← Акыда

Акыда · id 17862

شرح كلمة الإخلاص لابن رجب

عبد الرحمن بن ناصر البراك

Полный текст (186 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

هذا، وللمغفرة أسبابٌ (١)، أعظمها التوبةُ والاستغفارُ والأعمالُ الصالحة والمصائبُ، فمن كان من أولياء اللَّه وابتلي بشيءٍ من الذنوب فلا بُدَّ أن يُعَرِّضَه اللَّه لهذه المكفرات. ومن شواهد التكفير بالمصائب قولُه ﷺ : «الحمَّى تُذهِبُ الخطايا كما يُذهِبُ الكِيرُ الخبَثَ»، ومن شواهدها أيضاً قصةُ ذلك الرَّجل الذي راودَ المرأةَ وجَرَى عليه بسببِ ذلك أن أُصِيبَ بِشَجَّةٍ في وجهِه فكان في ذلك إيقاظٌ له حتى يرجعَ إلى ربِّه وينيبَ ويُقلِعَ عن ذنبِه. * * *

стр. 142

* قال ابنُ رجبٍ ﵀: يَا قَومُ قُلُوبُكُمْ عَلَى أَصلِ الطَّهَارَةِ، وَإِنَّمَا أَصَابَهَا رَشَاشٌ مِنْ نَجَاسَةِ الذُّنُوبِ، فَرُشُّوا عَلَيهَا قَلِيلاً مِنْ دَمعِ العُيُونِ وَقَدْ طَهُرَت. اِعزِمُوا عَلَى فِطَامِ النُّفُوسِ عَنْ رَضَاعِ الهَوَى، فَ «الحِميَةُ رَأسُ الدَّوَاءِ» (١). مَتَى طَالَبَتكُم بِمَألُوفَاتِهَا، فَقُولُوا لَهَا كَمَا قَالَتْ تِلكَ المَرأَةُ لِذَلِكَ الرَّجُلِ الَّذِي دَمِيَ وَجهُهُ: قَدْ أَذهَبُ اللَّهُ بِالشِّركِ وَجَاءَ بِالإِسلامِ (٢). وَالإِسلامُ يَقتَضِي الاستِسلامَ وَالانقِيَادَ لِلطَّاعَةِ. ذَكِّرُوهَا مِدْحَة ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت: ٣٠] لَعَلَّهَا تَحِنُّ إِلى الاستِقَامَةِ، عَرِّفُوهَا اطِّلاعَ مَنْ هُوَ أَقرَبُ مِنْ حَبلِ الوَرِيدِ لَعَلَّهَا تَستَحِي مِنْ قُربِهِ وَنَظَرِهِ، ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى (١٤)﴾ [العلق]، ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَاد (١٤)﴾ [الفجر]. رَاوَدَ رَجُلٌ اِمرَأَةً فِي فَلاةٍ لَيلاً فَأَبَت، فَقَالَ لَهَا: مَا يَرَانَا إِلَّا الكَوَاكِبُ، قَالَتْ: فَأَينَ مُكَوكِبُهَا؟ (٣).

стр. 143

أَكرَهَ رَجُلٌ امرَأَةً عَلَى نَفسِهَا، وَأَمَرَهَا بِغَلقِ الأَبوَابِ، فَفَعَلَت، فَقَالَ لَهَا: هَلْ بَقِيَ بَابٌ لَم تُغلِقِيهِ؟ قَالَتْ: نَعَم، البَابُ الَّذِي بَينَنَا وَبَينَ اللَّهِ، [فتركها] ولَم يَتَعَرَّض لَهَا. رَأَى بَعضُ العَارِفِينَ (١) رَجُلاً يُكَلِّمُ امرَأَةً، فَقَالَ: إِنَّ اللَّه يَرَاكُمَا، سَتَرنَا اللَّهُ وَإِيَّاكُمَا!. هذه العبارات والقَصص التي ذكرها المؤلِّف هنا كلُّها تؤكِّدُ ما سبق من أنَّ العبدَ معرَّضٌ للذنوبِ وإن كان عبداً صالحاً، فهو معرَّضٌ للغفلة، ومعرَّضٌ للوقوع في الزلَّة والهفوة، لكن عليه أن يراقب ربَّه وأن يستحضر اطلاع اللَّه عليه، فيتذكر أنَّ اللَّه يسمَعُه ويراه ويعلم سِرَّه وعلانيَتَه. ولهذا كثيراً ما يُذَكِّرُ اللَّه عباده بهذه الأسماء الثلاثة: «السميع»، و «البصير»، و «العليم»، حتى يستحضر العباد ما تقتضيه هذه الأسماء من المعاني العظيمة، فإنَّ الإيمانَ بها شيءٌ والتأثُّر بها شيءٌ آخَر، فتجد بعض الناس يؤمن باسمه سبحانه «السميع» وأن اللَّه يسمع جميع الأصوات ومع ذلك تجده يطلق لسانَه في اللَّغْو وفي الإثم وفي الحرام وفي قول الزور ولا يتورَّع عن ذلك، وقل مثل ذلك في اسمه «البصير» واسمه «العليم».

стр. 144

فاسمه «السميع» يقتضي أنه سامع لجميع الأصوات، سامع لأقوالنا وكلماتنا، السر منها والعلانية. واسمه «البصير» يقتضي أنَّه يرانا ويرى أفعالنا ﴿فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ١٠٥]، فاللَّه يرى أعمال العباد، كما قال تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيم (٢١٧) الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُوم (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِين (٢١٩)﴾ [الشعراء]، ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور: ٤٨]، ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر: ١٤]، وقد قيل في معنى هذا: يعني على مرأى منَّا، فهو سبحانه يسمع ويرى ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (٤٦)﴾ [طه]. وكذلك اسمه «العليم»، فهو سبحانه يعلم كل شيء، وعلمه شامل لكل شيء، فيعلم السر وأخفى، ويعلم ما في الصدور، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُور (١١٩)﴾ [آل عمران]، وقال: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُور (١٩)﴾ [غافر]. ففي هذه القصص التي ذكرها المؤلِّف مُعتَبَر، فالإنسان قد يغفل كما جاء في قصة ذلك الرَّجل الذي خلا مع تلك المرأة وأمرها أن تغلق الأبواب وقال لها: هل بقي باب؟ قالت: نعم، بقي الباب الذي بيننا وبين اللَّه، فتأثَّر بذلك وخاف من ربِّه فقام وتركها. وهكذا يكون الإيمانُ الصادقُ، فإنَّ الإيمانَ يبعث على مراقبة اللَّه ولو كان المرءُ غائباً عن الناس، فتجده لا يراه أحدٌ من الناس ومع ذلك يَكُفُّ عن الحرام وعن الكَسْبِ الحرام، فقد يظفر بمالٍ يقدر على أن

стр. 145

يختلسه من غير أن يَطَّلِع عليه أحدٌ، ويأمن -مع ذلك- على نفسه، ولكن يمنعه من اختلاسه خوفه من اللَّه تعالى. ومن ذلك ما جاء في حديث السَّبعة الَّذين يُظِلُّهم اللَّه في ظِلِّه يومَ القيامة، ومنهم: «رجلٌ دَعَتْهُ امرأةٌ ذاتُ منْصِبٍ وجمالٍ، فقال: إني أخاف اللَّه» (١). وأعظم مَثَلٍ لهذا نبيُّ اللَّه يوسف ﵇، فقد اجتمعت عليه كل أسباب الوقوع في الفاحشة، فهو مملوكٌ رقيقٌ غريبٌ شابٌّ عَزَبٌ، وسيدته هي التي تدعوه لمطلوبها، ومع ذلك يَفِرُّ منها، ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِين (٢٤)﴾ [يوسف]، فلم تكن له حيلةٌ إلا أن يَفِرَّ إلى الباب ليَخرُج ليَسْلَم من الوقوع في الفاحشة وسوءِ العاقبة، كما قال تعالى: ﴿وَاسُتَبَقَا الْبَابَ﴾ [يوسف: ٢٥]؛ يعني: أيهما أسبق، فهو يريد الباب ليهرب ويخرج، وهي تريد الباب لتغلقه ولِتَحُولَ بينه وبين الخروج. فالشاهد من هذا أن مقام المراقبة ومقام الخوف من اللَّه يبعث على الكَفِّ عن المحارم، وعلى التوبة من الجرائم. * * *

