← Акыда

Акыда · id 17862

شرح كلمة الإخلاص لابن رجب

عبد الرحمن بن ناصر البراك

Полный текст (186 стр.). Показаны 176–186 · переход к 181.

стр. 176

النعمةُ وله الفضلُ وله الثناءُ الحَسَنُ، لا إله إلا اللَّه مخلصين له الدِّينَ ولو كَرِهَ الكافرون» (١). وبالجملة فذكر اللَّه بها مطلقاً ومقيَّداً كثيرٌ، ومن ذلك ما ورد أنَّ: «مَنْ قَالَ: لَاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، فِي يَوْمٍ مِئَةَ مَرَّةٍ كَانَتْ لَهُ عَدْلَ عَشْرِ رِقَابٍ، وَكُتِبَ لَهُ مِائَةُ حَسَنَةٍ، وَمُحِيَتْ عَنْهُ مِائَةُ سَيِّئَةٍ، وَكَانَتْ لَهُ حِرْزاً مِنَ الشَّيْطَانِ يَوْمَهُ ذَلِكَ حَتَّى يُمْسِيَ، وَلَمْ يَأْتِ أَحَدٌ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ، إِلَّا رَجُلٌ عَمِلَ أَكْثَرَ مِنْهُ» (٢). وقد تقدَّم أنَّ «لا إله إلا اللَّه» هي كلمة التقوى، بل لا تقوم التقوى إلا عليها، فبها يُتَّقَى الشرك باللَّه، وتُتَّقَى جميع المعاصي، فَمَنْ قالها وتحقَّق بها فقد حَقَّقَ التقوى التي هي امتثال الأوامر واجتناب المناهي.

стр. 177

* قال ابنُ رجبٍ ﵀: وَمِنْ فَضَائِلِهَا: أَنَّهَا أَمَانٌ مِنْ وَحشَةِ القَبرِ وَهَولِ الحَشرِ، كَمَا في «المُسنَدِ» (١) وَغَيرِهِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَيسَ عَلَى أَهلِ «لا إِلَهَ إلا اللَّهُ» وَحشَةٌ فِي قُبُورِهِم وَلا نَشُورِهِم، وَكَأَنِّي بِأَهلِ «لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» قَدْ قَامُوا يَنفُضُونَ التُّرَابَ عَنْ رؤوسهم، وَيَقُولُونَ: الحَمدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذهَبُ عَنَّا الحَزَنَ» (٢). وَفِي حَدِيثٍ مُرسَلٍ: «مَنْ قَالَ: «لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ المَلِكُ الحَقُّ المُبِينُ» كُلَّ يَومٍ مِائَةَ مَرَّةٍ كَانَتْ لَهُ أَمَاناً مِنَ الفَقرِ، وَأُنْساً مِنْ وَحشَةً القَبرِ، وَاستَجْلَبَ بِهِ الغِنَى، وَاستَقْرَعَ بِهِ بَابَ الجَنَّةِ» (٣).

стр. 178

وَهِيَ شِعَارُ المُؤمِنِينَ إِذَا قَامُوا مِنَ القُبُورِ، وقَالَ النَّضرُ بنُ عَرَبِيٍّ: «بَلَغَنِي أَنَّ النَّاسَ إِذَا قَامُوا مِنْ قُبُورِهِم فَإِنَّ شِعَارَهُم: لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» (١). وَقَدْ خَرَّجَ الطَّبَرَانِيُّ حَدِيثاً مَرفُوعاً: «إِنَّ شِعَارَ هَذِهِ الأُمَّةِ عَلَى الصِّرَاطِ: لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ» (٢). وَمِنْ فَضَائِلِهَا: أَنَّهَا تَفتَحُ لِقَائِلِهَا أَبوَابَ الجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ يَدخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ، كَمَا فِي حَدِيثِ عُمَرَ ﵁ (٣)، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِيمَن أَتَى بِالشَّهَادَتَينِ بَعدَ الوُضُوءِ، خَرَّجَهُ مُسلِمٌ (٤). وَفِي «الصَّحِيحَينِ» عَنْ عُبَادَةَ [بن الصامت ﵁]، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَالَ: أَشهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ عِيسَى عَبدُ اللَّهِ [ورسوله] وَكَلِمَتُهُ أَلقَاهَا إِلَى مَريَمَ وَرُوحٌ مِنهُ، وَأَنَّ الجَنَّةَ حَقٌّ، وَأَنَّ النَّارَ حَقٌّ، وَأَنَّ اللَّهَ يَبعَثُ مَنْ فِي القُبُورِ فُتِحَت لَهُ ثَمَانِيَةُ أَبوَابٍ مِنَ الجَنَّةِ يَدخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ» (٥).

