أما الكتاب: ففي قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَة (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَة (٢٣)﴾ [القيامة]، فقوله سبحانه: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَة (٢٢)﴾ أي: بَهِيَّةٌ مشرِقَةٌ نَضِرَةٌ، ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَة (٢٣)﴾ يعني: تنظر إلى ربها، وهذا هو الصواب في تفسير هذه الآية (١)، وهذه الآية أصرحُ آيةٍ استدل بها أهلُ السنة على إثبات الرؤية.
ومن الأدلة على ذلك أيضاً قوله تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُون (١٥)﴾ [المطففين]، ففي هذه الآية توعَّدَ اللهُ الكفَّارَ بأنَّهم محجُوبُون عن ربِّهم لا يرونَه، فدلَّ ذلك على أنَّ المسلمين على خلاف ذلك، وأنَّهم يرونه وهو راضٍ عنهم، ولهذا قال سبحانه بعد هذه الآية: ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيم (٢٢) عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُون (٢٣)﴾ [المطففين]، قيل: ينظرون إلى ربهم (٢)، ونظرهم إلى ربهم داخلٌ في هذه الآية على كل تقديرٍ، سواءٌ قيل: إنَّ الآية خاصةٌ بهذا النَّظر، أو شاملةٌ لكلِّ ما يَنْظُرُونَ إليه.
فقوله تعالى: ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيم (٢٢) عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُون (٢٣) تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيم (٢٤)﴾ [المطففين]، هذه الآية تضمنت ذِكْرَ نضارةِ وجوه الأبرار، ونظرِهم بأبصارهم إلى ربهم، فأشبهت هذه الآيةُ قولَه تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَة (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَة (٢٣)﴾ [القيامة].
ومن الآيات الدالة على إثبات الرؤية قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]، وقوله تعالى: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاؤُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيد (٣٥)﴾ [ق]، قد
стр. 72
فسَّر النبيُّ ﷺ وأصحابُه ﵃ والتابعون «الزيادة» (١) و «المزيد» (٢) في هاتين الآيتين ب: النظر إلى وجهه الكريم .
وأما السنّة: فالأدلة الدالة على ذلك كثيرةٌ شهيرةٌ (٣)، ولهذا قيل: إن السنة متواترة في الدلالة على رؤية المؤمنين لربهم (٤).
стр. 73
ومن ذلك ما ثبت في الصحيحين من حديث جَرِير بن عبد الله ﵁ قال: كنا جُلُوساً عِنْدَ النبيِّ ﷺ إِذْ نَظَرَ إلى الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ فقال: «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كما تَرَوْنَ هذا الْقَمَرَ لا تُضَامُونَ (١) في رُؤْيَتِهِ … » (٢).
وفي الصحيحين أيضاً من حديث أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قال: قال أُنَاسٌ: يا رَسُولَ اللهِ، هل نَرَى رَبَّنَا يومَ الْقِيَامَةِ؟ فقال ﷺ : «هل تُضَارُّونَ في الشَّمْسِ ليس دُونَهَا سَحَابٌ؟»، قالوا: لا يا رَسُولَ اللهِ، قال: «هل تُضَارُّونَ (١) في الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ ليس دُونَهُ سَحَابٌ؟»، قالوا: لا يا رَسُولَ الله، قال: «فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَهُ يوم الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ» (٣).
стр. 74
فقوله ﷺ : «إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر وكما ترون الشمس صحواً ليس دونهما سحاب» في هذا تشبيهٌ للرؤية بالرؤية، لا تشبيهُ المرئي بالمرئي.
فالمُشَبَّه: هو رؤية المؤمنين لربهم، والمُشَبَّه به: هو رؤيتهم للشمس والقمر، وذلك أنهم يرونه بأبصارهم من غير إحاطة، ويرونه رؤيةً جَلِيَّةً لا خَفاءَ فيها، ويرونه أيضاً في جهة العلو.
فهذا هو وجه الشبه بين المُشبَّه والمُشَبَّه به، فوجه الشبه بين رؤية المؤمنين لربهم وبين رؤيتهم للشمس والقمر إنما هو من هذه الوجوه، من كونها رؤيةً بصريَّةً واضحةً، ومن غير إحاطةٍ، وفي جهة العلو.
فأهل السنة والجماعة يؤمنون بأن الله يُرى بالأبصار حقيقةً، وأن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة عَيَاناً بأبصارهم.
وخالف في ذلك الجهمية والمعتزلة، فقالوا: إنَّه تعالى لا يُرى بالأبصار، وحرّفوا كلام الله وكلام رسوله ﷺ ، وفسّروا الآيات والأحاديث بخلاف ما تدل عليه، واستدلوا على مذهبهم الباطل بقوله تعالى: ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ﴾ [الأنعام: ١٠٣]، وقولِه لموسى ﵇ لما قال له: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣]، وقد بيَّن أهل العلم بطلان هذا الاستدلال، وبيَّنُوا أنَّ هاتين الآيتين حجَّة عليهم لا لهم؛ لأنَّ قوله تعالى: ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ هو نفيٌ للإدراك الذي هو الإحاطة، فهو سبحانه لا تحيط به الأبصار، فليس في هذا نفيٌ للرؤية مطلقاً، بل هو نفيٌ للرؤية التي تكون
стр. 75
معها الإحاطة، ولو كان لا يُرى لما صحَّ نفيُ الإدراك، فلا يصح أن يقال حينئذٍ: ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾، بل يُقال: (لا تَرَاهُ الأَبْصَارُ)، فلما نفى إدراك الأبصار له دلَّ على أنه يُرى لكن من غير إحاطة، فالأبصار لا تحيط به سبحانه؛ لكمال عظمته .
وهكذا قوله تعالى: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ فقد زعم المستدلون بهذه الآية على نفي الرؤية بناء على أنَّ «لن» تدل على التأبيد، يعني: لن تراني أبداً.
وقد ردَّ المحقِّقُون من أهل اللُّغَة القول بأنَّ «لن» تفيد التأبيد، كما قال ابن مالك في «الكافية»:
وَمَنْ يَرَى النَّفْيَ بِ «لَنْ» مُؤبَّدَا … فَقَولَهُ ارْدُدْ وَخِلَافَهُ اعْضُدَا (١)
فالصحيح أنَّ «لن» تكون للتأبيد ولغير التأبيد، ومما يدل على ذلك قوله في اليهود: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ﴾ يعني: الموت ﴿أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة: ٩٥]، فاجتمع في هذه الآية «لن» مع ذكر التأبيد، وقد أخبر أن أهل النار يتمنون الموت كما قال سبحانه: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَّاكِثُون (٧٧)﴾ [الزخرف]، فعُلم أن النفي في آية البقرة - وهو نفي تمنيهم الموت - إنما هو في الدنيا، بدليل تمنيهم الموت في الآخرة بعد دخولهم النار كما في آية الزخرف.
وأيضاً فإنه تعالى لو كان لا يُرى أبداً لم يقل لموسى ﵇: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾، ولقال له: (إني لا أُرى)، وفرقٌ بين اللَّفظين، فإنَّ قوله: ﴿لَنْ
стр. 76
تَرَانِي﴾ يُفهم منه أنه تعالى يُرى ولكنَّ موسى لن يراه في ذلك الوقت الذي طلب فيه الرؤية.
وقد أطال العلماءُ في ردِّ الاستدلالِ بهذه الآية على نفي الرؤية، وفصَّلوا القول في إبطال ذلك من وجوهٍ كثيرةٍ مأخوذةٍ من الآية نفسها، ومن هؤلاء العلماء العلامةُ ابنُ القيِّم ﵀ في كتابه «حادي الأرواح» (١)، فقد فصَّل القولَ في هذه المسألة، وأبطل الاستدلال بهذه الآية على نفي الرؤية من سبعة أوجهٍ.
ومن أقوال أهل البدع المنحرفة في مسألة «الرؤية» قول الأشاعرة، فإنهم يقولون: إنَّه تعالى يُرى لكن لا في جهة، يعني: لا يُرى من فوق، ولا عن يمين، ولا عن شمال، ولا من أسفل، وهذا دارجٌ على طريقتهم في التلفيق في باب الصفات، كما صنعوا في إثبات الصفات فأثبتوا بعضها ونفوا أكثرها، ومثل ذلك قولهم في صفة الكلام فإنهم أثبتوا الكلام النفسي، ونفوا الكلام المسموع، وهكذا قولهم في «الرؤية» ملفَّقٌ من مذهب أهل السنة، ومن مذهب المعتزلة، بل حقيقة قولهم في الرؤية يؤول إلى نفي الرؤية، فإنَّ الرؤية في غير جهةٍ غيرُ معقولة (٢)؛ لأنَّه لا بد أن يكون المرئيُّ في جهةٍ من الرائي، ولذا أهلُ السنة والجماعة يقولون: إن الله تعالى يُرى في العلو.
