← Акыда

Акыда · id 17862

شرح كلمة الإخلاص لابن رجب

عبد الرحمن بن ناصر البراك

Полный текст (186 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

* قال ابنُ رجبٍ ﵀: وَقَالَ ﷺ : «ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاوَةَ الإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ المَرْءَ لا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكرَهَ أَنْ يَرجِعَ إلى الكُفرِ بَعدَ إِذْ أَنقَذَهُ اللَّهُ مِنهُ، كَمَا يَكرَهُ أَنْ يُلقَى في النَّارِ» (١). هَذِهِ حَالُ السَّحَرَةِ لَمَّا سَكَنَت المَحَبَّةُ قُلُوبَهُم، سَمَحُوا بِبَذلِ نُفُوسِهِم، [ف] قَالُوا لِفِرعَونَ: اقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ. وَمَتَى تَمَكَّنَت المَحَبَّةُ فِي (٢) القَلبِ لَم تَنبَعِث الجَوَارِحُ إِلَّا إِلى طَاعَةِ الرَّبِّ، وهَذَا هو مَعنَى الحدِيثِ الإِلَهِيِّ الَّذِي خَرَّجَهُ البُخَارِيُّ في «صَحِيحِه»، وَفِيهِ: «وَلا يَزَالُ عَبدِي يَتَقَرَّبُ إِليَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا» (٣)، وَفِي بَعضِ الرِّوَايَات: «فَبِي يَسْمَعُ، وبِي يُبْصِرُ، وبِي يَبْطِشُ، وبِي يَمْشِي» (٤)؛ وَالمعنَى: أنَّ مَحَبَّةَ اللَّه إِذَا استَغْرَقَ بِها القَلْبُ واسْتَولَت عَلَيهِ، لَمْ تَنْبَعِث الجَوَارِحُ

стр. 107

إِلَّا إِلى مَرَاضِي الرَّبِّ، وَصَارَت النَّفْسُ حِينَئِذٍ مُطْمَئِنَّةً، فَفَنِيَتْ بِإِرَادَةِ مَولَاهَا عَنْ مُرَادِهَا وَهَوَاهَا. يا هَذَا! اعْبُد اللَّهَ لِمُرَادِهِ مِنْكَ لا لِمُرَادِكَ مِنهُ، فَمَنْ عَبَدَهُ لِمُرَادِهِ مِنهُ فَهو مِمَّنْ يَعبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ، إِنْ أَصَابَهُ خَيرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ، وإِن أَصَابَتهُ فتنةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجهِهِ خَسِرَ الدُّنيَا والآخِرَةَ. وَمَتَى قَوِيتِ المعرِفَةُ والمحَبَّةُ لَمْ يُرِد صَاحِبُهَا إلَّا مَا يُرِيدُهُ مَولاهُ، وَفي بَعضِ الكُتُبِ السَّالِفَةِ: «مَنْ أَحَبَّ اللَّه لَمْ يَكُنْ شَيءٌ عِندَهُ آثَرُ مِنْ رِضَاهُ، وَمَنْ أَحَبَّ الَّدُنيَا لَمْ يَكُنْ شَيءٌ عِندَهُ آثَرُ مِنْ هَوَى نَفْسِهِ» (١). وَرَوَى ابنُ أبي الدُّنيَا بِإِسنَادِهِ عن الحَسَنِ، قَالَ: مَا نَظَرْتُ بِبَصَرِي، وَلَا نَطَقْتُ بِلِسَانِي، وَلَا بَطَشْتُ بِيَدِي، وَلَا نَهَضْتُ عَلَى قَدَمِي، حَتَّى أَنْظُرَ عَلَى طَاعَةٍ أو مَعصِيَةٍ، فَإِنْ كَانَتْ طَاعَةً تَقَدَّمْتُ، وَإِنْ كَانَتْ مَعْصِيَةً تَأَخَّرْتُ (٢). هَذَا حَالُ خَوَاصِّ المحِبِّينَ [الصَّادِقِينَ]، فَافْهَمُوا رَحِمَكُمُ اللَّه هَذَا؛ فَإنَّه مِنْ دَقَائِقِ أَسْرَارِ التَّوحِيدِ الغَامِضَة.

стр. 108

وَإِلى هَذَا المقَامِ أَشَارَ النَّبِيُّ ﷺ في خُطْبَتِهِ لَمَّا قَدِمَ المَدِينَةَ، حَيثُ قَالَ: «أَحِبُّوا اللَّه مِنْ كُلِّ قُلُوبِكُمْ» وَقَدْ ذَكَرَهَا ابنُ إِسحَاقَ وغَيرُه (١). فَإِنَّ مَنْ امْتَلأَ قَلبُه مِنْ مَحَبَّةِ اللَّه لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَرَاغٌ لِشَيءٍ من إِرَادَاتِ النَّفْسِ وَالهَوَى، وَإِلى ذَلِكَ أَشَارَ القَائِلُ بِقَولِهِ (٢): أَرُوحُ وَقَدْ خَتَمتَ عَلَى فُؤادِي … بِحُبِّكَ أن يَحُلَّ بِهِ سِوَاكَ فَلَو أَني استَطَعتُ غَضَضْتُ طَرْفِي … فَلَم أَنْظُرْ بِهِ حَتَّى أَرَاكَا أُحِبُّكَ لا بِبَعْضِي بَلْ بِكُلِّي … وَإِنْ لَمْ يُبْقِ حُبُّكَ لي حِرَاكَا وَفي الأَحْبَابِ مَخْصُوصٌ بِوَجْدٍ … وَآخَر يَدَّعِي مَعَهُ اشْتِرَاكَا إِذَا اشْتَبَكَتْ (٣) دُمُوعٌ في خُدُودٍ … تَبَيَّنَ مَنْ بَكَا مِمَّنْ تَبَاكَى

стр. 109

فَأَمَّا مَنْ بَكَى فَيَذُوبُ وَجْداً … وَيَنْطِقُ بِالهَوَى مَنْ قَدْ تَشَاكَا مَتَى بَقِيَ لِلمُحِبِّ مِنْ نَفْسِهِ حَظٌّ فَمَا بِيَدِهِ من المَحَبَّةِ إِلَّا الدَّعْوَى، إِنَّمَا المُحِبُّ مَنْ يَفْنَى عَنْ [هوى] نَفْسِهِ كُلِّهِ، وَيَبْقَى بِحَبِيبِهِ، فَبِي يَسْمَعُ، وَبِي يُبْصِرُ. القَلبُ بَيتُ الرَّبِّ، وفي الإِسرَائِيلِيَّات يَقُولُ اللَّه: «مَا وَسِعَنِي سَمَائِي وَلا أَرْضِي، وَلَكِن وَسِعَنِي قَلْبُ عَبدِي المُؤمِن» (١). فَمَتَى كَانَ القَلبُ فِيهِ غَير اللَّه، فَاللَّه أَغنَى الأَغْنِيَاءِ عَنْ الشِّرْكِ، وَهو لَا يَرْضَى بِمُزَاحَمَةِ أَصْنَامِ الهَوَى، الحقُّ تَعَالَى غَيُورٌ، يَغَارُ عَلَى عَبدِهِ المُؤمِن أَنْ يَسْكُنَ في قَلْبِهِ سِوَاهُ، وأَن يَكُونَ فِيهِ شَيءٌ لا يَرْضَاهُ. أَرَدْنَاكُمُ صِرْفاً فَلَمَّا مَزَجْتُمُ … بَعُدْتُمْ بِمِقْدَارِ التِفَاتِكُمْ عَنَّا وَقُلْنَا لَكُمْ لا تُسْكِنُوا القَلبَ غَيرَنَا … فَأَسْكَنْتُمُ الأَغْيَارَ مَا أَنْتمُ مِنَّا (٢)

