← Акыда

Акыда · id 17862

شرح كلمة الإخلاص لابن رجب

عبد الرحمن بن ناصر البراك

Полный текст (186 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

فيطلقون «النَّسْخ» على تقييد المطلق وتخصيص العام، فيقولون: هذا ناسخٌ؛ يعني: مخَصِّصٌ، أو هذا ناسخٌ؛ يعني: مُقَيِّدٌ، ويقولون: هذا منسوخٌ، ويريدون به العام المخصوص أو المطلق الذي ورد ما يُقَيِّدُه. فليس مرادُ السَّلَفِ ب «النَّسخ» إذاً أنه (رفع حكم الدليل المتقدِّم بدليلٍ متأخِّرٍ عنه)، كما هو اصطلاح الأصوليين المتأخِّرين (١). وقد يجري هذا على مذهب من يقول من الأصوليين: إن الزيادة على النَّصِّ نَسخٌ، وهذا مذهبٌ معروفٌ ومشهورٌ عن الحنفية (٢). وحَمْلُ كلام الأئمة من السَّلَف على التوجيه الأول أولى؛ لأن الذين يقولون: إن الزيادة على النصِّ نَسْخٌ، هم يريدون به حقيقة «النَّسْخِ» المراد عند الأصوليين، من أنَّه (رَفعُ حكمِ الدَّليل المتقدِّم بالدَّليل المتأخِّر). ولهذا قال مَنْ قال من الفقهاء - وهو كما ذكرتُ مشهورٌ عن الحنفية (٣) -: إن زيادة حكم «التغريب» على «الجلد» في حدِّ الزاني البِكْر نَسْخٌ؛ لأنَّ حكم «التغريب» الوارد في السُّنَّة هو حكمٌ زائدٌ على ما ورد في القرآن في قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]. قالوا: ف «التغريب» زيادةٌ على النصِّ، والزيادة على النصِّ نَسْخٌ، ونَسْخُ القرآنِ بالسُّنَّةِ لا يجوز، فلم يأخذوا بحكم «التغريب» من أجل ذلك.

стр. 72

والمقصود أن حمل كلام الثوريِّ وغيرِه من أنَّ هذه النصوص منسوخة بالفرائض على أنَّها بَيَّنَتها وفسَّرتْها ووَضَّحَتْها وقَيَّدَتْها = هو اللائق والمناسب، وهو ما رَجَّحَه المؤلِّف ﵀. فإذا قيل: إن هذه النصوص ليست على إطلاقها، وإنما هي مبيَّنة بالنصوص الأخرى؛ نصوص الفرائض ونصوص الوعيد على المعاصي، وأنه يجب أن ترد هذه النصوص إلى تلك النصوص = اتضح بذلك الأمر واستقام المذهب، وحصل بهذا رد شبهة المرجئة، وبَطَلَ تعلقهم بهذه الأحاديث الواردة في فضل التوحيد. وهذا الجواب متفقٌ في المآل مع الجواب الثاني، وهو قول من يقول: إن هذه الأحاديث إنما تدل على أنَّ التوحيد سببٌ للنَّجَاة من النَّار، والسَّبَب لا بدَّ فيه من وجود الشروط وانتفاء الموانع. * * *

стр. 73

* قال ابنُ رجبٍ ﵀: وقالت طائفةٌ: تلك النُّصُوصُ المطلَقَةُ قد جاءت مقيَّدَةً في أحاديثَ أُخَر؛ ففي بعضِها: «مَنْ قَالَ: لا إله إلا اللَّه مُخْلِصاً» (١)، وفي بعضِها: «مُسْتَيْقِناً» (٢)، وفي بعضِها: «يُصَدِّقُ قلبُه لِسَانَه (٣)» (٤)، وفي بعضِها: «يَقُولُهَا حَقّاً من قَلبِهِ» (٥)، وفي بعضِها: «قَدْ ذَلَّ بها لِسَانُه واطمَأَنَّ بها قَلبُه» (٦)، وهذا كُلُّه إشارةٌ إلى عَمَلِ القَلبِ وتَحَقُّقِهِ بمعنى الشَّهَادَتَينِ. فتَحَقُّقُهُ بقولِ (٧) «لا إله إلا اللَّه»: أن لا يَأْلَه القَلْبُ غيرَ اللَّه؛ حُبّاً ورجَاءً وخَوفاً وتَوكُّلاً واستعانةً وخُضُوعاً وإِنَابَةً وطَلَباً.

стр. 74

وتَحَقُّقُهُ بِأنَّ «محمَّداً رسولُ اللَّه»: أن لا يُعبَدَ اللَّه بغيرِ مَا شَرَعَهُ اللَّه على لِسَانِ محمَّدٍ ﷺ . وقد جَاءَ هذا المعنى مرفوعاً إلى النَّبيِّ ﷺ صريحاً أنَّه قَالَ: «مَنْ قَالَ: لا إله إلا اللَّه مُخْلِصاً دَخَلَ الجنَّة»، قيل: مَا إِخلاصُها يَا رَسُولَ اللَّه؟، قَالَ: «أن تَحْجِزَكَ عن كُلِّ مَا حَرَّمَ اللَّه عَلَيكَ»، وهذا يُروى من حديثِ أَنَسِ بنِ مَالكٍ (١)، وزَيدِ بنِ أَرقَمٍ (٢)، ولكنَّ إِسنَادَهما لا يَصِحُّ، وجَاءَ أيضاً من مَرَاسِيلِ الحَسَنِ نحوُه (٣). ذكر المؤلِّف ﵀ -في هذا المقطع- جواباً رابعاً عن هذه الأحاديث -وهو: قول طائفةٍ من العلماء- أن هذه الأحاديث المطلقة قد ورد ما يُقيِّدُها في أحاديث أخر، وقد أشار المؤلِّف إلى بعضِها. فكلُّ حديثٍ يَرِدُ فيه ذكر الوَعْدِ على مجرَّد قول: «لا إله إلا اللَّه» لا بد أن يُقيَّدَ بمثل هذه الأحاديث التي فيها ذكر «اليقين»، أو ذكر «الإخلاص»، أو ذكر «الصدق» ونحوها، مع أنَّنا إذا نظرنا في هذه الأحاديث التي هي محور البحث ومناط الكلام نجد أن هذه القيود موجودة فيها أو في بعضها؛ كقوله ﷺ : «إنَّ اللَّه حَرَّم على النَّارِ مَنْ قال: لا إله إلا اللَّه يبتغي بذلك وجه اللَّه».

стр. 75

فقوله: «يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّه»، هذا هو معنى الإخلاص، فالقيدُ إذاً موجودٌ في نفس السِّياق، وكذلك هذه القيود التي أشار إليها المؤلِّف هي موجودةٌ في هذه الأحاديث، بعضُها صريحٌ، وبعضُها مفهومٌ من السياق. ففي قوله ﷺ مثلاً: «مَنْ شَهِدَ أن لا إله إلا اللَّه … » الحديث؛ فلفظ «الشهادة» يتضمن: العلم، واليقين، والصدق. فمن قال: «لا إله إلا اللَّه» بلسانه دون قلبه، لم يشهد حقيقةً، ومَن عَلِمَ معناها وقالها بلسانه لكنَّه غيرُ صادقٍ في قوله لها، بل قالها نفاقاً ومداهنةً، لم يكن قوله لها عن قبولٍ وانقيادٍ، ولم يكن أيضاً بهذا مخلصاً، وفي الحديث: «يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّه»، فما قالها على هذه الحال إلا وهو موقنٌ غير شاكٍّ، ومَن كان هذا حاله فمن شأنه أن يَذِلَّ بها لسانُه، ويَلهَجَ بها حُبّاً لها، وطمأنينةً قلبِيَّةً لما دَلَّت عليه هذه الكلمة العظيمة. فمن قالها على هذا الوجه -على وجه العلم واليقين بشروطها التي سبق ذكرها- فإن التوحيد يمنعه من الإصرار على الذنوب، مِنْ ترك واجبٍ، أو فعل محرَّمٍ، فمن قال: «لا إله إلا اللَّه» على وجه اليقين التامِّ والصدق، والإخلاص التام والطمأنينة، لا بد أن يؤدِّي الفرائض ويجتنب المحارم، ومتى قَصَّر في شيءٍ من ذلك، فإنما أُتِيَ من نقص عِلْمِهِ، ونقص يقينه، ونقص إخلاصه، ونقص محبَّته؛ فإنَّ هذه المعاني من شُعَبِ الإيمان، وهي تتفاضل بالقوة والضعف. فمن قال: «لا إله إلا اللَّه» صادقاً غير منافق، عالماً غير جاهلٍ، وقامت به هذه الشروط، له حالات:

