحبة فيها خصوصٌ وعمومٌ، كالولاية والمحبة والإيمان وغير ذلك من
стр. 88
الصفات التي يتفاضلُ فيها الناسُ في قَدْرِها ونَوعِها وصِفَتِها، ما أخرجاه في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري قال: كان بين خالد بن الوليد وبين عبد الرحمن بن عوف شيء، فسبَّه خالد، فقال رسول الله ﷺ : (لا تسُبُّوا أحداً من أصحابي؛ فإنَّ أحدَكم لو أنفق مثلَ أُحُدٍ ذهباً ما أدرك مُدَّ أحدهم ولا نصيفه) ، انفرد مسلمٌ بذكر خالد وعبد الرحمن دون البخاري، فالنَّبِيُّ ﷺ يقول لخالد ونحوه: (لا تسُبُّوا أصحابي) ، يعني عبد الرحمن بن عوف وأمثاله؛ لأنَّ عبد الرحمن ونحوَه هم السابقون الأوَّلون، وهم الذين أسلموا قبل الفتح وقاتلوا، وهم أهلُ بيعة الرضوان، فهؤلاء أفضلُ وأخصُّ بصحبته مِمَّن أسلَم بعد بيعة الرضوان، وهم الذين أسلموا بعد الحديبية، وبعد مصالحة النَّبيِّ ﷺ أهلَ مكة، ومنهم خالد وعمرو بن العاص وعثمان ابن أبي طلحة وأمثالهم، وهؤلاء أسبق من الذين تأخَّر إسلامُهم إلى أن فُتحت مكة وسُمُّوا الطُّلَقاء مثل سُهيل بن عمرو والحارث بن هشام وأبي سفيان بن حرب وابنيه يزيد ومعاوية وأبي سفيان بن الحارث وعكرمة بن أبي جهل وصفوان بن أمية وغيرهم، مع أنَّه قد يكون في هؤلاء مَن برز بعلمِه على بعض مَن تَقَدَّمه كثيراً، كالحارث بن هشام وأبي سفيان بن الحارث وسُهيل بن عمرو، وعلى بعض مَن أسلم قبلهم مِمَّن أسلم قبل الفتح وقاتل، وكما برز عمر بنُ الخطاب على أكثر الذين أسلموا قبله.
والمقصود هنا أنَّه نَهْيٌ لِمَن صحِبَه آخراً أن يسبَّ مَن صحبه أوَّلاً؛ لامتيازهم عنهم في الصحبة بِما لا يمكن أن يشركهم فيه، حتى قال: لو أنفق أحدُكم مثلَ أُحُدٍ ذهباً ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نصيفه.
فإذا كان هذا حالُ الذين أسلموا من بعد الفتح وقاتلوا، وهم من أصحابه التابعين للسابقين، مع من أسلم من قبل الفتح وقاتل، وهم
стр. 89
أصحابُه السابقون، فكيف يكون حالُ مَن ليس من أصحابه بحال مع أصحابه؟!)) .
* * *
زعمه أنَّ معاويةَ ﵁ ليسَ من الصحابة والرد عليه:
قال في معاوية ﵁ في (ص:٥٤ ـ ٥٥) : ((الدليلُ الخامس والعشرون: أثر الأسود بن يزيد قال: قلت لعائشة: ألا تعجبين لرجلٍ من الطُّلَقاء ـ يقصد معاوية ـ ينازِع أصحابَ محمد ﷺ في الخلافة؟
قالت: وما تعجب من ذلك؟ هو سلطان الله يؤتيه البرَّ والفاجر، وقد ملك فرعونُ أهلَ مصر أربعمائة سنة.
أقول: الأثر فيه إخراجُ عائشة لمعاوية من أصحاب النَّبِيِّ ﷺ ، وفيه أيضاً أنَّ التابعين لَم يكونوا يرون الطُّلقاءَ من أصحاب النَّبِيِّ ﷺ ، بل والصحابة أيضاً؛ كما نرى من اتِّفاق رأي عائشة مع رأي التابعي الجليل الأسود بن يزيد النخعي!)) .
وقد علَّق على هذا الأثر بقوله في الحاشية: ((الأثر رواه ابن عساكر من طريق أبي داود الطيالسي، حدثنا أيوب بن جابر عن أبي إسحاق عن الأسود بن يزيد، وهذا الإسناد رجاله ثقات إلاَّ أيوب بن جابر مختلف فيه، وقد قوَّى أمرَه أحمدُ بن حنبل وعمرو بن عليّ الفلاَّس وابن عدي والذهبي والبخاري، وضعَّفه ابن معين والنسائي وابن المديني وأبو حاتم وأبو زرعة ويعقوب بن سفيان، وتوسَّط فيه الذهبي: مشهور صالح الحديث، ضعَّفه بعضُهم.
أقول: فالإسناد جيِّد في الجملة إن شاء الله)) .
стр. 90
وقال في معاوية ﵁ وغيره في (ص:٥٠ ـ ٥١) : ((الدليل التاسع عشر: قولُ عائشة: (أُمروا بالاستغفار لأصحاب محمد ﷺ فسبُّوهم) (مسلم ٤/٢٣١) .
كانت تلمِّح لِمَا يفعله أهلُ الشام من لعن علي وبعض أهل العراق في لعن عثمان.
أقول: وهذا يُفهم منه أنَّ هؤلاء ليسوا من أصحاب محمد ﷺ ، ومثله قول ابن عمر: (لا تسبُّوا أصحاب محمد؛ فلَمقَامُ أحدهم ساعة خيرٌ من عمل أحدكم عمره) (فضائل الصحابة لأحمد ١/٥٧، ٢/٩٧) .
فهذا القول وقول عائشة وأقوال لسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد وغيرهم، إنَّما انتشرت لمَّا انتشر بين الناس سبُّ عليٍّ وعثمان، فهما من أصحاب محمد ﷺ ، وقد كان يسبُّهما بعضُ من رأى النَّبِيَّ ﷺ أو له صحبة حسب فَهْمنا للصحبة، فلمَّا طال علينا الأمرُ وانقطع سبُّ علي وعثمان وطلحة والزبير وأمثالهم، وبقي سبُّ معاوية وعمرو وأمثالهما أخذنا هذه النصوص والآثار لنواجه بها الشاتِمين الجُدد، لكن المشتومين من الطُّلَقاء ليسوا مثل المشتومين من السابقين، بل إنَّ الطُّلَقاء ليسوا من الصحابة أصلاً، لكنهم دخلوا الصحبة بسبب الدفاعات التي تستلهم معها مثل هذه الآثار (تتبَّع هذا؛ فإنَّه مُهمٌّ ولن تجده بسهولة) !!)) .