стр. 110

استشهد المؤلِّف ﵀ في هذا المقام بأنَّ كمالَ المحبَّة يقتضي كمال الطاعة، وقد استشهد على ذلك بالحديث القدسي الذي أخرجه البخاري في «صحيحه» من حديث أبي هريرة ﵁، وفيه: «ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أُحِبَّه، فإذا أحببتُه كنتُ سمعَه الذي يسمع به، وبصَرَه الذي يُبصِرُ به، ويَدَه التي يَبطِشُ بها، ورِجْلَه التي يمشي بها». وفي روايةٍ في غير «الصحيح»: «فبي يَسْمَعُ، وبي يُبْصِرُ، وبي يَبْطِشُ، وبي يَمْشِي»، وهذا اللفظ يُفِيدُه اللفظ الأول: «كنتُ سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها». فالمؤمنُ المُحِبُّ الصَّادِقُ تكون جميع تصرُّفاتِه للَّه وفي اللَّه، كما في الحديث: «مَنْ أحبَّ للَّه وأبغضَ للَّه وأعطى للَّه ومَنَعَ للَّه فقد استكمَلَ الإيمان» (١). والمعنى: أنه لا يُحِبُّ أحداً إلا للَّه، ولا يُبغضه إلا للَّه، وإن أعطى أعطى للَّه، وكل بَذْلٍ لا يبذله إلا للَّه، حتى ما يُنفِقُه على زوجتِه، كما

стр. 111

في حديث سعدٍ ﵁: «إِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلَّا أُجِرْتَ عَلَيْهَا، حَتَّى مَا تَجْعَلُ في فِي امْرَأَتِكَ» (١). فأهلُ الإيمانِ الكامِلِ كلُّ تصرفاتهم -حتى الأمور الطبيعية العادية- تكون للَّه ، فإذا أنفق الواحدُ منهم على أولادِه فإنَّه يُنْفِقُ عليهم محتَسِباً، يراعي ما أوجبَ اللَّه عليه من الإحسان إليهم، وما يترتب على إنفاقه عليهم من إغنائهم كفايتهم، وإعانتهم على ما ينفعهم، وهكذا تكون أعماله كلها للَّه. وقول اللَّه -في الحديث-: «ولا يزال عبدي يتقرب إلَيَّ بالنوافل حتى أُحِبَّهُ، فإذا أحببتُه»؛ يعني: المحبةَ الكاملة، وإلا فإنَّ اللَّه يُحِبُّ كلَّ مؤمن، لكن محبته لأوليائه والصالحين من عباده ليست على مرتبةٍ واحدةٍ أو على حدٍّ سواء؛ بل فيها تفاوت وتفاضل كما قال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣]، وقال: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾ [الإسراء: ٥٥]، فالأنبياء والصالحون والمؤمنون متفاضلون فيما بينهم في المرتبة والمحبة. ثم قال تعالى: «فإذا أحبَبْتُه كنتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسمَعُ بِهِ، وبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ به، ويَدَهُ الَّتي يَبْطِشُ بها، ورِجْلَهُ الَّتي يَمْشِي بها» فأفكارُه تكون أيضاً دائرة على الحق، فإذا كانت هذه حال الجوارح، فحركة الجوارح تابعة لما في القلب، وإنما تكون الجوارح متَقَيِّدَة بهذه الحال بكمال عبودية القلب للَّه، حبّاً وخوفاً ورجاءً، وهذا يعني: أن المحقِّق لهذه

стр. 112

العبودية والمحبة والإيمان لا يريد إلا ما يريده اللَّه، وهذه هي الإرادة الشرعية. وقول المؤلِّف: (وصارت النَّفْسُ حينئذٍ مطمَئِنَّةً، فَفَنِيَت بِإِرَادَةِ مَولَاهَا عَنْ مُرَادِهَا وَهَوَاهَا) بحيث إنه لا تكون لها إرادة إلا ما يكون بتحقيق مراد اللَّه منها، فالمحب الصادق هو الذي يعبد اللَّه -كما قال المؤلِّف- على مراد اللَّه منه، لا على مراده هو من اللَّه. وهذه العبارة فيها ما فيها؛ لأنَّ العبدَ -كما ذكرتُ- يعبدُ ربَّه على وِفْقِ ما أراد اللَّه منه، وهذا لا يمنع من أن يكون العبدُ يريد من ربِّه أموراً كثيرة؛ من مغفرة الذنوب، ودخول الجنة، والنجاة من النار، إلى غير ذلك. واللَّه تعالى قد أثنى على أنبيائه ورسله مع أنهم يريدون منه الرحمة، ويريدون منه الجنة والنجاة من النار، كما قال تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [السجدة: ١٦]، وقال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِين (٩٠)﴾ [الأنبياء]. ولكن المذموم أن يعبد العبدُ ربَّه لما يريده منه من أمر الدنيا، وهذا هو الذي يسقط عليه ما استشهد به المؤلِّف من قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ﴾ [الحج: ١١]، فهو يعبد اللَّه على طَرَفٍ من

стр. 113

الدِّين، غير متمَكِّنٍ منه، فهو يعبد اللَّه ما استقامت دنياه، فإن أصابتهُ فتنةٌ أو مصيبةٌ أو فقرٌ أو حاجةٌ انقلب على وجهه. فمن يعبد اللَّه ليعطيه سعادة الدنيا ولا يريد الآخرة، فهذا هو الذي ذَمَّه اللَّه بقوله: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا﴾ فهو يريد المال والولد والجاه والشرف وأنواع المتاع، ﴿وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلَاق (٢٠٠) وِمِنْهُم مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّار (٢٠١)﴾ [البقرة]، وقال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ [النساء: ١٣٤]. فلم يَذُمَّ اللَّه الذين يريدون الآخرة إنما ذَمَّ الَّذِين يريدون الدنيا ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ [الأنفال: ٦٧]. وقال : ﴿وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا (١٩)﴾ [الإسراء]، فإرادة ثواب الآخرة وإرادة الجنة هذه لا إثم فيها، ولا نقص فيها، ولا عيب على من يعبد اللَّه محبةً له وخوفاً منه ورجاءً في ثوابه هذا، وإلا فلماذا ذكر اللَّه تعالى لعباده الجنة والنار، وسائر أمر الآخرة؟ ما ذكر ذلك سبحانه إلا ترغيباً وترهيباً، كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَاعِبَادِ فَاتَّقُون (١٦) وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى﴾ [الزمر: ١٦، ١٧]. * * *

стр. 114

* قال ابنُ رجبٍ ﵀: لا يَنجُو غَداً إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّه بِقَلبٍ سَلِيمٍ، لَيسَ فِيهِ سِوَاهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُون (٨٨) إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيم (٨٩)﴾ [الشعراء]. القَلبُ السَّلِيمُ: هُو الطَّاهِرُ مِنْ أَدنَاسِ المُخَالفَات، فَأَمَّا المُتَلَطِّخُ بِشَيءٍ مِنَ المَكرُوهَاتِ فَلا يَصلُحُ لِمُجَاوَرَةِ حَضرَةِ القُدُسِ (١) إِلا بَعدَ أَنْ يُطَهَّرَ في كِيرِ العَذَابِ، فَإِذَا زَالَ مِنهُ (٢) الخَبَثُ صَلَحَ حِينَئِذٍ لِلمُجَاوَرَةِ «إِنَّ اللَّه طِيبٌ لا يَقبَلُ إِلَّا طَيِّباً» (٣). فَأَمَّا القُلُوبُ الطَّيِّبَةُ فَتَصلُحُ لِلمُجَاوَرَةِ مِنْ أَوَّلِ الأَمرِ: [﴿سَلَامٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّار (٢٤)﴾ [الرعد]]، ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِين (٧٣)﴾ [الزمر]، ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُون (٣٢)﴾ [النحل]. مَنْ لَم يُحرِق اليَومَ قَلبَهُ بِنَارِ الأَسَفِ عَلَى مَا سَلَفَ، أَوْ بِنَارِ الشَّوقِ إِلَى لِقَاءِ الحَبِيبِ، فَنَارُ جَهَنَّمَ لَهُ أَشَدُّ حَرّاً. مَا يَحتَاجُ إِلى التَّطهِيرِ بِنَارِ جَهَنَّمَ إِلَّا مَنْ لَم يُكمِل تَحقِيق التَّوحِيدِ وَالقِيَام بِحُقُوقِهِ.

