لقاء العشر الأواخر بالمسجد الحرام (٣١)
مقدمة إملاء الاستذكار
للحافظ أبي عمر ابن عبد البر القرطبي
تأليف
الحافظ أبي طاهر السلفي الأصبهاني المتوفى سنة ٥٧٦ هـ
تحقيق
عبد اللطيف بن محمد الجيلاني
ساهم بطبعه بعض أهل الخير من الحرمين الشريفين ومحبيهم
دار البشائر الإسلامية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وبه ثقتي
مُقَدِّمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
فإن العناية بإخراج المخطوطات وتحقيقها جزء من المسؤولية الملقاة على عاتق الباحثين وطلبة العلم المختصين، ففي إخراجها إحياء لتراث الأمة الِإسلامية المجيد، وأداء لبعض الواجب نحو علمائها المخلصين.
وقد تتابع بفضل الله تعالى في الآونة الأخيرة ظهور كتب التراث، حيث دفعت عجلات المطابع بالعديد من الكتب إلى عالم النور، وإسهاماً في خدمة التراث الإِسلامي وإحياء كنوزه ودفائنه من الاندثار ظهرت سلسلة لقاء العشر الأواخر من رمضان في المسجد الحرام برعاية دار البشائر الإِسلامية ببيروت، وبتعضيد من أهل الخير والفضل (١).
стр. 4
ويسعدني أن تكون مشاركتي في هذه السلسلة العلمية المباركة بإخراج هذه الرسالة التي سطّرها "حافظ الإِسلام، وأعلى أهل الأرض إسناداً في الحديث والقراءات مع الدين والثقة والعلم" (١): أبو طاهر أحمد بن محمد بن أحمد السِّلَفىِ الأصبهاني (ت ٥٧٦ هـ)، وهي مقدمة على كتاب الاستذكار في شرح ما رسمه الإِمام مالك في موطئه من الرأي والآثار, لأبي عمر ابن عبد البر النَّمَري القرطبي (ت ٤٦٣ هـ)، وَضَعَهَا لطلاّبه مدخلًا إلى هذا الكتاب العظيم قبل أن يشرع في تدريسه.
وتُعَدُّ هذه الرسالة من أقدم ما صُنِّفَ في افتتاحيات الكتب، إن لم تكن أقدمها، وكتب الافتتاحيات مصنّفات يضعها العالم أو يمليها برسم الشروع في إقراء كتاب من الكتب أو تدريسه، ويتناول فيها ترجمة صاحب الكتاب المراد إقراؤه، ويتحدث عن خصائص كتابه، ومنهجه فيه، كما أنه يَسُوقُ أسانيده إليه، وَيَعْرِض ما قيل في الثناء عليه نثراً ونظماً.
وقد أبان الحافظ السِّلفي في هذه الرسالة عن نشاطه العلمي بالمدرسة العادلية -التي تسمّت فيما بعد باسمه- وتحدّث عن مجالسه العلمية، وعَزْمِهِ على إملاء كتاب الموطأ للإِمام مالك ﵀، ثم العدول عنه إلى كتاب الاستذكار، وفي غضون ذلك أشاد بالإِمام مالك وبكتابه الموطأ، وذَكَرَ نُبَذاً من ثناء العلماء عليه، ثم ترجم للحافظ ابن عبد البر ترجمة مستفيضة أكثر فيها من الثناء عليه وعلى تصانيفه، وتفرّد فيها بذكر بعض الأقوال في ولادته ووفاته، وخَتَمَ الكتاب بذكر بعض أشعاره في الثناء على تآليفه، وبخاصة كتاب الاستذكار الذي عزم على إملائه وتدريسه لطلابه.
ولهذا كانت هذه الرسالة شهادة من الحافظ السِّلفي بجلالة ابن عبد البر، وعلو كعبه، وسعة علومه، وشهادة منه أيضاً لكتابه الاستذكار بعدم وجود نظير له
стр. 5
في بابه، فهو من أجلّ كتب الحديث والفقه، علاوة على ما حوته -رغم وجازتها- من فوائد فريدة، ومعلومات عزيزة.
وقد اعتمدت في تحقيقها على نسختين خطيتين، واجتهدت في ضبط نَصِّها، وتوثيق نقولها، والتعليق عليها، وصَدَّرْتُهَا بدراسة موجزة عَرَّفْتُ فيها بالمؤلف تعريفاً موجزاً، وَوَضَّحْتُ ما يتعلق بإثبات عنوانها، وصحّة نسبتها إلى مصنفها، مع وصف النسختين المعتمدتين في التحقيق، كما تَحَدَّثْتُ عن موضوع الكتاب، وعناية العلماء بكتاب الاستذكار.