стр. 146

* قال ابنُ رجبٍ ﵀: سُئِلَ الجُنَيدُ ﵀: بِمَ يُستَعَانُ عَلَى غَضِّ البَصَرِ؟، قَالَ: بِعِلمِكَ أَنَّ نَظَرَ اللَّهِ إِلَيكَ أَسبَقُ مِنْ نَظَرِكَ إِلَى مَا تَنظُرُه. وَقَالَ المُحَاسَبِيُّ: المُرَاقَبَةُ عِلمُ القَلبِ بِقُربِ الرَّبِّ (١). كُلَّمَا قَوِيت المَعرِفَةُ بِاللَّهِ قَوِيَ الحَيَاءُ [مِنْ قُربِهِ وَنَظَرِهِ]. وَصَّى النَّبِيُّ ﷺ رَجُلاً أَنْ يَستَحِي مِنْ اللَّهِ كَمَا يَستَحِي مِنْ رَجُلٍ من صَالِحِ عَشِيرَتِهِ لا يُفَارِقُهُ (٢) (٣). قَالَ بَعضُهُم (٤): اِستَحِ مِنْ اللَّهِ عَلَى قَدرِ قُربِهِ مِنكَ، وَخَفِ اللَّهَ عَلَى قَدرِ قُدرَتِهِ عَلَيكَ. كَانَ بَعضُهُم (٥) يَقُولُ: مُنذُ أَربَعِينَ سَنَةً مَا خَطَوتُ خُطوَةً لِغَيرِ اللَّهِ، وَلا نَظَرتُ إِلَى شَيءٍ أَستَحسِنُهُ حَيَاءً مِنْ اللَّهِ .

стр. 147

كَأَنَّ رَقِيباً مِنْكَ يَرعَى خَوَاطِرِي … وَآخَرُ يَرعَى نَاظِرِي وَلِسَانِي فَمَا أَبصَرَت عَينَايَ بَعدَكَ مَنظَراً … لِغَيرِكَ إِلَّا قُلتُ قَدْ رَمَقَانِي وَلا بَدَرَت مِنْ فِيّ بَعدَكَ لَفظَةٌ … لِغَيرِكَ إِلَّا قُلتُ قَدْ سَمِعَانِي وَلا خَطَرَت مِنْ ذِكرِ غَيرِكَ خَطرَةٌ … عَلَى القَلبِ إِلَّا عَرَّجَا بِعَنَاني (١) هذه الجمل المتقدِّمة فيها تأكيدٌ لما سبق؛ من أنَّ مما يُعِينُ على الكفِّ عن الحُرُمات؛ ويُعِينُ على غضِّ البصر، وحفظِ الفرج، وحفظِ الجوارح عن معاصي اللَّه = هو استحضار اطلاع اللَّه على عبده وسماعه وبصره وعلمه، فاستحضار العبد لمعاني هذه الأسماء هو أعظم سببٍ يَكُفُّه عن المحرَّمات، ويجعله يحجم ويمتنع، ويتذكر أن اللَّه يراه، وأنه يسمعه، وأنه يعلم سره وعلانيته، فيستحيي من ربه.

стр. 148

فبقدر عِلْمِ العبدِ بذلك ويقينِه وشعورِه تكون حاله مع أوامر اللَّه ونواهيه، من الوقوف عند حدوده والقيام بطاعته . وقد ذكر المصنِّفُ ﵀ جملة من الشواهد على هذا المعنى من أقوال بعض العُبَّاد، وبعض المأثورات. وبعض هذه الأحاديث التي استشهد بها المؤلِّف وإن كانت ضعيفةً إلا أنَّ أهل العلم لا يرون مانعاً من الاستشهاد بالأحاديث وإن كانت ضعيفة في تقرير وتأكيد الأمر الثابت، مثل ما يكون في أحاديث الترغيب والترهيب مثلاً. وأما الأحكام والعقائد فلا تُثبَت إلا بالأدلة الصحيحة، لكن هناك من الأدلة ما يُذكَر للاعتضاد والاستشهاد لا للاعتماد، فالقضية العَقَدِيَّة -عِلْمِيَّة كانت أو عَمَلِيَّة- الثابتة بالدليل الصحيح من كتابٍ وسُنَّة = لا بأس أن تُساقَ الشواهد والروايات والآثار والأخبار التي تؤيِّدُها وتؤكِّدُها وتعمِّقُها في النَّفْس؛ لأنَّ معناها حقٌّ، فلا مانع من ذكر ما يؤيِّد أمراً معلوماً وثابتاً بالدليل، وعلى هذا دَرَجَ كثيرٌ من أهل العلم من الأوَّلين والآخِرين، فلا يُتَّخذ من ذكرِهم لبعضِ الروايات أو الأحاديث والآثار التي يمكن أن يقال: إنها ضعيفة مطعناً عليهم، وإذا عُرِف مقصودهم اندَفَعَ طَعنُ الطَّاعِنين من الجاهِلين أو المغرِضين. * * *

стр. 149

* قال ابنُ رجبٍ ﵀: فَصلٌ وَكَلِمَةُ التَّوحِيدِ لَهَا فَضَائِلُ عَظِيمَةٌ لَا يُمْكِنُ هَهُنَا استِقصَاؤهَا (١)، فَلنَذْكُر بَعضَ مَا وَرَدَ فِيهَا: - فَهِي كَلِمَةُ التَّقْوَى، كَمَا قَالَهُ عُمَرُ وَغَيرُه من الصَّحَابَةِ (٢). - وَهِي كَلِمَةُ الإِخلاصِ، وَشَهَادَةُ الحَقِّ، وَدَعوَةُ الحَقِّ (٣)، وَبَرَاءَةٌ من الشِّرْكِ (٤)، وَنَجَاةُ هَذَا الأَمْرِ.

стр. 150

بهذا الموضوع ختم المؤلف ﵀ رسالته هذه، فذكر جملة من فضائل هذه الكلمة العظيمة «لا إله إلا اللَّه»، أو إن شئت قل: فضائل التوحيد، والمعنى واحد؛ فإنَّ التوحيدَ هو معنى «لا إله إلا اللَّه»، و «لا إله إلا اللَّه» معناها التوحيد، ولهذا في رواية الأحاديث تارة يُعَبَّر عن هذه الكلمة ب «التوحيد»، وتارة تُذكر بلفظها «لا إله إلا اللَّه». ولا ريب أنَّ كلمةَ التوحيدِ هذه كلمةٌ عظيمةٌ؛ لأنَّها مشتملةٌ على أمرٍ عظيمٍ؛ فهي الشهادةُ التي شهد اللَّه بها لنفسِه، وشَهِدَت له بها ملائكتُه وأولو العلم، كما قال تعالى: ﴿شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمَاً بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم (١٨)﴾ [آل عمران]. وهي الكلمة التي قال اللَّه فيها: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ ف «الكلمة» هنا هي: كلمة التوحيد، وقد بيَّنَها اللَّه بعد ذلك بقوله: ﴿أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللّهِ﴾ [آل عمران]، وكذلك في قول إبراهيم ﵇ لقومه: ﴿إِنَّنِي بَرَاء مِمَّا تَعْبُدُون (٢٦) إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِين (٢٧) وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ [الزخرف: ٢٦ - ٢٨]، وهي كلمة التوحيد. وكلمة التوحيد هذه «لا إله إلا اللَّه» قد جاءت في القرآن بعدة أساليب تعبِّر عنها:

стр. 151

- فتارة تُذكَرُ بلفظها، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ يَسْتَكْبِرُون (٣٥)﴾ [الصافات]، و ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُم (١٩)﴾ [محمد]، و ﴿اللّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، و ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيم (٢٢) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُون (٢٣)﴾ [الحشر]، و ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِين (٨٧)﴾ [الأنبياء]، و ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُون (٢٥)﴾ [الأنبياء]، وقال لموسى ﵇: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (١٤)﴾ [طه]، ففي هذه الآيات الكريمات وردت كلمة التوحيد تارة بالاسم الظاهر، وتارة بالضمير؛ وتَنَوَّع ذكر الضمير أيضاً، فوردت تارة بضميرِ المتكلِّم «لا إله إلا أنا»، وتارة أخرى بضمير المخاطَب «لا إله إلا أنت»، وثالثة بضمير الغائب «لا إله إلا هو». - وتارة تذكر بمعناها، فنجد معناها مبثوثاً في آيات القرآن مما لا يحصى؛ ففي قول الأنبياء: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ وهذا هو معنى «لا إله إلا اللَّه»، وكذا قوله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]. ف «لا إله إلا اللَّه» جاءت في القرآن بعدة أساليب تعبِّر عنها، فجاءت بهذا التركيب -تركيب النفي والاستثناء-، وهو أسلوبُ حَصْرٍ.

стр. 152

وجاءت أيضاً بأساليب أخرى من أساليب الحصر؛ كتقديم المعمول على العامل كما في قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، فقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾؛ معناه: لا نعبد غيرك، ولا نعبد إلا إِيَّاك، فهو بمعنى «لا إله إلا اللَّه»، ف ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ تساوي «لا إله إلا أنت». ولهذه الكلمة العظيمة أسماء عديدة: ١ - فهي: كلمةُ التوحيد. ٢ - وهي أيضاً: كلمةُ التقوى ؛ التي جاء ذكرها في سورة الفتح في قوله تعالى: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا﴾ [الفتح: ٢٦] ف «كلمة التقوى» -كما ذكر المؤلِّف ونَقَلَ في تفسيرها عن عمَرَ ﵁ وغيره- هي: «لا إله إلا اللَّه»؛ لأنَّ مَنْ قالها صِدْقاً من قلبِه أوجبَ له ذلك تقوى اللَّه؛ لأنها تتضمن الإيمان باللَّه والكفر بالطاغوت، والإيمان به ربّاً وإلهاً، فمن آمن بهذه الكلمة إيماناً صادقاً فإنها توجب له تقوى اللَّه ، توجب له أن يعبد ربَّه، أن يطيع ربَّه، وأن يمتثل أوامره. ٣ - وهي أيضاً: كلمة الإخلاص ؛ لأنَّ من أقرَّ بها ظاهراً وباطناً أخْلَصَ للَّه عمَلَه، فهي تُثْمِرُ الإخلاصَ؛ إخلاص الدِّين للَّه، وإخلاص العبادة للَّه. ٤ - وهي أيضاً: شهادة الحق ؛ لأنها الشهادة التي شَهِدَ اللَّه بها لنفسه وشهدت بها ملائكته وأولو العلم، كما قال تعالى: ﴿شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمَاً بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم (١٨)﴾ [آل عمران].

стр. 153

٥ - وهي أيضاً: دعوة الحق، كما في قوله تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾ [الرعد: ١٤]، وسُمِّيت «دعوة الحق» لأنها الكلمة التي دَعَت إليها الرُّسلُ أُمَمَهُم، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]، وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُون (٢٥)﴾ [الأنبياء]. والدعوة إلى ما تضمنته هذه الكلمة من التوحيد للَّه تعالى هي في الأصل دعوةٌ إلى اللَّه ، كما قال تعالى: ﴿وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِين (٨٧)﴾ [القصص]. ٦ - وهي أيضاً: العروة الوثقى، ف «لا إله إلا اللَّه»؛ معناها: الإيمان باللَّه والكفر بالطاغوت، وذلك هو العروة الوثقى، كما قال : ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لَا انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيم (٢٥٦)﴾ [البقرة]. وسميت كلمة التوحيد ب «العُروَة الوُثْقَى» لأنَّ من تمسَّك بها نَجَا من الهَلَكَة في الدُّنيا والآخِرَة، وَوَصَفَها اللَّه تعالى بأنَّها وُثقَى لأنَّها مَتِينَة، فهي أوثقُ من كلِّ مَا سِوَاهَا مِمَّا يُتَمَسَّكُ به طَلَباً للنَّجَاة، وفَسَّرَ ذلك بقوله: ﴿لَا انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيم (٢٥٦)﴾. ٧ - وهي أيضاً: براءةٌ من الشرك، وبيان ذلك أنها تضمنت في ركنها الأول - (لا إله) - نفي ألوهية كل من سوى اللَّه، فمن أقرَّ بها ظاهراً وباطناً بَرِئَ من الشِّركِ كلِّه، وهذه البراءَةُ هي الكفرُ بالطَّاغُوت كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ﴾ [البقرة: ٢٥٦].

стр. 154

٨ - وهي أيضاً: نجاةُ هذا الأمر، وقد جاء عند الإمام أحمد في «المسند» (١): أنَّ النبيَّ ﷺ سُئِلَ ما نجاةُ هذا الأمرِ؟ فقال: «مَنْ قَبِلَ مِنِّي الكلمةَ التي عَرَضتُ على عَمِّي فردَّها عليَّ فهي له نَجَاةٌ»، والمعنى أنَّ كلمةَ التوحيد «لا إله إلا اللَّه» هي التي بها أصل النجاة في الدنيا والآخرة. والمراد ب «هذا الأَمر» الدِّينُ الذي بَعَثَ اللَّه به رَسُولَه ﷺ ؛ كقوله ﵊: «مَنْ أَحدَثَ في أَمرِنَا هذا … فهو رَدٌّ» (٢)، فَدِينُ الإسلامِ الذي أصلُه «لا إله إلا اللَّه» هو الأمرُ العظيمُ الذي بَعَثَ اللَّه به رُسُلَه، وأعظمُ ذلك ما جاء به خاتَمُهم وسيِّدُهم محمَّدٌ ﷺ .

стр. 155

* قال ابنُ رجبٍ ﵀: - وَلأَجْلِهَا خُلِقَ الخَلْقُ، كَمَا قَالَ تَعَالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُون (٥٦)﴾ [الذاريات]. - وَلأَجْلِهَا أُرْسِلَت الرُّسُلُ وأُنْزِلَت الكُتُبُ، قَالَ تَعَالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُون (٢٥)﴾ [الأنبياء]، وَقَالَ تَعَالى: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاتَّقُون (٢)﴾ [النحل]، وَهَذِه الآيَةُ أَوَّلُ مَا عَدَّدَ [اللَّه] عَلَى عِبَادِهِ من النِّعَمِ في سُورَةِ النِّعَمِ الَّتِي تُسَمَّى «سُورَةُ النَّحْلِ»، وَلِهَذَا قَالَ ابنُ عُيَينَةَ: «مَا أَنْعَمَ اللَّه عَلَى العِبَادِ نِعْمَةً أَعظَم مِنْ أَنْ عَرَّفَهَم لا إِلَهَ إِلَّا اللَّه، وَإنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّه لأَهْلِ الجَنَّةِ كَالمَاءِ البَارِدِ لأَهلِ الدُّنْيَا» (١). - وَلأَجْلِهَا أُعِدَّت دَارُ الثَّوَابِ وَدَارُ العِقَابِ في الآخِرَةِ، فَمَنْ قَبِلَهَا وَمَاتَ عَلَيهَا كَانَ مِنْ أَهلِ دَارِ الثَّوَابِ، ومَن رَدَّهَا كَانَ مِنْ أَهلِ دَارِ العِقَابِ. - وَمِنْ أَجلِهَا أُمِرَت الرُّسُلُ بِالجِهَادِ؛ فَمَنْ قَالَهَا عُصِمَ مَالُهُ وَدَمُهُ، وَمَنْ أَبَاهَا فَمَالُهُ وَدَمُهُ هَدَرٌ.

