← Акыда

Акыда · id 17870

شرح القصيدة الدالية للكلوذاني

عبد الرحمن بن ناصر البراك

Полный текст (131 стр.). Показаны 106–131 · переход к 111.

стр. 106

أنَّ الله برحمتِه وحكمتِه أعمى بصائِرَهم وأبصارَهم عن رسول الله ﷺ وصاحبِه، وجعل من الأسباب ما يصرف أنظارهم وعقولهم عنهما. وقد أشار الله إلى هذا النصر بقوله تعالى: ﴿إِلاَّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيم (٤٠)﴾ [التوبة]. فأبو بكر ﵁ أَسْعَدَ النبيَّ ﷺ في هذا اليوم أَيَّمَا إسعادٍ، فقد أَسْعَدَهُ بصحبَتِهِ ومرافقَتِهِ وحمايتِهِ له، حتى إنَّه قد جاء في أخبار الهجرة أنَّ أبا بكر ﵁ كان يمشي مع النبيِّ ﷺ ، فتارةً يكون أمامه، وتارةً يكون خلفه، وتارةً عن يمينه، وتارةً عن يساره، فلما سأله النبيُّ ﷺ عن سببِ ذلك، قال: إني أذكر العَدُوَّ من الرَّصَد (١) فأكونُ أمامَك، وأذكر العَدُوَّ من الطَّلَب فأكونُ خلفك، وأخشى أن تُؤتَى من يمينك أو من شمالك (٢)، فهو يدور على النبي ﷺ من أجل حمايته.

стр. 107

وقوله: «يَا لَهُ مِنَ مُسْعِدِ» هذا فيه أسلوب مدحٍ، يعني: أنه هو المُسْعِدُ الصادِقُ في صحبته وفي حمايته، بل وفي إيمانه قبل ذلك ﵁ وأرضاه. قال الناظمُ ﵀: ٣٣ - قَالُوا: فَمْن ثَانِيْ أَبِي بَكْرِ الرِّضَا؟ … قُلتُ: الإِمَارَةُ في الإِمَامِ الأَزْهَدِ قوله ﵀: «قَالُوا: فَمْن ثَانِيْ أَبِي بَكْرِ الرِّضَا؟» ووقع عند ابن الجوزي في «المنتظم»: «قَالُوا: فَمَنْ تَالِي أَبي بَكْرِ الرِّضَا» يعني: مَنْ التالي لأبي بكر في الخلافة؟ أو مَنْ الثاني بعده في الخلافة؟ وقوله: «قُلتُ: الإِمَارَةُ في الإِمَامِ الأَزْهَدِ» يريد به الخليفةَ الرَّاشدَ والإمامَ الزَّاهِدَ عمرَ بنَ الخطَّاب ﵁. فهو الخليفة الثاني بعد أبي بكر الصديق ﵁، وهو التالي له في الفضل وفي الخلافة، وقد وَلِيَ ﵁ أَمْرَ المسلمين بعهدٍ من الخليفة الأول والنَّاصِحِ لهذه الأُمَّة أبي بكرٍ ﵁، وأجمع الصحابة عليه ولم يختلفوا، فلم يُنَازَع ﵁ في أمرِ الخلافة ولم يُخْتَلَف عليه البتة، ولا أذكر أنَّه عُمِل له بيعة، بل اكتُفِيَ بمجرَّد العهد، ولا أذكر أيضاً أنه قد ورد في التاريخ أنَّ النَّاس جاءوا إليه ليبايعوه، بل انتقل إليه الأمر بهذا العهد، واكتفى المسلمون به (١).

стр. 108

قال الناظمُ ﵀: ٣٤ - فَارُوقُ أَحْمَدَ وَالمُهَذَّبُ بَعْدَهُ … سَنَدُ الشَّرِيْعَةِ (١) بِاللِّسَانِ وَبِاليَدِ في هذا البيت أثنى الناظمُ ﵀ على ثاني الخلفاء الراشدين عمر بن الخطاب ﵁، ونَعَتَه بعدَّةِ أوصافٍ سَرَدَهَا في هذا البيت فقال: «فَارُوقُ أَحْمَدَ» هذا أشهر لَقبٍ لُقِّبَ به عمرُ ﵁، حتى قيل له: «عمر الفاروق»، وسببُ تلقِيبِه بذلك ما ذكره بعضُهم من أنَّه حَصَلَ بإسلامه الفرق بين الحق والباطل، فبإسلامه ﵁ كان للحق ظهور، حيث كان المسلمون بمكة في أول أمرهم يستخفون ويخافون، فلما أسلمَ عمرُ ﵁ وكان معروفاً بقوَّتِهِ وشدَّتِهِ - طلبَ من الرسول ﷺ أن لا يستخفوا وأن يخرجوا، فخرج الرسولُ ﷺ ومَن معه من الدَّارِ التي كانوا مستخفِينَ فيها، خرجوا في صفَّين، أحدهما فيه عمر ﵁، والثاني فيه حمزةُ عمُّ النبيِّ ﷺ ، فأعزَّ اللهُ بإسلامِهِ الدِّينَ، فهذا هو السرُّ في تلقيبه بهذا اللقب. وقول الناظم ﵀: «فَارُوقُ أَحْمَدَ»، «أحمد» هو اسمٌ من أسماء الرسول ﷺ ، وقد ورد هذا الاسم فيما أخبر الله به عن عبده ورسوله عيسى بن مريم ﵇ بقوله: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾

стр. 109

[الصف: ٦]، وإضافة هذا اللقب إلى الرسول ﷺ «فَارُوقُ أَحْمَدَ» من باب التشريف والتكريم. وقوله: «وَالمُهَذَّبُ بَعْدَهُ» أي: مهذَّبُ الأخلاق، فهو ذو الأخلاق الكريمة العالية، المنزَّه عن سفاسفها. ولو قال الناظم: «فَارُوقُ أَحمَدَ والمُحَدَّثُ بَعْدَهُ» لكان أولى؛ لأنَّ هذا الوصف قد جاء على لسان رسول الله ﷺ ، وذلك في قوله: «لقد كان في الأُمَمِ قبلَكُم مُحَدَّثُون، وإن يكن في أُمَّتِي مِنْهُم أحدٌ فَعُمَر» (١)، فهو يُعرَفُ عند أهل العلم ب «المُحَدَّث» يعني: المُلْهَم. و من آثار تحديثه وإلهامه أنَّه وافق ربَّه في أحكامٍ عَدِيدَةٍ، فاقترح الصلاة خلف المقام، وعارض النبيَّ ﷺ لَمَّا أراد - باجتهادٍ منه - أن يصلي على رأس المنافقين عبدِ الله بنِ أُبَي بنِ سَلُول، فأنزل الله: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُون (٨٤)﴾ [التوبة] إلى غيرِ ذلكَ من موافقاته ﵁ (٢). وقوله: «سَنَدُ الشَّرِيْعَةِ بِاللِّسَانِ وَبِاليَدِ» أي: حامي الشريعةِ، والمدافعُ عنها، والناصرُ لها، ومما يدل على ذلك كثرة الفتوح الإسلامية في عهده، وانتشار الإسلام في الأمصار، فكان ﵁ عظيم الهَمِّ في

стр. 110

نشر الإسلام، وتجهيز الجيوش لأجل ذلك، حتى إنَّه قد جاء عنه أنَّه كان يجهزُ الجيوش وهو في الصلاة (١)، يجهزها بفكره وعقله، ففكره وعقله ﵁ مشحونٌ بهموم المسلمين وعزِّ الإسلام وأهله، ولعل هذا مما يُبَيِّنُ قول الناظم: «سَنَدُ الشَّرِيْعَةِ بِاللِّسَانِ وَبِاليَدِ». قال الناظمُ ﵀: ٣٥ - قَالُوا: فَثَالِثُهُمْ؟ فقُلتُ مُجَاوِباً: … مَنْ بَايَعَ المُخْتَارُ عَنْهُ بِاليَدِ انتقل الناظمُ ﵀ في هذا البيت إلى الإشادةِ بثالثِ الخلفاءِ الرَّاشدين عثمان بن عفان ﵁، والثناء عليه، فقال: «قَالُوا: فَثَالِثُهُمْ؟» أي: مَنْ ثالث الخلفاء الراشدين؟ فأجاب ﵀ بقوله: «فقُلتُ مُجَاوِباً: مَنْ بَايَعَ المُخْتَارُ عَنْهُ بِاليَدِ» «المختار» هو الرسول ﷺ . والناظمُ ﵀ يشيرُ بهذا إلى ما وقع في «بيعة الرِّضْوَان» عام صلح الحُدَيْبِيَة، يوم أرسل النبيُّ ﷺ عثمانَ بنَ عفَّان ﵁ إلى أهل مكة يخبرهم بمقصودهم، وأنهم ما جاءوا لحربٍ وقِتَالٍ، وإنما جاءوا معتَمِرِين قاصدين بيتَ الله، فبلغ النبيَّ ﷺ أنَّ عثمانَ ﵁ قد قُتِلَ،

стр. 111

فطلبَ الرسولُ ﷺ من أصحابِه ﵃ أن يبايعوه على الموت - أو على ألا يفروا - على اختلاف الروايات في ذلك، فبعضهم يقول: «بايعنا رسولَ الله ﷺ على الموت» (١)، أي: على القتال حتى الموت، وبعضهم يقول: «بايعناه على ألَّا نَفِرَّ» (٢)، فبايعه الصحابةُ ﵃، وتنافسوا في هذه البيعة، حتى إنَّ منهم من يُبَايِع ويخرج ليُبَايِعَ مرةً أخرى، وهذه البيعة هي «بيعة الرضوان» التي أشار الله إليها بقولِهِ: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (١٨)﴾ [الفتح]، فبايع الصحابةُ رسولَ الله ﷺ ، وكان عثمانُ غائباً، فلما جاءت نَوْبَةُ عثمان ﵁ قال النبيُّ ﷺ : «وهذه لعثمان» (٣)، ثم وضع يده الشريفة ﷺ على الأخرى، وهذه والله فضيلة لعثمان وأيُّ فضيلة، أَنْ بايعَ الرَّسُولُ ﷺ عنه بيدِهِ الكَرِيمَة.

стр. 112

ومما يُذْكَرُ هنا أنَّه قيلَ للنبيِّ ﷺ : لعلَّ عثمان قضى نَهْمَتَه من البيت، وطاف وقضى عمرته، فلما رجع عثمانُ قيل له في هذا، فقال: ما كنتُ لأفعل هذا ورسولُ الله ﷺ مصدودٌ ومحبوسٌ عن البيت، فقال له النبيُّ ﷺ : «ذاك الظَّنُّ بِكَ»، أو كما ورد في القصة (١). قال الناظمُ ﵀: ٣٦ - صِهْرُ النَّبيِّ عَلَى ابْنَتَيْهِ وَمَنْ حَوَى … فَضْلَينِ فَضْلَ تِلَاوَةٍ وَتَهَجُّدِ قوله ﵀: «صِهْرُ النَّبيِّ عَلَى ابْنَتَيْهِ»، هذه من فضائل عثمان التي اشتهر بها، وهي أنه تزوَّجَ ابنتي رسولِ الله ﷺ : رُقَيَّةَ وأمَّ كُلْثُوم ﵄، وقد ماتتا في حياة النبي ﷺ . وقوله: «وَمَنْ حَوَى فَضْلَينِ» يعني: حاز فضلين، «فَضْلَ تِلَاوَةٍ وَتَهَجُّدِ» أي: فضل قراءة القرآن، وفضل قيام الليل. فالناظم ﵀ أثنى على عثمان ﵁ بثلاثة أمور: ١ - بمبايعة النبيِّ ﷺ عنه بيدِه الشَّريفة. ٢ - وبمصاهَرَتِه للنبيِّ ﷺ وتزوُّجِهِ من ابنتَيهِ. ٣ - وبما عُرِفَ عنه من كثرة تلاوته لكتاب الله ، وطول تهجده بالليل، وهذا مما اشتهر به ﵁.