стр. 76

- إما أن تكون هذه المعاني قامت بقلبه على وجه الكمال، فلا بد أن يظهر أثر ذلك على الجوارح بفعل الفرائض واجتناب المحرمات. - وإما أن تقوم بقلبه على ضَعْفٍ، فيكون أثر ذلك على جوارحه بحسب ذلك، ومنه يحصل الخلل. واعتَبِر هذا في حديث الشفاعة: «أَخْرِجُوا مِنْ النَّارِ مَنْ قالَ: لا إله إلا اللَّه وفي قَلبِهِ مِثقَالُ ذَرَّةٍ -أو بُرَّةٍ أو خَرْدَلَةٍ- من إِيمانٍ» (١)، فهذا الذي يَخرج من النَّار لا شك أنه لم يقل هذه الكلمة كَذِباً، ولم يقلها غير عالِمٍ بمعناها مطلقاً، ولم يقلها نِفَاقاً، بل كان فيها مخلِصاً، لكنَّ الذي معه من العلم بمعناها، والإخلاص في قولها، والمحبة لها، لم يبلغ به المرتبة التي بلغها أهلُ الإيمان الكامل الذين نجاهم اللَّه بكمال إيمانهم وتوحيدهم من النار، فلم يتعرضوا للعذاب. فلا بد من ملاحظة هذا المعنى، وأنَّ هذه المعاني التي يَعُدُّها العلماءُ شروطاً هي متحقِّقة لكلِّ أهلِ التوحيد الذين ينفعهم توحيدهم في الخروج من النَّارِ، إلا أنهم متفاوتون في تحقيق هذه المعاني، فالكُمَّل منهم يكون توحيدهم مانعاً لهم من دخول النار مطلقاً. إذاً فقوله ﷺ : «إن اللَّه حَرَّمَ على النَّار من قال: لا إله إلا اللَّه، يبتغي بذلك وجه اللَّه» معناه: مَنْ قالها على الوجه الأكمل، وقد تحققت فيه شروط التوحيد المأخوذة من سائر النصوص، وقد عقد الشيخ محمد

стр. 77

بن عبد الوهاب ﵀ في كتابه «التوحيد» باباً بهذا المعنى فقال: (باب مَنْ حَقَّقَ التوحيدَ دَخَلَ الجنَّة بغيرِ حِسَابٍ) ولا عَذَاب. فمن كَمُلَت له هذه المعاني في قلبه لا بد وأن يظهر أثرُها على جوارحه فِعْلاً وأداءً للفرائض واجتناباً للمحرمات، فالتوحيد الكامل يمنع صاحبه من الإصرار على شيء من الذنوب، فالموحِّد قد يقع في الذنب لكونه غير معصوم، لكنه لا يُصِرُّ عليه؛ لأنَّ كمال إيمانه وتوحيده يمنعه من الإصرار عليه؛ لأن في قلبه من خوف اللَّه ورجاء ثوابه ما يوجب له الفزع إليه، والرجوع إليه . فهذه جملةُ أجوبةِ أهلِ العلم عن هذه الأحاديث، وهي متفقةٌ في المآل، فأهل السُّنَّة والجماعة متَّفقون على أن هذه الأحاديث ليست على ظاهرها الذي يدَّعيه ويتعلَّق به المرجئة، أو يفهمه المغرورون من جهلة أهل السُّنَّة مثلاً، كما سبقت الإشارة إليه. وهناك جوابٌ خامسٌ، ذَهَبَ إليه الإمامُ البخاريُّ (١)، وهو حمل هذه الأحاديث على مَنْ قال كلمة التوحيد نادِماً تائِباً (٢).

стр. 78

وهذا المعنى قاله شيخ الإسلام ابن تيمية في بعض المواضع من كتبه (١) في توجيه بعض هذه الأحاديث، ومنها حديث صاحب البطاقة؛ بأن المراد مَنْ قالها على غايةٍ من الصدق والإخلاص على وجه الكمال والتحقيق للتوحيد، ثم لم يرتكب بعد ذلك ذنباً. فما جاء عن البخاري فيه تقييد هذا بالتوبة، ومعلومٌ أنَّ مَنْ قال ذلك تائباً نادماً على ما سَلَفَ من ذنوبه، ثم بقي على هذه الحال حتى مات، فالأمر فيه واضحٌ، هذا محرَّمٌ على النار، والنار محرَّمةٌ عليه. ومضمون ومنحى كلام شيخ الإسلام ﵀ -ونَقَلَه بعضُ شُرَّاح كتاب «التوحيد» (٢) - أنَّ المعنى: من قال هذه الكلمة مخلِصاً كلَّ الإخلاص، وصادِقاً كلَّ الصِّدق، ثم ماتَ على ذلك؛ لأن هذه الحال توجب ألَّا يُصِرَّ على ذنبٍ من الذنوب، فمن مات على هذه الحال من كمال تحقيق التوحيد، كان هذا التوحيد عاصِماً له من دخول النار، واللَّه أعلم. * * *

стр. 79

* قال ابنُ رجبٍ ﵀: وتحقيقُ هذا المعنى وإيضَاحُه أنَّ قولَ العبدِ: «لا إله إلا اللَّه»، يقتضي أن لا إله له غير اللَّه، و «الإله» هو الذي يُطَاعُ فلا يُعصَى؛ هيبةً له وإِجلالاً، ومحبةً، وخوفاً، ورجاءً، وتوكلاً عليه، وسؤالاً منه، ودعاءً له، ولا يَصْلُحُ ذلك كلُّه إلا للَّه . فمن أشرَكَ مخلوقاً في شيءٍ من هذه الأمور التي هي من خَصَائِصِ الإِلَهِيَّة، كَانَ ذَلكَ قَدْحاً في إِخلَاصِه في قَولِ: لا إله إلا اللَّه، ونَقصاً في توحِيدِهِ، وكانَ فيه من عُبُودِيَّةِ ذلك المخلُوقِ بحسْبِ ما فِيهِ مِنْ ذَلكَ، وهذا كُلُّه من فُرُوعِ الشِّرْكِ. ولهذا وَرَدَ إطلاقُ الكفرِ والشِّركِ على كثيرٍ من المعاصي التي مَنشَؤهَا من طَاعةِ غيرِ اللَّه، أو خَوفِهِ أو رَجَائِهِ، أو التوَكُّلِ عليه أو العَمَلِ لأجْلِهِ، كَمَا وَرَدَ إطلاق «الشِّركِ» على الرِّيَاء، وعلى الحَلِفِ بغيرِ اللَّه، وعلى التوَكُّلِ على غيرِ اللَّه والاعتِمَادِ عَلَيهِ، وعلى من سوَّى بين اللَّه وبين المخلُوقِ في المشِيئَةِ، مثل أن يقول: ما شَاءَ اللَّه وشَاءَ فُلانٌ، وكذا قولُه: ما لي إلا اللَّه وأنْتَ. وكذلك ما يَقْدَحُ في التوَكُّلِ، وتَفَرُّدِ اللَّه بالنَّفْعِ والضُّرِّ؛ كالطِّيَرَة، والرُّقَى المكرُوهَةِ، وإتيانِ الكُهَّانِ وتَصْدِيقِهم بما يَقُولُون. وَكَذَلكَ اتِّبَاعُ هَوَى النَّفْسِ فِيمَا نَهَى اللَّه عَنْهُ قادحٌ في تَمَامِ التَّوحِيدِ وَكَمَالِهِ، ولهذا أطلقَ الشَّرْعُ على كثيرٍ من الذُّنُوبِ التي

стр. 80

مَنشَؤهَا مِنْ اتِّبَاعِ هَوَى النَّفْسِ، أنَّها كُفْرٌ وشِرْكٌ؛ كقِتَالِ المسْلِمِ، ومَن أَتَى حَائِضاً أو امرَأَةً في دُبُرِهَا، ومَن شَرِبَ الخَمْرَ في المرَّةِ الرَّابِعَةِ، وإنْ كَانَ ذَلك لا يُخرِجُ عن المِلَّةِ بالكُلِّيَّةِ، ولهذا قَالَ السَّلَفُ: كُفرٌ دُونَ كُفرٍ، وشِركٌ دُونَ شِركٍ. وقد وَرَدَ إطلاقُ «الإِلَه» على الهوَى المُتَّبَع؛ قال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الفرقان: ٤٣]، قَالَ الحسنُ: هو الَّذِي لا يَهْوَى شيئاً إلا رَكِبَهُ (١). وقَالَ قَتَادَةُ: هو الَّّذِي كُلَّمَا هَوَى شَيئاً رَكِبَهُ، وكُلَّمَا اشْتَهَى شَيئاً أَتَاهُ، لا يَحْجِزُهُ عن ذلك وَرَعٌ ولا تَقوَى (٢). ورُوِيَ من حديثِ أبي أُمَامَةَ مرفوعاً بإسنادٍ ضَعِيفٍ: «مَا تَحْتَ ظِلِّ السَّمَاءِ إِلَهٌ يُعبَدُ أَعظَمُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ هَوًى مُتَّبَع» (٣). وفي حَدِيثٍ آخَرَ: «لا تَزَالُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ تَدفَعُ عَنْ أَصحَابِهَا، حَتَّى يُؤثِرُوا دُنيَاهُم علَى دِينِهِم، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ رُدَّت عَلَيهِم، وَقِيلَ لهم: كَذَبْتُم» (٤).