стр. 156

من فضائل كلمة التوحيد: ١ - أنها الموجبة لدخول الجنة والنجاة من النار، أو النجاة من الخلود في النار؛ كما تقدم بيانه. ٢ - ومن فضائلها أيضاً: أن اللَّه خَلَقَ الخَلْقَ كلَّهم من أجلِها: - فخلق الثَّقَلَين -الجنَّ والإنسَ- من أجلها، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُون (٥٦)﴾ [الذاريات]. - ومن أجلها أيضاً خَلَق اللَّه السموات والأرض، وخلق الدنيا والآخرة، وخلق الموت والحياة، كما قال : ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ [الملك: ٢]. فاللَّه خلق العبادَ ليبتليهم، وخلق السموات والأرض لابتلاء العباد، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَق السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ [هود: ٧]، وقال: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً (٧)﴾ [الكهف]، وابتلاؤهم إنما هو بأمرهم ونهيهم؛ أَمْرُهم بعبادة اللَّه، ونَهْيُهم عن عبادة ما سواه، أَمْرُهم بطاعته وطاعة رسله ﵈. - ومن أجلها أيضاً خَلَقَ اللَّه الجنَّةَ والنَّار، فخلق الجنَّة للموحِّدين، وخلق النَّار للكافرين المشركين.

стр. 157

وهذا معنى أنَّ اللَّه خَلَقَ الخَلْقَ لهذه الكلمة، فمن أجلها خلق اللَّه الخلق، وخلق السموات والأرض، وخلق الجنة والنار. ٣ - ومن أجلها أيضاً أرسل اللَّه الرسل، وأنزل الكتب، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]، وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُون (٢٥)﴾ [الأنبياء]، وكل نبيٍّ يقول لقومه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾. ٤ - ومن أَجْلِهَا أيضاً أُمِرَت الرُّسُلُ بالجِهادِ، ويدل لذلك ما جاء في «الصحيحين» من حديث أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ : أنَّه قال: «أُمِرتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَإِذَا قَالُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُم وَأَموَالَهُم إِلَّا بِحَقِّهَا» (١). فعُلِمَ بذلك أنَّ الدخول في الإسلام عاصمٌ للدَّمِ والمالِ، وكذلك أداءُ الجِزية يَعصِمُ الدمَ والمالَ، كما قال تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُون (٢٩)﴾ [التوبة]. فقول المصنِّف ﵀: (ومَن أَبَاهَا فَمَالُهُ وَدَمُهُ هَدَرٌ) ليس على إطلاقه؛ للآية الكريمة. * * *

стр. 158

* قال ابنُ رجبٍ ﵀: - وَهِي مِفتَاحُ دَعوَةِ الرُّسُلِ. - وَبِهَا كَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى كِفَاحاً. وَفي «مُسنَدِ البَزَّارِ» وَغَيرِهِ عَنْ عِيَاضٍ الأَنصَارِيِّ ﵁، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ كَلِمَةُ حَقٍّ عَلَى اللَّهِ كَرِيمَةٌ، وَلَهَا مِنْ اللَّهِ مَكَانٌ، وَهِيَ كَلِمَةٌ جُمِعَت وَشُرِكَت، فَمَنْ قَالَهَا صَادِقاً أَدخَلَهُ اللَّهُ الجَنَّةَ، وَمَنْ قَالَهَا كَاذِباً أَحرَزَت مَالَهُ، وَحَقَنَت دَمَهُ، وَلَقِيَ اللَّهَ فَحَاسَبَهُ» (١). قوله: (وَهِي مِفتَاحُ دَعوةِ الرُّسُلِ) هذا ظاهرٌ بَيِّنٌ مما ذكره اللَّه تعالى في قصص الأنبياء، عن نوحٍ وهودٍ وصالحٍ وشعيبٍ ﵈، فكان كل واحدٍ منهم يفتتح دعوته لقومه بقوله: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾، فالتوحيد هو أصل دين الرسل كلهم، واسمه «الإسلام»، ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللّهِ الإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]، ولما بعثَ النبيُّ ﷺ معاذاً إلى اليمن قال له: «إِنَّكَ تَقْدَمُ على قومٍ من أَهلِ الكِتَابِ فَليَكُن أَوَّلَ مَا تَدعُوهُم إلى أن يُوَحِّدُوا اللَّهَ تعالى» (٢).

стр. 159

وقوله: (وَبِهَا كَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى كِفَاحاً)، إن أراد بقوله: «كِفَاحاً»؛ أي: بلا واسطة منه إليه، ولكن من وراء حجاب، فهذا حقٌّ، وهذه خصوصية لموسى ﵇ أنَّ اللَّه كلَّمَه بلا واسطة، ولكن لفظة «كفاح» تشعر بالرؤية، وهذا المعنى من قَصَدَه فهو غَالِطٌ ومخطئٌ، والمؤلِّف -قَطعاً- لا يريد ذلك، فإنه لا يمكن أن يريد بقوله: (كفاحاً) أنَّ اللَّه كَلَّم موسى من غير حجاب، بل كَلَّمَه مَنْ وراء حجاب. وقد جاء في شأن عبد اللَّه بن حرام ﵁ -والد جابر ﵁ الذي استُشهِدَ في وقعة أُحد، أن النبي ﷺ قال لابنه جابر: «أَفَلَا أُبَشِّرُكَ بِمَا لَقِي اللَّهُ بِهِ أَبَاكَ؟»، فقال: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «مَا كَلَّمَ اللَّهُ أَحَداً قَطُّ إِلَّا مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ وَأَحْيَا أَبَاكَ فَكَلَّمَهُ كِفَاحاً» (١)، فقوله هنا: «كَلَّمَه كِفَاحاً»؛ يعني: أنَّه كَلَّمَه من غَيرِ حِجَابٍ، وهذا في عالم الآخرة، وليس في عالم الدنيا. * * *

стр. 160

* قال ابنُ رجبٍ ﵀: وَهِيَ مِفتَاحُ الجَنَّةِ، كَمَا تَقَدَّمَ (١). وَهِيَ ثَمَنُ الجَنَّةِ، قَالَهُ الحَسَنُ (٢)، وَجَاءَ مَرفُوعاً مِنْ وُجُوهٍ ضَعِيفَةً (٣). ومَنْ كَانَتْ آخِرَ كَلامِهِ دَخَلَ اَلْجَنَّةَ. قوله: (وهِيَ ثَمَنُ الجنَّة) وذلك لأَنَّ «لا إله إلا اللَّه» سببٌ لدخولِ الجنَّة، كما أنَّ ثَمَنَ السِّلعة سببٌ لتحصيلها، وفي هذا نوعٌ من التشبيه، وإلا فشهادةُ أن «لا إله إلا اللَّه» وسائرُ الأعمالِ الصَّالِحةِ لا تكون عِوَضاً عن الجنَّة كما يكون الثمنُ عِوَضاً عن السِّلعَة. ولهذا جاءَ في الحديثِ الصَّحِيحِ: «لَا يَدْخُلُ أَحَدٌ مِنْكُمُ الْجَنَّةَ بِعَمَلِهِ» (٤)؛ ومعناه: أنَّ عَمَلَ العبدِ لا يكون عِوَضاً عن الجنَّة، بل ما هو

стр. 161

إلا سَبَبٌ، وبهذا جُمِعَ بين هذا الحديث، وقولِه سبحانه: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُون (٤٣)﴾ [الأعراف]، فقيل: الباءُ في الحديث باءُ العِوَض، وفي الآية باءُ السَّبَب (١). وأمَّا قوله: (ومَن كانت آخِرَ كَلامِهِ دخلَ الجنَّةَ) فيشير إلى حديث: «مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» دَخَلَ الْجَنَّةَ» (٢). * * *