ثمَّ علَّق في الحاشية على هذا الكلام بقوله: ((خاطب بالآثار السابقة ابنُ عمر الذين (كذا) مَن يلعن عثمان، وخاطب به سعيدُ بن زيد المغيرةَ ابنَ شعبة، وخاطبت عائشة مَن يسبُّ السابقين، وخاطب سعدُ بنُ أبي وقَّاص مَن يسبُّ عليًّا، وهكذا، بل قد كان ابن عباس يلعن معاوية بسبب قطعه التلبية يوم عرفة (المسند ٣/٢٦٤ تحقيق أحمد شاكر) ، فابن عباس قد
стр. 91
روى بعضَ النصوص في تحريم سبِّ الصحابة، ومع ذلك يرى جواز لعن معاوية، ويفعله لسببين: لأنَّه يعرف أنَّ معاوية ليس صحابيًّا، ولأنَّه رأى تغييراً لسُنَّة النَّبِيِّ (ص) (كذا) ، وغيَّرها أهلُ الشام بُغضاً لعليٍّ لأنَّه كان يُلبِّي يوم عرفة اقتداءً بالنَّبِيِّ ﷺ ، وقد كان يلعَن معاويةَ كثيرٌ من المهاجرين السابقين والأنصار، كعليٍّ وعمَّار وقيس بن سعد بن عبادة وغيرهم، وقد ذهب إلى جواز لعنه من العلماء المتأخِّرين محمد بن عقيل (وهو عالم سُنِّي) في كتابه النصائح الكافية!!)) .
وقال في (ص:٥٥) : ((الدليل السادس والعشرون: قول معاوية لكعب لَمَّا بشَّره بأنَّه سيكون بعد عثمان: تقول هذا وها هنا علي والزبير وأصحاب محمد؟ قال: أنت صاحبها، يعنِي صاحب الخلافة.
أول: لَم أجد نصًّا عن معاوية يَدَّعي أنَّه من أصحاب رسول الله ﷺ ، وهذا الأثر دليل على أنَّه لَم يكن يرى نفسَه منهم، وإن كان قد ثبت عنه أنَّه يقول: (قد صحبنا رسول الله ﷺ ) فيقصدُ الصُّحبةَ العامة لا الشرعية، فإن قصد الشرعيَّة فقوله مردودٌ بالكتاب والسُّنَّة.
وهناك أدلَّة أخرى سأستوفيها في النسخة النهائية لهذا المبحث الذي أطمع أن يخرج كتاباً إن شاء الله)) .
وعلَّق على الأثر بقوله: ((السنة للخلال (ص:٢٨١، ٤٥٧) ، وإسناد (كذا) صحيح، وقد صحَّح إسناده المحقق، ورواه ابن عساكر بالإسناد نفسه في تاريخه (٥٩/١٢٣)) ) .
ويُجاب عن هذا من وجوه:
الأول: أنَّ هذا الأثر عن عائشة ﵂ غيرُ ثابت؛ لأنَّ الذين
стр. 92
ضعَّفوا أيوب بن جابر كثيرون، والذين لَم يُضعِّفوه كلامهم فيه
ليس واضحاً في تقوية أمره، بل مقتضاه أنَّه يحتاج إلى مَن يعضده، وقد
قال عنه الذهبي في الكاشف: ((ضعيف)) ، وقال عنه الحافظ في التقريب:
((ضعيف)) .
وإسناده عند ابن عساكر في تاريخ دمشق (٥٩/١٤٥) هكذا: أخبرنا أبو القاسم الحُسين بن الحسن بن محمد، أنا أبو القاسم بن أبي العلاء، أنا عبد الرحمن بن محمد بن ياسر، أنا علي بن يعقوب بن أبي العَقَب، حدَّثني القاسم بن موسى بن الحسن، نا عبدة الصفار، نا أبو داود، نا أيوب بن جابر، عن أبي إسحاق، عن الأسود بن يزيد قال: قلت لعائشة ... إلخ.
وفي إسناد ابن عساكر هذا القاسم بن موسى بن الحسن المشهور بالأشيب، ذكره الخطيب في تاريخ بغداد (١٢/٤٣٥) ، ولم يزِد على ذِكر اثنين من تلاميذه، واثنين من شيوخه، ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً، فهو مجهول الحال، وفيه أيضاً عبد الرحمن بن محمد بن ياسر، ذكره الذهبي في سير أعلام النبلاء (١٧/٤١٥) ، ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً، وفي ترجمته عنده أنَّه حسن الرأي في معاوية ﵁.
الثاني: أنَّ ما فهِمَه من قول الأسود بن يزيد لعائشة: ألا تعجبين لرجل من الطُّلَقاء ينازع أصحابَ محمد ﷺ في الخلافة؟ وإجابتها على ذلك، من أنَّ الطُّلَقاء ـ ومنهم معاوية ـ ليسوا من أصحاب النَّبِيِّ ﷺ هو فَهْمٌ خاطئ، وسبق أن أَوْضحتُ ذلك فيما تقدَّم من زعمه أنَّ العباس بن عبد المطلب وابنه عبد الله ﵄ ليسَا من الصحابة، وبهذا الجواب يُجابُ أيضاً عمَّا فهمه من قول عائشة ﵂: ((أُمروا أن يستغفروا لأصحاب محمد ﷺ فسبُّوهم)) .
стр. 93
الثالث: أمَّا ما ذَكَره عن ابن عباس من أنَّه يرى جواز لعن معاوية، وأنَّ من أسباب ذلك أنَّه يعتبره غير صحابي، فجوابه أن يُقال:
١ ـ إنَّ ابنَ عباس ﵁ أيضاً قال فيه المالكي إنَّه ليس بصحابي كما قال في أبيه العباس، وقد مرَّ بيان ذلك.
٢ ـ إنَّ ابنَ عباس ﵁ أثنى على معاوية ﵁ ووصفه بأنَّه فقيه، وأنَّه صَحِبَ رسولَ الله ﷺ ، ففي صحيح البخاري (٣٧٦٤) بإسناده إلى ابن أبي مُليكة قال: ((أوتر معاويةُ بعد العشاء بركعة وعنده مولًى لابن عباس، فأتى ابنَ عباس، فقال: دَعْه؛ فإنَّه قد صحب رسول الله ﷺ )) .
وفي صحيح البخاري أيضاً (٣٧٦٥) بإسناده إلى ابن أبي مليكة أنَّه قال: ((قيل لابن عباس: هل لك في أمير المؤمنين معاوية؛ فإنَّه ما أوتر إلاَّ بواحدة؟ قال: إنَّه فقيه)) .
٣ ـ إنَّ ابنَ عباس لَم يلعن معاوية ﵁، ولَم يرَ جوازَ لعنِه، بل الذي حصل منه الثناء عليه ومدحه، وأمَّا الأثر الذي استند عليه في ذلك وعزاه إلى المسند بتحقيق أحمد شاكر، فهو في المسند هكذا، قال الإمام أحمد: حدَّثنا إسماعيل، حدَّثنا أيوب، قال: لا أدري أَسمعتُه من سعيد بن جُبير أم نُبِّئتُه عنه، قال: ((أتيتُ على ابنِ عباس بعرفة وهو يأكل رُمَّاناً، فقال: أفطر رسول الله ﷺ بعرفة، وبعثتْ إليه أمُّ الفضل بلَبَنٍ فشرِبَه، وقال: لعن الله فلاناً؛ عمَدوا إلى أعظم أيَّام الحجِّ فَمَحَوْا زينَتَه، وإنَّما زينة الحجِّ التلبية)) .