стр. 81

ويَشهَدُ لذَلِكَ الحَدِيثُ الصَّحِيحُ عن النبِيِّ ﷺ : «تَعِسَ عَبدُ الدِّينَارِ، تَعِسَ عَبدُ الدِّرْهَمِ، تَعِسَ عَبدُ القَطِيفَةِ، تَعِسَ عَبدُ الخَمِيصَةِ، تَعِسَ وَانْتَكَسَ، وَإِذَا شِيكَ فَلا انتَقَشَ» (١). فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ كُلَّ مَنْ أَحَبَّ شَيئاً وَأَطَاعَهُ، وَكَانَ غَايَةَ قَصدِهِ وَمَطلُوبِهِ، وَوَالَى لأَجلِهِ، وَعَادَى لأَجلِهِ، فَهُوَ عَبدُهُ، وَذَلِكَ الشَّيءُ مَعبُودُهُ وَإِلَهُهُ. مما يوضح ما تقدَّم من أنَّ مطلق التوحيد، أو مطلق التكَلُّمِ ب «لا إله إلا اللَّه» لا يكفي في النجاة من النار، وأن قائلي هذه الكلمة العظيمة متفاوتون؛ هو أنَّ هذه الكلمة - «لا إله إلا اللَّه» - مركبةٌ من نفيٍ وإثباتٍ، كما هو معروف، نَفْيُ إلهيَّةِ ما سوى اللَّه، وإثباتُ الإلهيَّةِ له سبحانه، فمضمونها الإيمان بأنَّ اللَّه تعالى هو الإله الحقُّ الذي لا يستحق العبادة سواه. و «الإله» بمعنى المَألُوه؛ يعني: المعبود، فاللَّه تعالى هو المعبودُ بحقٍّ (٢)، وهو المستحق للعبادة وحده دون مَنْ سواه، فمعنى هذه الكلمة - «لا إله إلا اللَّه» - أنَّ قَائِلَها لا يَأْلَهُ إلا اللَّه؛ يعني: لا يَعْبُدُ إلا اللَّه.

стр. 82

و «العبادةُ» تتَضَمَّنُ شيئين: المحبة، والذُّل والإجلال، وفي هذا يقول ابن القيم ﵀ في «نونيته» (١): وَعِبَادَةُ الرَّحمنِ غَايَةُ حُبِّهِ … مَع ذُلِّ عَابِدِهِ هُما قُطْبَانِ وَعَلَيهِمَا فَلَكُ العِبَادَةِ دَائِرٌ … مَا دَارَ حَتَّى قَامَت القُطْبَانِ فلا بد إذاً من اجتماع الأمرين: المحبَّة والذُّل مع الإجلال. إذاً، فحقيقة التوحيد الذي دَلَّت عليه هذه الكلمة العظيمة: أنَّ العبدَ لا يَأْلَهُ إلا اللَّه؛ حُبّاً، وخوفاً، ورَجَاءً، وتَوَكُّلاً، ورَغْبَةً، ورَهْبَةً، فلا بد من التحَقُّق بهذه المعاني. وهذه المعاني -كما تَقَدَّم- تُوجِبُ أفعالاً وتُرُوكاً، فتقتضي المبادرة إلى فعل المأمورات، واجتناب المحرمات، ولا يكون الإنسان محَقِّقاً لهذه الكلمة إلا إذا تحَقَّقَ بهذه المعاني، فحَقَّقَ تَأَلُّهَهُ وعُبُودِيَّتَهُ للَّه. إذاً، هذا التَّأَلُّه والتَّعَبُّدُ ليسَ على مرتبةٍ واحدةٍ، فلا بد لتحقيق التوحيد من اجتناب المعاصي، بل لا بد من اجتناب الشركِ كُلِّه، الأكبرِ والأصغرِ. أما «الشرك الأكبر» وهو عبادةُ غيرِ اللَّه مع اللَّه، ودعاءِ غيرِه واتخاذِّ النِّدِّ له، فهذا مناقضٌ لأصل التوحيد ولهذه الكلمة العظيمة.

стр. 83

وأما ما دونه من أنواع «الشرك الأصغر» فإنه يناقض كمال التوحيد الواجب، كما في الأمثلة التي ذكرها المؤلِّف. فهناك أنواعٌ من الذنوب جاء النصُّ بأنها من «الشرك»؛ كالرياء، والحلف بغير اللَّه، وتسوية المخلوق باللَّه في المشيئة؛ كقول القائل: ما شاء اللَّه وما شئتَ، أو: هذا من اللَّه ومنكَ، أو: لولا اللَّه وأنتَ، وكالإفراط في حُبِّ المحبوبات الطبيعية، مثل: المال، والولد، وسائر أعراض الدنيا، فهذه المحبوبات الطبيعية إذا أفرط الإنسان في حبها، فصار يرضى لوجودها ويسخط لعدمها، إذا أُعْطِيَ منها رَضِيَ وإذا لم يُعْطَ منها سَخِطَ = صار قلبُه مُعَبَّداً لها. ثم ذكر المؤلِّف ﵀ أنَّه قد دلَّت الأدلَّة على أن كُلَّ الذنوبِ التي مصدرها من اتباع الهوى قد ورد فيها إطلاق اسم «الكفر» واسم «الشرك»، وإن كانت هذه الذنوب لا تُخرِج من الملَّة، ولا تُوجِب الردَّة، لكنها -ولا شك- تدل على نقص التوحيد وضعف الإيمان. فلا بد إذاً لتحقيق مقتضى هذه الكلمة «لا إله إلا اللَّه» لتكون عاصمةً من دخول النار وموجبةً لدخول الجنة = من اجتناب كل ما ينافي تحقيق التوحيد، وينافي كماله، من أنواع الشرك والكفر. والمقصود ب «الشرك» هنا: الشرك الأصغر، أما الشرك الأكبر فإنه مناقضٌ لأصل التوحيد، ومَن قال هذه الكلمة «لا إله إلا اللَّه» ثم أتى بما يناقضها فهو كافرٌ مُرتَدٌّ خارجٌ عن مِلَّةِ الإسلام، لا ينفعه قوله لها بلسانه؛ لأنه قد انتقض في حقه شرطٌ من الشروط، فإن الشهادتين تقتضيان:

стр. 84

تحقيق التوحيد، وتحقيق المتابعة للرسول ﷺ ؛ فشهادة «أن محمداً رسول اللَّه» تقتضي تصديق الرسول بكل ما أخبر به، وطاعته بكل ما أمر به أو نهى عنه، وألا يُعْبَدَ اللَّه إلا بما شَرَعَ. فلا بدَّ لتحقيق هاتين الشهادتين من القيام بما تقتضيه من أداء الفرائض، واجتناب المحرَّمات. إذاً؛ فالذنوب منها ما يناقض أصل التوحيد، ومنها ما يناقض كماله، كما تقدم. ثم ذكر المؤلِّف ﵀ جملةً من الذنوب مما ورد إطلاق اسم «الكفر» عليه؛ كقتال المسلم، أو إتيان الكاهن، أو إتيان المرأة في دبرها، أو إتيان الحائض. ومن هذا الجنس إطلاق اسم «الكفر» على: الطعن في النسب، والنياحة على الميت، كما في قوله ﷺ : «اثْنَتَانِ فِي النَّاسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ: الطَّعْنُ فِي النَّسَبِ، وَالنِّيَاحَةُ عَلَى الْمَيِّتِ» (١). وكلُّ هذه ذنوبٌ تنافي تحقيق التوحيد والإيمان، وهذه الذنوب منها ما أُطلق عليه اسم «الشرك»، ومنها ما أُطلق عليه اسم «الكفر». فعُلِمَ بهذا أنَّ «لا إله إلا اللَّه» لها مدلولٌ عظيمٌ، وأهلُها في تحقيقه متفاوتون، فأكملُ النَّاسِ توحيداً هم الرُّسُلُ، وأكمَلُهم أولو العَزْمِ، ثم النَّاسُ بعد ذلك على مراتب؛ فمنهم الصدِّيقُون والشهداءُ والصالحون،