стр. 162

* قال ابنُ رجبٍ ﵀: وَهِيَ نَجَاةٌ مِنْ النَّارِ، وَسَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ مُؤَذِّناً يَقُولُ: أَشهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَقَالَ: «خَرَجَ مِنْ النَّارِ» خَرَّجَهُ مُسلِمٌ (١). وَهِيَ تُوجِبُ المَغفِرَةَ، وفي «المُسنَدِ» عَنْ شَدَّادِ بنِ أَوسٍ وَعُبَادَةَ بنِ الصَّامِتِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لأَصحَابِهِ يَوماً: «اِرفَعُوا أَيدِيَكُم، وَقُولُوا: لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ»، فَرَفَعنَا أَيدِيَنَا سَاعَةً، ثُمَّ وَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهُ، ثُمَّ قَالَ: «الحَمدُ لِلَّهِ، اللَّهُمَّ بَعَثتَنِي بِهَذِهِ الكَلِمَةِ، وَأَمَرتَنِي بِهَا، وَوَعَدتَنِي الجَنَّةَ عَلَيهَا، وَإِنَّكَ لا تُخلِفُ المِيعَادَ»، ثُمَّ قَالَ: «أَبشِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَكُمْ» (٢). وَهِيَ أَحسَنُ الحَسَنَاتِ، قَالَ أَبُو ذَرٍّ ﵁: قُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَلِّمنِي عَمَلاً يُقَرِّبُنِي مِنَ الجَنَّةِ، وَيُبَاعِدُنِي مِنْ النَّارِ، قَالَ: «إِذَا عَمِلتَ سَيِّئَةً فَاعمَل حَسَنَةً، فَإِنَّهَا عَشرُ أَمثَالِهَا»، قُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مِنَ الحَسَنَاتِ؟ قَالَ: «هِيَ أَحسَنُ الحَسَنَاتِ» (٣).

стр. 163

وَهِيَ تَمحُو الذُّنُوبَ وَالخَطَايَا (١)، وَفي «سُنَنِ ابنِ مَاجَه» (٢) عَنْ أَمْ هَانِئ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ لا تَترُكُ ذَنباً، وَلا يَسبِقُهَا عَمَلٌ». رُئِيَ بَعضُ السَّلَفِ بَعدَ مَوتِهِ فِي المَنَامِ، فَسُئِلَ عَنْ حَالِهِ، فَقَالَ: مَا أَبقَت لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ شَيئاً. وَهِيَ تُجَدِّدُ مَا دَرَسَ مِنَ الإِيمَانِ فِي القَلبِ، وَفي «المُسنَدِ»: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لأَصحَابِهِ: «جَدِّدُوا إِيمَانَكُم»، قَالُوا: كَيفَ نُجَدِّدُ إِيمَانَنَا؟، قَالَ: «قُولُوا: لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» (٣). قوله: (وَهِيَ نَجَاةٌ مِنْ النَّارِ) وهذا حقٌّ، فإنَّ كلمة التوحيد هي التي بها النَّجاة من النار، وشواهد هذا في السُّنَّة كثيرة، ومنها ما استدل به

стр. 164

المؤلِّف من الحديث الذي أخرجه مسلمٌ: أنَّ النبيَّ ﷺ سَمِعَ مُؤذِّناً يقولُ: أشهدُ أن لا إلهَ إلَّا اللَّه، فقال: «خَرَجَ من النَّارِ»، ومنها أيضاً أحاديث الشفاعة، وفيها: «أَخرِجُوا مِنْ النَّارِ مَنْ قالَ: لا إله إلا اللَّه وفي قَلبِهِ مِثقَالُ ذَرَّةٍ -أو بُرَّةٍ أو خَردَلَةٍ- من إِيمانٍ» (١)، فهذا بيِّنٌ في أنَّ كلمة التوحيد «لا إله إلا اللَّه» بها أصل النَّجاة من النَّار. وقوله: (وَهِي تُوجِبُ المَغفِرَةَ) استدلَّ عليه بحديث شداد بن أوس وعبادة بن الصامت ﵄، ولا ريب أنَّ التوحيدَ الذي هو مضمون «لا إله إلا اللَّه» سببٌ لمغفرةِ الشِّرك، فإنَّ مَنْ قال هذه الكلمة العظيمة بصدقٍ وإخلاصٍ فقد تاب من الشرك، فإنَّ التوبةَ سببٌ لمغفرة جميع الذنوب، كما قال تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيم (٥٣)﴾ [الزمر]، وهذه الآية في التائبين، كما أن مغفرة الذنوب التي دون الشرك قد تغفر للموحِّد من غير توبة بمشيئة اللَّه، والسبب الأول لذلك هو التوحيد لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاء﴾ [النساء: ٤٨ و ١١٦]. وقوله: (وَهِي أَحسَنُ الحَسَنَات) استدل له بحديث أبي ذرٍ المذكور، ويدل عليه أيضاً حديث أبي هريرة ﵁ في شعب الإيمان: «الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ -أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ- شُعْبَةً، فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» (٢)، ويؤيِّد هذا أيضاً ما تقدَّم من أسماء هذه الكلمة العظيمة وفضائلها مما ذكره المؤلِّف ﵀.

стр. 165

وكذلك قوله ﷺ : «وَأَفْضَلُ مَا قُلتُ أنَا والنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّه وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ»» (١). وقوله: (وَهِي تمحو الذنوب والخطايا) فالمحو هو الإزالة، ولا شك أنَّ التوحيدَ الخالص يزيل أثر الذنوب، وهذا المعنى داخلٌ في قولِه المتقدِّم: (وهي توجب المغفرة)، لكنَّ المغفرةَ تتضَمَّن -مع المحو- السَّتْرَ. وقوله: (وَهِي تُجَدِّدُ مَا دَرَسَ من الإِيمان) لا ريب أن قول العبد: «لا إله إلا اللَّه» مستحضراً لمعناها موقناً به فيه تجديدٌ لما دَرَسَ -أي: قَدُمَ وضَعُفَ- من الإيمان. وهذا يرجع إلى أن الإيمان يزيد بالطاعة، ومن أفضل الطاعات ذكر اللَّه بقول: «لا إله إلا اللَّه» وأخواتها «سبحان اللَّه والحمد للَّه واللَّه أكبر»، وسماع القرآن لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال: ٢]. * * *

стр. 166

* قال ابنُ رجبٍ ﵀: وَهِيَ الَّتِي لا يَعدِلُهَا شَيءٌ في الوَزنِ، فَلَو وُزِنَت بالسموات وَالأَرضِ [ل] رَجَحَت بِهِنَّ، كَمَا في «المُسنَدِ» عَنْ عَبدِ اللَّهِ بنِ عَمرٍو عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : «أَنَّ نُوحاً ﵇ قَالَ لابنِهِ عِنْدَ مَوتِهِ: آمُرُكَ بِ «لا إِلَهِ إِلَّا اللَّه»، فَإِنَّ السموات السَّبعَ وَالأَرَضِينَ السَّبعَ [لَو وُضِعْنَ في كِفَّةٍ وَوُضِعَت «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّه» في كِفَّةٍ لَرَجَحَت بِهِنَّ، وَلَو أنَّ السموات السَّبعَ وَالأَرَضِينَ السَّبعَ] (١) كُنَّ حَلقَةً مُبهَمَةً فَصَمَتهُنَّ (٢) «لا إِلَهَ إِلَّا اللَّه»» (٣). وَفِيهِ أَيضاً عَنْ عَبدِ اللَّهِ بنِ عَمرٍو (٤)، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : «أَنَّ مُوسَى ﵇ قَالَ: يَا رَبِّ عَلِّمنِي شَيئاً أَذكُرُكَ بِهِ وَأَدعُوكَ بِهِ، قَالَ: يَا مُوسَى،