стр. 77
و منشأ قول الأشاعرة من أنه تعالى يُرى لا في جهةٍ هو أنهم ينفون صفة «العلو» لله ، فهم ينفون علو الله على خلقه، فالله عندهم في كل مكان، ولا يوصف بأنه فوق المخلوقات بمعنى: أنه فوقهم بذاته، لكن إذا قالوا: بأن الله فوق المخلوقات فيعنون بذلك الفوقية المعنوية، وهي فوقية القَدْر.
فمذهب أهل السنة والجماعة حقٌّ خالصٌ، ومذهب الجهميَّة والمعتزلة باطلٌ ليس فيه من الحقِّ شيءٌ، ومذهب الأشاعرة فيه حقٌّ وباطلٌ، فقولهم: (إنه يُرى بالأبصار) حقٌّ، وقولهم: (لا في جهة) باطلٌ.
فالمهم أنَّ الناظمَ ﵀ أجاب بهذا الجوابِ المختَصَرِ: «رُؤيَتُهُ لِمَنْ هُوَ مُهْتَدِي»، وهذا الجواب جوابٌ مجمَلٌ لا تفصيل فيه، فلا يمكن من خلاله تحديد مذهب الناظم، هل هو جارٍ على مذهب أهل السنة من أنَّه تعالى يُرى بالأبصار، وأن المؤمنين يرون ربهم من فوقهم، أو أنَّه جارٍ على طريقة الأشاعرة من أنه تعالى يُرى لكن في غير جهة؟.
فالجزم بهذا أو ذاك يحتاج إلى الرجوع إلى ما يوجد من كلامه في هذه المسألة في غير هذا الموضع (١).
стр. 78
ومن المسائل المتعلقة بالرؤية: أنَّ المؤمنين يتفاوتون في رؤيتهم لربهم ، فليسوا هم على درجةٍ واحدةٍ في ذلك، وقد جاء ما يدل على هذا، وهذا هو موجَب حكمةِ الربِّ وفضلِهِ في جزاء أوليائِهِ، فلا يُسَاوَى مَنْ يكون في أدنى درجات الجنَّةِ بمَن هو في أعلى درجاتها من الأنبياء والصدِّيقين والكُمَّل من أتباع الرسل، بل بينهم تفاضل في ذلك، فكما أنهم متفاضلون في الدرجات فكذلك هم متفاضلون في نظرهم إلى ربهم.
وقد جاء ما يدل على أنَّ أهلَ الجنة لهم موعدٌ في الآخرة يرون فيه ربهم، وهو يقابل يوم الجمعة في الدنيا، وأن ذلك اليوم يسمى: «يوم المزيد»، وأما أهلُ الدرجاتِ العُلَى - الأنبياءُ والصدِّيقُون - فقد جاء في الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ عن النبي ﷺ قال: «جَنَّتَانِ من فِضَّةٍ آنِيَتُهُمَا وما فِيهِمَا، وَجَنَّتَانِ من ذَهَبٍ آنِيَتُهُمَا وما فِيهِمَا، وما بين الْقَوْمِ وَبَيْنَ أَنْ يَنْظُرُوا إلى رَبِّهِمْ إلا رِدَاءُ الْكِبْرِيَاءِ على وَجْهِهِ في جَنَّةِ عَدْنٍ» (١).
ومن المسائل أيضاً: رؤية النبي ﷺ لربه ليلة المعراج، والخلاف في هذه المسألة مشهورٌ بين أهل السنة (٢)، والصحيح في المسألة أنه ﷺ لم ير ربه بعينَي رأسه (٣).
стр. 79
قال الناظمُ ﵀:
٢٣ - قَالُوا: فَهَلْ لله عِلْمٌ؟ قُلْتُ: مَا … مِنْ عَالِمٍ إِلَّا بِعِلْمٍ مُرْتَدِ
قوله: «قَالُوا: فَهَلْ لله عِلْمٌ؟» يعني: هل يوصف الله بالعلم؟ فهل يُقال: عِلْمُ الله، كما يقال: حياتُه وسمعُه وبصرُه؟.
فأجاب الناظم ﵀ بقوله: «قُلْتُ: مَا مِنْ عَالِمٍ إِلَّا بِعِلْمٍ مُرْتَدِ» يعني: كلُّ مَنْ قيل عنه: إنَّه «عالِمٌ» فلا بد أن يكون العِلْمُ صفةً له، خلافاً للمعتزلة الذين يقولون: عليمٌ بلا علمٍ، سميعٌ بلا سمعٍ، بصيرٌ بلا بصرٍ، وهذا بناءً على أصلهم الفاسد في إثبات الأسماء ونفي الصفات، فلما كان أصلُ مذهبهم نفي صفات الباري وإثبات الأسماء أثبتوا الأسماء ونفوا ما تدل عليه من المعاني.
ففي هذا البيت رَدٌّ لمذهبِ المعتزلة، وتحقيقٌ للمذهب الحق في أن أسماءه تعالى متضمنةٌ للصفات، فكلُّ اسمٍ متضمِنٌ لصفةٍ، فكل اسمٍ من أسماء الله يدل على ذات الله وعلى صفته بالمطابقة، وعلى أحدهما بالتضمُّن، وعلى ما يستلزمه هذا الوصف بطريق اللزوم (١).
стр. 80
فاسمه «العليم» مثلاً يدل على ذات الله، وعلى صفة العلم بالمطابقة، وعلى أحدهما بالتضمن، ويدل على صفة «الحياة» بطريق اللزوم؛ لأنَّ العلمَ مستلزم للحياة.
وعلى هذا فتكون أسماء الله مترادفةً في دلالتها على الذات، فتقول: «العليم» هو العزيز، وهو الحكيم، وهو القدير؛ لأنَّ المسمَّى بها واحدٌ.
ومتباينةً في دلالتها على الصفات، فيصح أن تقول: العليمُ غير الحكيم، والعزيزُ غير القدير، والسميعُ غير البصير، وذلك بالنظر إلى اختلاف معاني هذه الأسماء.
وقوله: «مَا مِنْ عَالِمٍ إِلَّا بِعِلْمٍ مُرْتَدِ» «مُرْتَدِ» كأنَّه أخذها من الرِّدَاء، أي: متصِفٌ بالعلمِ، فالعلمُ صفةٌ قائِمَةٌ بالله ، فلا يُعقَل أن يوجد عالِمٌ بلا علمٍ، فكل مَنْ وُصِف بأنه عالِمٌ أو عليمٌ فلا بد وأن يكون العلمُ صفةً له قائمة به.
وبهذا يُعلم أن أسماء الله ليست أعلاماً محضةً، كما هو مقتضى قول المعتزلة من أن أسماء الله أعلامٌ محضةٌ لا تدل على معانٍ، بل الصحيح أنها أعلامٌ وصفاتٌ، ف «الرحمن» عَلَمٌ على الرَّبِّ، وهو أيضاً صفةٌ له .
стр. 81
ونظير هذا أسماء الرسول ﷺ فإنها أعلامٌ وصفاتٌ، فاسمه ﷺ «محمَّد» ليس كاسم «محمَّد» من سائر الناس، فأسماء الناس هي أعلامٌ فقط، لا تدل على صفة، أما اسم الرسول ﷺ «محمَّد» فإنَّه عَلَمٌ على شخصه ﷺ ، ودالٌّ على كثرة محامِدِه وكثرة ما يُحمد، ف «محمَّد» اسمٌ مفعولٌ من حُمِّد، وهكذا اسمه «أحمد» هو أفعل تفضيل من الحمد، فهو ﷺ أحمدُ من غيره؛ أي: أكثر حمداً لله من غيره، وأكثر من غيره حَمْداً، يعني: حَظُّهُ من حَمْدِ النَّاس له أكثر من غيرِهِ.
فاسمه «أحمد» قيل: إنَّه مشتقٌّ من حُمِد، وقيل: مشتقٌّ من حَمِد، وكلا المعنيين صحيحٌ في حقِّه ﷺ (١).
وهكذا أسماؤه الأخرى كلُّها تدلُّ على معانٍ: البشيرُ النذيرُ، السراجُ المنيرُ، وغيرها من الأسماء، وقد ثبت في الصحيح أنه ﷺ قال: «إِنَّ لي أَسْمَاءً أنا مُحَمَّدٌ، وأنا أَحْمَدُ، وأنا الْمَاحِي الذي يَمْحُو الله بِيَ الْكُفْرَ، وأنا الْحَاشِرُ الذي يُحْشَرُ الناس على قَدَمِي، وأنا الْعَاقِبُ الذي ليس بَعْدَهُ أَحَدٌ» (٢)، وهذا يدل على أنَّ أسماءه ﷺ هي أعلامٌ وصفاتٌ أيضاً.
وكذلك أسماءُ الرَّب ليس شيءٌ منها عَلَماً محضاً لا يدل على معنى، بل هي أعلامٌ وصفاتٌ، حتى اسمه «الله» الذي هو أخص أسمائه به ، هو عَلَمٌ وصفةٌ، والتحقيق أن هذا الاسم مشتقٌّ
стр. 82
وليس بجامد، ف «الله» أصلها «الإله»، قيل: حُذفت الهمزةُ، وأُدغِمَت اللام في اللام مع التفخيم فصار «الله»، فهو يدل على الألوهية، فالله ذو الألوهية والعبودية على خلقه أجمعين، كما قال ابنُ عبَّاسٍ ﵁ (١).