стр. 85

ومنهم مَنْ هم دون ذلك، وهم الظالمون لأنفسهم، ومنهم مَنْ يُخرَجُون من النار بشفاعة الشافعين وبرحمة أرحم الراحمين. وهؤلاء كُّلهم يَصدُقُ عليهم أنَّهم موَحِّدُون، وكلُّهم يقولون: «لا إله إلا اللَّه»، لكن مع التباين العظيم في العلمِ بمعناها والصدقِ والإخلاصِ في أدائها والعملِ بمقتضاها، وهو تباينٌ وتفاوتٌ لا يعلم مداه إلا اللَّه . ف «اتباع الهوى» مصدرٌ لكثيرٍ من الذنوب، حتى الشرك إنما يصدر عن اتباع الهوى، كما قال اللَّه تعالى في المشركين: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى (٢٠) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (٢٢) إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءهُم مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى (٢٣)﴾ [النجم: ١٩ - ٢٣]. ف «اتباع الهوى» مصدرٌ للذنوب؛ كبيرِها وصغيرِها، ولهذا جاء في القرآن إطلاق اسم «الإله» على الهوى، وأنَّ من الناس مَنْ اتخذ إِلهه هَوَاهُ، فجَعَلَ معبودَه هو الهوى، فمن بلغ به الأمر إلى أن يستَحِلَّ ما يهواه، ويترك ما لا يهواه بإطلاق، فإنَّه يخرج عن الإسلام بهذا، وأما المخَلِّط من المسلمين فتَجِدُه يَتَّبِع هواه في أشياء ويخالف هواه في أشياء، أما من هو متبع لهواه بإطلاق فهذا معناه أنه لا يُحِلُّ حَلالاً، ولا يُحَرِّمُ حَرَاماً، ولا يؤدِّي فريضة، بل ولا يؤمن باللَّه، قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾ [الجاثية: ٢٣]، هذه صفة الكافرين الذين قال اللَّه فيهم:

стр. 86

﴿طَبَعَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُون (١٠٨)﴾ [النحل]، وقال : ﴿خَتَمَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيم (٧)﴾ [البقرة]. فكيف -مع هذه النصوص المستفيضة- يُقال بأنَّه يكفي العبد في دخول الجنة والنجاة من النار أن يقول: «لا إله إلا اللَّه»، ولا يفعل شيئاً من أداءِ واجبٍ أو اجتنابِ محرَّمٍ، ولا يقوم بقلبِه شيءٌ من محبَّة اللَّه ومحبَّةِ رسوله ﷺ ، هذا من أبطل الباطل، ومن اتباع الهوى، ومن الجهل العظيم، إذ كيف يؤخذ بظاهر هذه النصوص وتُهْدَر دلالة سائر النصوص! نصوص الوعيد، ونصوص النهي عن كثير من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة، فإنَّ الذنوبَ منها ذنوبٌ قلبِيَّةٌ، وذنوبٌ عَمَلِيَّةٌ، وذنوبٌ قَولِيَّةٌ. فأعمالُ القلوب وأعمالُ الجوارح وأقوالُ اللِّسان كلُّها تجري فيها الأحكام من حلالٍ وحرامٍ. * * *

стр. 87

* قال ابنُ رجبٍ ﵀: وَيَدُلُّ عَلَيهِ أَيضاً أَنَّ اللَّه تَعَالى سَمَّى طَاعَةَ الشَّيطَانِ في مَعصِيَتهِ عِبَادَةً لِلشَّيْطَانِ، كَمَا قَالَ تَعَالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لاَّ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ [إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِين (٦٠)]﴾ [يس: ٦٠]، وَقَالَ حَاكِياً عَنْ خَلِيلِهِ إِبْرَاهِيمَ ﵇ أَنَّهُ قَالَ لأَبِيهِ: ﴿يَاأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (٤٤)﴾ [مريم]. فَمَنْ لَمْ يُحَقِّقْ عُبُودِيَّةَ الرَّحْمَنِ وَطَاعَتَهُ فَإِنَّهُ يَعْبُدُ الشَّيْطَانَ بِطَاعَتِهِ [لَهُ]، وَلَمْ يَخْلُصْ مِنْ عِبَادَةِ الشَّيْطَانِ إِلَّا مَنْ أَخْلَصَ عُبُودِيَّةَ الرَّحْمَنِ، وَهُمْ الَّذِينَ قَالَ اللَّه فِيهِمْ: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: ٤٢]، فَهُمْ الَّذِينَ حَقَّقُوا قَوْلَ: «لا إِلَهَ إِلَّا اللَّه» وَأَخْلَصُوا فِي قَوْلِهَا، وَصَدَّقُوا قَولَهُمْ بِفِعْلِهِم، فَلَمْ يَلْتَفِتُوا إِلَى غَيْرِ اللَّهِ، مَحَبَّةً وَرَجَاءً وَخَشْيَةً وَطَاعَةً وَتَوَكُّلاً، وَهُمْ الَّذِينَ صَدَقُوا في قَوْلِ: «لا إِلَهَ إِلَّا اللَّه»، وَهُمْ عِبَادُ اللَّهِ حَقّاً. فَأَمَّا مَنْ قَالَ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّه بِلِسَانِهِ، ثُمَّ أَطَاعَ الشَّيْطَانَ وَهَوَاهُ فِي مَعْصِيَةِ اللَّه وَمُخَالَفَتِهِ فَقَدْ كَذَّبَ فِعْلُهُ قَوْلَهُ، وَنَقَصَ مِنْ كَمَالِ تَوْحِيدِهِ بِقَدْرِ مَعْصِيَةِ اللَّهِ فِي طَاعَةِ الشَّيْطَانِ وَالْهَوَى ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص: ٥٠]، ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: ٢٦].

стр. 88

فَيَا هَذَا كُنْ عَبْدَ اللَّهِ لا عَبْدَ الهَوَى، فَإِنَّ الهَوَى يَهْوِي بِصَاحِبِهِ فِي النَّارِ، ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّار (٣٩)﴾ [يوسف]، تَعِسَ عَبْدُ الدِّرْهَمِ تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ. وَاللَّه مَا يَنْجُو غَداً مِنْ عَذَابِ اللَّه إِلَّا مَنْ حَقَّقَ عُبُودِيَّةَ اللَّهِ وَحْدَهُ، وَلَمْ يَلْتَفِتْ مَعَهُ إِلى شَيْءٍ مِنَ الأَغْيَارِ. مِنْ عَلِمَ أَنَّ إِلَهَهُ وَمَعبُودَهُ فَردٌ، فَلْيُفرِدهُ بِالعُبُودِيَّةِ، ولا يُشرِك بِعِبَادَةِ ربِّهِ أَحَداً. تقدم تقرير أن كلمةَ التوحيد «لا إله إلا اللَّه» مدلولها: أنَّ الإلهَ الحق هو اللَّه ، وأنَّه وحدَه المستحقُّ للعبادة، فهو سبحانه الذي يستحق أن يُؤلَه -يعني: يُعْبَد- وحده لا شريك له، فيُعْبَدُ خوفاً ورجاءً وتوكُّلاً ورغبةً ورهبةً واستعانَةً، وكلُّ أنواع العبادة الظاهرة والباطنة هو المستحق لها سبحانه دون من سواه. وهذه الأعمال يتفاضل فيها الناس؛ فإنَّ الإيمان يزيد وينقص، فأعمال القلوب وأعمال الجوارح تزيدُ وتنقصُ تَبَعاً لذلك، ولذلك كان الناس أصنافاً؛ فمنهم السابقون بالخيرات، ومنهم المقتصدون، ومنهم الظالمون لأنفسهم، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر: ٣٢].