стр. 113

وهؤلاء الثلاثة - أبو بكرٍ وعمرُ وعثمانُ -: هم الخلفاءُ الرَّاشدون على التوالي. وبيعةُ عثمانَ ﵁ تمَّت بعد مشاورات؛ لأنَّ عمرَ ﵁ جعلَ الأمرَ في الستة الذين قال عنهم: إنَّ رسول الله ﷺ مات وهو عنهم راضٍ، وهم: عثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص ﵃، فبعد مداولات قام بها عبد الرحمن بن عوف مع هؤلاء الستة انتهى الأمر إلى مبايعة عثمان، فبايعه عبدُ الرحمن بنُ عوفٍ، والبقيَّةُ، ثم بايعه النَّاسُ بعدَ ذلك، فتَمَّ له الأمرُ حينئِذٍ (١). وهؤلاء الثلاثةُ أيضاً هم أفضلُ الصحابةِ، جاء عن ابن عمر ﵁ في «الصحيح» أنَّه قال: «كنَّا نقولُ - ورسولُ الله ﷺ حيٌّ -: أفضلُ هذه الأمة بعد نبيها أبو بكرٍ، ثم عمرُ، ثم عثمان، وما كان النبيُّ ﷺ يُنْكِرُ ذلك» (٢). فهذا دليلٌ على أنَّ عثمان أفضلُ الصحابةِ بعد أبي بكرٍ وعمرَ، ثم يليهم في الفضل عليٌّ ﵁، وهذا مما وقع فيه شيءٌ من الخلافِ

стр. 114

القديمِ، فمن السلف من قدَّمَ عَليّاً على عثمان، ومنهم من قَدَّم عثمانَ على عليٍّ، ومنهم من تَوقَّفَ. قال شيخ الإسلام ابن تيمية في «العقيدة الواسطية» (لَكِن اسْتَقَرَّ أَمْرُ أَهْلِ السُّنَّةِ عَلَى تَقْدِيمِ عُثْمَانَ) وهذا هو الصواب، فقد استقر الأمر على أنَّ أفضل الصحابة: أبو بكرٍ، ثم عمرُ، ثم عثمانُ، ثم عليٌّ ﵃ أجمعين، وعلى هذا مشى الناظمُ ﵀. قال الناظمُ ﵀: ٣٧ - أَعْني ابنَ عَفَّانَ الشَّهِيدَ وَمَنْ دُعِي … في النَّاسِ «ذَا النُّورَينِ» صِهْرَ مُحَمَّدِ في هذا البيت زيادةُ توضيحٍ، وإلا فقد وَضَحَ المَعْنِيُّ بما ذُكِرَ من صفاتِه ﵁. قوله: «أَعْني ابنَ عَفَّانَ الشَّهِيدَ» أي: الذي قتله البُغَاة الطُّغَاة، قتلوه وهو يتلو كتاب الله، بعد ما حاصروه في داره أياماً، ومنع ﵁ الصحابةَ من الدِّفَاع عنه؛ لأنَّه لا يريدُ أن يُسفكَ في سبيله دمُ مسلمٍ، فما زال به رؤوسُ الفتنةِ حتى اقتحموا عليه داره فقتلوه. وقد أشار النبيُّ ﷺ إلى هذا في الحديث الصحيح لما قال لأبي موسى ﵁: «ائذن له - أي: لعثمان - وبشره بالجنة على بلوى تصيبه»، فلما أبلغه أبو موسى بقول رسول الله ﷺ من البشارة مع البلوى، قال: «الله المستعان» (١).

стр. 115

وقوله: «وَمَنْ دُعِي في النَّاسِ: ذَا النُّورَينِ» هذا لقبٌ مشهورٌ لعثمان ﵁، ويَرِدُ على لسانِ كثيرٍ من أهلِ العلم والمؤرخين، فهو معروفٌ ب «ذي النُّورَين»، قيل: إنه لُقِّبَ بهذا لزواجه من ابنتين من بنات النبي ﷺ . وهذا اللَّقب ليس مأثوراً عن النبيِّ ﷺ ، ولا عن أحدٍ من الصحابة ﵃، لكنَّه مما عُرِفَ به عند كثيرٍ من المؤرِّخين وأهلِ العلمِ، واشتَهَرَ إطلاقُه عليه. وقوله: «صِهْرَ مُحَمَّدِ» قد سبق الكلامُ على هذه المصاهرة في البيت السابق. فالمقصود أنَّ الناظمَ ﵀ أثنى على عثمانَ ﵁ هذا الثناء العاطر، ونَعَتَهُ بهذه الأوصاف، وهو أهلٌ لذلك ﵁ وأرضاه. قال الناظمُ ﵀: ٣٨ - قَالُوا: فَرَابِعُهُمْ؟ فَقُلتُ مُبَادِراً: … مَنْ حَازَ دُونَهُمُ أُخُوَّةَ أَحْمَدِ يقول الناظمُ ﵀ مبيِّناً مراتبَ الخلفاءِ الرَّاشِدِين: «قَالُوا: فَرَابِعُهُمْ؟» يعني: بعدما ذكرتَ الخلفاء الثلاثة: أبا بكرٍ وعمرَ وعثمانَ ﵃، فمَن يكون رابعهم إذن؟ وقوله: «فَقُلْتُ مُبَادِراً» يعني: قلتُ مُسَارِعاً إلى الجواب دون توقُّفٍ ولا تردُّدٍ؛ وذلك لأنَّ المسألةَ واضحةٌ، والحقَّ فيها بيِّنٌ، ورابعُ الخلفاءِ معروفٌ ومعيَّنٌ، وهو عليُّ بنُ أبي طالبٍ ﵁.