وختاماً أضرع إلى المولى العلي القدير أن يمدني بتوفيقه، وأن يلهمني الرشد والسداد، وأن يغفر لي الزلل والتقصير، وأن يكتب لي هذا العمل في ميزان حسناتنا يوم الدين، والحمد لله أولاً وآخراً، وظاهراً وباطناً، وصلَّى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
وكتب
عبد اللطيف بن محمد الجيلاني الآسفي المغربي
لطف الله به وغفر له ولوالديه
بالمسجد النبوي الشريف بتاريخ ٥/ ٢/ ١٤١٦ هـ
وأعاد النظر فيها يوم الإِثنين ١٢/ ٣/ ١٤٢٢ هـ
стр. 6
ترجمة موجزة للمؤلف
هو أحمد بن محمد بن إبراهيم، أبو طاهر السَّلَفِي الجُرْواءاني الأصبهاني، ولد سنة خمس وسبعين بعد الأربعمائة أو قبلها بسنة على ما رجّحه الذهبي ﵀، وطلب الحديث من صغره، وارتحل وهو دون العشرين سنة، فدخل بغداد وسمع بها، وسمع أيضاً بالكوفة وواسط والبصرة ومكة والدَّينَّوْر وشهرستان وبلاد أخرى عديدة، وأملى عدّة مجالس بسَلَمَاس وهو شاب، وانتخب على غير واحد من المشايخ، وكتب العالي والنازل، ونسخ من الأجزاء ما لا يحصى كثرة، وبقي في الرحلة ثمانية عشر عاماً يكتب الحديث والفقه والأدب والشعر.
وقدم دمشق سنة تسع وخمسمائة فأقام بها سنتين، ثم استوطن ثغر الإِسكندرية بضعاً وستين سنة؛ بقي بها إلى أن مات ﵀ وهو ينشر العلم ويحصِّلُ الكتب التي قلّ ما لعالم مثلها في الدّنيا.
وكان مُكِبّاً على الكتابة والاشتغال والرواية, لا راحة له غالباً إلاَّ في ذلك؛ حتّى روي عنه أنه قال: "لي سِتُّون سنة بالإِسكندرية ما رأيت منارتها إلاَّ من هذه الطاقة، وأشار إلى غرفته التي يجلس فيها".
وقال عنه تلميذه عبد القادر الرُّهاوي: "بلغني أن مدة مقامه بالإِسكندرية ما خرج منها إلى بستان ولا فُرْجة سوى مرة واحدة، بل كان لازماً مدرسته، وما كنا نكاد ندخل عليه إلاَّ ونراه مطالعاً في شيء، وكان حليماً متحملاً لجفاء الغرباء".
وقد اشتهر الحافظ السِّلفي بالإِكثار من الشيوخ؛ فقد ذكر الحافظ أبو القاسم
стр. 7
التُّجِيبي السّبتي أنهم يزيدون على الألف، ثم قال: "وهذا اتساع عظيم في الأخذ عن المشايخ".
وكان لَهُ عند مُلُوكِ مِصْرَ الجَاهُ والكَلِمَةُ النَّافِذَةُ، بَنَى له الوزير العادل ابن السلآر مدرسة كبيرة أطلق عليها المدرسة العادلية، ثم سميت بعد ذلك باسمه "السِّلَفية"، ووقف عليها وقفاً، وكان يدرس بها الفقه على مذهب الشافعي ويروي الحديث.
والمُتَصَفّحُ للمصادر التي ترجمت للحافظ السِّلفي يجد أن كثيرًا من الأئمة قد أثنوا عليه ثناء عاطراً، وأشادوا إشادة بالغة بسعة علومه، وعلو مكانته.
قال المنذري: "كان أوحد زمانه في علم الحديث وأعرفهم بقوانين الرواية والتحديث، جمع بين علو الإِسناد، وغلو الانتقاد، وبذلك ينفرد عن أبناء جنسه".
وقال أبو سعد السمعاني: "السِّلفي ثقة ورع متقن متثبت، فهم حافظ، له حَظُّ من العربية، كثير الحديث، حسن اللهم والبصيرة فيه".
وقال ابن ناصر: "كان ببغداد كأنه شُعْلَةُ نار في تحصيل الحديث".
وقال أبو الربيع ابن سالم: "متفرد في الدنيا بالإِمامة في علم الحديث، وعلو الدرجة في الإِسناد، وأخذ عنه أهل الأرض جيلاً بعد جيل، وسمع الناس على أصحابه، وهو لم يبعد عهده بشبابه".
ورُوِيَ عن السِّلفي نفسه أنه قال:
ليس على الأرض في زماني ... من شأنه في الحديث شاني
نظماً وضبطاً يلي علوًّا ... فيه على رغم كل شاني
وكانت وفاته ﵀ رحمة واسعة جزاه عن الإِسلام والمسلمين خير الجزاء، في صبيحة يوم الجمعة خامس شهر ربيع الآخر سنة ست وسبعين وخمسمائة، وقد تجاوز من العمر مائة سنة.
стр. 8
ويحسن في ختام هذه الترجمة المقتضبة أن أشير إلى بعض مؤلفاته المطبوعة:
١ - معجم السفر (١).
٢ - كتاب الأربعين المستغني بتعيين ما فيه عن المعين، ويعرف بالأربعين البلدانية (٢).
٣ - الوجيز في ذكر المُجاز والمُجيز (٣).
٤ - المجالس الخمسة السلماسية (٤).
٥ - مقدمة إملاء معالم السنن للخطابي (٥).