стр. 115

ذكر المؤلف ﵀ هنا: أنه لا ينجو من عذاب اللَّه يوم القيامة إلا صاحب القلب السليم، واستدل بقول اللَّه تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُون (٨٨) إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيم (٨٩)﴾، وهذا جاء في ثنايا قصةِ إبراهيمَ ﵇، ودعائِه: ﴿وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيم (٨٥) وَاغْفِرْ لأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّين (٨٦) وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُون (٨٧) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُون (٨٨) إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيم (٨٩)﴾ [الشعراء]. ومن بديع المناسبات هنا: أنَّ اللَّه وصف إبراهيم ﵇ ب «سلامة القلب» فقال: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لإِبْرَاهِيم (٨٣) إِذْ جَاء رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيم (٨٤)﴾ [الصافات]. ف «القلب السليم» جاء في القرآن في هذين الموضعين: الأول: في كلام إبراهيم ﵇. والثاني: في وصف اللَّه لإبراهيم ﵇. و «السليم» صيغة تدل على السلامة، فهو ضد العليل والمريض. وعلى هذا ف «القلب السليم» هو: القلبُ السالم من المخالفات؛ مخالفات الأوامر والنواهي، وذلك بترك المأمور أو فعل المحظور. فلا ينجو من عذاب اللَّه نجاةً مطلقةً، بحيث لا يناله عذاب، إلا صاحب القلب السليم، وهذا هو الذي ينجو ولا يتعرض لشيءٍ من العذاب؛ لسلامة قلبه، ومَن هذا حاله فإنه يدخل الجنة من أوَّل وَهْلَة.

стр. 116

فأشار المؤلِّف إلى نوعٍ من سلامة القلب، وهو السلامة من فتن الشهوات وفتن الشبهات، وقد يقال: إنَّ كلامَه شاملٌ، لكن لعل مما يوضح المقام ما ذكره العلامة ابن القيم ﵀ في مواضع من كتبه، ولا سيما في كتابه «إغاثة اللَّهفان»، فإنه عُنِيَ بالكلام على أقسام القلوب، فينبغي أن يراجع وتراجع تلك الأبواب. ومما جاء في كلام المؤلف ﵀: أنَّ القلب السليم هو السالم من فتن الشهوات وفتن الشبهات؛ فتن الشهوات التي تعارض أمر اللَّه ونهيه، وفتن الشبهات التي تعارض خبر اللَّه. ففتن الشهوات تحمل على المعصية والمخالفة؛ بترك المأمور وفعل المحظور. وفتن الشبهات تُضْعِفُ اليقين، أو تورث الشك فيما أخبر اللَّه به ورسوله. ف «القلب السليم» لا بد أن يسلم اعتقاده من عوارض الشبهات، وتسلم إرادته من عوارض الشهوات. فالقلوب أقسام، فمنها: - القلب السليم، وهو قلب المؤمن كامل الإيمان. - والقلب الميِّت الذي لا حِسَّ فيه ولا إرادة، وهو قلب الكافر. - والقلب المريض، وهو قلب المُخَلِّط الذي فيه مادَّتَان؛ مادَّةُ حياةٍ ومادَّة موتٍ، وهو لما غلب عليه منهما.

стр. 117

وفي الحديث الصحيح: «تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُوداً عُوداً، فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ، حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا فَلا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتْ السموات وَالأَرْضُ، وَالآخَرُ أَسوَدُ مُرْبَادّاً، كَالْكُوزِ مُجَخِّياً، لا يَعْرِفُ مَعْرُوفاً، وَلا يُنْكِرُ مُنْكَراً، إِلَّا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ» (١). ومن أمراض القلوب التي تبعث عليها الشهوات -وهي كثيرة-: الرياء، وهو أن يعمل الإنسان العمل مما يحبه اللَّه ليراه الناس، وليقولوا فيه كذا وكذا؛ يعني: أنه يَعمَلُ العَمَلَ للمَحْمَدَة، نعوذ باللَّه من ذلك، وهذا مرضٌ خطيرٌ، نسأل اللَّه أن يقينا منه، ولهذا جاء في الحديث قوله ﷺ : «أخوف ما أخاف عليكم الشركُ الأصغرُ» فسُئل عنه؟، فقال: «الرِّيَاء» (٢). وفي المسائل التي ذكرها الشيخ محمَّدُ بنُ عبدِ الوهاب ﵀ في كتاب «التوحيد»، استنباطاً من نصوص (باب الخوف من الشرك): أنَّ الرِّياءَ أخوفُ ما يُخَاف منه على الصالحين (٣). فعلى الإنسان أن يجتنب الرياء وأن يأخذ بالأسباب الواقية منه، وأن يسأل ربه أن يعصِمَه من الشركِ كُلِّهِ، صغيرِه وكبيرِه، ظاهرِه وخَفِيِّه، فالرياءُ هو شركٌ أصغرٌ وخفيٌّ.

стр. 118

ف «القلب السليم» هو الذي سَلِمَ من هذه الآفات؛ من الرِّياءِ وغيرِه من أمراض القلوب؛ كالكِبْر، والحَسَدِ، وسوءِ الظنِّ باللَّه، والظنونِ الكاذبةِ، والغِشِّ وغيرِها، وهذه أمراضٌ قلبيَّةٌ معنويَّةٌ، وكلُّها تنافي سلامة القلب، لكن قد تصل إلى أن يموت بها القلبُ فيصيرُ ميِّتاً، وقد يصيرُ مريضاً ثم يَصِحُّ، وقد يبقى على مرضه. ف أحوال القلوب تشبه أحوال الأبدان ؛ فكما أنَّ الأبدانَ منها الميِّتُ، ومنها الصحيحُ، ومنها المريضُ، فكذلك القلوب، وأيضاً فإنَّ أمراض الأبدان تختلف، فمنها مرضٌ معضِلٌ ربما يفضي بصاحبه إلى الموت، وكذلك أمراض القلوب، نسأل اللَّه السلامة والعافية. * * *

стр. 119

* قال ابنُ رجبٍ ﵀: أَوَّلُ مَا (١) تُسَعَّرُ بِهِ النَّارُ مِنَ المُوَحِّدِينَ العُبَّادُ المُرَاؤونَ بِأَعمَالِهِم؛ وَأَوَّلُهُم العَالِمُ، وَالمُجَاهِدُ، وَالمُتَصَدِّقُ لِلرِّيَاءِ؛ لأَنَّ يَسِيرَ الرِّيَاءِ شِركٌ. مَا نَظَرَ المُرَائِي إِلَى الخَلقِ فِي عَمَلِهِ إِلَّا لِجَهلِهِ بِعَظَمَةِ الخَالِقِ. المُرَائِي يُزَوِّرُ التَّوَاقِيعَ عَلَى اسمِ المَلِكِ؛ لِيَأخُذَ البَرَاطِيلَ (٢) لِنَفسِهِ، وَيُوهِمَ أَنَّهُ مِنْ خَاصَّةِ المَلِكِ، وَهُوَ مَا يَعرِفُ المَلِكَ بِالكُلِّيَّةِ. نَقَشَ المُرَائِي عَلَى الدِّرهَمِ الزَّائِفِ اِسمَ المَلِكِ لِيَرُوجَ (٣)، وَالبَهرَجُ (٤) مَا يَجُوزُ (٥) إِلَّا عَلَى غَيرِ النَّاقِدِ. تكلَّم المؤلِّفُ ﵀ في هذه الجملة عن «المُرائي» وذكر عنه:

стр. 120

أولاً: أنَّه إنما أُتي من جهله بربه، فإنَّ من عَرفَ ربَّه وأنَّه المستحقُ لأنْ يُؤلَه ويُعبَد ويُتَقَرَّب إليه بأنواعِ القُرُبَات فإنَّه لا يُبالي بالخلق ولا يعبأ بهم، فعَمَلُه في الغيب والشهادة واحدٌ، لا يبالي بالنَّاس، إنما يعمل لربِّه ويتقرَّبُ إليه، فالمرائي إنِّما أُتي من جهلِه بعظمةِ الخالِق. وثانياً: أنَّه يُظهِرُ الصلاحَ وهو بخلاف ذلك، وهذا هو الذي ضَرَبَ له المؤلِّف مَثَلَيْنِ: الأول: أنَّه يُزَوِّرُ التواقيعَ، ويُظْهِرُ أنَّه من خَوَاصِّ المَلِك، ليأخذ البراطيلَ لنفسِه. والثاني: أنَّه يَنقشُ اسمَ المَلِك على الدِّرهَمِ الزَّائِفِ ليَرُوجَ. وهذان المثَلان ضربهما المؤلِّفُ لبيان حال المرائي، وذلك من جهة أنَّه يُظهِرُ الصلاحَ والقُرْبَ من اللَّه وهو بخلاف ذلك، فعمل المرائي في حقيقته تزويرٌ، إذ ليس باطنه كظاهره. * * *

стр. 121

* قال ابنُ رجبٍ ﵀: وَبَعدَ أَهلِ الرِّيَاءِ يَدخُلُ النَّارَ أَصحَابُ الشَّهَوَاتِ، وَعَبِيدُ الهَوَى، الَّذِينَ أَطَاعُوا هَوَاهُم، وَعَصَوا مَولاهُم، فَأَمَّا عَبِيدُ اللَّهِ حَقّاً فَيُقَالُ لَهُمْ: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّة (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّة (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠)﴾ [الفجر]. نَارُ جَهَنَّمَ تَنطَفِئُ بِنُورِ إِيمَانِ المُوَحِّدِينَ، في الحَدِيثِ: «تَقُولُ النَّارُ لِلمُؤمِنِ: جُزْ، فَقَد أَطفَأَ نُورُكَ لَهَبِي» (١). وَفِي «المُسنَدِ» عَنْ جَابِرٍ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : «لا يَبقَى مُؤمِنٌ وَلا فَاجِرٌ إِلَّا دَخَلَهَا، فَتَكُونُ عَلَى المُؤمِنِينَ بَرداً وَسَلاماً، كَمَا كَانَتْ عَلَى إِبرَاهِيمَ، حَتَّى إِنَّ لِلنَّارِ ضَجِيجاً مِنْ بَردِهِم» (٢).

стр. 122

هَذَا مِيرَاثٌ وَرِثَهُ المُحِبُّونَ مِنْ حَالِ الخَلِيلِ ﵇. في هذه الجملة تنبيهٌ إلى أنَّ أصحابَ القلوب السليمة -وهم عبادُ اللَّه المخلَصون- يصيرون إلى الجنَّة من أول وَهْلَة، ولا ينالهم شيءٌ من العذاب، ولا تمسهم النَّارُ بحرِّها وإن ورَدُوها، واللَّه تعالى يقول: ﴿وَإِنْ مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا (٧١) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (٧٢)﴾ [مريم]. وهذا «الوُرود» قد اختلف العلماء في معناه: فقيل: إنه العبور على الصراط، فهو -على هذا القول- ورودٌ فقط من غير دخول. وقال بعض المفسِّرين -ويشهد له حديث جابر الذي ذكره المؤلِّف-: إنه ما من مؤمنٍ ولا فاجرٍ إلا دخل النَّار، لكن المؤمنون لا ينالهم حرُّها، ولا يضرهم عذابُها، بل تكون عليهم برداً وسلاماً، فيجوزون، كما في الحديث: «تَقُولُ اَلنَّارُ لِلمُؤمِنِ: جُز، فَقَد أَطفَأَ نُورُكَ لَهَبِي». فالمقصود: أنَّ «الوُرودَ» قيل: إنَّه دخول النار ﴿وَإِنْ مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾، وقد رجَّح هذا المعنى شيخُنا الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀ في

стр. 123

«أضواء البيان» (١)، واستشهد له بأن «الورود» في سائر مواضعه يراد به: الدخول، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُون (٩٨)﴾ [الأنبياء]؛ يعني: داخلون، فسمَّى الدخولَ وُرُوداً، وقوله تعالى: ﴿فَأَوْرَدَهُمُ﴾؛ يعني: أدخلهم، ﴿النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُود (٩٨)﴾ [هود]. وعلى أي حال؛ فأهل التوحيد الخالص وعبادُ اللَّه المخلَصون لا يعذَّبون، ولا يمسهم شيء من العذاب، بل هم يَنجُون كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (٧٢)﴾ [مريم]. ثم ذكر المؤلف ﵀ قوله تعالى: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّة (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّة (٢٨)﴾ وكأن سياق كلامه يقتضي أنَّ هذا يقال يوم القيامة، ولا مانع أن يقال للنفس عند الاحتضار: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّة (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّة (٢٨)﴾؛ فهي ترجع إلى ربها بالموت، وترجع إلى ربها كذلك يوم القيامة (٢)، وتدخل في عباد اللَّه وفي كرامة اللَّه، ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠)﴾، ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُون (٣٢)﴾ [النحل]. فالنفس المطمئنة ونفوس عباد اللَّه الطيبين تؤول إلى الجنة وتدخلها بعد الموت، ولكن الدخول المستقِرّ على وجه التمام والكمال إنما يكون يوم القيامة، عندما تُرَدُّ الأرواحُ إلى الأبدان، ويُبعَثُ النَّاسُ من قبورهم،

стр. 124

فهنالك يصير كلٌّ إلى ما يناسبه من الجزاء، ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُون (١٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُون (١٥) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاء الآخِرَةِ فَأُوْلَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُون (١٦)﴾ [الروم]، ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا﴾ [الزمر: ٧١]، ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا﴾ [الزمر: ٧٣]. * * *

стр. 125

* قال ابنُ رجبٍ ﵀: نَارُ المَحَبَّةِ فِي قُلُوبِ المُحِبِّينَ تَخَافُ مِنهَا نَارُ جَهَنَّمَ. قَالَ الجُنَيدُ [﵁]: قَالَتْ النَّارُ: يَا رَبِّ لَو لَم أُطِعكَ هَلْ كُنْتَ تُعَذِّبنِي بِشَيءٍ؟، قَالَ: نَعَم كُنْتُ أُسَلِّطُ عَلَيكِ نَارِي الكُبرَى، قَالَتْ: وَهَل نَارٌ أَعظَمُ مِنِّي وَأَشَدُّ؟ قَالَ: [نعم]، نَارُ مَحَبَّتِي أَسكَنتُهَا قُلُوبَ أَولِيَائِي المُؤمِنِينَ (١). قِفَا قَلِيلاً بِهَا عَلَيَّ فَلا … أَقَلَّ مِنْ نَظرَةٍ أُزَوَّدُهَا (٢) فَفِي فُؤَادِ المُحِبِّ نَارُ هَوَى (٣) … أَحَرُّ نَارِ الجَحِيمِ أَبرَدُهَا (٤) [ف] لَولا دُمُوعُ المُحِبِّينَ تُطفِئُ بَعضَ حَرَارَةِ الوَجدِ لاحتَرَقُوا كَمَداً.