стр. 116

وقوله: «مَنْ حَازَ دُونَهُمُ أُخُوَّةَ أَحْمَدِ» يعني: أُخُوَّةَ النبيِّ ﷺ ، والمؤمنونَ كلُّهُم إِخوة، وأصحابُ النبيِّ ﷺ هم إِخوَتُه وأصحابُهُ، ولكن مَنْ قال له الرسول ﷺ : «أَنْتَ أَخِي» فله في هذه الإضافة فضيلةٌ على غيرِه، كما قال في شأنِ أبي بكرٍ ﵁ يومَ كان مع النبي ﷺ في الغار: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ﴾ [التوبة: ٤٠]، فنصَّ على أنَّ أبا بكرٍ ﵁ صاحبٌ للنبي ﷺ ، مع أنَّ صفَةَ «الصُّحْبَة» مشتَرَكةٌ بين عمومِ الصَّحَابةِ ﵃، لكن خُصَّ أبا بكرٍ ﵁ بالنصِّ عليه من الله ومن النبي ﷺ بأنه صاحبُه، وقد قال فيه النبي ﷺ : «هل أنتم تَارِكُوا لي صَاحِبِي» (١)، وهكذا عليٌّ ﵁ جاء في الحديث الذي أخرجه الترمذيُّ وقال عنه: (حسنٌ غريبٌ) أنَّ النبيَّ ﷺ قال له: «أنت أخي في الدُّنيا والآخِرَة» (٢)، لكن الحديث ضعَّفه أهلُ العلم، ومنهم: شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميَّة في «منهاج السنة»، والحافظُ العراقيُّ في «تخريج أحاديث الإحياء» وغيرُهما، بل قال شيخ الإسلام: (أحاديثُ المؤاخَاة لعليٍّ ﵁ كلُّها موضوعة، والنبيُّ ﷺ لم يؤاخِ

стр. 117

أحداً … ) (١)، وقال العراقيُّ: (كلُّ ما ورد في أُخوَّتِه ﵁ فضعيفٌ لا يصحُّ منه شيءٌ) (٢). فيحتمل أنَّ الناظمَ ﵀ يشير إلى هذا الحديث للتصريح فيه بأُخوَّة عليٍّ ﵁ للنبيِّ ﷺ في الدُّنيا والآخرة، ويحتمل أيضاً - ولعله الأقرب - أنه يشير إلى قول النبيِّ ﷺ لما استخلف عليّاً ﵁ على المدينة في غزوة تبوك وشق عليه ذلك قال له ﷺ : «أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنزِلةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى» (٣)، وهارون هو أخو موسى ﵉، وحملُ كلام النَّاظم ﵀ على هذا لعله أَسَدُّ؛ لأنَّ هذا الحديثَ صحيحٌ بخلاف الحديث السابق. وقد دلَّ كلامُ الناظمِ ﵀ في هذا البيت على أنَّ عليّاً ﵁ هو رابع الخلفاء الراشدين، فهو رابعهم في الفضل وفي الخلافة، فهو أفضل الصحابة على الإطلاق بعد الخلفاء الثلاثة. ومسألةُ المُفَاضَلَة بين عليٍّ وعثمانَ ﵄ من المسائل التي وقع فيها خلاف بين السلف ﵏، فمنهم مَنْ ذَكَرَ فضل الثلاثة ولم يزد على ذلك، وقال: أفضل الأمة بعد نبيها: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان وسكت، ومنهم من ربَّع بعليٍّ، ومنهم من قدَّم عليّاً على عثمان، ومنهم من توقَّف، وقد ذكر هذه الأقوال وأشار إليها شيخُ الإسلام ابنُ تيميَّة

стр. 118

في «العقيدة الواسطية» حيث يقول: (مَعَ أَنَّ بَعْضَ أَهْلِ السُّنَّةِ كَانُوا قَدْ اخْتَلَفُوا فِي عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ ﵄ بَعْدَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى تَقْدِيم أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ - أَيُّهُمَا أَفْضَلُ؟ فَقَدَّمَ قَوْمٌ عُثْمَانَ وَسَكَتُوا، أو رَبَّعُوا بِعَلِيٍّ، وَقَدَّم قَوْمٌ عَلِيّاً، وَقَوْمٌ تَوَقَّفُوا، لَكِن اسْتَقَرَّ أَمْرُ أَهْلِ السُّنَّةِ عَلَى تَقْدِيمِ عُثْمَانَ) وهذا هو الصواب، وقد صحَّ عن ابن عمر ﵁ أنه قال: (كنا نقول - ورسولُ الله ﷺ حيٌّ -: خيرُ هذِهِ الأُمَّة بعد نبيها: أبو بكرٍ، ثم عمرُ، ثم عثمانُ) (١). فما ذكره الناظم هنا من أن علياً ﵁ هو رابعُ الخلفاءِ الرَّاشِدِين هو الحقُّ والصوابُ. ولعلي بن أبي طالب ﵁ فضائل ومناقب جاءت بها السنَّة: منها: ما تقدم من قوله ﷺ لعلي ﵁: «أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى» (٢). ومنها: ما جاء في حديث سَهْلِ بنِ سَعْدٍ ﵁ المتفق عليه أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قال يوم خَيْبَرَ: «لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَداً رَجُلاً يَفْتَحُ الله على يَدَيْهِ، يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ، وَيُحِبُّهُ الله وَرَسُولُهُ»، قال: فَبَاتَ الناس يَدُوكُونَ لَيْلَتَهُمْ، أَيُّهُمْ يُعْطَاهَا، فلما أَصْبَحَ النَّاسُ غَدَوْا على رسول اللهِ ﷺ كُلُّهم يَرْجُو أَنْ يُعْطَاهَا فَقَالَ: «أَيْنَ عَلِيُّ بنُ أبي طَالِبٍ؟ … » فَأَعْطَاهُ الرَّايَةَ … (٣).

стр. 119

فهذا نصٌّ على فضلِ عليٍّ ﵁ وأنَّه يُحِبُّ اللهَ ورسولَه، ويحبُّه اللهُ ورسولُه، وفي هذا رَدٌّ على الخوارجِ الذين يكفِّرُونَه، والنَّوَاصِبِ الذين يسبُّونَه. ومنها أيضاً: أنه أفضل قرابة النبي ﷺ على الإطلاق، فهو أفضل بني هاشم بعد النبي ﷺ ، كما سيأتي. ومن فضائله: أنَّه صِهْرُ النبيِّ ﷺ على ابنتِه فاطمةَ، فُضْلَى بناتِ النبي ﷺ ، بل فُضْلَى نساءِ هذه الأُمَّة، بل هي سيِّدَةُ نساءِ أهلِ الجنَّة كما جاء ذلك عن النبي ﷺ (١)، مما يدل على فضلها ومنزلتها ﵂ وأرضاها. وقد وليَ عليٌّ ﵁ الخلافةَ بعد مقتل عثمان ﵁ سنة ٣٥ هـ، فبعدما قُتل عثمانُ ﵁ اضطربت الأُمَّةُ وافترقت، وبايع جمهورُهم عليّاً ﵁، ولكن الأمة لم تتفق على مبايعته، فقد امتنع من ذلك أهلُ الشام لشبهاتٍ عَرَضَت لهم، فولي ﵁ الأمرَ قرابةَ خمس سنين. وأفضل ما جرى في عهده ﵁ قتال الخوارج الذين بشَّرَ النبي ﷺ مَنْ قاتلهم بالأجر العظيم، فلما قاتلهم عليٌّ ﵁ ووَجَدَ الرَّجلَ