стр. 167

قُلْ: لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، قَالَ [موسى]: يَا رَبِّ، كُلُّ عِبَادِكَ يَقُولُونَ هَذَا. قَالَ: قُلْ: لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. فَقَالَ: لا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ، إِنَّمَا أُرِيدُ شَيئاً تَخُصُّنِي بِهِ. قَالَ: يَا مُوسَى، لَو أَنَّ السموات السَّبعَ وَعَامِرَهُنَّ غَيرِي وَالأَرَضِينَ السَّبعَ في كِفَّةٍ، وَلا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فِي كِفَّةٍ، مَالَت بِهِنَّ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» (١). وَلِذَلِكَ تَرجحُ بِصَحَائِفِ الذُّنُوبِ، كَمَا فِي حَدِيثِ السِّجِلَّاتِ والبِطَاقَةِ (٢)، وَقَدْ خَرَّجَهُ أَحمَدُ وَالنِّسَائِيُّ (٣) والتِّرمِذِيُّ أَيضاً مِنْ حَدِيثِ

стр. 168

عَبدِ اللَّهِ بنِ عَمرٍو عَنْ النَّبِيِّ ﷺ (١). وَهِيَ الَّتِي تَخرِقُ الحُجُبَ كُلَّهَا حَتَّى تَصِلَ إِلى اللَّهِ ، وَفي «التِّرمِذِيِّ» عَنْ عَبدِ اللَّهِ بنِ عَمرٍو، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ لَيسَ لَهَا دُونَ اللَّهِ حِجَابٌ، حَتَّى تَصِلَ إِلَيهِ» (٢). وَفِيهِ أَيضاً عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : «مَا قَالَ عَبدٌ: «لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» مُخلِصاً إِلَّا فُتِحَت لَهُ أَبوَابُ السموات حَتَّى تُفضِيَ إِلى العَرشِ مَا اجتُنِبَت الكَبَائِرُ» (٣). وقَد رُوِيَ عَنْ اِبنِ عَبَّاسٍ مَرفُوعاً: «مَا مِنْ شَيءٍ إِلَّا وبَينَهُ وَبَينَ اللَّهِ حِجَابٌ، إِلَّا قَولَ: لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، كَمَا أَنَّ شَفَتَيكَ لا تَحجُبُهَا كَذَلِكَ لا يَحجُبهَا شَيءٌ حَتَّى تَنتَهِيَ إِلَى اللَّهِ » (٤). وَقَالَ أَبُو أُمَامَةَ ﵁: «مَا مِنْ عَبدٍ يُهَلِّلُ تَهلِيلَةً فَيُنَهنِهُهَا شَيءٌ دُونَ العَرشِ» (٥).

стр. 169

وَهِيَ الَّتِي يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَى قَائِلِهَا، وَيُجِيبُ دُعَاءَهُ، خَرَّجَ النَّسَائِيُّ فِي كِتَابِ «عمل اليَومَ وَاللَّيلَةِ» مِنْ حَدِيثِ رَجُلَينِ مِنْ الصَّحَابَةِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : «مَنْ قَالَ: لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلكُ وَلَهُ الحَمدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ، مُخلِصاً بِهَا رُوحُهَ، مُصَدِّقاً بِهَا قَلبُهَ لِسَانَهُ، إِلَّا فَتَقَ اللَّهُ لَهُ السَّمَاءَ، حَتَّى يَنظُرَ إِلَى قَائِلِهَا مِنْ أَهلِ الأَرضِ، وَحُقَّ لِعَبدٍ نَظَرَ اللَّهُ إِلَيهِ أَنْ يُعطِيَهُ سُؤلَهُ» (١). وَهِيَ الكَلِمَةُ الَّتِي يُصَدِّقُ اللَّهُ قَائِلَهَا، كَمَا خَرَّجَهُ النَّسَائِيُّ وَالتِّرمِذِيُّ وَابنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا قَالَ العَبدُ: لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكبَرُ صَدَّقَهُ رَبُّهُ، وَقَالَ: لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا، وَأَنَا أَكبَرُ، وَإِذَا قَالَ: لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحدَهُ، يَقُولُ اللَّهُ: لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا وَحدِي، وَإِذَا قَالَ: لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، قَالَ اللَّهُ: لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا وَحدِي لا شَرِيكَ لِي، وَإِذَا قَالَ: لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلكُ وَلَهُ الحَمدُ، قَالَ اللَّهُ: لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا، لِي المُلكُ وَلِي الحَمدُ، وَإِذَا قَالَ: لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَلا حَولَ وَلا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، قَالَ اللَّهُ: لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا، وَلا حَولَ وَلا قُوَّةَ إِلَّا بِي»، وَكَانَ يَقُولُ: «مَنْ قَالَهَا فِي مَرَضِهِ ثُمَّ مَاتَ لَم تَطعَمهُ النَّارُ» (٢).

стр. 170

قوله: (وَهِي التي لا يَعْدِلُها شيءٌ في الوَزْنِ) يريد أنها أثقلُ الحَسَنات في الميزان، فتَرجُح بكلِّ السيِّئات كما في حديثِ صَاحِبِ البِطَاقة التي كان مكتوباً فيها «لا إله إلا اللَّه» فَرَجَحَت بتسعةٍ وتسعينَ سِجِلاً، ومعلومٌ أنَّه ليس المراد مجرَّدُ التلَفُّظ بها، بل إنَّما يكون لها هذا الثِّقَل بحَسَب ما في قَلبِ قَائِلِها من كمالِ الصِّدقِ والإِخلاص. وقد استشهد المؤلِّف لفضلها بثقلها في الميزان بحديثَي عبد اللَّه بن عمرو ﵄ في خبر نوحٍ ﵇ مع ابنِه، وفي خبرِ موسى ﵇ مع ربِّه، أما الأول فمختلَفٌ في تصحيحِه ولا ذِكْرَ للوزن فيه، وأما الثاني فالمعروف أنه من رواية أبي سعيد الخدري ﵁، ولا يُعرَفُ من رواية عبد اللَّه بن عمرو فليُنَتَبَّه لذلك، وحديث أبي سعيد في خبر موسى ﵇ أورده الشيخُ محمَّدُ بنُ عبد الوهاب في كتابه «التوحيد» (باب فضل التوحيد وما يكفره من الذنوب). وأما حديث عبد اللَّه بن عمرو في قصة صاحب البطاقة فهو أنسَبُها للاستشهاد به في فضل «لا إله إلا اللَّه» وأنَّه لا يعدلها شيءٌ في الوَزن. ومعلومٌ أنَّ هذا الفضل ليس لمجرَّدِ التلَفُّظ بها، بل إنَّما يكون لها هذا الثِّقَل بحَسَب ما في قَلبِ قَائِلِها من كمالِ الصِّدقِ والإِخلاص. فالكلام في هذا من جهتين: الأولى: من جهة معناها ومدلولها، فإن هذه الكلمة «لا إله إلا اللَّه» تدل على أعظم المعاني وأجَلِّها، فهي تدلُّ على أنَّ اللَّه العظيم الموصوف بكل كمال، المنَزَّه عن كل نقص، أنَّه هو الإله الحق الذي