وقد ضعَّفه الشيخ أحمد شاكر ﵀ فقال: ((إسناده ضعيف؛
стр. 94
لشكِّ أيوب في سماعه من سعيد بن جُبير)) ، وقد اطَّلع على هذا التضعيف المالكي.
وقد عاش ابن عباس بعد معاوية ثمان سنين، فلو صحَّ الأثر احتمل أن يكون الذي عناه ابنُ عباس غيرَ معاوية ﵁؛ لأنَّ اللَّعنَ فيه بالإبهام وليس بالتعيين.
وما جاء في الأثر من كون النَّبِيِّ ﷺ مُفطراً بعرفة وشربه اللَّبن الذي بعثت به أمُّ الفضل فهو ثابت.
٤ ـ أمَّا قول المالكي: ((وقد كان يلعن معاويةَ كثيرٌ من المهاجرين السابقين والأنصار، كعلي وعمار وقيس بن سعد بن عبادة وغيرهم)) ، فلَم يذكر مستندَه في ذلك، وإن كان له مستندٌ فالغالب أنَّه من جنس مستندِه فيما أضافه إلى ابن عباس، وقد بيَّنتُ فسادَه.
٥ ـ وأمَّا قوله: وقد ذهب إلى جواز لعنه من العلماء المتأخِّرين محمد بن عقيل ـ وهو عالم سُنِّي! ـ في كتابه النصائح الكافية!!)) ، فأقول: إنَّ ابنَ عقيل الذي ذكره هو الحضرمي المتوفى سنة (١٣٥٠هـ) ، وهو ليس من أهل السُّنَّة، بل هو من المبتدِعة، وقد ذكر صاحب معجم المؤلفين (١٠/٢٩٧) في مصادر ترجمته كتاب أعيان الشيعة للعاملي، والضرر الذي حصل للمالكي إنَّما حصل له بقراءة كُتب هذا الرَّجل وأمثاله من أهل البدع والضلال، وكتابه الذي أشار إليه اسمه ((النصائح الكافية لِمَن يتولَّى معاوية)) ومقتضى عنوان هذا الكتاب ومضمونه زعم النُّصح لِمَن يحبُّ معاوية ألاَّ يحبَّه، بل عليه أن يُبغضَه، وهذا النُّصحُ هو من جنس نصح إبليس لآدم وحواء ﵉ الذي ذكره الله عنه بقوله: ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنَّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ ، ومن جنس نصح إخوة يوسف ليوسف ﷺ الذي
стр. 95
ذكره الله عنهم بقوله: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ﴾ ، وقد أشار إلى ما أودعه في نصائحه الكافية وغيره من كتبه من ذمِّ بعضِ الصحابة والنَّيلِ منهم في مطلع كتابه ((العتب الجميل)) (ص:٣١) ، فقال: ((لَم أتعرَّض في كتابي هذا لذكر تحامل بعضهم على عالي مقام مولانا أمير المؤمنين علي والحسنين وأمهما البَتول عليهم سلام الله، ولا لرَدِّ ما مدحوا به زوراً عدوَّهم معاوية وأباه كهف المنافقين وأمه آكلة الأكباد وعمرا بن العاص والمغيرة بن شعبة وسمرة بن جندب وأبا الأعور
السلمي والوليد بن عقبة وأضرابهم، مِمَّن لو مُزجت مياه البحار بذرَّة من كبائر فظائعهم لأنتنت، وذلك لظهور فساده للعاقل المنصف، ولأنِّي قد ذكرتُ شيئاً من ذلك في كتاب (النصائح الكافية) ، ثمَّ في كتاب (تقوية الإيمان) ... )) .
فهذا نموذج من كلام هذا الناصح بزعمه، الذي ابتُلي المالكي بقبول نُصحه، وفي الصحابة الذين سمَّاهم المغيرة بن شعبة، وهو من أهل بيعة الرضوان الذين قال الله فيهم: ﴿لَقَدْ رَضِيَ الله عَنِ المُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ ، وأخبر النَّبِيُّ ﷺ أنَّهم لا يدخلون النار، كما سيأتي بيان ذلك عند ذكر المالكي المغيرة بن شعبة والنَّيل منه.
٦ ـ في النسخة التي اطَّلعتُ عليها من كتاب المالكي قد شُطب
بالقلم على جملة: ((وقد كان يلعن معاويةَ كثيرٌ من المهاجرين السابقين والأنصار)) إلى ((وهو عالم سُنِّي في كتابه النصائح الكافية)) ، ولا أدري هل هذا الشطب مقصود أو غير مقصود؟ وهل هو من المالكي أو من غيره؟
فإن كان الشَّطب مقصوداً وهو من المالكي فهو حسن، وكان ينبغي له أن يشطب على الكتاب من أوَّله إلى آخره؛ لأنَّ كلَّ ما فيه باطلٌ، وليس فيه شيءٌ من الحقِّ، وهو حقيق بالإحراق.
стр. 96
وقد نقل ابن عقيل الحضرمي قدوة المالكي في كتابه العتب الجميل (ص:٦٠) أبياتاً عن أحد شيوخه، آخرها قوله:
قُلامة من ظفر إبهامه تعدل من مثل البخاري مئة
والضمير فيه يرجع إلى الإمام جعفر الصادق ﵀، وهو واضحٌ في الغلوِّ فيه، وفي الجفاء في الإمام البخاري ﵀، ولقد أحسن أبو سليمان الخطابي في قوله:
ولا تغْلُ في شيء من الأمر واقتصِد كلا طرفي قصد الأمور ذميمُ
وهذا الذي حصل لابن عقيل من الغلوِّ والجفاء قد ورثَه عن شيخه وأمثاله، وورثه المالكي عنهما وعن أمثالهما، وهو يُوَضِّح أنَّ البلاءَ الذي يحصل للتلاميذ غالباً إنَّما هو من شيوخهم، فابن عقيل ابتلي بمتابعة شيخه وأمثاله في الجفاء والغلوِّ، والمالكي تتلمذ على كتب ابن عقيل وأمثالها، وقد يكون تتلمذ مباشرة على علماء من أهل الضلال، فمِن أجل ذلك كان في كلامه ورأيه منحرفاً عن عقيدة أهل السُّنَّة والجماعة الصافية النَّقيَّة إلى عقائد أهل البدع والضلال، نعوذ ?الله من الخذلان.