стр. 126

دَعُوهُ يُطفِي بِالدُّمُوعِ حَرَارَةً … عَلَى كَبِدٍ حَرَّى دَعُوهُ دَعُوهُ! سَلُوا عَاذِلِيهِ يَعذُرُوهُ هُنَيهَةً … فَبِالعَذَلِ دُونَ الشَّوقِ قَدْ قَتَلُوهُ (١) كَانَ بَعضُ العَارِفِينَ (٢) يَقُولُ: أَلَيسَ عَجَباً أَنْ أَكُونَ حَيّاً بَينَ أَظهُرِكُمٍ، وَفي قَلبِي مِنْ الاشتِيَاقِ إِلَى رَبِّي مِثلَ شُعَلِ النَّارِ الَّتِي لا تَنطَفِئُ؟! وَلَم أَرَ مِثلَ نَارِ الحُبِّ نَاراً … تَزِيدُ بِبُعدِ مُوقِدِهَا اِتِّقَاداً (٣) هذه الأقوال أقوالٌ منكرةٌ، واستشهاد المؤلف بها غير لائقٍ، وقد ذكرتُ سابقاً أنَّ بعضَ أهل العلم يكون عنده نزعة تَصَوُّفٍ فيتساهل بالاستشهاد بأقوال بعض شيوخ الصوفية. وقوله ﵀: (نَارُ المحَبَّةِ … ) التعبير عن قوة المحبة وصدقها ب «النَّار» هذا مما لا يليق في محبة اللَّه ولا يصلح أبداً، وإنما يكون هذا

стр. 127

في محبة العُشَّاق الذين يُعَانُون من عشقِهم، ومحبتُهم تلك هي -في الحقيقة- عذابٌ لهم يعذبون بها ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [التوبة: ٥٥]. فالمفْتُونُ بأمرٍ من المحبوبات حين لا يناله يبقى معذَّباً به بسبب تَوَقَانِه وتَعَلُّقِ قلبِه به، أما محبَّة اللَّه فحاشا وكَلَّا أن تكون ناراً أو عَذَاباً؛ فأنبياء اللَّه ورُسُلِه وأتباعهم من المؤمنين في قلوبهم من محبة اللَّه ما ليس في قلوب هؤلاء الصوفية، وهذه المحبة هي حلاوةٌ يجدونها في قلوبهم، فليست ناراً أو عذاباً، «ثلاثٌ مَنْ كُنَّ فيه وَجَدَ بِهِنَّ حَلَاوَةَ الإيمان: أن يكون اللَّه ورسولُه أَحَبَّ إليه مما سِوَاهُمَا … » الحديث (١). فمحبةُ اللَّه ليست ناراً، بل هي حلاوةٌ ونعيمٌ لقلوب المؤمنين، فالمؤمنون يُحبُّون ربهم ويخافونه ويرجونه، فهم يَنعَمُون بمحبَّته، ويَنعَمون بخوفِه ورجائِه؛ لأنهم يخافون منه ويَفِرُّون إليه، وفي الحديث: «لا مَلجَأ ولا مَنجَى منك إلا إليك» (٢). ثم ذكر المؤلِّف ﵀ أنَّ محبة اللَّه نارٌ تخافها نار جهنم، ثم أردف هذا القول المنْكَر بهذا الحوار المفتَرَى، وهو أنَّ نارَ جهنَّم تقول لربها : لو لم أُطِعكَ فبِأيِّ شيءٍ تعذِّبُني؟ قال: أُعَذِّبُكِ بنارِي الكُبرَى؛ نارِ مَحَبَّتِي.

стр. 128

وهذا كلامٌ منكرٌ، لا أظنُّه يَصِحُّ عن الجُنَيدِ ﵀، فالجنيد قد أثنى عليه شيخ الإسلام ابن تيمية (١)، وابن القيم (٢)؛ فمستبعدٌ أن يَثْبُتَ عنه ذلك. فنار اللَّه الكبرى هي التي يعذِّب بها الكفار، كما قال تعالى: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى (١٠) وَيَتَجَنَّبُهَا الأَشْقَى (١١) الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى (١٢) ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (١٣)﴾ [الأعلى]. فهذه الألفاظ إنما يطلقها العُشَّاق، فإنَّ الواحد منهم يتكلَّم فيقول: في قلبي نارٌ من حُبِّ فلانٍ أو فلانةٍ، نعم يجدون ناراً ويجدون أَلَماً ويتعذَّبُون ويشقون شقاءً، أما أهل الإيمان وأهل العلم باللَّه والحب للَّه فليسوا كذلك، بل هم في نعيمٍ من تلكم المحبة كما دلت عليها النصوص. * * *

стр. 129

* قال ابنُ رجبٍ ﵀: مَا لِلعَارِفِينَ شُغلٌ بِغَيرِ مَولاهُم، وَلا هَمٌّ في غَيرِهِ. في الحَدِيثِ: «مَنْ أَصبَحَ وَهَمُّهُ غَيرُ اللَّهِ فَلَيسَ مِنْ اللَّهِ» (١). قَالَ بَعضُهُم: مَنْ أَخبَرَكَ أَنَّ وَلِيَّهُ لَهُ هَمٌّ في غَيرِهِ فَلا تُصَدِّقهُ. وَكَانَ دَاوُدُ الطَّائِيُّ يَقُولُ في اللَّيلِ: هَمُّكَ عَطَّلَ عَلَيَّ الهُمُومَ، وَحَالَ بَينِي وَبَينَ السُّهَادِ، وَشَوقِي إِلَى النَّظَرِ إِلَيكَ أَوبَقَ مِنِّي اللَّذَّاتِ، وَحَالَ بَينِي وَبَينَ الشَّهَوَاتِ، فَأَنَا في سِجنِكَ أَيُّهَا الكَرِيمُ مَطلُوبٌ (٢). مَا لِي شُغلٌ سِوَاهُ مَا لي شُغلُ مَا يَصرِفُ عَنْ هَوَاهُ قَلبِي عَذَلُ مَا أَصنَعُ إِنْ جَفَا وَخَابَ الأَمَلُ مِنِّي بَدَلٌ وَمِنهُ مَا لي بَدَلُ

стр. 130

وكذلك هذا الكلام -إن صحَّ- فهو كلام أحدُ الصوفية الجهَّال، الذين عندهم محبةٌ وشوقٌ، ولكن على غير علمٍ وبصيرةٍ. فحبُّ الأنبياء والمرسلين لربهم لم يُعَطِّل عليهم كلَّ شيءٍ، أليسوا يتزوَّجون، ولهم ذرية وأموال؟ ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾ [الرعد: ٣٨]، أليسوا يأكلون ويشربون، ويمشون في الأسواق، ويقضون حوائجهم؟ ﴿وَما أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان: ٢٠]. ومع هذا فحبُّهم للَّه وإقبالُهم عليه لم يُعطِّل عليهم لذَّاتهم الطبيعية، حتى يتركَ الواحدُ منهم أهلَه وولَدَه ولَذَّاتِه، وهي أمورٌ بشريةٌ طبيعيَّةٌ. فهو سبحانه شرع للإنسان أن يأكل ويشرب، و «كَانَ رَسُولُ اللَّه ﷺ يُحِبُّ الحَلوَى وَالعَسَلَ» (١)، وقال ﷺ : «حُبِّبَ إِليَّ مِنْ دُنيَاكُمُ النِّسَاءُ والطِّيبُ، وجُعِلَت قُرَّةُ عَينِي في الصَّلَاةِ» (٢).