هذا ما تَسَنَّى لي تلخيصه من ترجمة الحافظ السلفي، وقد جَرَيْتُ في تدوينها مجرى الاختصار مراعاة للمقام؛ إذ لا يتسع لبسطها والإِطالة فيها، كما أنه توجد دراسات ضافية حوله سيأتي الإِشارة إليها ضمن هذه القائمة التي حصرت فيها ما أمكنني الوقوف عليه من مصادر ترجمته تسهيلاً لمن أراد التوسع في معرفة أخباره، والوقوف على مناقبه ومآثره:
الأنساب للسمعاني ٧/ ١٠٥, ١٠٦، اللباب لابن الأثير ١/ ٢٧٤، الكامل لابن الأثير ١١/ ١٩١، وفيات الأعيان لابن خلكان ١/ ١٥٠، مرآة الجنان لليافعي ٨/ ٣٦٢، المعجم لابن الأبار ص ٤٨ - ٥٠، التقييد لابن نقطة ص ١٧٦ - ١٨٠، سير أعلام النبلاء للذهبي ٥/ ٢١ - ٣٩، تذكرة الحفاظ للذهبي
стр. 9
٤/ ١٢٩٨، العبر في خبر من غير للذهبي ٤/ ٢٢٧، ميزان الاعتدال للذهبي ١/ ١٥٥، أهل المائة فصاعداً (١) للذهبي ص ١٣٤، البداية والنهاية لابن كثير ١٢/ ٣٠٧، الطبقات الكبرى للسبكي ٦/ ٣٢، تهذيب تاريخ دمشق ١/ ٤٤٩، مقدمة تحقيق معجم السفر للدكتورة بهيجة الحسني، مقدمة تحقيق معجم السفر للدكتور شير محمد زمان (٢)، مقدمة تحقيق الوجيز في ذكر المجاز والمجيز للدكتور عبد الغفور البلوشي، مقدمة تحقيق الأربعين البلدانية لعبد الله رابح ص ٨ - ٢٢ (٣)، الحافظ أبو طاهر السلفي للدكتور حسن عبد الحميد صالح (٤)، الحافظ السِّلفي أشهر علماء الزمان لمحمد محمود زيتون (٥).
* * *
стр. 10
التعريف بالرسالة
موضوع الرسالة:
تُعَدُّ هذه الرسالة من كتب الافتتاحيات كما نبّهت عليه في المقدمة، ويبدو أن الحافظ السِّلفي هو أول من شَهَرَ هذا اللّون من التصنيف بين المحدثين، إذ له مقدمة أخرى على كتاب معالم السنن للخطابي (١).
وممن حذا حذوه في هذا الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي (ت ٨٤٢ هـ) حيث ألف كتاب: "افتتاح القاري لصحيح البخاري" (٢)، وكذلك ألّف الحافظ السيوطي (ت ٩١١ هـ): "رفد القاري بما ينبغي تقديمه عند افتتاح صحيح البخاري" (٣)، ثم كثر تصنيف الافتتاحيات عند المتأخرين؛ لاسيما على صحيح البخاري.
وتعتبر كتب الافتتاحيات مرجعاً مهماً في دراسة مناهج المصنفين؛ إذ يتضمن كثير منها خلاصة الاستقراء لتلك المناهج,. كما أنها مصدر لا يستغنى عنه فيما يتعلق بتراجم العلماء، ومعرفة أسانيد الكتب ومدى انتشارها واهتمام الناس بها.
ومقدمة إملاء الاستذكار التي أتشرف بتحقيقها وإخراجها اليوم تؤرخ لجانب من النشاط العلمي في القرن السادس الهجري، وتكشف عن جهود عالم
стр. 11
الإِسكندرية وحافظها أبي طاهر السِّلَفي (ت ٥٧٦ هـ) بالمدرسة العادلية -التي تسمّت فيما بعد باسمه: "السِّلَفية"- في تدريس العلوم الشرعية كالحديث والفقه، وعنايته بعقد مجالس الإِملاء التي بواسطتها حصَّل عنه تلاميذه رواياته وعوالي أسمعته الواسعة.
ومن جملة الكتب الحديثية التي أخذت حيِّزاً من اهتمام الحافظ السِّلفي كتاب الموطأ لإمام دار الهجرة مالك بن أنس ﵀، فقد أملاه سنة إحدى وخمسين وخمسمائة للهجرة، وخصّص له يومين من كل أسبوع، وخلال المدة التي أملى فيها الموطأ طُلِبَ منه أن يكتب شرحاً عليه، فاعتذر عن الخوض في لُجَّة شرح هذا الكتاب العظيم تواضعًا منه ﵀ وورعاً، واستعاض عن شرحه بإملاء كتاب الاستذكار للحافظ ابن عبد البر الأندلسي لعدم وجود كتاب يضاهيه من شروح الموطأ على حد قوله.
والناظر في هذه الرسالة يجد الحافظ السِّلفي قد ذكر نُتَفاً من ترجمة الإِمام مالك، وما قيل في الثناء على موطئه، وأتبع ذلك بترجمة للحافظ ابن عبد البر، اعتنى فيها بذكر تصانيفه وما قيل في الثناء على بعضها.