стр. 179

وَفِي حَدِيثِ عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ سَمُرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِي قِصَّةِ مَنَامِهِ الطَّوِيلِ، وَفِيهِ قَالَ: «وَرَأَيتُ رَجُلاً مِنْ أُمَّتِي اِنتَهَى إِلَى أَبوَابِ الجَنَّةِ، فَأُغلِقَت الأَبوَابُ دُونَهُ، فَجَاءَتهُ شَهَادَةُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَفَتَحَت لَهُ الأَبوَابَ، وَأَدخَلَتهُ الجَنَّةَ» (١). وَمِنْ فَضَائِلِهَا: أَنَّ أَهلَهَا وَإِنْ دَخَلُوا النَّارَ بِتَقصِيرِهِم فِي حُقُوقِهَا فَإِنَّهُم لا بُدَّ أَنْ يَخرُجُوا مِنهَا، وَفي «الصَّحِيحَينِ» عَنْ أَنَسٍ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «قَالَ اللَّهُ : وَعِزَّتِي وَجَلالِي وَكِبرِيَائِي وَعَظَمَتِي، لأُخرِجَنَّ مِنهَا مَنْ قَالَ: لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» (٢). وَخَرَّجَ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ أَنَسٍ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ أُنَاساً مِنْ أَهلِ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ يَدخُلُونَ النَّارَ بِذُنُوبِهِم، فَيَقُولُ لَهُمْ أَهلُ اللاتِ وَالعُزَّى: مَا أَغنَى عَنْكُمْ قَولُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَيَغضَبُ اللَّهُ لَهُمْ فَيُخرِجُهُم مِنْ النَّارِ، فَيَدخُلُونَ الجَنَّةَ» (٣).

стр. 180

وَمَنْ كَانَ فِي سُخطِهِ مُحسِناً … فَكَيفَ يَكُونُ إِذَا مَا رَضِيَ؟ لا يُسَوِّي بَين مَنْ وَحَّدَهُ -وَإِنْ قَصَّرَ فِي حُقُوقِ تَوحِيدِهِ- وَبَينَ مَنْ أَشرَكَ بِهِ. قَالَ بَعضُ السَّلَفِ: كَانَ إِبرَاهِيمُ ﵇ يَقُولُ: اللَّهُمَّ لا تُشرِكُ مَنْ كَانَ يُشرِكُ بِكَ بِمَنْ كَانَ لا يُشرِكُ بِكَ. كَانَ بَعضُ السَّلَفِ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ قُلتَ عَنْ أَهلِ النَّارِ: إِنَّهُمْ أَقسَمُوا بِاللَّهِ جَهدَ أَيمَانِهِم لا يَبعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ (١)، وَنَحنُ نُقسِمُ بِاللَّهِ جَهدَ أَيمَانِنَا: لَيَبعَثَنَّ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ، اللَّهُمَّ لا تَجمَع بَينَ أَهلِ القَسَمَينِ فِي دَارٍ وَاحِدَةٍ. كَانَ أَبُو سُلَيمَانَ يَقُولُ: إِنْ طَالَبَنِي بِبُخلِي طَالَبتُهُ بِجُودِهِ، وَإِنْ طَالَبَنِي بِذُنُوبِي طَالَبتُهُ بِعَفوِهِ، وَإِنْ أَدخَلَنِي النَّارَ أَخبَرتُ أَهلَ النَّارِ أَنِّي كُنْتُ أُحِبُّهُ. مَا أَطيَبَ وَصلَهُ وَمَا أَعذَبَهُ … وَمَا أَثقَلَ هَجْرَهُ وَمَا أَصعَبَهُ في السُّخطِ وَفي الرِّضَى ما أَهيَبَهُ (٢) … القَلبُ يُحِبُّهِ وَإِنْ عَذَّبَهُ! وَكَانَ بَعضُ العَارِفِينَ (٣) يَبكِي طُولَ لَيلِهِ، وَيَقُولُ: إِنْ تُعَذِّبنِي فَإِنِّي لَكَ مُحِبٌّ، وَإِنْ تَرحَمنِي فَإِنِّي لَكَ مُحِبٌّ.