стр. 120

المُخْدَج فرحَ بذلك وسُرَّ (١)؛ وذلك لما ورد في الحثِّ على قتال الخوارج والترغيب في ذلك والثناء على مَنْ قاتلهم، وقد ورد في الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال: «تَمْرُقُ مَارِقَةٌ عِنْدَ فُرْقَةٍ من الْمُسْلِمِينَ يَقْتُلُهَا أَوْلَى الطَّائِفَتَيْنِ بِالْحَقِّ» (٢)، فهذا نصٌّ صريحٌ على أنَّ عليّاً أولى بالحق من غيره، ولا خلاف بين الأمة كلِّها أن علياً ﵁ كان أولى بأمر الخلافة من غيره حتى إن من خالفه كمعاوية ومن معه من أهل الشام يقرون بهذا ولا ينكرونه، ولكنهم توقَّفوا وامتنعوا من المبايعة لبعض الشبهات التي عرضت لهم. قال الناظمُ ﵀: ٣٩ - زَوجُ البَتُولِ وَخَيرُ مَنْ وَطِئَ الحَصَى … بَعْدَ الثَّلَاثَةِ وَالكَرِيمُ المَحْتِدِ في هذا البيت وصف الناظمُ ﵀ عليّاً ﵁ بثلاث صفات: ١ - أنه زوج فاطمة البتول ﵂. ٢ - وأنه خير من وطئ الحصى بعد الثلاثة. ٣ - وأنه الكريمُ المَحْتِدِ.

стр. 121

فقوله: «زَوجُ البَتُولِ» هذا من فضائله ﵁ أنه زوج البتول، والمراد ب «البتول» هنا فاطمةُ ﵂، وإلا فوصف البتول يطلق أيضاً على مريمَ بنتِ عِمْرَان الصدِّيْقَة، وقيل في مريم: إنها بتول، يعني: منقطعةٌ عن الرِّجال، فلم يَمَسَّها بشرٌ ولم تَكُ بغِيّاً، وقيل في معنى أنَّ فاطمةَ بتول: يعني: منقطعةٌ عن نساءِ زمانها، فلا نظير لها في نساء الأُمَّة في الفضلِ والدِّينِ والشَّرفِ، وعلى كلِّ حالٍ ف لفظُ «البَتُول» يدلُّ على العفافِ والطُّهْرِ والفضلِ. وقوله: «وَخَيرُ مَنْ وَطِئَ الحصى - وفي نسخةٍ: «الثرى» - بعد الثلاثة»، في هذا تنصيصٌ على مرتبته ﵁ في الفضل، وأنه أفضل الصحابة بعد الثلاثة: أبي بكر وعمر وعثمان، فهو إذن أفضلُ الأُمَّة وخيرُ مَنْ وَطِئَ الثَّرَى بعد هؤلاء الثلاثة ﵃. وقوله: «وَالكَرِيمُ المَحْتِدِ» أي: كريمُ الأَرُوْمَة والأَصْل، فهو ﵁ كريمُ النَّسَب، كيف لا، وهو علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم، فهو ابنُ عمِّ النبيِّ ﷺ وصِهْرُهُ على ابنَتِهِ فاطمة ﵂، وهو أفضل بني هاشم بعد النبي ﷺ ، فهو داخل في الاصطفاء والاختيار في قوله ﷺ : «إِنَّ اللهَ اصْطَفَى كِنَانَةَ من وَلَدِ إسماعيل، وَاصْطَفَى قُرَيْشاً من كِنَانَةَ، وَاصْطَفَى من قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ، وَاصْطَفَانِي من بَنِي هَاشِمٍ» (١). فهو كريمُ النَّسَب إذ جمعَ اللهُ له بين فضل الصحبة وفضل القرابة، فيجب أن يُعرَف لعليٍّ ﵁ فضلَه، فيُحَبُّ لإيمانِه وفضلِه في الدِّين،

стр. 122

ويُحب كذلك لقرابتِه من النبي ﷺ ، ولهذا قال ﷺ لما شكا إليه عمُّه العباسُ ﵁ أنَّ قريشاً يجْفُون بني هاشم قال: «والله لَا يَدْخُلُ قَلْبَ امْرِئٍ إِيمَانٌ حتى يُحِبَّكُمْ لله يعني لدينكم وإيمانكم بالله - ولقرابتي»، وفي رواية: «حتَّى يُحِبَّكُمْ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ» (١). قال الناظمُ ﵀: ٤٠ - أَعْنِي أَبَا الحَسَنِ الإِمَامَ وَمَنْ لَهُ … بَينَ الأَنَامِ فَضَائِلٌ لَمْ تُجْحَدِ في هذا البيت صرَّح الناظمُ ﵀ بالمعْنِيِّ في البيتين السابقين، فلما ذكر صفاته ومناقبه أوَّلاً، عيَّنه وبيَّنَه بعد ذلك بقوله: «أَعْنِي أَبَا الحَسَنِ» وهذه كنيةُ عليٍّ ﵁، وهو مشهورٌ بها؛ لأنَّ الحَسَن أكبرُ من الحسين ﵄، فالحسن هو أكبرُ وَلَدَيهِ من فاطمة ﵃ أجمعين. وقوله: «الإِمَامَ» لم يكن يُعرفُ ﵁ في خلافتِهِ ب «الإمام»، بل كان يلَقَّبُ ب «أمير المؤمنين»، والتلقيب ب «أمير المؤمنين» بدأ منذ زمن عمرَ ﵁، أما الذين يلقِّبُونَ عليّاً ﵁ ب «الإِمَام» فهم الرافضة، ولكن قد يجري على ألسنة بعض أهل السُنَّة إطلاق اسم «الإمام» على