الرابع: ما ذكره من أنَّه لَم يجد نصًّا عن معاوية يَدَّعي أنَّه من أصحاب رسول الله ﷺ قد نقضه بعده بقوله بأنَّه قد ثبت أنَّه يقول: ((قد صحِبنا رسول الله ﷺ )) ، وقول معاوية ذلك جاء في صحيح البخاري (٣٧٦٦) بإسناده إليه قال: ((إنَّكم لتُصلُّون صلاةً لقد صَحِبنا النَّبِيَّ ﷺ ، فما رأيناه يُصلِّيها، ولقد نهى عنهما، يعني الركعتين بعد العصر)) .
وقول المالكي: ((وإن كان قد ثبت عنه أنَّه يقول: (قد صحبنا رسول الله ﷺ ) فيقصدُ الصُّحبة العامة لا الشرعيَّة، فإن قصد الشرعيَّةَ فقوله مردود
стр. 97
بالكتاب والسنَّة)) ، وهذا مِمَّا يَعجبُ منه العُقلاء؛ لأنَّ نفيَ الصُّحبةِ عن كلِّ مَن كان بعد الحُديبية ومنهم معاوية ﵁، بل والعباس وابنه عبد الله وأبو هريرة وخالد بن الوليد وأبو موسى الأشعري وغيرهم
﵃ شذوذٌ عن سبيل المؤمنين لَم يسبقه إليه أحد، وما ذكره من أنَّ معاويةَ (إن قصد الصُّحبة الشرعيَّةَ فقوله مردود بالكتاب والسنَّة) ، أقول: ليس في الكتاب والسنَّة دليل على نفي الصُّحبة عن معاوية، وما أورده من أدلَّة ففهمُه فيها فهمٌ خاطئ، وهو من مُحدثات القرن الخامس عشر، وقد بيَّنتُ ذلك فيما سبق.
وأمَّا الأثر، ففي إسناده عنعنة الأعمش عن أبي صالح، وهومدلِّس، وكلام كعب فيه منكر، وما جاء فيه من ذكر أصحاب رسول الله ﷺ ـ لو ثبت ـ لا يدلُّ على خروج معاوية منهم كما زعم بقوله: ((وهذا الأثر دليل على أنَّه لَم يكن يرى نفسَه منهم)) .
تنبيه: روى الخطيب في تاريخ بغداد (١/٢٠٩) بإسناده إلى رباح بن الجراح الموصلي قال: ((سمعتُ رجلاً يسأل المعافى بن عمران، فقال: يا أبا مسعودأين عمر بن عبد العزيز من معاوية بن أبي سفيان؟ فغضب من ذلك غضباً شديداً، وقال: لا يُقاس بأصحاب رسول الله ﷺ أحدٌ، معاوية صاحبه وصِهرُه وكاتبه وأمينه على وحي الله ) .
وروى (١/٢٠٩) بإسناده إلى أبي توبة الربيع بن نافع قال: ((معاوية ابن أبي سفيان ستر أصحاب رسول الله ﷺ ، فإذا كَشف الرَّجلُ السِّتْرَ اجترأ على ما وراءه)) .
وروى ابن عساكر في تاريخ دمشق (٥٩/٢٠٩) بإسناده إلى عبد الله ابن المبارك أنَّه قال: ((معاوية عندنا مِحنة، فمَن رأيناه ينظر إليه شزَراً
стр. 98
اتَّهمناه على القوم، يعني الصحابة)) .
هذه ثلاثة نماذج من كلام أهل الإنصاف في معاوية ﵁، وقد ذكرتُ جملةً من كلام المنصفين فيما كتبته عن معاوية ﵁، وطُبع بعنوان: ((من أقوال المنصفين في الصحابيِّ الخليفة معاوية ﵁) .
وصدق أبو توبة وابن المبارك رحمهما الله؛ فإنَّ المالكيَّ لَمَّا تَجرَّأ على معاوية ونال منه ونفى عنه الصُّحبة، تجرَّأ على غيرِه وقال بنفي الصُّحبة عن كلِّ الذين صحِبوا رسول الله ﷺ بعد صُلح الحُديبية، بل تعدَّى ذلك إلى النَّيل من خلافة أبي بكر وعمر وعثمان والتشكيك فيها، ولا شكَّ أنَّ الزَّيغَ ينتج عنه إزاغة القلوب لقول الله : ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ الله قُلُوبَهُمْ﴾ ، وإنَّ من العقوبة على السيِّئة أن يُبتلَى المسيئُ بسيِّئة بعدها، كما أنَّ من الثواب على الحسنة أن يُوفَّق المُحسنُ لحسنةٍ بعدها.
وأحاديث معاوية ﵁ في الصحيحين وغيرهما، قال الخزرجي في الخلاصة: ((له ـ أي في الكتب الستة ـ مئة وثلاثون حديثاً، اتَّفقا على أربعة، وانفرد البخاري بأربعة، ومسلم بخمسة)) ، وقد بلغت أحاديثه في مسند الإمام أحمد أحد عشر حديثاً ومئة حديث من رقم (١٦٨٢٨) إلى (١٦٩٣٨) .
* * *
زعمه أنَّ عمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة ﵄ ليسَا من الصحابة والرد عليه:
قال في حاشية (ص:٧٨) : ((سيتبع هذا البحث بحوثاً (كذا) موسَّعة عن بعض مَن رأى النَّبِيَّ ﷺ ، لكن أُخِذَت عليه مآخذ كبيرة أو صغيرة)) .
فذكر أمثلة من هؤلاء، ثمَّ قال: ((وسيكون هناك أيضاً مباحث عن
стр. 99
المختلف فيهم كمعاوية وعمرو بن العاص والمغيرة ونحوهم)) ، وقد جاء ذكر عمرو بن العاص وأنَّه ليس من الصحابة في كلام المالكي المتقدِّم
في خالد بن الوليد، وجاء ذمُّه وذمُّ المغيرة بن شعبة في كلامه المتقدِّم في معاوية.
ويُجاب عن ذلك بما يلي:
أولاً: لا أعلمُ أنَّ أحداً قال بعدم صُحبة هؤلاء الثلاثة ﵃ لرسول الله ﷺ ، ولا خالف في أنَّهم صحابة إلاَّ هذا المالكي الذي اعتبر أنَّ الصحابةَ هم الأنصار والمهاجرون قبل الحُديبية فقط، وكذا الحكمي الذي حكى عنه المالكي أنَّه يقصر الصحبة على المهاجرين والأنصار قبل الحُديبية، والمغيرة قبل الحُديبية، فلا أدري هل الحكمي يُخرجه من الصُّحبة كما أخرجه المالكي أم لا؟
وسبق أن ذكرتُ أنَّ هذا من مُحدثات القرن الخامس عشر، بل إنَّ بعضَ فِرَق الضلال التي ابتُليت ببغض الصحابة وسبِّهم وتفسيقهم أو تكفيرهم لَم يقولوا بعدم صُحبتِهم للنَّبِيِّ ﷺ ، وإنَّما قالوا بارتدادهم بعد رسول الله ﷺ .