ولم تخلُ هذه الرسالة من فوائد عزيزة يندر العثور عليها في مصادر أخرى، ففيها بيان اهتمام الحافظ السِّلفي بمؤلفات ابن عبد البر حيث كان عزم على الرحلة إلى الأندلس للقاء علمائها -من تلاميذ ابن عبد البر- للحصول على تلك المؤلفات، علاوة على ذلك انفردت هذه الرسالة بذكر تراجم مختصرة لبعض العلماء، وذكر بعض الأقوال في تحديد ولادة ابن عبد البر ووفاته، كما تفتّقت فيها شاعرية الحافظ السِّلفي فجادت قريحته بأبيات شعرية معبرة في مدح الإِمام مالك والثناء على تصانيف الحافظ ابن عبد البر؛ خصوصًا كتابه "الاستذكار"، وقد بلغ عدد الأبيات في مدحه كتاب الاستذكار أحد عشر بيتًا.
ومن المسائل العلمية التي احتوت عليها هذه الرسالة مسألة الخلاف بين أهل المشرق والمغرب في الإِجازة، وقد بين المؤلف رأيه في ذلك، وبهذا
стр. 12
تكون هذه الرسالة على وَجَازَتِهَا وصِغَم حجمها في غاية الأهمية لما تضمنته من فوائد وفرائد يبتهج بالاطلاع عليها طُلاَّبُ العلم وَرُوَّادُه، والله ولي التوفيق والسداد.
عناية العلماء بكتاب الاستذكار لابن عبد البر النمري:
قام الدكتور علي النجدي ناصف قبل أزيد من عشرين عاماً بتحقيق جزءين من كتاب الاستذكار (١)، ثم توقّف عن نشر بقية الأجزاء، وتأخّر صدور الكتاب كاملاً إلى سنة (١٤١٣ هـ) حيث أخرجه الدكتور عبد المعطي قلعجي في ثلاثين مجلداً مع الفهارس.
وقد شغل هذا الكتاب اهتمام العلماء منذ القديم، فصرفوا عنايتهم إليه، وتجلّى ذلك في قيامهم باختصاره والجمع بينه وبين بعض شروح الموطأ الأخرى كالتمهيد لمؤلفه والمنتقى للباجي.
وبما أن رسالة الحافظ السِّلفي التي نحن بصدد التقديم لها تدخل في هذا الإِطار، فإنه من المناسب بيان ما وقفت عليه من جهود أهل العلم حول هذا الكتاب العظيم.
١ - شرع في الجمع بينه وبين كتاب التمهيد هشام بن أحمد المعروف بابن العواد الفقيه القرطبي (ت ٥٥٩ هـ)، ولم يكمله لوفاته (٢).
٢ - الجمع بين الاستذكار والمنتقى، لأبي الحسن علي بن عبد الله بن ملود اللُّمَائي المعروف بالمالطي القيرواني (ت ٥٣٧) (٣).
стр. 13
٣ - الأنوار في الجمع بين المنتقى والاستذكار، لأبي عبد الله محمد بن سعيد المعروف بابن زرقون (ت ٥٨٦ هـ) (١).
٤ - المختار الجامع بين المنتقى والاستذكار (٢)، لأبي عبد الله محمد بن عبد الحق بن سليمان الكومي اليعفري، قاضي تلمسان (ت ٦٢٥ هـ) (٣).
٥ - اختصار كتاب الاستذكار، لأبي بكر محمد بن عبد الله بن أحمد الأنصاري الإِشبيلي القرطبي (ت ٦٣٠ هـ) (٤).
٦ - اختصار كتاب الاستذكار، لأبي الحسن علي بن إبراهيم بن علي الجذامي القاضي (ت ٦٣٢ هـ) (٥).
стр. 14
إثبات عنوان الرسالة، وبيان صحة نسبتها لمصنفها:
عنوان هذه الرسالة كما هو مثبت على الصحيفة الأولى من النسخة الخطية المحفوظة بالظاهرية: "مقدمة كتاب الاستذكار الذي ألفه أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر النمري الحافظ بالأندلس ﵀، في شرح ما رسمه الأمام أبو عبد الله مالك بن أنس الأصبحي في مُوَطَّئِه رواية يحيي بن يحيي الليثي عنه ﵃ أجمعين" (١).
وأطلق الحافظ ابن رجب الحنبلي على هذه الرسالة: "مقدمة إملاء الاستذكار" (٢).
ويبدو لي أن الأنسب هو ما ذكره ابن رجب ﵀ لدلالته بوضوح على مضمون الرسالة، بعكس العنوان الأول الذي يحتمل أن يكون من وضع الناسخ نظراً لطوله وعدم دقته، والله أعلم
أمّا بخصوص نسبتها إلى الحافظ السِّلفي فلا يتطرق أدنى احتمال للتشكيك في صحة ذلك؛ لقيام الدلائل القاطعة على ذلك منها:
(أ) ورد في أول الرسالة بعد ذكر العنوان نسبتها إليه.
(ب) وجود طباق السماع بآخر الرسالة مسنداً إليه.
(ج) موافقة مضامين الرسالة لما عرف من أخبار عن الحافظ السِّلفي في مصادر ترجمته، كمقامه بالإِسكندرية، وتدريسه بالمدرسة العادلية وغير ذلك.
(د) اقتباس الحافظ ابن رجب الحنبلي في ذيل طبقات الحنابلة (١/ ٢٢٣) من هذه الرسالة مصرحاً باسمها واسم مؤلفها.