стр. 181

العَارِفُونَ يَخَافُونَ مِنَ الحِجَابِ أَكثَرَ مِمَّا يَخَافُونَ مِنَ العَذَابِ (١)، قَالَ ذُو النُّونِ: خَوفُ النَّارِ عِنْدَ خَوفِ الفِرَاقِ كَقَطرَةٍ فِي بَحرٍ لُجِّيٍّ (٢). كَانَ بَعضُهُم يَقُولُ: إِلَهِي وَسَيِّدِي وَمَولاي، لَو عَذَّبتَنِي بِعَذَابِكَ كُلِّهِ، كَانَ مَا فَاتَنِي مِنْ قُربِكَ أَعظَمَ عِنْدِي مِنَ العَذَابِ. قِيلَ لِبَعضِهِم: لَو طَرَدَكَ مَا كُنْتَ تَفعَلُ؟، فَقَالَ: أَنَا إِنْ لَم أَجِد مِنْ الحُبِّ وَصلاً … رُمتُ فِي النَّارِ مَنزِلاً وَمَقِيلا ثُمَّ أَزعَجتُ أَهلَهَا بِنِدَائِي … بُكرَةً فِي عَرَصَاتِهَا (٣) وَأَصِيلا مَعشَرَ المُشرِكِينَ نُوحُوا عَلَى مَنْ … يَدِّعِي أَنَّهُ يُحِبُّ الجَلِيلَا لَم يَكُنْ فِي الَّذِي اِدَّعَاهُ مُحِقّاً … فَجَزَاهُ بِهِ العَذَابَ الطَّوِيلا! إِخوَاني اِجتَهَدُوا اليَومَ فِي تَحقِيقِ التَّوحِيدِ، فَإِنَّهُ لا يُوصِلُ إِلَى اللَّهِ سِوَاهُ، وَاحرِصُوا عَلَى القِيَامِ بِحُقُوقِهِ، فَإِنَّهُ لا يُنْجِي مِنْ عَذَابِ اللَّهِ إِلا إِيَّاهُ.

стр. 182

مَا نَطَقَ النَّاطِقُونَ إِذْ نَطَقُوا … أَحسَنَ مِنْ لا إِلَهَ إِلَّا هو تَبَارَكَ اللَّه ذُو الجَلَالِ وَمَنْ … أَشهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُو مَنْ لِذُنُوبِي وَمَنْ يُمَحِّصُهُا … غيرك يا من لَا إِلَهَ إِلَّا هُو جِنَانُ خُلدٍ (١) لِمَنْ يُوَحِّدُهُ … أَشهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُو نِيرَانُهُ لَا تُحرِقُ مَنْ … حَقَّقَ (٢) أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُو أَقُولُهَا مُخلِصاً بِلَا بُخلٍ … أَشهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُو آخِرُهُ وَالحَمدُ للَّه وَحدَهُ وصلى اللَّه على سيدنا محمد وآله [وصحبه] وسلم تسليماً كثيراً مما ورد هنا أنَّ «لا إله إلا اللَّه» أمانٌ لقائلها من وحشة القبر ويوم البعث، وهذا حقٌّ، ويمكن أن نستدل لهذا بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُّهْتَدُون (٨٢)﴾ [الأنعام]، وقد أورد الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ في (باب فضل التوحيد) هذه الآية مستدلاًّ بها على فضل التوحيد.