وهذا الجواب من الناظم ﵀ يتبين منه أنه يُثبت الاسم والصفة، فهو سبحانه عليمٌ بعلمٍ، وقد أحسن في هذا ﵀ وأصاب الصواب فجزاه الله خيراً.
قال الناظمُ ﵀:
٢٤ - قَالُوا: تَصِفْهُ بِأَنَّه مُتَكَلِّمٌ؟ … قُلتُ: السُّكُوتُ نَقِيْصَةٌ بِالسيِّدِ
يقول الناظم ﵀: «قَالُوا: تَصِفْهُ» بسكون الفاء لضرورة الوزن، وإلا فالأصل أنه مرفوعٌ؛ لأنه فعلٌ مضارعٌ تجرَّد من النَّاصِب والجَازِم، ووقع في «المنتَظَم»: «قَالُوا: فَيُوصَفُ أَنَّه مُتَكَلِّمٌ؟».
هذا هو السؤال؛ أي: هل الله متكلِّمٌ؟ وهل هو موصوفٌ بالكلام؟
فأجاب الناظم ﵀ عن هذا السؤال بقوله: «قُلتُ: السُّكُوتُ نَقِيْصَةٌ بِالسيِّدِ»، ويفهم من هذا الجواب أنَّ الله متكلِّمٌ، خلافاً للجهمية والمعتزلة القائلين بأنَّه تعالى غيرُ متكلِّم، ولا يقوم به الكلام، بل لا تقوم به أيُّ صفةٍ من الصفات - تعالى الله عن قول الظالمين والجاهلين والمفترين علواً كبيراً - ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيم (١٦)﴾ [النور].
стр. 83
فعدم القدرة على الكلام نَقِيصَةٌ وأيُّ نَقِيصَة، والله قد احتجَّ على بني إسرائيل وبَيَّنَ لهم بطلان إِلهيَّة العِجْل بأنَّه لا يتكلَّم، والذي لا يتكلم يكون ناقصاً، والناقص لا يصلح أن يكون إلهاً، كما قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِين (١٤٨)﴾ [الأعراف]، وقال في الآية الأخرى: ﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِي (٨٨) أَفَلَا يَرَوْنَ أَلاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا (٨٩)﴾ [طه]، فالكلام ضده الخَرَس، والخَرَس عيبٌ وأيُّ عيبٍ، فالجهمية عطَّلُوه سبحانه عن صفات الكمال، ومنها الكلام.
وتعبير الناظم ﵀ ب «السكوت» هنا إما أن يكون أراد به الخَرَس، لكنه لجأ إلى التعبير بالسُّكُوت لأجل النظم، إذ لم يسعفه التعبير بالخَرَس، وإما أن يكون ممن يذهب إلى أن الله تعالى لا يوصف بالسكوت.
وثَمَّةَ فَرْقٌ بين الخَرَسِ والسكوت، ف «الخَرَس» هو العَجْزُ وعدمُ القدرة على التكَلُّم، فالأخرس كالأبكم، وأمَّا «السكوت» فهو ترك الكلام ممن هو قادرٌ عليه، فالقادر على الكلام يتكلَّم إذا شاء ويَسْكُت إذا شاء.
فالسكوتُ ذاتُه ليس عيباً على الإطلاق، وإنما العيب سكوت الأخرس وعدم تكلمه، فإذا كان السكوت بسبب العجز عن الكلام فهو عيب ونقص بلا ريب، وأما إذا كان السكوت عن اختيار ومشيئة فهذا لا يُعَدُّ عيباً ولا نقصاً.
فكان الأجدر بالناظم أن يُعَبِّرَ بغير السكوت، ولكن لا ريب أن مقصوده ب «السكوت» السكوتُ عن عَجْزٍ لا عن مشيئةٍ واختيارٍ.
стр. 84
قوله: «نَقِيصَةٌ» أي: خَصْلَةٌ ذَمِيمَةٌ، فالعجز عن الكلام يعدُّ نقصاً في المخلوق فكيف بالخالق؟
فإذا كان الكلام صفة كمال في المخلوق، فالله تعالى أولى وأحرى أن يكون متكلِّماً.
وقوله: «بالسَّيِّدِ» «السَّيِّدُ»: هو الله ، وهو اسمٌ من أسمائِه سبحانه (١).
هذا، وقد اختلفَ النَّاسُ في كلامِ الله :
فذهبت الجهمية والمعتزلة إلى نفي الكلام عن الله تعالى كسائر الصفات.
وذهبت الكُلَّابية والأشاعرة إلى أنَّ كلامَ الله معنى واحدٌ نفسيٌّ، أو هو أربعة معاني، لكن كلامه ليس بحرفٍ ولا صوتٍ، فكلامه لا يُسْمَع منه، بل هو أمرٌ معنويٌّ، قائمٌ بنفسِه.
فالأشاعرة يقولون: كلام الله هو معنى نفسيٌّ واحِدٌ قديمٌ.
فقولهم: «هو معنى نفسيٌّ»: يعني ليس بحرفٍ ولا صوتٍ.
وقولهم: «واحدٌ»: يعني ليس فيه تَعَدُّد.
стр. 85
وقولهم: «قديْمٌ»: يعني ليس بمشيئته ، بل هو لازمٌ لذاته كحياته.
وفي المسألة مذاهب أخرى، وكل هذه المذاهب الكلامية فيها حقٌّ وباطلٌ، والمذهبُ الحقُّ الخالصُ من الباطلِ هو مذهب أهل السنة والجماعة، فحقيقة مذهبهم أنَّ الله تعالى لم يزل يتكلَّم إذا شاء بما شاء كيف شاء، ف كلامه قديمُ النَّوع حادِثُ الآحاد، فالله سبحانه نادى الأبوين آدم وحواء (١)، ونادى كليمه موسى ﵇ (٢)، ونادى خاتم رسله وخيرة خلقه نبينا محمد ﷺ (٣)، وهو سبحانه ينادي ملائكته أو من شاء من ملائكته (٤)، وأخبر سبحانه أنه ينادي المشركين مُوبِّخاً لهم يوم القيامة، فقال
стр. 86
تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُون (٦٢)﴾ [القصص: ٦٢ و ٧٤]، وقال: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِين (٦٥)﴾ [القصص].
فأهل السنة عندهم أنَّ كلام الله صفةٌ قائمةٌ به، تابعةٌ لمشيئته، فهي صفةٌ ذاتِيَّةٌ فعليَّةٌ، وأنَّه سبحانه يتكلَّم بصوتٍ يسمعُه مَنْ شاء ، فموسى كلَّمَه ربُّه فسَمِعَ كلامَ ربِّه منه إليه بلا واسطة، ولكن من وراء حجاب، وليس كلام الله ككلام البشر أو أحدٍ من الخلق، كسائر صفاته ، وهذا مذهبُ أهلِ السُنَّة والجَمَاعَة في صفة كلام الله .
وإذا كان الله يتكَلَّم إذا شاء كيف شاء، فهذا يقتضي أنَّه سبحانه يتكلَّم إذا شاء ولا يتكلَّم إذا شاء، وهذا هو السكوت، وم ما ورد في نسبة «السكوت» إلى الله قولُ النبيِّ ﷺ : «إنَّ الله فَرَضَ فرائضَ فلا تضيِّعُوها، وحَدَّ حدوداً فلا تَعْتَدُوها، وسَكَتَ عن أشياء رحمةً بكم غير نِسيَان فلا تسألوا عنها» (١).
стр. 87
قال الناظمُ ﵀:
٢٥ - قَالُوا: فَمَا القُرْآنُ؟ قُلتُ: كَلَامُهُ … لَا رَيْبَ فِيهِ عِنْدَ كُلِّ مُوَحِّدِ
يقول الناظم ﵀: «قَالُوا: فَمَا القُرْآنُ؟» يعني: ما الذي تعتقده في القرآن؟، وهذا السؤال أخصَّ من السؤال السابق.
فأجاب ﵀ بقوله: «قُلتُ: كَلَامُهُ» أي: إنَّ القرآنَ كلامُ الله، وهذا كلامٌ سديدٌ وجيِّدٌ، لكنَّه لا يظهرُ به مذهبُ أهل السنة والجماعة بشكلٍ واضحٍ مع تعدُّدِ المذاهب في كلام الله ، فغاية ما في هذا الجواب أنَّه يتضمَّن الرَدَّ على الجهمية والمعتزلة الذين يقولون: (القرآنَ مخلوقٌ)، وأما أهل السنة والجماعة فيقولون: (القرآنَ كلام الله، مُنَزَّلٌ غيرُ مخلوقٍ).
فجوابُ الناظم هنا مقتضبٌ وفيه إجمالٌ، وكثيرٌ من أجوبته في هذه القصيدة مقتَضَبَةٌ وموجَزَةٌ ومجمَلَةٌ لا يتضح بها مذهبُه على وجهِ التحديد.