стр. 171

لا يستحق العبادة سواه، وأنه سبحانه ربُّ كلِّ شيءٍ ومليكُه، فهو العظيمُ الذي لا أعظمَ منه، وهو الكبيرُ المتَعَالِ، وهو الموصوفُ بكلِّ كمالٍ، فبهذا الاعتبار وهذا المعنى ترجُح هذه الكلمة العظيمة «لا إله إلا اللَّه» بكلِّ شيءٍ، فهذا المعنى العظيم الذي تدل عليه هذه الكلمة يرجُح بالسموات والأرض، فإنَّ السموات والأرض ومَن فيهِنَّ ليست بشيءٍ في جنبِ هذا المعنى العظيم الذي تدل عليه هذه الكلمة. والثانية: من حيث إنها عملٌ وقولٌ يقولُه العباد، فإنَّ وَزْنَهَا بهذا الاعتبار يَختَلِف، فيقولُها المنافقُ ولا يكون لها وزنٌ، ويقولها سائرُ الموحِّدين الصادقين فيكون لها وزنٌ، لكن مع التفاوت العظيم في ذلك؛ فهي من الأنبياء والمرسلين والكُمَّل من المؤمنين غير وزنها وثِقَلِها ممن دونهم. وبالجملة؛ فإن هذه الكلمة العظيمة -كلمة التوحيد- من حيث إنها عملٌ من أعمال العباد وأقوالهم تتفاوت تفاوتاً عظيماً في الثقل والوزن، فالذين يدخلون النار ممن يقولها لا ريب أن وزنها لم يرجح بسيئاتهم، ولو كان وزنها رجح بسيئاتهم ما دخلوها، لكن صاحب البطاقة له حالٌ آخر، فصاحب البطاقة الذي يُنشَرُ له تسعةٌ وتسعون سجلاً من السيئات، فيقال له: ألك عذرٌ أو حسنة؟ فيُبْهَتُ، فيقول: لا يا رب، فيقال: بلى إن لك عندنا حسنةٌ واحدةٌ؛ فإنك لا تظلم، فتُخرَج له بطاقة فيها «لا إله إلا اللَّه»، فيقول: يا رب، ما هذه البطاقة مع هذه السجلات، فتوضع البطاقة في كِفَّة، والسجلات في كِفَّة، قال: فطاشت السجلات وثقلت البطاقة،

стр. 172

هذه لها حال أخرى ولها ثقل يختلف عن حال الآخرين، فلا بد من ملاحظة هذا المعنى. وهذا المعنى يستفاد من النظر إلى مجموع النصوص، فلا يقف المرء عند دليلٍ واحدٍ وينسى باقي النصوص والأدلة، فإنه حتماً سيكون فهمه لها فهماً قاصراً، بل الواجب النظر في جميع الأدلة مضموماً بعضها إلى بعض حتى يخرج بالنتيجة الصحيحة حينئذٍ. وقوله: (وَهِيَ الَّتِي تَخرِقُ الحُجُبَ كُلَّهَا حَتَّى تَصِلَ إِلَى اللَّهِ وذلك أنَّ كلمة التوحيد هي من جملة الكَلِم الطيِّب، بل هي من أطيب الطَّيِّب، لكن يختلف أيضاً حكمها بحسب قائلها، وما صدرت عنه من أحوال القلوب، ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠]. إذاً، هذه الكلمة العظيمة تصعد إلى اللَّه ، وهل صعودها خاصٌّ بها؟ لا، بل كُلُّ الكَلِم الطيب يصعد إلى اللَّه ، من التسبيح والتهليل والتكبير وتلاوة القرآن وغير ذلك، فكلُّ كلامٍ يقولُه الإنسانُ مما يُحِبُّه اللَّه ويَأمُرُ به، فإنَّه داخلٌ في عموم قوله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾، ومتى صعد إليه فإنه لا يُحجَب، بل يقبله اللَّه سبحانه من عبده المؤمن المخلص الذي ذكر اللَّه صادقاً من قلبه معظِّماً لربه مُثْنِياً عليه. * * *

стр. 173

* قال ابنُ رجبٍ ﵀: وَهِيَ أَفضَلُ مَا قَالَهُ النَّبِيُّونَ، كَمَا وَرَدَ ذَلِكَ فِي دُعَاءِ يَومِ عَرَفَةَ (١). وَهِيَ أَفضَلُ الذِّكرِ، كَمَا فِي حَدِيثِ جَابِرٍ المَرفُوعِ: «أَفضَلُ الذِّكرِ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» (٢)، وَعَنْ ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «أَحَبُّ كَلِمَةٍ إِلَى اللَّهِ [لا إله إلا اللَّه]، لا يُقبَلُ عَمَلٌ (٣) إِلا بِهَا» (٤).

стр. 174

وَهي أَفضَلُ الأَعمَالِ، وأَكَثَرُهَا تَضعِيفاً، وَتَعدِلُ عِتقَ الرِّقَابِ، وَتَكُونُ حِرزاً مِنْ الشَّيطَانِ، كَمَا فِي «الصَّحِيحَينِ» عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : «مَنْ قَالَ: لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلكُ وَلَهُ الحَمدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ، [فِي يَومٍ] (١) مِائَةَ مَرَّةٍ كَانَتْ لَهُ عَدلُ عَشرِ رِقَابٍ، وَكُتِبَ لَهُ مِائَةُ حَسَنَةٍ، وَمُحِيَ عَنهُ مِائَةُ سَيِّئَةٍ، وَكَانَت لَهُ حِرزاً مِنْ الشَّيطَانِ يَومَهُ ذَلِكَ حَتَّى يُمسِيَ، وَلَم يَأتِ أحدٌ بِأَفضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ، إِلا أَحَدٌ عَمِلَ أَكثَرَ مِنْ ذَلِكَ» (٢). وَفِيهِمَا أَيضاً عَنْ أَبِي أَيُّوبَ [الأنصاري ﵁]، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : «مَنْ قَالَهَا عَشرَ مَرَّاتٍ كَانَ كَمَنْ أَعتَقَ أَربَعَةَ أَنفُسٍ مِنْ وَلَدِ إِسمَاعِيلَ» (٣). وَفِي «التِّرمِذِيِّ» عَنْ ابنِ عُمَرَ (٤) مَرفُوعاً: «مَنْ قَالَهَا إِذَا دَخَلَ السُّوقَ، وَزَادَ فِيهَا: «يُحيَي وَيُمِيتُ [وَهو حَيٌّ لَا يَمُوتُ بِيَدِهِ الخَيْرُ وَهو عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدَيرٌ] (٥)» كُتِبَت لَهُ أَلفُ أَلفِ حَسَنَةٍ، وَمُحِيَ عَنهُ

стр. 175

أَلفُ أَلفِ سَيِّئَةٍ، وَرُفِعَ لَهُ أَلفُ أَلفِ دَرَجَةٍ»، وَفي رِوَايَةٍ: «وَبُنِيَ لَهُ بَيتٌ فِي الجَنَّةِ» (١). ورد في فضل كلمة التوحيد وفضل اللَّهَجِ بها من الأحاديث الصحيحة الشيءُ الكثيرُ، فهي إحدى الكلمات الأربع التي قال فيها الرسول ﷺ : «لأَنْ أَقُولَ سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ» (٢)، ولا ريب أنَّ «لا إله إلا اللَّه» هي أفضل هذه الكلمات الأربع. وورد استحباب ذكر اللَّه بها في مواضع؛ كالذكر بعد الصلاة، فقد كان رسول اللَّه ﷺ يقول في دبرِ كلِّ صلاةٍ مكتوبةٍ: «لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير» (٣)، زاد مسلم: «لا حول ولا قوة إلا باللَّه، لا إله إلا اللَّه، ولا نعبد إلا إيَّاه، له

стр. 176

النعمةُ وله الفضلُ وله الثناءُ الحَسَنُ، لا إله إلا اللَّه مخلصين له الدِّينَ ولو كَرِهَ الكافرون» (١). وبالجملة فذكر اللَّه بها مطلقاً ومقيَّداً كثيرٌ، ومن ذلك ما ورد أنَّ: «مَنْ قَالَ: لَاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، فِي يَوْمٍ مِئَةَ مَرَّةٍ كَانَتْ لَهُ عَدْلَ عَشْرِ رِقَابٍ، وَكُتِبَ لَهُ مِائَةُ حَسَنَةٍ، وَمُحِيَتْ عَنْهُ مِائَةُ سَيِّئَةٍ، وَكَانَتْ لَهُ حِرْزاً مِنَ الشَّيْطَانِ يَوْمَهُ ذَلِكَ حَتَّى يُمْسِيَ، وَلَمْ يَأْتِ أَحَدٌ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ، إِلَّا رَجُلٌ عَمِلَ أَكْثَرَ مِنْهُ» (٢). وقد تقدَّم أنَّ «لا إله إلا اللَّه» هي كلمة التقوى، بل لا تقوم التقوى إلا عليها، فبها يُتَّقَى الشرك باللَّه، وتُتَّقَى جميع المعاصي، فَمَنْ قالها وتحقَّق بها فقد حَقَّقَ التقوى التي هي امتثال الأوامر واجتناب المناهي.