стр. 15
وصف النسختين الخطيتين المعتمدتين في التحقيق:
عثرت لهذه الرسالة على نسختين خطيتين:
الأولى: وهي من محفوظات المكتبة الظاهرية (مكتبة الأسد حالياً)، وتقع ضمن مجموع برقم (٧١)(١)، ومنها صورة بقسم المخطوطات بالجامعة الإِسلامية بالمدينة النبوية ضمن مجموع (٤٨٤).
وتشتمل هذه النسخة على سبع لوحات (من ل ١١٦ إلى ١٢٠) كل لوحة تشتمل على وجهين، كل وجه يحتوي على ١٦ سطراً، كل سطر يتضمن حوالي ١٢ كلمة، والخط الذي كتبت به مشرقي واضح سوى كلمات يسيرة وقع فيها طمس أو غموض تصعب معه القراءة.
وهذه النسخة مقابلة ومصحّحة فقد كتب في آخرها: "قوبل وصحّ إن شاء الله تعالى"، ومع نهاية كلام الحافظ السلفي كتب الناسخ: "وهذا أول الكتاب. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. وآخر من نقل من كلام شيخنا والحمد لله"، ثم كُتِبَ بعد ذلك طباق السماع الذي يبين قراءة هذه النسخة على المؤلف من طرف الشيخ العدل أبي محمد عبد العزيز بن عيسى بن عبد الواحد اللخمي، وفيه بيان أسماء السامعين على المؤلف، وختم الناسخ أسماءهم بذكر اسمه، وهو حماد بن هبة الله بن حماد الحراني (٢)، ثم ذكر تاريخ السماع وهو يوم الجمعة السادس عشر من شوال من سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة بثغر الِإسكندرية المحروس بالمدرسة العادلية.
стр. 16
أمّا أول الرسالة ففيه بيان العنوان واسم المؤلف، ونصّ وقف هذه النسخة على جميع المسلمين بالمدرسة الضيائية بسفح قاسيون، وتضمنت أيضاً نص سماع الشيخ حماد بن هبة الله الحراني، وهو الناسخ كما تقدم ذكره (١).
وقد اعتمدت هذه النسخة أصلاً في التحقيق لصحتها وضبطها ومكانة ناسخها، وإليها أشير بقولي: "الأصل".
أمّا النسخة الثانية: فهي من محفوظات المكتبة المحمودية الواقعة ضمن مجموعة المكتبات الوقفية التي تضمها مكتبة الملك عبد العزيز بالمدينة النبوية، ورقمها: ٣٩٦، وهي في الحقيقة مقدمة الجزء الأول من إملاءات في مجالس على موطأ الإِمام مالك ﵀ للعلامة أبي طاهر أحمد بن محمد بن أحمد بن إبراهيم السِّلفي.
وهذه النسخة غُفْلٌ من ذكر اسم الناسخ أو تاريخ النسخ، وتقع في ست ورقات ونصف الورقة، كل ورقة تتكون من جهتين، كل جهة تحتوي على حوالي سبع عشرة سطراً، كل سطر يتضمن سبع كلمات تقريباً، وهي بخط مغربي واضح، وهذه النسخة فيما يظهر عتيقة أيضاً، ويوجد بها بعض الاختلافات والفروقات مع نسخة الظاهرية، لكنها عارية من السماعات أو التصحيحات التي تدل على المقابلة، وبذلك تكون دون النسخة الأخرى -التي اتخذتها أصلاً- في الصِّحَّة والضّبط، وقد رمزت لهذه النسخة بحرف: "م".
منهجي في التحقيق:
ويتلخص ذلك في النقاط التالية:
١ - قدّمت للرسالة بدراسة موجزة.
٢ - قمت بنسخ الرسالة من نسخة الظاهرية التي اتخذتها أصلاً وفق
стр. 17
القواعد الإِملائية الحديثة، ثم قابلتها على نسخة المحمودية، ونبّهت على الفروق بينها وبين نسخة الأصل، ووضعت الزيادات في المتن بين معقوفين مع الإِشارة إلى ذلك في الهامش.
٣ - وثقت نقول المؤلف في هذه الرسالة من مصادرها الأصيلة.
٤ - اعتنيت بتوضيح مراد المؤلف في بعض المواطن من الرسالة.
٥ - شرحت بعض المصطلحات العلمية التي ذكرها المؤلف.
٦ - عرَّفت بالأعلام غير المشهورين ممن ورد ذكرهم في الرسالة.
٧ - عرّفت ببعض الأماكن والبلدان.
٨ - اعتنيت بضبط الأسماء والألفاظ.
إلى غير ذلك مما يجده القارئ في ثنايا الرسالة.