стр. 89

إذاً؛ فالعِبَادُ متفاضلون في إيمانهم وفي طاعتهم وفي سائر أنواع العبادة تفاضلاً لا يعلم مداه إلا اللَّه الذي يعلم ما في القلوب، ويعلم ما يُسِرُّه العِبَادُ وما يُعلِنُون. وأيضاً فهناك الذنوبُ التي تُنْقِصُ التوحيدَ والإيمانَ، ولهذا جاء في بعض النصوص -كما تقدَّم- تسميةُ بعض الذنوب «كُفْراً»، وفي بعضها «شِرْكاً»، فكما أنَّ شُعبَ الإيمانِ إيمانٌ فإنَّ شُعَبَ الكُفْرِ كُفْرٌ، بمعنى أنها من الكفر، كما قال ﷺ : «اثْنَتَانِ فِي النَّاسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ: الطَّعْنُ فِي النَّسَبِ، وَالنِّيَاحَةُ عَلَى الْمَيِّتِ» (١)، و «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر» (٢). ومعنى ذلك: أنَّ الذي يَنْقُصُ تحقيقُه لمدلول هذه الكلمة العظيمة «لا إله إلا اللَّه» يكون قد شَابَهُ من الشِّرْكِ بقدر ما معه من المخالفة، ومن ذلك ما جاء في الحديث الصحيح: «تَعِسَ عبدُ الدينار، تَعِسَ عَبْدُ الدِّرْهَمِ … » (٣)، فإذا أفرط الإنسان في المحبَّة الطبيعية خرج إلى نوع من الشرك. وقد قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ﴾ [التوبة: ٢٤]، فهذه

стр. 90

آية المحبوبات الثمانية، وإيثار هذه المحبوبات قد يصل إلى الكفر، وقد يكون دون ذلك، فكثيرٌ من الكفار تركوا الإيمان باللَّه ورسوله إيثاراً للوطن والعشيرة والأهل، وموافقةً لهم، ومنهم من يؤثر هذه المحبوبات في المعصية، فيؤثر طاعتهم في معصية اللَّه، ويقدِّم ما أحَبُّوا على ما أوجب اللَّه ، وهكذا. وقد تقدَّم أنَّ اتباع الهوى هو أصل الشرك بنوعيه الأصغر والأكبر، كما قال تعالى عن المشركين: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنفُسُ﴾ [النجم: ٢٣]. بعد هذا كله يقول المؤلِّف ﵀: (وَيَدُلُّ عَلَيهِ أَيضاً أَنَّ اَللَّه تَعَالى سَمَّى طَاعَةَ اَلشَّيطَانِ في مَعصِيَته عِبَادَةً لِلشَّيْطَانِ)، فسمى اللَّه طاعة الشيطان عبادة، وكل معصية للَّه هي طاعة للشيطان، ولكن هناك من الخَلْق مَنْ عَبَدَ الشيطانَ عبادةً صار بها كافراً مشركاً؛ كعُبَّاد الأوثان، فإنهم -في الحقيقة- عابِدُون للشيطان، وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أن أصل الشرك كُلِّه من عبادة الملائكة والأنبياء والصالحين والأصنام والأحبار والرُّهبَان وغير ذلك = هو عِبَادةُ الشَّيطَان (١)، قال تعالى: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُون (٥٩)

стр. 91

أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لاَّ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِين (٦٠)﴾ [يس]، فهؤلاء المجرمون إنما عبدوا الشيطان بطاعته، فإنَّ أكثرَ الأُمَمِ في الواقع لا تقصد عبادة الشيطان، وإنما عَبَدَت الشيطانَ بطاعته. وقال إبراهيم ﵇: ﴿يَاأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (٤٤)﴾ [مريم]. فعلم بهذا أنَّ طاعةَ الشيطانِ هي نوعُ عبادةٍ له، وهي تختلف كما ذكرتُ. إذاً؛ فالتألُّه للَّه والتعبُّد له يقتضي طاعتَه ومحبتَه وخوفَه ورجاءَه وإفرادَه بذلك. وعلى هذا؛ فعبدُ اللَّه على الحقيقة هو الذي يُفرِدُ ربَّه بالطاعة، ولا يطيع إلا مَنْ أمره اللَّه بطاعته من الرُّسُلِ، كما قال تعالى: ﴿مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ﴾ [النساء: ٨٠]، ويقول نوح ﵇ لقومه: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُون (٣)﴾ [نوح]، وكلُّ مَنْ أمر اللَّهُ بطاعتِه، فطاعتُه هي طاعةٌ للَّه، في حدودِ ما أمر اللَّه به من طَاعته. فالعبوديةُ تقتضي كمالَ الطاعةِ، وكمالَ الحبِّ والذُّلِّ والإجلالِ، وما يتبع ذلك من الخوف والرجاء والتوكل، فيجب إفراد اللَّه بكل أنواع العبادة الظاهرة والباطنة، ولا يحقق هذا المقام إلا الذين استثناهم اللَّه بقوله: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: ٤٢]، وقال عن إبليس: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِين (٨٢) إِلاَّ عِبَادَكَ

стр. 92

مِنْهُمُ الْمُخْلَصِين (٨٣)﴾ [ص]، وفي قراءةٍ سَبعِيَّةٍ (١): ﴿الْمُخْلِصِين﴾ بكسر اللام، فهم مخلِصون للَّه في أعمالهم، وهم أيضاً عبادُ اللَّه المخلَصون، فليس فيهم عبودية لغيره سبحانه، وهذا يَصْدُقُ على الأنبياء والمرسلين والصديقين والشهداء والصالحين، فهم مخلِصُون للَّه في أعمالهم وأقوالهم الظاهرة، ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّين (٢)﴾ [الزمر]، و ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (١٤) فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُم مِنْ دُونِهِ﴾ [الزمر: ١٤، ١٥]. أما من يتبع هواه فيما يخالف هدى اللَّه فليس بمخْلِصٍ ولا مُخْلَصٍ، ولو كان عنده شيءٌ من أصل العبودية للَّه. فالعبودية للَّه المتضمنة لمحبته وتعظيمِه وطاعتِه الناسُ فيها على مراتب، فأكمل الخلق عبودية للَّه هو الرسول ﷺ ، وهو مقامٌ شريفٌ شرَّفه اللَّه به، ونوَّه بوصفه بالعبودية في مواضع، فقال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ [البقرة: ٢٣]، وقال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: ١]، وقال: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ [الجن: ١٩]، وقال تعالى عن نوح ﵇: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا (٣)﴾ [الإسراء]، وقال: ﴿فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا﴾ [القمر: ٩]. فالعبودية هنا هي عبوديةٌ خاصَّةٌ، فالرُّسُلُ والأنبياءُ والصدِّيقُون على اختلاف مراتِبِهم هم الذين حقَّقُوا العبودية للَّه، فحَقَّقُوا التوحيد، وأخلصوا الدين للَّه، فلم تُزَاحم محبةَ اللَّه في قلوبهم محبةُ غيرِه، وسيأتي مزيد كلام في المحبة فيما يأتي.

стр. 93

* قال ابنُ رجبٍ ﵀: كَانَ بَعْضُ العَارِفِينَ (١) يَتَكَلَّمُ عَلَى أَصْحَابِه، عَلَى رَأْسِ جَبَلٍ، فَقَالَ فِي كَلامِهِ: لا يَنَالُ أَحَدٌ مُرَادَهُ حَتَّى يَنْفَرِدَ فَرْداً بِفَرْدٍ، فَانْزَعَجَ وَاضْطَرَبَ، حَتَّى رَأَى أَصْحَابُهُ أَنَّ الصُّخُورَ قَدْ تَدَكْدَكَتْ، وَبَقِيَ عَلَى ذَلِكَ سَاعَاتٍ، فَلَمَّا أَفَاقَ فَكَأَنَّه (٢) نُشِرَ مِنْ قَبْرٍ (٣). هذا الأثر مما يُنقَل عن بعض الصوفية، فهم الذين يتلَقَّبُون بهذه الألفاظ: «العارف». واسم «العارف» ليس من الأسماء الشرعية التي مِنْ مثل: «المؤمن»، «التقي»، «الصالح»، «الصدِّيق». نعم، المعرفة مطلوبة وهي العلم، واللَّه قد أمر بالعلم والتزَوُّدِ منه فقال آمِراً نبيَّه ﷺ : ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا (١١٤)﴾ [طه]، لكنَّ اسمَ «العارف»

стр. 94

أصبح مصطلحاً عند الصوفية يَعنُونَ به: المحقِّق لمقامات السَّيرِ إلى اللَّه وجَمْعِ القلبِ إليه (١). وللصوفية مصطلحات كثيرة، فتلميذ الشيخ الذي يتلقَّى منه التربية في السلوك والعبادة والأعمال يسمونه «المريد»، ولهم أيضاً مصطلحات بدعية فيما يُشْرَع -بزعمهم- للسَّالِكِ؛ كمصطلح «الفَنَاء» (٢)، و «الاصْطِلَام» (٣)، و «الجَمْعِيَّة» (٤) إلى غير ذلك.

стр. 95

وهذه القصة التي أوردها المؤلِّف ﵀ في هذا المقام إنما أوردها للاستشهاد بها، ولا بأس من الاستشهاد في بعض الأمور التي يُقصَدُ منها تقريرُ أمرٍ صَحِيحٍ. وقول هذا العارف: (لا ينال أحدٌ مرادَه حتى ينفرد فَرْداً بِفَرْدٍ) هذا من عباراتهم، وقد نقل ابن القيم في «مدارج السالكين» عن بعض شيوخ الصوفية -وهو الجُنَيْد ﵀ أنه قال في تعريف «التوحيد»: (هو إِفْرَادُ القَدِيمِ عن المحدَث) (١).