ثانياً: تقدَّم نقلُ جملة من كلامه السيِّئ القبيح في أمير المؤمنين معاوية ﵁ والجواب عنه.
ثالثاً: أمَّا عمرو بن العاص ﵁، فهو صاحب رسول الله ﷺ وأميره على أحد الجيوش، ويدلُّ لفضله ما يلي:
١ ـ روى البخاري في صحيحه (٣٦٦٢) بإسناده إلى عمرو بن العاص: ((أنَّ النَّبِيَّ ﷺ بعثه على جيش ذات السَّلاسل، فأتيتُه فقلت: أيُّ
стр. 100
النَّاسِ أحبُّ إليك؟ قال: عائشة، فقلتُ: مِن الرِّجال؟ قال: أبوها، قلتُ: ثمَّ مَن؟ قال: ثمَّ عمر بن الخطاب، فعدَّ رجالاً)) .
أورده البخاري في مناقب أبي بكر ﵁، وأورده (٣٥٨) في باب غزوة ذات السلاسل، ورواه مسلم في صحيحه (٢٣٨٤) وقد كان في الجيش أبو بكر وعمر ﵄، قال الحافظ ابن حجر في شرحه في باب غزوة ذات السلاسل: ((وفي الحديث جوازُ تأمير المفضول على الفاضل إذا امتاز المفضول بصفةٍ تتعلَّق بتلك الولاية، ومزيَّةُ أبي بكر على الرجال وبنتِه على النساء، وقد تقدَّمت الإشارةُ إلى ذلك في المناقب، ومنقبةٌ لعَمرو بن العاص لتأميره على جيشٍ فيهم أبو بكر وعمر، وإن كان لا يقتضي أفضليَّته عليهم، لكن يقتضي أنَّ له فضلاً في الجملة)) .
أقول: أَفَيَكُونُ النَّبِيُّ ﷺ أمَّر على هذا الجيش الذي فيه أبو بكر وعمر رجلاً ليس من أصحابه ﷺ ، كما هو مقتضى كلام المالكي؟!
٢ ـ روى مسلم في صحيحه (١٩٢) بإسناده إلى عبد الرحمن بن شماسة المهري قال: ((حَضَرْنا عمرو بنَ العاص وهو في سياقة الموت، فبكى طويلاً وحوَّل وجهه إلى الجدار، فجعل ابنُه يقول: يا أبتاه! أمَا بشَّرك رسولُ الله ﷺ بكذا؟ أما بشَّرك رسولُ الله ﷺ بكذا؟ قال: فأقبل بوجهه فقال: إنَّ أفضلَ ما نُعِدُّ شهادة أن لا إله إلاَّ الله وأنَّ محمداً رسول الله، إنِّي كنتُ على أطباقٍ ثلاث، لقد رأيتُنِي وما أحدٌ أشدَّ بُغضاً لرسول الله ﷺ منِّي، ولا أحب إلَيَّ أن أكون قد استمكنتُ منه فقتلتُه، فلو مِتُّ على تلك الحال لكنتُ من أهل النار، فلمَّا جعل الله الإسلامَ في قلبي، أتيتُ النَّبِيَّ ﷺ فقلت: ابسُط يَمينَك فلأُبايِعكَ، فبسط يَمينَه، قال: فقبضتُ يدي، قال: ما لك يا عَمرو؟ قال: قلت: أردتُ أن أشترطَ، فقال: تشترط بماذا؟ قلت: أن يُغفرَ
стр. 101
لي، قال: أما علمتَ أنَّ الإسلامَ يَهدِم ما كان قبله، وأنَّ الهجرةَ تَهدِم ما كان قبلها، وأنَّ الحجَّ يَهدِمُ ما كان قبله؟
وما كان أحدٌ أحبَّ إليَّ من رسول الله ﷺ ولا أجلَّ في عينِي منه، وما كنت أُطيقُ أن أملأ عيني منه إجلالاً له، ولو سُئلتُ أن أَصِفَه ما أطقتُ؛ لأنَّي لَم أكن أملأُ عيني منه، ولو مِتُّ على تلك الحال لرجوتُ أن أكون من أهل الجنَّة، ثمَّ وَلِينا أشياء ما أدري ما حالي فيها، فإذا أنا مِتُّ فلا تصحبْنِي نائحةٌ ولا نار ... )) .
والحديثُ مشتمِلٌ على جُمل دالَّة على فضل عَمرو بن العاص ﵁، وما جاء فيه من بُكائه ليس عيباً فيه؛ فشأنُ أولياء الله أنَّهم يخافون الله ويرجونه، وقد جاء عن بعض أهل العلم أنَّ الخوفَ والرَّجاء للمؤمن بمنزلة الجناحَين للطائر، لا يكون راجياً فقط ولا يكون خائفاً فقط، بل يكون راجياً خائفاً، ومن صفات أولياء الله في الكتاب العزيز ما ذكره الله عنهم بقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتَوْنَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ .
وأحاديث عمرو بن العاص ﵁ في الصحيحين وغيرهما، وقد قال الذهبي في ترجمته في سير أعلام النبلاء (٣/٥٥) : ((داهيةُ قريش ورجل العالَم، ومَن يُضرب به المَثَل في الفِطْنَة والدَّهاء والحزم، هاجر إلى رسول الله ﷺ مسلماً في أوائل سنة ثمان، مرافقاً لخالد بن الوليد وحاجب الكعبة عثمان بن طلحة، ففرح النَّبِيُّ ﷺ بقدومِهم وإسلامِهم، وأمَّر عَمراً على بعض الجيش، وجهَّزه للغزو، له أحاديث ليست كثيرة، تبلغ بالمكرَّر نحو الأربعين، اتفق البخاري ومسلم على ثلاثة منها، وانفرد البخاري بحديث، ومسلم بحديثَين)) .
стр. 102
رابعاً: أمَّا المغيرة بن شعبة ﵁، فهو صاحب رسول الله ﷺ ، ومِمَّن بايَع تحت الشجرة، ويدلُّ لفضله ما يلي:
١ ـ أنَّه من الذين قال الله فيهم: ﴿لَقَدْ رَضِيَ الله عَنِ المُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ .
وقال فيهم رسول الله ﷺ : ((لا يدخل النارَ إن شاء الله من أصحاب الشجرة أحد، الذين بايعوا تحتها)) أخرجه مسلم في صحيحه (٢٤٩٦) من حديث أمِّ مُبشِّر ﵂، ويبيِّن كونه من أهل بيعة الرِّضوان حديث المِسوَر بن مخرمة ومروان بن الحكم في صحيح البخاري (٢٧٣١، ٢٧٣٢) في صلح الحُديبية: ((وجعل (أي عروة بن مسعود الثقفي) يُكلِّم النَّبِيَّ ﷺ ، فكلَّما تكلَّم كلمةً أخذ بلِحيتِه، والمغيرة بن شعبة قائمٌ على رأس النَّبِيِّ ﷺ ومعه السَّيف وعليه المِغفر، فكلَّما أهوى عُروة بيده إلى لِحية النَّبِيِّ ﷺ ضرب يدَه بنعل السيف، وقال له: أخِّر يدَك عن لِحية رسول الله ﷺ )) .