стр. 131

ولا شك أن هذه الأقوال التي ساقها المؤلِّف هي في الحقيقة من اجتهاد العُبَّاد الذي تجاوزوا فيه الحدود، وهو من جهلهم، فيُرجَى أن يغفر اللَّه خطأهم ما دام أنَّه صدر منهم عن حسنِ نِيَّةٍ واجتهادٍ، لكن ما خالف الشرع من هذه الأقوال يجبُ رَدُّه على قائِلِه كائناً مَنْ كان. فمثل هذه الأقوال يجب ألَّا تُذكَر وألَّا يُستَشهَد بها؛ لأنها مخالفةٌ لما جاءت به النصوصُ الشرعيَّة. * * *

стр. 132

* قال ابنُ رجبٍ ﵀: إِخوَانِي: إِذَا فَهِمتُم هَذَا المَعنَى فَهِمتُم مَعنَى قَولِهِ ﷺ : «مَنْ شَهِدَ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ صِدقاً مِنْ قَلبِهِ حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ». فَأَمَّا مَنْ دَخَلَ النَّارَ مِنْ أَهلِ [هذه] الكَلِمَةِ فَلِقِلَّةِ صِدقِهِ فِي قَولِهَا، فَإِنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ إِذَا صَدَقَت طَهَّرَت القَلبَ مِنْ كُلِّ مَا سِوَى اللَّهِ، وَمَتَى بَقِيَ فِي القَلبِ أَثَرٌ لِسِوَى اللَّهِ فَمِنْ قِلَّةِ الصِّدقِ فِي قَولِهَا. مَنْ صَدَقَ فِي قَولِهِ: «لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» لَم يُحِبَّ سِوَاهُ، لَم يَرْجُ إِلَّا إِيَّاهُ، لَم يَخْشَ أَحَداً إِلَّا اللَّهُ، لَم يَتَوَكَّل إِلَّا عَلَى اللَّهِ، لَم يُبقِ لَهُ بَقِيَّةً مِنْ آثَارِ نَفسِهِ وَهَوَاهُ. هذا كلامٌ فيه حقٌّ؛ وهو أنَّ مَنْ صَدَقَ في توحيدِه خَلا قلبُه من العبودِيَّة لغير اللَّه، لكن لا نقول: إنَّه يخلو قلبُه من غير اللَّه مطلقاً، فالقلبُ فيه تَعَلُّقَاتٌ طبيعِيَّةٌ، ومحبةٌ طبيعِيَّةٌ، وخوفٌ طبيعيٌّ، وهكذا، فالإنسان لا يخرج من طبيعته الإنسانية، لكن من شهد أن «لا إله إلا اللَّه» صِدْقاً من قلبه، أو مُستَيقِناً بها، فإنَّ قلبَه حينئذٍ يخلو من العبودية لغير اللَّه. فليس صحيحاً أنَّ القلبَ يخلو من غير اللَّه مطلقاً، بمعنى أنَّه لا يكون فيه تَعَلُّقٌ أو التِفَاتَةٌ أو محَبَّةٌ أو خوفٌ، فهذا أمرٌ لا يمكن أن يَتَجَرَّدَ منه الإنسانُ؛ فالرُّسُلُ وأتباعُهم كانت تَعرِض لهم العوارضُ الطبيعيَّةُ، وهم أكملُ الخلقِ حُبّاً للَّه، وتعظيماً للَّه، وعبوديةً للَّه.

стр. 133

فهذا إبراهيمُ ﵇ لما دَخَلَ عليه ضَيفُه خَافَ منهم، فقال: ﴿إِنَّا مِنكُمْ وَجِلُون (٥٢) قَالُوا لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيم (٥٣)﴾ [الحجر]، ﴿فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيم (٢٨)﴾ [الذاريات]. وهذا موسى ﵇ لما ألقى السَّحَرَةُ عِصِيَّهم وحِبَالَهُم وخُيِّلَ إليه -من سِحْرِهم- أنَّها تسعى خَاف، كما قال تعالى: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى (٦٧) قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلَى (٦٨)﴾ [طه]، وشواهد هذا كثيرة. وهكذا المحبةُ للأشياءِ الطبيعية، فكَانَ رَسُولُ اللَّه ﷺ «يُحِبُّ الحَلْوَى وَالعَسَلَ» (١)، وكان «يُحِبُّ الدُّبَّاء» - كما جاء في حديث أنس ﵁ (٢) -، وكان يقول: «حُبِّبَ إِليَّ مِنْ دُنْيَاكُمُ النِّسَاءُ والطِّيْبُ» (٣). فكلُّ هذا لا ينافي محبَّة اللَّه، وإنما الذي ينافي محبَّة اللَّه هي المحبَّة التي فيها عبوديةٌ، بحيث إنَّه يُؤثِر هذه المحبوبات على أمرِ اللَّه، وعلى شرعِ اللَّه، وعلى ما يُحِبُّه اللَّه، فيُقَدِّم هَوَاهُ وما يُحِبُّه من هذه المحبوبات على ما يُحِبُّه اللَّه ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ﴾ الآية [التوبة: ٢٤]، وفي الحديث: «تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ، وَعَبْدُ الْخَمِيصَةِ» (٤).

стр. 134

فلا بد أن يُلاحَظ هذا المعنى، وأن لا يُغتَرّ بهذه الأقاويل المجمَلة، ثم إنَّ هذه الأقوالَ كلَّها فيها دَندَنَةٌ على ذكر «المحبَّة»، وفيها إهمالٌ لجانب «الخوف» و «الرَّجاء»، وقد تقدَّم أنَّ العبادةَ قائمةٌ على هذه الأركان الثلاثة: المحبَّةُ والخَوفُ والرَّجَاءُ، ولهذا قال بعضُ أهلِ العِلمِ مَقُولَةً مَشهُورَةً، وهي: «مَنْ عَبَدَ اللَّه بِالحُبِّ وَحدَه فَهو زِندِيقٌ، ومَن عَبَدَه بالرَّجَاء وَحدَه فهو مُرجِئٌ، ومَن عَبَدَه بِالخَوفِ وَحدَه فَهو حَرُورِيٌّ، ومَن عَبَدَه بِالحُبِّ وَالخَوفِ والرَّجَاءِ فهو مُؤمِنٌ مُوَحِّدٌ» (١). فقوله: (من عَبَدَ اللَّه بِالحُبِّ وَحدَه فَهو زِندِيقٌ) وهذا كحال بعض الصوفية، الذين يقولون: نحن لا نعبد اللَّه خوفاً من عذابه ولا طمعاً في ثوابه (٢)، وهذا كلامٌ منكرٌ (٣)، (ومَن عَبَدَه بِالخَوفِ وَحْدَه فَهو حَرُورِيٌّ)؛

стр. 135

..............