стр. 123

عليٍّ ﵁، وهو - ولا شكَّ - إمامٌ، ولكن الإمامة في الدِّين لا تختص به، بل هي متحققة له ولغيره من الخلفاء الراشدين وسائر علماء الصحابة ﵃ أجمعين. وقوله: «وَمَنْ لَهُ بَينَ الأَنَامِ» أي: بين الخَلِيقَة، «فَضِائِلٌ» جمعُ فضيلة، وهو من صيغ منتهى الجموع التي لا تنصرفُ ولا تُنَوَّنُ، ونُوِّنَت هنا من أجل استقامة النظم، وهذا جائزٌ في الشعر. وقوله: «لم تُجْحَدِ» أي: لا سبيل إلى جَحْدِهَا وإنكارها، ومن فضائله التي لا تجحد ما تقدَّمت الإشارة إليه، وأيضاً فقد جمع الله له بين فضل الإيمان، والهجرة، والنصرة والجهاد، والصحبة العظيمة الطويلة من صغره ﵁ حتى توفي رسول الله ﷺ ، وهو صاحبُه وصِهْرُه وقرِيبُهُ ﵁ وأرضاه، ورزقنا حُبَّهُ وحُبَّ جميع الصحابة والقرابة. قال الناظمُ ﵀: ٤١ - وَلإبْنِ هِنْدٍ في الفُؤادِ مَحَبَّةٌ … وَمَوَدَّةٌ فَلَيَرْغَمَنَّ مُفَنِّدِي لما فرغ الناظمُ ﵀ من ذِكْر الخلفاءِ الرَّاشدين وما لهم من المناقب والفضائل أعقَبَهُم ب ذكرِ معاويةَ بنَ أبي سفيان ﵁، فقال: «وَلإبْنِ هِنْدٍ» قطع همزة «ابن» للوزن، ونَسَبَهُ النَّاظمُ لأُمِّهِ هند بنتِ عُتْبَةَ ﵂، وأما أبوه فهو أبو سفيانَ صَخْرُ بنُ حَرْبٍ سيِّدُ قريشٍ. وهندُ بنتُ عُتْبَةَ امرأةٌ فاضِلةٌ عاقِلَةٌ، وهي التي قالت لرسول الله ﷺ لما بايعَ النساءَ على ألَّا يُشْرِكن بالله شيئاً ولا يَسْرِقْنَ ولا يَزْنِينَ: «أَوَتَزْنِي

стр. 124

الحُرَّةُ؟»، وهي أيضاً التي سألت رسول الله ﷺ فقالت: يا رَسُولَ اللهِ إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ لَا يُعْطِينِي من النَّفَقَةِ ما يَكْفِينِي وَيَكْفِي بَنِيَّ إلا ما أَخَذْتُ من مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمِهِ، فَهَلْ عَلَيَّ في ذلك من جُنَاحٍ؟ فقال رسول اللهِ ﷺ : «خُذِي من مَالِهِ بِالْمَعْرُوفِ ما يَكْفِيكِ وَيَكْفِي بَنِيكِ» (١). ومعاوية ﵁ من الذين أسلموا بعد صلح الحديبية وقبل فتح مكة، بخلاف أبيه ﵁ فإنَّه لم يُسْلِم إلا في فتح مكة. وقد اشتهر ﵁ بجملةٍ من المناقبِ والأخلاقِ الفاضلةِ، فقد استَكْتَبَه النبي ﷺ واتخذه أحدَ كُتَّابِ الوحي، وأمَّرَه عمرُ ﵁ على الشام، فكان أميراً على الشام عشرين سنة حتى آل إليه أمرُ الخلافة سنة ٤٠ هـ، فصار أميراً للمؤمنين عشرين سنة، فكانت مدة إمارته الخاصة والعامة أربعين سنة. وقوله: «ولإبنِ هِنْدٍ في الفُؤادِ» يعني: في القلب، «مَحَبَّةٌ وَمَوَدَّةٌ» المحبة والمودَّة معناهما واحدٌ أو متقاربٌ. وقوله: «فَلَيَرْغَمَنَّ» اللام هنا لام القسم، يعني: فوالله لَيَرْغَمَنَّ من «الرَّغَام» الذي هو التُّراب. وقوله: «مُفَنِّدِي» (٢) يعني: من يُنْكِرُ عليَّ، ويَعِيبُني على محبتي لمعاوية ﵁، ووقع في نسخةٍ: «فَلَيَرْغَمَنَّ المُعْتَدِي» وهي قريبةٌ في

стр. 125

المعنى من سابقتها، فالمُفَنِّدُ للنَّاظِم على حُبِّهِ ومودتِه لمعاويةَ ﵁ هو معتدٍ في تفنيده له، وهو أيضاً معتدٍ في بغضِه لمعاويةَ ﵁، وكأنَّ الناظم ﵀ يشير بهذا إلى الرافضة؛ لأنَّهم يبغضون معاوية ﵁ بسبب غلوِّهم في عليٍّ ﵁. فالناظمُ ﵀ عَمَدَ إلى التنْصِيصِ على فضل الخلفاء الرَّاشدين، ثم فضل معاوية ﵁، وفي هذا إرغامٌ ومُرَاغَمَةٌ للرَّافِضَة التي تُضْمِرُ العِدَاء والكيد والبغض لأصحاب رسول الله ﷺ ، ثم لكلِّ مَنْ جاء بعدهم ممن سَارَ على أَثَرِهِم وسلك سبيلَهُم من أهلِ السنَّة والجماعة. فهؤلاء الرَّوَافض يُبغِضُون خِيَارَ الأُمَّةِ أبا بكرٍ وعمرَ وعثمانَ وسائرَ الصَّحَابَة ﵃، ولذا فبُغضهم لمعاوية ليس أمراً خاصاً به، لكنَّ بعض الشيعة من غير الرافضة يُبغِضُ معاويةَ أيضاً وإن كان لا يُبْغِضُ أبا بكرٍ وعُمَرَ؛ وذلك لما كان بين معاوية وعلي ﵄ من خِلافٍ، فهم يُبغِضُون معاويةَ بسبب غلوهم في حُبِّ عليٍّ ﵁، والواجب العدل، فمعاوية ﵁ صحابيٌّ جليلٌ، لكنه ليس بمعصومٍ من الخطأ والزلل، بل ولا أحد من الصحابة كذلك، بل كلهم تجوز عليهم الذنوب، لكن لهم من الحسنات ما يُرجى أن تكون ذنوبهم مغمورةً فيها. فالواجبُ هو معرفةُ فضلهِم وإنزالهم منزلتهم، والتماس العذر لهم فيما صدر منهم، وهم في ذلك إما مجتهدون مصيبون، وإما مجتهدون مخطؤون، هذا هو منهج أهل السنة والجماعة فيما شجر بين الصحابة الكرام ﵃، فهو يتلخص في أمرين:

стр. 126

أولاً: الكف عن الخوض فيما شجر بينهم. والثاني: التماسُ العذر لهم، وإذا كان هذا واجباً في حق جميع المسلمين فهو في حقِّ صحابة رسول الله ﷺ آكَدُ وأَوجَبُ (١).

стр. 127

قال الناظمُ ﵀: ٤٢ - ذَاكَ الأَمِينُ المُجْتَبَى لِكِتَابَةِ ال … وَحْيِ المُنَزَّلِ ذُو التُّقَى وَالسُّؤدَدِ ذكر الناظم ﵀ في هذا البيت بعضاً من المناقب والفضائل التي اشتهر بها معاوية ﵁، فقال: «ذَاكَ» إشارة إلى مَنْ سماه: «ابنَ هِنْدٍ» وهو معاوية بن أبي سفيان ﵁، «الأَمِينُ المُجْتَبَى» وصفه هنا بالأمانة، وحقاً إنَّه لأمينٌ، ودلَّل على ذلك بأنَّ الرَّسولَ ﷺ اجتباه واختاره «لِكِتَابَةِ الوَحْيِ المُنَزَّلِ» وهو القرآن، وهذا أدلُّ دليلٍ على أمانته ﵁، وهذه فضيلةٌ عظيمةٌ لمعاوية ﵁ تدل على عظيم صِلَتِهِ بالنبي ﷺ وعلى منزلتِه عنده، ولهذا اختاره لهذا الشأنِ العظيمِ، ثم صار بعد ذلك بمنزلةٍ عاليةٍ عند أبي بكر وعمر وعثمان ﵃ أجمعين. وقوله: «ذُو التُّقَى وَالسُّؤدَدِ» هذا تأكيدٌ لما قبله، فهو ﵁ من المؤمنين الصالحين المتقين، وهو - أيضاً - ذو سؤدَدٍ ومكانةٍ عاليةٍ بين قومه وعشيرته، وله من الأخلاقِ الكريمةِ والصفاتِ الحميدةِ ما اشتهر به، من الحِلم وحُسن النَّظَرِ والحنكة والقدرة العظيمة في سياسة الأمة، حتى ذُكِر عنه أنه قال: «لو كان بيني وبين النَّاس شَعْرَةٌ لم تنقطع، إن أرخوها شَدَدْتُها وإن شدُّوها أَرْخَيتُهَا». وقد أثبت ﵁ بإمرته إدارةً عظيمةً، ومن خير ما حصل في عهده أنَّه جيَّشَ الجيوش وركبوا البحر، ففي عهده وقعت أولى الغزوات البحرية، حيث غزا بلاد الروم مرتين، وهذا مما يُحتسب له ﵁.

стр. 128

قال الناظمُ ﵀: ٤٣ - فَعَلَيهِمُ وَعَلَى الصَّحَابَةِ كُلِّهِمْ … صَلَوَاتُ رَبِهِمُ تَرُوحُ وَتَغْتَدِي قوله: «فَعَلَيهِمُ» إشارةٌ إلى كلِّ مَنْ تقدَّم ذكره من الصحابة الكرام ﵃. وقوله: «وَعَلَى الصَّحَابَةِ كُلِّهِمْ» يعني: ممن لم يُذْكَر ولم يُصَرَّح باسمِه. وقوله: «صَلَوَاتُ رَبِهِمُ تَرُوحُ وَتَغْتَدِي» «الرَّوَاح»: هو الذَّهابُ في المساء، و «الغُدُوّ»: هو الذَّهابُ في الصباح، فقوله: «تَرُوحُ وَتَغْتَدِي» يعني: عليهم صلوات الله صباحاً ومساءً، وهذا يساوي أن يقول: عليهم صلوات الله دائماً وأبداً؛ لأنَّه يُعبَّر عن دوام الشيء بوُرُودِهِ وحُصُولِهِ صباحاً ومساءً. قال الناظمُ ﵀: ٤٤ - إِنِّي لأَرْجُو أَنْ أَفُوزَ بِحُبِّهِمْ … وَبِمَا اعْتَقَدْتُ مِنَ الشَّرِيعَةِ في غَدِ ختم الناظم ﵀ هذه المنظومة بقوله: «إِنِّي لأَرْجُو أَنْ أَفُوزَ بِحُبِّهِمْ» يعني: إني لأرجو أن أفوز بسبب حُبِّي لهم ﵃؛ لأنَّ «حُبَّهم دِينٌ وإيمانٌ وإحسانٌ، وَبُغْضَهُم كُفْرٌ ونِفَاقٌ وطُغْيَانٌ» كما يقول الطَّحَاوي ﵀ في «عقيدته» المشهورة. فحُبُّهُم ﵃ من أعظمِ مراتبِ الحُبِّ في الله . وقوله: «وَبِمَا اعْتَقَدْتُ مِنَ الشَّرِيعَةِ» يعني: وبسبب ما اعتقَدتُ من الاعتقادات الشرعية الصحيحة في الله وملائكته وكتبه ورسله وغيرِها من عقائد الدِّين.