٢ ـ وفي صحيح البخاري (٣١٥٩) عن جُبير بن حيَّة قال: ((بعث عمرُ الناسَ في أفناء الأمصار يقاتلون المشركين ... فنَدَبَنا عمر (أي لقتال الفرس) ، واستعمل علينا النُّعمان بن مقرِّن، حتى إذا كنَّا بأرض العدوِّ وخرج علينا عاملُ كسرى في أربعين ألفاً، فقام ترجمان فقال: لِيُكلِّمنِي رجلٌ منكم، فقال المغيرةُ: سَلْ عمَّا شئتَ، قال: ما أنتم؟ قال: نحن أناسٌ من العرب، كنَّا في شقاء شديد وبلاء شديد، نَمُصُّ الجِلدَ والنَّوى من الجوع، ونلبسُ الوَبَر والشَّعر، ونعبدُ الشَّجر والحَجَرَ، فبينا نحن كذلك إذ بعث ربُّ السموات وربُّ الأرضين تعالى ذِكرُه وجلَّت عظمتُه إلينا نبيًّا من أنفسنا، نعرفُ أباه وأمَّه، فأمرنا نبيُّنا رسولُ ربِّنا ﷺ أن نُقاتِلَكم حتى تعبدوا الله وحده أو تؤتُوا الجِزيَةَ، وأخبرنا عن رسالة ربِّنا أنَّه مَن قُتل منَّا
стр. 103
صار إلى الجنَّة في نعيم لَم ير مثلَها قطُّ، ومَن بقي مِنَّا مَلَكَ رِقابَكم)) .
أقول: الله اكبر! ما أحسن هذا الكلام، وما أعظمَه، وما أجزلَه! وهو صادرٌ عن قوَّة إيمان، وبهذه القوَّة انتصر الصحابةُ ﵃ ومَن سار على نهجِهم، وحصلت العِزَّةُ للإسلام والمسلمين، وهذا الكلام بمنطق القوَّة والشجاعة، ومع الأسف نجد في هذا الزمان كثيراً من الإسلاميِّين يتكلَّمون بمنطق الضَّعف والذِّلَّة، فيقولون: إنَّ الجهادَ إنَّما شُرع في الإسلام للدِّفاع فقط، والله المستعان، وقد قال الرسول ﷺ : ((بُعثتُ بين يدي الساعة بالسَّيف حتى يُعبد الله وحده لا شريك له، وجُعل رِزقي تحت ظِلِّ رُمْحِي، وجُعل الذُّلُّ والصَّغارُ على مَن خالف أمري، ومن تشبَّه بقومٍ فهو منهم)) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٢/٥٠، ٩٢) من حديث عبد الله بن عمر ﵄، وهو حديث ثابت، رجاله مُحتجٌّ بهم، وقد شرحه الحافظ ابن رجب في جزء لطيف مطبوع بعنوان: ((الحِكَم الجديرة بالإشاعة في شرح حديث بُعثت بين يدي الساعة)) .
٣ ـ وكان المغيرة بن شعبة ﵁ أميراً على الكوفة، وتوفي سنة (٥٠هـ) ، وقد روى البخاري في صحيحه (٥٨) بإسناده إلى زياد بن عِلاَقَة قال: ((سمعتُ جرير بن عبد الله يقول يوم مات المغيرة بن شعبة، قام فحمِد الله وأثنى عليه، وقال: عليكم باتِّقاء الله وحده لا شريك له، والوَقار والسَّكينة، حتى يأتيكم أمير، فإنَّما يأتيكم الآن، ثمَّ قال: استعفوا لأميرِكم؛ فإنَّه كان يُحبُّ العفوَ، ثمَّ قال: أمَّا بعد، فإنِّي أتيتُ النَّبِيَّ ﷺ قلتُ: أُبايِعُك على الإسلام، فشرط عليَّ: والنُّصح لكلِّ مسلم، فبايعتُه على هذا، وربِّ هذا المسجد! إنِّي لناصحٌ لكم، ثمَّ استغفَرَ ونزل)) .
وهذا الكلام من جرير ﵁ لأهل الكوفة فيه وَصْفُ المغيرة
стр. 104
رضي الله عنه بالأمير وثناؤه عليه، وبيان أنَّ مقالتَه هذه هي من النُّصح للمسلمين، الذي بايع عليه رسول الله ﷺ .
هذه بعضُ فضائل المغيرة بن شعبة، وأهمُّها كونه مِمَّن بايَع تحت الشجرة، ومع هذا لا يُسلِّم المالكيُّ بأنَّ المغيرة ﵁ ظفر بشرف صُحبة رسول الله ﷺ ، مع أنَّ رأيَه المبتَكر في القرن الخامس عشر هو قَصْر الصُّحبة المحمود أهلها على المهاجرين والأنصار قبل صلح الحُديبية، والمغيرة من هؤلاء، لكن مصيبة المغيرة عند المالكي كونه أميراً لمعاوية ﵁، فلذلك لَم تشفع له عنده هذه الفضائل، وقد وعد بكتابة بحوث موَسَّعة عنه وعن أمثاله، أي من وِجهته المنحرفة عن الصحابة، وهو وعْدٌ بباطل يجبُ إخلافُه.
وأحاديث المغيرة بن شعبة ﵁ في الصحيحين وغيرِهما، قال الخزرجي في الخلاصة: ((شهد الحُديبية، وأسلم زمن الخندق، له ـ أي في الكتب الستة ـ مئة وستة وثلاثون حديثاً، اتَّفقا على تسعة، وانفرد البخاري بحديث، ومسلم بحديثين.
* * *
زعمه أنَّ صُحبةَ الكثيرين من أصحاب النَّبِيِّ ﷺ لغوية لا شرعية والرد عليه:
قال في (ص:٥٦) : ((قد يورد البعضُ على ما سبق بعضَ الاعتراضات، وهذا من حقِّ كلِّ مَن قرأ البحثَ أو سمع به، كما أنَّه من حقِّنا أن نبيِّن رأينا في هذه الاعتراضات، سواء كانت بحقٍّ أم بغيره، ومن تلك الاعتراضات:
١ ـ
стр. 105
قد يقول البعض: ما دام أنَّ اللغة واسعةٌ ويجوز فيها أن تطلق الصحابي أو الصاحب على من صحب ولو صحبة يسيرة، فلماذا التضييق في الأمر؟
الجواب: نحن للأسف تجاوزنا مسألة اللغة نفسها، فأصبحنا نطلق الصاحب على من رأى وليس على من صحب، فهذا أوَّلاً.