стр. 136

يعني: صار من جنس الخوارج، (ومَن عَبَدَه بالرَّجَاء وَحدَه فهو مُرْجِئٌ)، (ومَن عَبَدَه بِالحُبِّ وَالخَوفِ والرَّجَاءِ فهو مُؤمِنٌ مُوَحِّدٌ) وهو الذي على الصراط المستقيم. * * *

стр. 137

* قال ابنُ رجبٍ ﵀: وَمَعَ هَذَا فَلا تَظُنُّوا أَنَّ المَرَادَ أَنَّ المُحِبَّ مُطَالَبٌ بِالعِصمَةِ، وَإِنَّمَا هُوَ مُطَالَبٌ كُلَّمَا زَلَّ أَنْ يَتَلافَى تِلكَ الوَصمَةَ (١). قَالَ زَيدُ بنُ أَسلَمَ: إِنَّ اللَّهَ لَيُحِبُّ العَبدَ حَتَّى يَبلُغَ مِنْ حُبِّهِ لَهُ أَنْ يَقُولَ: اذهَب فَاعمَل مَا شِئتَ فَقَد غَفَرتُ لَكَ (٢). وَقَالَ الشَّعبِيُّ: إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ عَبداً لَم يَضُرَّهُ ذَنبُهُ (٣). وَتَفسِيرُ هَذَا الكَلامِ: أَنَّ اللَّهَ لَهُ عِنَايَةٌ بِمَنْ يُحِبُّهُ مِنْ عِبَادِهِ، فَكُلَّمَا زَلَقَ ذَلِكَ العَبدُ فِي هُوَّةِ الهَوَى أَخَذَ بِيَدِهِ إلى نَجوَةِ النَّجَاةِ، يُيَسِّرُ له أَسبَابَ التَّوبَةِ، يُنَبِّهُهُ عَلَى قُبحِ الزَّلَّةِ، فَيَفزَعُ إِلَى الاعتِذَارِ، وَيَبتَلِيهُ بِمَصَائِبَ مُكَفِّرَةٍ لِمَا جَنَى (٤). في بَعضِ الآثَارِ: يَقُولُ اللَّهُ تعالى: «أَهلُ ذِكرِي أَهلُ مُجَالَسَتِي، وَأَهلُ طَاعَتِي أَهلُ كَرَامَتِي، وَأَهلُ مَعصِيَتِي لا أُيَئِّسُهُم مِنْ رَحمَتِي، إِنْ تَابُوا فَأَنَا حَبِيبُهُم، وَإِنْ لَم يَتُوبُوا فَأَنَا طَبِيبُهُم، أَبتَلِيهِم بِالمَصَائِبِ

стр. 138

لأُطَهِّرَهُم مِنَ المَعَائِبِ» (١). في «صَحِيحِ مُسلِمٍ» عَنْ جَابِرٍ ﵁، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الحُمَّى تُذهِبُ الخَطَايَا كَمَا يُذهِبُ الكِيرُ الخَبَثَ» (٢). وَفي «المُسنَدِ» وَ «صَحِيحِ اِبنِ حِبَّانَ» عَنْ عَبدِ اللَّهِ بنِ مُغَفَّلٍ ﵁: أَنَّ رَجُلاً لَقِيَ امرَأَةً كَانَتْ بَغِيّاً في الجَاهِلِيَّةِ، فَجَعَلَ يُلاعِبُهَا حَتَّى بَسَطَ يَدَهُ إِلَيهَا، فَقَالَت: مَه فَإِنَّ اللَّهَ قد أَذْهَبَ بالشِّركِ (٣) وَجَاءَ بِالإِسلامِ، فَتَرَكَهَا وَوَلَّى، فَجَعَلَ يَلتَفِتُ خَلفَهُ وَيَنظُرُ إِلَيهَا، حَتَّى أَصَابَ وَجهُهُ حَائِطاً، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ وَالدَّمُ يَسِيلُ عَلَى وَجهِهِ، فَأَخبَرَهُ بِالأَمرِ، فَقَالَ ﷺ : «أَنْتَ عَبدٌ أَرَادَ اللَّهُ بِكَ خَيراً»، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَرَادَ بِعَبدٍ خَيراً عَجَّلَ عُقُوبَتَهُ فِي الدُّنيَا، وَإِذَا أَرَادَ بِعَبدٍ شَرّاً أَمسَكَ ذَنبَهُ (٤) حَتَّى يُوَافِيَ يَومَ القِيَامَةِ» (٥).

стр. 139

هذا الكلام فيه أنه ليس المراد من الكلام في تحقيق التوحيد أو صدق المحبة أن يكون الإنسان معصوماً لا يقترف ذنباً، بل المقصود ألَّا يُصِرَّ على الذنب، وإلا فليس أحدٌ من أولياء اللَّه -بعد رسول اللَّه ﷺ معصوماً، فتجوز على الكُمَّل من أولياء اللَّه الذنوب، لكنَّ أهلَ الإيمان الصادق لا يُصِرُّون على الذنوب، بل كما قال : ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُّبْصِرُون (٢٠١)﴾ [الأعراف]. فهم يذنبون فيتوبون، والتوبة بابٌ واسعٌ مفتوحٌ للعباد، فكل من أذنب ذنباً فإنَّه لا يضيق به هذا الباب، فله أن يتوب إلى اللَّه ويبادر ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [التحريم: ٨]، وقال سبحانه: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون (٣١)﴾ [النور]. و التوبة من أعلى مقامات الدين، وقد أثنى اللَّه بها على الرُّسل، فقال سبحانه: ﴿لَقَدْ تَابَ الله عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَّحِيم (١١٧)﴾ [التوبة]. فالمقصود: أن على العبدِ أن يتوَجَّه إلى ربِّه ويصدق في مراقبته، فإذا عصاه بادر إلى التوبة، وأن يستحضر أنَّ اللَّه مطلعٌ عليه، وأنَّه على كلِّ شيءٍ شهيدٌ، فعليه أن يحذر أن يراه حيث نهاه وأن يفقده حيث أمره.

стр. 140

وأعلى مقامات الدِّين «الإحسان»، وهو أن تعبد اللَّه كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك. فالمقصود: أنَّ هذا الكلام الذي نَبَّه عليه المؤلف كلامٌ طَيِّبٌ؛ فليس من شرط الولاية العصمة، فأولياء اللَّه تَعْرِضُ لهم الذنوب، لكن يتوبون ويُنيبون ويُبادرون بالتوبة إلى اللَّه، خوفاً من اللَّه ومحبة له ورجاء لثوابه. وأما قول زيد بن أسلم: (إنَّ اللَّه ليُحِبُّ العبدَ حتى يبلُغَ من حُبِّه له أن يقول: اذهبْ فاعمَلْ مَا شئتَ فقد غَفَرتُ لكَ) -إن صحَّ عنه- فمعناه: أن حكمة اللَّه تعالى تقتضي أن يقول لِوَلِيِّه: (اعمل ما شئتَ فقد غفرتُ لكَ)، وهذا نظير ما قاله لأهل بدر: «اعملوا ما شئتم فقد غفرتُ لكم» (١)، لكن لا يُجزم بنسبة هذا القول إلى اللَّه تعالى في أحدٍ إلا بنقلٍ صحيحٍ عن النبيِّ ﷺ ، لكنَّه ممكِنٌ. ولهذا نجزم أنَّ اللَّه تعالى قال لأهل بدرٍ: «اعملوا ما شئتم فقد غفرتُ لكم» لثبوت خبره ﷺ بذلك. ومعلوم أن هذا ليس إذناً باقتراف الذنوب، ولكنه وعدٌ بالمغفرة إن بُلِيَ العبدُ بشيءٍ من الذنوب. وهكذا قول الشعبي: (إِذا أحبَّ اللَّه عبداً لم يَضُرَّه ذنبُه) يجب حمله على أنه لا بد أن يوفق للتوبة أو غيرها من أسباب المغفرة كما بَيَّن ذلك ابنُ رجبٍ في سياق كلامه التالي.