стр. 96

فقوله: (لا ينالُ أحدٌ)؛ يعني: لا ينال أحدٌ من العُبَّاد والسالكين والسائرين إلى اللَّه (مرادَه)؛ أي: مرادَه من اللَّه تعالى من المحبة والمنزلة عنده. وقوله: (حتى ينفرد فَرْداً بِفَرْدٍ)؛ أي: حتى ينفرد العبدُ حال كونه فرداً بعزمه وصدق إرادته (بفردٍ) وهو اللَّه . و إطلاق «الفَرْدِ» على اللَّه معناه صحيحٌ، فاللَّه تعالى فَرْدٌ، لكن الذي ورد في أسمائه «الأحد» و «الواحد»، وأما «الفَرْد» فلا أعرف أنَّه قد ورد في شيءٍ من النُّصوص (١)، لكن معناه صحيح، وكثيراً ما يجري على لسان بعض أهل العلم أنه أَحَدٌ فَرْدٌ صَمَدٌ؛ يعني: أَحَدٌ وَاحِدٌ؛ لأنَّ «الفَرْدَ» بمعنى الواحد. فقوله: (حتى ينفرد فَرْداً بِفَرْدٍ)؛ يعني: حتى ينفرد العبدُ بالواحدِ الأحدِ بحيث لا يكون له تعلُّقٌ إلا به سبحانه.

стр. 97

وفي هذا المعنى يقول ابن القيم ﵀ في «النونية» (١): فَلِوَاحِدٍ كُنْ وَاحِداً في وَاحِدٍ … أَعْنِي سَبِيلَ الحَقِّ وَالإِيْمَانِ فقوله: (فلِوَاحِدٍ كُنْ وَاحِداً)؛ يعني: كن عبداً للَّهِ الواحدِ، لا تكن عبداً لغيره. وقوله: (في وَاحِدٍ)؛ يعني: في الطريق، فإنَّ طريقَ الحقِّ وَاحِدٌ. وكأنَّ قوله: (حتى ينفرد فرداً بفردٍ) يشير به إلى مقام «الفناء» عند الصوفية، وهو أن يغيب بمشهودِه عن شهودِه، وبمعروفِه عن معرفَتِه، وبمذكورِه عن ذِكرِه، وليس هذا المقام من مقامات الدِّين التي جاء بها الرسولُ ﷺ ، فضلاً عن أن يكون أعلى مقامات الدين أو يكون من لوازم طريق اللَّه، كما حقَّق ذلك وحرَّره شيخُ الإسلام ابن تيمية ﵀ (٢). ثم ذكر المؤلِّف في آخر القصة أنَّ هذا العارف لما قال هذه المقالة غُشِيَ عليه وصُعِقَ، وهذا يحدث لبعض الصوفية. ومسألة «الغَشْي والصَّعْقُ» فيها كلامٌ معروفٌ لشيخ الإسلام ابنِ تيمية وغيرِه (٣)، وهو أنَّ الغَشْيَ ليس بمشروعٍ، لكن الإنسان إذا غَلَبَه الصَّعْقُ والغَشْي فإنَّه يكونُ حينئذٍ معذوراً، ولم يُعرَف الصَّعْقُ والغَشْي

стр. 98

من حال الرُّسل والأنبياء والكُمَّل من عباد اللَّه، إنما عُرِفَ عن بعض العُبَّاد السُّلَّاك. فغاية الأمر أن يكونوا معذورين في ذلك، لا أنَّ الصَّعْقَ والغَشْي أمرٌ ممدوحٌ لذاته؛ بحيث يكون مَنْ يحصل له ذلك أفضل ممن لا يحصل له، هذا لا يصح. وكأن المؤلِّف ﵀ كان عنده نزعةُ تصَوُّفٍ، ولهذا تراه يستشهد ببعض أقوال الصوفية وأشعارهم، كما سيأتي. * * *

стр. 99

* قال ابنُ رجبٍ ﵀: قَولُهُ: «لا إِلَهَ إِلَّا اللَّه» تَقتَضِي أَلَّا يُحِبَّ سِوَاهُ، فَإِنَّ الإِلَهَ هُوَ الَّذِي يُطَاعُ، مَحَبَّةً وَخَوفاً وَرَجَاءً. وَمِنْ تَمَامِ مَحَبَّتِهِ مَحَبَّةُ مَا يُحِبُّهُ، وَكَرَاهَةُ مَا يَكرَهُهُ، فَمَنْ أَحَبَّ شَيئاً مِمَّا يَكرَهُ اللَّهُ، أَوْ كَرِهَ شَيئاً مِمَّا يُحِبُّهُ اللَّهُ لَم يَكمُل تَوحِيدُهُ وَلا صِدْقُهُ في قَولِ: «لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ»، وَكَانَ فِيهِ مِنْ الشِّركِ الخَفِيِّ بِحَسبِ مَا كَرِهَهُ مِمَّا يُحِبُّهُ اللَّهُ، وَمَا أَحَبَّهُ مِمَّا يَكرَهُهُ، قَالَ تَعَالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُم (٢٨)﴾ [محمد]. قَالَ اللَّيثُ عَنْ مُجَاهِدٍ في قَولِهِ تَعَالى: ﴿لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور: ٥٥]، قَالَ: لا يُحِبُّونَ (١) غَيرِي (٢). وفي «صَحِيحِ الحَاكِمِ» عن عائِشةَ ﵂، عن النَّبِيِّ ﷺ : أنَّه قال: «الشِّركُ (٣) أَخفَى مِنْ دَبِيبِ الذَّرِّ عَلَى الصَّفَا فِي اللَّيلَةِ الظَّلمَاءِ،

стр. 100

وأَدنَاهُ أَنْ تُحِبَّ عَلَى شَيءٍ مِنَ الجَورِ، أَوْ تُبغِضَ عَلَى شَيءٍ مِنْ العَدلِ، وَهَل الدِّينُ إِلا الحُبُّ وَالبُغضُ؟ قَالَ اللَّهُ تَعَالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]» (١). وَهَذَا نَصٌّ فِي أَنَّ مَحَبَّةَ مَا يَكرَهُهُ اللَّهُ وَبُغضَ مَا يُحِبُّهُ مُتَابَعَةً لِلهَوَى، وَالمُوَلاةَ عَلَى ذَلِكَ وَالمُعَادَاةَ عَلَيهِ مِنْ الشِّركِ الخَفِيِّ. وقَالَ الحَسَنُ: اعلَم أَنَّكَ لَنْ تُحِبَّ اللَّهَ حَتَّى تُحِبَّ طَاعَتَهُ (٢). وَسُئِلَ ذُو النُّونِ [المِصْرِيُّ]: مَتَى أُحِبُّ رَبِّي؟ قَالَ: إِذَا كَانَ مَا يُبغِضُهُ عِنْدَكَ أَمَرَّ مِنْ الصَّبِر (٣). وَقَالَ بِشرُ بنُ السَّرِيِّ: لَيسَ مِنْ أَعلامِ الحُبِّ أَنْ تُحِبَّ مَا يُبغِضُهُ حَبِيبُكَ (٤). وَقَالَ أَبُو يَعقُوبَ النَّهرَجُورِي: كُلُّ مَنْ ادَّعَى مَحَبَّةَ اللَّهِ وَلَم يُوَافِق اللَّهَ في أَمرِهِ فَدَعوَاهُ بَاطِلٌ (٥). وَقَالَ يَحيَى بنُ مُعَاذٍ: لَيسَ بِصَادِقٍ مَنْ ادَّعَى مَحَبَّةَ اللَّهِ، وَلَم يَحفَظ حُدُودَهُ (٦).

стр. 101

وَقَالَ رُوَيمٌ: المَحَبَّةُ المُوَافَقَةُ في جَمِيعِ الأَحوَالِ، وَأَنشَدَ: ولو قلتَ لي: مُتْ، مُتُّ سمعاً وَطَاعَةً وقُلتُ لداعي الموتِ: أهلاً ومَرْحَباً (١) وَيَشهَدُ لِهَذَا المَعنَى أَيضاً قَولُهُ تَعَالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]، قَالَ الحَسَنُ: قَالَ أَصحَابُ النَّبِيِّ ﷺ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا نُحِبُّ رَبَّنَا حُبّاً شَدِيداً؛ فَأَحَبَّ اللَّهُ أَنْ يَجعَلَ لِحُبِّهِ عَلَماً، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ (٢). وَمِنْ هُنَا يُعلَمُ أَنَّهُ لا تَتِمُّ شَهَادَةُ «ألَّا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» إِلَّا بِشَهَادَةِ «أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّه»، فَإِنَّهُ إِذَا عَلِمَ أَنَّهُ لا تَتِمُّ مَحَبَّةُ اللَّهِ إِلَّا بِمَحَبَّةِ مَا يُحِبُّهُ وَكَرَاهَةِ مَا يَكرَهُهُ، فَلا طَرِيقَ إِلَى مَعرِفَةِ مَا يُحِبُّهُ وَمَا يَكرَهُهُ إِلَّا مِنْ جِهَةِ مُحَمَّدٍ المُبَلِّغِ عَنْ اللَّهِ مَا يُحِبُّهُ وَمَا يَكرَهُهُ (٣)، فَصَارَت مَحَبَّةُ اللَّهِ مُسْتَلْزِمَةً لِمَحَبَّةِ رَسُولِهِ ﷺ وَتَصدِيقِهِ وَمُتَابَعَتِهِ. وَلِهَذَا قَرَنَ اللَّهُ بَيْنَ مَحَبَّتِهِ وَمَحَبَّةِ رَسُولِهِ فِي قَوْلِهِ: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُم مِنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٢٤]، كَمَا قَرَنَ بَينَ طَاعَتِهِ وَطَاعَةِ رَسُولِهِ ﷺ في مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ.