стр. 183

وهذا حقٌّ؛ فإنَّ التوحيد هو سبب الأمن والهدى، ومن ثبت له أصل التوحيد فإنه يأمن من الخلود في النار، ولا بد له من دخول الجنة، فمن حقَّقَ التوحيدَ وقال هذه الكلمة العظيمة: «لا إله إلا اللَّه» محقِّقاً لمعناها، عاملاً بمقتضاها = فاز بالأمن التام والهدى التام. فجزاء اللَّه للعباد قائمٌ على العدل، فلا يُسوِّي بين المشركين وبين الموحِّدين، ولا بين العصاة المسرفين على أنفسهم وبين المتقين، تعالى اللَّه عن ذلك، قال تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّار (٢٨)﴾ [ص]، ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِين (٣٥)﴾ [القلم]، ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاء مَّحْيَاهُم وَمَمَاتُهُمْ سَاء مَا يَحْكُمُون (٢١)﴾ [الجاثية]. فاللَّه يَتَعَالى ويتقدَّس أن يُسوِّي بين أوليائه وأعدائه، أو بين القائمين بحقه والمفرِّطين فيه، ولهذا بحكمته وعدله سبحانه جعل الجنة درجات، حتى إن من أهل الجنة من يَتَرَاءَون الغُرَف كما يَتَرَاءَى الناسُ الكوكَبَ الغَارِبَ في الأُفُق (١) -يعني: في علوٍّ بعيدٍ-، فالجنة منازلُ ودرجاتٌ متفاضلةٌ، و «الوسيلةُ» هي أعلى درجةٍ في الجنَّة، وهي لنبينا ﷺ (٢). فدرجات أهل الجنة ونعيمهم يتفاضل، كما في حديث عبادة ﵁: «أدخله اللَّه الجنة على ما كان من العمل» (٣)، قد قيل في معناه: يعني من حيث الدرجات، فيُسكِنُه اللَّه الدَّرجةَ التي يستحِقُّها بعمَلِه.

стр. 184

فمن فضل التوحيد أنَّه يحصل به الأمان، فمَن قال كلمة التوحيد وكان محقِّقاً لها فله الأمنُ من عذاب القبر ووحشته، ومن الفزع يوم الفزع الأكبر، كما قال تعالى: ﴿مَنْ جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُون (٨٩)﴾ [النمل]، ف «الحسنة» هنا هي: لا إله إلا اللَّه (١). لكن ليس المقصود هو مجرَّد التلفُّظ بها، فالعصاة المسرفون على أنفسهم يحصل لهم من الفزع والخوف يوم القيامة بحسب حالهم وذنوبهم، وينالهم من العذاب ما شاء اللَّه بحسب ذلك، لكن الذي يفوز بالأمن ﴿وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُون (٨٩)﴾ هو من جاء بالتوحيد وجاء بالإيمان ولم يَخْلِطْه بظلمٍ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُّهْتَدُون (٨٢)﴾ [الأنعام]، وقد فَصَّل شيخ الإسلام ابن تيمية في كلامه على هذه الآية ما يُفهم به المراد (٢). فإنَّ الظلمَ أنواع: النوع الأول: الظلم في حق اللَّه، ولا يقال: ظلم اللَّه، فإنَّ العباد لا يظلمون اللَّه ﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُون (٥٧)﴾ [البقرة: ٥٧، الأعراف: ١٦٠]، لكن الظلم يكون في حق اللَّه، ويكون ذلك بالشرك الأكبر، وهذا النوع من الظلم ينافي الأمن والهدى مطلقاً، فلا أمن ولا هدى لمن لَبَسَ إيمانَه بالشرك، كما قال النبي ﷺ لأصحابه ﵃ لما نزلت هذه الآية وشق ذلك عليهم وقالوا: أيما لم يظلم نفسه؟، قال لهم النبي ﷺ : «ألم تسمعوا إلى قول العبد الصالح: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيم (١٣)﴾ [لقمان]» (٣).