ثانياً: سبق أن كرَّرنا أننا لا نُمانع من إطلاق الصحبة إذا أريد بها مطلق الصحبة، لكن هذا الإطلاق جائز في الكفَّار والمنافقين أيضاً، بمعنى أنَّ المنافقين يدخلون في الصحبة من حيث اللغة كما أنَّ الكفَّار يدخلون كذلك، فاللغة تحتمل ذلك، ولذلك نحن ذكرنا أنَّ الصُّحبةَ الشرعيَّة فقط هي التي تقول: إنَّه لا يجوز أن تطلق على المسلمين بعد فتح مكة حتى ولو رأوا النَّبِيَّ ﷺ وصَحبوه؛ لأنَّهم وإن كانوا صحابة لغة، وقد يكون بعضُهم صحابةً من حيث العُرف، لكنَّهم ليسوا صحابةً من الناحية الشرعية)) .
ويُجاب عن ذلك بما يلي:
أوَّلاً: أنَّ اعتبارَ الصُّحبة اليسيرة للنَّبِيِّ ﷺ ، بل ومجرَّد الرؤية للنَّبِيِّ ﷺ كافٍ لعَدِّ مَن حصل له ذلك صحابيًّا، وسبق ذِكرُ الأدلَّة الدَّالة على اعتبار مَن لقيه ﷺ صحابيًّا في أوَّل هذا الردِّ، منها الدليل السادس والثامن والرابع عشر التي فيها النص على اعتبار مَن رآه ﷺ صحابيًّا.
ثانياً: ما ذكره مِن أنَّ الصُّحبةَ الشرعيَّة لا يجوز أن تُطلَق على المسلمين بعد فتح مكة حتى ولو رأوا النَّبِيَّ وصحبوه ... إلخ، أقول: لَم يقتصِر على نفي الصُّحبة الشرعية المحمود أهلها على مَن أسلم بعد فتح مكة، بل تعدَّى ذلك إلى نفي الصُّحبة الشرعية عن الذين أسلموا بعد الحديبية وهاجروا إليه
стр. 106
وصحِبوه ﷺ ، كما ذكر ذلك في تعريف الصحابيِّ الذي ذكره في أوَّل رسالته، وذكر ذلك أيضاً في آخرها، وأثنائها، وسبقت الإجابةُ عن ذلك فيما مضى مراراً.
ثالثاً: ما ذكره من أنَّ مَن أُضيفت إليه الصُحبة وليست صحبتُه شرعية، أنَّ صحبتَه شبيهةٌ بصُحبة الكفار المنافقين، أقول: سبق أن بيَّنتُ في أوَّل هذا الرَّدِّ أنَّ صُحبةَ هؤلاء للنَّبِيِّ ﷺ كانت مع الإيمان به وتصديقه واتِّباعه ﷺ ، وهذا خلاف صحبة المنافقين والكفار، وبناءً على هذا أقول: أَيَجوز في عقل ودين أن تكون تلك الألوف الكثيرةُ مِمَّن أسلم وصحِب النَّبِيَّ ﷺ بعد الحديبية إلى حين وفاته ﷺ أن تكون صُحبتُهم كصحبةِ الكفار والمنافقين، وفيهم العباس عم النَّبِيِّ ﷺ وابنه عبد الله وخالد بن الوليد وعمرو بن العاص ومعاوية، بل والمغيرة بن شعبة ـ وهو من أهل بيعة الرضوان ﵃ جميعاً؟! وسبق للمالكيِّ أن نفى صُحبتَهم للرسول ﷺ ، ونقلتُ كلامَه في ذلك ورددتُ عليه فيما مضى.
رابعاً: قوله في أول كلامه: ((كما أنَّه من حقِّنا أن نبيِّن رأينا في هذه الاعتراضات، سواء كانت بحقِّ أم بغيره)) ، أقول: إذا كانت الاعتراضات بحقٍّ، فإنَّ الإجابةَ عليها بغير الرجوع والتسليم من المجادلة بالباطل.
* * *
فهمه الخاطئ للصُّحبة الشرعيَّة والرد عليه:
وقال في (ص:٥٧ ـ ٥٩) : ((٢ ـ وماذا تعنِي بالصُّحبة الشرعية؟ وهل سبقك أحدٌ إلى هذا المُسمَّى؟
الجواب: الصُّحبة الشرعية هي تلك الصُّحبة التي أثنى عليها الله ورسولُه ﷺ -
стр. 107
جزماً، ونزلت الآيات في وصفِها، وكانت أيَّام الضَّعف والذِّلَّة، أيَّام حاجة الإسلام والنَّبِيّ إلى النُّصرة، تلك الصُّحبة التي إن ورد الثناء على الأصحاب أو الأمر بعدم سبِّهم أو الأمر باقتداء بهم فلا تنصرف هذه المعاني إلاَّ للصُّحبة الشرعية، وهذا لا يعنِي عدم الثناء على الصالحين في أيِّ زمن، وإنَّما يعني احترام خصوصية السابقين الذين فضَّلهم الله ورسولُه وهم المهاجرون والأنصار.
أمَّا هل سبقنِي أحدٌ إلى هذه التسمية، فهذا سؤال له جوابان: عام وخاص:
أمَّا العام: فهناك كثيرٌ من المصطلحات أعطاها الشرعُ دلالةً خاصَّة غير دلالتها الأولى، وعلى سبيل المثال مصطلحات الزكاة والصلاة والحج، فمعانيها من حيث اللغة الطهارة أو التطهُّر والدعاء والقصد ... لكن الإسلام بنصوص الكتاب والسنة قد أعطى هذه المعاني دلالات أخرى مع عدم نفي الدلالات السابقة، فالحجُّ قصدٌ لكن إلى بيت الله الحرام
لأداء شعائر معيَّنة، والزكاة تُطهِّر مالَ المزكى وتطَهِّر المزَكِّي من الإثم، ونحو هذا.
بمعنى أنَّ الشرعَ يضيف تقييدات على المصطلحات العامة ليُصبح
لها مدلولاً شرعيًّا مقيَّداً (كذا) بعد أن كان المدلول مشتركاً لفظيًّا أو يكثر فيه المجازات اللغوية، فكذلك الصُّحبة، إذا قال النَّبِيُّ ﷺ : (لا تسبُّوا أصحابي ... ) عرفنا أنَّ كلمة (أصحابي) في هذا الحديث لا تعنِي إلاَّ السابقين من المهاجرين أو الأنصار؛ بدلالة أنَّ المخاطب صحابي تأخر إسلامه إلى بعد الحديبية، وهو يدخل في الخطاب بطريق الأولى، وكذلك إذا وجدنا آيةً تُثني على (الذين معه) أي الذين مع الرسول ﷺ ، فلا
стр. 108
تنصرف إلاَّ إلى الصُّحبة الشرعية؛ بدلالة الآيات الأخرى التي تقتصر على (المهاجرين والأنصار) ، وهذا يعنِي أنَّ كلمة (الذين معه) كلمة مُجملة مفسرة بـ (المهاجرين والأنصار) ، والقرآن مفسِّرٌ بعضه بعضاً.