стр. 102

ذكر المؤلِّف ﵀ في هذه الجملة أنَّ قول: «لا إله إلا اللَّه» يتضمن محبة اللَّه، وهذا حقٌّ؛ فإنَّ معنى «لا إله إلا اللَّه»؛ أي: لا معبودَ بحقٍّ إلا اللَّه، فهو وحده سبحانه المستحقُّ للعبادة، وحقيقة «العبادة» كمالُ الحبِّ مع كمالِ الذُّل. إذاً فقول: «لا إله إلا اللَّه» يقتضي أن يكون قائلُها محِبّاً للَّه، ومحِبّاً لما يُحِبُّه اللَّه، وهذا أمرٌ بَدَهِيٌّ، وهو مما فَطَرَ اللَّه عليه عِبَادَهُ، فإنَّ محبَّةَ الحَبِيبِ تقتضي محبَّةَ ما يُحِبُّه، بل وبُغْضَ ما يُبغِضُهُ. بل إنَّ قولَ: «لا إله إلا اللَّه» كما أنَّه يقتضي محبَّة اللَّه فإنَّه يقتضي أيضاً خوفَه ورجاءَه، فلا بد إذاً من تصديق هذه الكلمة، وتصديقُها إنما هو بمحبة ما يُحِبُّه اللَّه وبُغْضِ ما يُبغِضُه، فبحسب ما يكون بالقلب من محبَّة اللَّه وصِدْقِ العبودية له تكون حال الإنسان في تعامله مع الأشياء، فيُحِبُّ ما يُحِبُّه اللَّه ويُبغِضُ ما يُبْغِضُهُ اللَّه. وأما من عَكَسَ؛ فَأَحَبَّ ما يُبغِضُه اللَّه، أو أَبغَضَ ما يُحِبُّه اللَّه، كان ذلك مكذِّباً لدَعْوَاهُ المحبَّة، أو دَالاًّ على نقصٍ فيما يدَّعِيه من المحبَّة. ومعنى هذا أنَّ كمال التوحيد يقتضي محبَّة ما يحبُّه اللَّه، وبُغْضَ ما يُبغِضُه اللَّه؛ من الأعمال والأقوال والأشخاص. فيقتضي محبة ما أمر اللَّه به ورسوله، وبغض ما نهى اللَّه عنه ورسوله، ويقتضي أيضاً محبة أولياء اللَّه، وبغض أعدائه.

стр. 103

إذاً؛ فمن لم يتحقق بهذا فلا بد وأن يكون عنده نوعٌ من الشرك في المحبة، فمن أحبَّ شيئاً مما يبغضُه اللَّه أو كَرِهَ شيئاً مما يحبُّه لم يكن محقِّقاً لمحبَّة اللَّه؛ فإنَّ محبَّة اللَّه المطلقة التامَّة تقتضي محبَّة كل ما يحبه اللَّه وكل من يحبه اللَّه، وبغض كل ما يبغضه اللَّه وكل من يبغضه اللَّه. ومن ذلك محبةُ الرسول ﷺ ؛ فإنَّ محبةَ الرسول ﷺ هي من محبةِ اللَّه، ومحبةُ المؤمنين هي من محبةِ اللَّه، فهي فرعٌ وتَبَعٌ. وقد قَرَنَ اللَّه محبةَ الرَّسول ﷺ بمحبتِه في كتابِه الكريم، فقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُم مِنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ﴾، وفي الحديث أيضاً: «ثلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلَاوَةَ الإِيمان: أن يَكُونَ اللَّه ورَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيهِ مِمَّا سِوَاهُمَا» (١). وكما قَرَنَ اللَّه بينَه وبينَ الرَّسُول ﷺ في المحبَّة قَرَنَ بينَه وبينَه في الطاعة أيضاً؛ فإن محبَّة الرسول ﷺ تقتضي طاعته طاعةً مطلقةً كطاعة اللَّه؛ لأن طاعة الرسول هي طاعةٌ للَّه؛ فإن الرسول لا يأمر إلا بطاعة اللَّه ولا ينهى إلا عن معصيته، أما غيره من الخلق فإنه قد يأمر بمعصية اللَّه، فلهذا قُيِّدَت طاعةُ المخلوقِ -غير الرسولِ ﷺ ب «المعروف» أو «بغير المعصية» كما في الحديث: «لا طاعة في المعصية، إنما الطاعة في المعروف» (٢).

стр. 104

وتحقيق محبة الرسول ﷺ إنما هي بمتابعته، بل وتحقيق محبة اللَّه إنما هي بمتابعة الرسول ﷺ ، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾، فاتِّبَاع الرَّسُول ﷺ هو البرهان، وقد جاء في تفسير هذه الآية -كما ذكر المؤلِّف- أن قوماً ادَّعَوا محبَّة اللَّه فامتحنهم بهذه الآية، ولذا سُمِّيَت هذه الآية ب «آية المِحْنَة». ثم أورد المؤلِّف جملةً من أقوال بعض شيوخ الصوفية؛ كأبي يعقوب النَّهْرَجُورِي، وذي النُّون المِصْرِي، ورُوَيْم وغيرِهم، وهؤلاء من أعلام الصوفية، ولهم أقوالٌ جَيِّدَةٌ حَسَنَةٌ، وكثيراً ما يستشهد بها شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم. و شيوخ الصوفية المتقدِّمون الغالب عليهم الخير، وإن كان لهم أخطاء كغيرهم من الناس، فكل طائفة من أهل الدين من أرباب السلوك أو أرباب الفقه وغيرهم، كل من هؤلاء فيهم المعتدل والمستقيم، وفيهم من يكون عنده بعض الأخطاء في قوله أو في فعله، والواجب العدل في الحكم على الطوائف والجماعات وعلى الأفراد. والمقصود: أنَّ المؤلِّف ﵀ يستشهد في هذه الرسالة وفي غيرها بأقوال أولئك الصوفية؛ لأنَّ عباراتهم الواردة في هذا صحيحةٌ، وأنَّ العنوانَ على صدقِ المحبة هو الطاعةُ والوقوفُ عند الحدود، ومحبةُ ما يُحِبُّه اللَّه، إلا أنَّ الأمر لا يقف عند حد المحبة، فالعبودية تتضمن المحبة والخوف والرجاء معاً ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ [الإسراء: ٥٧]، فلا بد أن تقوم العبادة على هذه الأصول.

стр. 105

والصوفية -بعضُهم أو كثيرٌ منهم- يبالغون في تعظيم مقام المحبة، ولا يعظِّمون مقام الرَّجاء والخوف، بل ربما استنقصوا مقام الرَّجاء والخوف، وهذا من أغلاطهم، كما يروى عن بعضهم قوله: «أنا لا أعبد اللَّه حُبّاً ورَغبَةً في جنَّتِه ولا خَوفاً من نَارِه»؛ بمعنى: أنَّه لا يعبده إلا بدافع الحبِّ فقط، وهذا غلطٌ (١)؛ فاللَّه تعالى أمر بخوفه ورجائه وأثنى على أوليائه بالخوف والرجاء، فقال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِين (٩٠)﴾ [الأنبياء]. ولعل هذه المقدمة تنفع في ملاحظة ما سيأتي من استشهادات المؤلِّف ﵀ بعبارات بعض أعلام الصوفية، كما ذكره هنا، لكن جملةُ ما ذَكَرَه هنا أنَّ محبةَ اللَّه الصادقة تقتضي محبَّة ما يُحِبه وبُغضَ ما يُبغِضه، وأنَّ خلاف ذلك قادحٌ في المحبَّة بقدرِ ما يقع من تلك المخالفة، وهذا كلامٌ صحيحٌ، وحقٌ لا نزاع فيه. * * *