стр. 185

والنوع الثاني: ظلمُ الإنسانِ نفسَه بالمعاصي، وهذا يفوتُ به من الأمن والهدى بحسب ما اقتَرَفَه العبدُ من معاصي. والنوع الثالث: ظلمُ العبادِ في دمائِهم وفي أنفسِهم وأموالِهم وأعراضِهم، وهذا أيضاً يفوت به من الأمن والهدى بحسب ما اقتَرَفَ من ذلك. فالنوعان الثاني والثالث لا يمنعان -مع التوحيد- من الأمن والهدى مطلقاً، وإنما الذي ينافي الأمن والهدى مطلقاً هو الشرك والكفر بأنواعه. فلا بد من معرفة هذه الحقيقة؛ لأننا علمنا من النصوص أن الذي يقترف الذنوب على اختلاف أنواعها هو معرَّضٌ للعذاب، فليس من أهل الأمن التام، فلا يَرِدُ القيامةَ آمِناً كما قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [فصلت: ٤٠]، فالذي يأتي آمِناً يوم القيامة هو المؤمنُ الموحِّدُ الصَّادِقُ الذي قَدِمَ على ربِّهِ غير مُصِرٍّ على شيءٍ من الذنوب، ومن كان هذا حاله كان جزاؤه الأمن في ذلك اليوم ﴿مَنْ جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُون (٨٩)﴾ [النمل] آمِنٌ من الفزع، آمِنٌ من العذاب، آمِنٌ من النَّار. وهذا المعنى ذكره اللَّه تعالى في مواضع من كتابه الكريم، ومن ذلك قوله في حقِّ أوليائه: ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُون (٣٨)﴾ (١)، فهم يخافون في الدنيا لكن يوم القيامة يزول عنهم الخوف، وإن حصل في بعض المواقف خوفٌ عامٌّ، كما في حديث الشفاعة، وأنَّ الرُّسُلَ في ذلك اليوم يَتَرَادُّون الشفاعة ويمتنعون ويعتذرون، كلُّ واحدٍ منهم يقول: «إن ربي غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب

стр. 186

بعده مثله، نفسي نفسي نفسي» (١)، هذا خوفٌ عامٌّ يحدث لسائر الخلق، حتى الأنبياء والرسل، لكن لهم الأمن الذي تزول معه تلك المخاوف. فهذا تعليقٌ موجزٌ على هذه الجملة التي ساقها المؤلف ﵀ في التنويه بفضل «لا إله إلا اللَّه»، وخَتَمَها ببعض المقولات والآثار عن مسألة محبة اللَّه، وأن عذاب الحجاب أعظم من عذاب النار، وعذاب الحجاب هو مما يتضمنه عذاب النار، نعوذ باللَّه من النار ونعوذ باللَّه من الحجاب، قال تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُون (١٥) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيم (١٦) ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُون (١٧)﴾ [المطففين]. فكما أنَّ أعلى نعيم أهل الجنة وأفضلَه هو النظر إلى وجه اللَّه تعالى، ونعيم النظر داخلٌ في نعيم الجنة، خلافاً للصوفية الذين يفصلون بينهما، فيجعلون الجنة اسماً خاصّاً بما فيها من المآكل والمشارب والمطاعم والمناكح، واللَّه تعالى إذا وعد عبادَه بالجنة فمن نعيمها نَظَرُ أوليائه إليه في جنات النعيم وسماعُهم لكلامه. نسأله أن يَمُنَّ علينا بأسبابِ النَّجَاة، وأن يجعلنا جميعاً من الفائزين برضاه وعفوه وكرامته، وأن يجعلنا ممن يَنْعَمُ بالنَّظَر إلى وجهِه الكريم. اللَّهُمَّ إنَّا نستغفرُك ونتوبُ إليكَ، وصلى اللَّه وسلم وبارك على عبده ورسوله محمَّد. * * *