стр. 129

وقوله: «في غَدِ» يعني: في يوم المعاد، فإنَّه يُعَبَّر عن اليوم الآخر ب «الغَد»، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ [الحشر: ١٨]، وهو اليوم الموعود الآتي لا محالة، وهو اليوم الذي من فاز فيه فاز بالسعادة الأَبَدِيَّة، ومن شقي فيه باءَ بالحَسْرَةِ والشَّقَاء الدَّائِم. وهذا الذي ذكره الناظمُ ﵀ هنا هو اللائق بكل مَنْ مَنَّ اللهُ عليه بالإسلامِ أن يجعل هِمَّتَه في الفوز في ذلك اليوم الموعود، وذلك بدخول الجنة، والنجاة من النار، والفوز بمغفرة الله ومرضاته، فإنَّ الفوزَ في ذلك اليوم هو الفوزُ العظيم، وهو الفوزُ الكبير، وهو الفوز الحقيقي. ولا ريب أنَّ حُبَّ الصحابةِ ﵃، وحُبَّ مَنْ يُحِبُّه الله من أنبيائِه وعبادِه الصالحين، والإيمانَ بشرعِهِ ظاهراً وباطناً سَبَبُ الفوزِ في ذلك اليوم العظيم يوم القيامة. قال الناظمُ ﵀: ٤٥ - قَالُوا: أَبَانَ الكَلْوَذَانِيُّ الهُدَى … قلتُ: الَّذِي فَوقَ السَّمَاءِ (١) مُؤيِّدِي قوله: «قَالُوا» يعني: أولئك الذين ألقوا إليه هذه المسائل يشكرونه ويقولون: «أَبَانَ الكَلْوَذَانِيُّ الهُدَى» يعني: بأجوبته المتقدِّمة، قد بيَّن لنا الهدى والصواب في هذه المسائل التي سألوه عنها. فرَدَّ عليهم بقولِه: «قلتُ: الَّذِي فَوقَ السَّمَاءِ مُؤيِّدِي» يعني: أنَّ الذي فوق السماء - وهو الله هو الذي مَنَّ عليَّ وأيّدني وعلَّمني

стр. 130

ووفقني، فهذا من إضافة النعمة إلى مُوْلِيْها، يعني ما أجبتُ به من الصواب والهدى والبيان إنما كان بتأييد الله وتعليمه وفتحه ، فإنَّه ما من نعمةٍ للعباد إلا وهي من الله كما قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللّهِ﴾ [النحل: ٥٣]، وهكذا ينبغي للمسلم في جميع ما أنعم الله به عليه من النعم الدينية والدنيوية أن يضيف ذلك كله إلى الله ، كما جاء في حديث سَيِّدِ الاستغفار: «أَبُوءُ لك بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ» (١) يعني: أعترف لك بالإِنْعَامِ والإِفْضَال، فكلُّ ما عندي من نعمةٍ فهي منك يا الله، وبهذا يكون العبدُ شاكراً لنعمة الله عليه، فإنَّ أوَّلَ الشكرِ الاعترافُ بحقِّ المُنعِمِ وعظيمِ فَضْلِهِ. وقد أحسن الناظمُ ﵀ في هذا الخِتَام حيث بيَّن مقصوده، وبيَّن كذلك فضل الله عليه، ولم ينسب ذلك إلى نفسه وعلمه وقدرته، بل أضاف ذلك إلى ربه ، وأنه هو الذي أمدّه وأيّده، نسأله أن يمدنا بتوفيقه وتأييده. فجزى الله الناظم خيراً على ما بيَّنَه وقَصَدَ إليه في هذه القصيدة من بيان الحق، وما قرَّره من مذهب أهل السنَّة والجماعة في الإيمان وفي أصحاب رسول الله ﷺ ، وأما ما وقع في بعض المواضع من هذه القصيدة من ملاحظة أو استدراك أو نحو ذلك - سواء كان في ما أجمله الناظم، أو في ما صرَّح به ونصَّ عليه - فله أسوةٌ بغيرِه من أهلِ العلم، وكثيرٌ من أهل العلم دَخَلَت عليهم هذه المذاهب الكَلَامِيَّة ووقعوا فيها عن اجتهادٍ وحسنِ نِيَّةٍ، فغفر الله لهم ورحمهم ورضي عنهم.

стр. 131

وعلى كلِّ حالٍ فأبو الخطَّاب الكلوذاني أحدُ العلماءِ المعروفين بالفقه والدِّين والصلاح، فرحمه الله وجزاه خيراً. فيجب أن يكون الحقَّ ضالةُ المؤمن، وأن نعرف الرِّجَالَ بالحقِّ، لا أن نعرف الحق بالرجال، فكلٌّ يؤخذ من قوله ويُرَدُّ، ومذهبُ أهلِ السنَّة والجماعة إنما يُتَلَقَّى عن الصحابة والتابعين، ومَن بعدهم من الأئِمَّة المَرْضِيِّين، كالإمامِ مالكٍ والشافعيِّ وأحمدَ بنِ حنبل وغيرِهم من أئمَّةِ أهلِ السنَّة كالبخاريِّ ومسلمٍ وغيرِهما من أئمَّةِ الحديث. فهؤلاء هم الأصلُ في معرفةِ مذهبِ أهلِ السنَّة والجماعة في هذه المسائل التي اضطرب فيها النَّاسُ، كمسألة «الأسماء والصفات»، ومسألة «القدر»، ومسألة «الإيمان»، ومسألة «الصحابة»، فهذه هي المسائل الكبار التي افترقت فيها الأمة، والله تعالى حافظٌ دينَه. فلا بد أن يبقى لهذا الدِّين مَنْ يحفَظُه ويُجَلِّيه، ويبقى للسُنَّة مَنْ يُحيي ما اندَرَسَ منها، ويُزيح الغشاوة عنها، ويقمع البدع والمحدثات. ومن أعلام أولئك شيخُ الإسلام ابنُ تيميَّة، الذي أحيا اللهُ به كثيراً من السُّنَن التي أُمِيتَت، وقَمَعَ الله به بِدَعَ المبتدِعِين، ونفع الله به من جاء بعده ومن كان في عصره من المسلمين. ولا يزال المسلمون - ونحن منهم - يتفيئون ظلال هذه الجهود والدَّعَوات المباركة لسلفنا الصالح، فجزاهم الله عنَّا وعن المسلمين أحسن الجزاء، ونفعنا وإياكم بما علمنا، وثبتنا على دينه، إنه سميعُ الدُّعَاء. وصلّى الله وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم. * * *