стр. 106

* قال ابنُ رجبٍ ﵀: وَقَالَ ﷺ : «ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاوَةَ الإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ المَرْءَ لا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكرَهَ أَنْ يَرجِعَ إلى الكُفرِ بَعدَ إِذْ أَنقَذَهُ اللَّهُ مِنهُ، كَمَا يَكرَهُ أَنْ يُلقَى في النَّارِ» (١). هَذِهِ حَالُ السَّحَرَةِ لَمَّا سَكَنَت المَحَبَّةُ قُلُوبَهُم، سَمَحُوا بِبَذلِ نُفُوسِهِم، [ف] قَالُوا لِفِرعَونَ: اقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ. وَمَتَى تَمَكَّنَت المَحَبَّةُ فِي (٢) القَلبِ لَم تَنبَعِث الجَوَارِحُ إِلَّا إِلى طَاعَةِ الرَّبِّ، وهَذَا هو مَعنَى الحدِيثِ الإِلَهِيِّ الَّذِي خَرَّجَهُ البُخَارِيُّ في «صَحِيحِه»، وَفِيهِ: «وَلا يَزَالُ عَبدِي يَتَقَرَّبُ إِليَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا» (٣)، وَفِي بَعضِ الرِّوَايَات: «فَبِي يَسْمَعُ، وبِي يُبْصِرُ، وبِي يَبْطِشُ، وبِي يَمْشِي» (٤)؛ وَالمعنَى: أنَّ مَحَبَّةَ اللَّه إِذَا استَغْرَقَ بِها القَلْبُ واسْتَولَت عَلَيهِ، لَمْ تَنْبَعِث الجَوَارِحُ

стр. 107

إِلَّا إِلى مَرَاضِي الرَّبِّ، وَصَارَت النَّفْسُ حِينَئِذٍ مُطْمَئِنَّةً، فَفَنِيَتْ بِإِرَادَةِ مَولَاهَا عَنْ مُرَادِهَا وَهَوَاهَا. يا هَذَا! اعْبُد اللَّهَ لِمُرَادِهِ مِنْكَ لا لِمُرَادِكَ مِنهُ، فَمَنْ عَبَدَهُ لِمُرَادِهِ مِنهُ فَهو مِمَّنْ يَعبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ، إِنْ أَصَابَهُ خَيرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ، وإِن أَصَابَتهُ فتنةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجهِهِ خَسِرَ الدُّنيَا والآخِرَةَ. وَمَتَى قَوِيتِ المعرِفَةُ والمحَبَّةُ لَمْ يُرِد صَاحِبُهَا إلَّا مَا يُرِيدُهُ مَولاهُ، وَفي بَعضِ الكُتُبِ السَّالِفَةِ: «مَنْ أَحَبَّ اللَّه لَمْ يَكُنْ شَيءٌ عِندَهُ آثَرُ مِنْ رِضَاهُ، وَمَنْ أَحَبَّ الَّدُنيَا لَمْ يَكُنْ شَيءٌ عِندَهُ آثَرُ مِنْ هَوَى نَفْسِهِ» (١). وَرَوَى ابنُ أبي الدُّنيَا بِإِسنَادِهِ عن الحَسَنِ، قَالَ: مَا نَظَرْتُ بِبَصَرِي، وَلَا نَطَقْتُ بِلِسَانِي، وَلَا بَطَشْتُ بِيَدِي، وَلَا نَهَضْتُ عَلَى قَدَمِي، حَتَّى أَنْظُرَ عَلَى طَاعَةٍ أو مَعصِيَةٍ، فَإِنْ كَانَتْ طَاعَةً تَقَدَّمْتُ، وَإِنْ كَانَتْ مَعْصِيَةً تَأَخَّرْتُ (٢). هَذَا حَالُ خَوَاصِّ المحِبِّينَ [الصَّادِقِينَ]، فَافْهَمُوا رَحِمَكُمُ اللَّه هَذَا؛ فَإنَّه مِنْ دَقَائِقِ أَسْرَارِ التَّوحِيدِ الغَامِضَة.

стр. 108

وَإِلى هَذَا المقَامِ أَشَارَ النَّبِيُّ ﷺ في خُطْبَتِهِ لَمَّا قَدِمَ المَدِينَةَ، حَيثُ قَالَ: «أَحِبُّوا اللَّه مِنْ كُلِّ قُلُوبِكُمْ» وَقَدْ ذَكَرَهَا ابنُ إِسحَاقَ وغَيرُه (١). فَإِنَّ مَنْ امْتَلأَ قَلبُه مِنْ مَحَبَّةِ اللَّه لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَرَاغٌ لِشَيءٍ من إِرَادَاتِ النَّفْسِ وَالهَوَى، وَإِلى ذَلِكَ أَشَارَ القَائِلُ بِقَولِهِ (٢): أَرُوحُ وَقَدْ خَتَمتَ عَلَى فُؤادِي … بِحُبِّكَ أن يَحُلَّ بِهِ سِوَاكَ فَلَو أَني استَطَعتُ غَضَضْتُ طَرْفِي … فَلَم أَنْظُرْ بِهِ حَتَّى أَرَاكَا أُحِبُّكَ لا بِبَعْضِي بَلْ بِكُلِّي … وَإِنْ لَمْ يُبْقِ حُبُّكَ لي حِرَاكَا وَفي الأَحْبَابِ مَخْصُوصٌ بِوَجْدٍ … وَآخَر يَدَّعِي مَعَهُ اشْتِرَاكَا إِذَا اشْتَبَكَتْ (٣) دُمُوعٌ في خُدُودٍ … تَبَيَّنَ مَنْ بَكَا مِمَّنْ تَبَاكَى

стр. 109

فَأَمَّا مَنْ بَكَى فَيَذُوبُ وَجْداً … وَيَنْطِقُ بِالهَوَى مَنْ قَدْ تَشَاكَا مَتَى بَقِيَ لِلمُحِبِّ مِنْ نَفْسِهِ حَظٌّ فَمَا بِيَدِهِ من المَحَبَّةِ إِلَّا الدَّعْوَى، إِنَّمَا المُحِبُّ مَنْ يَفْنَى عَنْ [هوى] نَفْسِهِ كُلِّهِ، وَيَبْقَى بِحَبِيبِهِ، فَبِي يَسْمَعُ، وَبِي يُبْصِرُ. القَلبُ بَيتُ الرَّبِّ، وفي الإِسرَائِيلِيَّات يَقُولُ اللَّه: «مَا وَسِعَنِي سَمَائِي وَلا أَرْضِي، وَلَكِن وَسِعَنِي قَلْبُ عَبدِي المُؤمِن» (١). فَمَتَى كَانَ القَلبُ فِيهِ غَير اللَّه، فَاللَّه أَغنَى الأَغْنِيَاءِ عَنْ الشِّرْكِ، وَهو لَا يَرْضَى بِمُزَاحَمَةِ أَصْنَامِ الهَوَى، الحقُّ تَعَالَى غَيُورٌ، يَغَارُ عَلَى عَبدِهِ المُؤمِن أَنْ يَسْكُنَ في قَلْبِهِ سِوَاهُ، وأَن يَكُونَ فِيهِ شَيءٌ لا يَرْضَاهُ. أَرَدْنَاكُمُ صِرْفاً فَلَمَّا مَزَجْتُمُ … بَعُدْتُمْ بِمِقْدَارِ التِفَاتِكُمْ عَنَّا وَقُلْنَا لَكُمْ لا تُسْكِنُوا القَلبَ غَيرَنَا … فَأَسْكَنْتُمُ الأَغْيَارَ مَا أَنْتمُ مِنَّا (٢)

стр. 110

استشهد المؤلِّف ﵀ في هذا المقام بأنَّ كمالَ المحبَّة يقتضي كمال الطاعة، وقد استشهد على ذلك بالحديث القدسي الذي أخرجه البخاري في «صحيحه» من حديث أبي هريرة ﵁، وفيه: «ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أُحِبَّه، فإذا أحببتُه كنتُ سمعَه الذي يسمع به، وبصَرَه الذي يُبصِرُ به، ويَدَه التي يَبطِشُ بها، ورِجْلَه التي يمشي بها». وفي روايةٍ في غير «الصحيح»: «فبي يَسْمَعُ، وبي يُبْصِرُ، وبي يَبْطِشُ، وبي يَمْشِي»، وهذا اللفظ يُفِيدُه اللفظ الأول: «كنتُ سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها». فالمؤمنُ المُحِبُّ الصَّادِقُ تكون جميع تصرُّفاتِه للَّه وفي اللَّه، كما في الحديث: «مَنْ أحبَّ للَّه وأبغضَ للَّه وأعطى للَّه ومَنَعَ للَّه فقد استكمَلَ الإيمان» (١). والمعنى: أنه لا يُحِبُّ أحداً إلا للَّه، ولا يُبغضه إلا للَّه، وإن أعطى أعطى للَّه، وكل بَذْلٍ لا يبذله إلا للَّه، حتى ما يُنفِقُه على زوجتِه، كما
следующие страницы →