* * *
стр. 18
صورة لورقة العنوان من مخطوطة الظاهرية (الأصل)
стр. 19
صورة لبداية مخطوطة الظاهرية (الأصل)
стр. 20
صورة لنهاية مخطوطة الظاهرية (الأصل) وفيها يبدو طباق السماع
стр. 21
صورة لبداية مخطوطة الخزانة المحمودية (م)
стр. 22
صورة لنهاية مخطوطة الخزانة المحمودية (م)
стр. 23
لقاء العشر الأواخر بالمسجد الحرام (٣١)
مقدمة إملاء الاستذكار
للحافظ أبي عمر ابن عبد البر القرطبي
تأليف
الحافظ أبي طاهر السلفي الأصبهاني المتوفى سنة ٥٧٦ هـ
تحقيق
عبد اللطيف بن محمد الجيلاني
стр. 24
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
رَبِّ يَسِّرْ
قرئ على الشيخ الإِمام العالم الحافظ أبي طاهر أحمد بن محمد بن أحمد بن إبراهيم السِّلَفي الأصبهاني -وأنا أسمع- في يوم الجمعة الثالث عشر من شوال من سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة بثغر الإِسكندرية (١) بالمدرسة العادلية (٢)، قال:
قلت: أما بعد حمد الله رب العالمين، والصلاة على سيد الأولين والآخرين، وخاتم الرسل والنبيين، محمد وآله الطيبين الطاهرين، وأصحابه المهاجرين، [والأنصار المجاهدين بنصرة الدين] (٣)، والتابعين لهم بإحسان وأتباع التابعين:
стр. 25
فقد سألتموني -سنة سِتٍّ وأربعين وخمسمائة- (١) معشر الفقهاء المالكية والشافعية بالثغر المبارك -ثغر الإِسكندرية- بعد تضلعكم من أصول الفقه وفروعه، واستيفائكم -وقت استفتائكم- كل نوع من ينبوعه، وتبحركم -بعون الله تعالى-[في] (٢) سائر فنونه، وما يتعين تحصيله من نُكَتِهِ وعُيُونه؛ أن أملي عليكم من الحديث -الذي عليه مدار الشرع الأصلِ منه والفرع- ما يمكنني إملاؤه ويَخِفُّ عليَّ إلقاؤه.
فأمليت في المدرسة العادلية -التي لم [يُنشَأ للفقهاء، ولم يُبْنَ قط] (٣) مثلها شرقاً وغرباً، بُعْداً وقُرْباً، والله تعالى يُكافئ مُنْشِئَهَا (٤) الحسنى (٥)، ويُبَوِّأَه جنّات عدن في العقبى -مجالس من رواياتي عن شيوخي تتضمن من الحديث الصحيح والمشهور الكثير، ومن الفرد والغريب اليسير، مع الكلام على الأكثر وَفْقَ ما كان الخاطر يسمح به ويمليه، بلا ارتياء تام كما أرتضيه، وفي آخر كل مجلس ما تيسر من حكايته وشعر لي
стр. 26
ولغيري من النوازل (١) والعوالي (٢) على ما جرت به العادة في الأمالي (٣).
فلمّا بلغت الثلاثين وجُزْتُها، قطعتها (٤) إلى أن أرى رأيي فيما بَعْدُ من ضَمِّ مجالسَ أخرى -إن شاء الله- إليها؛ على قضية أرتضيها وأعول عليها، ثمّ آثرت إملاء ديوان جامع من رواياتي وعوالي (٥) سماعاتي يحتوي على
стр. 27
ما يحتاج إليه الفقيه الكامل المتصدي للفتيا, ولا يستغني عنه ما دام في الدنيا؛ لتضمنه أحاديث الأحكام، وما لا بد للمفتي منه مدى الأيام.
فتعذّر علي؛ لبعد الكتب عني والفوائد التي سمعتها بالعلو في الصغر، وجمعتها في السفر والحضر، ولو كانت حاضرة لكان إخراج ما ذكرته منها (١) [أسهل] (٢) علي من كل سهل، وأهون من كل هين، لكن العذر واضح على ما بينته، والحمد لله على كل حكم منه وأمرٍ وقضاء قضاه، حلو أو مُرّ.
فلم أر بعد ذلك كتاباً أولى بالإِملاء من موطأ [أبي عبد الله] (٣) مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر الأصبحي، إمام دار الهجرة؛ لاشتهاره
стр. 28
في الآفاق، واتفاق الفِرَق على صحته من غير اختلاف بينهم على الإِطلاق (١).
ولو لم يَرِدْ في فضله سوى قول الشافعي رحمة الله عليه: "ما بعد كتاب الله تعالى كتاب أصح من الموطأ" (٢)، لكان مقنعاً، وبجلالته معلناً معلماً، ثم لمَحَلِّ مؤلفه عند المؤالف والمخالف، وإجماعهم على علمه وثقته، وقصورهم عن شرح فضله وصفته؛ حتى قال يحيي بن سعيد القطان ويحيى بن معين -وهما هما- "مالك أمير المؤمنين في الحديث" (٣)، ولم يبلغ فيما بلغنا أحد درجته، [لم ينل] (٤) رتبته ومنزلته، فضلاً من الله ﵎، ونعمة عليه من عنده تتوالى.
وقد بلغني أن أبا بكر الخطيب الحافظ ببغداد قال: "جمعت الرواة عن
стр. 29
مالك فبلغ عددهم ألفاً أو قريباً من الألف" (١)، الشك مِنّي.
ولو لم يكتب عنه [آلاف] (٢) لما بقيت رواية [ألف] (٣)، وهو ﵀ المعنيّ بما قال النبي ﷺ : "يوشك أن يضرب الناس أكباد الإِبل يطلبون العلم فلا يجدون عالماً (٤) أعلم من عالم المدينة" (٥).
стр. 30
قال ذلك سفيان بن عيينة وغيره من الجلة، وعلماء الملة (١)(٢).