стр. 141

هذا، وللمغفرة أسبابٌ (١)، أعظمها التوبةُ والاستغفارُ والأعمالُ الصالحة والمصائبُ، فمن كان من أولياء اللَّه وابتلي بشيءٍ من الذنوب فلا بُدَّ أن يُعَرِّضَه اللَّه لهذه المكفرات. ومن شواهد التكفير بالمصائب قولُه ﷺ : «الحمَّى تُذهِبُ الخطايا كما يُذهِبُ الكِيرُ الخبَثَ»، ومن شواهدها أيضاً قصةُ ذلك الرَّجل الذي راودَ المرأةَ وجَرَى عليه بسببِ ذلك أن أُصِيبَ بِشَجَّةٍ في وجهِه فكان في ذلك إيقاظٌ له حتى يرجعَ إلى ربِّه وينيبَ ويُقلِعَ عن ذنبِه. * * *

стр. 142

* قال ابنُ رجبٍ ﵀: يَا قَومُ قُلُوبُكُمْ عَلَى أَصلِ الطَّهَارَةِ، وَإِنَّمَا أَصَابَهَا رَشَاشٌ مِنْ نَجَاسَةِ الذُّنُوبِ، فَرُشُّوا عَلَيهَا قَلِيلاً مِنْ دَمعِ العُيُونِ وَقَدْ طَهُرَت. اِعزِمُوا عَلَى فِطَامِ النُّفُوسِ عَنْ رَضَاعِ الهَوَى، فَ «الحِميَةُ رَأسُ الدَّوَاءِ» (١). مَتَى طَالَبَتكُم بِمَألُوفَاتِهَا، فَقُولُوا لَهَا كَمَا قَالَتْ تِلكَ المَرأَةُ لِذَلِكَ الرَّجُلِ الَّذِي دَمِيَ وَجهُهُ: قَدْ أَذهَبُ اللَّهُ بِالشِّركِ وَجَاءَ بِالإِسلامِ (٢). وَالإِسلامُ يَقتَضِي الاستِسلامَ وَالانقِيَادَ لِلطَّاعَةِ. ذَكِّرُوهَا مِدْحَة ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت: ٣٠] لَعَلَّهَا تَحِنُّ إِلى الاستِقَامَةِ، عَرِّفُوهَا اطِّلاعَ مَنْ هُوَ أَقرَبُ مِنْ حَبلِ الوَرِيدِ لَعَلَّهَا تَستَحِي مِنْ قُربِهِ وَنَظَرِهِ، ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى (١٤)﴾ [العلق]، ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَاد (١٤)﴾ [الفجر]. رَاوَدَ رَجُلٌ اِمرَأَةً فِي فَلاةٍ لَيلاً فَأَبَت، فَقَالَ لَهَا: مَا يَرَانَا إِلَّا الكَوَاكِبُ، قَالَتْ: فَأَينَ مُكَوكِبُهَا؟ (٣).

стр. 143

أَكرَهَ رَجُلٌ امرَأَةً عَلَى نَفسِهَا، وَأَمَرَهَا بِغَلقِ الأَبوَابِ، فَفَعَلَت، فَقَالَ لَهَا: هَلْ بَقِيَ بَابٌ لَم تُغلِقِيهِ؟ قَالَتْ: نَعَم، البَابُ الَّذِي بَينَنَا وَبَينَ اللَّهِ، [فتركها] ولَم يَتَعَرَّض لَهَا. رَأَى بَعضُ العَارِفِينَ (١) رَجُلاً يُكَلِّمُ امرَأَةً، فَقَالَ: إِنَّ اللَّه يَرَاكُمَا، سَتَرنَا اللَّهُ وَإِيَّاكُمَا!. هذه العبارات والقَصص التي ذكرها المؤلِّف هنا كلُّها تؤكِّدُ ما سبق من أنَّ العبدَ معرَّضٌ للذنوبِ وإن كان عبداً صالحاً، فهو معرَّضٌ للغفلة، ومعرَّضٌ للوقوع في الزلَّة والهفوة، لكن عليه أن يراقب ربَّه وأن يستحضر اطلاع اللَّه عليه، فيتذكر أنَّ اللَّه يسمَعُه ويراه ويعلم سِرَّه وعلانيَتَه. ولهذا كثيراً ما يُذَكِّرُ اللَّه عباده بهذه الأسماء الثلاثة: «السميع»، و «البصير»، و «العليم»، حتى يستحضر العباد ما تقتضيه هذه الأسماء من المعاني العظيمة، فإنَّ الإيمانَ بها شيءٌ والتأثُّر بها شيءٌ آخَر، فتجد بعض الناس يؤمن باسمه سبحانه «السميع» وأن اللَّه يسمع جميع الأصوات ومع ذلك تجده يطلق لسانَه في اللَّغْو وفي الإثم وفي الحرام وفي قول الزور ولا يتورَّع عن ذلك، وقل مثل ذلك في اسمه «البصير» واسمه «العليم».

стр. 144

فاسمه «السميع» يقتضي أنه سامع لجميع الأصوات، سامع لأقوالنا وكلماتنا، السر منها والعلانية. واسمه «البصير» يقتضي أنَّه يرانا ويرى أفعالنا ﴿فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ١٠٥]، فاللَّه يرى أعمال العباد، كما قال تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيم (٢١٧) الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُوم (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِين (٢١٩)﴾ [الشعراء]، ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور: ٤٨]، ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر: ١٤]، وقد قيل في معنى هذا: يعني على مرأى منَّا، فهو سبحانه يسمع ويرى ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (٤٦)﴾ [طه]. وكذلك اسمه «العليم»، فهو سبحانه يعلم كل شيء، وعلمه شامل لكل شيء، فيعلم السر وأخفى، ويعلم ما في الصدور، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُور (١١٩)﴾ [آل عمران]، وقال: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُور (١٩)﴾ [غافر]. ففي هذه القصص التي ذكرها المؤلِّف مُعتَبَر، فالإنسان قد يغفل كما جاء في قصة ذلك الرَّجل الذي خلا مع تلك المرأة وأمرها أن تغلق الأبواب وقال لها: هل بقي باب؟ قالت: نعم، بقي الباب الذي بيننا وبين اللَّه، فتأثَّر بذلك وخاف من ربِّه فقام وتركها. وهكذا يكون الإيمانُ الصادقُ، فإنَّ الإيمانَ يبعث على مراقبة اللَّه ولو كان المرءُ غائباً عن الناس، فتجده لا يراه أحدٌ من الناس ومع ذلك يَكُفُّ عن الحرام وعن الكَسْبِ الحرام، فقد يظفر بمالٍ يقدر على أن

стр. 145

يختلسه من غير أن يَطَّلِع عليه أحدٌ، ويأمن -مع ذلك- على نفسه، ولكن يمنعه من اختلاسه خوفه من اللَّه تعالى. ومن ذلك ما جاء في حديث السَّبعة الَّذين يُظِلُّهم اللَّه في ظِلِّه يومَ القيامة، ومنهم: «رجلٌ دَعَتْهُ امرأةٌ ذاتُ منْصِبٍ وجمالٍ، فقال: إني أخاف اللَّه» (١). وأعظم مَثَلٍ لهذا نبيُّ اللَّه يوسف ﵇، فقد اجتمعت عليه كل أسباب الوقوع في الفاحشة، فهو مملوكٌ رقيقٌ غريبٌ شابٌّ عَزَبٌ، وسيدته هي التي تدعوه لمطلوبها، ومع ذلك يَفِرُّ منها، ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِين (٢٤)﴾ [يوسف]، فلم تكن له حيلةٌ إلا أن يَفِرَّ إلى الباب ليَخرُج ليَسْلَم من الوقوع في الفاحشة وسوءِ العاقبة، كما قال تعالى: ﴿وَاسُتَبَقَا الْبَابَ﴾ [يوسف: ٢٥]؛ يعني: أيهما أسبق، فهو يريد الباب ليهرب ويخرج، وهي تريد الباب لتغلقه ولِتَحُولَ بينه وبين الخروج. فالشاهد من هذا أن مقام المراقبة ومقام الخوف من اللَّه يبعث على الكَفِّ عن المحارم، وعلى التوبة من الجرائم. * * *
следующие страницы →