فقوله: «قُلتُ: كَلَامُهُ» هذا حقٌّ، فالقرآن كلام الله، لكنه في الحقيقة جوابٌ مجملٌ من غير تفصيل، فكل الطوائف يقولون: (القرآن كلام الله)، لكنهم عند التفصيل لكل واحدٍ من تلك الطوائف مذهبٌ.
стр. 88
فالجهمية والمعتزلة يقولون: القرآن كلام الله، لكن إضافته إلى الله - عندهم - من إضافة المخلوق إلى خالقه، لا من إضافة الصفة إلى الموصوف.
وأما الأشاعرة والكلَّابية فيقولون: القرآن كلام الله، لكنَّ كلامَ الله هو معنًى نفسي، فيقولون: إن هذا القرآن المكتوب هو عبارةٌ عن كلامِ الله، فكلام الله - عندهم - هو المعنى القائم بذات الرب ، فهو عبارةٌ أو حكايةٌ عن كلام الله، فتسميتهم للقرآن بأنه كلام الله هو على جهة المجاز، فكلام الله حقيقة هو المعنى النفسي، وهذا القرآن المسموع المتلو المكتوب هو كلام الله؛ لأنَّه عبارة عن هذا المعنى النفسي.
ومن طوائف المتكلِّمين أيضاً: السالِمِيَّة، ومذهبهم في كلام الله أنَّه حروفٌ وأصواتٌ لكنَّها كلَّها قديمةٌ لا يتقدَّم بعضُها على بعضٍ، فليست الباءُ قبل السينِ، ولا السينُ قبل الميمِ في «البسملة»، ولذلك يُعرَفُون ب «الاقترانية».
ومعنى هذا: أنَّ الله لم يزل متكلِّمَاً بكلِّ كلامٍ يُضاف إليه، فلم يزل قائلاً: يا موسى، أو يا آدم، وهذا ظاهرُ الفسادِ عقلاً وشرعاً.
فظهر بهذا أنَّه لا يمكن أن يتبيَّن مذهب الشخص إلا بالتفصيل.
فمن عُرِف بالسُّنَّة المحْضَةِ حُمِلَ كلامُه المجْمَل على ما هو معروفٌ من مذهبه.
ومن عُرِفَ بالبدعة حُمِلَ كلامُه على ما هو معروفٌ من مذهبه.
стр. 89
وأما من لم يعرف مذهبه على وجه التحديد فيصبح كلامه مجملاً يحتاج إلى بيان، وذلك بالنظر في سائر كلامه، أو بالنظر في مواضع أخرى له يمكن أن يُعرَف من خلالها حقيقةُ مذهبِهِ، ومن أيِّ الطوائِفِ هو في هذه المسألة.
وقوله: «لَا رَيْبَ فِيهِ عِنْدَ كُلِّ مُوَحِّدِ» أي: إنَّ كلَّ من يؤمن بالله وكتابِه فعنده أنَّ القرآنَ كلامُ الله لا شك في ذلك ولا ريب فيه.
وهذا الكلام فيه من الإجمال ما فيه، وغايته أنَّ كلَّ واحدٍ يقول: (القرآنُ كلامُ الله) لكن على أيِّ وجهٍ؟
ووقع عند ابن الجوزي في «المنتَظَم» مكان الشطر الثاني: «مِنْ غَيرِ مَا حَدَثٍ وَغَيرِ تَجَدُّدِ»، وهذا التعبير أوضح وأصرح، ففيه أنَّ الناظم يقول: إنَّ القرآنَ كلامُ الله، وإنَّه قديمٌ، فالشطر الثاني فيه تتمَّةٌ للجواب، فكلام الله قديمٌ عنده، فالقرآن بهذا قديمٌ.
وهذا يتفق مع ما أطلقه فيما مضى من أنَّ صفاتَ الله كذاتِه قديمةٌ لم تَتَجَدَّد، وقد سبق بيان ذلك، وتقدم أيضاً مناقشةُ الناظم في حكمه على جميع الصفات بالقِدَم، وهذا الإطلاق يقتضي أنَّ الناظم يقولُ بقِدَمِ كلامِ الله؛ يعني: أنَّ كلامَ الله قديمٌ، فالقرآن أيضاً قديمٌ.
فاللفظ الذي ورد عند ابن الجوزي يتفق مع ما ذكره الناظم في سائر الصفات من أنها قديمة غير متجدِّدَة، وهذا هو مذهب الأشاعرة من أن كلام الله معنى نفسي واحدٌ قديمٌ.
стр. 90
ومعنى «قديم» أي: إنَّه لا أوَّلَ له، ولا تتعلقُ به المشيئةُ، وهذا باطلٌ، بل كلامُ الله بمشيئتِه، فهو سبحانه يتكلَّم إذا شاء بما شاء كيف شاء، ولكنَّه لم يزل متكلِّماً إذا شاء.
والكُلابيةُ والأشاعرةُ والسالميَّةُ كلُّهم يقولون بِقِدَمِ الكلام، يعني: أنَّ كلامَ الله قديمٌ؛ أي: ليس بمشيئتِه سبحانه، بل هو قائِمٌ به كحياتِه وعلمِه.
والصواب ما عليه أهل السنة والجماعة وهو موجَب العقل والسمع، فالكمال هو أن يتكلَّم القادرُ إذا شاء ويترك الكلام إذا شاء، فكلامه بمشيئته.
قال الناظمُ ﵀:
٢٦ - قَالُوا: الذي نَتْلُوهُ؟ قُلتُ: كَلَامُهُ … لا رَيْبَ فِيهِ عِنْدَ كُلِّ مُوَحِّدِ
هذا السؤال أورده الناظم ﵀ عن هذا «القرآن» الذي نتلوه بألسنتنا، ونكتبه في مصاحفنا، ونسمعه بآذاننا، ونحفظه في صدورنا.
ويظهر من هذا السؤال أنَّه تكرارٌ لقوله في البيت السابق: «قَالُوا: فَمَا القُرْآنُ؟ قُلْتُ: كَلَامُهُ»، إلا أنَّه قيَّده في هذا البيت ب «التلاوة» فقال: «قَالُوا: الذي نَتْلُوهُ؟» يعني: ما تقول في هذا الكلام الذي نتلوه؟ أهو كلام الله؟ أم هو كلام البشر تعبيراً عن كلام الله؟
فأجاب ﵀ عن هذا السؤال بقوله: «قُلتُ: كَلَامُهُ» أي: أنَّ هذا الذي نتلوه بألسنتنا هو كلامُ الله حَقاً، ولا ريب أنَّ القرآنَ كلامُ الله سواءً كان متلوّاً بالأَلْسُن، أو مكتوباً في المصاحف، أو محفوظاً في الصدور،
стр. 91
كل ذلك لا يخرجه عن كونه كلام الله، فهو كلام الله كيفما تصرَّفَ، وهذا ما عليه أهل السنة والجماعة.
ولكن إذا نظرنا إلى قول الناظم ﵀ في البيت السابق: «منْ غَيرِ مَا حَدَثٍ وَغَيرِ تَجَدُّدِ»، فإن كلامه هذا يقتضي أنه يذهب مذهب مَنْ يقول بقِدَم كلام الله، وعلى هذا فقوله هنا في الذي نتلوه إنه كلام الله هو على سبيل المجاز؛ لأنَّ هذا الذي نتلوه هو عبارةٌ عن المعنى النفسي القائم بالرَّب .
وعلى هذا فالألفاظُ التي نتلوها مخلوقةٌ عُبِّر بها عن المعنى القائم بالرَّب .
فظهر من هذا أن مذهب الأشاعرة في هذا القرآن الذي نتلوه لا يختلف عن مذهب الجهمية والمعتزلة وقولِهم: إنه مخلوقٌ.
فعند الأشاعرة أنَّ كلامَ الله يُطلق حقيقةً على ذلك المعنى النفسي القائم بالرب تعالى، ويُطلق مجازاً على هذا الكلام الذي نتلوه ونسمعه ونكتبه.
وأما الجهمية والمعتزلة فعندهم أن هذا الكلام الذي هو القرآن المكتوبُ في المصاحفِ والمتلُوُّ بالألسُنِ مخلوقٌ، ولم يَقُمْ بذاتِ الرَّبِّ شيءٌ منه لا معنى ولا لفظ.
وقول الناظم ﵀: «قُلتُ: كَلَامُهُ، لا رَيْبَ فِيهِ عِنْدَ كُلِّ مُوَحِّدِ»، يؤكد أن القول بأن ما نتلوه هو كلامُ الله مما هو متَّفَقٌ عليه بين كلِّ الموحِّدين؛ أي: كلِّ المسلمين، فليس عندهم شكٌّ في ذلك ولا ريب.
стр. 92
ووقع في نسخةٍ: «عندَ كُلِّ مُسَدَّدِ» أي: لا ريب في ذلك عند كلِّ مسدَّدٍ وموفَّقٍ لمعرفةِ الحقِّ واعتقادِه.