стр. 177

* قال ابنُ رجبٍ ﵀: وَمِنْ فَضَائِلِهَا: أَنَّهَا أَمَانٌ مِنْ وَحشَةِ القَبرِ وَهَولِ الحَشرِ، كَمَا في «المُسنَدِ» (١) وَغَيرِهِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَيسَ عَلَى أَهلِ «لا إِلَهَ إلا اللَّهُ» وَحشَةٌ فِي قُبُورِهِم وَلا نَشُورِهِم، وَكَأَنِّي بِأَهلِ «لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» قَدْ قَامُوا يَنفُضُونَ التُّرَابَ عَنْ رؤوسهم، وَيَقُولُونَ: الحَمدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذهَبُ عَنَّا الحَزَنَ» (٢). وَفِي حَدِيثٍ مُرسَلٍ: «مَنْ قَالَ: «لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ المَلِكُ الحَقُّ المُبِينُ» كُلَّ يَومٍ مِائَةَ مَرَّةٍ كَانَتْ لَهُ أَمَاناً مِنَ الفَقرِ، وَأُنْساً مِنْ وَحشَةً القَبرِ، وَاستَجْلَبَ بِهِ الغِنَى، وَاستَقْرَعَ بِهِ بَابَ الجَنَّةِ» (٣).

стр. 178

وَهِيَ شِعَارُ المُؤمِنِينَ إِذَا قَامُوا مِنَ القُبُورِ، وقَالَ النَّضرُ بنُ عَرَبِيٍّ: «بَلَغَنِي أَنَّ النَّاسَ إِذَا قَامُوا مِنْ قُبُورِهِم فَإِنَّ شِعَارَهُم: لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» (١). وَقَدْ خَرَّجَ الطَّبَرَانِيُّ حَدِيثاً مَرفُوعاً: «إِنَّ شِعَارَ هَذِهِ الأُمَّةِ عَلَى الصِّرَاطِ: لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ» (٢). وَمِنْ فَضَائِلِهَا: أَنَّهَا تَفتَحُ لِقَائِلِهَا أَبوَابَ الجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ يَدخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ، كَمَا فِي حَدِيثِ عُمَرَ ﵁ (٣)، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِيمَن أَتَى بِالشَّهَادَتَينِ بَعدَ الوُضُوءِ، خَرَّجَهُ مُسلِمٌ (٤). وَفِي «الصَّحِيحَينِ» عَنْ عُبَادَةَ [بن الصامت ﵁]، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَالَ: أَشهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ عِيسَى عَبدُ اللَّهِ [ورسوله] وَكَلِمَتُهُ أَلقَاهَا إِلَى مَريَمَ وَرُوحٌ مِنهُ، وَأَنَّ الجَنَّةَ حَقٌّ، وَأَنَّ النَّارَ حَقٌّ، وَأَنَّ اللَّهَ يَبعَثُ مَنْ فِي القُبُورِ فُتِحَت لَهُ ثَمَانِيَةُ أَبوَابٍ مِنَ الجَنَّةِ يَدخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ» (٥).

стр. 179

وَفِي حَدِيثِ عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ سَمُرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِي قِصَّةِ مَنَامِهِ الطَّوِيلِ، وَفِيهِ قَالَ: «وَرَأَيتُ رَجُلاً مِنْ أُمَّتِي اِنتَهَى إِلَى أَبوَابِ الجَنَّةِ، فَأُغلِقَت الأَبوَابُ دُونَهُ، فَجَاءَتهُ شَهَادَةُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَفَتَحَت لَهُ الأَبوَابَ، وَأَدخَلَتهُ الجَنَّةَ» (١). وَمِنْ فَضَائِلِهَا: أَنَّ أَهلَهَا وَإِنْ دَخَلُوا النَّارَ بِتَقصِيرِهِم فِي حُقُوقِهَا فَإِنَّهُم لا بُدَّ أَنْ يَخرُجُوا مِنهَا، وَفي «الصَّحِيحَينِ» عَنْ أَنَسٍ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «قَالَ اللَّهُ : وَعِزَّتِي وَجَلالِي وَكِبرِيَائِي وَعَظَمَتِي، لأُخرِجَنَّ مِنهَا مَنْ قَالَ: لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» (٢). وَخَرَّجَ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ أَنَسٍ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ أُنَاساً مِنْ أَهلِ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ يَدخُلُونَ النَّارَ بِذُنُوبِهِم، فَيَقُولُ لَهُمْ أَهلُ اللاتِ وَالعُزَّى: مَا أَغنَى عَنْكُمْ قَولُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَيَغضَبُ اللَّهُ لَهُمْ فَيُخرِجُهُم مِنْ النَّارِ، فَيَدخُلُونَ الجَنَّةَ» (٣).

стр. 180

وَمَنْ كَانَ فِي سُخطِهِ مُحسِناً … فَكَيفَ يَكُونُ إِذَا مَا رَضِيَ؟ لا يُسَوِّي بَين مَنْ وَحَّدَهُ -وَإِنْ قَصَّرَ فِي حُقُوقِ تَوحِيدِهِ- وَبَينَ مَنْ أَشرَكَ بِهِ. قَالَ بَعضُ السَّلَفِ: كَانَ إِبرَاهِيمُ ﵇ يَقُولُ: اللَّهُمَّ لا تُشرِكُ مَنْ كَانَ يُشرِكُ بِكَ بِمَنْ كَانَ لا يُشرِكُ بِكَ. كَانَ بَعضُ السَّلَفِ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ قُلتَ عَنْ أَهلِ النَّارِ: إِنَّهُمْ أَقسَمُوا بِاللَّهِ جَهدَ أَيمَانِهِم لا يَبعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ (١)، وَنَحنُ نُقسِمُ بِاللَّهِ جَهدَ أَيمَانِنَا: لَيَبعَثَنَّ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ، اللَّهُمَّ لا تَجمَع بَينَ أَهلِ القَسَمَينِ فِي دَارٍ وَاحِدَةٍ. كَانَ أَبُو سُلَيمَانَ يَقُولُ: إِنْ طَالَبَنِي بِبُخلِي طَالَبتُهُ بِجُودِهِ، وَإِنْ طَالَبَنِي بِذُنُوبِي طَالَبتُهُ بِعَفوِهِ، وَإِنْ أَدخَلَنِي النَّارَ أَخبَرتُ أَهلَ النَّارِ أَنِّي كُنْتُ أُحِبُّهُ. مَا أَطيَبَ وَصلَهُ وَمَا أَعذَبَهُ … وَمَا أَثقَلَ هَجْرَهُ وَمَا أَصعَبَهُ في السُّخطِ وَفي الرِّضَى ما أَهيَبَهُ (٢) … القَلبُ يُحِبُّهِ وَإِنْ عَذَّبَهُ! وَكَانَ بَعضُ العَارِفِينَ (٣) يَبكِي طُولَ لَيلِهِ، وَيَقُولُ: إِنْ تُعَذِّبنِي فَإِنِّي لَكَ مُحِبٌّ، وَإِنْ تَرحَمنِي فَإِنِّي لَكَ مُحِبٌّ.
следующие страницы →