وأمَّا الجواب الخاص: نعم! قد سبقنِي بعضُ الباحثين لإطلاق هذا، ومع ذلك فلا أطلب من أحدٍ أن يلتزم بهذا الإطلاق (الصُّحبة الشرعية) ، لكن عليه إن أثنى على الصحابة ألاَّ ينزل هذا الثناء إلاَّ على مَن أنزله الله ورسوله عليه من المهاجرين والأنصار فقط، أمَّا أن يأتي وينزل الآيات والأحاديث في فضل بيعة الرضوان على الطلقاء أو مَن بعدهم فهذا خلاف المنهج العلمي.
وقد سبقنِي لكن بألفاظ مقاربة بعضُ العلماء، منهم إبراهيم النخعي وابن عبد البر، ومن المعاصرين الشيخ عبد الرحمن الحكمي، فهو يرى أنَّ مَن أسلم بعد بيعة الرضوان لا يدخل في مسمى الصحابة، وعنده بحث في الموضوع عندي نسخة منه.
ثمَّ أقول: مَن سبقكم إلى اعتبار الآيات الكريمة التي وردت في حقِّ المهاجرين والأنصار، من سبقكم إلى اعتبارها نازلة فيمَن بعدهم؟!
ثمَّ لا يُشترط أن يسبق في الموضوع أحدٌ ما دام للموضوع أدلَّته وبراهينه، فينطلق النَّقد على تلك البراهين والأدلة، ولا ينطلق على غير ذلك، وكلمة (مَن سبقك) ليس دليلاً؛ فقد أطلق المتأخرون ألفاظاً أو مصطلحات لَم تكن موجودة فيهم قبلهم، مثل التفسير والتجويد والمصطلح نفسه وأصول الفقه والخاص والعام والمطلق والمقيد ونحو ذلك من الألفاظ التي لَم تكن موجودة في عهد النَّبِيِّ ﷺ ولا القرن الأول)) .
стр. 109
ويُجاب عن إجابته عن هذا الاعتراض الذي أورده على نفسه بما يلي:
أولاً: ما أشار إليه من الأدِلَّة الدَّالَّةِ على الثناءِ على المهاجرين والأنصار، فذلك حقٌّ وهم أهل ذلك الفضل، لكن ذلك لا ينفي أن يكون غيرُهم من أهل الفضل.
ثانياً: ما أشار إليه من أدلَّة عامَّة فيها الثناء على الذين كانوا مع النَّبِيِّ ﷺ ، وأنَّها محمولةٌ على المهاجرين والأنصار فقط غير صحيح؛ بل هي تشمل المهاجرين والأنصار وغيرهم مِمَّن جاء بعدهم، والمهاجرون والأنصار داخلون فيها دخولاً أوَّليًّا، ولا يجوز للمالكيِّ أن يَحقِدَ على أحدٍ من الصحابةِ، ولا أن يَحملَه الحِقدُ على كثير من الصحابة كالطُّلقاء أن يَجعلَ ما ورد عامًّا لجميع الصحابة خاصًّا بالمهاجرين والأنصار.
ثالثاً: ما ذكره من اللَّوم لِمَن ينزِّل الآيات والأحاديث في فضل بيعة الرِّضوان على الطلقاء أو من بعدهم، أقول: لا يُتصوَّر تنزيل قول الله : ﴿لَقَدْ رَضِيَ الله عَنِ المُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ مثلاً على أحدٍ سواهم من الطلقاء وغيرهم، كما أنَّ الفضائلَ الخاصَّة بأهل بدر لا تُنزَّل على مَن سواهم، لكنَّه التهويل من هذا المالكي هداه الله.
رابعاً: ما أشار إليه من أنَّ كثيراً من المصطلحات أعطاها الشرعُ دلالةً خاصَّةً غير دلالتها الأولى، أقول: نعم! الأمر كذلك، لكن لا يجوز أن يُفهم فهمٌ خاطئ بقَصْر الصُّحبة المحمود أهلها على المهاجرين والأنصار قبل الحديبية وإضافة ذلك إلى الشرع، كما فعل المالكي؛ فإنَّ الصُّحبةَ في اللغة عامَّةٌ تشملُ القليلَ والكثيرَ، وتشمل المؤمنين والمنافقين والكفار، ولكن صُحبة الرسول ﷺ قد جاء الشرع بقصْرها على مَن آمن به واتَّبعه مِمَّن
стр. 110
لقيه وصحبه، وسبق أن مرَّ في الأدلة في أوَّل هذا الرَّدِّ ما يوضح ذلك.
خامساً: ما ذكره من أنَّ الصُّحبةَ حيث وردت تُقصَر على المهاجرين والأنصار قبل الحديبية، يُجاب عنه بأنَّ لفظَ الصُّحبة مثل لفظ الإيمان يشترك فيه كلُّ مؤمن ومسلم مع التفاوت الكبير بينهم فيه، وكذلك الصُّحبة يشترك فيها كلُّ صحابيٍّ طالت صُحبتُه أو قصُرت مع التفاوت الكبير بين الصحابة في الفضل، ونظير ذلك في المحسوسات البصر، فإنَّ أهلَه متفاوتون فيه، منهم مَن هو حادُّ البصر يرى الهلال، ويرى من مسافات بعيدة، ويرى الشيءَ الدَّقيق، ومنهم مَن دون ذلك، ومنهم مَن هو ضعيف النَّظر لا يرى إلاَّ الشيءَ القريب والشيء الكبير، ومنهم مَن يُبصرُ الخطَّ الدقيق، ومنهم من لا يُبصر إلاَّ بزجاجة، وهم مشتركون جميعاً في أنَّهم مُبصرون ليسوا من أهل العمى، وسبق أن مرَّ الكلامُ على حديث: ((لا تسبُّوا أصحابي)) عند ذكر المالكي خالد بن الوليد وأنَّه ليس من الصحابة بزعمه.
سادساً: هذا الرأي الفاسد للمالكي وهو قَصْر الصُّحبة على المهاجرين والأنصار قبل الحديبية لَم يَجد له سلفاً فيه خلال ما مضى من قرون مع حِرصِه الشديد على وجود سلف، وقد أعلن إفلاسَه من وجود سلف بقوله هنا بأنَّه سبقه إلى ذلك شخصٌ من المعاصرين، وهو عبد الرحمن الحكمي، أمَّا ما ذكره عن النخعي وابن عبد البر فلَم يذكر كلامَهما حتى يُمكن النَّظر فيه من حيث الثبوت ومن حيث المعنى، وقوله: ((وقد سبقنِي لكن بألفاظ مقاربة بعضُ العلماء، منهم إبراهيم النخعي وابن عبد البر)) ، أقول: تعبيره بقوله: ((بألفاظ مقاربة)) يدلُّ على عدم اطمئنانه إلى معنى ما عزاه إليهما.
следующие страницы →