ولا يخفى أنَّ كلامَ النَّاظِم ﵀ في هذا البيت لا يتضمن تحريرَ مذهبِه بوضوح، لكن قد تقدَّم معنا من مجموع كلامه في أول النظم وآخره ما يقتضي أنه يذهب في «القرآن» مذهب الأشاعرة لقوله في البيت السابق: «منْ غَيرِ مَا حَدَثٍ وَغَيرِ تَجَدُّدِ».
ويحتمل أنه يذهب في «كلام الله» مذهب الاقترانية السالمية القائلين بأنَّ «القرآن» حروفٌ وأصواتٌ قديمةٌ في الأزل، وهو قولٌ مبتدَعٌ مخالفٌ لمذهب أهل السنة، مناقضٌ للعقل والشرع، واحتمال أن الناظم يذهب في «كلام الله» مذهب الأشاعرة أقرب.
وأما إطلاقه على القرآن أو الذي نتلوه أنه كلام الله، فقد تقدَّم معنا أن إطلاق اسم «كلام الله» على القرآن أو على الذي نتلوه قدرٌ مشتَرَكٌ بين الطوائِفِ، لكنَّ أهلَ السُّنَّةِ والجماعة يقولون: إنَّ القرآن الذي نتلوه ونكتُبُهُ هو كلامُ الله على الحقيقةِ، أما الأشاعرة فعندهم أنَّ إطلاق اسم «كلام الله» على الذي نتلوه هو من قبيل المجاز، وعند الجهمية والمعتزلة إضافته إلى الله هو كإضافة بعض المخلوقات إليه كما يقال: بيت الله، وناقة الله، فإضافة الكلام إلى الله عندهم من باب إضافة المخلوق إلى خالقه.
والواجب على المسلم أن يعتصم بما مضى عليه الصدر الأول، ومن تبعهم بإحسان قبل أن تفترق الأمة، وتتشعب بهم المذاهب والآراء المحدَثة، والله يهدي من يشاء إلى الصراط المستقيم.
стр. 93
قال الناظمُ ﵀:
٢٧ - قَالُوا: فَأَفْعَالُ العِبَادِ؟ فَقُلتُ: مَا … مِنْ خَالِقٍ غَير الإِلهِ الأَمْجَدِ
قوله ﵀: «قَالُوا: فَأَفْعَالُ العِبَادِ؟» يعني: ما تقول في أفعال العباد؟
ومسألة «أفعال العباد» من المسائل التي وقع فيها اختلاف بين الناس.
فالجبرية يقولون: إنَّ العبدَ لا فِعْلَ له أصلاً، فأفعاله - عندهم - كصفاتِه، كطوله ولونه وشكله، فهي أفعالٌ مخلوقةٌ لله، وليس للعبد فيها مشيئةٌ ولا اختيارٌ ولا قدرةٌ، بل هو مضطرٌ إليها، كحركة المرْتَعِش والنَّائِم، وحركة الرِّيشَة في مهبِّ الرِّيح.
فهذه طريقةُ الجَبْرِيَّة الَّذِين يقولون: إنَّ العبدَ مجبورٌ على أفعاله، ليس له فيها مشيئةٌ ولا اختيارٌ بل ولا قدرة، فأفعاله إنما هي حركاتٌ آليَّةٌ، مثل حركة الآلة التي هي جمادٌ ليس لها إرادةٌ ولا مشيئةٌ، وإنما تتحرك بحسب ترتيب من صَنَعَها.
فهؤلاء يقولون: إنَّ أفعال العباد مخلوقةٌ لله، وهذا حقٌّ، أما قولهم: إنها ليست أفعالاً للعبد حقيقة، وأنَّ إضافتَها ونسبتَها إليه نسبةٌ مجازيَّةٌ، وأنَّ العبدَ لا مشيئةَ له ولا اختيار، فهذا باطلٌ.
ويقابل الجبريةَ المعتزلةُ، فإنَّ المعتزلةَ ينفون القَدَرَ، فيُخْرِجُون أفعال العباد عن أن تكون بمشيئة الله وقدرتِه وخلْقِهِ، فأفعالُ العِبَادِ عندهم ليست واقعةً بمشيئةِ الله ولا بقدرتِه، ولا هي خَلْقٌ من مخلوقات الله، فيُخْرِجُون أفعال العباد عن مُلْكِ الله وعن خلقه.
стр. 94
فالمعتزلةُ «نفاةُ القَدَر» عندهم أنَّ أفعال العباد خارجةٌ عن مُلْكِ الله وقدرتِه ومشيئتِه، بل العبدُ عندهم هو الذي يخلُقُ فِعْلَ نفسِه بمشيئةٍ هو فيها مستَقِلٌّ عن مشيئَةِ الله، فالعبدُ يشاءُ ولو لم يشأ اللهُ.
وعلى مذهبهم الباطل فإنَّ الله لا يقدر على أن يجعل المطيع عاصياً، ولا العاصي مطيعاً، ولا الكافر مؤمناً، ولا المؤمن كافراً، فمذهبهم يتضمن تَعْجِيزَ الرَّب، وأنه غيرُ قادرٍ، وأنَّه يقع في ملكِه ما لا يريد، فهذان المذهبان على طرفي نقيض.
وأما الأشاعرةُ فالمشهور من مذهبهم أنَّ أفعالَ العِبَادِ مخلوقةٌ لله، كما يقول الجبرية، بل وكما يقول أهل السنة أيضاً؛ لأنَّ أهل السُّنَّة يقولون: هي مخلوقة لله، لكن الأشاعرة لا يقولون: إنها أفعال للعباد بل هي كسبٌ منهم، وهذا هو المراد ب «كَسْبِ الأَشْعَري» وهو أحدُ الثلاثةِ التي لا حقيقة لها - وهي: «كَسْبُ الأشعريِّ»، و «أحوالُ أبي هاشِمٍ»، و «طَفْرَةُ النَظَّامِ» (١).
فالأشاعرة يقولون: إنَّ (أفعال العباد مخلوقة لله)، وهذا كلامٌ طَيِّبٌ، و (كسبٌ من العِبَاد)، وهذا كلامٌ فيه من الإجمال ما فيه، وتفسير «الكَسْبِ» عندهم أنَّه وقوعُ الفعل مقارناً للقدرة الحادثة، فيكون العبد له قدرة، ولكنها قدرةٌ لا تأثيرَ لها في أفعالِه، بل غايةُ الأَمرِ أن تكون القدرةُ علامةً على الأفعال، كما هو مذهبهم في الأسباب، فالأسباب عندهم غير مؤثِّرَةٍ في مسبَّبَاتها، لكنَّها أماراتٌ، وهم بذلك يقتربون جِدّاً من مذهب الجبريَّة.
стр. 95
أما أهلُ السنَّة والجماعة فيقولون: إن أفعال العباد هي أفعالٌ لهم حقيقة، وهي واقعةٌ منهم بقدرتِهم ومشيئتِهم، وأنَّ مشيئة العباد تابعةٌ لمشيئةِ الله على حَدِّ قوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاؤُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاء اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِين (٢٩)﴾ [التكوير].
فالله تعالى خالقُ العباد وخالقُ قدرتِهم وخالقُ أفعالهم، فأفعال العباد هي أفعالهم حقيقة، ولكنَّها في الوقت نفسه هي مفعولةٌ، وفرقٌ بين الفعلِ والمفعولِ، فأفعالُ العبادِ هي مفعولةٌ لله؛ أي: مخلوقةٌ لله، لكنَّها ليست أفعالاً لله، فإنَّ الفعلَ بالمعنى المَصْدَرِي إنما يقوم بالفاعل، فالكلام - بالمعنى المَصْدَرِي - يقوم بالمتكَلِّم، والخَلْقُ يقوم بالخالِق، والضرب يقوم بالضارب، وهكذا.
والأصل في هذا أنَّ المصدر في اللغةِ العربيَّة كثيراً ما يطلق ويراد به اسم المفعول، مثل: الفعل والخلق والردّ، فهذه مصادر تطلق ويراد بها المفعول والمخلوق والمردود، فأنت تقول مثلاً: (هذا خَلْقُ الله) تشير بذلك إلى بعض المخلوقات كالسماوات والأرض وغيرهما، فقولك: (هذا خَلْقُ الله) يعني: مخلوقٌ لله، وتقول: الخلق من صفات الله، وهذا حقٌّ، فإن الخلق صفةٌ من صفات الله وفعلٌ من أفعاله القائمة به سبحانه.
فأفعالُ العبادِ هي أفعالٌ لهم قائمةٌ بهم، لكنَّها في نفسِ الوقتِ هي مفعولةٌ ومخلوقةٌ لله .
стр. 96
وبعد هذا نأتي إلى عبارة الناظم ﵀ فقوله: «فَقُلتُ: مَا مِنْ خَالِقٍ غَيرُ الإِلهِ الأَمْجَدِ» ف «غيرُ» خبرُ «خَالِق» فإنَّه مبتدأ دخلت عليه «مِنْ» الزائدة، فهو مجرورٌ في محلِّ رفعٍ.
وكلام الناظم هذا يتضمن أنَّ الله خالق أفعال العباد، وواضحٌ منه أنَّه يردُّ قولَ المعتزلة، ويقول: إنَّ أفعالَ العبادِ مخلوقةٌ لله، ليس هناك خالقٌ إلا الله، فالله خالق العباد، وهو خالق أفعالهم، إذاً أفعالُ العبادِ مخلوقةٌ لله.