وَحَسْبُكَ بمن يَرُومُ الخليفة إسماعَ كتابه لولديه [في منزله] (٣) فيكون من جوابه: "العلم يا أمير المؤمنين يؤتى [إليه] (٤) ولا يأتي"،
стр. 31
فيسأله إفرادهما [عند حضورهما] (١) في مجلسه بالسماع، فيجيبه: "إن العلم لا يحل منعه"، حتى سمعاه مع عامة الناس عليه، بعد أن مشيا إليه (٢).
ويسأله في حَمْلِ الأمّة كافة على كتابه فيمتنع ويقول: "قد تفرّق أصحاب رسول الله ﷺ في البلاد، وأنا جمعت من حديث أهل المدينة ما جمعت، [ما] (٣) كان لله فسيبدو" (٤).
فَبَدا كما قال، وظهر وانبثّ في مدن الإِسلام، وانتشر بحسن نيته وبركته، وتركِهِ زخارف الدنيا رغبةً في آخرته، فَرَضِيَ الله عنه وأرضاه، وجزاه عن المسلمين خيراً بما ألّفه وأملاه.
ولي فيه وفي كتابه الذي إن شاء الله أُمْلِيهِ مقطّعات، فَمِمَّا قلته فيه قديماً:
إِمَامُ الْوَرَى في الشَّرْعِ بالشَّرْقِ مَالِكٌ ... بِالْغَرْبِ أَيْضاً في جَمِيعِ الْمَمَالِكِ
فمَنْ يَكُ سُنَيًّا وللشَّرْعِ تَابِعاً ... ولِلْعِلْمِ طَلاَّباً عليه بِمَالِكِ (٥)
стр. 32
فاستخرت الله تعالى وعَوَّلْتُ على إملائه -سنة إحدى وخمسين وخمسمائة- (١) في كل أسبوع يومين فقط حتى لا يكون ذلك سبباً للإِخلال بالدروس الفقهية [الخلافية والمذهبية (٢)] (٣).
فلقا تقرّر هذا سُئِلْتُ في الكلام على المشكل منه، وما يجب ذكره من (٤) فوائده عند السؤال عنه.
فامتنعت من (٥) المطلوب؛ إذ البضاعة مزجاة، لا تجب فيها زكاة، والأوقات مستغرقة فيما لا خفاء به من الاشتغال مع الأصحاب وما اقترحوه من شرح الكتاب يستدعي فراغاً وأمداً طويلاً، ولا أجد [ذا] (٦) الآن إلى ذلك سبيلاً، مع هذا فربما لم أصل إلى المراد، ولم أبلغ الغرض مع الاجتهاد، فأصير غَرَضاً للكَلاَمِ، بل للكِلاَم، وعرضة للملام والآلام. فرأيت الإِعراض
стр. 33
عمّا يُنْصِبُ الإِعراض عند القصور للذمّ أولى وأحرى، وأدعى إلى السلامة في الأولى والأخرى.
فَمِلْتُ إلى إملاء كتاب الاستذكار لأبي عمر ابن عبد البر الأندلسي في شرحه؛ إِذْ هُوَ كِتَابٌ لَمْ يُصَنَّفُ في فَنِّهِ مِثْلُهُ (١).
والمُصَنِّف فقد اشتهر نبله وفضله، وتَضَمَّنَ كتابُه ما يُحْتَاجُ إليه كاملاً، وَيُعْجبُ من كان عالماً فاضلاً، ويُسْتَغنَى به عن غيره من المؤلفات، واللهَ المُوَفِّقُ لإِلقائه في أبرك الأوقات والساعات، وإتمامِه وَفْقَ المأمول، وعلى مقتضى السول، بمنِّه وفضله، ويُمْنِهِ وطَوْلِه.
وقد كتب به إلي أبو عمران موسى بن عبد الرحمن بن أبي تليد الشاطبي (٢)، من الأندلس، وهو سماعه من مؤلفه على ما أعلمنيه أبو الوليد ابن الدّبّاغ (٣)، وكتبه إلّي بخطه، وهو من [أهل] (٤) المعرفة والدراية، والعارفين بمراتب الرواية.
وقال في فهرسته (٥): "كتاب الاستذكار لمذاهب علماء الأمصار فيما
стр. 34
رسمه مالك بن أنس في موطئه من الرأي والآثار: سمعت جميعه على الفقيه المشاور أبي عمران موسى بن عبد الرحمن بن أبي تليد، سَمَاعَهُ من مؤلفه أبي عمر ابن عبد البر".
وفيما كتب إلى [به] (١) أبو الوليد أيضاً بخطه: كتاب جامع بيان العلم وفضله وما ينبغي في روايته وحمله (٢)، لأبي عمر، سماع لشيخنا أبي عمران منه.
وسمع (٣) منه أيضاً من تواليفه كتاب الصحابة (٤)، وكتاب الاستذكار (٥)، وكتاب التقصي (٦)، وغير ذلك من تواليفه ورواياته، وأجازه جميع رواياته وتواليفه.
стр. 35
وأبو تليد: خصيب بن موسى (١)، روى عن القاسم بن مسعدة (٢)، عن النسوي أبي عبد الرحمن (٣).