وهذا القَدْرُ مشتَرَكٌ بين الجبريَّة والأشاعرة وأهل السنة - كما تقدم.
وبهذا لم يتضح مذهب الناظم على وجه التحديد، هل هو على مذهب الأشعري أو لا؟
نعم، مستبعدٌ أن يكون الناظم ممن يقول بقول الجهمية الجبرية القائلين بأن أفعال العباد مخلوقةٌ لله، وأنَّ العباد لا قدرة لهم على ذلك ولا مشيئة، لكن هل هو ممن يقول بمذهب أهل السنة، وهو أن أفعال العباد مخلوقة لله وهي أفعالٌ لهم حقيقة؟، أو يقول بمذهب الأشاعرة، وهو أن أفعال العباد مخلوقة لله وكسبٌ من العباد فلا تأثير لقدرتهم ومشيئتهم في أفعالهم؟ والاحتمال الثاني أقرب، وذلك بحسب ما ورد في النظم من المسائل التي عرض لها الناظم ﵀ وعفا عنَّا وعنه.
قال الناظمُ ﵀:
٢٨ - قَالُوا: فَهَلْ فِعْلُ القَبِيحِ مُرَادُه؟ … قُلتُ: الإِرَادَةُ كُلُّهَا لِلسَّيِّدِ
انتقل الناظم ﵀ هنا إلى مسألةٍ أخرى متصِلَةٍ بمسألةِ «أفعال العباد».
стр. 97
فقال ﵀: «قَالُوا: فَهَلْ فِعْلُ القَبِيحِ مُرَادُه؟» يعني: أنَّ أفعال العباد منها الحسن ومنها القبيح، ومنها الطاعات والأعمال الصالحات، ومنها الكفر والفسوق والعصيان، فهل إذا قلتَ: إنَّ أفعالَ العباد كلَّها مخلوقةٌ لله ، هل معنى هذا أنَّ الله يريد الكفر من الكافر والمعصية من العاصي؟
فالمعتزلة القائلون بأن أفعال العباد غير مخلوقة لله يوردون هذا الإيراد على مَنْ خالفهم بأنَّه يلزم من القول بأنَّ أفعالَ العبادِ مخلوقةٌ لله أنَّ يكون اللهُ مريداً للقبيح، فاعلاً له، فإنَّ أفعالَ العِبَادِ فيها الحَسَن والقبيح، والخير والشر.
فالناظم ﵀ يجيب عن هذا الإيراد بقوله: «قُلتُ: الإِرَادَةُ كُلُّهَا لِلسَّيِّدِ» أي: الإرادةُ كلُّها لله ، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، ولا يكون في مُلْكِهِ ما لا يريد، فالكفر و المعاصي الواقعةُ في الوجودِ هي واقعةٌ بمشيئةِ الله وحكمَتِهِ وبإرادَتِهِ الكونيَّة، فالخير والشر كلُّه بمشيئة الله وبإرادته الكونية، خلافاً للمعتزلة الذين يقولون: إن أفعال العباد غير مرادة لله، ويعترضون بأن ذلك يستلزم أن يكون الله مريداً للقبيح من أفعال العباد.
قال الناظمُ ﵀:
٢٩ - لَو لم يُرِدْهُ وَكَانَ كَانَ نَقِيصَةً (١) … سُبْحَانَه عَنْ أَنْ يُعَجِّزَهُ الرَّدِي
قوله ﵀: «لَو لم يُرِدْهُ وَكَانَ … »، هذا تتِمَّةٌ للجواب السابق، وكأنَّه يُبَرْهِنُ على جوابِه السابق فيذكر دليلاً عقليّاً على أنَّ إرادةَ الله ومشيئتَه
стр. 98
شاملةٌ لكلِّ ما في الوجود، فكلُّ ما في الوجود فهو بمشيئتِه سبحانه، فلا يكون إلا ما يريد، ولا يكون في السماوات والأرض من حركةٍ ولا سكونٍ إلا بمشيئتِه سبحانه وإرادتِه، فالإرادةُ كلُّها للسيِّدِ.
فقوله: «لَو لم يُرِدْهُ وَكَانَ كَانَ نَقِيصَةً» أي: إنَّ الله لو لم يُرِد ما يَقَعُ في الوجود من القبائح من كفرٍ ومعاصٍ ونحوِ ذلك، ثم كانت ووُجِدَتْ لكان ذلك نقصاً في قدرته سبحانه، إذ كيف يقع في ملكه شيئاً لم يُرِدْه؟ وكيف يقع شيءٌ بخلاف مرادِهِ سبحانَه؟
فالقول بهذا يلزم منه تَنَقُّصُ الرَّبِّ وتَعْجِيزُه، فمضمون قولِ القَدَرِيَّة أنَّ الكافرَ شاءَ الكفرَ وأنَّ العاصي شاء المعصية، والله تعالى شاء منهما الإيمان والطاعة، فوقع مرادُهما دون مرادِ الله ، وهذا مذهبٌ باطلٌ شرعاً وعقلاً؛ لأنَّه يتضمن تعجيز الرَّبِّ، وأنَّه يكونُ في ملكِه ما لا يريد، والله قد أكذبهم في غير ما آيةٍ من كتابِه الكريم، من ذلك قوله تعالى: ﴿ … وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِم مِنْ بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُم مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيد (٢٥٣)﴾ [البقرة]، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُون (١١٢)﴾ [الأنعام]، وقال : ﴿وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ [يونس: ٩٩]، وقال سبحانه: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ [السجدة: ١٣].
وقد وَرَدَ أنَّ القاضي عبد الجبار الهمذاني المعتزلي دخل على أبي إسحاق الإسفرائيني، فقال عبد الجبار: (سبحان من تَنَزَّه عن الفحشاء)،
стр. 99
وهذا كلامٌ طَيِّبٌ في ظاهره، لكنَّه يرمز به إلى شيءٍ من مذهبه، فهو يريد أن يعترض به على من يُثْبِتُ القَدَرَ، فقوله: (سبحان من تَنَزَّهَ عن الفحشاء)، يعني: سبحان من تَنَزَّه عن أن يريد الكفر والمعاصي، ففهم أبو إسحاق الإسفرائيني مغزاه، فأجابه على الفور قائلاً: (سبحان من لا يكون في ملكه إلا ما يشاء) (١).
فمَن قال: إنَّ الله تعالى لم يشأ الكفر والمعاصي، فإنَّ ذلك مقتضاه أنَّ الله عاجزٌ، وأنَّه يكون في ملكه ما لا يشاء، وعند المعتزلة حتى الطاعات لم تقع بمشيئته سبحانه؛ لأنَّ أفعالَ العباد - عندهم - طاعتَهم ومعصيتَهم كلَّها واقعةٌ بِمَحْضِ مشيئتِهم وقدرتِهم دون مشيئة الله تعالى وقدرته.
فأشار الناظم ﵀ في هذا البيت إلى البرهان العقلي على أنَّ أفعال العباد مخلوقةٌ لله ، وواقعةٌ بإرادتِه، أفعالُهم كلُّها، طاعتُهم
стр. 100
ومعاصيهم، وإيمانُهم وكفرُهم، كلُّ ذلك واقعٌ بمشيئةِ الله وقدرتِهِ وتدبيرِهِ الحكيم، فله الحكمة البالغة في كل ما يُقَدِّرُه ويَقْضِيهِ.
وقوله ﵀: «سُبْحَانَه عَنْ أَنْ يُعَجِّزَهُ الرَّدِي» لعله يريد ب «الرَّدِي» الكافر مثَلاً؛ لأن مقتضى كلام المعتزلة - كما تقدم - أنَّ الله شاء من الكافر الإيمان، وشاء الكافر الكفر، فَغَلَبَت مشيئةُ الكافرِ مشيئةَ الله، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، بل الله تعالى يضلُّ مَنْ يشاء ويهدي مَنْ يشاء، ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨)﴾ [الشمس].
وينبغي أن يُعلَم أنَّ مشيئةَ اللهِ للكفرِ والمعاصي مع بغضه لها وكراهتها راجعٌ إلى حكمته البالغة، وهذا هو الجاري على مذهب أهل السنة، فإنهم يُثبِتُون عموم المشيئة، ويثبتون الأمر والنهي، وأنَّه تعالى إنما يأمر بما يُحِبُّ ويَرضى، وينهى عن كلِّ ما يُسْخِطُه ويُبْغِضُه، وأنَّه سبحانه حكيمٌ في شرعه وقَدَرِه، وبهذا يَخْلُص مذهب أهل السنة عن كلِّ باطلٍ تضمنته مذاهب المخالفين لهم من الجبرية والمعتزلة والأشاعرة.
قال الناظمُ ﵀:
٣٠ - قَالُوا: فَمَا الإِيمانُ؟ قُلتُ مُجَاوِبَاً: … عَمَلٌ وَتَصْدِيقٌ بِغَيرِ تَبَلُّدِ (١)
انتقل الناظم ﵀ في هذا البيت إلى مسألةٍ أخرى من مسائل الاعتقاد وهي مسألة: «الإيمان».
стр. 101
ومسألة «الإيمان» من المسائل التي وقع فيها اختلاف بين الناس، وافترقت فيها الأمة على مذاهب متعدِّدةٍ.
فالجهميَّة يقولون: الإيمانُ هو المعرفة.
والأشاعرة يقولون: هو التصديق.
والمرجئة يقولون: هو التصديق بالقلب والإقرار باللسان.
والكَرَّامِيَّة يقولون: هو الإقرار باللِّسان فحسب، من غير اعتبارٍ لتصديقِ القلب.
وأهل السنة والجماعة يقولون: هو قولٌ وعملٌ.
وبتعبيرٍ آخر: هو اعتقادٌ بالجَنَان، وإقرارٌ باللِّسان، وعملٌ بالأركان (١).
فقوله: «قَالُوا: فَمَا الإِيمانُ؟» يعني: ما مُسَمَّى الإيمانِ عندك؟
ثم أجاب الناظم ﵀ عن هذا السؤال بقوله: «عَمَلٌ وَتَصْدِيقٌ» يعني: أنَّ الإيمانَ عملٌ وتصديقٌ.
стр. 102
وجواب الناظم هنا مطابقٌ لمعتقد أهل السنة والجماعة، يعني: أنَّ الإيمان عملٌ بالجوارح - ومنها اللِّسان - وتصديقٌ بالجَنَان، فالإيمان على هذا قولٌ وعملٌ، وهذا من أحسنِ ما وَرَدَ في هذه المنظومةِ وأوضحِه.
وقوله: «بِغَيرِ تَبَلُّدِ» يعني: بغير تَحَيُّرٍ ولا تَرَدُّدٍ ولا شكٍّ.
وهذه الجملة يحتمل أن تكون حالاً من قوله: «فَقُلتُ مُجَاوِباً»، فهي إما حالٌ من الضمير المتَّصِل في قوله: «فَقُلتُ»، أو حال من الضمير المُسْتَكِنِّ في قوله: «مُجَاوِباً»؛ أي: قُلتُ مُجَاوِباً من غير تَبَلُّدٍ مني ولا تَحَيُّرٍ ولا ترددٍ في ذلك.
ويحتمل أن تكون صفةً ل «التصديق»؛ أي: تصديقٌ بلا تَرَدُّدٍ ولا شكٍّ.
فالجارُّ والمجرور إما حالٌ من الضميرِ المتَّصِل أو المستَكِنّ في قوله: «مُجَاوِباً»، أو هو صفةٌ ل «التصديق».
قال الناظمُ ﵀:
٣١ - قَالُوا: فَمَنْ بَعْدَ النَّبِيِّ خَلِيفَةٌ؟ … قُلتُ: المُوَحِّدُ قَبْلِ كُلِّ مُوَحِّدِ
بعد أن فرغ الناظمُ ﵀ من ذكر بعض المسائل المتعلِّقة بصفات الله ، وذكر ما يتعلق بالقدر والإيمان، انتقل في هذه الأبيات إلى ما يتعلق بالصحابة الكرام ﵃.
وهذه القضايا التي عرض لها الناظمُ ﵀، وهي: «الصفات»، و «القدر»، و «الإيمان»، و «الصحابة» تُعَدُّ من أهمِّ القضايا التي وقع فيها النِّزَاع وافترقت فيها الأُمَّةُ فِرَقاً متعدِّدة.
стр. 103
وأصحابُ رسول الله ﷺ انقسم النَّاسُ فيهم، وافترقت فيهم الأُمَّةُ فرقاً.
ف الرَّافضةُ يبغضون جمهور الصحابة، ويطعنون فيهم ويسبونهم، ومنهم من يكفرهم كلَّهم إلا نفراً قليلاً منهم، مثل: سلمان الفارسي، وعمار بن ياسر، وأبي ذر الغفاري ﵃، وكذلك من يغلون فيهم من أهل البيت.
ويقابلهم الخوارج وخصوصاً في موقفهم من أهل البيت، وبالأخص في علي ﵁ فإنهم يكفرونه.
ومن مذهب الرافضة الباطل طعنهم في أبي بكر وعمر وعثمان ﵃، وطعنهم في خلافتهم.
فالرافضة منهم من يكفّر الشيخين ويكفّر جمهور الصحابة، ومنهم من يسب أبا بكر وعمر ويصفهما وسائر الصحابة بالظلم، وأنهم ظلموا علياً ﵁ واغتصبوا حقه.
وأما أهل السنة والجماعة فهم بين هؤلاء وهؤلاء، هم وسط بين الرافضة والخوارج النَّواصب الذين ينصِبُون العَدَاوة لأهل البيت.
فالناظمُ ﵀ يريد أن يبين في هذه الأبيات مذهب أهل السنة والجماعة في أصحاب رسول الله ﷺ ، وخصوصاً الخلفاء الراشدين.
فقال ﵀: «قَالُوا: فَمَنْ بَعْدَ النَّبِيِّ خَلِيفَةٌ؟» يعني: من هو المستحق للخلافة بعد النبيِّ ﷺ ؟
стр. 104
فأجاب: بقوله: «قُلتُ: المُوَحِّدُ قَبْلِ كُلِّ مُوَحِّدِ» ويعني به خليفةَ رسولِ الله ﷺ أبا بكر الصديق ﵁.
وفي هذا الجواب إشارةٌ إلى سَبْقِ أبي بكرٍ ﵁ إلى الإسلام، وأنَّه أول مَنْ آمن بالرَّسول ﷺ ، وأول مَنْ دخل في الإسلام من الرجال كما قيل.
فأبو بكر ﵁ هو الخليفةُ بحقٍّ بعد رسول الله ﷺ .
وأما الرَّافضةُ فيقولون: هو الخليفةُ بعد رسولِ الله ﷺ لكن بغير حقٍّ، وهو ظالم مغتَصِبٌ هو ومَن بايعه، فالأحقُّ بالخلافةِ - عندهم - هو عليُّ بنُ أبي طالبٍ ﵁، وكلُّ مَنْ وليَ الخلافةَ قبلَهُ فهو معتَدٍ وظالمٌ، فهذه هي عقيدةُ الرَّوافض في خلافةِ الخلفاءِ الثلاثة ﵃.
وأما أهل السُّنَّة فعندهم أن أبا بكر هو الخليفةُ بحقٍّ بعد رسولِ الله ﷺ ، فهو أحقُّ النَّاس بالخلافةِ وولايةِ الأمرِ بعد الرَّسول ﷺ .
و اختلف أهل السنة في خلافة أبي بكرٍ ﵁ هل ثبتت بالنصِّ الجلي، أم بالنصِّ الخفي والإشارة، أم بالاختيار.
فذهب شيخُ الإسلام ابن تيمية ﵀ إلى أنها ثبتت حُكماً بالنص على أبي بكرٍ، لكن قد يكون ذلك بالنص الجلي، أو بالنص الخفي والإشارة، وثبتت فعلاً بالاختيار، وذلك بمبايعة الصحابة من المهاجرين والأنصار لأبي بكرٍ في سقيفةِ بني سَاعِدَة، فصارَ خليفةً فعلاً بمبايعة الصحابة له (١).
стр. 105
قال الناظمُ ﵀:
٣٢ - حَامِيهِ في يَومِ العَرِيشِ وَمَنْ لَهُ … في الغَاِر أَسْعَدَ يَا لَهُ مِنَ مُسْعِدِ
في البيت السابق أشار الناظمُ ﵀ إلى سَبْقِ أبي بكرٍ ﵁ إلى الدخول في الإسلام وذلك بقوله: «المُوَحِّدُ قَبْلِ كُلِّ مُوَحِّدِ».
وفي هذا البيت ذكر له مناقب أخرى، فقال: «حَامِيهِ في يَومِ العَرِيشِ» ويريد ب «العريش» ما حصل في غزوة بدر، حيث كان النبي ﷺ في عريشٍ له يدعو ربه ويناشده ويستغيث به، وأبو بكرٍ عند ظهره ويحميه، ولما رأى شدة إلحاح النبي ﷺ في دعائه قال: يا نبيَّ الله كَفَاك مُنَاشَدَتُكَ ربَّكَ فإنه سَيُنْجِزُ لك ما وَعَدَكَ، فأنزل الله : ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِين (٩)﴾ [الأنفال] فَأَمَدَّهُ الله بِالمَلائِكَةِ (١).
فهذا ما يشير إليه الناظم بقوله: «حَامِيهِ في يَومِ العَرِيشِ».