وهو جَدُّ شيخنا أبي عمران موسى بن عبد الرحمن بن خلف بن موسى بن أبي تليد، أَرَانِي الفقيه أبو عمران كتاب السير من مصنف النسائي، وفيه السّماع على جده أبي تليد المذكور سنة خمس وثلاث وثلاثمائة بمدينة سالم (٤) من ثغر الأندلس.
ولموسى بن أبي تليد (٥) سماع من قاسم بن أصبغ (٦)، ووهب بن
стр. 36
مسرة (١).
ولخلف بن موسى بن أبي تليد (٢) سماع من عبد الوارث بن سفيان بن جُبْرُون (٣). وأما أبو المطرف [عبد الرحمن بن خلف (٤)، فسمع من أبيه خلف، ومن أبي المطرف] عبد الرحمن بن معافى (٥) -شيخ من أهل شاطبة، يحدث بالموطأ عن أبي عمر أحمد بن ثابت التغلبي (٦)، عن عبيد الله بن
стр. 37
يحيي بن يحيي (١)، عن أبيه، عن مالك -ولأبي المطرف إجازة من أبي بكر محمد بن مروان بن زهر الإِيادي (٢)، وصحبة طويلة لأبي عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر، وتوفي سنة خمس وسبعين وأربعمائة، أخبرني بذلك كله ابنه الفقيه أبو عمران (٣).
وأخبرني (٤) أبو عمران أنه ولد في سنة أربع وأربعين وأربعمائة، وله سماعٌ كثيرٌ من أبي عمر، موجودٌ بخطوط الثقات الأثبات، وتوفي (٥) ﵀ سنة سبع عشرة وخمسمائة.
هذا كله مما كتبه إلى أبو الوليد يوسف بن عبد العزيز بن الدبّاغ من سماع أبي عمران على أبي عمر وإجازته له.
وقال أيضاً فيما كتبه (٦) إلى بخطه:
أخبرنا الشيخ الأجل الفقيه المشاور أبو عمران موسى بن
стр. 38
عبد الرحمن بن خلف بن موسى بن أبي تليد خصيب بن موسى الشاطبي -وهو أجل من أن يقال فيه ثقة-.
فأقول [أنا] (١) إن شاء الله في أوّل ما أمليه:
كتب إلي أبو عمران، قال أخبرنا أبو عمر؛ إذ لم تقع النسخة المقابلة بأصل سماع أبي عمران عن أبي عمر إليّ.
ومَذْهَبُ أبي عُمَرَ وعامة حفاظ الأندلس: الجواز فيما يُجَازُ قَوْلُ حدّثنا، وأخبرنا، أو ما شاء المجاز مما يقرب منهما؛ بخلاف ما نحن (٢) وأهل المشرق عليه من إظهار السّماع والإِجازة، وتمييز أحدهما عن الآخر بلفظ لا إشكال فيه:
فمنهم: من قال أخبرنا وحدثنا سواء (٣)، لكن لا يقال ذلك إلاَّ في المسموع، وفي الإِجازة يقال: أنبأنا وأجاز لنا وأذن لنا، وما يشاكل هذه الألفاظ مما يزيل الإِشكال، ويعلم به أنه إجازة على أي لفظ بيّن ذلك غير قال (٤)(٥).
стр. 39
ومنهم: من لا يستعمل قول حدثنا إلاَّ فيما يسمعه من لفظ الشيخ، وأخبرنا فيما يقرؤه هو عليه أو يسمعه بقراءة غيره، وهو الأشهر الأكثر (١).
فجَرَيْتُ على مذهبهم في هذا (٢)، لكن لم أَرَ بُدّاً من بيانه احتياطاً، فإن وافق مسموعه (٣)، وهو الظاهر في الباب فقد حصل الغرض على الصواب، وإن لم يوافق -وهو بعيد- فقد أجاز له أن يروي عنه ما صحّ أنه تأليفه (٤) وحديثه، وهذا من تأليفه (٥) وحديثه بغير رَيْبٍ، إذ قابلناه بنسخ مكتوبة عنه مقابلة بكتابه مقروءة على أعيان أصحابه، فوافق والحمد لله على آلائه ونعمائه.
[التعريف بابن عبد البر]:
وأبو عمر، فلا بد أيضاً من التعريف به، والتنبيه على موضعه ومكانه ومحله من العلم، وكبير شأنه.
ذكره أبو محمد بن حزم الظاهري في رسالته في فضل الأندلس وعلمائها وما صُنِّفَ بها من كتاب، فأثنى عليه وعلى تواليفه، وقال: "كتاب
стр. 40
التمهيد لصاحبنا أبي عمر يوسف بن عبد البر -وهو الآن بَعْدُ في الحياة فلم (١) يبلغ سِنَّ الشيخوخة- كتاب لا أعلم في الكلام على فقه الحديث مثله أصلًا، فكيف أحسن منه (٢)، وكتابه في الصحابة ليس لأحد من المتقدمين قبله مثله على كثرة ما صنّفوا في ذلك (٣) ".
قال: "ولصاحبنا أبي عمر تواليف لا مثل لها في جميع معانيها" (٤).
وَحَسْبُكَ بأبي محمَّد مُثْنِياً، وكان من أقرانه، وَجَرَتْ بينهما مناظرات ومنافرات، ومع ذلك فيروي (٥) عنه بالإِجازة (٦)، وتوفي سنة ست وخمسين