ثم ذكر الناظمُ ﵀ منقبةً ثالثةً لأبي بكرٍ ﵁، فقال: «وَمَنْ لَهُ» يعني: والذي له «في الغَاِر أَسْعَدَ» يعني: في غارِ ثَوْرٍ، وهذا فيه إشارةٌ إلى ما حصل في قصَّةِ خروجِ النبيِّ ﷺ وأبي بكرٍ ﵁ من أجل الهجرةِ إلى المدينةِ، فقد خَرَجَا مستَخْفِيَين، فلجأا إلى الغارِ حتى يهدأ الطلب عنهما، حتى وصل الطلب إليهما في الغار يتتبعون أثرهما إلا
стр. 106
أنَّ الله برحمتِه وحكمتِه أعمى بصائِرَهم وأبصارَهم عن رسول الله ﷺ وصاحبِه، وجعل من الأسباب ما يصرف أنظارهم وعقولهم عنهما.
وقد أشار الله إلى هذا النصر بقوله تعالى: ﴿إِلاَّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيم (٤٠)﴾ [التوبة].
فأبو بكر ﵁ أَسْعَدَ النبيَّ ﷺ في هذا اليوم أَيَّمَا إسعادٍ، فقد أَسْعَدَهُ بصحبَتِهِ ومرافقَتِهِ وحمايتِهِ له، حتى إنَّه قد جاء في أخبار الهجرة أنَّ أبا بكر ﵁ كان يمشي مع النبيِّ ﷺ ، فتارةً يكون أمامه، وتارةً يكون خلفه، وتارةً عن يمينه، وتارةً عن يساره، فلما سأله النبيُّ ﷺ عن سببِ ذلك، قال: إني أذكر العَدُوَّ من الرَّصَد (١) فأكونُ أمامَك، وأذكر العَدُوَّ من الطَّلَب فأكونُ خلفك، وأخشى أن تُؤتَى من يمينك أو من شمالك (٢)، فهو يدور على النبي ﷺ من أجل حمايته.
стр. 107
وقوله: «يَا لَهُ مِنَ مُسْعِدِ» هذا فيه أسلوب مدحٍ، يعني: أنه هو المُسْعِدُ الصادِقُ في صحبته وفي حمايته، بل وفي إيمانه قبل ذلك ﵁ وأرضاه.
قال الناظمُ ﵀:
٣٣ - قَالُوا: فَمْن ثَانِيْ أَبِي بَكْرِ الرِّضَا؟ … قُلتُ: الإِمَارَةُ في الإِمَامِ الأَزْهَدِ
قوله ﵀: «قَالُوا: فَمْن ثَانِيْ أَبِي بَكْرِ الرِّضَا؟» ووقع عند ابن الجوزي في «المنتظم»: «قَالُوا: فَمَنْ تَالِي أَبي بَكْرِ الرِّضَا» يعني: مَنْ التالي لأبي بكر في الخلافة؟ أو مَنْ الثاني بعده في الخلافة؟
وقوله: «قُلتُ: الإِمَارَةُ في الإِمَامِ الأَزْهَدِ» يريد به الخليفةَ الرَّاشدَ والإمامَ الزَّاهِدَ عمرَ بنَ الخطَّاب ﵁.
فهو الخليفة الثاني بعد أبي بكر الصديق ﵁، وهو التالي له في الفضل وفي الخلافة، وقد وَلِيَ ﵁ أَمْرَ المسلمين بعهدٍ من الخليفة الأول والنَّاصِحِ لهذه الأُمَّة أبي بكرٍ ﵁، وأجمع الصحابة عليه ولم يختلفوا، فلم يُنَازَع ﵁ في أمرِ الخلافة ولم يُخْتَلَف عليه البتة، ولا أذكر أنَّه عُمِل له بيعة، بل اكتُفِيَ بمجرَّد العهد، ولا أذكر أيضاً أنه قد ورد في التاريخ أنَّ النَّاس جاءوا إليه ليبايعوه، بل انتقل إليه الأمر بهذا العهد، واكتفى المسلمون به (١).
стр. 108
قال الناظمُ ﵀:
٣٤ - فَارُوقُ أَحْمَدَ وَالمُهَذَّبُ بَعْدَهُ … سَنَدُ الشَّرِيْعَةِ (١) بِاللِّسَانِ وَبِاليَدِ
في هذا البيت أثنى الناظمُ ﵀ على ثاني الخلفاء الراشدين عمر بن الخطاب ﵁، ونَعَتَه بعدَّةِ أوصافٍ سَرَدَهَا في هذا البيت فقال: «فَارُوقُ أَحْمَدَ» هذا أشهر لَقبٍ لُقِّبَ به عمرُ ﵁، حتى قيل له: «عمر الفاروق»، وسببُ تلقِيبِه بذلك ما ذكره بعضُهم من أنَّه حَصَلَ بإسلامه الفرق بين الحق والباطل، فبإسلامه ﵁ كان للحق ظهور، حيث كان المسلمون بمكة في أول أمرهم يستخفون ويخافون، فلما أسلمَ عمرُ ﵁ وكان معروفاً بقوَّتِهِ وشدَّتِهِ - طلبَ من الرسول ﷺ أن لا يستخفوا وأن يخرجوا، فخرج الرسولُ ﷺ ومَن معه من الدَّارِ التي كانوا مستخفِينَ فيها، خرجوا في صفَّين، أحدهما فيه عمر ﵁، والثاني فيه حمزةُ عمُّ النبيِّ ﷺ ، فأعزَّ اللهُ بإسلامِهِ الدِّينَ، فهذا هو السرُّ في تلقيبه بهذا اللقب.
وقول الناظم ﵀: «فَارُوقُ أَحْمَدَ»، «أحمد» هو اسمٌ من أسماء الرسول ﷺ ، وقد ورد هذا الاسم فيما أخبر الله به عن عبده ورسوله عيسى بن مريم ﵇ بقوله: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾
стр. 109
[الصف: ٦]، وإضافة هذا اللقب إلى الرسول ﷺ «فَارُوقُ أَحْمَدَ» من باب التشريف والتكريم.
وقوله: «وَالمُهَذَّبُ بَعْدَهُ» أي: مهذَّبُ الأخلاق، فهو ذو الأخلاق الكريمة العالية، المنزَّه عن سفاسفها.
ولو قال الناظم: «فَارُوقُ أَحمَدَ والمُحَدَّثُ بَعْدَهُ» لكان أولى؛ لأنَّ هذا الوصف قد جاء على لسان رسول الله ﷺ ، وذلك في قوله: «لقد كان في الأُمَمِ قبلَكُم مُحَدَّثُون، وإن يكن في أُمَّتِي مِنْهُم أحدٌ فَعُمَر» (١)، فهو يُعرَفُ عند أهل العلم ب «المُحَدَّث» يعني: المُلْهَم.
و من آثار تحديثه وإلهامه أنَّه وافق ربَّه في أحكامٍ عَدِيدَةٍ، فاقترح الصلاة خلف المقام، وعارض النبيَّ ﷺ لَمَّا أراد - باجتهادٍ منه - أن يصلي على رأس المنافقين عبدِ الله بنِ أُبَي بنِ سَلُول، فأنزل الله: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُون (٨٤)﴾ [التوبة] إلى غيرِ ذلكَ من موافقاته ﵁ (٢).
وقوله: «سَنَدُ الشَّرِيْعَةِ بِاللِّسَانِ وَبِاليَدِ» أي: حامي الشريعةِ، والمدافعُ عنها، والناصرُ لها، ومما يدل على ذلك كثرة الفتوح الإسلامية في عهده، وانتشار الإسلام في الأمصار، فكان ﵁ عظيم الهَمِّ في
стр. 110
نشر الإسلام، وتجهيز الجيوش لأجل ذلك، حتى إنَّه قد جاء عنه أنَّه كان يجهزُ الجيوش وهو في الصلاة (١)، يجهزها بفكره وعقله، ففكره وعقله ﵁ مشحونٌ بهموم المسلمين وعزِّ الإسلام وأهله، ولعل هذا مما يُبَيِّنُ قول الناظم: «سَنَدُ الشَّرِيْعَةِ بِاللِّسَانِ وَبِاليَدِ».
قال الناظمُ ﵀:
٣٥ - قَالُوا: فَثَالِثُهُمْ؟ فقُلتُ مُجَاوِباً: … مَنْ بَايَعَ المُخْتَارُ عَنْهُ بِاليَدِ
انتقل الناظمُ ﵀ في هذا البيت إلى الإشادةِ بثالثِ الخلفاءِ الرَّاشدين عثمان بن عفان ﵁، والثناء عليه، فقال: «قَالُوا: فَثَالِثُهُمْ؟» أي: مَنْ ثالث الخلفاء الراشدين؟
فأجاب ﵀ بقوله: «فقُلتُ مُجَاوِباً: مَنْ بَايَعَ المُخْتَارُ عَنْهُ بِاليَدِ» «المختار» هو الرسول ﷺ .
والناظمُ ﵀ يشيرُ بهذا إلى ما وقع في «بيعة الرِّضْوَان» عام صلح الحُدَيْبِيَة، يوم أرسل النبيُّ ﷺ عثمانَ بنَ عفَّان ﵁ إلى أهل مكة يخبرهم بمقصودهم، وأنهم ما جاءوا لحربٍ وقِتَالٍ، وإنما جاءوا معتَمِرِين قاصدين بيتَ الله، فبلغ النبيَّ ﷺ أنَّ عثمانَ ﵁ قد قُتِلَ،